الانتماء في الشعر الجاهلي -د.فاروق أحمد اسليم

دراســــــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:27 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

الفصل الثالث: الانتماء المكاني

المكان اسم مشتق من الكون، مصدر كان يكون كوناً وكينونة، جاء في اللسان:الكون: الحدث...و) تقول العرب لمن تَشْنَوُهُ: لا كانَ ولا تكَوّن، لا كان: لا خُلِق، ولا تكَوّنَ: لا تَحَرّك، أي مات...و) كان يكون كوناً أي: وُجد واستَقَّر...ومن أقسام كان.... أن تاتي بمعنى صار)) (1) .

وهذا يعني أن المكان اسم مشتق للدلالة على موضع الحدث والخلق والوجود والاستقرار والصيرورة .

وحين نضيف المكان إلى الإنسان نحصل على لفظ يدلّ دلالة عميقة على صيرورة الحياة الإنسانية؛ فالمكان هو الموضع الذي يولد يحدث ويخلق ويوجد) فيه الإنسان، وهو الموضع الذي يستقرّ) فيه، وهو الموضع الذي يعيش، ويتطور يصير) فيه،إذ ينتقل من حال إلى آخره وما ينطبق على تطور حياة الإنسان الفرد ينطبق على تطور حياة الجماعات والأمم؛ فالمكان العربيالوطن العربي) هو الأرض التي شهدت ولادة الأمة العربية واستقرار أبنائها، وتطورهم بالجدل الإنسانيّ من حال إلى حال.

ولذلك ينبغي أن ندرس علاقة الجاهليين بالمكان لنعرف مقدار ارتباطهم به، وأثره في تعايشهم، وفي علاقتهم بالأمم المجاورة، كي نصل إلى بيان متسوى الوعي بانتماء الإنسان الجاهلي إلى المكان اللازم لوجوده المتميز.

1- القرار بالمكان

1- أمكنة القبائل

شهد العصر الجاهلي مرحلة متطورة من العلاقة بين الإنسان الجاهليّ والمكان الذي يعيش عليه، وقد تمثل ذلك في اصطلاح الجاهليين علىوجود مدى طبيعيّ وجغرافيّ تمتلكه كلّ جماعة قبيلة) من الجماعات الأبوية، سواء أكانت من أهل المدر، سكان القرى، أم من أهل الوبر، سكان البوادي. وكان المدى الذي تعيش فيه القبيلة يحقق لأبنائها أمناً معاشياً مناسباً لهم.

ولقد أبرز الجاهليّ في اشعاره ظاهرة اختصاص كلّ جماعة أبوية بمكان محدّد تنتمي إليه، ومن ذلك قول الأخنس بن شهاب التغلبي في اختصاص كلّ طائفة كبيرة من معدٍّ بناحية تأوي إليها، وتتحصن بها (2) :

لِكُلِّ أُناسٍٍ منْ مَعَدٍّ، عِمَارةٍ

عَرُوضُ، إليها يَلجَؤون، وجانِبُ

لُكَيْزٌ لها البَحْرانِِ والسِّيفُ كلُهُ

وإنْ يأتِها بأسٌ من الهِندِ كارب

وبَكُرٌ لها ظَهْرُ العِراقِ، وإنْ تَشَأْ

يَحُلْ دُونَها مِنَ اليَمامَةِ، حاجبُ

وصَارت تميمُ بينَ قُفٍّ وَرَمْلَةٍ

لها منْ حِبالٍ، مُنْتَأىً وَمَذّاهِبُ

وغارَتْ إيادٌ في السَّواد ودُونَها

بَرازِيقُ، عُجْمٌ، تَبْتَغِي مَنْ تُضَارِبُ

وكانت مساكن بني تغلب بين العُذيب وخَفّان. وفي ذلك يقول عمرو بن كلثوم(3) :

لِيَهْنْئْ تُراثي تغلبَ بنةَ وائلٍ

إذا نَزَلوا بَيْن العُذَيْبِ وَخَفّانِِ

مساكنُ بني سُليم الحجاز. وفي ذلك يقول مرداس بن أبي عامر السُّلمي(4) :

وإنّ سُلَيْماً والحِجَازُ مَكانُها

متى آتِهِمْ أَجِدْ لِبَيْتيَ مَهْجَرا

ومساكن بني خزيمة حِلّ المناقب والحرام))(5) .ويستطيع من يودّ الاستقصاء في الشعر الجاهلي أن يعرف تفصيلات لمنازل المعدّيين أشمل من ذلك وأدقِّ(6) .

وأما القبائل القحطانية فمواطنها بلاد اليمن(7) إلاّ من هاجر، واستقر في الشمال كبني طيّئ الذين استوطنوا جَبَلي أَجَا وَسَلْمَى، وقد كثر في الشعر نسبة الجبلين المذكورين إلى طيّئ، كقول عروة بن الورد(8) :

رَحَلْنا مِنَ الأجيالِِ أَجْبَالِِ طيّئٍٍ

نَسُوقُ النساءَ عُوذَها وعِشَارها

ومثل ذلك الأوس والخزرج الذين استوطنوا يثرب(9) ، والغساسنة الذين اقاموا في بلاد الشام، وغيرهم(10) .

وكثرت في الشعر الجاهلي الألفاظ الدالة على تَمَلّك الإنسان للمكان كلفظة بلادنا) في قول حسان (11) :

لَعَمْرُكَ ما المُعْتَرُّ يأتي بلادَنا

لِنَمْنَعَهُ بالضّائعِ المُتَهَضَّمِ

ولفظة ارضنا) في قول النابغة(12)

إنا أُناسُ لاَحِقونَ بأرْضِنا

فالْحقْ بأصْلِكَ خارجَ بنَ سِنَانِ

ومثل ذلك الألفاظ الدالة على إقرار الإنسان الجاهلي لغيره بتملك المكان كلفظة بلادك) وبلادهم) في قول زهير يخاطب بني تميم(13) :

فَقَرِّي في بلادِكِ إنَّ قَوْما

مَتَى يَدَعُوا بلادَهُمُ يَهُونُوا

ولفظة دياركم)(14) ودارها) (15) وأرضك)(16) .

إن ألفاظ تَمَلّك المكان المذكورة آنفاً مُعَرَّفةٌ بإضافة المكان إلى أصحابه. وهذه الإضافة توحي بتقديم الإنسان على المكان، مثلما توحي إضافة الإنسان إلى المكان بخلاف الإيحاء السابق؛فلقد شاعت في الشعر الجاهلي إضافة الإنسان إلى المكان الذي يعيش فيه، ومن ذلك أهل مكة) في قول العباس بن مرداس(17)

حتى صَبَحْنا أهلَ مكّة فيلقاً

شهباءَ يَقْدُمُها الهُمَامُ الأشوسُ

وأهلب الحجاز) في قول لبيد(18) :

مُرِّيَّةُ حَلّتْ بِفَيْدَ وَجَاوَرَت

أهْلَ الحجازِِ فَأين مِنْكَ مَرَامُهَا

وأهل نجد) في قول مِرداس بن حُصين الكلابي(19) :

ولم أَرَ هالكاً مِنْ أهْل نَجْدٍ

كَزُرْعَةَ يومَ قَامَ به النّ‍واعي

ومثل ذلك آل يثرب) وأهل اليمامة) (20) ، وغيرها (21) . وإنّ إضافة الإنسان إلى المكان تدلّ على مرحلة متقدّمة من تفاعل الإنسان الجاهلي مع المكان الذي يعيش فيه، إنها مرحلة تلي إضافة المكان إلى الإنسان، وتدلّ على تَلَمسُّ الجاهليين لأثر علاقتهم بالمكان الذي يعيشون عليه في تقاربهم. وإنها لإضافة نحوية، بل إضافة جدلية تدل على انتماء جديد بدأ يزاحم الانتماء إلى النسب، ويحدّ من غلوائه، ولنا في الشعر الجاهلي أدلة متنوعة تعضد الفكرة السابقة، فكرة الجدل بين السنب إلى الآباء والنسب إلى المكان.

لقد عرفنا في شواهد سابقة أن للمكان المستوطن أهلاً، هم الناس الذين ينزلونه ويعيشون فوقه، وها نحن أولاء نرى له أبناء في قول المتَلَمّس(22)

وَجَمْعُ بني قُرّانَ فاعْرِضْ عَلَيْهِمِ

فإن يَقْبَلُوا هاتا التي نَحْنُ نُوبَسُ

ونرى له إخوة في قول الخنساء(23) :

أقسمتُ لا أنفكُ أهدى قصيدةٌ لقيس أخي الأمرارِ في كلّ مجمع واسم المكان قد يعبّر به عن السكان الذين يقطنون فيه، كما في قول امرئ القيس يشكر رجلاً طائياً أجاره:

أَبتْ أجَأ أنْ تُسْلِمَ العام جَارَهَا

فَمَنْ شَاءَ فَلْيَنْهَضْ لها من مُقَاتِلِِ

والقرار بالمكان لا يقتصر على أهل القرى العربية المشهورة كمكة ويثرب والطائف والحيرة، بل يتعداهم إلى كثير من أهل الوبر من سكان البوادي، ومنهم بنو تميم وبنو أسد بن خزيمة، وبنو طيّئ، فهولاء من أرجاء العرب، وهي ست قبائل سمّيت بذلك، لأنها أحرزت دوراً ومياها لم يكن للعرب مثلها، ولم تبرح أوطانها، ودارت في دورها كالأرحاء على اقطابها، إلا أن ينتجع بعضها في البُرَحاء، وعام الجدب، وذلك قليل منهم))(24) . ومن الظاهر أن صفة الارحاء قد تنطبق على أكثر من ست قبائل ؛فصاحب العِقد ذكر أن من الأرحاء في مُضَر اثنتين تميم بن مُرَّ، وأسد بن خزيمة، وفي الشعر الجاهلي ما يشير إلى امتلاك بعض المضريين من غير تميم وأسد منازل تدور فيها كالأرحاء على أقطابها، ومن ذلك منازل غطفان في قول زهير بن أبي سلمى، وقد بلغه أن بني تميم يريدون غزو غطفان(25) :

ألا أبْلِغْ لديكَ بني تَميمٍ

وقد يأتيكَ بالخَبَرِ الظّنُونُ

بأنَّ بُيوتنا بِمَحَلِّ حَجْرٍ

بكُلِّ قَرارةٍ، منها نكونُ

إلى قَلَهَى تكونُ الدارُ مِنّا

إلى أُكْنافِ دُومةَ فالحَجُونُ

بأوديةٍ أَسَافِلُهُنَّ رَوضُ

وأعلاها إذا خِفْنا حُصُونُ

إن تملك القبائل للأمكنة، سواء أكانت من أهل المدر أم من أهل الوبر، يعني وجود أوطان قَبِليّة مستقلة داخل إطار المدى الجغرافي الواحد الذي تعيش فيه تلك القبائل، ويعني أيضاً شيوع الاستقرار السكاني في العصر الجاهلي؛ فالقرار في الحواضر الزراعية والتجارّية والسياسيةأمرٌ مسَلم به، ويضاف إلى ذلك شورع القبائل الرعَوِيّة في الاستقرار في البوادي، ويدلّ على استقرارها ما ذكر عن الأرحاء آنفاً، وما سنذكره عن دور الحفاظ.

ودار الحفاظ هي الدار التي يصبر اهلها على الإقامة فيها، ولا يَتَأتّي ذلك إلاّ للشرفاء والأقوياء، ولذلك كان الاقتدار على الإقامة فيها دليلاً على قدرة أصحابها على الذود عنها، ودليلاً على تعلّقهم بها، ولذا غدت دار الحفاظ مفخرة يعتد بها الجاهلي، كقول الحادرة(26) :

وَنُقيمُ في دارِ الحِفاظِ بُيوتنا

زَمَناً، وَيَظْعَنُ غَيْرُنا للأمرَعِ

إنّه يفخر بإقامة قومه في ديارهم، ويذمّ من يرتحل عن دياره طلبا للمرعَى. ولا يُشترط لدار الحفاظ أن تكون خصبة، فقد يحلّ الجدب فيها، فيصبر أهلها على الإقامة فيها لئلا يُغْلبوا عليها، ومِمّا يدلّ على ذلك قول عمرو بن شأس(27) :

نقيم بدار الحزمِ ليس مُزيِلَنا

مُقَاسَاتُنا فيها الشَّصائِصَ والأَزْلاَ

إنّ عمراً يفخر بأنَّ قومَهُ يتمسكون بدارهم على الرغم من قلّة مواردها وشحّها. وبمثل ذلك افتخر عمروبن كلثوم بإقامة قومه بذي أراطٍ(28) . ويشبه ذلك قول كعب بن زهير مظهراً تعلقه بموطن إقامته، وكان مقيما في بني غطفان، وهم بُداة، على الرغم من قسوة مناخه، وندرة مياهه(29) :

تَقُولُ ابْنَتى أَلْهَى أبي حُبُّ أرْضِهِ

وأَعْجَبَهُ إلْفُ لها وَلُزُومُها

بَلَ الْهَى أباها أنهُ في عَصَابةٍ

بِرَهْمَانَ أَمْسَى لا يُعَادُ سَقِيمُها

تَسَاقَوا بماءٍٍ من بلادٍ كأنهُ

دِمَاءُ الأفاعي لا يُبِلُّ سَليمُها

ويظهر من الأشعار السابقة أنّ السابقة أنّ إقامة البداة في أمكانهم لم تكن فصيلة بل كانت مُطَوَّلة وقد افتخر خُراشة بن عمرو العَبْسي بطول إقامة قومه ف يدار الحفاظ(30) . ولكن ذلك لا يعني أن البداة كانوا لا يرتحلون عن دور حفاظهم، بل كانوا يقيمون فهيا ما دامت الإقامة ممكنة، يقول أوس بن حجر(31) :

أُقِيمُ بدارِ الحَزْمِ ما دامَ حَزْمُها

وَأَحْرِِ إذا حالتْ بأن أَتَحَولا

ونستطيع مِمّا سبق أن نرى في ظاهرتي الأرحاء ودور الحفاظ مرحلة متوسطة بين القرار بالمكان والارتحال عنه ثم العودة إليه وهي مرحلة تميزت بها حياة البداة الجاهليين(32) .

2- الانتساب إلى المكان:

زاحم الانتماء المكاني الانتماء النسبي، ولعلّ أبرز ما يدل على ذلك الانتساب إلى المكان. ومن ذلك النسب إلى تهامة في قول بجير بن عبد الله القشيري يرثي هشام بن المغيرة المخزومي:ونعم المرءُ من رجل تُهامي))(33) ، والنسب إلى هجر في قول لبيد يصف فرساً:كجذع الهاجريّ المُشَذّب))(34) .وثمة قبائل غلب عليها اسم المكان الذي نزلت فيه، ومنهم بنو عمرو بن عامر الأزديون، فقد نسبوا إلى ماء غسان، فهم الغساسنة(35) ،ومثل ذلك نسبة بعض القبائل إلى المَزُون، وهي مدينة عُمَان (36) ، وإلى بارق، وهو جبل بالشراة(37) ،وإلى الصحراء (38) ،وإلى نجد (39) .

وثمة نسبتان فيهما شمول كاد أن يضم تحت جناحيه التجمعات السكانية التي سبق ذكرها في الفصلين السابقين، هما النسب إلى اليمن، والنسب إلى الشام، ومن الملاحظ أن النسب إلى اليمن أكثر شيوعاً من النسب إلى الشام، فقد وقفت على أشعار كثيرة ذكرفيها النسب إلى اليمن(40) ، وفي المقابل لم اقف إلا على مواضع قليلة ذكر فيها النسب إلى الشام(41) . وأميل إلى الاعتقاد بأن النسب إلى اليمن كان يدور على السنة الجاهليين قبل النسب إلى الشام، وأن انطلاق الألسنة الجاهلية بلفظة الشآمي) والشامي) كان عقب انطلاق الهجرات القبلية من الجزيرة العربية إلى بلاد الشام، وعقب ظهور النزاعات بين أهل الجنوب وأهل الشمال، ولعل أصدق بيت يعبر عن ذلك قول الأفوه الأودي عقب هزيمة القبائل اليمانية يوم خزاز أمام القبائل النزارية(42) :

كان الفخارُ يمانياً مُتَقَحْطِناً

واراهُ اصبحَ شامياً مُتَنَزِّرا

ويفهم من البيت السابق ومناسبته أن النسب إلى الشام يعني سكان الشمال، سواء أكانوا يسكنون بلاد الشام أم تخوم الجزيرة العربية اللصيقة ببلاد الشام، وأن الجاهليين ينقسمون بحسب منازلهم إلى تَجمعين رئيسين هما: سكان اليمن في الجنوب، وسكان الشام وأطرافها اللصيقة بالجزيرة العربية في الشمال، وأن سكان الجنوب قحطانيون، وسكان الشمال نزاريون(43) . ولكن الواقع السكاني لا يتفق مع هذه القسمة ؛فالشمال موطن قبائل قحطانية معروفة، وفيه أخلاط من الناس كالفرس والروم والنبط وغيرهم؛ وبلاد اليمن فيها أحباش وفرس وهجناء ومقرفون ولصقاء، وهؤلاء كلُّهم يمانون، وفيها نزاريون أيضاً؛ فالجاهلي كان يدرك أثرالعلاقة المكانية في تحديد انتمائه، فسكنُ جماعات إنسانية مختلفة الأصول في مكان ما كافٍ لجعلهم وحدة سكانية متميّزة بالانتماء إلى ذلك المكان، فقد ورد في شرح قول النابغة يصف خيلاً(44) :

حَتّى استَغَثْنَ بأهلِ المِلْح ضاحيةً

يَرْكُضْنَ قد قَلِقَتْ الأطانِيبِ

أنه يعني بالملح الأملاحَ، وهي الأمرار أيضاً، وفيها الزوراء لبني أسد، والغوطتان لبني عامر بن جوين الطائي، وكُنَيْبُ وعُراعِرُ وجُشُّ أعيارٍ، والعُريمةُ، كلهنّ لبني فزارة. لقد ربط النابغة بين جماعيتن قبليتين من أصول شمالية أسد وفزارة) وبين جماعة قبلية من اصول يمانية بني عامر بن جوين الطائي) برابطة الانتماء المكاني، ولذلك لا يتسرب الشكَّ إلى القول بأن النسب إلى اليمن أو الشام يعني في أحيان كثيرة الجماعات السكانية المختلفة التي استوطنت فيهما(45) .

ومثلما ادرك الجاهلي أثر المكان في تجميع أصول سكانية مختلفة تحت راية الانتماء إلى المكان المستوطن فقد أدرك أيضاً أثر المكان في تفريق الجماعة النسبية الواحدة حين تتباعد مساكنها وتختلف مواطنها، فالنزاريّ الشماليّ كان ينسب إلى اليمن أبناء عمومته الذين يقطنون جهة ذلك الإقليم، كما في قول عبد بن حبيب الهذلي (46) :

ألا أَبِلغ يَمَانِيْنَا بِأَنّا

قَتَلْنَا أَمْسِ رَجْلَ بني حَبِيبِ

وقول أبي بثينة الهذلي أيضاً (47) :

ألا أَبِلْغَ يَمَانِيْنَا بِأَنّا

جَدَعْنَا آنُفَ الجَدَرَاتِ أَمْسِ

وجعل قيس بن الخطيم الأوسي، وهو من أصل قحطاني يماني، والأوسَ قِسْماً وأبناء عمومته المقيمين في اليمن قسماً آخر في قوله(48) :

أَبَحْنا المُسْبِغينَ كما أباحَتْ

يَمانُونا بني سَعْدِ بن بَكْرِ

وانقسام القبيلة الواحدة بحسب منازلها امر معروف في الجاهلية؛ فقريش قسمان: قريش الظواهر، وقريش البطاح(49) ، ومن المحتمل أن حسان بن ثابت أراد هذه القمسة في قوله يخاطب قريشا بني النضر):أبلغ بني النضر أعلاها وأسفلها))(50) . وقبيلة هوازن قسمان في قول حسان أيضاً أبلغ هوازن أعلاها وأسفلها) وبنو معَد قسمان في قول سلامة بن جندل يذكرهم (51) :

كلا الفريقين: أعلاهم وأسفلُهمْ

شَجٍٍ بأرْماحنا غَيْرَ التكاذيبِ

ولبني معدّ قسمة مكانية أخرى في قول سلامة ايضاً (52) :

تُبَلّغُهُمْ عِيسُ الرّكابِ وَشُومُها

فريقَيْ مَعَدٍّ: من تَهامٍ وَمُعُرِقِ

وهكذا نجد أن الانتساب إلى المكان بدأ يزاحم الانتساب إلى الأباء والأجداد،ودلّ بذلك على مرحلة متطورة في حياة الجاهليين.

3- آثار التقارب والتباعد

إن قرار جماعة إنسانية في مكان ما، والتفاعل فوقه تفاعلاً إنسانياً ممّا يقوي أواصر التقارب بين أفراداها، فالبعد المكاني يضعف العلاقات الإنسانية بين المتباعدين، والقرب المكاني يسهم في تمتينها. ولقد عَبّر الجاهلي عن إدراكه لأثر العلاقة المكانية في انتماء بعض الناس إلى بعضهم في صور متعددة، منها يقطع الصلة بين الأحبة، وفي ذلك يقول قيس بن الخطيم(53) :

بَلُ لَيْتَ أَهلي أَثْلَةَ في

دارٍ قَريبٍ مِنْ حَيْثُ تَخْتَلِفُ

أَيْهاتَ مَنْ أَهْلُهُ بِيَثْربَ قَدْ

أَمْسَى وَمَنْ دونَ أَهْلِهِ سَرِفُ

فالبعد المكاني لا يسمح بالتواصل بين الحبيبين، ولذلك تَمَنَّى قيس أن تكون داره قريباً من دارها. وتباعد الأقارب مكانيا قد يحول دون تناصرهم، وإن كانت قلوبهم مفعمة بالوداد، وفي ذلك يقول حُجْر بن خالد الضُّبعي مخاطبا أبناء عمومته (54) :

فَلَوْ أَنّا شَهِدْناكُمْ نَصَرْنَا

بذي لَجَبٍ أَزَبَّ مِنَ العَوَالِي

وَلكِنا نَأَيْنا، واكُتَفيْتُمْ

ولا يَنْأى الحَفِيُّ عَنِ السُّؤَالِ

وتباعد الأقارب مكانيا قد يقطع الصلة بين الأصول والفروع(55) . وقد مَرّ بنا أن بني مُرّة يرجعون إلى لؤي بن غالب القرشي، وأنهم لصقاء ذبيان، وكان البعد المكاني سببا رئيساً في تداعي رابطة نسبهم الأبوي إلى قريش، وقد تُلَمّس ذلك الحارث بن ظالم المري حين رفضت قريش جواره. فقال (56) :

ألا لَسْتُمُ مِنّا ولا نحنُ منكُمُ

بَرئنا إليكمْ مِنْ لْؤَيّ بن غالبِ

غَدَوْنا على نَشْزِ الحجازِ وَأَنْتُمُ

بِمُنْشَعِبِ البطْحَاءٍِ بينَ الأخَاشِبِ

لقد أعلن الحارث براءة بني مُرّة من الانتساب إلى لؤي بن غالب، ثم جاء بالدليل المادي على ذلك، وهو التباعد المكاني، فبنو مرّة مقيمون على نشز الحجاز، وبنو لؤي بمنشعب البطحاء بمكة. واشترط ربيعة بن مَقْرُوم الضبي للأخوة الحق شروطاً أوّلَها تقارب الدار، وفي ذلك يقول(57) :

أخُوكَ أخُوكَ مَنْ يَدنُو وتَرْجُو

مَوَدَّتهُ وإِنْ دُعِيَ استجابَا

إذا حارَبْتَ حَارَبَ مَنْ تُعَادِي

وزادَ سَلاَحُهُ مِنْكَ اقْتِرابَا

والقرابة الأبوية تتوج بالتقارب المكاني، فيه تتوحد القوى، ويقوى الانتماء، وفي ذلك يقول المَثلم بن رِيَاح المرّي مظهراً عبطته باجتماع قومه(58) :

لَفَفْنا البيوتِ فَأَصبحُوا

بني عمِّنا، مَنْ يَرْمِنَا يَرْمِنَا مَعَا

وافتخر عمر بن شأس بفوارس قومه؛ فهم متأهبون لخوض المعارك: وهم متقارب أطناب دورهم))(59) وعبر عمرو بن معد يكرب عن وعي أصيل بأهمية القرب المكاني في العلاقات الإنسانية إذ قال:

أمَّا العتابُ فلا عتابُ

لا قُرْبُ دارٍ ولا نِسَابُ

إنّ عمراً يستبعد العتاب من دائرة علاقاته الإنسانية إلا مع الأقرباء مكاناً أونسباً، وبذلك يكون الانتماء المكاني في وعي عمرو بن معد يكرب بمنزلة الانتماء النسبي.

إن التقارب المكاني عامل مهمّفي تشكيل مجموعة موحدة ومن المفترض)أن الناس المجاورين لبعضهم في المكان هم قريبون من بعضهم بشكل عام))(60) ؛فتفاعل مجموعة سكانية فوق مكان ما يعني تاريخا مشتركاً يرتبط بذلك المكان ويوحدّها، ولذلك يمكن أن يقال بأنّ اعتداد جماعة سكانية بقدم استيطانها هو تعبير عن وجود رابطة تاريخية مشتركة، ومن الشعر الدال على ذلك قول مالك بن خالد الهذلي يخاطب مالك بن عوف النّصري حين غزا هذيلاً (61) :

أَ‍لَمْ تَرَ أَنا أَهْلُ سَوْداءَ جَوْنَةٍ

وَأَهْلُ حِجَابٍ ذِي حِجَازٍٍ وَمَوْقِرِِ

به قَاتَلَتْ آباوُنَا قَبْلَ ما تَرَى

مُلُوكَ بني عَادٍ وأقْوالَ حِمْيَرِ

إنه يذكر قِدَمَ امتلاك قومه للمكان وتضحياتهم دفاعاً عنه، ومثل ذلك قول عبيد بن الأبرص(62) :

ولنا دارُ وَرِثْنا عِزَّها الـ

أَقْدِمَ القُدْمُوسَ عَنْ عَمٍّ وخَالِ

مَنْزِلُ دَمَّنهُ آباؤُنا الـ

مُورِثُونَ المْجدَ في أُوْلَى الليالي

إنه يفخر بقدم استيطان قومه، وبأثرهم في منازلهم. وإذا كان مالك وعُبيد، وهما من البداة، قد فخرا بقدم المواطنة فأحر بأن يفخر بذلك أبناء القرى، ومنهم أبو طالب في قوله(63) :

فَمَنْ يَنْشَ مَنْ حُضَّارِِ مَكّة عِزُّهُ

فَعِزَّتُنا في بَطْنٍ مَّكةَ أَتْلَدُ

نَشأنا بها والناسُ فيها قلائِلُ

فَلَمْ تَنْفكِكْ تَزْدَادُ خيْراً وَنُحْمدُ

إنه يفخر بقدم المواطنة، وبالتاريخ المشترك، فقد نشأ قومه في مكة، وتطورت حياتهم فيها تطوراً جلب لها الخير، ولنا الحمد، ومن ذلك الحمد قول حسان عن بني قصّي بن كلاب(64) :

وَهُمْ أَعْطَوا منازلَها قُريشاً

بمكةَ، وَهْيَ ليس لها نِظامُ

ومن الفخر بالتاريخ المشترك في المكان قول قيس بن الخطيم (65) :

فَمَا الأسْدُ باللاتي الغَرِيفُ مَقِيلُها

ولكنَّ أُسْدَ الغابِ حافَةَ ذي الجّدْرِ

بنُو خطْمَةَ الأبطالُ إِنّهُمُ بها

غُذُوا، وعليها يَنْشَأونَ يَدَ الدَّهْرَ

إن رهطه، سكان ذي الجدر، وهو موضع قرب يثرب، لهم تاريخ مشترك في ذلك المكان، إن به غذما، وعليه سيستمر وجودهم أبداً.

4- تطوير أماكن الاستقرار

إن تفاعل الجاهلي في موطنه أوجد علاقات وطيدة بين المتفاعلين، إذ فيه تتوحد همومهم وأفراحهم وآملهم، لأنهم واجهوا ظرفا طبيعيا واحداً، يتطلب جهوداً مشتركة للتغلب على عوائق البقاء والتطور. والتقارب المكاني أوجد الانتماء إلى المكان وكان سببا في وجود انتماءات أخرى مهمة، تعبر عن تطور المجتمع وهو ينفلت من اسار عصبية الانتماء إلى النسب الأبويّ. ومن تلك الانتماءات الجوار، والحلف، ولنا عودة إليهما في مواضع لاحقة من هذه الدراسة.

إن تفاعل المستوطنين في مكان مالا يقتصر على علاقاتهم الإنسانية المشتركة، بل يتعداها إلى المكان نفسه؛ فالمستوطن يتفاعل مع مكان استيطانه، فيؤثر فيه، ويتأثر به، وذلك لأن إقامة الإنسان في مكان ماتدفعه إلى العمل على تملك ذلك المكان تملكاً يسهل عليه سبل الحياة الأفضل، وذلك بامتلاك الوعي بما يحتاج إليه، والإرادة اللازمة للفعل، والقدرة على ذلك الفعل؛ فندرة المياه في مكة- مثلاً - تعوق استمرار حياة الناس فيهان وتعوق تطورهم، وكان وعي سكانها لذلك سببا في حفر الآبار، فقد حفر بنو عبد الدارأمَّ أحراد) وحفر بنو هاشم بَذّر). وفي أم أحراد) قالت أميمة بنت عميلة العبد ربة (66) :

نحن حفرنا البحر أمَّ أحْرَادِ

لَيْسَتْ كبَذر البرورِ الْجمَادِ

فأجابتها ضَرتها صفية بنت عبد المطلب الهاشمية:

نحنُ حَفَرْنا بَدرْ

نَسْقِي الحجيجَ الأكبرْ

منْ مُقْبِلٍٍ وَمُدْبِرْ

وأم أحرادَ شَرّْ

وافتخر كعب بن الاشرف بامتلاك بئر غزيرة، قريبة المنال يستقي الناس منها، وذلك في قوله(67) :

ولنا بئر رَوَاءُ جَمّةُ

مَنْ يَردْها بإناءٍ يغترفْ

تُدْلِجُ الجُوْنُ على أكنافِها

بدِلاءٍ ذاتٍ أمراسٍ صُدُفْ

ومن الشعر الدّال على جهد الإنسان المنظم الهادف إلى استثمار الطبيعة قول بشر بن أبي خازم يصف دموع المحبّ(68) :

تَحَدُّرَ ماء البئر عنْ جُرَشِيَّة

عَلَى جربةٍ تَعْلو الدِّبار غُرُوبُها

بغَربٍ وَمَرْبُوعٍ وعَوْدٍ تُقِيمُهُ

مَحَالةُ خُطْافٍ تَصِرُّ ثُقُوبُها

إنّه يشبه تحدر الدموع بتحدر ماء البئر عن دلو تستقي به ناقة جُرشية، وقد فصل الشاعر في أمر تلك السقاية، فأظهر الجهد الإنساني المنظم من أجل سقاية المزروعات، فالمياه تصل إلى المزرعة الجربة) بعد سلسلة أعمال تبدأ بحفر البئر، والسقاية الدّبار) وامتلاك الدلو العظيمة الغَرْب) والحبل المفتول على أربع قوى المربوع) والبكرة المحالة)، والحديد اللازم لهاالخُطّاف)، والقوة اللازمة لاستخراج الماء، وهي ناقة جُرَشية مُسِنة عَوْد).

ومن تفاعل الإنسان مع المكان حراثة الأرض الزراعية، ومن الشعر الدال على ذلك قول عوف بن عطية التيمي(69)

يشُقُ الحزابيَّ سُلاّفنُا

كما شَقَّقَ الهاجِريّ الدِّبارا

فأوائل الجيش تؤثر خيولهم في الأرض الصلبة أثر الهاجري بمسحاته في الأرض. ومن تفاعل الإنسان المنظم مع المكان في مجال الزراعة غرسُ النخل(70) ، وتأبيره تلقيحه) (71) ، وزراعة الحبوب(72) .

ولكن جهد الإنسان الجاهلي لم يكن كافيا لاستنبات ما يحتاجه من الأرض، فتوسّل بالدعاء طلبا للسقيا كي تنمو زروعه، وتخصب مراعيه، وكان يخص بالدعاء أرض قومه، وموطن حبيبته،ومثوى الراحلين من أحبته. ولقد مدح أبوطالب سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله(73) :

وأبيضَ يُسْتُسْقى الغَمَامُ بوجْهه

ثِمَالُ التيامي عِصْمةُ للأراملِ

وهذا يعني أن الجاهلي يستخدم خبراته ومعارفه الطبيعية وما فوق الطبيعية من أجل التفاعل مع المكان تفاعلاً يحرره من قيود القحط، ويمنحه القدرة على الاستقرار بالمكان استقرار يحفظ له البقاء، ويُيَسِّر له سبل التطور.

ومن التفاعل بين الإنسان موطنه اتخاذ الأبنية، فهي تمنح أصحابها مساكن مريحة، وحصوناً منيعة، فأهالي يثرب- في شعر حسان- شيدوا في النخيل حُصُوناً، ودجَّنُوا الأنعمام، واستعانوا بها للسقاية، فكان عيشهم لذلك رَخِياً هَنِيّاً(74) .وافتخر أحيحة بن الجُلاح بأنه شاد حصناً منيعاً شامخاً، تَهّيأت له فيه إمكانية الخلاص من مجاورة اللئام والأنذال والدخلاء) ويظهر من شعر أحيحة بن الجلاح أنه كان مغرماً ببناء الحصون، ومستعداً لانفاق أمواله على بنائها، حرصاً على سلامته وسلامة أهله، فهو القائل(75) :

بنيتُ بَعْدَ مُسْتَظلٍّ ضَاحِيا

بنيتُهُ بِعُصْبَةٍ مِنْ ماليا

أخشى رُكَيْباً أو رُجَيْلاً عاديا

ويُشبه ذلك قولُ السموءلِ يذكر أثرالإنسان في المكان(76) :

بنى لي عَادِيا حِصناً- حصيناً

وَعَيْنا كُلما شِئْتُ اسْتَقَيْتُ

طِمِرّاً تَزْلَقُ العِقْبَانُ عَنْهُ

إذا ما ضامَنِي شَيءٌ أَبَيْتُ

ولقد ثبتت فائدة تلك الحصون في درء الخطر عن أصحابها حين يدهمهم عدوٌ خطر يعجزون عن مواجتهه؛ فالآطام هي التي درأت الخطر عن النساء في قول قيس بن الخطيم يخاطب الخزرج(77) :

فَلَوْلاَ ذُرَى الآطامِ قَدْ تَعْلَمُونهُ

وَتَرْكُ الفضا، شُورِكتمُ في الكواعبِ

والجهد الإنساني المنظم لتطوير المكان زراعة وبناء لا يقتصر على ما اشتهر من الحواضر القروية في ارجاء الجزيرة العربية، بل يكاد يوجد في كلّ مكان عاش فيه الإنسان الجاهلي، فَثَمْة قبائل عرفتة بيداوتها، ولكن الشعراء اشاروا إلى وجود البناء في منازلهم، ومنها غطفان، وعن منازلها قال الحطيئة(78) :

نُقاتِلُ عَنْ قُرَى غَطَفانَ لمّا

خَشِينا انْ تَذِلَّ وأنْ تُباحا

ومن المعروف أن قبائل كثيرة لم تستوطن الحواضر القروية، ولكنها كانت تُقسم بحسب وجودها المكاني إلى قسمين: المتباعدين عن المياه، وهم البادون؛ والمقيمين قرب المياه، وهم الخُضَّار والشعر الدال على هذه القسمة كثير، ومنه قول سَلَمَة بن الخُرْشُب الأنماري(79) :

فإنَّ بَني ذُبيانَ حَيتُ عَهِدْتُمُ

بِجِزْع البَتيلِ بَينَ بادٍ وحاضِرِِ

وقول عمرو بن شأس الأسدي(80) :

لنا حاضرُ لم يَحْضُرِ الناسُ مِثْلَهُ

وبادٍ إذا عَدُّوا علينا البَواديا

ومن حاضر بني أسد مخروب) وهو مكان حافل بالمزارع المروية بدليل قول عبيد بن الابرص يتذكر أهله(81) :

تَذَكّرْتُهُمُ ما إنْ تَجِِفُّ مدامعي

كأنْ جَدْوَلٌ يَسْقي مزارعَ مَخْرُوبِ

ولذلك يمكن الادعاء بأنّ الإنسان الجاهلي بذل جهوداً منظمة في مواطن كثيرة استهدفت الاستقرار الدائم بها باستثمارها في مجالي الزراعة والبناء. والجهد الإنساني الجاهلي المبذول لتطوير أماكن استقرار الجاهليين لا يقتصر على الزراعة والبناء، بل يتعداهما إلى الصناعة اللازمة لتلبية متَطلّبات الجاهلي من ثياب وطعام وشراب وسلاح، ولما كان للمهن والحرف حَيّز خاص في هذه الدارسة فسوف أعرض عن ذكر الشواهد الشعرية الدالة على تنوع المهن والحرف التي طور بها الجاهلي مكان استقراره، وأكتفى ها هنا بما يدل على وجود الزراعة والنباء والصناعة معاً في المكان الذي يَستقّر فيه الجاهلي، ومن تلك الأمكنة مدينة الهَجَر)، وهي قاعدة البحرين، وقيل : ناحية البحرين كلها هَجَرُ(82) ،وفي الشعرِ الجاهلي ما يدل على وجود الزراعة فيها، ومن ذلك قول عوف بن عطية(83) :

يَشُقُّ الحَزابيَّ سُلاّفنا

كما شَقّق الهاجِريُّ الدِّبَارا

وعلىوجود البناء، ومن ذلك قول لبيد(84) :

كَعَقْرِ الهاجِرِيَّ إذا ابتناهُ

بأشباهٍ حُذينَ عَلَى مِثَال

وعلىَ وجود الصناعة، ومن ذلك لبيد قول ايضاً يصف طريقاً(85) :

مُنيفاًً كَسَحْلِِ الهاجرِيِّ تَضُمُّهُ

إكامُ، وَيَعْرَوْرِي النجادَ الغَوائِلا

وهكذا نجد الإنسان الجاهلي المستقر في الحواضر ممتلكاً إرادة واعية، استثمرها في تطوير موطنه زراعة وبناءً وتصنيعاً، فحفر الآبار، وشقّ الأقنية، واستنبت المزروعات وغرس الأشحار، وبنى الحصون والبيوت، وأنشأ صناعات تلبي حاجاته، وبذلك تَمَلّك الأرض، وقوىّ ارتباطه بها، وازدادت حريته، وقدرته على التدخل في صنع الظروف الطبيعية لتطوره واستقراره.

إن تفاعل الإنسان الجاهلي مع موطنه فيه تاثر وتأثير متبادلان، ولقد تبين لنا آنفاً أثر الجاهلي في مكان إقامته، ولنا عودة إلى أثر المكان في سكانه. والتأثر والتأثير، وهما نتاج علاقة جدلية، جعلا ارتباط الجاهلي المستقر بأرضه ارتباطا عضوياً، وَلّدَ شعوراً بعمق الانتماء إلى المكان الوطن)، فالجاهلي ينتسب إلى مكان استقراره، ويتدخل في طبيعته تدخلاً يمنحه القدرة على التحرر من بعض قيود المكان التي تعوق استقراره وتطوره، وتلك العلاقة العضوية دفعت الجاهلي إلى الاعتداد بموطنه، وإلى الدفاع عنه(86) .

(1) اللسان: كون).

(2) شرح اختيارات المفضل 2/926-930. والعمارة: الحيّ العظيم يطيق الانفراد. والعَروض: الطريق في عُرْض الجبل، والأكمة الصعبة. ولكيز: بطن من عبد القيس من معَدّ .والسيف : ضَفة البحر. وحاجب: رجل من أهل اليمامة. وحبال :حبال الرمل.

(3) ديوان عمرو بن كلثوم ص72. وتراثه: ما أورثهم من كرمه.

(4) النقائض 2/673. ومهجر : من قولك :هذا أهجر من هذا، إذا كان أفضل منه.

(5) ديوان بشر ص206و291.

(6) انظر الناقئض 1/102، والعقد الفريد 5/259، وديوان زيد الخيل ص36، وشعر عمرو ابن شأس ص104وشعر النابغة الجعدي ص53، وديوان حسان ص97و152 والبكري- أبو عبيد، 1945-1951م، معجم ما استعجم، تحقيق مصطفى السقا، مطبعة لجنة التأليف، القاهرة، 1/17-90. وفيه أخبار واشعار كثيرة عن منازل بني مَعَدّ بخاصة.

(7) من القبائل اليمانية التي ورد ذكر منازلها الخاصة بها في الشعر الجاهلي حمير ديوان امرئ القيس ص65) وكندة شرح اختيارات المفضل 2/768) وغيرذلك كثير.

(8) ديوان عروة بن الورد ص86. وانظر ديوان بشر ص67، وسحيم عبد بني الحسحاس، 1965م، ديوان سحيم عبد بني الحسحاس، صنعة نفطويه، تحقيق عبد العزيز الميمني، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة ص32، ومعجم البلدان: أجأ) وقصائد جاهلية نادرة ص172.

(9) انظر ديوان حسان ص103و138-139، وبعد الله بن رواحة الأنصاري، 1972م، ديوان عبد الله بن رواحة الأنصاري، دراسة، جمع، تحقيق دكتور حسن محمد باجودة، مكتبة دار التراث مصر، ص90.

(10) انظر شرح اختيارات المفضل 2/930، وديوان النابغة ص173.

(11) ديوان حسان ص 183. وانظر شعر عمرو بن معد يكرب ص160،وديوان أوس ص122.

(12) ديوان النابغة ص225. وانظر ديوان عمرو بن قميئة ص76، وشعر عمرو بن معد يكر ب ص108، وشرح اختيارات المفضل 1/164، وشرح ديوان لبيد ص293. ومثل ذلك لفظة دارنا) في ديوان الطفيل ص47،51.

(13) شعر زهير ص153. وانظر ديوان الحطيئة ص309، وديوان عروة ص61، وديوان دريد ص 27، وشرح ديوان الحماسة 2/577.

(14) انظر ديوان عبد الله بن رواحة ص83، وديوان الحطيئة ص281 وشرح أشعار الهذليين 2/603. ومثل ذلك لفظة ديارهم) في ديوان الطفيل ص31، ولفظة ديارها) في شرح أشعار الهذليين 1/67.

(15) انظر شعر زهير ص100، وديوان دريد ص27، ومثل ذلك لفظتي: دارهم )وأوطانهم) في ديوان عامر ص114 ولفظتي داركم) وأوطانكم) في شرح أشعار الهذليين 2/603.

(16) انظر ديوان شعر المتلمس ص147، ومثل ذلك أرض مراد) في شرح اختيارات المفضل 2/966.

(17) ديوان العباس ص73، وديوان كعب بن مالك ص280.

(18) شرح ديوان لبيد ص301. وانظر ديوان الطفيل ص22، وديوان حسان ص233.

(19) الوحشيات ص125. وانظر ديوان حسان ص231، وأشعار العامريين الجاهليين ص71.

(20) انظر ديوان عامر ص141.

(21) انظر ديوان سلامة ص 160، ويدوان النابغة ص89، وديوان بشر ص98، ديوان عامر ص135، وديوان الحطيئة ص257، وديوان سحيم ص32، وشرح ديوان لبيد ص336، وشحر ديوان الأعشى ص166، 368 وشعر النمر ص75، وشعر عمرو بن أحمر ص44، وقصائد جاهلية نادرة ص194، وأشعارالعامريين الجاهليين ص30، وديوان الطفيل ص41، وديوان شعر المثقب ص269.

(22) ديوان شعر المتلمس ص127. وقرّان: قرية باليمامة. نوبس: من الأبس،وهو التصغير والتحقير.

(23) ديوان الخنساء ص145 واتنظر فيه ص147. والأمرار مياه لبني فزارة، ويشبه ذلك أن يُجعل للمكان ربٌّ سيد) من سكانه السادة. انظر شرح ديوان لبيد ص55-56، وشحر ديوان الأعشى ص356، والعقد الفريد2/29، وديوان النابغة ص219.

(24) العقد الفريد 3/335.

(25) شعر زهير ص149-150. وذكر زيد الخيل الطائي، وطيئ من الأرحاء، منازل قومه، وانتقالهم من موضع إلى آخر من تلك المنازل. انظر ديوان زيد الخيل ص48-49 وروى ياقوت شعراً جاهلياً ذكرت فيه منازل بعض بطون فزارة المتقاربة. انظر معجم البلدان :الأمرار).

(26) ديوان شعر الحادرة ص53. وتعليقا على البيت المذكور يرى النويهي -محمد، بلا، الشعر الجاهلي: منهج في دراسته وتقويمه، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة 1/246 أن القبائل الرفيقة بدأت تعرف الصلة بارض الوطن، وإعزازها على الرغم ممّا يصيبها في أوقات الضنك)).

(27) شعر عمرو بن شأس ص46. والشصائص: الشدائد .والأزل: الضيق الحبس.

(28) انظر ديوان عمرو بن كلثوم ص93.

(29) شرح ديوان كعب ص231-232. ورهمان: وادٍ في ديار غطفان. لا يُعاد سقيمها: لا ينجو.

(30) انظر شرح اختيارات المفضل 3/1633.

(31) ديوان أوس ص83. وقد مرّ بنا افتخار الحادرة بان قومه يقميون في دار الحفاظ زمناً، ولم يقل أبداً، فالشرفاء يصبرون على الإقامة في المكان، ولكنهم يرتحلون عنه حين تتعذ رالحياة فيه، فالبقاء في الأرض المجدبة انتحار إذا طال قحطها انظر الشعر الجاهلي 1/247).

(32) افتخر امرؤ القيس، وقيل عمرو بن مَيْناس المرادي، بأن أهلههم أهل قِبَاب وقُرى))أي أهل ارتحال وإقامة. انظر ديوان امرئ القيس ص293.

(33) أشعار العامريين الجاهليين ص74. انظر شرح ديوان الأعشى ص131.

(34) شرح ديوان لبيد ص12. وانظر شرح اختيارات المفضل 3/1668.

(35) انظر معجم البلدان: غسان ).

(36) انظر شرح ديوان كعب ص33.

(37) انظر معجم البلدان: بارق).

(38) انظر المصدر السابق :صحار).

(39) انظر شعر زهير ص33.

(40) انتظر ديوان امرئ القيس ص25،85،269،341،وديوان العباس ص107، وديوان قيس ص 185، وديوان شعر المتلمس ص235، وديوان الشماخ ص193، وشرح ديوان لبيد ص 138، وشرح اختيارات المفضل 2/768، وشرح أشعار الهذليين 2/725، 770، وشعر عمرو بن معد يكرب ص163، 199 ومعجم الشعراء ص300، والنقائص ص 153.

(41) انظر أشعار العامريين الجاهليين ص61، وديوان طرفة ص23، وديوان الطفيل ص41.

(42) ديوان الأفوه ص15. ولزينب بنت مالك العامرية شعر فيه مقابلة بين النزارية واليمانية. انظر أشعار العامريين الجاهلين ص87.

(43) يرى الدكتور جواد علي أن نزاراً) من القبائل التي كانت معروفة في القرن الرابع بعد الميلاد، وأنها تتألف من ربيعة ومضر وإياد وأنمار وأن إياداً) ارتحلت إلى البحرين والعراق والشام انظر المفصل في تاريخ العرب 1/396.

(44) ديوان النابغة ص89. وانظر بيتاً لتميم بن أبي ديوان ابن مقبل ص168) يذكر فيه أن قبائل مختلفة تجتمع في مكان واحد للانتجاع. وجاء في معجم ما استعجم 2/489: خَثْعَم: ...اسم جبل بالسراة، فمن نزله فهو خثعمي)).

(45) يظهر اهتمام الجاهلي بالمكان ايضاً في نسبة كبيرة من الحيوان والصناعات إلى أمكنة وجودها. انظر مثلاً شرح ديوان لبيد ص 81،85،97،112، وشعر خفاف ص 106 وديوان امرئ القيس ص43و59.

(46) شرح اشعار الهذليين 2/770. ورَجْلَ بني حبيب : رَجّالتهم.

(47) المصدر السابق 2/725. وانظر مثل ذلك في النقائض 1/179.

(48) ديوان قيس ص185.

(49) انظر شعر قريش.

(50) ديوان حسان 289.

المصدر السابق 256

(51) ديوان سلامة ص115، والتكاذيب : جمع تِكْذَاب، وهو الرمح الذي يكذب صاحبه في الحملة وفيه "يعني فريقي معدّ: من كان منهم معالياً بأرض نجد، فهم عليا معدّ، ومن كان منهم، مسافلاً فهم سفلي معدّ)). وانظر تفصيلاً لذلك في معجم البلدان: العالية)، وفيه ما يشير إلى انقسام جماعات أوبوية بحسب منازلها.

(52) ديوان سلامة ص 162. وعيس الركاب: البيض تخلطها الحمرة. وشومها: سودها. والمعرق: من يأتي العراق او يكون فيه.

(53) ديوان قيس ص113. وأثلة: اسم امرأة. وسرف : موضع قريب من مكة. وانظر مثل ذلك في ديوان بشر ص161، وشرح ديوان عنترةص 153، وشرح ديوان كعب ص209.

(54) شرح ديوان الحماسة 2/519. وذو لجب أزبّ من العوالي: جيش له صوت أزبّ كثير) من كثرة الرماح فيه.

(55) انظر تربية الإنسان ص256. وفيه الإقامة المشتركة حيوية لبقاء العائلة المشتركة على شكل وحدة حقيقة وظيفية، وإذا ما انتقل قسم من العائلة إلى مكان آخر فسرعان ما ينفصل ذلك القسم عن الوحدة التعاونية)).

(56) العقد الفريد 5/149.

(57) شرح ديوان الحماسة 2/542-543.

(58) المصدر السابق 1/384. ومن الجدير بالذكر أنّ توحد القوى بالتقارب المكاني وفّر للجاهلي الأمان في موطنه، وبين أقاربه، ثمة أشعار كثيرة تدل على ذلك. انظر مثلا أشعار العامريين الجاهليين ص70، وديوان شعر حاتم ص187، 234، وديوان بشر ص21.

(59) شعر عمرو بن شأس ص42.

(60) علم النفس الضمني262.

(61) شرح أشعار الهذليين 1/454. والحجاب: ما غلظ وارتفع من الحرّة. والحجاز الذي احتجز عن الناس بالصخور. والموقر: السهل أسفل الجبل، تكون به وقرات، أي آثار.

(62) ديوان عبيد ص118. والقدموس: القديم. ودَمَّنَهُ آباؤنا: أثّروا فيه.

(63)

(64) ديوان حسان ص97.

(65) ديوان قيس ص231. والغريف: الأجمة، والشجر الملتفّ.

(66) السهيلي، 1968 الرجوع للأصل لوجود نقص كبير ص164

(67) الأغاني 22/135-136. ورواء : غزيرة. والجون :الإبل السوداء. وأكنافها: نواحيها وصُدُف: تظهرُ وتختفي.

(68) ديوان بشر ص14 والجربة: المزرعة. والدِّبار : السواقي بين المزارع. وأراد بغُربها: مياهها. وانظر مثل ذلك في ديوان حسان ص 275.

(69) شرح اختيارات المفضل 3/1668. والسلاف: أوائل الجيش. والحزابي: جمع حزباءة، وهي الأرض الغليظة الصلبة. والهاجري: رجل من هجر. والدبار ها هنا: البقعة التي تزرع.

(70) فخر سعد القرقرة بخبرة قومه في زراعة النخل. انظر شعره في ديوان قيس ص236.

(71) ثمة أشعار يذكر فيها تاثير النخل في مظان كثيرة. انظر مثلاً شرح ديوان الحماسة 1/204-205، وديوان طرفة ص63، ومعجم ما استعجم 1/328و2/471.

(72) انظر ديوان تأبط شراً ص177.

(73) ديوان أبي طالب ص106. وقد أكثر الشعراء من الدعاء للمكان بالسقيا. انظر مثلاً ديوان عروة ص56، وديوان عمرو بن قميئة ص94، والأغاني 22/271، وشرح أشعار الهذليين 2/589، وقصائد جاهلية نادرة ص172.

(74) انظر شعر حسان ص138. وافتخر قيس بن الخطيم ديوانه ص118-119) بأن لقومه حصوناً ومزارع نخل جيدة الثمر. ومثل ذلك كعب بن مالك ديوانه ص187).

(75) انظر جمهرة أشعار العرب ص256.

(76) الأغاني 15/47. والرُّكيب: مصغر رَكْب، وهم الجماعة الرّاكبون، والرّجَيْل: مصغر رَجْل، وهم الجماعة الراجلون.

(77) ديوان السموءل ص15. والطمر : المشرف المرتفع. انظر فخر راشد بن شهاب اليشكري ببناء حصن منيع بثاج، وهي من قرى البحرين في 0شرح اختيارات 3/1323). وثمة أشعار في بناء آطام في نجران ويثرب وغيرهما انظر مثلاً معجم البلدان: أُطُم الأضبط)والطائف).

(78) ديوان قيس ص93.

(79) ديوان الحطيئة ص 257.

(80) شرح اختيارات المفضل 1/165.

(81) شعر عمرو بن شأس ص109. وانظر مثل ذلك في شرح ديوان الأعشى ص183.

(82) ديوان عبيد ص25.

(83) معجم البلدان: الهجَر)، وفيه : الهجَر بلغة حِمير والعرب العاربة القرية)).

(84) شرح اختيارات المفضل 3/1668. والحزابِيّ : جمع حِزباءة، وهي الأر ضم الغليظة، وسلافنا: أوائل جيشنا. والدبار : الأرض التي تزرع.

(85) شرح ديوان لبيد ص76. والعقر: القصر. وأراد بأشباه: اللبن والأجر، واراد بمثال :قالب اللبن. وفي البيت إشارة إلى صناعة اللبن اللازمة للبناء.

(86) المصدر السابق ص233. والسّحل: الثوب الأبيض ويعروري: يسير وحده. والغوائل: جمع غائلة وهي التي تغول من يمشي فيها، أي تُضلله لاتساع نواحيها. شبه الطريق بثوب أبيض صنعه رجل هاجري. وتعدد النشاط الإنساني في مكان واحد يخالف فكرة التخصص التي أشار إليها والنص العصبية القبلية ص55) إذ رأي أن القبائل المتحضرة كانت تزاول الأعمال التي تلائم بيئتها، فعانى بعضها الزراعة، وزاول بعضها التجارة، وثمة قبائل اشتغلت بصيد الأسماك واللالئ، وأخرى أقبلت على ضروب من الصناعة.

(87) إن نزعات تعلق الجاهلي بموطنه أقل أهمية في سلم التطور الاجتماعي من ظاهرة استحداث مجتمعات إقليمية، كأهل اليمن وأهل نجد، وأهل الحجاز وأهل العراق، وأهل الشام؛ فالتطور الأساس في المجتمعات لم يكن استحداث نزعة التعلق بإقليم مُعيّن في المجتمع، وإنما استحداث المجتمع بوصفه إقليماً)). .مونتاغيو- أشلي، 1982م، البدائية، ترجمة د جابر العصفور، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ص295.).

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244