ميخائيل عيد - أسئلة الحداثة بين الواقع والشطح

آراء - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:22 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الواقعية الاشتراكية بين الميكانيكية والتحريف

الفكرة الأساسية لمفهوم الواقعية الاشتراكية هي في كون الواقع له الأولوية في الوجود وفي كون النشاط الفكري والفني انعكاساً، من خلال الذات الفعالة، لهذا الواقع المادي الذي ليس بحاجة لأي نشاط ذهني لكي يوجد- كما تقول الفلسفة.‏

وميزة أخرى للواقعية الاشتراكية هي في كونها تستند إلى النظرية العلمية بأقسامها المكونة الثلاثة وفي تبنيها في هذا الإطار لمقولة صراع الطبقات القائم فعلاً والذي ترى فيه المحرك الأساسي والعامل الفعال في تغيير البنى الاجتماعية.‏

تلك هي مرتكزاتها الأساسية وخلفياتها الفكرية وقواعد انطلاقها وحسب، أما الآفاق التي ترودها والأعماق التي تغور إليها والقمم التي تسمو نحوها فمداها الحياة بكل ما فيها.‏

إن الظاهرة الواقعية، طبيعية كانت أو اجتماعية أو نفسية، فائقة التعقيد كثيرة التشابك ومن هنا تتولد الإمكانية لأن تتمحور حولها آلاف ا لصور الأدبية دون خشية الوقوع في أحادية الصيغة أو أحادية شكل الأداء الفني.‏

والصيغة الفنية، على الرغم من صدقها، وعلى الرغم من كونها انعكاساً لظاهرة واقعية، تختلف عن الصيغة العلمية الصارمة. فقد يتحدث عشرات الأدباء الواقعيين حول ظاهرة واحدة ويكونون صادقين لفنهم دون أن تأتي صيغهم الفنية واحدة في حين يتوصل علماء من أمم مختلفة إلى صيغة واحدة لدى بحث ظاهرة معينة بحثاً علمياً. وفي هذا بالذات تكمن ميزة الأدب الواقعي والفن الواقعي عامة واستقلالهما الذاتي النسبي.. على الرغم من عدم وجود جدران صماء بين الأدب والفن وبقية العلوم وخاصة العلوم الإنسانية.‏

الصيغة العلمية ليست باردة وليست حارة، إنها صيغة علمية وحسب، أما الصيغة الفنية والأدبية المبدعة فلا يمكن أن تكون كذلك.. الصيغة الفنية ابنة الانفعال المتقد والخيال المجنح الذي جذوره في أرض الواقع وذؤاباته لا تطال إلا بخيال مجنح.‏

العلم والفلسفة يخدمان الأدب والفن ويغنيانهما ولكنهما لا يطلبان منهما التخلي عن استقلالهما النسبي.. فالفن الذي يستغني عن استقلاله النسبي لا يبقى فناً.‏

والفن العظيم ليس علماً وليس فلسفة ولكنه لا يمكن أن يكون فناً وعظيماً إذا قام على أسس منافية لمعطيات العلم والفلسفة أو متعارضة معها.‏

أما تنوع الصيغ غير المتناهي فكامن في جوهر الإبداع. من رأى وردتين هما وردة واحدة؟ من رأى امرأتين متشابهتين تماماً؟ ذلك هو جوهر الإبداع الحق الذي يقوم على أسس عامة واحدة ثم يعطي، كالحياة، صوراًً فريدة متميزة لا حصر لها، فيها الصفات النوعية للكائن، وفيها التفرد والملامح الذاتية الخاصة.‏

كان لابد من ذكر هذه "المسلمات" الأولية قبل البدء بمناقشة بعض ما يكرره أولئك الذين يهاجمون الواقعية عامة والواقعية الاشتراكية خاصة متجاهلين أولياتها أو معتبرين، لسبب نجهله، المنطلق النظري كامل العملية الإبداعية التي تختلف عن النظرية في كونها جنساً آخر من النشاط الإبداعي الإنساني.‏

فما الذي يريده السادة غير الواقعيين بالتحديد؟.‏

إن من يتتبع ما يكتب في هذا الصدد يرى، دون كبير عناء، وخلف ركامات من الصيغ المرائية والأقنعة التي لم تعد كافية، أن الهدف الأول هو التشهير بالواقعية الاشتراكية مهما كلف الأمر.. ولماذا؟ ذلك لأن السادة النقاد غير الواقعيين يرون "ثغرات" في المنهج الواقعي! وهم لا يطيقون، وهنا يتحمسون جداً، رؤية الثغرات ومن ثم السكوت عليها.. ولهذا يحملون معاولهم العتيقة، وينهالون ضرباً على الصرح العظيم.. فهم، وهذا غاية العجب في أمرنا معهم، يسدون "ثغرات" المنهج بمحاولة هدم صرح المنهج وبعثرة حجارته..‏

كنا نود أن نقول لهم: إنكم تجهدون أنفسكم دون جدوى أيها السادة! ولكننا نعلم يقيناً أنهم لا يفعلون ذلك دون جدوى تماماً. قد لا تكون الجدوى فنية، أو لوجه الفن الخالص كما يقولون. ولكنها جدوى على كل حال.‏

وما هو البديل الذي يطرحونه؟.‏

البديل هو كل شيء ما عدا الواقعية الاشتراكية!‏

فلنتذكر أن الجواب الصحيح لكل مسألة حسابية هو واحد بينما الإجابات الخاطئة لا نهاية لها.. وليست المسألة هنا، طبعاً، على مثل صرامة المسائل الحسابية.‏

ثم فلنسأل: وهل هناك فن منفصم تماماً عن الواقع ولا تقوم بينه وبين الواقع أية صلة؟ إن واقع تاريخ الفن والأدب يظهر لنا العكس تماماً. فالفنون جميعاً وكذلك العلوم جمعياً ذات منشأ واقعي.. بل وأكثر من ذلك.. كانت ذات منشأ نفعي مباشر.. ما القضية إذن؟‏

من أين، وإلى أين؟ من الواقع إلى السمو به أم من الوجه الآخر البغيض للواقع ونحو مزيد من الانحدار؟ أم ثمة موقف محايد يترك موسى وربه يقاتلان وحدهما؟‏

الفن العظيم هو فن سام أبداً، ونحن مع الفن العظيم أبداً لأنه يسمو بالإنسان أبداً. فما معنى الالتزام السياسي والحزبي في الأدب والفن إذن؟‏

نحن نعيش مرحلة تاريخية محددة تقوم فيها صراعات ضارية وحاسمة والالتزام السياسي والحزبي هو وسيلة المناضلين بالفن وسواه لمواجهة هجوم أعداء التقدم الإنساني على حقوق الإنسان الأساسية وعلى إنسانية الإنسان وسموه، وبالتالي على الفن العظيم الذي لا مبرر لوجوده سوى السمو بالإنسان. أليس ثمة وسيلة أخرى؟ كل الوسائل الإنسانية مفيدة، ولكن الوسيلة الأكثر جدوى وفاعلية للرد على هجمات الأعداء المنظمين أحسن تنظيم هي العمل المنظم لحماية الذات ومن ثم الانطلاق صعداً.. ليس الفن مسؤولاً عن نشوب الصراعات ولكنه مسؤول عن الإسهام بقسطه في حسمها لصالح التقدم الإنساني، وتلك بدهية يكاد التقدميون في جميع أنحاء العالم يملون من تردادها.. ومع ذلك يظل السادة غير الواقعيين يتجاهلونها بمكابرة لا تقوم على أساس، وبعناد في غير محله.‏

أين هي الميكانيكية وأين هو التحريف في هذا المجال؟‏

الميكانيكية هي في الزعم أن العمل الفني هو انعكاس للواقع، كما في المرآة، بحيث لا يبقى أي دور للذات الفاعلة، وحيث يلغي العام الخاص تماماً. وتتجسد على الصعيد السياسي في شعار" من ليس منا فهو ضدنا" وفي الدوغماتية وضيق الأفق والفجاجة.. أما التحريف فشعاره السياسي: "من ليس ضدنا فهو منا." وعلى الصعيد الفني- الأدبي يبالغ التحريفيون في دور الذات، وكأنها ليست نتاجاً مجتمعياً، مقللين إلى أقصى حد من دور العام لصالح الخاص متناسين العلاقة الديالكتيكية القائمة بين العام والخاص.‏

والميكانيكية والتحريف يشوهان أصالة العمل الفني، والواقعية تعني الأصالة الحقة.‏

والأصالة هي النمو الطبيعي في البيئة المكانية في مرحلة محددة ووسط ظروف المناخ بكل ما يهب عليها.. الأصالة ليست تعصباً شوفينياً وانغلاقاً على الذات وليست كوسموبوليتية. "الكوسموبوليتي صفر أو أ سوأ من الصفر" كما يقول توريجينيف. وكذلك لا يستطيع التعصب الشوفيني أن يصنع فناً عظيماً يحمل سمات بيئته وعصره والأصالة هي ذلك النبع الذي ينطلق من منبع الحياة سائراً إلى اللانهاية عبر الزمن وفوق أرض بعينها ليصب في خضم الإنسانية بما يحمله من طعم خاص أكسبه إياه مجراه الخاص.‏

والأصالة الحقة، الواقعية الحقة، هي المعاصرة بمفهومها العلمي. والمعاصرة هي الجسر الذي امتد إلينا من الماضي وهي الجسر الذي ينطلق عبرنا إلى المستقبل.‏

لقد حاول أجدادنا السيطرة على العالم بوسائلهم الخاصة ونظروا إليه من خلال مستوى تطور وعيهم الخاص، لقد أورثونا الكثير من الحقائق والكثير من الأوهام. ولقد أوجدنا ونوجد كل يوم وسائل خاصة للسيطرة على العالم ونغني ميراثنا من الحقائق ونتخلى عن الكثير من الأوهام.ونزداد تقدماً على طريق تملك العالم التي لا تنتهي.. إن نظرتنا إلى العالم تزداد عمقاً واتساعاً وسمواً وهذا ما يجد انعكاسه في الأدب والفن الواقعيين أيضاً.‏

وقد يرد سؤال: ألا نقع في أوهام جديدة؟ قد يحدث ذلك.. والمهم أن نسعى بإخلاص إلى اكتشاف المزيد من الحقائق.. المهم هو اكتشاف حقائق جديدة لا نجاح كل منا في إيهام الآخر بصواب رأيه.‏

والمعاصرة لا تعني التخلي عما أبدع سابقاً والانطلاق من الصفر كما يزعم العدميون.فلا يمكن لشيء، أي شيء، أن يولد من عدم، فالمعاصرة هي إعادة خلق جديدة للعالم وفق المعطيات الجديدة. والمعطيات الجديدة نوعياً هي بنت المعطيات القديمة التي تجاوزتها بعد أن ولدت في رحمها. وكل إبداعات عصرنا الجديدة لن تكون أكثر من درجة، درجة محدودة في إطار الزمان والمكان، في سلم التطور الحضاري غير المتناهي، درجة تستند إلى ما تحتها وتقوم بإسناد ما يولد منها ثم يعلوها.‏

الثورة التي ستدمر كل ما أنجز قبلها لن تقوم أبداً. والمراوحة في المكان نكوص على درب الحضارة الصاعد دوماً. فالتطرف اليميني الجامد والتطرف اليساري المدمر يكادان يتساويان في عدم معقوليتهما وعدم انسجامهما مع تطور الفن والأدب.‏

لقد استخدم كل من الكتاب والشعراء العظماء اللغة بطريقة خاصة، ولكن أياً منهم لم ينف لغة الذين سبقوه ولا طرقهم الخاصة. وكل عمل أدبي متميز هو اغناء للغة وتطوير لها ولكنه ليس خلقاً للغة.. فاللغة موروث اجتماعي هو نتاج تطور حضاري دام قروناً ولا يمكن إيقافه.. واللغة وسيلة تفاهم اجتماعية ومستودع لاختزان الثروات التي يبدعها الشعب الذي يستخدم تلك اللغة وكل ما يترجم إليها من إبداعات الشعوب الأخرى، اللغة تطرح ما يبلى منها ببطء وتغتني بالجديد الضروري ببطء أيضاً والبطء هنا نسبي.‏

والواقعيون يأخذون هذه الاعتبارات في الحسبان حين يسجلون تحفظاتهم على ما يجري من "مغامرات" لتهشيم اللغة ومما يسميه بعضهم أحياناً "ثورات شكلية" ومن محاولات تجاهل القواعد.. نحن لا نؤمن بوجود فن لا قواعد له. ونحن ندرك أن القواعد وحدها لا تصنع فناً.. والزعم بإمكانية القيام "بثورة في الشكل" زعم فيه الكثير من المغالاة والكثير من اختلال المنطق. فليس ثمة شكل مجرد.. كل شكل هو تجسيد لشيء.. واللاشيء لا شكل له بتاتاً.‏

هذا لا يعني بتاتاً أن الواقعيين يتحفظون من التجديد الأصيل، فالواقع الحياتي المتجدد دائماً يفرض صيغاً جديدة أصيلة دائماً ويفرض تطويراً مستمراً للأسلوب.‏

أن الفهم الميكانيكي المبتذل للواقعية هو ما أوجد الزعم بأن الواقعية تفرض أحادية الأسلوب أثناء معالجة ظواهر الحياة المحددة، هذا إذا افترضنا أن الذين طرحوا هذا الزعم كانوا حسني النوايا، ونحن نشك في كونهم جميعاً كذلك، فلقد زعم أعداء الاشتراكية السياسيون أن الاشتراكية تعني أحادية "الملعقة وأحادية الصحن" أي أن الناس جميعاً في ظل الاشتراكية يأكلون بملعقة واحدة ومن صحن واحد، وكما رأينا الاشتراكية تعطي الملاعق والصحون وأجود الأطعمة وكل الثروات الثقافية لجميع الذين كانوا محرومين منها فقد رأينا أن الواقعية الاشتراكية قد أطلقت الملكات الإبداعية للمؤمنين بها وسلحتهم بفهم أعمق للحياة والواقع. ولقد أبدع عباقرة الواقعية الاشتراكية أعمالاً عظيمة فريدة في الفن والأدب.‏

كيف أمكن ذلك؟ كان الأحرى أن نسأل وكيف لا يكون الأمر كذلك؟ فظواهر الحياة الواقعية فائقة الغنى والتنوع ولكل مبدع زاوية نظر محددة وله أيضاً ذاته الفردية التي تلتقي مع ذوات الآخرين بميزاتها العامة وتتميز عنها بسمات منفردة. وزاويا النظر المحددة هذه والسمات المفردة هذه هي التي تفترض التنوع غير المحدود للصيغ الفنية في عملية انعكاس الظاهرة الواحدة في أعمال فنية.‏

والواقعية الاشتراكية، كالنظرية العلمية التي تستند إليها، ليست نظرة جامدة إلى الحياة بل هي تنظر إلى الحياة والظواهر نظرة ديالكتيكية، أي في حالة حركتها الدائبة التي ليست الحركة الميكانيكية في المكان إلا أكثر أنواعها بساطة.. وحركة الواقع الدائبة هذه وتطوره الذي لا يتوقف، وحركة الذات المبدعة العاكسة لهذا الواقع والفاعلة فيه والمنفعلة به، وتطورها الدائب واغتنائها المستمر، هذه الحركة وهذا التطور في الواقع والذات هما السبب الكامن وراء استحالة أحادية الصيغة الفنية. ليعبر كل منا كتابياً عن فكرة معينة أو عن ظاهرة معينة ثم فليطو ما كتبه وليضعه في مكان ما وليحاول بعد فترة وجيزة أن يعبر أدبياً عن الفكرة ذاتها أو الظاهرة ذاتها ولنر أن كنا قادرين على التعبير عنها بالصيغ ذاتها التي كتبناها في المرة الأولى، لا يجوز أن تصبح هذه التجربة اختباراً للذاكرة.. فنحن نقصد من خلالها محاولة إعادة خلق اللحظة الإبداعية أو تكرار لحظة الخلق واستعادتها. إن كل صيغة تولد في حالة معينة من التوتر الذهني وتكون دائماً موضع أخذ ورد في الذهن قبل إقرارها وكثيراً ما تقود إلى تداعيات ذهنية قد تكون، أحياناً، متعارضة مع الصيغة ذاتها أو خارجة على الموضوع الذي نركز الذهن على تجسيده عملاً فنياً.. وبسبب هذه الاعتبارات أيضاً نرى شبه استحالة تكرار الصيغة الفنية بذاتها.‏

إن ما يلفت النظر، في الواقع، هو ما نراه من تشابه وتقارب في صيغ أصحاب "الثورات" الشكلية وفي "أجوائهم" وسبب هذا التشابه هو أنهم كانوا، في أغلبهم، مترجمين ومقلدين لتجريدات ذهنية نبتت اصطناعياً في مجتمعات، بل على وجه التحديد في أوساط فئات غريبة. والتقليد الذي هو في أحسن حالاته مسخ للإبداع، يقود دائماً إلى تشابه أجواء المقلدين للتجريدات وصيغهم.. ولنتذكر في هذا المجال الوجه الآخر للمسألة.. كلنا يعرف أن ناظم حكمت وبابلو نيرودا على سبيل المثال، من مدرسة فكرية واحدة، بالرغم من ذلك نرى اختلاف الصيغ والأجواء التي أوجداها. وهذا ما يؤكد من ناحية أخرى أن العمل الإبداعي الحي لا يمكن أن يكون نسخة طبق الأصل لأية ظاهرة أو لأي عمل إبداعي آخر، فالعمل الإبداعي هو دائماً متفرد وأصيل.‏

قد يكون بعض ما أوردته من الأوليات التي يكثر الواقعيون الاشتراكيون من تكرارها في الرد على منتقدي الواقعية الاشتراكية.. إنها، فعلاً، أوليات معروفة جيداً وفي هذا تكمن دهشتنا لما نراه فيما يكتب من انتقادات هي في جوهرها تشويهات مختلقة للواقعية الاشتراكية.‏

وبعض الكتاب مثلاً يهاجمونها لأنها "مستوردة"حسب زعمهم. وهم يحشدون في الرد عليها كل ما قاله خصومها من أدباء ونقاد وسياسيين في جميع أنحاء العالم ومن مختلف المدارس الأدبية التي لا نعرف عنها أكثر من أسمائها أحياناً، وهم لا يرون في ذلك استيراداً. وأنا لا أعرف إن كانوا يعتبرون نظريات اقليدس ومسلماته الهندسية أو غيرها من النظريات العلمية "مستوردة" ويقفون منها هذا الموقف العدائي علماً بأن الواقعية تقوم في أساس تراثنا الأدبي. إن كل من يقرأ شعرنا، منذ الجاهلية وحتى عصرنا الراهن، يرى وجه الواقعية المشرق يطل من أجمل أعمال أسلافنا الإبداعية.‏

ويتبنى بعضهم وجهة نظر البير كامو المعادية للواقعية الاشتراكية. يقول كامو: "إن الموضوع الحقيقي للواقعية الاشتراكية هو بالضبط ما لم يصبح واقعاً بعد، إنه تناقض فاضح، وعلى كل حال، فتعبير "الواقعية الاشتراكية" بحد ذاته تعبير متناقض. إذ كيف يمكن أن توجد واقعية اشتراكية ما دام الواقع بمجمله لا يزال غير اشتراكي".‏

لقد طرحت الماركسية مقولة التشكيلات الاجتماعية المختلفة وصيرورة الأدنى منها إلى التشكيلية الاجتماعية الأرقى. ولقد برهنت على أن التشكيلة الجديدة الأرقى لا تولد في الفراغ بل في رحم التشكيلة القديمة الأدنى. وفي أدب كل أمة من الأمم، في إطار التشكيلات الاجتماعية القائمة على التمايز الطبقي، أدبان، أدب الذين تحت وأدب الذين فوق على سلم التفاوت الاجتماعي، وللطبقة العاملة في المجتمع الرأسمالي مثلها العليا الاشتراكية وطموحاتها وفكرها الثوري وتنظيمها السياسي الذي يقودها إلى القضاء على الرأسمالية وبناء الاشتراكية. إن نبتات الاشتراكية تنمو وتترعرع على أرض الرأسمالية وحتى على أرض ما قبل الرأسمالية في بلدان العالم الثالث في أيامنا. و"الأفكار حين تتبناها الجماهير تصبح قوة مادية" فما الغرابة بعد هذا في أن تترسخ جذور الواقعية الاشتراكية في تربة المجتمع الرأسمالي الذي لم يصبح اشتراكياً بعد؟ لقد ولدت نظرية الاشتراكية العلمية في قلب المجتمع الرأسمالي وكانت انعكاساً لظروف اجتماعية وطبقية محددة. إنها الانعكاس الأدبي والفني لهذه الظروف.. إن الواقعية الاشتراكية لم تولد من العدم في المجتمع الرأسمالي ومن هنا نصل إلى القول إن وجهة نظر كامو قد تميزت بالنظرة الميكانيكية.‏

وثمة "وجهات نظر" أكثر فجاجة وأكثر ابتذالاً، منها، مثلاً، ما طرحه أحدهم في افتتاحية ملحق ثقافي لإحدى صحفنا المحلية. لقد أورد صاحبنا القضية على الشكل التالي حرفياً: "خذوا مثلاً: شاعر يكتب في الحب يسأله استظهار المثولات: "أين" في شعرك، المرأة الأم، والزوج، والعاملة، والفلاحة؟" كأنما الكتابة عن حصار الحب، الذي هو حصار الإنسان، الذي هو اختناق الحياة في عصر الهواء الفاسد.. لا يكفي. كأنما على الشاعر وفق مقولات الاستظهار، إن يصف يدي حبيبته الملطختين بالطين أو بالروث. وعن شعرها المنزرع بالقمل أو بالغبار‍؟".‏

أنا لا أعتقد أن أحداً قد سبق له وابتذل القضية إلى هذه الدرجة.. فإذا صدقنا أن أحداً قد طلب من صاحبنا المشار إليه أعلاه أن "يصف" أو حتى أن يتغزل بيدي "حبيبته الملطختين بالطين أو بالروث، فلسوف نمضي معه إلى آخر الخط ونسأله بدورنا: إذا كانت "حبيبتك" على ما ذكرت فهل ستصف غيرها وتتغزل بثالثة فتكون لك واحدة للحب وأخرى للوصف وثالثة للغزل؟ الشاعر الحق هو من يتغزل بحبيته أو لن تكون حبيبته؟ أم أن الحب "الجديد" شيء غير الحب؟ ثم إن الواقعية لا تطلب منا التغزل بالواقع البشع والمذل لإنسانية الإنسان والمهشم للحب بل تدعونا إلى محاربة هذا الواقع وليس إلى الهرب من هوائه الفاسد إلى حيث يهرب الهاربون.. أليس مأساة حقاً أن تظل في عالمنا وبين ظهرانينا حبيبة "شعرها منزرع بالقمل" ونظل "شعراء ثوريين" نتغزل بخيط ينحل في جورب بورجوازية أو بتلك التي تغسل جلدها يومياً بكمية من الحليب تطعم عدة أطفال ممن يموتون جوعاً في مختلف أنحاء العالم.. ثم إننا لا نرى أن ذكر "المرأة الأم" والزوج، والعاملة، والفلاحة" في الشعر يتناقض مع "الحب المحاصر" بل نرى في ذلك محاولة حقة لفك الحصار عن الحب والإنسان..ليت كل منتقدي الواقعية على مثل هذه السذاجة والفجاحة إذن لهان الأمر، ثمة في الواقع نقاد للواقعية أكثر دهاء وثمة محرفون أذكياء أيضاً، خذ مثلاً: أحد المحرفين الكبار، إنه يورد أسماء عدد من كبار الكتاب ممن انتقدوا بعض عيوب الرأسمالية ثم يطرح السؤال على الشكل التالي: هل هؤلاء ضدنا؟ ثم يتوصل إلى استنتاج غريب حقاً على مثله فيقرر: ثمة إذن واقعية بلا ضفاف؟ هكذا يلغي التناقضات والصراعات الطبقية والاجتماعية وانعكاساتها في الأدب والفن ولكن الضفاف ستظل قائمة يا سادة ما دامت الدنيا قائمة على متناقضين: على بيغن ودير ياسين: على فيتنام وأميركا.. على زنوج أميركا واحتكارييها..‍ ولن يزيل هذه الضفاف سوى حل التناقض الأساسي في عصرنا.‏

كثيرون هم الذين ينتقدون عيوب الرأسمالية عفوياً ونحن نطرح السؤال على الشكل التالي: وهل هؤلاء العفويون منا نحن أصحاب الموقف؟.. عفويون وأصحاب موقف.. هنا جوهر المسألة التي يحاول طمسها المحرفون حين لا يقدرون على طمس ما هو أكبر منها.‏

والموقف هو الآخر إحدى القضايا التي يهاجمون الواقعيين الاشتراكيين بسببها. الموقف، يصيحون، هو حدود معينة، هو التزام، والالتزام قيد والفن عصفور حر، حر تماماً، حر أكثر من اللازم وهو، وهو.. إلى آخر ما لديهم وليس ما لديهم بالقليل.. وهم دائماً ينسون أو يتناسون الأمر الجوهري.. ينسون أن الموقف قضية ولا قيمة للفن من دون قضية..‏

كيف يكون الموقف قيداً؟ وهل يرى صاحب القضية المخلص لها نفسه مقيداً؟ نحن نعرف الكثيرين ممن أرغموا في ظروف قاسية جداً على إشهار التنكر لقضيتهم فظلوا مقيدين نفسياً ومعنوياً بالاشهار الذي أعلنوه قسراً لينقذوا أرواحهم وأرواح أولادهم ونسائهم وليس بالقضية.. أو إذا كانت القضية قيوداً فمن أرغم الشهداء من المناضلين على الموت في سبيلها؟.. ثم إن الفن العظيم حقاً هو قضية كبرى بحد ذاتها، لأنه انعكاس لقضية الإنسان العظمى. ولا يمكن أن يكون الفنان العظيم عدوا للإنسان في إبداعه.‏

إن الالتزام بقضية كبرى كالنضال في سبيل السلام والاشتراكية في زمن يسعى فيه أعداء الإنسان متكالبين لاعادة فرض سيطرتهم على الشعوب، ويكدسون جبالاً من الأسلحة المدمرة ويعدون لتفجير كوكبنا الصغير الجميل، وإن النضال ضد الجوع والفقر والجهل لا يمكن أن يكونا قيدا بل هما من أنبل الاختيارات الحرة في عصرنا.. وأي قيمة لعمل فني يتجاهل قضايا عصره الحقيقية العظمى.‏

ثمة مسألة شكلية لابد من الالتفات إليها: كيف يمكن أن تكون الواقعية الاشتراكية ذات ضفاف من جهة وغير محددة للكاتب وغير محدودة الأغوار والأمداء من جهة أخرى.‏

ما كان يجب تبسيط المسألة إلى هذا الحد لولا الخوف ممن يأخذون بالحرفية فيتجاهلون الجوهر ويتسقطون الهفوات الشكلية البسيطة ليجعلوا منها خطيئة مميتة. إن القضية الكبرى، قضية تحرير الإنسان من العبودية ومن لعنة الاستغلال، قضية تحطيم كل ما يعيق انطلاقته المجيدة على دروب الرقي الذي لا ينتهي، هي ضفاف الواقعية عامة والواقعية الاشتراكية خاصة. إن الوقوف على الطرف الآخر واجتياز الخندق، هو انتقال إلى الضفة الأخرى. فالضفة هنا هي الخندق الفاصل ما بين الإنسان وأعدائه، لا تقيم الواقعية الاشتراكية ضفافاً مصطنعة على الجبهة الإنسانية الكبرى وإنما هي موقف في الخندق المواجه لأعداء الإنسان.. ونحن لا نرى أي تناقض هنا، كراهية أعداء الإنسان ليست قيدا لحب الإنسان بل قد تكون الوجه الأكثر اشراقاً لهذا الحب حين تأتي ساعة الحسم.. والجبهة الإنسانية التي يخوض إنسان عصرنا النضال في خنادقها واضحة المعالم ومحددة- حددتها سمات عصرنا الأساسية التي يعرفها المناضلون جميعاً. نحن نرى أن جميع الإنسانيين يقفون في صفنا على نطاق الجبهة العريضة وعلى صعيد المعركة الاستراتيجية طويلة الأمد.. ولكننا نعلم أيضاً أن الخنادق الأمامية في كل معركة هي الأكثر أهمية مع عدم التقليل من أهمية خنادق المؤخرة.. ولهذا يدعو الواقعيون الاشتراكيون جميع الأدباء والفنانين إلى التقدم لأخذ مواقعهم الطبيعية في الخنادق الأولى من جبهة المعركة الفاصلة.‏

ولأن عصرنا هو عصر التناحرات الطبقية، عصر التناقضات الكبرى المصيرية يظل السؤال الأهم والمحدد هو: مع من؟‏

لن يستطيع أحد أن يكون في خندقين متضادين في آن.‏

وأن يبقى المرء خارج الخندقين فذلك يعني أن يكون خارج العصر.‏

وتلك محاولة ساذجة للفرار من مواجهة قضايا العصر.‏

أن أطمع بالخروج من إطار زمني، ذلك هو الوهم.‏

أما أن أطمح إلى جعل أحداث زمني أبهى فذاك هو الحلم.‏

ومغزى حياة الإنسان يقاس بالمسافة ما بين الوهم والحلم .‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244