|
|||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:25 AM | |||||||
|
إنّ العلاقة الزواجية ليست ملزمة لطرفيها إلزاماً دائماً، فقد يحدث ما يودي إلى انفصام عراها بسبب عجز طرف عن تحقيق نوازع الطرف الآخر الموجود في ظلال الأسرة الزواجية، وقد تنفصم عرى الزواج بسبب تصادم انتماءات الزوجين، ولا سيما انتماءاهما الأبويان . ولقد أقر مجتمع الصرحاء الطلاق مثلما أقر زواج البعولة. والطلاق في حقيقته مظهر لتمتع كل زوج بالحرية، وهي حرية تجعل الزواج عقداً بالتراضي يجمع بين إنسانين، وليس قيدا ينفي إنسانية الزوجين، فالحرية هي شرط الوجود الإنساني . ولكن إساءة استعمال الحرية أمر ممكن، وبه يظلم أحد الزوجين الآخر - سوف نقف على نماذج من شعر الصرحاء تبين تنوع الخلافات الزوجية، ومدى تمتع الزوجين بامتلاك حقّ الاستمرار في الحياة الزوجية، أو فصم عرى تلك الحياة.
تبين لنا ان الأسرة الزواجية يبنيها قطبان متكافئان في الحسب والنسب، وأن لأحد القطبين، وهو البعل، حق الولاية على الآخر، وليس له حق السيطرة والاستعباد. والتكافؤ في المنزلة بين الزوجين يجعل الجدل الإنساني بينهما جدلاً متميزاً، يتسم بقدرتهما على الانسجام والمساهمة في بناء أسرتهما الزواجية، كما يتسم بقدرتهما على التناقض بِندّية قد توصل إلى الإفتراق والطلاق.
والخلافات الزوجية ظاهرة إنسانية موجودة بقوة وجود الأسرة الزواجية، ولكنها تختلف حدة وضعفاً بين أسرة وأخرى، وقد سجل الشعراء بعض الخلافات الزواجية كقول زهير بن أبي سلمى لأم ولده كعب(1)
وقالتْ
أمُّ كعبٍ: لا تَزُرْني |
فلا،
واللهِ، مالَكَ مِنْ مَزارِ |
|
رأيتُكَ
عِبْتَني وَصدَدْتَ عَني |
وكيف
عليكَ صبري واصْطباري؟ |
|
فلمْ
أُفْسِدْ بَنِيْكَ، ولم أُقَرِّبْ |
إليكَ
مِنَ المُلمّاتِ الكِبارِ |
|
أقيمي،
أمَّ كَعْبٍ، واطمئني |
فإنّكِ،
ما أَقَمْتِ بِخَيْرِ دار |
وهذه الابيات تصور باختصار خلافا بين زوجين يشبه ما يجري في مجتمع بلغ درجة عالية من التحضر والرقيّ، فالزوجة تعي قيمتها الإنسانية، فهي تدرك حقوقها وواجباتها، إنها ترفض استقبال زوجها لاعتقادها أنه سيزورها ليعيبها ويهجرها بعد ذلك، وهي تسوغ استخدام ذلك الحق بقيامها بواجباتها الأسرية، فهي منجبة عفيفة، ولدت فرسانا أشرافا، ولم توطئ فراش زوجها غيره(2)
وفي مقابل ذلك يبرز موقف زهير الحكيم من زوجه، فهو لا يغضب من امتناعها وإدلالها عليه، بل نراه يدعوها إلى الإقامة في بيتها مكرمة، وهي دعوة فيها ترغيب وتحبيب . ويعلي شأن رقي تلك الدعوة أن زهيراً ترك لزوجه حرية البقاء في بيتها مكرمة أو الرحيل عنه. ولكن الخلافات بين الأزواج لم تكن لتُحَلَّ على هذا المنوال المتحضر دائماً، فالخلافات بين الزوجين كانت توصل أحياناً إلى طرق تنتهي بالطلاق، ومن تلك الخلافات تناقض موقف الزوجين من إنفاق الأسرة، ولقد اشرت إلى عزل الزوجة لبعلها على إسرافه في الإنفاق، وأنّ تقبّل الزوج لذلك يُعَدّ من مظاهر إعزاز الزوجة وإكرامها. ولكن لجاج بعض النساء في اللوم، وإصرار الرجال على الإسراف كانا طريقاً معبدة توصل إلى الطلاق، ومن الشعر الدال على ذلك قول المرقش الأصغر (3) :
آذَنَتْ
جَارَتِي بِوَشْكِ رَحيلِ |
باكِراً،
جاهَرَتْ بِخَطْبٍ جَليلِ |
|
أزْمَعَتْ
بالفِراقِ لَمّا رَأَتني |
أُتْلِفُ
المالَ، لا يُذَمُّ دَخِيلي |
|
أِرْبَعِي
إنَّ ما يَرِيبُكِ مني |
إرْثُ
مَجْدٍ وَجِدُّ لُبٍّ أصيلِ |
والأبيات السابقة تنص على أن الطلاق خطب جليل، ولكن حدوثه أمر يقع باختيار أي طرفٍ من الزوجين مادام التوافق متعذراً بينهما؛ فهو يسرف للمحافظة على مجد أسرته الأبوية، وهي تدعوه إلى الإقتار للحفاظ على اقتصاد اسرتها الزوجية. وبمثل ذلك خاطب لبيد زوجه فدعاها إلى ترك اللجاج في لومه على إنفاق المال أو إلى الطلاق، فهي ترضى بأن يُثَمّر زوجها المال، وهو يأبى إلا أن يكون كريما يسدّ خَلّة من يلوذ به من أبناء عمّه(4)
إن خوف بعض الزوجات من إنفاق مسرف يوصل إلى الفقر دفعهن إلى طلب الطلاق فثمة زوجات لم يستطعن الصبر على فقر أزواجهن، فطلبن الطلا ق، ومنهن زوجتا نبيه بن الحجاج السهمي، فقد سألتاه الطلاق، فقال(5) :
تلكَ
عِرْسايَ تَنطِقانِ بهُجْرِ |
وتقولانِ
قولَ زُورٍ وَهِتْرِ |
|
تَسْألاني
الطَّلاق أن رأتاني |
قلَّ
مالي. قد جئتماني بِنُكْرِ |
ومن الملاحظ أن نُبيهاً يرى أن الطلاق أمر قبيح وتلك إدانة واضحة لحلٍّ لا يرغب فيه، ولا يملك دفعه.
وكان من أبرز أسباب الطلاق أن تنشز المرأة بزوجها. والمرأة النشاز على زوجها هي التي ارتفعت عليه، واستعصت عليه وأبغضته، وخرجت عن طاعته، وفركته))(6) . وكان النشوز سببا كافيا للطلاق؛ فالنشوز يقوض شرطا رئيسا لبناء الأسرة، وهو ولاية الرجل على زوجه. ومن أسباب النشوز أن ثمة رجالاً كانوا عاجزين عن إرضاء زوجاتهم لِعُنّة أو ما يشبهها، ومِمّن اشتهر بذلك امرؤ القيس، والأضبط بن قريع الميمي، وكان إذا شهد حَربا، تقدم ثم قال(7) :
أنا
الذي تَفْرُكُهُ حلائِلُهْ |
ألا
فَتى مُعَشَّقُ أُنازِلُهْ |
لقد كان الاضبط مَفَرَّكاُ، ومُحْصِناً في الوقت نفسه لعدة نساءه وهذا يعني أن عجز الرجل عن إشباع رغبات زوجه ليس موجبا لطلب الطلاق، ولكن بعض الزوجات كن يفركن أزواجهن، ويسارعن إلى الطلاق، فقد نشزت على الأضبط بن قريع إحدى زوجاته، وكان تزوجها على مال ووصيفة، ففارقها ولم يعطها ما كان ضمن لها، وقال في ذلك(8) :
ألم
تَرَها بانتْ بغيرِ وصيفةٍ |
إذا
ما الغواني صاحبتها الوصائفُ |
|
لَوَانّ
رَسُولَ اللَّهْوِ سَلَّمَ واقفاً |
عليها
لَرَامَتْ وَصَلَهُ وَهْوَ واقفُ |
فالرجل لم يكن بقادر على تقويم الناشز، فكان الطلاق هو الحلّ، وقد تسبب ذلك في ضياع مهرها، واتهامها باتباع أهواء النفس، وبأنها تسارع إلى وصل من يرمي عليها شباك الهوى. ومن الشعر الدال على ذلك أيضا، قول عمرو بن قميئة في زوجه سُلَيْمى، وكانت قد نشزت عليه، وطلبت الطلاق(9) :
أرَى
حارتي خَفَّتْ، وَخَفَّ نَصِيحُها |
وَحُبَّ
بها لولا النوى وطُمُوحُها |
|
فإن
تَشْغَبِي فالشّغْبُ مِني سَجسيَّةُ |
إذا
شِيمتِي لم يُؤْتَ مَنْها سَحِيحُها |
فالشاعر بعْل يحب زوجه ويكرمها لولا ارتحالها وطموحها، والمرأة الطامح هي التي تبغض زوجها، وتنظر إلى غيره، ولعلّ ارتحالها هو الذي جعله يتهمها بالطموح؛ فهو يشغب على من يشغب عليه. وبعض الشعراء ذهبوا إلى ابعد من اتهام الزوجة بالطموح، فاتهموا نساء قومها كلهنّ بذلك، ومنهم الشماخ بن ضرار الذبياني الذي قال في زوجه السّلمية، وقد فارقته(10) :
وإنكِ
من قَوْمٍ يَحِنُّ نِساؤُهمْ |
إلى
الجانبِ الأقْصى حنينَ المَنَائِحِ |
وثمة نساء تزوجن، فوجدن أزواجهن أقلّ مما قيل عنهم، ودون أملهن فيهم، ومن الشعر المعبر عن ذلك قول مقُرّن بن مطر التميمي، وقد ازدرته امرأته(11) :
تقولُ
المالكِيّةُ أمُّ قيسٍٍ |
رأيتُ
مُقَرٍّنا دُونَ المعيبِ |
|
رأيتُكَ
دونَ ما قالوا وأنَّى |
فلاحُ
المرءِ من بعدِ المشيبِ |
|
وما
يدريكِ ما حسبي إذا ما |
وجوهُ
القومٍ كانت كالصَّبِيْبِ |
فالزوجان يرى كلّ منهما خيبة أمله في الآخر، وقد افصح الزوج عن السبب الحقيقي لخيبة الأمل، وهو كِبرُ السنّ، فَلعَلّه توقع أن تصير عليه لمنزلته العالية في قومه، ولعلها توقعت أن تجد لديه أمراً آخر لا تقوم المنزلة مقامه عندها. وثمة زوجات رغب رجالهن عنهن، فلقين منهم الهوان وخيبة الأمل لكبر سنهن(12) . ومن الشعر الدال على خيبة أمل الزوجة في بعلها أيضا قول أبي خراش الهذلي(13) :
تَقُولُ:
فَلَولاَ أنتَ أُنكِحْتُ سَيِّداً |
أُزَفُّ
إليهِ، أو حُمِلْتُ على قَرْمِِ |
|
لَعُمْرِي
لَقَدُ مُلّكْتِ أَمْرَك حِقْبَةً |
زَمَاناً،
فَهَلاّ مِسْتِ في العَقْمِ والرَّقْمِِ |
|
فَجَاءتء
كَخَاصيِ الَعَيْرِ لَمْ تَحْلَِ جَاجَةْ |
ولا
عاجةً منها تَلُوحُ على وَشْمِِ |
فالزوجة تتدعي أن زواجها بأبي خراش أبعد عنها فرص الزواج بسيد غيره، ولكن البعل رد عليها، فهي لم تستطع أن تحظى برجل أحلامها، وكان أمرها إليها، وهذا ما جعلها تأوي إلى أبي خراش، معطلة من الحلي والوشم.
إن خيبة أمل أحد الزوجين أو كلٍّ منهما بالآخر من المظاهر المألوفة في الأسر الزواجية المحدثة؛ فالزوجان قد ينجحان في التقارب اللازم لاستمرار الحياة الزوجية ونجاحها، وقد يخفقان فيحدث الطلاق. ولكن نجاح الزوجين في بناء أسرة زواجية لا يعني لزوم استمرار الانسجام بينهما، فقد تدرك الزوجُ بعد زمانٍ من الزواج فارق السن بينها وبين بعلها فترغب بالطلاق. يقول عبيد بن الأبرص(14)
تِلْكَ
عِرْسِي غَضْبَى تُرِيْدُ زيالِي |
أَلَبَيْنٍ
تُرِيدُ أَمْ لِدَلالِ |
|
إنْ
يَكُنْ طِبُّكِ الفِراقَ فلا أحْـ |
فِلُ
أنْ تَعْطِفي صُدُور الجمالِ |
|
أن
يكُنْ طِبُّكِ الدَّلالَ فَلَوْفي |
سالِفِ
الدَّهْرِ واللَّيالي الخَوالي |
|
ذاكَ
إذْ أنتِ كالمهاةِ وإذْاً |
تِيْكِ
نَشْوانَ مُرْخياً أَذْيالي |
|
فَدعِيْ
مَطْ حاجبَيْكِ وَعِيْشِي |
مَعَنَا
بالرَّجاءِ والتَّأْمالِ |
|
زعَمَتْ
أنني كَبِرْتُ وأنّي |
قَلَّ
مالِي وضَنَّ عَنّي الموَالي |
|
وصحا
باطلي وأصبحْتُ شَيْخاً |
لا
يُواتي أمثالها أمثالي |
|
أَنْ
رَأَتْنِي تَغيَرَ اللونُ مَني |
وَعلا
الشَّيبُ مَفْرقِي وقَذالي |
فالزوجة غضبي،والشاعر متحيّر؛ أغضُبها رغبة بالطلاق، ام رغبة بالدلال؟ فإن كانت ترغب بالطلاق فلها ذلك، وإن كانت ترغب بالدلال فهذا متعذّر، وغير مناسب لزوجة فقدت جمالها، وبعل أدركته الشيخوخة، ولكن البعل أسلمته الرغبة في استمرار العلاقة الزوجية إلى أن يقول لزوجة : فارفضي العاذلين، واقنْي حياءً)) فهو يدعوها إلى نبذ كلام العاذلين ظِهريّاً، وإلى التزام بيتها. وَلَعله دعاها إلى البقاء في بيت الزوجية لأنه تخوف الأقاويل وتذكر طول المعشارة، وانجابها الأبناء فلم يهن عليه الفراق، ولم يأنس لابتعادها عن أبنائها.
وشبيه بذلك موقف كعب بن زهير في قوله لأم اولاده، وقد نشزت عليه بعد طول معاشرة، فرأى أن يصبر على أذاها، وأن يجاملها(15) :
لَوْ
أَنها آذَنَتْ بِكْراً لقلتُ لها |
يا
هَيْدَ مالكِ، أو لو آذَنَتْ نَصَفا |
|
لولا
بَنُوها وقولُ الناسِ ما عُطِفَتْ |
عَلَى
العِتابِ وَشَرُّ الودّ ماعُطِفَا |
|
فَلَنْ
أَزالَ وإنْ جَامَلْتُ مَضْطغِناً |
في
غير نائرةٍ ضبًّا لها شَنفَا |
ولكن بعض الأزواج ليس لهم صبر عبيد بن الأبرص ولا صبر كعب بن زهير، ولا استعدادهما للمجاملة، ومن اولئك الأزواج بن أرقم البكري؛فقد عاني من نشوز زوجه، وحار في مواقفها منه، فهي تصدّ بوجهها عنه، وتزعم لجاراتها أنه ظالم، وقد توافيه مظهرةً جمالها وزينتها، وقد تجادله في ضم أمواله إلى أموالها، فيبيتان في خصومة بعد أن تصل أصواتهما إلى مسامع الجيران. والظاهر أنها تتطاول عليه لكبر سنه، فما كان منه إلا أن هدّدها بالطلاق إن لم تنته عما هي فيه من نشوز (16) .
إن الطلاق هو حلّ أخير يلجأ إليه احد الزوجين أو كلاهما حين يتعذرالتفاهم بينهما لاختلاف الأمزجة الحاجات والمفاهيم الخاصة بالرابطة الزواجية، ومن أوضح الأشعار التي تظهر ذلك قول عامر بن الطفيل(17)
وقد
أصبْحَتْ عِرْسي الغَداةَ تَلُومُني |
على
غَير ذَنْبٍ هَجْرُها وَصدُودُها |
|
فإنّي
إذا ما قُلْتُ قوْلِيَ فانْقَضَى |
أَتَتْني
بأُخرَى خُطَّةً لا أُريدُها |
|
فلا
خيرَ في وُدٍّ إذا رَثَّ حَبْلُهُ |
وخيْرُ
حبالِ الوَاصِلينً جَديدُها |
ولا أريد أن أشير هنا إلى امتلاك البعل حق طلاق زوجه، فهو أمر مسَلم به في المجتمعات الأبوية، ولكني أودّ أن أشير إلى امتلاك الزوجة حق فسخ عقد زواجها وقد مرت بنا شواهد كثيرة تدل على ذلك، وثمة أمر جدير بالاشارة إليه هنا، وهو موقف زوج العباس من مرداس السلمي منه حين أسلم، فقد تركته، وقوضت بيتها، وارتحلت إلى قومها، وقالت تُؤنبه(18) :
ألْم
يضنهَ عباسَ بن مِرداسَ أنَّني |
رأيتُ
الوَرَى مَخْصُوصَةً بالفجائعِ |
|
لَعَمْري
لئنْ تابعتَ دينَ محمدٍ |
وفارقتَ
إخوانَ الصَّفا والصَّنائعِ |
|
لَبدَّلتَ
تلك النَّفْسَ ذُلاٍّ بِعزَّةٍ |
غداةَ
اختلافِ المُرءهفاتِ القواطع |
وامتلاك المرأة الحق في فسخ عقد زواجها في مجتمع الصرحاء الأبوي والجاهلي يدل دلالة ظاهرة على توازن العلاقة بين البعل وزوجه،وعلى امتلاك المرأة الصريحة حريتها وإنسانيتها في ظل انتمائها إلى اسرتها الزواجية، فالعلاقة الزواجية عقد بين رجل وامرأة يستمر بالاتفاق بينهما، وينتهي برغبة أحدهما أو كليهما بفسخه. ولقد أبانت الأشعار المستشهد بها أن الطلاق أمر مُنكَرُ، لا يُقْدِم عليه إلا من اقتنع بتعذر استمراره وهذا يعني أنّ الطلاق لم يكن شائعاُ، ولكنه حلُّ لمشكلات إنسانية تقع بين زوجين لاختلاف الأمزجة الحاجات والمفاهيم الخاصة بالرابطة الزواجية.
إن الرابطة الزواجية انتماء جديد يضاف إلى انتماءات كلّ واحد من الزوجين، ولا يلغيها، والإضافة تعني التفاعل الجدلي الإنساني بين انتماء محدث، وانتماءات سابقة على وجوده، وهذا التفاعل قد يكلل بالنجاح، ببناء أسرةٍ زواجية متوازنة ترى فيها حرمةُ العلاقة الزواجية، وتُثمر أبناءً وعلاقاتٍ حسنة بين أهل الزوج وأهل الزوجة . وقد يتخذ الجدل بين الرابطة الزواجية المحدثة والانتماءات السابقة شكلاً عنيفاً، يؤدي إلى التصادم بين الزوجين، وغالباً ما يحصل ذلك بسبب تعصب أحد الزوجين أو كليهما لنسبه الأبوي تعصبا شديداً، يعوق بناء الأسرة الزواجية بناء سليماً، ويوصل إلى الطلاق في أحايين كثيرة. وثمة أخبار وأشعار بالغة الدلالة على ذلك، فدريد بن الصمة بلغه أن زوجه سبّت أخاه، فطلقها، وقال(19) :
أَعَبدَ
اللهِ إنْ سَبَّتْكَ عِرسِي |
تَسَاقَطَ
بعضُ لَحمي قبلَ بَعْضِ |
|
مَعَاذَ
اللهِ أنْ يَشْتُمْنَ رَهْطي |
وأنْ
يَملِكْنَ إبْرامي ونَقْضي |
لقد استشعر دريد إهانة كبيرة أنْ سبت عِرسه أخاه عبد الله، فطلقها، ثم جعل تلك الحادثة المفردة قضية عامة، فأعلن أنه لا يسمح لنسائه أن يشتمنَ أحداً من أقاربه، ولا يرضيه أن يملين عليه رغباتهن. وللجميح بن الطماح الأسدي أبيات يصور فيها نشوز زوجه، ومنها قوله(20) :
فإنْ
يكنْ أَهلُها حَلُّوا على قِضَةٍ |
فإنَّ
أهْلِيْ الأُلَى حَلُّوا بِمَلْحُوبِ |
ولقد قال التبريزي) في شرح البيت السابق: كأنه ظهر له منها تبجح بعشيرتها، بعد ما رأى من سلاطتها، وتجردها للمساءة إليه طلبا للبينونة منه، فقال : إن كان أهلها بالقرب منها، وهم عُدّة لها، فإنَّ أهليَ أعلى شأناً منهم)). ومن مفاخر كل واحد من الزوجين بنسبه الأبوي قول حسان بن ثابت، وقد ولدت له زوجه الأسلمية غلاماً(21) :
غُلامُ
أَتاهُ اللؤمُ من نَحْو خالهِ |
له
جانِبٌ وافٍ وآخرُ أكشَمُ |
فقالت أمّهُ:
غُلامُ
أَتاهُ اللّؤومُ من نَحْو عَمِّهِ |
ومن
خَيْرِ أعراقِ ابن حَسَّانَ أَسْلَمُ |
وثمة زوجات لم يستطعن الاندماج في مجتمع الاسرة الزواجيةن فكن يشعرن بالغربة، فينتابهنّ حنين جارف إلى الأهل، ومن الجلي أن بعد النسب والدار من أسباب ذلك الشعور . ومن اللواتي عَبّرن عن الإحساس بالغربة في رحاب الأسرة الزواجية أسماء المرية صاحبة عامر بن الطفيل في قولها(22) :
أيا
جَبَليْ وادي عريْعِرَةَ التي |
نَأتْ
عَنْ ثَوَى قَوْمي وَحَقَّ قُدومُها |
|
ألا
خلّيا مَجْرَى الجَنُوبِ لَعَلّهُ |
يُداوي
فُؤادي منْ جَواهُ نَسيمُها |
|
وكيف
تُداوي الريحُ شَوْقاً مُمَاطِلاً |
وعَيْناً
طويلاً بالدموعِ سُجُومُها |
|
وقولا
لِرُكْبَان تَميمِيةٍ غَدَتْ |
إلى
البيتِ تَرْجُو أنْ تُحَطَّ جُرُومُها |
|
بأنَّ
بأكنافِ الرَّغامِ غَريبةً |
مُوَلَّهةً
ثكْلى طوِيلاً نئِيمُها |
|
مُقطَّعةً
أحشاؤُها مِنْ جَوَى الَهَوى |
وتَبْرِيحِ
شَوْقِ عاكِفٍ ما يَرِيمُها |
وكانت الطامة الكبرى أن يقتتل أهل الزوج وأهل الزوجة، فتقع بينهما الدماء، وتفعم القلوب بالإحن. ومن أكثر أخبار الجاهليين مأساوية خبر جليلة بنت مُرّة البكرية، فقد قَتَل أخوها جساسُ زوجها كليبَ بن وائل التغلي، فأبعدت نساءُ تغلب جليلةَ عن مأتم زوجها لأنها أخت القاتل، فلحقت بأهلها، وسجلت عمق معاناتها بقصيدة تفيض بالألم والحسرة، ومنها قولها(23)
يا
قيتلا قَوّضَ الدّهرُ به |
سَقْفَ
بيَتيَّ جميعاً منْ عَلِ |
|
هَدَم
البيتَ الذي استحدثتُهُ |
وانثنى
في هدمِ بيتي الأولِ |
|
إنَّني
قاتِلةٌ مقتولةُ |
ولَعَلَّ
الله أنْ يرتاحَ لي |
إنها تنعى بيتها المحدث أسرتها الزواجية) وبيتها الأول نسبها الأبوي) فهي قاتلة مقتولة، تفوض أمرها إلى الله، وترجوه أن يريحها من عنائها وشقائها.
وقد يتصادم الانتماء إلى الأسرة الزواجية بالانتماء إلى الأمومة، فيتطامن الانتماء المحدث أمام الانتماء القديم، ولصخر بن الشريد السُّلمي بيت يكثف فيه تجربة خاصة، وهو قوله:(24)
فَأَيُّ
امرئٍ سَاوَى بأُمٍّ حَلِيلةً |
فلا
عاشَ إلا في أّذىً وَهَوانِ |
ومن أخبار التصادم بين الانتماءين المذكورين أن حسان بن ثابت تزوج امرأة من الأوس، وكانا متحابين، فأسر الأوسيون رجلاً من أخوال حسان، فتكلم في أمره بكلام أغضب زوجه، فعيرته بأخواله، وفخرت عليه بالأوس، وكان حسان يحب أخواله، ويغضب لهم، فطلقها، ومن شعره في ذلك قوله (25) :
سأَلتْ
حَسّانَ مَنْ أَخْوَالُه |
إنّما
يُسألُ بالشيءِ الغُمُر |
|
قُلْتُ
أخوالي بنو كعبٍ إذا |
أسلمَ
الأبطال عَوْراتِ الدُبُرْ |
ومن الظاهر أن تصادم الانتماء إلى اأسرة الزواجية بالانتماء إلى الأبوة والأمومة ينتهي بتراجع المحدث أمام التالد، بل يتراجع المتحول أمام الثابت، فالأبوة والأمومة انتماءان قسريان، لا خلاص منهما، والأسرة الزواجية انتماء الزوجين إليها اختياري، والانفلات منه ممكن بالطلاق. فهل ينهي الطلاق الصلة بين الزوجين المنفصلين؟
إنّ الطلاق لا ينهي الصلة بين طرفيه، فما يحدث في مجال العلاقات الزواجية قبل الطلاق يصبح وجوداً لا يمكن إلغاؤه، وتجربة مشتركة لها آثار مختلفة في نفوس أصحابها، ومن أبرز تلك الآثار النفسية التي ظهرت في الشعر الجاهلي الحنين إلى الزوجة، والأسى لفراقها كقول علباء بن أرقم اليشكري في زوجه تُماضِر التي لحقت بقومها لاستهلاكه المال، وتعريضه نفسه لمخاطر(26) :
حَلّتْ
تُماضِرُ غَرْبَةُ فاحْتَلَّتِ |
فَلْجاً،
وأَهْلُكُ باللّوى فالْحِلتِ |
|
وكأنما
في العَيْنِ حَبُّ قَرَنْفُلٍ |
أو
سُنْبُلاً كُحِلَتْ به فانْهَلَّتِ |
وذكر صاحب الأغاني أن زهير بن أبي سلمى طلق زوجه أم أوفى ثم ندم، فقال(27)
لَعَمْرُكَ
والخطوبُ مُغَيّراتُ |
وفي
طول المُعاشرةِ التَّقالي |
|
لقد
باليتُ مَظْعَنَ أمِّ أوْفَى |
ولكنْ
أمُّ أوفَى ما تُبالي |
لقد اقرّ زهير أنه قد اهتم لفراق زوجه، وأن زوجه لم تهتم لفراقه، وعدم مبالاة أم أوفى ربما لا يكون حقيقة، وربما اصابها الهم والأسى للطلاق، ولكنها كتمت مشاعرها أنفة، وامتثالاً لقيم اجتماعية ضاغطة، تخظر على المرأة تعبّر عن مشاعرها تجاه الرجل، الزوج، ويؤكد صحة ذلك أني لم أجد في مصادري شعر امرأة ذكرت فيه معاناتها من الطلاق. ويقابل ذلك وفرة في أشعار الأزواج الذين أظهروا مشاعرهم تجاه مطلقاتهم(28) .
لقد تبين لنا مظاهر العلاقة الزواجية الصريحة التي أبرزها الشعراء الجاهليون، ولكن الاسرة الزواجية غينية بعلاقات إنسانية أخرى ينتجها جدل الأفراد المنتمين إلى تلك الأسرة، ولقد وقفنا على جوانب كثيرة منها في حديثنا عن أبوة الصرحاء وأمومتهم، وسوف ألمّ الآن بجوانب أخرى خاصة بالأبناء المنتمين إلى الأسرة الزواجية محاولاً بذلك استكمال تصوير الشعر الجاهلي لتلك الأسرة.
***
إن لزواج البعولة غاية رئيسة محددة، هي المحافظة على استمرار الوجود الإنساني بالإنجاب .
ولما كان مجتمع الصرحاء مفعماً
بالصراعات فقد حرصوا على إنجاب الأبناء الأقوياء،
وعلى تنشئتهم تنشئة تكسبهم القوة الجسدية والنفسية
التي يستطيعون بها مواجهة الأعداء، وتحدي الطبيعة
القاسية. ومن أجل ذلك كان البعل يختار ذات الحسب
والنسب ليقترن بها لاعتقاده بقدرتها على توريث
القوة الجسدية لأبنائها، وعلى تربيتهم تربية
يتمثلون بها قيم مجتمعهم، ويتلو اختيار الزوجة
اخيتار الوقت المناسب للحمل، فقد اعتقد الجاهليون
أن الزوجة إذا حملت وهي فزعة، ومكرهة على طرق بعلها
إياها، فجاءت بغلام- فإنهاتلد غلاماً لا يطاق، ومن
جيد الشعر الدال على ذلك قول أبي كبير الهذلي يصف
صاحباً له(29) :
ولقد
سَرَيْتُ على الظَّلام بمغشَم |
جَلْدٍ
مِنَ الفِتْيانِ غَيْر مُهَبلِ |
|
مِمَّا
حَمَلْنَ بهِ وَهُنَّ عَواقِدٌ |
حُبُكُ
الثّيَابِ فَشَبَّ غَيْرَ مُثَقّلِ |
|
حَمَلتْ
به في لَيْلَةٍ مَزْؤُودَةٍ |
كَرُهاً
وعَقْدُ نِطَاقِها لَمْ يُحْلَلِ |
|
فَأتَتْ
به حُوْشَ الجَنَانِ مُبَطَّناً |
سُهُداً
إذّا ما نَامَ لَيْلُ الهَوْجلِ |
ثم أضاف أبو كبير صفات أخرى تلزم لاستكمال قوة المولود الجسدية، فقال(30) :
ومُبَرَّأ
من كلِّ غُبَّرِ حَيْضَةٍ |
وَفَسَادٍ
مُرْضِعَةٍ وَدَاءٍ مُغْيِلِ |
وقد بين السكّري) في شرحه البيت السابق أن الأم لم تحمل على مولودها، فتسقيه الغيل(31) ، وإنه لم يُصب بداء شديد معضل. فالأسرة الزواجية تنزع إلى انجاب الأبناء الأقوياء باختيار أسلوب الحمل المناسب في رأيها لذلك، وبتغذية المولود بلبن اعتقدت بلزومه لصحة الأبناء . ومن الواضح أن الزوجين- و لا سيما الأنثى منهما- يتكبدان عناء نفسياً في سبيل إنجاب المولد بطريقة مثلى، وفي سبيل إرضاعه بلبان الصحة والقوة.
وكانت الأسرة الزواجية تطمح إلى أن يَشُبَّ أبناؤها على مثال ترتضيه. وفي أشعار ترقيص الأطفال ما يظهر اهتمام الأسرة،بتربيتهم، وبتنشئتهم على القيم العليا التي يرتضيها المجتمع، ومن تلك الأشعار قول هند بنت عتبة وهي ترقص ابنها معاوية (32) :
إن
بُنَي مُعْرِقُ كريمُ |
مُحبَّبُ
في أهله حَليمُ |
|
ليس
بفَحّاشٍ ولا لئيمٍ |
ولا
بِطُخْرُورٍ ولا سَئُومِ |
|
صَخْرُ
بني فَهْرٍ به زَعِيم |
لا
يُخْلِفُ الظَّنَّ ولا يَخيِمُ |
والصفات التي تسبغها هند على ابنها ليست فيه، فهو صغير ولكنها صفات تأمل أن يتربى عليها، ويتملكها حين يشب عن الطوق . وشبيه بذلك أبيات لصفية بنت عبد المطلب في ابنها الزبير بن العوام، تُبين فيها أنها تحسن تربية ابنها، وأنها تقدم على ضربه ليعقل وليشبّ رجلاً جواداً شجاعاً(33) وزعمت أم عمرو بن كلثوم التغلي أن آتيا جاءها في الليل، فأشار إلى ابنها عمرو، وقال:(34) :
إني زعيم لكِ أمَّ عَمْرو |
بماجِد الجَدِّ كريم النَّجْر |
|||
أشجعَ مِنْ ذي لِبَدٍ هِزبْرِ |
وَقاصِِ أقرانٍٍ شديدِ الآسْرِ |
|||
يَسُودُهُمْ في خمسةٍ وَعَشْرِِ |
||||
والخيال في الخبر السابق واضح، ولكنه لا ينفي إمكانية أن تقول الأم ذلك الشعر في نومها، غير واعية، وفي أن تنسبه إلى ذلك الآتي الذي تراءى لها في منامها، فتحدثت بلسانه عما يجيش في صدرها من احلام تتعلق بطفلها. واختصاص الأمهات بالأشعار الخاصة بتربية الأطفال يويح بتحمّلهن مسؤولية تربيتهم(35) ، ولكنه لا ينفي مشاركة الرجال لهن، وكذلك توحي تلك الأشعار باهتمام الأسرة بالأبناء الذكور دون الإناث ولم أقف في الشعر الجاهلي على ما يظهر اهتمام الرجال بتربية الأطفال غيرقول أمية بن أبي الصلت يعاتب ابنه:(36) :
غَذوتُكَ
مولوداً وعُلتُكَ يافعاً |
تُعَلُّ
بما أدنى عليك وتنهلُ |
|
إذا
ليلةُ نابَتْكَ بالشكوِ لم أبتْ |
لِشَكْواكَ
إلا ساهراً أتَمَلْمَلُ |
|
كأني
انا المطروقُ دونكَ بالذي |
طًرقْتَ
به دُوني وعينيَ تُهمُلُ |
|
تخاف
الرَّدَى نَفسي عليكَ وأنها |
لتعلم
أن الموت حَتْمٌ مؤجلُ |
وكذلك أشعار للزبير بن عبد المطلب في ولد أخيه، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وفي أخويه،العباس وضرار ابني عبد المطلب(37) ولم أقف في شعر الجاهليين على ما يظهر الاهتمام بتربية الإناث غير قول الزبير بن عبد المطلب وقد دخلت عليه ابنته أم الحكم(38) :
يا
حَبّذا أُمَّ الحّكّمْ |
كأنها
رِيْمُ أَحَمّْ |
|
يا
بَعْلها ماذا يّشَمّْ |
ساهَمَ
فيها فَسَهَمْ |
ونستيطع مما سبق أن نذهب باطمئنان إلى القول بامتلاك الأسرة الزواجية الصريحة المقومات اللازمة لبناء الإنسان القادر على مواجهة الحياة بقوة؛ فهي أسرة تراعي فيها حرية الاختيار في إبرام عقد الزواج، وفيها يتحمل الزوج مسؤولية حماية زوجته ورعايتها، وتتحمل الزوجة مسؤولية رعاية الزوج، وتربية الأبناء، مع الحفاظ على كلّ ما يصون شرفها، ويضمن صحة انتساب أبنائها إلى بعلها، فيتربي الأبناء في ظلال أسرتهم تربية يكتسبون بها قيم مجتمعهم، ومنها قيم ترابط الأسرة وتضامن أفرادها في مواجهة الأخطار التي تهددها أو تهدّد أيّ فرد منها.
والأشعار التي تدل على ترابط الأسرة الزواجية كثيرة ومتنوعة، ومنها أن يعتد الأب بأبنائه، فيفرح بهم لامتلاكهم المناقب الحميدة، ويهتم بأمورهم كقول ذي الإصبع العدواني يصف ابنه بالقوة والكياسة والكرم، ويتساءل أغيبته لنفع أهله أم لشيء آخر(39) :
وما
إنْ أسيدُ أبو مالكٍ |
بوَاهٍ
ولا بضَعيفٍ قُوَاهُ |
|
ولا
بألدَّله نازعُ |
يُغاري
أَخاهُ إذا ما نَهاهُ |
|
ولكنهُ
هَيِّنُ لينٌ |
كعاليةِ
الرمحِ عَرْدُ نَسَاهُ |
|
ولكّنه
غيرُ فْحِلافةٍ |
كريم
الطبائع حُلوٌ ثَناه |
|
إذا
سُسْتَهُ سُسْتَ مِطْواعةً |
وَمَهْمَا
وَكلتَ إليه كفاهُ |
|
ألا
منْ يُنادي أبا مالكٍ |
أفي
أمْرِنا أَمْرُهُ أم سِوَاهُ |
|
أبو
مالكٍ قاصرُ فَقْرَهُ |
على
نَفْسِهِ وَمُشيعُ غِنَاهُ |
وكان الأب يشعر بمسؤوليته عن مناصرة وحمايته، وقد يعجز الأب عن ذلك، فتفيض نفسه بالحسرة والألم، وقد عبر عن مثل هذا الموقف عتيبة بن الحارث بأبيات حين فرّ عن ابنه حَزْورة (40) :
وكان الآباء يشعرون بالاغتراب لفقدان الأبناء ومنهم زهير بن أبي سُلمى الذي رثى ابنه سالماً، فأظهر افتقاده لأيام الهناء التي كان ينعم فيها بصحبة ابنه (41) وذكر القالي) أن سبعة أخوة هلكوا معاً في الجاهلية، فرثاهم والدهم ، وهو رجل من ضبّة، بأبيات منها قوله:(42) :
أحينَ
رَماني بالثمانين مَنْكبٌ |
من
الدَّهرِ مُنحٍ في فؤادي بأسْهُمِ |
|
رُزئْتُ
بأعضادي الذين بأَيْدِهِمْ |
أَنُوءُ
وَأَحْمِي حَوْزَتَيَّ وأَحْتَمِي |
|
فإنْ
لم تذُبْ نفسي عليهم صَبَابةٌ |
فَسَوْفَ
أشُوبُ دَمْعها بعدُ بالدَّمِ |
فالأب مسؤول عن حماية أبنائه، وهم مسؤولون عن رعايته وحمايته حين يشتد عودهم ويذري عوده، ولذلك كان الرجل العقيم يفتقد الأبناء حين يضعف ، فهم مرتكز عَصَبَةِ الرجل في المجتمع الأبويّ. ومن الأخبار المؤثرة أن فارس بني عامر أبا براء، عامر بن مالك، ملاعب الأسنة، ضعّفه بنو أخيه لما أسنّ وخرّفوه ولم يكن له ولد يحميه، فأنشأ يقول:(43)
دَفعتُكُمُ
عَنّي، وما دَفْع راحةٍ |
بِشيَءٍ
إذا لم تَسْتَعنْ بالأناملِ |
|
يَضعِّغُني
حِلْمي وكثرةُ جَهْلِكُمْ |
عَلَيَّ
وأنّي لا أصُولُ بجاهِلِ |
وكان الأبناء يرتبطون بآبائهم برباط وثيق، ولقد وقفنا على ذلك في أثناء الحديث عن أبوة الصرحاء) وكان عجز الأبناء عن القيام بالواجبات تجاه آبائهم مؤلماً لهم،وباعثاً على تأنيب الذات، ومن المواقف الدالة على ذلك أنّ ورقاء بن زهير العبسي لم يستطع استنقاذ والده من سيف خالد بن جعفر العامري، فقال ورقاء(44)
رأيتُ
زهيراً تحت كَلْكَلِ خالدٍ |
فأقبلتُ
أسعى كالعجول أُبَادِرُ |
|
إلى
بَطَلَينِ يَنْهَضانِ كلاهما |
يُريدان
نَصْلَ السيفِ نادرُ |
|
فَشُلّتْ
يميني يوم أضرِبُ خالداً |
ويَمْنَعُهُ
مِنّي الحديدُ المثظاهرُ |
|
فيالتي
أنّي قبل أيامِ خالدٍ |
ويم
زُهيرٍ لم تَلِدْني تُماضَرُ |
|
لعمري
لقد بُشِّرتِ بي إذْوَلدْتِني |
فماذا
الذي رَدَّتْ عليكِ البشائرُ |
ومن الجدير بالذكر أن عقوق الأبناء لا يكاد يظهر في الشعر الجاهلي، فقد وقفت على اتهام بشر ابن أبي خازم ليُجير بن أوس بن حارثة بالعقوق (45) ، وعلى أبيات لأمية بن أبي الصلت يشكو فيها عقوق ابنه(46) ومنها :
فَلمَّا
بلغتَ السِّنَّ والغايةَ التي |
إليها
مَدى ما كنتُ فيك أُؤمِّلُ |
|
جعلتَ
جزائي غِلْطةً وفظاطةً |
كأنكَ
أنتَ المُنْعِمُ المُتَفَضِّل |
وندرة الأشعار الدالة على عقوق الأبناء من المظهر التي تؤكد شيوع الانسجام بين أفراد الأسرة الزواجية الصريحة.
وللبنات منزلة خاصة في الاسرة لدى الآباء، فهن أشد حاجة إلى الحماية والرعاية من الأبناء، وهنو أقدر على إظهار المشاعر نحو الآباء من الأبناء، فالبنات ينتظرن أوبة الآباء من الغزو والارتحال بقلوب واجفة. وقد أظهر الشعر الجاهلي بعض ذلك كقول بشر بن ابي خازم، وقد أصابه سهم قاتل، فتذكر انتظار ابنته له (47) :
أسائلةٌ
عُمَيْرَةُ عن أبيها |
خلالَ
الجيشِ تَعْترِفُ الرِّكابا |
|
فإنَّ
أباكِ قدْ لاقى غُلاماً |
من
الأبناء يَلتهِبُ التهابا |
|
وإنَّ
الوائِليَّ أصابَ قَلْبي |
بِسَهْمٍ
لم يَكُنْ يُكْسى لُغَابا |
وقول أبي خراش الهذلي، وقد نجا من القتل بصعوبة(48) :
تَقُول
ابنتي لمَّا رَاَتْني عَشِيّةً |
سَلِمْتَ
وما إنْ كِدْتَ بالأمسِ تَسْلَمُ |
والآباء يتذكرون بناتهم ساعة الخطر خوفاً من أن يصيبهن حيف بعد همْ، وشفقةً عليهن من شدة الحزن عليهم(49) .
وصور الأعشى تعلق البنات بالآباء حين يزمعون الرحيل، فها هي ذي ابنته تنظر إليه، وقد أزفت لحظة ارتحاله، فتدعو ربها أن يحفظ والدها من الأوجاع والآلام، وكانت قد بذلت جهدها لتمنع أباها عن الارتحال، ولكن مطالب الحياة كانت أقوى من العواطف، فارتحل الأب، وهو يدعو لابنته بمثل ما دعت له، ويوصيها بأن تستخبر عنه، وتنتظر إيابه، وبألا تفقد الأمل بعودته، وذلك في قوله(50) :
تقول
بنتي وقد قَرَّبْتُ مُرْتَحَلا |
يا
ربِّ جَنِّبْ أبي الأوصابَ والوجَعَا |
|
و
استَشْفَعَتْ من سَرَاةِ الحيِّ ذا شرفٍ |
فقد
عَصَاها أبوها والذي شَفَعا |
|
مهلاً
بُنَيَّ فإن المرء يبعثُهُ |
همٌّ
إذا خالط الحيزومَ والضِّلعا |
|
عليكِ
مثلُ الذي صليتِ فاغتمضي |
يوما
فإن لجنبِ المرءِ مُضْطجَعا |
|
واستخبري
قافِلَ الرُّكبانِ واْنتَظِري |
أوْبَ
المسافرِ إن رَيْثاً وإن سَرَعَا |
|
كوني
كمثل التي إن غاب وافِدُها |
أهدَتْ
له من بعيدٍ نظرةً جَزِعا |
|
ولا
تكوني كَمنْ لا يرتجي أوَباً |
لِذي
اغترابٍ ولا يَرْجُو له رجعَا |
وصور الأعشى في قصيدة أخرى رغبة ابنته الشديدة في بقائه إلى جانبها، فهي تشعر- إن يرتحل- باليتم، وتتخوف موته بعيداً عنها، وتخبره بمجافاة الناس لها بعده(51) . وتصوير الشعراء لمواقف الوداع يعبر عن عمق الترابط الأسري بين الآباء والبنات(52) .
وللزوجات، الأمهات، اهتمام بشؤون الأبناء الرجال، ولا سيما الاقتصادية، فقد يحضضن أبناءهن على الغزو طلباً للمال (53) ، وقد يعاتبن أبناءهن على الإسراف في إنفاق المال، ومنهن رُهْم بنت العباب التي عاتبت ابنها حُطائط بن يعفر على إسرافه من أمواله وأموالها، وقد علل حُطائط فعله بأبيات منها(54) :
تقول
ابنةُ الَبَّابِ رُهْمُ حَرَبْتَني |
حُطائِطُ
لم تَتْركْ لِنَفْسِكَ مَقْعدا |
|
ذَريتي
يكنْ مالي لعِرِضي وقايةً |
يقي
المالُ عِرْضي قبل أنْ يتبدّدا |
|
أجارةَ
أهلي بالقصيمةِ لا يكنْ |
عَلَيَّ
- ولم أَظلمْ- لسانُكِ مِبردا |
ومن الدلائل على ترابط الأسرة الزواجية تناصر الإخوة، ويتجلى ذلك واضحا في شعر الرثاء، حي يظهر اعتداد الأخ بأخيه، فيذكر محاسنه، ويتألم لفقده، ويسعى لإدراك ثأره إن مات مقتولاً. ومن الشعراء الذين اشتهروا بذلك دريد بن الصمة في رثاء أخيه عبد الله (55) ، ولبيد بن ربيعة في رثاء أخيه أَرْبَد (56) ، وبشر بن أبي خازم في رثاء أخيه سُمير (57) ، وغير ذلك كثير(58) .
ومن ترابط الأسرة أيضاً اهتمام الأخوات بشؤون إخوتهم وإظهار الألم لفقدهم، ومن اللواتي اشتهرن بذلك الخنساء، فقد حفل ديوانها برثاء أخويها: صخرٍ ومعاوية ؛ وهند بنت عتبة(59) ، وكبشةُ بنت معد يكرب (60) ،وغيرهن(61) .
ومن ترابط الاسرة أيضاً أن يهتم الأخ بشؤون أخته، كأن ينحصها في أمر زواجها (62) ويشتاق إليها إن بعد عنها كقول امرئ القيس يدعو لأخته بالسقيا(63) :
فأسقى
به أختى ضعيفة إذْ نأتْ |
وإذ
بَعُدَ المزارُ غيرَ القريضِ |
***
لقد عرف العرب الصرحاء زواج البعولة، وبه ينشأ انتماء جديد يضاف إلى انتماءات الزوجين السابقة على الزواج؛ فالزوجة تنتقل إلى كنف زوجها الذي يجب عليه أن يرعاها، ويحيمها، ويكرمها إكراماً يليق بإنسانيتها بصفتها شريكاً في بناء أسرة جديدة، وتكوين انتماء جديد يسهم في استقرار نوازع نفس كلّ منهما نحو الجنس الآخرن ويحقق الرغبة المشتركة لهما في استمرارية الوجود الإنساني بالإنجاب في إطار علاقة زواجية تنغلق فيها الزوجة على بعلها كي تصح نسبة أبنائها إليه، وهذا الانغلاق هو أبرز مظاهر إعزاز المرأة لنفسها ولأهلها في مجتمع الصرحاء.
والعلاقة الزوجية ليست أبدية، فقد تنتهي بالطلاق، فالتكافؤ بين الزوجين في المنزلة يسمح ببناء أسرة إذا تحقق الانسحام بينهما مثلما يسمح بالافتراق، وإنهاء عملية بناء الأسرة الزواجية إذا تعذر التوافق. ولكن الانتماءات السابقة لانتماء الاسرة الزواجية المحدث قد تصطدم به، فتعوق إمكانية استمرارية العلاقة بينهما، وتوصل إلى الطلاق، ولاسيما حين يقع التصادم بين انتماء الأبوّة وانتماء الأسرة الزواجية. والأسرة الزواجية الناجحة تتكلل غايتها بإنجاب الأطفال، ويشترك الزوجان في تربيتهم، وتنشئتهم على القيم الاجتماعية السائدة، ومنها قيم ترابط الأسرة الزواجية وتعاضد أفرادها تعاضداً يقوون به فيمنحهم الأمان والشعور بالاستقرار النفسي في ظل الأسرة التي ينتمون إليها.
***
وثمة أسر زواجية صريحة نشأت وفق أسس تخالف زواج البعولة، وقد وقفت في الشعر الجاهلي على ثلاثة أنواع منها، وهي : زواج المقت، وزواج الأخيذة، والاستبضاع. فأما زواج المقت فيكون بأن يرث الابن زوج أبيه المتوفى، فيتخذها زوجاً له، أو يعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها، وللوارث أن يفعل ذلك بزوج المتوفى إذا ألقى عليها ثوبه قبل أن تذهب إلى أهلها(64) . وزواج المقت أقره عرف الصرحاء في الجاهلية ولكن اسمه يدل بعمق على كراهتهم له،وعدم شيوعه بينهم، ولقد عده أوس بن حجر التميمي نكاحاً منافياً لخصوصية المجتمع الجاهلي، فقال يهجو قوماً (65) :
والفارسيةُ
فيهمْ غَيْرُ مُنْكَرَةٍ |
فكُلُّهُمْ
لأبيهِ ضَيْزَنُ سَلِفُ |
وهجا حُجُرُ بن معاوية بن عيينة منظور بن زبان الذي خلف أباه على زوجه؛ فاتهمه بأنه كان يتعرض لزوج أبيه قبل وفاته، وذلك في قول حجر(66) :
لَبِئس
ما خلفَ الآباءَ بَعْدَهُمُ |
في
الأُمَّهاتِ عجانُ الكلبِ منظورُ |
|
قد
كُنْتَ تغمِزُها والشيخُ حاضِرُها |
فالآنَ
أنتَ بطولِ الغَمْزِ مَعْذورُ |
وكراهة الصرحاء لزواج المقت تدفع إلى القول بأن العلاقة بن الزوجين واهية في إطار المقيت، فهو زواج مبني على الإكراه، وعلى رغبة الرجل بالتملك لزوج أبيه. وليس في الشعر الجاهلي ما يدل على متانة العلاقة بين طرفي زواج المقت، وأميل إلى الاعتقاد بأن الزوج قد يكون أكثر تَعَلّقاً بزوجه منها به؛ فالزوج هو الرابح في زواج المقت لأنه صاحب الإدارة في وجوده، والزوجة هي الخاسرة لأنها هي المكرهة على الاقتران بابن زوجها، ولمنظور بن زبان أشعار تحدث فيها عن تعلقه بزوج أبيه، فقد تزوجها بعد وفاة والده، وشعر بالسعادة قربها، ولكنه لم يشر إلى سعادتها بقربه(67) ومن الشعر الدال على نفور الزوجة أن عمرو بن يكرب تزوج امرأة أبيه بعده في الجاهلية فَقَلتْهُ، فقال فيها (68) :
فلو
لا إخوتي وبنيَّ منها |
ملأتُ
لها بذي شُطَبٍ يميني |
إن زواج المقت فيه استهانة بمشاعر الزوجة، فلا خطبة فيه، ولا مهر وكذلك زواج الأخيذة؛ فهي سبَّيةٌ صريحة النسب، يتخذها آسرها زوجة له، أو يجعلها زوجة لأحد أقربائه؛ فالأخيذة تُكْرَهُ على الزواج بغير خطبة ولا مهر، ومن الشعر الدال على ذلك قول الحطيئة يمدح عيينة بن حصن الفرازي(69) :
وبَكْرٍ
فلاها منْ نعيمٍ، غَريرةٍ |
مُصَاحبَِةٍ
على الكرَاهينِ فارك |
|
يَقُلنَ
لها لا تَجْزَعي أنْ تبدَّ لي |
بأهْلِكِ
أهلاً والخُطُوبُ كذلكِ |
إن المديح السابق يبين كراهة الأخيذة لمن تجبر على مصاحبته، فهي مكرهة على أن تستبدل بأهلها أهل آسرها ، وهذا أمر عظيم، لكنه أيضاً من خطوب الحياة الجاهلية القاسية .
وقد تضطر الأخيذة إلى إظهار المودة والمحبة حتى تجد فرصة للخلاص من زوجها الآسر فتتركه غير حافلة بحسن معاشرته لها؛ فقد سبى عروة بن الورد ليلى بنت شعواء العامرية، فمكثت عنده زماناً تريه أنها تحبه، ثم استزارته أهلها ، فحملها حتى أتاهم بها، فلما أراد الرجوع أبت أن ترجع معه. ولعل ليلى أحبت عروة ، ولكنها آثرت العودة إلى أهلها تعصباً لهم ، وهرباً من عار الأيسر وهو عار لايمحوه الزواج، ولاتستره المعاملة الحسنة(70) ولعروة بن الورد نفسه شعرٌ افتخر فيه على بني عامر بانه أخذ ابنة شعواء، فاستمتع بحسنها وشبابها ، ، ثم ردها إلى أهلها وشعرها أشيب، وذلك في قوله لعامر بن الطفيل العامري الذي افتخر بسبي امرأة عبسية(71) :
إنْ
تأخذوا أسماءَ موقف ساعةٍ |
فمأخذُ
ليلى وهي عذراءُ أعجبُ |
|
لبسنا
زماناً حسنها وشبابَها |
وَرُدَّتْ
إلى شعواءَ والرأسُ أشيبُ |
فالزوجة الأخيذة مكللة بعار الأسر والقهر، ولذلك كانت معاملة الزوج الحسنة لأخيذته لا تردعها عن ترقب الفرصة المناسبة للخلاص منه. وقد يتولد الحب بين الزوج وأخيذته، ولكن القيم الاجتماعية التي تزدري الأخيذة تدفعها إلى الاستهانة باسرتها الزواجية وإلى العودة رحاب نسبها الأبوي . وللنمر بن تولب تجربة إنسانية عميقة في هذا المجال؛ فقد سبى أخوهُ جَمْرَةَ بنت نوفل الأسدية، فوهبها للنمر، ففركته فحبسها حتى استقرت وولدت له أولاداً، ثم استزارته أهلها، وواثقته لترجعنّ إليه، فلما أطل بها على حيّ قومها تركته واقفاً، وانصرفت إلى منزل بعلها، ولم ترجع إليه، وقد ذكر النمر ذلك في اشعار كثيرة(72) ، تبيّن حبه لها، وتعلّقه بها، كما تبيّن أنها تركته غير كارهة له، بل تركته امتثالاً لقيم اجتماعية تحتم عليها ألا تظل في كنف آسرها، ومن شعره الذي يبين حيرة جمرة، وقد تركته(73)
وصدّتْ
كأنَّ الشمسَ تحتَ قِناعِها |
بدا
حاجِبٌ منها، وضَنتْ بحاجبِ |
فغضب النمر من جمرة لا يخفي تعلُّقه بها؛ فهي كالشمس، وعودتها إلى أهلها وبعلها الأول لا تنفي ميلها إليه، فهي تريه بعض جمالها لأنها توده، وتخفي عنه بعض جمالها لأنها أقدمت على مفارقته.
وزواج الصريح الأخيذة الصريحة يمنحها حقوق زوجة البعولة عدا حق الحرية في مفارقة زوجها، فهي مكرمة منعمة، تختلط بنساء قبيلة زوجها وآسرها، وكأنها واحدة منهن، ونسبت إلى حاتم الطائي أبيات واضحة الدلالة على ذلك منها قوله(74) :
وما
أنكَحُونا طائِعين بناتِهمْ |
ولكنْ
خَطَبْناها بأسيافنا قَسْرا |
|
فما
زادَهَا فِينا السِّباءُ مَذَّلةً |
ولا
كُلِّفَتْ خبْزاً ولا طبختْ قَدْرا |
|
ولكنْ
خَلَطنَاهَا بخير نِسائِنا |
فجاءَتْ
بِهِمْ بيضاً وَجَوهمُ زُهْرا |
|
وكائنْ
تَرَى فينا من ابن سَبيَّةٍ |
إذا
لقي الأبطالَ يَطْعُنُهُمْ شَزْرا |
فالأخيذة تكره على الزوج من آخذها، ولكنه لا يستعبدها، بل يستعبدها، بل يعاملها كزوجة حرة صريحة (75) ، تلد صرحاء أحراراً. وكان كرم آباء الأخيذة مفخرة يعتد بها الآخذ، فهم أخوال أبنائه، ولأسود بن يعفر بيت واضح الدلالة على ذلك، وهو قوله في ابنه جراح- وكانت أمه أخيذة، أخذها الأسود من بنى نهد في غارة أغارها عليهم(76)
فآباءُ
جرّاحٍ ذُؤابةُ درامٍ |
وأخوالُ
جراحٍ سَراةُ بني نهدِ |
وأماالاستبضاع) فهو نوع غريب من الزواج، تقدم المرأة أو تجبر عليه طلبا لنجابة الولد، فتستطرق رجلاً قوياً شجاعاً كريما غير بعلها أملا في إنجاب ولد مثله(77) .وهذا النوع من الزواج لم يكن شائعاً بين الصرحاء، بدليل ندرة الأشعار التي تشير إليه، فليس في مصادري من العشر غير بيت للخنساء وابيات للنمر بن تولب يشير فيها إلى خبر جاهلي عن أخت لقمان ؛ فقد كانت تلد لزوجها أولاداً ضعافاً، فاحتالت على أخيها لقمان، فأسكرته واندست له، فوقع عليها لقمان، وقيل إنها ولدت منه ولداً سمتهلُقَيْماً)، وكان أحزم الناس، وذلك في قول النمّر(78) :
لُقَيْمُ
بن لُقمانَ من أُخْتهِ |
فكانَ
ابنَ أختٍ له وابْنما |
|
لياليَ
حمقَ فاسْتُحْصِنَتْ |
إليه
فغُرَّ بها مُظْلما |
|
فأحبلها
رجل نابة |
فجاءتْ
به رَجُلاً مُحْكما |
وأما بيت الخنساء فهو قولها في رثاء أخيها(79) :
لكنَّ
أخي اروعُ ذو مرةٍ |
مِنْ
مِثْلِهِ تَسْتَبْضع الباغية |
وهذا البيت قد لا يشير إلى زواج الاستبضاع بقدر ما يشير إلى رغبة النساء في مباضعة صخر بالزواج أو بغيره، فالباغية في البيت هي المرأة التي تبتغي زوجا، وهي البغي الفاجرة أيضا.
إن زواج الاستبضاع لم يكن شائعا في مجتمع الصرحاء، ولعله بقية شيء كان شائعاً في عصور قديمة. ومن المفيد الإشارة إلى أن المولود بالاستبضاع كان ينتمي إلى الاسرة الزواجية التي نشأ في كنفها، فيربط بها، ويعمل من أجلها وكانت معرفته لوالده الحقيقي لا تدفعه إلى التخلي عنها(80)
***
لقد تم في هذا الفصل استعراض الانتماء إلى النسب الصريح، فعر فنا انتماء الصرحاء في ظلال الأبوة والأمومة، ثم في ظلال الأسرة الزواجية الصريحة . والصرحاء يمثلون الكتلة البشرية الرئيسية لوجود الإنسان الجاهلي، وسوف يخصص الفصل التالي للحديث عن كتل بشرية أخرى، بها يكمل الحديث عن الوجود الموضوعي للناس في المجتمع الجاهلي.
المصدر السابق ص171. انظر شرح الأعلم للبتين الأخيرين في شعر زهير ص172. شرح اختيارات المفضل 2/1116. واربعي : كفي . وجِدّكت أصيل: حقيقة عقل أصيل. انظر شرح ديوان لبيد ص70. الأغاني17/283. والهجر : القبيح من الكلام. والهتر كذلك . والهتر كذلك . والنُكْر: الأمر الشديد الذي تكرهه النفوس. اللسان: نشز). الأغاني 18/133. المصدر السابق 18/134. ديوان عمر بن قميئة ص14. وخفت: ارتحلت بسرعة. وسجيحها: ما سهل منها ولان. وانظر مثل ذلك في شرح ديوان كعب ص154. ديوان الشماخ ص108. والمنائح: جمع منحية، وهي ناقة تعار للانتفاع بلبنها، وخصّ المنائح لأنها دائمة الحنين إلى وطنها القديم. معجم الشعراءص436. ودون المعيب : دون ما بلغني بالغيب عنه. والصبيب : الدم المصبوب. انظر ذلك في شعر لساعدة بن جؤية الهذلي في شرح أشعار الهذ ليين 3/1178. المصدر السابق 3/1201والقرم: السيد العظيم. والعقم والرقم: ضربان من الوشي . والجاجة: خرزة من رديء الخرز. والعاجة: الذبْلَة. ديوان عبيد ص106-108. وزيالي: فراقي . والمتزايلة من النساء هي التي تستر وجهها . وطبك: شرح ديوان كعب ص71-72. وياهيد مالك : ما شأنكِ . وامرأة نصف : بين الشابة والعجوز. والنائرة: العدواة . والضب : الحقد. والشنف: البغض. ولكعب أشعار أخرى في نشوز زوجه. انظر بعضها في شرح ديوانه ص153-154و214-216. انظر الأبيات في الأصمعيات ص157-158. ديوان عامر ص47. ورث حبله: أخلق عهده. الأغاني 14/298-299. ديوان دريد ص90. وانظر خبر حُجَيَّة بن المضرب الكندي الذي أغضبه إيثار زوجه أبناءها على أبناء أخيه اليتامى، فوهب إبله وراعييها لبني أخيه، فغضبت زوجه لذلك وهجرته. ولحجية شعر في ذلك في الأغاني 20/331-332. شرح اختيارات المفضل 1/158. وقِضة وملحوب: مكانان. ديوان حسان ص255. والأكشم: الناقص في حسبه وخلقه. الأمالي 2/197. ونئيمها: صوتها الغنيف . وقد مرت بنا أبيات لعامر بن الطفيل يذكر فيها لجاج امرأته بالخصومة، وأنه رغب في طلاقها. وقد تكون هذه اللجوج هي اسماء المرية نفسها. الأغاني5/68-69.: ومن الجدير بالذكر أن اعتداد كليب بنفسه أمام زوجه، واعتداهما بنسبها الأبوي أمامه كان من أسباب حقد كليب على جساس وأنه حاول إذلاله، فقتله جساس لذلك انظر الخبر مفصلاً في المصدر السابق 5/41وما بعدها). عيون الأخبار 4/119. وانظر الأصمعيات ص146. ديوان حسان ص192. والغُمْر: من لم يجرب الأمور. الدُبُر: الظَّهْر. الأصمعيات ص161. وغربة: درا بعيدة . والسنبل : نبات طيب الرائحة. الأغاني 10/362-363. وانظر شعر زهير ص161. انظر بعض تلك الأشعار في عيون الأخبار 4/131. وشعر عمرو بن شأس ص82-83، وشعر النمر ص99. شرح أشعار الهذليين 3/1072-1073 . والمعشم : الذي يظلم الناس. والمهبل: كثير اللحم. ومزؤودة: مذعورة. وحوش الجنان: فؤاده وحشي. ومبطن : خميص البطن. سُهدٌ : يظل يقظان في الليل. والهَوْجل: الأحمق والمتواني. المصدر السابق 3/1073.. وغُبّر حيضة: بقية حيضة. وقد اتبع الشاعر البيت بأبيات أتم بها صفات ذلك الغلام اليقظ الشجاع. جاء في اللسان : غيل): الغيل: اللبن الذي ترضعه المرأة ولدها، وهي تؤتى... وقيل : الغيل ان ترضع المرأة ولدها على حَبَل، واسم ذلك اللبن الغيل أيضاً، وإذا شربه الولد ضوي)). الأمالي2/116. والطخرور: : الضعيف من الرجال . ويخيم : يجبن. انظر نسب قريش ص230. الأغني 11/55. والنجر : الأصل . والأسر : شدّة الخَلق . وانظر أشعاراً أخرى مشابهة في الأمالي 2/117، واللسان 1/221. من الجدير بالذكر أن هجر الر جل لزوجه لا يمنعها من تربية ابنها . انظر أبياتاً في ذلك لساعدة بن جؤية الهذلي في شرح أشعار لهذليين 3/1158،1177 -1181. أمية بن أبي الصلت، بلا، ديوان أمية بن أبي الصلت، جمع وتحقيق ودراسة الدكتور عبد الحفيظ السطلي، مكتبة أطلس، دمشق ص430-431. وانظر الأبيات في الأغاني 4/137. انظر الأمالي2/115. ,اشعار الزبير تدل على اهتمام الصرحاء يأخوتهم الصغار، وبأبنائهم. المصدر السابق 2/116. والأهمّ: الأسود من كل شيء. وقيل: الأبيض. ديوان ذي الإصبع ص102-103. وألدّ : شديد الخصومة . ويغاري: يتمادى في غضبه. وعَرْد: صلب شديد . ونسب الشعر إلى مالك بن عويمر الهذلي في رثاء والده انظر شرح أشعار الهذليين 3/1276-1277). انظر الأبيات في العقد الفريد1/150. ويشبه ذلك رثاء فهر بن مالك لحفيده قيس بن غالب بن فهرانظر معجم الشعراء ص191). انظر الأبيات في شعر زهير صفحة 267. الأمالي 1/61 العقد الفريد 2/441. وانظر أشعار العامريين الجاهليينص69. العقد الفريد 5/137. انظر ديوان بشر ص 3-4. الأغاني 4/137. ديوان بشر ص 24-25. وتعترف : تسأل عن خبره لتعرفه. والأبناء: هم إخوة عامر بن صعصعة، ومنهم بنو وائل بن صعصعة. واللُّغاب : الريش الرديء. شرح أشعار الهذليين 3/1220. انظر شرح ديوان لبيد ص326. شرح ديوان الأعشى ص 199-200. الحيزوم : الصدر. انظر المصدر السابق ص317-318. وفي شرح ديوان لبيد ص 213-214 أبيات تظهر جزع ابنته لموته.. أظهرت بعض البنات اهتماماً بأموال اسرتها، فقد عاتبت سلمى أباها الأسود بن يعغر لإسرافه ف يإتفاق الأموال انظر الأغاني 13/28-29). ومن الترابط الأسري رثاء البنات لآبائهن وأقاربهن انظر سيرة ابن هاشم أو 2/214-285 اسليم -فاروق، 1997م، شعر قريش في الجاهلية وصدر الإسلام، دار معد دمشق ص110-113)، ولكن ذلك لا ينفي وجود ما يدل على ظلم الآباء للبنات، فقد عرف الوأد عند بعض العرب انظر شعر قريش ص28)، وكان عرب الجاهلية يورثون الذكور دون الإناث انظر المحبر ص330). انظر أبياتاً لمعقر بن حمار البارقي تدل على ذلك في قصائد جاهلية نادرة ص 113-114. الأغاني 13/30-31. وحربتني : سلبتني مالي. انظر ديوان دريد ص 63-65. انظر شرح ديوان لبيد ص 156-157و158-160و173. انظر ديوان بشر ص 123و151و171-174و298. انظر شرح اختيارات المفضل 3/1166، وشرح أشعار الهذليين 2/599، وشعر عمرو بن معد يكرب ص67 وديوان النابغة ص211، والأمالي 1/62، وشعر النمر ص42و 98. انظر سيرة ابن هاشم 2/282-283. انظر الأمالي 2/226. انظر ذيل الأمالي ص12. انظر ديوان امرئ القيس ص128-129. المصدر السابق ص73 . والضمير في أسقى يعود على المطر. وينسبُ البيت لابي دؤاد الإياديّ. انظر ذلك مفصلاً في تاريخ العرب 5/534-536. وقد يكون وارث الزوجة ابا الزوج أو اخاه . ومن المحتمل أن يكون تأخر زوج المتوفى في الذهاب إلى أهلها دليلاً على رغبتها في ابن زوجها. ديوان اوس ص75. الأغاني 12/227. انظر المصدر السابق 12/227. ولقد حرم الإسلام زواج المقت، فاضطر منظور إلى طلاق زوجه فتألم لفراقها لكنها تزوجت غيره، ولم تكترث به. شعر عمر بن معديكرب ص 170. ديوان الحطيئة ص123-124 وفلاها من نعميم: فصلها عن نعيم أهلها. وغريرة: لم تجرب الأمور . والكراهين: الكراهة. انظر ديوان عروة ص11 انظر المصدر السابق ص28. انظر شعر النمر ص38و55و59- 60و79و81-83-110-111. المصدر السابق ص38. ديوان شعر حاتم ص 283. إن لفظة خطبناها) في أبيات حاتم توحي باحترام لآأخذ لأخيذته، وبرغبته بالزواج منها . ومثل ذلك قول عمر بن كلثوم في ديوانه ص38: خطيناهُنَّ بالأسلِ الظّماء. الأغاني 13/29. انظر المفصل 5/538-539. شعر النمر ص106-107. وحمق: أُسكر حتى ذهب عقله. واستحصنت : أتته وكأنها حصان كما تأتي المرأة زوجها. ديوان الخنساء ص322 والأروع: الذي يروعاك إذا رأيته من جماله. وذور مرة: ذو عقل. انظر خبر وفاء ابن عروة الورد بالاستبضاع لوالده بالتبني في الأغاني 3/83-85.
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |