|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:23 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
مسائل الفن في بعض الحكايات " حين سئل أندرسن عن سيرة حياته أجاب: "أقرأوا حكاية فرخ البط القبيح" (ايفريم كارانفيلوف- "أبطال وطباع" ص79) لقد لخص هانس كريستيان أندرسن سيرته الذاتية وسير الكثيرين من ذوي المواهب الكبيرة الذين لم يفهمهم أهل زمانهم على حقيقتهم فاحتقروهم أو اضطهدوهم معتبر ينهم فراخ بط قبيحة في حين كانوا طيوراً من نوع آخر، طيور تمٍّ رائعة وضعها القدر بين فراخ البط العادي.. وفي الحكايات الكثير من سيرالابطال والمبدعين، وإني لاذهب إلى حد الزعم أن على من يريد أن يطلع على تاريخ البشر الحقيقي أن يقرأ حكايات الشعوب وأساطيرها في التاريخ الذي يكتبه المؤرخون نقرأ الأحداث الكبرى في خطوطها العامة وحسب.. أما في الحكايات فنقرأ، ونشم، ونلمس ونسمع ونرى تفاعل العناصر التي جعلت الحياة حيا ة والتاريخ تاريخا، نسير في المسالك التي سار فيها الناس، ونطير بأحلامهم الى الذرا، نلمس جراحهم الراعفة، نسمع التأوهات والضحكات، ونغوص إلى الأعماق حيث الدوافع، الفطرية الأولى، حيث المياه النقية التي تفجرت منها الينابيع التي روت أشجار الحضارة التي نشم أزهارها ونتغذى بثمارها الشهية، وتجرحنا أشواكها فنحاول أن نمسح برفق عن الوجه الجميل مانثر عليه الزمن من غبار ودم وسخام , فإذا وجدنا في الحكايات والأساطير محاولات عديدة هدفها الإجابة عن الأسئلة التي شغلت ذهن الإنسان القديم ولا يزال بعضها يشغل بال الإنسان المعاصر، وإذا وجدنا أن كثرة من القيم الأخلاقية التي صورتها الحكايات تصويراً جميلاً لاتزال قيماً تحظى بإعجاب الناس المعاصرين، لم نستغرب أن تكون الحكايات قد حاولت الإجابة عن مسائل العمل وقيمته، وعن مسائل الإبداع الفني وعلاقة المبدع بفنه وبالآخرين، ولن نستغرب أن نجد أن بعضاً من تلك الحكايات قد طرح آراء عامة لم يتجاوزها، من حيث الجوهر، كبار الفلاسفة العالميين الذين عالجوا قضايا علم الجمال على مستوى عصري رفيع. والمدهش في أمثال هذه الحكايات هو أنها تعالج هذه المسائل الشائكة والمعقدة بمنتهى السلاسة والعفوية والبساطة فنرى الأمور واضحة غاية الوضوح لكنها في منتهى العمق أيضاً. قيل لي إن صانعي السجاد الإيرانيين كانوا في عهد الشاه من أفقر فئات الشعب في إيران، ومعروفة في كل أرجاء العالم شهرة السجاد الايراني، ومعروف في العالم جمال ذلك السجاد. فما الذي يجعل هؤلاء الصناع المهرة وامثالهم لايبحثون عن مهنة أخرى يتخلصون بها من الفقر. ؟ لن نطرح، هنا، المسألة من الناحية السياسية أو الاجتماعية، فتصبح مسألة أخرى تطرحها الفئات الاجتماعية والأحزاب السياسية. قد يكون ما جعلني أطرح هذه المسألة هو شأن شخصي إلى حد ما إذ ترجمت حكاية شعبية هندية منذ قرابة عشرين عاماً وقد أثارت في نفسي من المشاعر ما جعلني لا استطع نسيانها حتى الآن، وقد لاأنساها طوال الحياة، بل قد تكون هي التي ولدت في اعماقي الرغبة في أن اكتب في مثل هذا الموضوع لكثرة مافكرت في مغزاها. الحكاية بسيطة كل البساطة، وقد تحدث كل يوم بشكل من الأشكال، وقد يكون آلاف الحرفيين المهرة قد مروا بمثل التجربة التي مربها (صانع السجاد) الهندي الذي تحكي الحكاية ما جرى له , وملخص الحكاية هو أن أحد صانعي السجاد المهرة كسر نوله ذات يوم فذهب إلى الغابة والفأس في يده كي يقطع شجرة يصنع من خشبها نولاً جديداً . ووجد ضالته قرب شاطئ البحر، وحين هم بقطعها ناداه صوت من داخلها وطلب منه أن يبحث عن غيرها وأن يطلب منه ما يشاء كانت تلك الشجرة مسكن ساحر الغابة .. وعاد صانع السجاد كي يستشير زوجه في الأمر فالتقى جاره الحلاق الذي نصحه أن يطلب من الساحر أن يجعله ملكاً ويكون الحلاق مستشاره فيتخلصان من الفقر.. ويصر صانع السجاد على أن يستشير زوجه. ويصل إلى البيت ويحكي ماجرى لزوجه فتسفّه المرأة رأي الحلاق..فالخونة والمتملقون يحيطون بالملك، وحياته خالية من السعادة . ثم تنصح زوجها بان يطلب من الساحر أن يعطيه نولاً سحرياً يصنع له العدد الذي يطلبه من السجاجيد الجميلة التي لم ير الناس لها مثيلاً . يفرح الرجل بنصيحة زوجه ثم يتجه إلى حيث تنتصب الشجرة التي فيها الساحر.. كان يشعر بمزيد من الأسى وهو يقترب من المكان إذ راح يفكر: - سيعطيني ساحر الغابة نولاً عجيبا يحوك سجاداً رائع الرسوم، فماذا سأفعل أنا؟ سأذهب إلى السوق لأبيع السجاجيد واكدس النقود! هذا ليس شغلي .. "كتاب الشموس الثلاث"ص9. ووصل إلى الشجرة فطلب من الساحر أن يصلح له نوله العتيق، ثم عاد إلى بيته فوجد نوله صالحاً للعمل "جلس الصانع إليه وانكب على عمله فنسي كل مافي العالم"(ص9) "وكان الصانع يتأمل السجادة طويلاً بإمعان حين تكتمل ثم يبتسم ويقول: - لا أحد يعرف مقدار سعادتي الآن ! كان بإمكاني أن أصير ملكاً وأحصل على ثروة ضخمه وعلى الكثير من العبيد والخدم والمتملقين. لكني ماكنت سأحصل على صديق حقيقي واحد. باستطاعة ساحر الغابة أن يجعلني غنياً، لكني سأعاني،حينذاك، من الملل والكسل والخشية من أن أفقد ثروتي، أية سعادة تمكن مقارنتها مع سعادتي حين أرى الرسوم تتشكل على السجادة ويتكامل ما تصنعه يداي، أو حين أسمع كلمات الإعجاب بما صنعت ؟ "(المرجع السابق ص10) ويروي إيفريم كارانفيلوف ماجرى بين الكاتب ايفان حاجيسكي وحطاب من ترويان التقى به الكاتب يحمل حملاً من الحطب ليبيعه في المدينة بمبلغ من المال.. أوقف الكاتب الحطاب فوق جسر وعرض عليه مبلغا اكبرمن المبلغ الذي قال الحطاب إنه سيبيع الحطب لقاءه، شريطه أن يرمي الحطاب الحطب في النهر فلا يستفيد منه أحد، ورفض الحطاب العرض المغري، وفضل أن يتحمل مزيداً من الجهد والبرد. ("البعث2/6/ 1982) أجل، ثمة في الأشياء التي نصنعها ماهو أغلى على قلوبنا من النقود التي نبيعها بها . ولم تقف الحكايات الشعبية عند هذا الجانب وحده من جوانب علاقة المبدع بإبداعه، بل هي تتصدى لجوانب أخر تمس عملية الإبداع من الداخل وتقترب من الحرم القدسي، حرم السر المعجز الذي ندعوه سر الإبداع، أو سر العبقرية. والحكايات لاتدّعي أنها تتعرض للجانب الفلسفي من المسألة، ولانطرح السؤال النظري الذي لم يجد أحد جواباً شافياً عنه حتى الآن، سؤال : ماهو الابداع؟لكنها تتعرض لجوانب جوهرية من سمات شخصية المبدع وطبعه. ومن أبرز هذه السمات الاستعداد للتضحية في سبيل الفن، واعتباره عملاً اجتماعيا نافعاً . وتنهض في ذاكرتي أصداء رنين جرس سحري ينبعث من حكاية قديمة قرأتها منذ سنوات عديدة.ولايزال وجه صانع الأجراس الصيني الشيخ منطبعاً في ذاكرتي ولاتزال دموعه الحارة تسيل على خديه المغضنين، وهو يمسح بيديه الخشنتين وجنتي ابنته الوحيدة الجميلة، ويتأمل عينيها الوادعتين. كان يحبها حباً لاحدود له . وكان يعرف أن عليه أن يضحي بها كي يحصل على سبيكة الجرس العجيب الذي سيبقى رنينه يتردد عبر الازمنه كلها. ويدور الصراع عنيفاً في صدر الشيخ الواهن، صراع بين العاطفة الأبوية العارمة وبين الواجب الذي يلقيه التاريخ على كاهل. المبدع وتقع المأساة.. ويتغلب الواجب الفني على العاطفة، ويخرج الجرس إلى الوجود آيه فنية لم تحك الحكايات عن جمال فتان يماثل جمال رنينه الساحر. وتصير ابنة المبدع عنصراً من عناصر الأسطورة الحزينة الرائعة .. وتنتقل صورة وجهها الجميل من جيل إلى جيل فلا يعتريها شحوب ولاتزيدها القرون إلا شباباًً وجمالاً . ويبقى الجرس يرسل رنينه الساحر على مر العصور. وتستدعي الحكاية الحكاية، وتستدعي الصورة الصورة، وها أنا ذا أرى بعين الخيال جسراً حجريا يمتد فوق مياه نهر صاخبة ويربط الضفتين إحداهما بالأخرى، فتعبر عربات القرويين المحملة بالمحصول من الحقول إلى القرية تجرها الثيران والخيول ويغرد في مقدمتها طائر عجيب التغريد. أما حكاية الجسر فأعرف اسمها واسم مؤلفها.. إنها حكاية (جسر روسيتسا الحجري) للكاتب البلغاري الكبير أنجل كارا ليتشيف. وحكاية هذا الجسر الحجري التي صارت أغنية تمجد العمل الإنساني تصور لنا عذاب الشاب الذي بنى الجسر لأنه اضطر إلى أن يضع في أساس بنيانه "ظل" التي هي أحب الناس أليه. كان والده يحلم ببناء الجسر ليوفر على الناس العناء ويحميهم من غطرسة النهر.. لكن الشيخوخة أدركته قبل أن يحقق هذا الحلم .ورأى أن ابنه الذي ورث المهنه عنه أهل للقيام بالمهمة فأورثه إياها. وحين فاتح الأب الابن بالأمر ارتبك الشاب وتردد، فالثمن المطلوب باهظ... إذ عليه، هو العاشق، أن يضحي بمن يحب في سبيل ذلك .. وكانت وصيه الأب واضحة: "فلتحبس فيه ظل أحب الناس إليك" ( "مجلة النافذة" العدد 5/6 ص9 ) وقبل الفنان المهمة وبني الجسر :"أحاط الشيوخ بالجسر، دقوا عليه بعصيهم .. تلمسوا حجارته الباردة وقالوا: - مدهش ما صنعته يدا مانويل ( المرجع السابق ص9) وصار الجسر حكاية يطل منها وجه الفنان الذي أسقمه الشقاء ويتألق فيها وجه الحبيبة "ميلكا" الجميل ويزداد جمالاً وشبابا على الزمن. ويكتب كاتب كلاسيكي بلغاري آخر هو إيلين بيلين حكايتين جميلتين لهما صلة بموضوع الفن والموقف منه وموضوع الحكايتين متماثل تقريباً لولا بعض اللمسات الاجتماعية في الأولى، ولولا اللمسات الأكثر حميميه وشاعرية في الثانية . الحكاية الأولى هي حكاية (ذكر النحل الغني) من كتاب (دموع العصفورة ذات الجناحين الفضيين ص37 ومايليها ) والحكاية الثانية هي حكاية (السنجابان) ( المرجع السابق ص39 ومايليها) والحكايتان دفاع عن الفن واعادة اعتبار للفنان كمنتج اجتماعي لا باعتباره مضياعاً للوقت كما اعتبرته حكاية "النملة والصرار" الشهيرة التي مجدت العمل بطريقة غريبة إذ كان يمكن تمجيده من غير أن تلحق الإهانة بالفن .. فالصرار، وهو "مطرب الطبيعة ومغني الحقول" صوّر في هيئة الكسول الذي لاعمل له سوى التسكع وإضاعة الوقت. ولا يجوز اعتبار الفن إضاعة للوقت . في حكاية (ذكر النمل الغني)يجعل ايلين بيلين الصرار، رمز الفنان يرد الإهانة التي لحقت به من قبل (ذكر النمل الغني) لا باعتباره عاملاً كادحاً، ولا باعتباره أنثى، فالأنثى أرق قلباً، بل باعتباره طماعاً جشعاً وبخيلاً يكنز الثروات ويعيش في سراديبه المعتمة منفرداً يمضي أوقات الشتاء الباردة في ملل وضجر .. وما هو بالعامل المجد فالعامل مخلوق شهم لا يبخل بلقمة على كائن جائع ولايرده خائباً .. أما المحتكر فيفعل ذلك، ولهذا فهو يستحق العقوبة والاحتقار. وقد جوزي بهما، وحكاية (السنجابان ) حكاية شاعرية تصور لنا الشتاء في الغابة وتصف لنا كيف يرحب السنجاب العامل بالسنجاب الذي أمضى الصيف وهو يراقب أحداث الغابة ويرود جنباتها فيدخر الكثير من الحكايات والخبرات، وكيف يمضيان الشتاء البارد معاً كمخلوقين لاغنى لأحدهما عن الآخر.. ونحس دفئاً ينسينا برد الشتاء المخيف. وفي الحكاية الشعبية الكازاخستانية (الصانع الماهر ) نرى العازف الماهر يمر بأصابعه على أوتار آلته الموسيقية : "تأوهت الأوتار ومر فوق خيمة الأمير صوت كعويل الريح ثم سمع ما يشبه حفيف أشجار الغابة نعومة ولطفاً .. ارتفع عويل الريح ثم تحول إلى عواء وحش ضار.. وأرسلت الأوتار صريراً حاد النغمة، ثم تحول صوتها إلى صوت إنسان يطلب النجدة، وتلاه زئير الوحش مرة أخرى,, ثم جاء نحيب الغابة الملتاعة وكأنه مرثية تفتت الأكباد" (كتاب "الشموس الثلاث" حكاية "الصانع الماهر"ص112) ويفهم الأمير الظالم أن ولده الوحيد قد هلك، وينجو خدمه من الهلاك إذ كان قد هددهم بأنه سيقتل من سيخبره بأن ولده أصيب بمكروه. ما كان يخطر في بال الفنان الشعبي أن يفصل الفن عن حياة الناس. فالفن عنده جزء من هذه الحياة تغذيه وتغنيه ويغذيها ويغنيها، يضرب جذوره عميقاً في تربتها فيزداد ازدهاراُ ويزيدها خصوبة .وهو يتخذ الفن حرفة جميلة ونافعة، فالفن بالتالي وظيفة اجتماعية. هكذا كان الفن الحق قديماً، وهكذا هو كائن، وهكذا سوف يكون أو لن يكون. وكان الفنان إنساناً شجاعاً وشهماً ومسؤولاً وسيبقى كذلك أو لايكون. ولقد أدرك كاتب الحكايات الدانماركي العظيم هانس كريستيان اندرسن هذه الحقيقة وجسدها في حكاياته... وما يعنينا مما كتب أندرسن حكايتان جميلتان تعالجان الموضوع الذي نحن بصدده الحكاية الأولى "فرخ البط القبيح"وفيها ملامح كثيرة من سيرة الكاتب كما ذكرنا وبطل الحكاية طائرتم، بين جناحيه قلب شاعر، جعله القدر يولد في أسرة بط عادية فعاش طفولته فيها "غريب الوجه واليد واللسان".. ويهرب الصغير من الوسط الخانق، وقد ضاق ذرعاً بالنفاق والرياء والغرور والسطحية .. ويتعرض لمخاطر جمة. ويحميه قبحه من كلاب الصيد.. فحتى كلب الصيد الضاري تعاف نفسه الفرخ القبيخ . ويأوي إلى بيت فيه امرأة عجوز وقط ودجاجة وفيه الطعام والدفء والأمن .. لكنه لا يلبث إلا قليلاً حتى يشعر بالرتابة المملة ويكاد يختنق، إنهم يرون الرتابة نعيماً، ويسمون خرير القط علماً ما بعده علم، ويرون وضع الدجاجة البيض عملاً من أمجد الاعمال.. ويأتي الربيع، فيلبي (فرخ البط القبيح) نداء الحياة وينطلق نحو الافاق الواسعة. ويعلم العالم أخيراُ أنه لم يكن من نسل البط بل كان تماً، هو الأجمل بين طيور التم، ويفرد التم الرائع جناحية ويغني أغنيته . (ترجم محمود ابراهيم الدسوقي الحكاية باسم "البطيطةالدميمة") وذلك في كتاب (أقاصيص هانس أندرسن ) الصادر عام 1940 عن لجنة التأليف والترجمة والنشرفي عداد سلسلة (عيون الادب الغربي) وترجمها آخرون باسم ( فرخ البط القبيح) وإذا كانت حكاية (فرخ البط القبيح) هي حكاية المبدع على الدرب إلى الابداع، وإذا كانت تصور طبعه وشجاعته قبل الوصول، فإن الحكاية الثانية، حكاية "البلبل" تحكي حكاية المبدع وقد نضجت موهبته وصار العالم يتحدث عنه "وكان الشعراء يختصون بلبل الغابة المجاورة للبحر بابدع القصائد." ( " أقاصيص هانس اندرسن" ص77 ) وأما أهل بلده، وليس لنبي كرامة في بلده، فكانوا لايعرفون عنه شيئاً، وخصوصاً حاشية الامبراطور وكانوا يتساءلون عن هذا البلبل العجيب الذي تحدثت الدنيا عنه ولم يعلم أهل البلاط من أمره شيئاً" (المصدر السابق ص78) كانت "فتاة المطبخ" تعرفه جيداً :"وفي أثناء عودتي أمكث في الغابة قليلاً وأستريح، فاسمع البلبل يغرد تغريداً يسيل مني العبرات، فكأنه، حين يغرد، أمي تقبلني" (المصدر السابق ص78) يدهش الفارس المكلف باحضاره إذ يراه: "فما أبسط منظره!" (ص79) وكيف لاتكون البساطة الفاتنة أمراً مدهشاً لمن يغطون التفاهه والضحالة بالزينة والبهرج؟ ولم يكن مستغرباً أن يظن البلبل أن الفارس هو الامبراطور فهو لم يره من قبل... ويمضي إلى القصر وهو يعلم أن صوته أجمل ما في الغابة . ويشدو البلبل في القصر وتخضل عينا الامبراطور بالدموع ويأمر بأن يوضع خفاه الذهبيان حول عنق البلبل مكافأه له. ولكن البلبل يرى أن دموع الامبراطور خير جزاء يناله(ص80) ولكي تكتمل اللوحة ويظهر تألقها على خلفية من نقيضها ينقل لنا أندرسن صورة المقلدين التافهين الذين لايخلو منهم مكان. فهاهن سيدات البلاط تناولن" في أفواههن بعض الماء، وحاولن أن يحركن حناجرهن أثناء الكلام كما يفعل البلبل، ذلك لأنهن فكرن في أن يكن بلابل أيضا" (ص80) ويأتون للامبراطور ببلبل اصطناعي (يشبه البلبل الحي، لكنه كان مرصعاً كله بالماس والياقوت الأحمر والأزرق فإذا أدير لولب هذا البلبل الآلي أمكنه أن يغني لحناً واحداً من ألحان البلبل الحي)(ص81) ويمعن أندرسن في السخرية فيجعل الذي أحضر البلبل الآلي يحصل على لقب" محضر البلبل الامبراطوري الأول" (ص81) ثم يورد لنا رأي فنان القصر الذي يرى أن عيب البلبل الحي هو أن أحداً لايعرف ماذا سوف يغني في كل مرة... (أما البلبل الصناعي فان كل شيء مقرر له من قبل) (ص82) ويسمع صياد السمك صوت البلبل الآلي فيقول :" إن صوت هذا البلبل جميل جداً يكاد يشبه صوت البلبل الحقيقي، لكنه ينقصه شيء لاأدري ماهو" (ص82-83) كان أندرسن يعرف ـ النقص في صوت البلبل الالي، لكنه جعل صياد السمك يعلن بعفويته أن ثمه نقصاً ما، نقصاً لايدرك جوهره لكنه يحس به بسليقته.. فهل أفقدت حياة القصر أهل البلاط سليقتهم فخفي ذلك النقص عليهم، أم أنهم لمسوه ولم يجهروا به خوفاً ونفاقاً؟ الأمران لايشرفانهم. واندرسن لايهمه رأي أهل البلاط.. إن من يسهمون في إفساد ذائقة الناس هم النقاد المسخرون وهاكم سخريته الموجعة منهم: " وألف الفنان خمسة وعشرين مجلداً عن الطائر الصناعي، تحوي أطول العبارات وأصعبها في اللغة الصينية.. وقال الجميع طبعا إنهم قرأوا هذه المجلدات ووعوها، حتى لايتهموا بأنهم أغبياء فيعرضوا أجسادهم للجلد" (ص83) ويتعطل البلبل الآلي ويصلحه صانع الساعات بعض الاصلاح.. ويمرض الامبراطور فينفضّ عنه من حوله وينتخبوا سواه... ويطلب من البلبل الصناعي أن يغني فتبتعد عنه سيئاته التي زحمت ذاكرته " لكن الطائر ظل صامتاً، فلم يكن هناك أحد يدير لولبه" (ص85) وحط البلبل الحي على غصن قرب النافذة وراح يشدو، وأمعنت الاشباح في التواري (وتدفق الدم إلى أعضاء الامبراطور الخائرة، وحتى الموت كان يصغي ويقول: "إمض في غنائك ايها البلبل الصغير، إمض في غنائك !" (ص86) وغنى البلبل أغنية أثارت أشواق الموت "فانطلق من النافذة طيفاُ بارد الهبوب" (ص86) واعلن الامبراطور أنه سيحطم الطائر الصناعي "فأجاب البلبل: لاتفعل ذلك، فقد فعل مافي طاقته، فاعتن به، أما أنا فلا قبل لي بالبقاء في القصر، فدعني آتي كلما حلالي"(ص86) ثم يقول للملك : "إن قلبك أحب إليّ من تاجك" فهل ثمة أعظم من فنان يرى الدمع أثمن من الذهب والقلب أحب إليه من التاج؟ وهل ثمة أطيب قلباً وأكثر تسامحاً ونبلاُ من الفنان المبدع: "لاتفعل ذلك فقد فعل مافي طاقته، فاعتن به" وهل ثمة من هو أحرص على حريته من الفنان الحق: "أما أنا فلا قبل لي بالبقاء في القصر، فدعني آتي كلما حلالي" كنت أنوي الاسترسال في الكلام وإبراز جوانب أخرى من الموضوع على ضوء حكايات أخرى، لكنني فطنت إلى ماكان أجدادنا يحرصون على ترداده: "خير الكلام ماقل ودل، وما أغناك قليله عن كثيره" ولقد أكثرت وما أغنيت .. بل هي اشارات لاأكثر.. وعلى ضوء المسائل التي تناقش الان بحماسة وانفعال اسمح لنفسي بسؤال: هل نحن أمام مسائل تتجدد باستمرار ولاتولد أبداً ؟ قد تكون المسائل الكبرى دائماً هكذا وقد تكون الصغرى كذلك أيضا. المراجع 1- كارانفيلوف- ايفريم (أبطال وطباع) ترجمه ميخائيل عيد -وزارة الثقافة والارشاد القومي-دمشق 1982 2- جماعة من المؤلفين (الشموس الثلاث) ترجمة ميخائيل عيد -وزارة الثقافة والارشادالقومي- دمشق 1976 3- جريدة (البعث) تاريخ 2/6/ 1982 4- كار اليتشيف ـ انجل (جسر روسيتسا الحجري) ترجمه ميخائيل عيد- مجله النافذة - دمشق العدد 5- 6 عام 1991 5- جماعة من المؤلفين (دموع العصفورة ذات الجناحين الفضيين) ترجمه ميخائيل عيد- وزارة الثقافة والارشاد القومي - دمشق 1977 6- اندرسن -هانس (أقاصيص هانس اندرسن) ترجمه محمود ابراهيم الدسوقي- لجنة التأليف والترجمة والنشر- سلسلة (عيون الادب الغربي) القاهرة-1940 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |