الانتماء في الشعر الجاهلي -د.فاروق أحمد اسليم

دراســــــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:26 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

الفصل الثاني: الانتماء النسبي غير الصريح

عرفنا في الفصل السابق الانتماء إلى النسب الصريح، وسنقف في هذا الفصل عند مجموعات بشرية لا تنطبق عليها صفات النسب المثالي الصريح) في العصر الجاهلي .وقد عاشت تلك المجموعات مندمجة على نحو ما بالتجمعات الأبوية الصريحة، أو مجاورة لها.

ومن الملاحظ أن أكثر المجموعات الصريحة لم تحظ باهتمام النَّسّابين ؛ فقد أظهروا اهتماما بجماعات صريحة انتمت إلى غير نسبها الحقيقي، ولكنهم لم يحتفلوا بأخبار الزواج الحاصل بين العرب والاعجميات إلا في حدود ضيقة، ولم يلتفتوا إلى الولادات الناتجة عن زواج العربيات بالأعاجم، وكذلك لم يحتفلوا بالأقوام والأمم المجاورة للقبائل العربية كالنبط والفرس والروم. وفي هذا الفصل محاولة لرصد تلك التجمعات غير الصريحة، وهي تسير نحو التواصل والتوحّد عبر خنادق الانقسام، ومزالق التشرذم. وقد استقر الرأي بعد استقراء الشعر الجاهلي على انتظام تلك التجمعات غير الصريحة في ثلاث منظومات نسبية، هي: النسب اللصيق، والمختلط، والأعجمي. وفيما يلي بيان للانتماء إلى كل منها:

1- النسب اللَّصيق

1- وجوده وشيوعه

يُراد بالنسب اللصيق أن يدّعي الإنسان الانتساب الأبويّ إلىغير جماعته الأبوية الحقيقية؛ فقد جاء في اللسان الملصق : الدّعِيّ و....هو الرجل المقيم في الحيّ وليس منهم بنسب))(1) وقد يُنسب الإنسان إلى غير جماعته الأبوية بغير إرادة ولا علم منه.

وللنسب اللصيق وجود موضوعي متعارف عليه في المجتمع الجاهليّ، وتردد ذكره كثيراً في اشعار الجاهليين؛ففي الجاهلية صرحاء، وأناس يَدَّعون الانتساب إلى الصرحاء، ومن الشعر الدال على ذلك قول عروة بن الورد(2)

أيا راكباً :إما عَرَضْتَ فَبَلّغْنْ

بني ناشبٍ عني ومن يَتَنشبُ

فثمة قوم هم بنو ناشب، وثمة جماعة تتنشب، أي : تدعي الانتساب إلى بني ناشب.

وللأعياء أصول مختلفة، فثمة أدعياء يرجعون بنسبهم إلى بعض القبائل البائدة، فقد روي أنه لم يبق من ثمود إلا ثقيف في قيس عيلان، وبنو لجأ في طيىء، والطفاوة في بني أعْصُر(3) ومن القضايا النسبية الخلافية المشهورة الخلاف في نسب ثقيف، فقد ذكرت هند بنت النعمان بن المنذر أن رجلين دخلا على والدها، أحدهما من هَوازن، والآخر من بني مازن، كلّ واحد منهما يقول إنَّ ثقيفاً مِنّا، فأنشأ أبي يقول(4) :

إنَّ ثقيفاً لم يكنْ هَوازنا

ولم يناسبْ عَامراً ومازنا

إلاّ قريباً فانشرِِ المحاسنا

وادعت قبائل قيس في الجاهلية أن بني إياد ليسوا من نزار، وأنهم يرجعن إلى ثمود، وقال في ذلك عامر بن الظّرب(5) :

قالتْ إيادُ قد رأينا نَسَبا

في ابنيْ نِزَارٍ ورأينا غَلَبا

سيري إيادُ قد رأينا عَجَبا

لا اصلُكمْ مِنا فَسَامِي الطلبا

دار ثمودٍ إذْ رأيتِ السببا

وثمة أدعياء يرجع نسبهم إلى أصول صريحة، ومنهم بنو عامر بن سدوس، فهم ينتسبون إلى بني خناعة بن سعد بن هذيل، والناس يعدِلونَهُم إلى خزاعة، ولهم يقول المعطّل الهذَلي(6) :

إخالكمُ من أُسْرَةٍ قمعيَّةٍ

إذا نَسَكُوا لا يَشْهَدُونَ المُعَرَّفَا

وكذلك بنو مرّة الغطفانيون؛ فجدهم مرة ينسب إلى بني لؤيّ بن غالب القرشيين(7) :

وثمة أناس اتهموا بأن أصولهم أعجمية، فقد اتهم عمرو بن الأهتم قيس بن عاصم المنقري بأنه رومي الأصل إذ قال يخاطبه(8) :

إنْ تُبْغِضُونا فإنَّ الرُّومَ أصلُكُمُ

والرومُ لا تملكُ البغضاءَ للعَرَبِ

وثمة صرحاء اتهموا بأنهم عبيد الصقوا بنسبِ أحرارٍ صرحاء يقول حسان بن ثابت يهجو الوليد بن المغيرة المخزومي(9) :

وَصَقْعَبُ والدُ لأُبيكَ قَيْنُ

لئيمٌ حَلَّ في شُعَبِ الأرومِ

وقوله يهجو سعد بن ابي سَرْح العامري القرشي (10) :

أعَبْدُ هَجيِنٌ أَحْمَرُ اللونِ فاقِعُ

مُوَتّرُ عِلْباء القَفَا جَعْدُ

وكان أبو سرْحٍ عَقيماً فَلَمْ يكنْ

لَهُ وَلَدُ حتى دُعِيت لَهُ بَعْدُ

وقول بشر بن عليق الطائي يهجو رجلاً (11) :

عَهِدْتُكَ عبداً لَسْتَ من أصلِ مَعْشَرٍ

عنِ المجدِ مقطوعَ السَّواعدِ أَجْدَما

وهل كنتَ إلاّ فَقْعَ قاعٍ بِقَرْقرٍ

وساقِطَةً بينَ القبائلِ مُسْلَما

تلوذُ بقومٍ لستَ منهمْ وَتَعْتزي

إليهمْ ولم تُعْصَمْ مِنَ الذُّلِّ مَعْصَما

والأشعار السابقة قد يكون في بعضها تحامل واتهام لصرحاء بأنهم ملصقون أدعياء(12) ، ولكنها تؤكد في الوقت ذاته ظاهرة النسب اللصيق بل شيوعها وتعدد مظاهرها تعدداً يوحي بتعدد أسبابها فما تلك الأسباب؟

وكان النبي ص) من الأسباب الرئيسية لوجود ظاهرة النسب اللصيق، فثمة جماعات أبوية خطيرة تسيب النبي إلى انتسابها إلى غير نسبها الحقيقي ومنها عامر بن صعصعة، فقد روي أنَّ صَعْصَعَة بن معاوية بن بكر بن هوزان تزوج عَمْرَةَ بنت عامر بن الظرب العدواني، وكانت يوم تزوجت نسْئاً في أوّل حَبَلها) من ملك يمان يقال له الغافق الأزدي، فولدت على فراش صعصعة عامر بن صعصعة، وفي ذلك يقول حبيب بن دهمان بن نصر بن معاوية يخاطب رجلاً عامرياً (13) :

أزعمتْ أنَّ الغافقيَ أبو كمُ

نسِسْئاً بعامِر كمولما يُوْيَدِ

وذكر ابن الكبي أن أمّ سعد بن الضباب كان تحت حجر أبي امرئ القيس فطلقها، وكانت حاملاً، وهو لايعرف، فتزوجها الضباب، فولدت فولدت سعدا على فراشه ،فلحق نسبه به(14) . وهذا التبني فرضه الإسراع في تزويج النسيء المطلقة أو الأرملة قبل أن يظهر حملها، وتضع ولدها. وقد يكون لغلام يافع معروف النسب، حتمت عليه ظروف صعبة أن يكون في موطن قوم أكرموه وقربوه إليهم(15) ، فلصق نسبه بهم، وانتمى إليهم ؛وقد يسترقُّ قومُ غلاماً صغيراً، فيغفلون نسبه الحقيقي، ويلصقونه بنسبهم(16) .

ويضاف إلى التبني الارتحال عن منازل القبيلة، والإقامة في منازل غيرها. وكان للارتحال طابع فردي وآخر جماعي أسهما في شيوع ظاهرة النسب اللصيق. والارتحال الفردي قد يكون قسريا أو اختيارياً، ومن القسريّ ارتحال عمرو بن قميئة وطرفة بن العبد عن قومهما. وكان الارتحال القسري يصرف القلوب عن الأقارب، ويميل بها نحو الأباعد، ويجعلها مُهيَّاة لقبول الانضمام إلى نسب جديد تجد لدى أصحابه الأمن والرعاية، ومن الشعر الدال على ذلك قول عمرو بن قميئة (17) :

أولئك قومي آلُ سَعْدِ بن مَالكٍ

فَمَالُوا على ضِغْنٍ عَلَيَّ وإلْغَافِ

أكَنُّوْا خُطوباً قد بَدَتء صَفَحَاتُها

وأَفئدة لَيْسَتْ عَلَيَّ بأرْآفِ

وَكُلُّ أُناسٍ أَقْربُ اليومَ منهمُ

إليَّ وإنْ كانوا عُمَانَ أُولي الْغَافِ

إنّ عمراً يفصح عن ميله إلى أباعد أحسنوا إليه، وانصرافه هن أقاربه الذين حقدوا عليه، وجاروا، وأكرهوه على الارتحال عنهم. ولكن طرفة بن العبد ظلّ مُحبّاً لقومه الذين طروده، ومتعصباً لهم، ويدل على ذلك قوله، وقد نزل في غير قومه(18)

رأيتُ سُعُوداً من شُعوبٍ كثيرَة

فلمْ تَرَ عَيْني مِثْلَ سَعْدِ بنِ مَالكِ

أَبَرَّ وأَوْفى ذمَّةً يَعْقِدُونَها

وَخَيْراً إذا ساوى الذُّرَا بالحوارِكِ

وقد يكون الارتحال الفردي اختياريا، فينتقل الإنسان من قومه إلى غيرهم، كانتقال عتيبة بن الحارث اليربوعي فارس قومه وسيدهم إلى بني مالك بن حنظلة ؛فالأخبار لا تذكر أنه أكره على معادرة قومه، ولكنها تذكر أنه كان نقيلاً في بني مالك بن حنظلة، وأنه حارب معهم، ونصرهم على أعدائهم، وقال في ذلك(19) :

ألا مَنْ مُبْلِغُ جَزْءَ بنَ سَعْدٍ

فكيف اصاتَ بعدكمُ النقيلُ

أُحامِي عَنْ ذِمارِ بني أَبيكُمْ

وَمِثْلي في غَوائِبِكُمْ قَليلُ

ومن الظاهر أن الإنسان الجاهل تنازعته مشاعر الارتباط بقبيلته والانفصال عنها حين يغادرها مكرهاً أو مختاراً، ولكن ذوي العصبة القوية كانوا يحرصون على الاحتفاظ بأنسابهم، ولا يرضون استبدال نسبٍ بنسب آخر، ولذلك احتفظ الشعراء : ابن قميئة وابن العبد وابن الحارث بأنسابهم، ولم يدفعهم التنقل إلى الالتصاق بغيرها(20) .

وأمّا الارتحال الجماعي فكان يحدث أحياناً لوقوع خلاف بين بطون القبيلة الواحدة، فيرتحل بعض أبنائها حقناً للدماء، وينزلون في قبيلة أخرى، فيؤدي ذلك أحياناً إلى التصاق نسب المرتحلين بنسب المرتحل إليهم. وثمة إشارات كثيرة في أخبار الجاهلية وأشعارها إلى الارتحال الجماعي، كارتحال بجيلة وتفرقها في بطون بني عامر(21) ، وتحدث بشر بن أبي خازم الأسديّ عن ارتحال بعض القبائل ومنهم بنو هاربة الذين تحوّلوا إلى الشام بسبب حرب بينهم وبين قومهم غطفان، فنزلوا في بني ثعلبة بن سعد، فبادت هاربة إلاّ بقية يسيرة(22) وذكر لبيد بن ربيعة تفرق بطون بني عامر وارتحال بعضها إلى اليمن، ثم عودة تلك البطون إلى الائتلاف حين أدرك بعضُ المرتحلين خطورة الارتحال والتفرق(23) ، وقد اشار خداش بن زهير العامري إلى جانب من تلك الخطورة إذ تحدث عن ميل بني كعب العامريين إلى الدخول في نسب بني يحابر المذحجيين، وذلك في قوله(5) :

وإنَّ كلاباً لا كلابَ لأهلها

وقد جعلتْ كعبٌ تكون يَحَابِرا

لقد عرفنا بعض مظاهر النسب اللصيق واسبابه، ومن المنطقي ان تكون ظاهرة الإلصاق أكثر شيوعاً مما أفصح عنه الشعراء والإخباريون؛ فأكثر الذين ألصق نسبهم بغيرهم لم تصل إلينا أخبارهم؛ فالزمن أدرج أكثر الملصقين في زواياه المعتمة، ولكنّ لغة الشعر أفصحت عن كثرة النازلين عند غير أقوامهم بألفاظ توحي بتشكيلهم طبقة ملحقة بكلّ قبيلة، ومن تلك الألفاظ الأعراء)، وهم الذين ينزلون بغير قبائلهم، واحدهم عُرْيُ(24) ، وقد ورد ذلك في قول النابغة الجعديّ(25) :

وأمهلتُ أهلَ الدارِ حتى تظاهروا

عَلَيَّ وقال العُرْيَ مِنْهم، فأهْجَرا

وكذلك الأوغال)، واحدهم وَغْل، وهو المدّعي نسبا ليس منه (26) ،وقد ورد ذلك في قول طرفة بن العبد(27) :

فلو كُنتُ وَغْلاً في الرجالِ لَضَرَّني

عَداوَةُ ذي الأصْحَابِ والمتَوَجِّدِ

ومثل ذلك 0الدخيل)والمُدْخَل)، وهو الدّعِيّ...وهم في بني فلان دَخَلُ إذا انتسبوا معهم في نسبهم))(28) ومن ذلك قول أحيحة بن الجلاح(29) :

هنالك لا يُشَاكِلُني لَئِيمُ

له حَسَبُ أَلَفُّ ولا دَخيلُ

ومثل ذلك ايضاًالزَّنيم)، وهو المستلحق في قوم ليس منهم، وهو الدَّعي الملزقالملصق)، ومن ذلك قول حسان بن ثابت(30) :

وأنتَ زنيمٌ نيط في آل هاشمِ

كما نِيطَ خلفَ الرّاكِبِ الَقَدحُ الفرد

ويستطيع المستقصي أن يقف على ألفاظ أخرى تدل على ظاهرة النسب اللصيق(6) ، ولعله سيجد فيها معنى الضعف والذلة الذي توحي به أصول الألفاظ التي أشرنا إليها آنفاً. فهل كان الانتماء النسبي الملصق مهينا لأصحابه؟ ولماذا؟

***

2- مهانة اللّصقاء وتَمَرّدهم

تكثر الإشارات في الشعر الجاهلي إلى مهانة اللصيق؛ فقد افتخر الصرحاء بصحة انتماءاتهم النسبية الصريحة، ونفوا عن ذواتهم الالتصاق بغير نسبهم الأبوي الحقيقي، فها هو ذا حاتم الطائي يعلن انتماءه إلى قومه بني ثُعَل، وينفي ميله إلى الالتصاق بغيرهم في قوله(31) :

بَنُو ثُعَلٍ قَوْمِي فما أنا مَدَّعٍ

سِواهُمْ إلى قَوْمٍ وما أنا مُسْنَدُ

وافتخر راشد بن شهاب اليشكري بأن قومه ليسوا أُشابة أخلاطاً من الناس) وأنهم لا نقص في أخلاقهم ولا غدر في طباعهم(32) ، وكأنه بذلك يريد أن يقول: إن الأخلاط في أخلاقهم نقص وفي طباعهم غدر. وافتخر عثمان بن الحويرث الأسدي بنسبه الصريح فهو مقابل الأعمام، وألصق بمهجوهالوليد بن المعيرة) تهمة الإلصاق النسبي، وأضاف إليها صفات اخرى مهينة، وذلك في قول عثمان(33) :

وإني امرؤٌ من جذْمِ كَعْبٍ مقابلُ

وأنتَ ضعيفُ الجدَّ ألْصَفُ مُلْصَقُ

من القومِ نَذْلُ ليس يعلمُ علمَهُ

من الناس إلا العالم المتَعَمِّقُ

وامتدح الأعشى النعمان بن المنذر أنه يكيد أعداءه كيد صريح لا ملصق، وذلك في قوله:

تَعَمْرُ الذي حَجّت قريش قطينة

يغمر في الأمور ولا مُضَافِ

ومدح بشر بن ابي خازم أوسَ بن حارثة، فنفى عنه أن يكون غمراً في الأمور أو مضافا مسندا إلى غير آبائه )فقال (34) :

وما أُوْسُ بْنُ حَارِثَةَ بْنٍ لأمٍٍ

بِغُمْرٍ في الأمُورِ ولا مُضَافِ

وهذا شبيه بقول الطفيل الغنّوي يفخر بقومه: وليس لنا حيٌّ نضاف إليهم))(35) .

إن مجتمع الصرحاء يحتقرالنسب اللصيق، ويدمع أصحابه بالنذالة والجبن والضعف، ويكاد يساويهم بالعبيد في قول الأعشى يهجو رهطاً من قبيلته(36) :

إنَّ بِني قَمِيئةَ بْنِ سَعْدِ

كُلُّهُمُ لِمُلْصَقٍ وعَبْدِ

ويمكن إرجاع احتقار الصرحاء للملصقين إلى حالة الضعف التي ألجأت الملصق إلى ترك نسبه والالتصاق بغيره، فمجتمع الصرحاء الجاهلي تسوده النسبية المحميّة بسواعد الصرحاء الأقوياء، فهو مجتمع قوة وعنجهية، يُحترم فيه الأقوياء، ويُحتقر فيه الضعفاء.

ولذلك عانى اللصقاء، وأحسّوا بالقلق في ظل انتمائهم الجديد، وقد عبّ‍رت الخنساء عن مشاعر الملصق القلقة في قولها تصف حالتها في قومها بعد مقتل أخيها صخر(37) :

تركتني وسطَ بني عَلَّلةٍ

كأنَّني بَعدَكَ فيهمْ نقيلْ

وإلى جانب ذلك لقي اللصيق رفضاً ونبذاً من بعض المتعصبين لنقاء نسبهم الأبويّ وخلوه من الغرباء، ومن أولئك المتعصبين عمرو بن كلثوم التغلبي؛ فقد خاطب عمرو الهذيلَ بن هبيرة، وكان يتنقل بانتسابه بين القبائل، بقوله(38) :

هَلَكْتَ وأَهْلَكْتَ العَشيرَةَ كُلَّها

فَنَهْدُكَ نَهْدُ لا أرى لك أرقمَا

وفي البيت دعوة إلى عودة الهذيل إلى نسبه الأبوي الحقيقي، إلى بني نهد بن زيد القضاعيين، ودعوة إلى ترك الانتساب إلى الأراقم التغلبيين، وقد استنكر ابن كلثوم في موضع آخر على الهذيل أن ينتقل بنسبه من قوم إلى آخرين، وذلك في قوله(39) :

أَنَهْديّاً إذا ما جئتَ نَهْداً

وتُدْعى بالجزيرة مِنْ نِزارِ

ودلّل ابن كلثوم على حرصه على نقاء نسب قومه من الملصقين مرة أخرى في قوله ينفي نسب بني قتيبة إلى بني وائل (40) :

زَعمَتْ قُتَيْبَةُ أنّها مِنْ وائلٍ

نَسَبُ بَعيدُ يا قُتَيْب فَاصْعِدي

وكذلك لقي بعض المتهمين في نسبهم هجاء من أقوام بعداء ومنهم حسان بن ثابت الذي اشتهر بهجاء المشركين القرشيين بأنسابهم، وكان يدعوهم إلى ترك الانتساب إلى قريش، وإلى اللحاق بأنسابهم الحقيقية، ومن ذلك قوله يهجو الحارث بن هشام المخزومي (41) :

يا حارِ لَسْتَ كأقوامٍ تَمُتُّ بِهِمْ

فالحقْ بِأصلكَ من شِجْعٍ إذا نُسِبُوا

إنّ احتقار الصرحاء للّصقاء، ومحاولة دفعهم عن نسبهم اللصيق من الاسباب التي دفعت بعض الملصقين إلى الثورة على نسبهم اللصيق، ومحاولة الانتقام من الذين استغلوا ضعفهم، وألصقوهم بهم بغير إرادتهم، ومن الأخبار الدالة على ذلك أن هَمّام بن مُرّة البكري، وجد غلاماً مطروقا ضعيفا ليناً) فالتقطه، ورباه وسماه ناشرة)، فلما شبَّ الغلام تبين أنه من تغلبَ، فانتهز يوم القصيبات) غَفْلَة من هَمّام، فشدَّ عليه بالعَنَزةِ، فقتله، ولحق بقومه، فقال باكي هَمّام في ذلك(42) :

لقدْ عَيَّلَ الأقوامَ طعنةُ ناشِرةْ

أناشيرَ لازالتُ يمينُكَ آشِرَهْ

ومن أوضح الدلائل على رفض الجاهلي للنسب اللصيق ثورة الشنفري الجامحة، حين عرف أن بني سلامان استعبدوه، وهو صغير، وألصقوه بنسبهم، فقال لهم: أما إني لن أدعكم حتّى أقتل منكم مائة بما استعبدتموني. لقد اتخذه احد السلاميين ابناً له، وأحسن إليه، وأعطاه، ولكن ذلك لم يشفع للسلامي عند الشنفري الذي رأى في إلصاقه ببني سلامان استعباداً له، وقد جعل محور حياته أن يقتل مائة سلامي(43) ،بل غدا قتله إياهم أمراً ممتعاً له، إنَّ قتلهم هواية له في قوله (44) :

وأنّي لأهوى أنْ ألفَّ عَجَاجتي

على ذي كساءٍ من سَلامانَ أو بُرْدِ

ومن الملاحظ أن ثورة اللصيق على نسبه الإلصاقي كانت تنطلق من أناس الصقوا بغيرهم إلصاقا لا إرادة لهم فيه، ولا معرفة، ولكن موقف هؤلاء يختلف عن موقف الذين ولدوا الآباء أو أجداد ملصقين، فكيف كان ذلك؟

***

3- اندماج اللصقاء بالصرحاء

إنَّ أبناء اللصقاء وأحفادهم أقدر على التعايش مع الواقع النسبي اللصيق؛ فطول الإقامة في منازل الملصق بهم تُحدث جدلاً إنسانياً مشتركاً بين الملصقين والملصق بهم، وهذا الجدل يتوج - حين تطول مدته- بشعور طرفيه بحاجة كل منهما إلى الآخر، فيحصل بذلك الالتحام بين اللصيق والملصق به، ويغدو اللصيق واحداً من أبناء الجماعة الابوية التي ينتمي إليها، له ما لأبنائها، وعليه ما عليهم (45) .وليس في الشعر الجاهلي ما يدل على بلوغ اللصيق تلك المنزلة، ولكن ذلك لا ينفيها؛ فالشاعر الجاهلي يعبر عن الواقع النسبي المتعارف عليه، فإذا غدا اللصيق في عُرف الجماعة الأبوية واحداً منهم صريحاً) فسوف تكون صورته كذلك في الشعر.

ولكن التحام أحفاد لصيق بالملصق بهم حدث له وجود موضوعي، ولذلك لا يمكن أن تطمس حقيقة وجوده؛ فثمة أخبار وأشعار توحي به إيحاء، وتلك الأخبار والأشعار تتحدث عن سادة قبائل اتهموا بأنهم لصقاء، والعرف يقضي بأن يكون سادة القبائل صرحاء، لاشية في نسبهم، فكيف يتوصل بعض الرجال إلى سيادة جماعة أبوية كبيرة ثم يُتّهمون في الركن الرئيس الذي تتحقق به السيادة، وهو الانتماء النسبي الصريح إلى تلك الجماعة؟

إن الإجابة عن التساؤل السابق تستدعي الإقرار بأهمية الجدل الإنساني بين اللصقاء والملصق بهم، فذلك الجدل هو الكفيل بتحقيق الالتحام بحيث يغدو أحفاد اللصيق أبناء ينتمون إلى الجماعة الأبوية التي التصق جدّهم بها انتماء حقيقياً في عرف المجتمع الذي يعيشون فيه، وربما استطاع بعض اولئك الأحفاد أن يستكمل مقومات السيادة الأخرى، فيغدو سيداً من سادات الجماعة الأبوية التي التصق جده بها، ولكن ذاكرة بعض أبناء الجماعة الأبوية قد تكون أكثر من غيرها قدرة على استقصاء الأصول النسبية لجماعتها، فتنبش حين تغضب عن المستور، وتظهر حقيقة نسب من تغضب عليه.

ومن أبرز الأدلة على ان اللصقاء يمكن أن يصبحوا سادة قول ابن اسحاق عن بنْي مرة بن عوف بن لؤي الذين التصق نسبهم بني سعد بن ذبيان الغطفانيين:وكان القوم اشرافاً في غطفان، هم سادتهم وقادتهم، منهم هرم بن سنان بن أبي حارثة، وخارجة بن سنان بن أبي حارثة، والحارث بن عوف، والحصين بن الحمام، وهاشم بن حرملة))(46) فهؤلاء لصقاء أضْحَوا سادةً، والناس يعرفون أمر التصاقهم. فأحر بمن نُسي أمر التصاقه أو جهله الكثيرون أن يَتبوّأ مثلهم منزلة رفيعة بين الصرحاء الملتصق بهم. ومن الأشعار الدالة على أن أولئك السادة المريين كانوا ملصقين بغطفان قول الحارث بن ظالم المرّي، وكان طريداً، يطلبه النعمان بن المنذر، ولا يقدر قومه على حمايته(47) :

فما قومي بثَعْلبَةَ بن سَعْدٍ

ولا بفَزارَةَ الشُّعْرِ الرِّقابا

وقَوْمِي إنْ سألتِ بنُو لُؤيٍّ

بمكَّةَ عَلمُوا مُضَرَ الضِّرابا

سَفِهْنا باتباعِ بني بَغيضٍ

وتَرْكِ الأقربين لنا انتسابا

فما غَطَفانُ لي بأبٍ ولكنْ

لُؤَيٌّ والدِي قَوْلاً صَوابا

إنه ينفي انتسابه إلى غطفان، ويعلن الحقيقة النسبية لقومه بني مُرّة.

وروى ابن إسحاق شعراً للحصين بن الحُمام المرّي يردّ فيه على الحارث بن ظالم، وينتمي إلى غطفان، وهو قوله يخاطب قريشاً(48) :

ألا لَسْتمُ منا، ولسنا إليكمُ

برئنا إليكم من لؤيّ بن غالبِ

أَقَمْنا على عزّ الحجازِ وانتمُ

بمُعْتَلجِ البطحاءِ بين الأخاشبِ

ثم ندم الحصين على ما قال، فانتمى إلى قريش وأكذب نفسه، فقال (49) :

ندمتُ على قولٍ مَضَى كَنْتُ قُلْتُهُ

تَبَيَّنْتُ فيه أنه قُوْل كاذبِ

فليت لساني كان نصفينٍ منهما

بكيمُ، ونصفُ عند مجرى الكواكبِ

أبونا كنانيُ بمكةَ قَبْرُهُ

بِمُعْتلجِ البطحاء بين الأخاشبِ

ومن الجدير بالذكر أن الأبيات التي نفى الحصين فيها انتماءه إلى قريش تنسب إلى الحارث بن ظالم، وقد ذُكر أنه قالها حين أبت قريش أن تقبل جواره(50) ، وبذلك تكون أبيات الحصين النادمة- إن صحّت- ردّاً على قول آخر لم يصل إلينا. وتكون تلك الأخبار والأشعار تأكيداً، أنّ اللصيق قد يتنازع نفسه انتماءان نسبيان فيميل إلى هذا تارة، وإلى ذاك أخرى.

والحديث عن نسب بني مرة اللصيق يتخذ في ديوان النابغة منحى آخر، فقد ذُكر عن سنان بن أبي حارثة- وقد عرفنا أنه مرّي، ومن سادة غطفان- انه من مزينة، وأنّ النباغة قال له(51) :

إنا اُنُاس لاحِقُونَ بأَرضنا

فالْحَقْ باصْلِكِ، خارجُ بْنَ سِنَانِ

فإلى من ينتسب خارجة بن سنان المرّي؟ أهو مزنّي الأصل أم قرشي؟ أكثر الأخبار تؤكد أن بني مرة يرجعون إلى قريش، فَلِمَ نسب النابغة خارجة إلى مزينة؟ أعتقد أن تنافساً كان يحدث داخل بني ذبيان الغطفانيين على السيادة وعلى الزعامة الشعرية فيها، وأن الطعن في الأنساب كان احد الأسلحة التي استخدمت في ذلك التنافس، ويؤكد ذلك أن يزيد بن سنان ساب النابغة، وقال له: والله ما أنت من قيس، ولا أنت إلا من قضاعة، فأقرّ النابغة بذلك، وقال ليزيد بن سنان(52) :

عَيَّرْتني النسبَ الكريمَ وإنّما

ظفَرُ المفاخِرِ أنْ يُعَدَّ كريما

وأميل إلى الاعتقاد بأن الصلة الوثيقة بين آل سنان بن أبي حارثة وزهير بن ابي سلمى المزني كانت لا تروق للنابغة، وأنه كان يحسد زهيراً، وهذا ما جعله يلصق نسب خارجة بن سنان بمزينة، ولا يرجعه إلى أصله القرشي أملاً بالوقيعة بين زهير وآل سنان إن نالوا من مزينة، ونفوا نسبهم إليها.

لقد كان السنب الإلصاقي من الوسائل المتاحة لإنسان المجتمع الجاهلي كي يخترق حدود جماعته الأبوية الصريحة المعلقة، فيخرجُ أو يُخرجُ من قبيلة ليدخُلَ أو يُدخلَ في أخرى، وكذلك كان النسب الإلصاقي من الوسائل المتاحة لتواصل العرب مع الأمم المجاورة؛ فقد ألصق بعض الأعاجم بجماعات أبوية صريحة. ولكن عملية الإلصاق النسبي كانت تجابه بتعصب بعض الصرحاء لنقاوة نسبهم من الأخاليط، وكان بعض اللصقاء يأبون نظرة الاحتقار التي يرى فيها الصرحاء المتعصبون اللصقاء المستضعفين، واتخذ إباء بعض اللصقاء مظهراً عنيفاً فانتقموا من الجماعة التي ألصقتهم بها.

إن تأرجح اللصيق بين الرفض والقبول جعله قلقاً في مجتمعه، ولكن اقتدار اللصيق على التعايش في ظلال الجماعة التي التصق بها كان أمراً ممكناً. ولا شك أن مجموعات لصيقة كثيرة غدت بجدلها الإنساني الإيجابي مع الجماعات الملتصق بها جزءاً من تلك الجماعات. وأميل إلى الاعتقاد أن امتلاك اللصقاء للقوة المادية والمعنوية هو السبب الكامن وراء قبول الصرحاء باندماج اللصقاء بهم؛ فضعف اللصقاء كان العامل الرئيسي في دخولهم دائرة النسب اللصيق، وفي نظرة الاحتقار من الصرحاء إليهم، وفي ثورة بعض اللصقاء على تلك النظرة. وامتلاك اللصقاء للقوة يجعلهم في موقع تتوازن فيه ذواتهم، فيعلنون انتماءهم إلى الجماعة التي التصقوا بها، وهم غير متهيّبين من احتمالات الرفض؛ فالقوة التي امتكلوها تمنحهم وثيقة انتماء لا تقبل الإلغاء، وفي أشعار آل مرة بن عوف بن لؤي الملصقين بغطفان ما يدل على ذلك، ومنها قول الحصين بن الحمام المري في بعض الصراعات القبلية الغطفانية الداخلية يتهكم على بني ذبيان(53) :

وقلتُ لَهُمْ: يا آلَ ذُبيان ما لَكُمْ

تَفَاقدْتُمُ، لم تَذْهَبُوا اليومَ مَذْهَبا

تَدَاعَى إلى شرِّ الفَعالِ سَراتُها

فأصبحَ مَوْضُوعُ بذلك مُلْتَبا

وقد رد عليه عامر المحاربي بأبيات نسب فيها الحصين إلي بني ذبيان ولم ينفه عنهم، وذلك في قوله يذكر فريقي ذبيان المتحاربين، ومنهما قوم الحصين(54) :

منْ مُبْلغُ سعدَ بن قَيسٍ مَآلكاً

وسَعْدَ بن ذُبيانَ الذي قد تَخَتْما

فريقيْ بني ذُبيان إذ زاغَ رأيُهُمْ

وإذْ أُسْعِطُوا صاباً، عَلَينا، وشُبْرُما

ومما يؤكد اعتداد اللصيق بنفسه حين يمتلك القوة، وإقرار الملصق بهم بصحة انتمائه إليهم- أني رجعت إلى أشعار بني مُرّة المروية في المفضيات، فوقفت على سبع مفضليات9،11،12،88،90،122) ولم أجد في أي منها ما يشير إلى انتماء هؤلاء إلى غطفان، بل وجدتهم ينتمون إلى بني مرة لا غير، ووجدت الحارث بن ظالم ينفي انتسابه إلى غطفان، ويعلن رغبته في العودة إلى نسبة الحقيقي، إلى قريش في المفضلية رقم (89) .

وهكذا كان الألصاق مظهراً من مظاهر الجدل الإنساني المفضي إلى تواصل الناس في المجتمع الجاهلي، فبه تم اختراق حدود انغلاق الجماعات الأبوية، وبه بدأت بوادر تَمَثْل العرب لبعض العناصر الإنسانية الأعجمية. وكانت نظرة الاحتقار التي رمى الصرحاء المتعصبون بها اللصقاء، تُشْعِر اللصيق بالقلق، وتفقده التوازن اللازم لبناء شخصيته بناء سليما يرتضيه المجتمع، ولكن ذلك لا يقلل أهمية المكاسب التي حققها المستضعفون بالنسب اللصيق؛ فقد امتلكوا به الحماية والرعاية، وبهما توفرت الأسباب ليشبّ أبناء اللصيق ثم أحفاده في ظروف جديدة، يمتلكون بها قيم الجماعة التي التصقوا بها، والفرص المناسبة ليشتد أزرهم، وليصحبوا في عرف مجتمعهم أبناء حقيقيين لجدّ الجماعة التي التصقوا بها.

2- النسب المختلط

1- النسب الهجين

يردا بالنسب المختلط- هاهنا- أن يكون أحد الأصلين اللذين ينتسب إليهما الإنسان الجاهلي غيرَ صريح، فإن كان غير الصريح أما فأبناؤها هم الهجناء)، وإن كان أباً فأبناؤه هم المقرفون).

والهجناء: جمع هجين,وهو لفظ ينعت به من كان أبوه خيراً من أمّه نسباً في عرف الجاهليين. وثمة أقوال عدة في أم الهجين؛ فمن قائل إنها الأمةُ،وقائل إنها الراعية مالم تُحصن، وقائل إنّها الأعجمية التي يغلب البياض على لونها(55) . وهذه الأقوال توحي بوحدة آراء أصحابها في تحديد أصل الهجنة، وهو ضعة الأمّ قياساً إلى منزلة الأب الصريح؛ ويظهر الاختلاف في تحديد تلك الضعة التي توجب الهجنة، ولنا في الشعر الجاهلي وأخبار شعراته معين، نتوسل به إلى المراد بالضعة الموجبة للهجنة.

إنَّ تتبع أشعار الجاهليين وأخبارهم لمعرفة ضعة الأم الموجبة للهجنة يقود إلى مسارب تفضي إلى الغموض في أحيان كثيرة، ولذلك يحسن أن يُسْتَهَلَّ الحديث بالوقوف عند شاعرين أقرَّ كلّ منهما بأنّه هجين، وهما :عنترة، والشنفرى؛ فأما عنترة فقد قال(56) :

أنا الهَجِينُ عَنْتَرَه

ومن المعروف أن أمّ عنترة أُمَهُ حبشية سوداء، اسمها زبيبة، وأنه ورث منها سواد اللون (57) ، وأما الشَّنْفَرى فهو القائل، يخاطب الجارية السَّلامية التي لطمته (58) :

ألا ليتَ شِعِري والتَّلَهّفُ ضَلَّةُ

بما ضَرَبَتْ كفُّ الفتاةِ هَجِيَنَها

أنا ابنُ خِيارِ الحِجْرِ بيتاً ومَنْصباً

وأُمِّي ابنةُ الأحرارِ لو تَعْرِفينها

لقد اقرَّ الشنفرى أنّه هجين، ثم أتبع ذلك بادعائه أنّ أمّه ابنة الأحرار. وقد اثار هذا الإدعاء تَسَاؤلاتٍ كثيرة استعرضها د.يوسف خليف وخلص منها إلى أنَّ الشنفرى، وهو من أغربة العرب، لم يكن ابن حرّة في عرف الجاهليين، ولكنه ابن حرَّة في عرفه الخاص، فهي ابنة أحرار قبل أن تكون أمة، ثم توقف د.يوسف خليف عند قول الشنفرى بعد ذلك (59) :

إذا ما أرُوْمُ الودَّ بيني وبينها

يَؤُمُّ بياضُ الوجه مِني يمينَها

ورأى أن وصف الشنفرى لوجهه بالبياض جاء على طريقة العرب في التعبير عن اللديغ بالسليم، او على سبيل السخرية من اهتمام السادة بمسالة اللون، ولم يكتف د. خليف بذلك بل أهال التراب على البيت السابق، إذ ضعّف روايته، وتوصل بذلك إلى أن الشنفرى ما كان إلا أسود البشرة، وقوّىما استنتجه بمقولة Fresnel التي تؤكد أن أم الشنفرى كانت أمة سوداء أو من دم مختلط، وبمقولة Lyall التي ترجح أن دماً إفريقياً زنجياً أو حبشياً يجري في عروقه(60) .

ولكن ادعاء الشنفرى أن أمّه هي ابنة الأحرار، وأن وجهه وضيءُ يحتاج إلى شرح يسير قبل الإيغال في التأويل ؛فالأحرار هم الفرس، وقوله: ابنة الأحرار)) تصريح بأنَّ أمّه فارسية، وبذلك يصح أن يكون وجهه وضيئا. وهذا لا ينفي أن تكون أمّه من دم مختلط، من الفرس وغيرهم، ويقوى هذا الاستنتاج قوله في رواية: وأمّي ابنة الخَيْرَين))(61) .وهكذا يمكن القول باطمئنان أنّ الهجين هو ابنُ الأمة سواء أكانت سوداء أم بيضاء، ومن الشعر الدال على أن الهجين ابن أمةٍ قول عمرو بن أحمر الباهليّ يهجو قوماً(62)

كم فيهمُ مِنْ هجينٍ أمُّهُ أمَةٌ

في عَيِنها قَدَعٌ، في رجلها فَدَعُ

وتلك الأمة قد تكون سوداء، ومما يدل على ذلك قول الأعشى(63) :

وَغَرَّبني سَعْدُ بنُ قيسٍ عن العُلَى

وأحسابِهِمْ يَوْمَ النَّدّى والتَكَرُّمِ

مَقَامَ هجينٍ سَاعَةً بِلِوائِهِ

فَقُلُ في هَجينٍ بين حامٍ وسِلْهِمِ

وقول حسان بن ثابت يهجو عكرمة بن أبي جهل، وكانت جدّته نوبيّة (64) :

وأنتً ابنُ سوداءَ نوبِيَّةٍ

بِأقْرانها شَبَهُ الفُلْفُلِ

ومن الشعر الدّال على أنَّ الأمة قد تكون أعجمية بيضاء قول الحطيئة يهجو الحصين بن لقمان العبسي(65) :

وأُمُّكَ حمراءُ زُوفِيَّةُ

لِنَقْلِ الحَشيشِ، جُرَازُ الحَطَبْ

وقد تكون الأمة عربية، ومن الشعر الدال على ذلك قول حسان بن ثابت يهجو قيس بن مخرمة بن عبد المطلب بن عبد مناف، ويعيره بأمه سُمَيَّة)، وهي أسماء بنت عبد الله بن مسافع بن جُنادة بن مالك... بن ربيعة(66) :

لقد كان قَيْسُ في اللئامِ مرَدَّداً

عُصَارةَ فَرْخٍ مَعْدنِ اللؤمِ ما كِدِ

وِلاَدَةُ سُوءٍ مِن سُمَيَّة إنها

أُمَيَّةُ سَوْءٍ مَجدُها شَرُّ تالدِ

وقد تختلف الأقوال في جنسية بعض الإماء، ومنهن أم عمرو بن العاص؛ فقد روي أنها امرأة من عنزة، أصابتها رماح العرب، فسبيت، ثم بيعت في سوق عكاظ، فاشتراها العاص بن وائل، فولدت عمراً (67) : وقيل أنها حبشية، وقد عُيّر عمرو بذلك في أشعار كثيرة ومنها قول حسان يهجو عمراً:

أمَّا ابنُ نابغةَ العَبْدُ اللئيمُ فَقَدْ

أنْحَى عليه لِساناً صارماً ذّكرَا

إن الهجين في عرف الجاهلي قد يكون خِلاَسِيًّا من أب صريح وأمةٍ أعجمية، أو غير خلاسي، من أب صريح وأمةٍ صريحة (68) ولكن بعض الهجناء ولدوا لأمهات أعجيمات، ولكنهنَّ حرائر وشريفات في قومهن، فكنّ مفخرة لابنائهن وأحفادِهِنّ، وقد نقلت إلينا الأخبار اسم واحدة منهن، وهي مارية ذات القرطين أم الحارث الأعرج بن أبي شمر الغَسَّاني، فقد ذكر العدويّ، أنها بنت ملك الروم، في شرحه لقول حسان في مديح الغساسنة(69) :

أولادُ جَفْنَةَ عِنْدَ قَبْرِ أبيهمُ

قَبْرِ ابن ماريةَ الكريمِ المُفْضِلِ

وأميل إلى الاعتقاد بأن زواج الصريح بأعجمية حرةً كان معروفاً بل مألوفاً في أطراف شبه الجزيرة العربية- ولاسيما في اليمن -حيث كان الاتصال المباشر بين العرب والأمم المجاورة لهم كبيراً ومشجعا على التزواج .وبذلك ندرك أن الهجنة صفة لوضع اجتماعي مهين سببه استرقاق أمّ الهجين، سواء أكانت عربية ام أعجمية، أو هي صفة لنتاج زواج عربي بأعجمية سواء أكانت حرة أم أمة والقسمة الثانية هي التي تنتج نسباً مختلطاً، وهو ما يعنينا هاهنا.

ومن مديح حسان لأبناء ماريةملوك الغساسنة) وهجائه لابن نابغة عمرو بن العاص) ننطلق إلى توضيح مواقف الرفض والقبول للهجناء الخلاسيين في المجتمع الجاهلي.

(1) اللسان: لصق).

(2) ديوان عروةص25.

(3) انظر الأغاني 4/302.

(4) المصدر السابق 16/94-95. وادعى حسان بن ثابت أن ثقيفاً ليسوا من معد ولا من مواليهم، وأنهم عبيد انتسبوا إلى معد. انظر ديوان حسان ص 256-258 .

(5) الأغاني 4/301. واتنظر لاختلاف الأقوال في نسب إياد البلاذريّ، 1959، أنساب الاشراف، تحقيق الدكتور محمد حميد الله، دار المعارف، مصر 1/25-27.

(6) شرح أشعار الهذليين 2/638.

(7) ثمة اشعار للحارث بن ظالم وللحصين بن الحمام المريّين يذكران فيها أن بني مرّة ملصقون بغطفان، وأنهم يرجعون إلى قريش. انظر سيرة ابن هشام 1/91-95.

(8) الأغاني 4/157.

(9) ديوان حسان ص247.

(10) المصدر السابق ص205.

(11) قصائد جاهلية نادرة ص 188. انظر مثل ذلك في ديوان ص118-119،175،351-352.

(12) عُرف عن بشر بن أبي خازم أنه أُغري بهجاء أوس بن حارثة سيد بني لأم الطائيين، فاتهمه بأنّه دعيّ ملصق انظر ديوان بشر ص59)، ثم عدل بشر عن ذلك، ومدح أوساً في قصائد كثيرة مثبوثة في ديوانه.

(13) الأغاني 5/6-8 والمفند: المكذّب. ويويد يؤيد) : يشتد ويصلب.

(14) انظر المصدر السابق 9/112. وفيه ينسب امرؤ القيس سعداً إلى حجْر. والشعر في ديوان امرئ القيس ص113أيضاً. وفي الأغاني 13/116خبر مماثل يتضمن تبني أبي كاهل اليشكري لسويد الشاعر .

(15) انظر خبر نقلة نسب عوف بن لؤي من قريش إلى غطفان في سيرة بن هشام 1/91.ويشبه ذلك أن يحضن رجل قريباً له، وينسبه إليه، ومن ذلك نسب بنى علي في كنانة. انظر شرح ديوان كعب ص34، ونسب قريش ص10.

(16) انظر خير إلصاق نسب الشنفري بنسب بني سلامان في الأغاني21/185.

(17) ديوان عمرو بن قميئة ص77.والإلغاف: الجور. والغاف: شجر.

(18) ديون طرفة ص88. وسعد بن مالك: هم قوم طرفة. وساوى الذرى بالحوارك: كناية عن الجدب والهزال؛ فالذري الأسنمة) تذهب وتستوي مع الحوارك من الهزال.

(19) النقائض1/77. وأصات: نادى، واشتهر.

(20) للمتلمس الضبعي أشعار تظهر تمسكه بنسبه، ورفضه الالتصاق بأخواله بني يشكر. انظر ديوان شعر المتلمس ص19-39،99.

(21) انظر الأغاني 11/143-144

(22) انظر ديوان بشر ص71-72.

(23) انظر ديوان لبيد ص279-280

أشعار الجاهليين ص29 ولنا عودة إلى بعض مظاهر الارتحال المفضي أحياناً إلى الالتصاق بنسب المرتل إليهم. وذلك في ثنايا الفصل الثالث من هذه الرسالة.

(24) اللسان: عرا).

(25) شعر النابغة الجعدي ص56. وأهجر نطق الهُجر. وهو القبيح من الكلام.

(26) انتظر اللسان :وغل).

(27) ديوان طرفة ص46.

(28) انظر اللسان:دخل)

(29) جمهرة أشعار العرب ص256. ولا يشاكلني : لا يغاضبني. والفّ: وضيع.

(30) انظر اللسان: زنم) وروي في ديوان حسان ص118: وكنت دَعِيا نيط...)). والقدح الفرد: هو القدح الذي يعلق في آخر الرّحل.

(31) انظر اللسان: وغل).

(32) انظر شرح اختيارات المفضل 3/1326.

(33) معجم الشعراء ص88. وألصفُ: من لَصَف لونه: برق وتلألأ.

(34) ديوان بشر ص150. الغمر: الذي لم يجرب الأمور

(35) ديوان الطفيل ص113.

(36) شرح ديوان الأعشى ص128-129.

(37) ديوان الخنساءص 234. وبني عَلّة: أولاد السراري لابس واحد وأمهاتٍ شتى.

(38) ديوان عمرو بن كلثوم ص70.

(39) المصدر السابق 106. ونسب البيت إلى بشر بن سَوَادة التغلبي.

(40) المصدر السابق ص50. وأصعدي : اذهبي إلى قومك، وقوم قتيبة من باهلة. وانظر شعراً للمُعَطل الهذلي ينفي فيه نسب بني سدودس إلى هذيل في شرح أشعار الهذليين 2/636-638).

(41) ديوان حسان ص121.

(42) انظر الأغاني 5/50-51. وآسِرة: مشقوقة.

(43) كانت ثورة الشنفري على واقعه في ظلال النسب الإلصاقيالاستعبادي) جامحة، فصبَّ نقمته على بني سلامان، وأظهر نفوره من المجتمع الإنساني المحيط به، وكأنه بذلك يعلن غضبه على قومه الذين خذلوه، وتركوه مستعبداً ملصقاً) في بني سلامان. ولقد أفصح الشنفريفي لاميته عن جملة تلك الثورة، فقد نفر من الناس إلى الصرحاء ووحشها، فأنسنه،واتخذ منه أصحاباً استأنس بهم فكان فنه الشعري في اللامية إيحاء بالنموذج الإنساني الذي يطمح إلى التعامل معه، والانتماء إليه. انظر تفصيلاً لذلك النموذج في مقالات في الشعر الجاهلي ص209-248، وعند الخشروم- د.عبد الرزاق، الغربة في الشعر الجاهلي - رسالة ماجستير - جامعة حلب- قسم اللغة العربية ص 104-106، وعند صبحي - محي الدين، 1987م، دراسات رؤوية، وزارة الثقافة، دمشق، ص166-194.

(44) الأغاني 21/186. وألف عجاجتي: أحوط بغبار حربي. انظر الشنفري الأزري، بلا، ديوان الشنفري: الطرائف الأدبية، صححه وخرّجه وعرضه على النسخ المختلفة وذيله عبد العزيز الميمني، دار الكتب العلمية، بيروت،ص34.

(45) يرى الدكتور إحسان النصالعصبية القبلية ص107)أن الجماعات التي تنضم إلى القبيلة وتلتحق بنسبها، ثم تنسى مع الأيام نسبها، تتعصب للقبيلة التي التحقت بها تعصب أبناء القبيلة الصرحاء....لاعتقادها بانتمائها إلى هذه القبيلة)).

(46) سيرة ابن هشام 1/93.

(47) شرح اختيارات المفضل 3/1335-1338.

(48) سيرة ابن هشام 1/92.

(49) المصدر السابق 1/92-93.

(50) العقد الفريد 5/149.

(51) ديوان النابغة ص225. ويروى البيت لابن عمّ النابغة ز وخارج: نداءُ مرَخَّم.

(52) المعاني الكبير 1/524. ويزيد بن سنان : شقيق خارجة. وللخير والشعر تتمة في ديوان النابغة ص178-179.

(53) شرح اختيارات المفضل 3/1347-1348.والملتب: الملبوس عليه، كأنه من دون الرؤساء من التبع يقلدهم ويأخذ مأخذهم .وروى المفضل للحصين قصيدة أخرى تهكم فيها بني ذبيان وغيرهم وتوعّدهم 1/322-347).

(54) المصدر السابق 3/1349-1350. ومآلك: من الألوك، وهي الرسالة. وتختم :لبس العمامة، كناية عن التكبر. والصاب: شجر مرّ له لبن إذا قطر في العين حَلَبها، وكذلك الشُبْرُم. والمعنى: أُذلوا. وأسعطوا صاباً: أُدْخِل في أنوفهم.

(55) انظر اللسان: هجن.وفيه:الهجنة في الناس والخيل إنما تكون من قبل الأم، فإذا كان الأب عتيقاً والأم ليست كذلك كان الولد هجيناً)).

(56) شرح ديوان عنترة ص72.

(57) انظر الأغاني 8/246-247.

(58) ديوان الشنفرى ص41.

(59) انظر هذه الرواية في المصدر السابق ص 41، وفي الأغاني 21/197.

(60) خليف-د.يوسف، 1959م، الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي، دار المعارف، دار المعارف، مصر، ص328-332.

(61) انظر ديوان الشنفرى ص41.

(62) عمرو بن أحمر الباهلي، بلا، شعر عمرو بن أحمر الباهلي، جمعه وحققه الدكتور حسين عطوان، مجمع اللغة العربية، دمشق ص121. والقدع : الضعف عن النظر. والفدع: عوج وميل في المفاصل.

(63) شرح ديوان الأعشى ص350. وانظر مثل ذلك في ديوان عامر ص87.

(64) انظر ديوان حسان ص 261.

(65) ديوان الحطيئة ص311. وزوقية: قصيرة دميمة. وجراز الحطب: يريد أنها تقتلع الحطب. وأما قوله: وأمك حمراء) فيريد أنها أعجمية لأنّ الغالب على ألوان العجم البياض والحمرة. وانظر بيتا لعمرو بن حمحمة الدَّوسي يعرّض فيه برجل أمّه مجوسية في المعاني الكبير 1/563.و2/637).

(66) ديوان حسان ص259- 260. وما كد :ثابت.ديوان حسان ص 343. وانحنى: أقبل. وانظر بعض الأشعار التي قيلت في هجته عمرو في الأغاني 18/120، ومعجم الشعراء ص 77

(67) انظر العقد الفريد 1/54و120، وديوان حسان ص343.

انظر المحير ص 306

(68) إن ابن الأمة العربية من العربي الصريح هجينُ، لأنّ والده، وهو حرّ أفضل من والدته، وهي أمة. ولما كان هذا النسب الهجين غير مختلطغير خلاسيّ) فسوف نعرض عن ذكره هاهنا. ولقد مرذ بنا ما يشبه ذلك النسب في أثناء الحديث عن زواج الأخيذة في الفصل السابع.

(69) ديوان حسان ص122. ولفظة الملك لا تعني القيصر بالضرورة، فقد تعني سيداً عظيماً من سادات الروم. وقيل : إن مارية أم ملوك الغساسنة عربية. انظر المحبر ص372.

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244