|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:23 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الثروة الجمالية ومكونات الجمال في شعر أبي سلمى منذ زمن بعيد أتمنى أن تتاح لي فرصة أفرغ فيها إلى شعر أبي سلمى دون سواه. ولقد قررت أكثر من مرة أن أترك كل عمل آخر وأن أنصرف إلى شعر الرجل وكنت أتناول ديوانه وأقرأ بعضاً منه ثم تأتي "الظروف" التي نلقي عليها كل تبعات تقصيرنا فتشغلني عن ذلك وأبرر تقصيري بمبررات أخرى كثيرة. لم يكن اسم عبد الكريم الكرمي قد وصل إلى قريتي البعيدة عن العاصمة قبل أن يصل إلينا ديوانه "المشرد".. كان ذلك منذ زمن بعيد.. ولكن وهج تلك القصائد ما زال يدفء روحي.. وإني لأزعم أن قصائده تلك قد امتلكت أعماقي وسيطرت على مشاعري دفعة واحدة منذ ذلك الزمن ولم تستطع الأيام الكثيرة أن تطفف من ألق تلك الكلمات العابقة برائحة الأرض المثقلة بالحنين، المفعمة بحب الإنسان، الداعية الشمس إلى الشروق، المجنحة بالبروق، الهادرة بغضب الرعد والزلزلة. لقد رأيت فيها وطناً من خلل دموع شاعر مشرد ولكنني لم أر فيها وهناً أو تخاذلاً فطربت لجمالها وروعتها وأعجبت برجولة الرجل وأكبرت عظيم همته وعظيم وفائه لرفاقه الذين قاوموا الطغاة فاستشهدوا أو سجنوا أو شردوا. ما طمحت يوماً ولا أطمح الآن إلى كتابه بحث في مسائل الشعر والجمال. كل ما عندي أسئلة تعذبني وتقلقني فأشعر، أحياناً، أنها على شيء من الأهمية فأطرحها على نفسي مراراً وتكراراً وأحاول أن أجيب عنها وتتكون في ذهني إجابات يخيل لي أنها مقنعة إلى حد ما.. وحين أهم بالشروع في كتابتها أقول لنفسي: لم تحن ولادتها بعد، دعها تنضج أكثر. وأدعها على أمل أن يأتي وقتها.. وتمضي الشهور والأعوام.. ثم يخطر لي أنها لن تنضج إلا على نار محاورة الآخرين وتبادل الرأي معهم.. ثم أعود فاحجم عن طرحها للنقاش.. فمن سيعير اهتماماً لأسئلة متواضعة وهادئة في هذا الزمن المتغطرس الصاخب؟ يبدو أن كل ما حاولت أن أعلل به تحاشي طرح هذه المسائل غير مقنع، فأنا غير مقتنع تماماً بصحته، وأتجاسر فأقول إن الخوف من الخوض في مثل هذه المسائل هو السبب الحقيقي للتهرب من طرحها.. وكيف لا يخاف العاقل من خوض بحر متلاطم الأمواج كثير التيارات ولا وسيلة للعوم فيه سوى ساعديه الضعيفين؟ سأل بعض الفلاسفة القدماء: ما هو الجمال؟ وأجاب بعضهم: الجمال هو الشيء الجميل. وألح بعضهم الأول: ولكننا سألنا عن الجمال الذي يجعل الشيء جميلاً. وألح بعضهم الثاني: الجمال في الشيء الجميل وليس خارجه، نقول زهرة جميلة وامرأة جميلة ولا نعرف جمالاً خارج الشيء. ومنذ ذلك الزمن الموغل في القدم وعلماء الجمال والفلاسفة والشعراء والفنانون الكبار منهم والصغار يتجادلون في هذه المسألة، وتكونت المدارس الكثيرة بشأن ما ندعوه الجمال وعلم الجمال وتضاربت الآراء ووجهات النظر. وتبدو لي أسئلتي جد بائسة.. وأشعر بالخوف ينتابني.. ثم أواجه نفسي صراحة: إذن، كف عن الكتابة؟ واجفل.. فكيف أكف عن الكتابة.. هي متعتي الكبرى! وأحزم أمري.. إذن.. لا مناص من طرح الأسئلة ومحاولة الإجابة عنها.. ثم أغمغم كمن أسلم أمره للقدر: فليكن.. على الرغم من أنها مسألة أكثر من صعبة. حين تكون الأسئلة كثيرة يأتي في مقدمتها دائماً سؤال إضافي هو: من أين أبدأ؟ أنا الآن بصدد الكتابه عن الثروة الجمالية في شعر أبي سلمى.. وشعر أبي سلمى كشعر المبدعين من أبناء جيله مكتوب على الطريقة التي اعتدنا تسميتها "كلاسيكية" فهل هذا يعني محاولة الرجوع إلى "الوراء" والتخلي عن الحداثة، أو محاولة التصدي لها؟.. لا.. قطعاً.. فأنا لا أريد ذلك ولا أستطع ذلك.. كل ما في الأمر، وأرجو أن يفهمني الجميع جيداً، أنني أقرأ القصائد الجيدة في شعر الآباء والأجداد فانتشي وأنفعل وأهتف طرباً: هذا جميل! وأشعر أحياناً أن كلمة "جميل" غير دقيقة أو هي لاتعبر، فعلاً عن مفهوم يمكن أن يدل على الجمال.... فهل الشعر جميل أم مؤثر ؟ وإذا كان المؤثر جميلاً أفلا نكون قد أضفنا إلى الجميل عنصراً ليس في جوهره؟ وأجفل مرة أخرى..لا.. لا.. لن أسير على مثل هذه المنزلقات.. ولكنني سأضطر إلى استعمال كلمات: من نوع "مكونات التأثير وبواعث الانفعال، والشحنه الانفعالية" بدلاً من كلمة جمال وجميل.. ولا أظن أن ذلك مما يضير في شيء، وقد استعمل المؤثر والجميل معاً.. وهذا لا يضير أيضاً.. لكن النقاد وعلماء الجمال قد لا يرضيهم ذلك.. أعرف ذلك.. وأتمنى عليهم أن يحاولوا مساعدتنا في الإجابة عن الأسئلة التي تقلقنا. فكيف تتكون الثروة الجمالية في العمل الإبداعي أو ما هي مكونات التأثير التي تجعلنا ننفعل؟ الشعر فن كلامي، أجل، هو أحد فنون القول، فهل للكلمة، للمفردة بذاتها دور في البناء الشعري وفي تكوين الجو الشعري، أو الوسط الجمالي، أو الشحنة الانفعالية؟ الأساتذة في الثانويات والجامعات يدخلون دراسة المفردات في أساس دراسة النص الشعري: هل الألفاظ، سهلة، متناغمة، عويصة، ناشذة.. وكنا نفهم منهم أن للكلمات بذاتها قيمة قصوى.. ثم سمعنا من يقول.. إن الكلمات كلها كلمات لا أكثر.. وتكسب قيمتها من الجو الذي يضعها المبدع فيه.. فهي مثل الحجارة التي تصير حيناً في هيكل للصلاة أو في قنطره جسر حجري أو في أساس متحف، وقد تصير بعضاً من وجه آلهة للجمال في تمثال رائع أو شدقاً فاغراً لتنين أسطوري في تمثال آخر.. فالكلمات في القاموس ليست حارّة وليست باردة، ليست جميلة وليست قبيحة، هي حلقات وصل في أسلاك نقل الطاقة من المبدع إلى المتلقي، أو هي كالتراب والشمس والماء والهواء تخلق شتى صنوف العشب والشجر إذا تفاعلت وفق قوانين معينة وفي أجواء مناسبة. والكلمة التي قد تكون وردة هنا قد تصير شوكة هناك.. والخ، وتبقى مواتا إذا لم تتفاعل. ويرى رضوان الشهال أن الجو الشعري يتكون، مثله مثل كل الظواهر الطبيعية، طبقاً لقوانين الجدل العلمية، فالتراكم الكمي يؤدي إلى تغير نوعي في الشعر، إذ تتحول كلمات القاموس التي هي فحم إلى ماسات رائعات في الشعر وهذه القفزة النوعية لا تكون إلا نتيجة لتراكمات كمية. ورضوان الشهال يقدم الكثير من الأمثلة على ذلك ويفسر الكثير من الأبيات الشعرية وفقاً لقانون الحركة التي تشمل الكون بأسره. ولن نتوقف هنا أكثر مما توقفنا، إذ يطرح نفسه السؤال التالي: إذا كان الشعر فناً كلامياً ولم يكن كلاماً فحسب، فما المكونات الأخرى التي تجعل الكلام يصير شعراً وتخلق الشحنه الانفعالية والجو الشعري؟ يرى الكثيرون من كبار علماء الجمال ونقاد الأدب وكبار المبدعين أن "الخير والشر" موضوعان قديمان رافقا الفنون والآداب طوال التاريخ وسيبقيان إلى الأبد من موضوعات الأدب والفن. فهل الأخلاقي جزء مكون من أجزاء الجمالي؟ ويزعم آخرون أن الجميل هو أخلاقي حكماً. وأن الفضائل الإنسانية تثير حسنا الجمالي فنعجب بها، وأن الرذائل كالغدر والخيانة والجبن والكذب توقظ فينا مشاعر النفور وذاك رد فعل الجميل على القبيح. ويتحدث النقاد عن الوحدة العضوية وعن الصدق والأصالة في العمل الفني، والشعر منه، فماذا تعني هذه المفهومات؟ وهل حاولنا أن ندرس أدبنا القديم والحديث وفقاً لها؟ وإلى أين وصلنا؟ أم أننا ما زلنا نترجم المفهومات وتطبيقاتها ثم نتجاهل نتاج مبدعينا لوعورة الدرب إلى التطبيق ولأسباب أخرى كثيرة؟ يتكلم ايفريم كارانفيلوف على عمق ينابيع الجبال وشفافيتها.. ويتكلم أحد العباقرة على طريقه الإبداعي فيلخص تجربته فيقول: كنت أول الأمر أكتب كلاماً غامضاً ورديئاً ثم صرت أكتب كلاماً غامضاً وجيدا وأنا الآن أكتب كلاماً بسيطاً وجيداً. فهل الشفافية والصفاء والبساطة من مكونات الجمال الفني؟ وهل تعمقنا في دراسة ما أسماه أجدادنا "السهل الممتنع"؟ وثمة مسألة أخرى شديدة الحساسية: هل الخاص المتفرد منفصم عن المشترك في الإبداع الإنساني أم ثمة صلات جدلية بينهما؟ وهل الخصوصية نقيض الشمولية أم أن الخصوصية المتفردة هي النامية على الجذور العامة الأصيلة؟ وثمة مسألة أخرى أيضاً: يقول بليخانوف: "تدخل النتاج الفني كثير من التناقضات عندما توضع في أساسه فكرة خاطئة حتى أن ذلك يستتبع حتماً مس قيمة الإنتاج الجمالية" (الفن والحياة الاجتماعية- دار ابن الوليد ص101). ويرى رئيف خوري أن من يقول ما لا يؤمن به يسيء إلى إبداعه أول ما يسيء. وهو يرى أن شعر المتنبي قد خسر الكثير حين مدح به كافوراً. ولقد دارت معارك كلاميه حاميه حول الجديد والقديم وعلا صخب كثير حول مفهوم الحداثة ثم أسفرت تلك المعارك وذلك الصخب عن انتصار الحداثة.. ومع ذلك نجد أنفسنا أمام الكثير من الأسئلة الجادة: هل كل جديد جميل وجيد فعلاً؟ وهل مكونات الجمال شكلانية وحسب؟ ألا يمكن أن نستهدي ببوصلة الماضي في توجهنا إلى المستقبل؟ وهل نحن الجيل المكمل لتراث شعبه الجمالي أم نحن الجيل المنكر له؟ وهل أثرت الثورة العلمية التقنية فعلاً على داخلنا كما أثرت على مظاهرنا؟ وهل القيم الإنسانية سريعة التبدل كالأزياء في أيامنا؟ وهل نحن نبتكر حداثتنا أم نقلد حداثة الآخرين؟ وهل المقلد مبدع؟ أعرف جيداً أن العالم المعاصر مترابط.. وأن الحديث انتصر.. ولأنه انتصر أرى من الواجب أن يعمق مقولاته وأن يراجع المقولات التي طرحت باسمه في أثناء احتدام المعركة، إن الانتصار في معركة إثبات الوجود بداية السير بالثقافة الوطنية إلى الأمام وليس نهاية المطاف، فهل يمكن أن تتخلى الحداثة عن كل الموضوعات "القديمة" أم أن الفضائل والرذائل ستبقى موضوع الشعر والفن والمسألة مسألة اختلاف في طريقة المعالجة؟ أم أن الحداثة تعني التخلي عن كل قيمة أخلاقية وعن كل مدلول اجتماعي، فالجميل جميل بذاته الجميلة المجردة؟ ويقولون إن لكل عمل فني منطقه الخاص والشعر ليس منطقاً فقط، ولكل مبدع رؤياه وفلسفته، والشعر ليس رؤيا وفلسفة فقط، إن المنطق الجدلي لم يلغ أسس المنطق الصوري بل طورها وأغناها كثيرا فهل يلغي الجديد القديم في الفن أم يطوره ويتطور على أساس منه ويغتني به؟ إن من بعض مظاهر رقي كل أمة من الأمم هو عدد متاحفها وما تحتويه تلك المتاحف فهل نأخذ برأي العدميين ونحرق كنوز الحضارات القديمة؟ أليس للتاريخ علاقة ما بالجميل الذي نبتكره؟ يبدو أن شعر أ بي سلمى الغني بعوامل التأثير قد أثر في نفسي فانطلقت على سجيتها وأوغلت في طرح الأسئلة. وحين راجعت ما كتبت وجدت أنني لم أبتعد عن الموضوع، فالكثير مما أعده من مكونات الجمال وبواعث التأثير موجود في شعر هذا الشاعر "الكلاسيكي" بل وازعم أن ثمة مكونات أخرى سيفطن إليها كل قارىء لبيب لشعره. الديوان الذي أقرأ فيه هو ديوان أبي سلمى الصادر عن دار العودة في بيروت عام 1978. وسأحاول أن أبعد عن ذهني كل الآراء التي سمعتها في شعر هذا الشاعر كي تكون قراءتي له شخصيه إلى أقصى حد ممكن ولكنني لن أزعم أنها قراءة عفوية أو سريعة. لقد قرأت الديوان أكثر من مرة وسبق لي أن حفظت قصائد "المشرد" وقصائد أخرى للشاعر وكنت أرددها مترنماً حيناً أو أنشدها إنشاداً في أحيان كثيرة. لن أحلل النماذج التي سأقدمها بل أشير منذ الآن إلى أنها منتقاة لتكون إشارات تطبيقية إلى الأسئلة التي أوردتها في المقدمة وأظن أن كل نموذج منها قد يحتوي على أكثر من عامل من عوامل التأثير أو عنصر من مكونات الجو الشعري والجمالي. عنوان القصيدة الأولى "فلسطين" ولكنها ليست في فلسطين وحدها فهي للعرب ولأحرار العالم.. فأبو سلمى الفلسطيني يعيش في العالم وللعالم. وهو في إنسانيته وشمول موقفه الإنساني فلسطيني أصيل، تختلج فلسطينه في كل ذرة من ذرات كيانه، وهو إذ يكتب للعالم تحت عنوانها فانه يكتب لها ومن وحيها في كل ما يكتبه للعالم، إنها قضيته الخاصة والعامة وهمه الأول والأخير ولا انفصام هنا بين العام والخاص، بين هم القضية والهموم اليومية الخاصة.. وسنرى هذه القضية الواحدة، الخاصة والعامة في آن واحد، تنتظم كل قصائد الديوان وتشكل النغمة الأساس في كل أنغامه وألحانه حتى يخيل إلينا أن أبا سلمى قد ظل طوال حياته يكتب قصيدة واحدة عنوانها: "فلسطين"، ولأن فلسطين في قلب العالم وفي قلب أبي سلمى فان أوجاع العالم وأوجاع فلسطين وهموم أبي سلمى وأشواقه تنعكس كلها في شعره وكثيراً ما نسمع خفق هذه القلوب الكبيرة الثلاثة في مقطع واحد أو في قصيدة واحدة. وأبو سلمى وريث الحضارة الفلسطينية العريقة والعظيمة:
أبو سلمى الذي لا يرى تعارضاً بين كونه ابنا لفلسطين وابنا للعالم لا يستكين للضيم إذ قمع الآخرون حريته وشروده ونكلوا به وبأهله بل يقاوم الشر والأشرار ويبقى الإنسان وريث الحضارة التي أنارت الطريق ويبقى المباهي بحريه الفكر:
بل يصل إلى القول:
وقد يصرخ أحد أنصار الشكلانية المتطرفين: "إننا لا نرى" "جمالاً" بل نسمع شعاراً سياسياً وقد مضى زمن الشعارات". فهل حقاً مضى زمن الشعارات أم أن المسألة هي: كيف نطرح الشعارات أو كيف نحول الهم السياسي الكبير إلى موضوع فني بأسلوب فني؟ وهل صحيح أن كل الشعارات غير جميلة؟ إذا نظرنا إلى سطوح الظواهر لا إلى أعماقها فإننا قد نرى ما يراه الشكلاني المتطرف، والأمور ليست في ظواهرها والشعارات قد تكون عنواناً لنضال ملايين البشر في مرحلة تاريخية محددة وقد تكون مطلباً بشرياً عاماً يمتد على جميع العصور والأزمنة. وشعار حرية الفكر وتخليد حرية العالمين من هذه الشعارات الإنسانية الشاملة.. ويقتضي الأمر منا مزيداً من البحث والتأمل وينبغي ألا نفصل بين الإنسان المقاتل والفنان ثم نطلب منه كفنان أن ينسى وجهه الآخر كمناضل.. وعلينا أن نعرف متى كتب ما كتب.. فلكل ذلك أهمية كبيرة لفهم الشعر وتذوقه وإن ناقض ما تقول به البنيوية. قال لي أحد المناضلين الفلسطينيين ممن لهم صلة مباشرة بأهلنا المنتفضين إن الصهاينة يعاقبون الفلسطينيين الذين يرمون جنودهم بالحجارة ويعاقبون أيضاً كل من يردد بيت ابن الرومي:
وأشهد أنني صرت أرى بيت ابن الرومي أجمل وأغنى، مع أنني كنت أردده أحياناً بشىء من عدم المبالاة. وإني لأشعر وكأنني أكتشفته حديثاً. واكتشف أيضاً أن مما يساعدنا على تذوق الشعر أن ندرك كل الأبعاد الإنسانية لتجربه الشاعر وأن نقرأ الشعر والفن قراءة تاريخية واجتماعية وشخصية. ويرد سؤال: هل لجلال الحدث التاريخي وقع جمالي في النفس؟ إذا لم يكن الوقع جمالياً فماذا ندعوه حين يكون من العناصر المكونة للعمل الفني؟ فلنترك التحليلات التنظيرية.. ولنقرأ في ديوان أبي سلمى.. وأبو سلمى يخاطب الثائرين في جبل النار عام 1936 فيقول:
ثم يقول: "ورصاصاتكم تمرّ على الأيام حمراً مضيئة في الليالي". فهل تراه كان يرى أن ليل العرب سوف يطول وأن النجوم ستحجب بكل ما حجبت به من ضباب وقتام، وأن الليالي لن تضاء إلا بمصابيح الرصاص الثوري؟ فمن أين استمدت الرصاصات كل هذه الديمومه؟ وبأي وقود شحنت لكي تستمر في المرور والإضاءة؟ أهي قوانين الجدل تعمل حقاً في الفن كما في الطبيعة؟ لقد تكلم باحث سوفييتي على نظرية أسماها "نظرية الاقتصاد الشعري" وتكلم رضوان الشهال على "التركيز والتكثيف" وكان أسلافنا العرب قد أوجزوا جوهر كل ذلك بعبارة "ما قل ودل".. فهل من مقومات الجمال الشعري- الفني مثل هذه الشحن المكثف للطاقة الروحية والحركية في القليل من الكلام أو القليل من اللون؟ إنها لمسألة تدعو إلى مزيد من التأمل وإلى مزيد من البحث المعمق. وأقف أمام "لهب القصيد".. وأعيد قراءتها.. وأكتب أسطراً حولها ثم أشطبها خوفاً من أن يغلب السياسي الجمالي في كلامي.. ولكن من يستطيع أن يفصل السياسي عن الجمالي في شعر أبي سلمى؟ هل قلت في شعر أبي سلمى؟ وهل يمكن الفصل بينهما حيثما وجدا؟ وهل يوجد مكان أو عمل لا يتحدان فيه؟ المسألة موضوع جدل.. وأتجاوز أيضاً قصيدة الشهيد المجهول على مضض لأقف عند "حفنة الترب":
وأنفعل وأنا أقرأ.. يلتحم الجمالي بالانفعالي هنا وفي كل فن عظيم.. فهل الطاقة الإبداعية التي نودعها في الفن هي شحنة انفعالية أساساً؟ وهل يحق لنا أن نطلق على ما يثير حماستنا أو قرفنا، على ما يضحكنا أو يبكينا صفة الجميل أم صفة المثير؟ وهل المثير أدنى قيمة من الجميل؟ أم هما اسمان لمسمى واحد في الفن والشعر؟ قد يصور العمل الفني جريمة قتل فنشعر بالغضب على المجرم وبالشفقة على الضحية فهل نقول إن اللوحة جميلة أم نقول موفقة أم نقول مؤثرة؟ أم أن هذه الصفات كلها من صفات الجميل؟ يقول أبو سلمى:
وأتأمل طويلاً.. لا لم يهرم موضوع البطولة.. ولن يهرم.. سيبقى أبداً موضوعاً للشعر والفن.. وستقال فيه قصائد جميلة ومؤثرة.. وأطوي صفحات وصفحات من الديوان خشية الإفراط في الإطالة. وترتعش يدي.. لقد وقع نظري على "الولد الأعمى".. وهي أغنية بسيطة كلماتٍ ومعنى.. ولكنها بمعناها البسيط وكلماتها البسيطة تلامس أكثر من وتر حساس من أوتار مشاعرنا، وأستطيع أن أوجز معناها ببعض كلمات فهي تنقل لنا ما يسمعه ولد أعمى عن جمال العالم بكل ما فيه ولكنه يفضل رؤية أمه على رؤية العالم. أعرف أنني أسأت إلى الأغنية بعرض فكرتها الأساسية.. فالشعر الذي لا يقوم إلا بالمعنى ليس معنى وحسب، الشعر ليس أفكاراً وحسب، وليس كلمات وحسب، الشعر هو الشعر.. هو التفاعل الحيوي بين العناصر، هو تفاعل الماء والتراب والشمس في مناخ مناسب ووفق نواظم محددة. ولن يحيط بالشعر أي تعريف.. فهو هو لا أكثر ولا أقل. ولكن أين وكيف نلمس الشعر في الولد الأعمى.. هل نشرّحها فنياً وعاطفياً وتاريخياً كما يفعل بعض النقاد فيقتلها؟ صحيح أننا نكسب الكثير من معارفهم الجمة حين يحللون الأعمال الإبداعية ولكننا نخسر روح الشعر.. وروح الشعر هي كالروح التي في الكائنات والنبات تضفي السحر على الأشياء العادية فتتحرك وتنمو وتزهر وتصبح كائنات متفردة بسماتها الفردية مع أن الكون بأسره يسهم في تكوينها،.. أجل.. إن الكلمات تفقد في الشعر معانيها القاموسيه المعروفة وتصبح لها شخصية خاصة بها في كل قصيدة متميزة، وفي كل جو شعري من الأجواء التي يخلقها الشعراء في شتى الأزمنة والأمكنة. تبدأ أغنية الولد الأعمى بداية متعثرة، وكثير من الولادات العجيبة تبدأ متعثرة، ثم نراها تنهض أمام أعيننا حوريه رائعة تدهشنا في نهوضها وانتصاب قامتها.. ويخيل لنا أننا نعرف وجه الأعمى الذي نسمع صوته ونحس انعكاس العالم في هذا الصوت، ثم نرى في الصوت يدين تتلمسان ما حولهما في ارتباك واضطراب، ثم تستقران عند الكائن الأروع بين جميع الكائنات، عند الأم، وسأسمح لنفسي بأن أنقل لكم المقاطع الثلاثة الأخيرة من هذه الأغنية- القصيدة:
اشعر أنني بحاجة ماسة إلى التوقف عن الكتابة.. لقد أتعبني نقل هذه الأسطر البسيطة تعباً أصاب نفسي وجسدي.. فهل هي حساسية خاصة مني؟ لا أدري.. ولكنني متعب جداً وسأرتاح قليلاً.. قد لا يعنيكم ما فعلته.. لقد عملت عملاً جسدياً طوال ساعتين وتمشيت فترة من الزمن قبل أن أعود إلى الكتابة.. وقد خطر لي هذا السؤال: هل ثمة موضوعات تصلح للشعر، وللفن عموماً، أكثر مما يصلح سواها؟ وهل قدرة العمل الفني على إثارة التداعيات لدينا هي جزء من جماليته أو من محفزات الانفعال فيه أم أن التداعيات تتعلق بنا وحدنا؟ وهل أثر بي الموضوع أم الشاعرية الشفافة؟ إن الموضوع نفسه "الولد الأعمى، يثير فينا التعاطف مع الآخر. وحين تدخل الأم في المشهد تتفاعل عوامل عاطفية شتى فننفعل.. وقد تكون درجة الانفعال مرتبطة بحساسيتنا الشخصية إلى حد ما ولكنني أكاد أجزم أنها ترتبط بقوه العوامل الخارجية المؤثرة أي بموضوع الإثارة. فكم يكون مفيداً أن يعير المختصون هذه المسألة ما تستحقه من العناية وأن تدرس مقترنة بالبراعة الفنية المطلوبة في كل عمل فني. وتواجهنا في قصائد أبي سلمى المسألة القديمة الجديدة، مسألة "فن القضية" أو "القضية في الفن".. فثمة من يرون أن لا فن بلا قضية مع القول بأن ليس كل صاحب قضية فناناً. ويطرحون سؤالاً محدداً هو: هل يوجد فنان كبير بلا قضية كبيرة؟ وقد نطرح سؤالاً موازياً: أليس الفن الكبير قضية كبرى؟ فهل ثمة تناقض أم تناغم هنا؟ أشرت، بداية، إلى فلسطينية أبي سلمى التي تلوح في كل قصيدة من قصائده وزعمت أنها كلها تنويعات على هذا الوتر.. ولكن حرارة الشاعرية لا تجعلنا نشعر بأي تأفف من تكرار الفكرة الواحدة بل نشعر شعوراً إنسانياً طبيعياً، فنحن أمام إنسان طبيعي، إنسان مثلنا، في جسده جرح راعف وموجع فهو لا يفتأ يتأوه متألماً أو يضع يده على موضع الألم.. وهو يحمل جرحه الذي هو وطنه في قلبه:
وهو يستحلف أحباءه أن يقبّلوا عنه تراب الوطن:
ويبكي داره فلا نراها تغفو على الربوة الحالمة فحسب بل نرى الوطن ومأساة الوطن في مأساة الدار.. يصغر الوطن ليصير داراً للشاعر وتكبر دار الشاعر لتصير وطناً جميلاً ولكنه معذب.. وترق الكلمات وتتناغم الحروف في مناخ من الشعر الحق- الشعر البسيط العميق الأصيل:
...
...
وفي قصيدته "الأفق المعطر" لانشم عطر الأرض والزهر ونرى شتى الألوان ونسمع شتى الألحان وحسب بل تتداخل الصور وتصفو الينابيع ويختلط علينا الأمر كما اختلط على الشاعر:
...
وتتداخل في ذهني صور وأنغام وألوان، واحتار.. فهل أنا أقرأ "ابنة بلادي" في الكتاب الذي بين يدي أم أصغي إلى صوت فيروز الرائع يصدح مسكراً بالكلمات التي تلبستها روح الشعر:
...
اسمحوا لي بوقفة قصيرة هنا.. فلو جاء شاعر غير مشرد بقافية كقول أبي سلمى في البيت الأخير أعلاه "ولا يهجر" لقلنا هذه زيادة لم تضف شيئاً إلى تنامي ديناميه الدفع الشعري والشعوري.. أما أن يقولها أبو سلمى الشاعر المشرد فذلك يحولها إلى إضافة نوعيه وتثير في نفوسنا تداعيات بعيدة المدى.. وها نحن نصل إلى البيت الذروة في القصيدة السابقة، البيت الموجع المشير إلى وجع الشاعر الأكبر وإلى حبه الأعظم، البيت الذي يقر فيه رأيه وتختفي حيرته:
ويكرر الفكرة نفسها في أجمل قصائده وكأنه يريد أن يقول لنا: "لقد حل جمال الوطن في كل جميل في الكون".. وهذا ذروة العشق:
ويقول في "أطياف":
وسحر الفلسطينية نابع من كونها من فلسطين:
إنها من مروج "عكاء" و"الرملة" و"اللد" نشوة تتنقل من كروم "الجليل" خمرية الأنداء نشوى ومن كروم "المجدل" عطرها منذ كان، أنفاس "بيسان" ورغم الزمان لم يتبدل خطرت والشموخ من جبل "الجرمق" فيها ومن شعاف "القسطل". ويقول في قصيدته "أحببتك أكثر": يا "فلسطينية الاسم الذي يوحي ويسحر تشهد السمرة في خديك أن الحسن أسمر ... قد أكون أكثرت من إيراد الأمثلة ولكنني أشعر برغبة في أن أقطف المزيد والمزيد من هذه العناقيد الجماليه الشهية.. وأرى أن الجمال في هذه القصائد لا يحتاج إلى تحليل أو دليل.. وقد يتخذ جحة على أن "القديم" قد يعيش أطول مما نتصور، رغم إيماننا بالحداثة، إذا قيض له شعراء موهبة وقضية من طراز عبد الكريم الكرمي. قلت منذ البداية إنني لن أحلل بل سأطرح أسئلة.. وقد يكون في السؤال شىء من الشك حيناً ومن الإنكار أحياناً.. ومع حماستي للشعر الحديث أشك في بعض ما يطرح باسم الجديد والتجديد وأنكر بعضاً آخر منه. فالتسرع في إصدار أحكام قاطعة استناداً إلى بعض المظاهر قد يوصل إلى شطط غير محمود العواقب.. لقد كثر فعلاً في ما يكتبه النظامون على الطريقة القديمة الضجيج الإيقاعي الخارجي الذي لا يدعمه تناغم داخلي، الأمر الذي دفع المتحمسين للجديد إلى اتهام الموسيقا الخارجية بالقصور وحملوها مسؤولية الفجاجه في ما يقدمه النظامون.. وقد طالبوا بإعدام الموسيقا الخارجية ورفعوا شعار "الموسيقا الداخلية هي "البديل" جاعلين من التكامل تناقضاً. لا أحد يجادل في أهمية الموسيقا الداخليه في الشعر.. ولكن طرح المسألة على هذا الشكل يلحق أفدح الضرر بالقصيدة الحديثة ويفقرها كثيراً. إن ضرورة وجود الموسيقا الداخلية لا تعني حكماً نفي الموسيقا الخارجية.. فتناغم الداخل والخارج أو الباطن والظاهر، كما يقول المتصوفة، يكون أكمل وأجمل وأوفى.. إن كل العقلاء يفضلون جمال الطبع على جمال الجسد ولكن أحداً من العقلاء لا ينكران وجودهما معاً أفضل من وجود أحدهما وحده، وفي بعض ما أوردته من أبيات من شعر أبي سلمى أمثله على هذا التناغم العذب بين الموسيقا الداخلية والموسيقا الخارجية. ويرد سؤال: وهل يكون شعر بلا موسيقا؟ ... قلت وأكرر القول: إنها أسئلة تقلقني وحسب.. فهل آمل في أن يعمقها النقاد ويقيموا حواراً واسعاً يكون أساساً لوضع نظرية جماليه عربية متكاملة نقرأ على ضوئها شعرنا العربي، القديم منه والحديث؟ ... أنا لا أقول: كفى ترجمة بل أقول: لقد حان أن نتمثل ما ترجمناه. إننا نترجم كي تزداد جذورنا عمقاً في تربة ثقافتنا الوطنية لا لنغترب عنها بما نترجمه. ولن يساعدنا شىء كالنقد المسؤول. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |