الانتماء في الشعر الجاهلي -د.فاروق أحمد اسليم

دراســــــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:27 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

4- دواعي الارتحال الجماعي

يغلب على الارتحال الجماعي طابع العنف والقهر، وأمّا أسباب ذلك الارتحال وهي:

أ- أن يُكره الخلاف داخل القبيلة أحد بطونها على الارتحال: لقد كان النفي عن الديار من الوسائل المتبعة لإطفاء نيران الخلاف داخل القبيلة الواحدة، ومن الأخبار الدالة على ذلك أن خلافاً دبَّ بين بني جعفر وبني أبي بكر العامريين، فشّبّت الحرب بينهما، فّخُذلَ الجعافِرَة، ونزلوا على حكم رئيس بني أبي بكر، الذي حكم بنفي بني جعفر عن بلادهم إلاّ أن يرتضوا بحكمه في مسألة دية القتلى، فارتحل بنو جعفر إلى اليمن(1) وقد عبّر لبيد الجعفريّ عن استنكاره لذلك في قوله (2) :

أبني كلابٍ كيفَ تُنْفَى جَعْفَرٌ

وَبَنُو ضَبَيْنَةَ حاضروا الأَجْبَابِ

إنه يستنكر نفي قومه، وإنزال بني ضبينة في منازل الجعفريين، ولقد حققت عقوبة النفي الغاية، إذ خضع الجعفرِيّون لحكم قومهم في دِيَة القتلى، ورجعوا إلى منازلهم بعد حول من ارتحالهم(3) .

وإذا كان بنو جعفر قد رجعوا إلى منازلهم فإنّ جماعات أخرى ارتحلت كارتحالهم، ولكنها لم ترجع إلى منازلها مثلهم، ومنها بنو جُذام، وفي ارتحالهم يقول بشر بن أبي خازم الأسدي (4) :

أَلم تَرَ أَنَّ طُولَ الدَّهْرِ يُسْلِي

وَينس مِثْلَمَا نسيت جُذَامُ

وكانوا قَوْمَنَا فَبَغَوا عَلَيْنَا

فَسُقْنَاهُمْ إلى البّلَدِ الشَّآمِي

وكذلك بنوهاربة بن ذبيان الذين حاربوا قبيلتهم غطفان، ثم تحوّلوا إلى الشام، وفيهم يقول بشر أيضّاً (5) :

وَلَمْ نَهْلِكْ لمرَّةَ إذْ تَوَلَّوْا

فَسَارُوا سَيْرَ هَاربةٍ فَغارُوا

فبنو مُرّة، وهم من أحلاف بني أسد قوم الشاعر، تركوا حلفاءهم، مثلما سارت هاربة عن قومها. ومن المحتمل أن يكون عنف الصراع سبباً في إيثار المرتحلين أو المرحَّلين أن يرتضوا الإقامة الدائمة في المنفى؛ فبشرٌ أظهر استمراريّة عداوة قومه لبني جذام بعد ارتحالهم في قوله يخاطبهم (6) :

وإنّ مُقَامَنَا نَدْعُو عليكُمْ

بِأَبْطَحِ ذِي المَجَازِ لَهُ أَثَامُ

لقد ارتحلت جذام ولكن قومهم بني خزيمة أسد وكنانة وقريش) لم يسامحوهم؛ إنهم مقيمون بذي المجاز، ولسان حالهم يقول لجذام : إننا ندعو عليكم بما يكسبكم إثماً، لأنّكم حَمَلتمونا على ذلك بعقوقكم، وخروجكم مِمّا لكم إلى ماليس لكم) (7) ؛ فبنو خزيمة ليسوا بحاجة إلى بني جذام، ولكنهم مستاؤون لأن الجذامِيّين قطعوا صلتهم بموطنهم وأظهروا العقوق. ولكن لماذا فعلت جذام ذلك؟ ألشدّة عداوتها لبنيي خزيمة أم لأن سبل الحياة في المهجر أفضل مِمّا عليه في موطنها الأول؟.!

وقد يدعو الصراع بين الأقارب إلى إقدام بعضهم على الارتحال طلباً لحلف ينصرهم على اقاربهم، أو يمنحهم الإقامة بعيداً عن أقاربهم الأعداء، ومن ذلك طوائف من الأوس إلى مكة يستعينون على الخزرج بالتحالف مع قريش (8) ، وارتحال بني عبس في أرجاء الجزيرة العربية في أثناء حرب داحس والغبراء (9) ، وبحث بني عُمَيْرة الفزاريين عن حيّ يلتحقون به إذا دهمتهم تلك الحرب، ولهم يقول عنترة (10) :

سَائِلْ عُمِيْرَةَ حيثُ حَلّتْ جَمْعَها

عِنْدَ الحُروبِ بأيّ حَيِّ تَلْحَقُ

أبِحَيِّ قيسٍٍ أَمْ بِعُذْرَةَ بَعْدَما

رُفِعَ اللواءُ لها، وبِئْسَ المَلْحَقُ

ب- أن تلقى جماعة سكانية عَنتاً من ملك يدفعها إلى الارتحال : تفيد أخبار الجاهلية أن ملوك الحيرة كانوا يكرهون بعض الجماعات على الارتحال إذا غضبوا عليها، ومن ذلك أن المنذر بن ماء السماء خطب على رجل من اصحابه امرأةً من بني زيد بن مالك بن حنظلة، فأبو أن يزوجوه، فنفاهم، فنزلوا مكّة بعد أن نكّأَ فيهم، وبدَّد شملهم، وفيهم يقول الأسود بن يعفر (11) :

ما بّعْدَ زيدٍ، في فَتَاةٍ فُرِّقُوا

قَتْلاً، وَنَفَيْاً، بَعْدَ حُسْنِ تَآدي

فَتَخَيَّروا الأرضَ الفَضاءَ لعِزِّهِم

وَيَزيدُ رافِدُهُمْ عَلَى الرُّفَّادِ

لقد اختار بنو زيد أن ينزلوا الأرض الفضاء، فنزلوا مكّة استبقاءً لأنفسهم ولشرفهم.

وللخِرنق بنت بدر أبيات قالتها حين طرد عمرو بن هند بني مرثد من منازلهم، ومنها قولها (12) :

ألاَ مَنْ مُبْلِغٌ عمروَ بنَ هِنْدٍ

وقد لاتَعْدَمُ الحَسْنَاءُ ذامَا

كما أَخْرَجْتَنَا مِنْ أرضِ صِدْقٍ

تَرَى فِيها لِمغتَبِط مُقَامَا

إنّ ارتحال أكثر الجماعات المشار إليها آنفا يشبه ارتحال الأفراد من جهة الدلالة على أثر الارتحال في التواصل والتقارب بين الجاهليين؛ فالجماعات الصغيرة المرتحلة، كالأفراد، يسهل اندماجها في الجماعات الكبيرة المرتحل إليها بالجوار والإلصاق وغيرهما.

ج- أن تعجز موارد المكان عن كفاية الجماعة السكانية المقيمة عليه: إنّ عجز موارد المكان عن تلبية مستلزمات الحياة المادية لسكانه يدفعهم إلى البحث عن وسائل يواجهون بها، ويتغلبون عليه. ولقد كان الغزو من الوسائل الشائعة في مواجهة العجز، فقد تغادر جماعة صغيرة أو كبيرة موطنها لِتُغير، وتؤوب بالغنائم التي تدعم استقرارها في موطنها، وديوان الشعر الجاهلي حافل بالشواهد على ذلك ومنها قول عمرو بن كلثوم(13) :

جَلَبْنَا الخَيْلَ مِنْ كَنَفَي أَريْكٍ

عوَابسَ يَطَّلِعْنَ مِنَ النِّقابِ

صَبَحْناهُنَّ عَنْ عُرُضٍٍ تَمِيْماً

وَأَتْلّفَ رَكْضُنا جَمْعَ الرِّبَابِ

فَأَفْنَيْنَا جُمُوْعَهُمُ بِثَأْجٍ

وَكَرَّتْ بالغَنَائِمِ والنِّهابِ

لقد ارتحل عمرو بفرسانه من أريك) إلى أن بلغوا ديار تميم والرباب، فحاربوهم، وانتبهوا أموالهم، ثم كرّوا راجعين إلى ديارهم. ومن أريك) جلب عمرو وفرسانه الخيل إلى بني فراس وغِفار من كنانة (14) ، ومن أريك) أيضاً جلب وفرسانه الخيلَ إلى أقربائه(15) :

نَؤُمُّ بها بلادَ بَني أَبِيْنا

عَلَى ما كانَ مِنْ نَسَبٍ وَصِهرِ

فالغزو ارتحال مؤقت من غاياته دعم استقرار الغزاة في مواطنهم، ومن الملاحظ أن أصحاب القرى مثل قريش البطاح والأوس والخزرج ويهود يثرب وخيبر لم يلجأوا إلى الغزو لدعم استقرارهم بل استعانوا، وقد أشير إلى ذلك آنفا، بالزراعة والتجارة وبعض الحرف، وأما الغزو فكان سبيل الجماعات المتبدية ولعلّها لجأت إليه حين لم تجد وسيلة أخرى لاستمرار وجودها

وثمة وسائل غير الغزو استعان بها الأعراب لمواجهة قلّة الموارد في دور إقامتهم، ومنها إضافة إلى الزراعة في حواضرهم، الارتحال المؤقت بحثاً عن الماء والكلأ، وقد جمع زهير بن ابي سلمى بين الارتحال للغزو والارتحال لطلب المرعى في قوله يمدح بني مُرّة:" تهامونَ نَديونَ كيداً وَنُجعَةً " (16) ، إنهم يأتون تهامة ونجداً غازين أو منتجعين، ولهم مواضع يألفون الإقامة فيها، وعنها يقول زهير واصفاً ارتحاله إليهم (17) :

تَرَبَّصْ، فإنْ تُقْوِ المَرَوْراةُ مِنِهُمُ

ودَاراتُها، لاتُقْوِ مِنهمْ إذاً نَخْلُ

فإنْ تُقْوِِيَا مِنهمْ فإنَّ مُحَجِّراً

وَجِزْعَ الحَسَا، مِنْهُمْ إذاً قَلَّمَا يَخْلُو

بلادٌ بها نادمتُهُمْ وَأَلِفْتُهُمْ

فإنْ تُقْوِيا مِنْهمْ فإنَّهما بَسْلُ

وأبيات زهير تفيد بتنقّل بني مرّة، يرعون مكانا ثم ينتقلون إلى غيره. ولا بدّ أن تكون تلك منازلهم أو مراعيهم الخاصة التي ينتجعونها في الربيع، ولا يستبعد أن تكون المواطن المذكورة مراعي تخصّ بني ذبيان، وأنّ بطوناً منهم كانت تنتجع تلك المراعي، ومنها بنو مرّة ؛ فزهير كان يبحث عنهم في المواطن التي ينتجعونها عاة؛ فلكل بطن مكانٌ يرعى فيه، ثم يعود منه إلى الحاضر، موطن استقرار القبيلة.

ولقد كثرت الألفاظ الدالة على الارتحال الفصلي للأعراب في مقابل ألفاظ الإقامة كلفظة الأّنَس (18) ، والحِلال(19) ؛ فثمَّة ألفاظ تدلّ على أماكن تُنزل في الربيع وأخرى في الصيف. يقول لبيد يصف امرأةً (20) :

تَرَبَّعَتِ الأَشْرافَ، ثُمَّ تَصَيَّفَتْ

حَساءَ البُطاح، وانتجعْنَ المَسَايلا

وثمّة ألفاظ تدلّ على أماكن تَنْزَلُ في الخريف لرعي ما ينبت مطره كقول زهير يصف امرأة (21) :

فاسْتَبْدَلَتْ بَعْدَنا داراً يَمانِيَةً

تَرْعَى الخَرِيفَ، فَأدنَى دارِها ظَلِمُ

وبعض الألفاظ تدلّ على أماكن تنزَل في الشتاء (22) . فالأعراب يرتحلون ثم يرجعون إلى محاضرهم، ولقد أورد الأعلم في شرحه لقول زهير:

فلما وَرَدْنَ الماءَ زُرْقاً جِمَامُهُ

وَضَعْنَ عِصِيَّ الحاضِرِ المُتخَيَّمِ

كلامَا يدلّ على ذلك، وهو: " وقوله: فلما وردن الماءَ، أي: أَتَيْنَهُ، وحَللنَ عليه. وإنّما أراد مياه المحاضِرِ التي كانوا يُقيمون عليها في غير زمنِ المرتَبَعِ"(23) .

ولكن بعض المرتحلين لم يرجعوا إلى محاضرهم، وهؤلاء هم الذين ارتادوا مراعيَ ومياهاً غير مأهولة، فنزلوا فيها، وأقاموا إقامة دائمة، ومن ذلك سكن بني حنيفة في اليمامة، فقد ارتادها عُبَيد ابن ثعلبة الحنفي، بأهله وغلمانه، فنزل فيها، ثم لحق به إخوته، وفي ذلك يقول عُبَيْد (24) :

حَلَلْنا بدارٍ كان فيها أَنِيسُها

فَبَادُوا وخَلُّوا ذاتَ شِيدٍ حُصونَها

فصاروا قَطِيناً للفلاةِ بِغُرْبَةٍ

رَمِيماً، وصِرْنَا في الدّيارِ قَطينَها

فسوف يليها بَعْدَنا مِنْ يَحُلُّها

وَيَسْكُنُ عِرْضاً سهلَها وحُزونَها

ومثل ذلك خبر نزول طيّئ أجأ وسلمى ؛ فالرواية رَجّحها ياقوت الحموي تذكر أن رجلين من طيّئ خرجا من اليمن، فارتادا أجأ فوقفا من الخصب والخير على ما أعجبهما، فرجعا إلى قومهما، فأخبراهم به، فارتحلتْ طيّئ بجملتها إلى الجبلين، وجعل أسامة بن لؤي يقول (25) :

اجعَلْ ظُريباً كَحَبيبٍ يُنْسَى

لِكُلِّ قوم مُصْبَح وَمُمْسَى

والارتياد فيه مخاطرة، لايقدم عليها إلا الأقوياء، وقد أكثر الشعراء من ذكر الارتياد، والحلول في الأماكن المرتادة الخصبة (26) ، وإنْ لم يُسَمّوها، ومن ذلك قول أبي دُؤاد الإيادي (27) :

ودارٍ يَقولُ لها الرّائدو

نَ ويلُ امِّ دارِ الحُذلقِيّ داراً

فلمَّا وَضَعْنا بها بَيْتنا

نَتَجْنَا حُوَاراً وَصِدْنَا حِمَاراً

والجدب ليس سببا وحيداً لعجز المكان عن كفاية سكانه، فقد يضيق المكان بهم حين يتكاثرون، وقد تحلّ بالمكان كارثة طبيعية تبدّد جهد السكان المبذول للإقامة فيه، فيضطر سكانه إلى الارتحال عنه، وخراب سدّ مأرب شاهد ماثل للعيان، فبسببه ارتحلت الأزد، فاستقرّت طائفة منهم بيثرب، وهم الأوس والخزرج، وأخرى بمكة، وهم خزاعة، وثالثة بعمان، وهم أزد عمان، ورابعة بالشام، وهم بنو جفنة(28) . وأما الأخبار والأشعار الدالة على الارتحال بسبب تضاؤل موارد المكان لتكاثر سكانه فكثيرة، وقد حوت مقدمة معجم مااستعجم) طائفة منها، ولاسيما المتعلقة بتفرّق أولاد معدّ بن عدنان، وبعض تلك الأخبار نَصّت على أن التكاثر كان سبباً في الارتحال، ومن ذلك أن ربيعة ومضر كانوا بتهامة وغورها "فكثروا وتضايقوا في منازلهم، فانتشرت ربيعة فيما يليهم من بلاد تهامة نجد" (29) .

ولكن أغلب تلك الأخبار والأشعار لم تشر صراحة إلى أثر التكاثر في الارتحال، بل اشارت إلى أثر التكاثر في طغيان جماعة على أخرى طغياناً يؤدي إلى حرب تنتهي بجلاء المغلوب، ومن ذلك بغي إياد حين تكاثرت على مضر وربيعة، وكانت منازلهم وديارهم واحدة في تهامة، فتظاهرت مضر وربيعة على إياد، فَهُزمت إياد، وخرجت من تهامة (30) . فبنو إياد ومضر وربيعة كانوا كلّهم ينزلون تهامة، فأخرجت إياد أولاً، ثم ربيعة. ولابّد أن يكون التكاثر سبباً في الاختلاف على الموارد، ولاسيما المراعي، ولقد أدى ذلك في أغلب الأحوال إلى صراعات دامية، أشعلتها أحداث يسيرة كعشق حَزيمة بن نهد القضاعي لفاطمة بنت يذكر العنزيّة الذي أفضى إلى اجتماع نزار بن معد على قضاعة، وقهرها، وإجلائها عن منازلها، وفي ذلك يقول عامر بن الظرب العدواني(31) :

قُضاعة أَجْلَيْنَا مِنَ الغَوْرِ كُلِّهِ

إلى فَلَجَاتِ الشَّامِ تُزْجِي المواشيا

وما عنْ تَقَالٍ كانَ إخراجُنا لَهُمْ

ولكنْ عُقُوقاً منهمُ كان باديَا

ولقد حفل ديوان الشعر الجاهلي بما يدل على تفرّق القبائل وارتحالها من مواطنها للإقامة في مواطن جديدة، فبنو معدّ كانوا حلولاً في تهامة(32) ، ولكن الناس " في الأرض فُرِّقوا شيعاً" (33) ، وأضحت " معدّ كلَّ أوبٍ تَصَدَّعُ" (34) ، وكان تَصَدّعها ارتحالها) قسريَّاً بسبب عجز المكان عن تأمين حاجات سكانه المادية، وما يتصل من نزاعات وحروب تفرض الارتحال على المهزوم (35) . فإلى أين يرتحل المهزومون؟

5- تصادم القبائل المرتحلة بالمستقرّة

إنّ ارتحال الجماعات المُبْعَدَة عن وطنها يفرض عليها البحث عن مكان جديد، فقد ترتاد الجماعة المرتحلة مكاناً غير مأهول، تراه صالحاً للإقامة، فستوطنه، وغالباً مايتعذّر العثور على مثل ذلك، فتصدم الجماعة المرتحلة بجماعات سكانية مستقرّة، فتضطر إلى محالفتها أو مجاورتها، وقد تضطر إلى انتزاع موطن جديد بالسيف وبترحيل سكانه عنه(36) ، وبذلك تبدأ جماعة أخرى بالبحث عن موطن لها؛ فقد سارت جماعات من قضاعة حين أجلوا عن تهامة نحو البحرين، حتى وردوا هَجَر، وبها يومئذٍ قوم من النَّبط، فَأجلوهم، وقال في ذلك مالك بن زهير القُضاعي:" شرينا دارَ آنسةً بدار "(37) . وأخرجت خزاعةُ- وكانت ارتحلت من اليمن خوفاً من خراب سدّ مأرب- جرهماً من مكّة، بقوة السيف إذ لم تقبل جرهم بجوار خزاعة لها، وقد أنشد مُضاض بن عمرو الجرهمي في ذلك أشعاراً تفيض بالحسرة، وألم الجلاء عن الوطن(38) .

لقد اتخذ ارتحال الجماعات طابعاً عنيفاً تارةً، وسلمياً أخرى ؛ فالجماعة المرتحلة قد تجد مكاناً لا أنس فيه، فتستوطنه أو ترعى فيه، وقد تصطدم بجماعات مستقرّة، فيجاور أو يحالف المرتحلُ المستقرَّ، وقد تختلط جماعات مرتحلة إذ تلتقي على ماء أو مَرعى يتسع لها كلها، وبذلك أدى الارتحال إلى التواصل بين الجماعات المتباعدة، وغدا التقارب المكاني بين الجماعات المتباعدة نسباً سبباً في وجود انتماءات جديدة، تحدّ من غلواء العصبية للنسب، وتسهم في تطور الإنسان الجاهلي (39) .

ولكن الجانب العنيف من الارتحال يكاد لشدّة الخلافات والصراعات التي يثيرها أن يطغى على المظاهر الإيجابية التي يسببها الجانب السلمي منه. وقد أبرز الشعراء عنف الخلافات والصراعات التي نجمت عن ارتحال الجماعات بحثاً عن المراعي، والمواطن الصالحة للاستقرار ؛ فبنو عدي بن فزارة أنزلتهم سيوفهم ورماحهم في منازل غيرهم (40) :

فكمْ من دَارِ حَيٍّ قد أَباحَتْ

لِقوَمهمُ رماحُ بني عَدِيٍّ

فما إنْ كانَ عَنْ وُدٍّ ولكنْ

أَباحُوها بِضُمِّ السَّمْهَرِيِّ

وبالقتال أباح خارجة بن حصن الفزاري المراعي لقومه(41) :

أباحِ قِتَالُ خارِجَةَ بنِ حِصْنٍ

لأهْلِ الحَزْنِ مُنْقَطَعَ السَّحَابِ

فالجماعة القوية كلما وقع الغيث في بلد صارت إليه، وغلبت عليه أهله، ومن هؤلاء بنو تغلب ولقد وصفهم بذلك الأخنس بن شهاب التغلبي إذ قال (42)

ونحنُ أناسٌ لاحِجَازَ بِأَرْضِنا

مع الغَيْثِ ما نُلْفَى، ومَنْ هُوَ غَاِلبُ

إنهم يأخذون من الأرض ما يريدون، ويبقى الأذلاء مقيمين في مواضع مختصة بهم، فلا يجترئون على الانتجاع بعيداً عنها (43) :

أَرَى كلَّ قومٍ قَارَبُوا قَيْدَ فحْلِهمْ

ونحنُ خَلَعْنَا قَيْدَهُ فَهْوَ سَارِبُ

الأقوياء وحدهم ينتجعون، بل يجترئون على الابتعاد عن منازلهم، وعلى انتزاع المراعي والأماكن انتزاعاً من غيرهم، فقوم دريد بن الصّمة ينتجعونَ " الأقاصِيَّ انتجاعاً" (44) ، وقوم بشر دفعهم القحط إلى انتزاع مراعي نجد الخصبة من أهلها (45) ، ولسان حالهم يقول (46) :

نُحُلُّ مَخُوفَ كُلِّ حِمىً وثَغْرٍ

وَمَا بَلَدٌ نَليهِ بِمُستْباحِ

ومثلهم في ذلك بنو عامر (47) :

إذا نَزَلَ السَّحابُ بأرضِ قَوْمٍ

رَعَيْنَاهُ وإنْ كانوا غِضابا

إنّ أولئك البداةَ المرتحلين يعلنون اقتدارهم على النزول بكلّ مكان مخوف للانتجاع فيه يقول عمرو بن كلثوم:" وأنّا النازلون بكلِّ ثَغْرٍ "(48) ، ويقول عمرو بن شأس الأسدي " وإنّا النازلون بكلِّ ثغرٍ "(49) ، ويقول خداش بن زهير(50) :

وَقَدْ علمتْ قَيسُ بنُ عيلانَ أنَّنا

نَحُلُّ- إذ خافَ القبائلُ- بالثَّغْرِ

لكلّ شاعر أن يفخر باقتدار قومه على انتزاع المراعي والمواطن، وعلى الدفاع عن مواطنهم وحماية مراعيهم، ولكن الواقع غير ذلك، فالحروب سجال، وقد كثر اكتواء البداة خاصة بنيرانها، فأقاموا وارتحلوا مكرهين أذلاء تارة، ومنتصرين أعزاء أخرى، كان خير الأرض يدعو أصحابها إلى عدم الارتحال عنها، ويستدعي في الوقت ذاته، الأعداء إليها ولقد أحسن الحارث بن دوس الإياديّ بيان ذلك في قوله (51) :

قومٌ إذا نَبَتَ الربيعُ لَهُمْ

نَبتت عداوتُهُمْ مَعَ البَقْلِ

فالربيع يستدعي العداوات، إذ يقوى به الضعيف، ويتنمَّر القويّ، وتكثر المطامع، فالذين يرتحلون يتكالب عليهم الأعداء، ومن الشعر المعبر عن ذلك قول عوف بن عطية التيمي (52) :

ونَرْعى مارَعَيْنا بينَ عَبْسٍ

وَطَئيها وبينَ الحَيِّ بَكْرِ

وَكُلُّهُمُ عَدُوٌ غيرُ مُبْقٍ

حَدِيْثٌ قَرْحُهُ يَسْعَى بِوِتْرِ

والذين يقيمون عليهم أن يصبروا على مقارعة الأعداء الطامحين إلى انتزاع مراعي المقيمين، وفي ذلك يقول عمرو بن كلثوم(53) :

قِراعُ السُّيوف بالسيُّوفِ أَحَلَّنا

بِأَرْضٍ بَرَاحٍ ذي أَرَاكٍ وذي أَثْلِ

فلولا اقتدارُ تغلبَ على المجالدة لأقصوا عن تلك الأرض الواسعة، الغنية بالأراك والأثل. لقد كان الصراع على الأمكنة عنيفاً في الجاهلية، وجاء الإسلام والناس يقتتلون طمعاً في انتزاع الأماكن وامتلاكها، ففي أوّل الإسلام بنو جذيمة بن مالك بنني يربوع جَوَّ الملا)، وأقاموا فيه، ثم قال شاعرهم الخَنْجَر الجَذَمِيّ (54) :

وليس ليربوعًٍ وإنْ كَلِفَتْ به

مِنَ الجَوِّ إلاّ طَعْمُ صابٍ وَحَنْظَلُ

إنّ قرار القبائل واختصاص كلٍّ بمنازل محددة من الأسباب التي أجَّجت الصراعات الدامية بين من يمتلك المكان ومن يرغب بانتزاعه، ولقد غدا من الصعب انتزاع مكان من أهله، أو ارتياد مكان غير مأهول، وصالح للحياة في قلب الجزيرة العربية، ولذلك اتجهت الأنظار نحو تخوم الجزيرة وحدودها(55) ، حيث المقاومة هي الأضعف، والمراعي هي الأخصب. فما حدود جزيرة العرب؟ وماذا يراد بالتخوم التي ارتحل العرب إليه؟

***

6- تخوم الجزيرة والصراع حولها

إنّ أتمّ الروايات التي تحدّد جزيرة العرب تذكر أنها " سُميتْ جزيرة لإحاطة البحر بها، والأنهار من أقطارها وأطرارها أطرافها) وذلك أن الفرات أقبل من بلاد الروم، فظهر بناحِيَة قنسرين، ثم انحط عن الجزيرة، وهي ما بين الفرات ودجلة، وعن سواد العراق، حتّى دفع في البحر من ناحية البصرة والأُبُلّة، وامتدّ إلى عَبَّادان، وأخذ البحرُ من ذلك الموضع مغرِّبا، مُطيفاً ببلاد العرب، منعطفاً عليها، فَأَتى منها علتى سَفَوان وكاظمَةَ، ونفذ إلى القطيف وهَجَرَ وأسيافِ عُمان والشِّحْر، وسال منه عُنُقٌ إلى حضرموت، وناحية أبين وعَدَن ودَهْلَك، واستطال ذلك العُنُق فطعن في تهائم اليمن، بلاد حَكَمَ والأشعَريّين وعَكَّ، ومضى إلى جُدّة ساحل مكّة، وإلى الجار ساحل المدينة، وإلى ساحل تيماءَ وأَيْلَة، حتى بلغ إلى قُلْزُمِ مِصر، وخالط بلادها، وأقبل النّيل في غربيّ هذا العنق من أعلى بلاد السودان، مستطيلاً معارضاً للبحر، حتى دفع في بحر مصر والشام ثم أقبل ذلك البحر من مصر حتى بلغ بلاد فلسطين، ومر بِعسقلانَ وسواحلها، وأتى على صُورَ ساحلِ الأُردنّ، وعلى بيروتَ وذواتها من سواحل دمشقَ، ثم نفذ إلى سواحل حمصَ وسواحل قِنّسرينَ، حتى خالط الناحية التي أقبل منها الفرات، منحطاًّ من أطراف قِنّسرين والجزيرة إلى سَواد العراق. فصارت بلاد العرب من هذه الجزيرة التي نزلوها على خمسة أقسام: تهامة، والحجاز ونجد والعرُوض واليمن" (56) .

إن الرواية السابقة تُبَيّن الحدودَ الطبيعية للجزيرة العربية، وهي بحار بحر العرب والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، وأنهار النيل، والفرات، ودجلة)، وخليجٌ الخليج العربي)؛ وتبينّ أيضاً الحدود السياسية للجماعات العربية المقيمة في تلك الجزيرة، وذلك مفهوم من العبارة الأخيرة في تلك الحدود السياسية للجماعات العربية المقيمة في تلك الجزيرة، وذلك مفهوم من العبارة الأخيرة في تلك الرواية؛ فالعرب لم ينزلوا تهامة والحجاز ونجداً والعروض واليمن فحسب بل امتدّ وجودهم إلى الأقاصي الشمالية من الجزيرة العربية، كما سنبين لاحقاً، ولكنّ خمسة الأقسام المذكورة كانت تضمّ.

تجمعات عربية لقاح غير خاضعة لسلطة أجنبية) ومنها سكان مكة والطائف والمدينة وبواديها، أو شبه لقاح، إذ كانت تخضع للنفوذ الأجنبي تارة، وتستقلّ أخرى، ومن ذلك سكان اليمن والمناطق المطلّة على الخليج العربي، وقد تَنَبّه إلى ذلك الوضع السياسي للمكام الأصْمَعيّ إذ قال " جزيرة العرب ما لم يبلغه مُلْكُ فارس، من أَقصى عَدَن أبين إلى أطرار الشام، هذا هو الطول، والعرض من جُدَّةُ إلى ريفِ العراقِ" (57) . ومقولة الأصمعيّ تصبح أكثر دقة في التعبير عن الواقع السياسي الحدود السياسية) للعرب الجاهلين بقولنا: جزيرة العرب ما لم يبلغه مُلكُ فارس ولا ملك الروم. وأماّ الأمكنة التي نزلها الجاهليون فتكاد تشمل الجزيرة العربية بحدودها الطبيعية. ولقد أدى ارتحال الجماعات الصريحة في الجاهلية إلى رسم الحدود أحياناً وإلى التغلغل في التخوم التي تفصل بين العرب والدولتين المجاورتين : الفرس والروم.

لقد اتفق الإخباريون القدماء من العرب على أن الوجود العربي ابتداء في اليمن وتهامة ؛ فاليمن موطن العرب الصرحاء الجنوبين ومنها انطلقت الهجرات نحو الشمال، ولاسيما بعد خراب سدّ مأرب؛ وتهامة هي الموطن الأول لبني نزار بن معدّ، ومنها انطلقت هجرات حملت أكثر بني نزار نحو مناطق مختلفة من الجزيرة العربية. ولقد أسهمت هجرات أهل اليمن وأهل تهامة في رسم الحدود الشرقية المطلّة على الخليج العربي، فالمناطق الساحلية الشرقية كانت موطناً لأخلاط من الناس، أغلبهم غير صرحاء، وهذا ما جعل عالماً محققاً كالمرزوقي يقول عن قيس بن زهير العبسي الذي ارتحل بعد حرب داحس والغبراء إنه " ترك أرض العرب وارتحل إلى عُمَان" (58) . ولعلّ رغد العيش في المناطق المطلّة على الخليج العربي وضعف مقاومة سكانها للوافدين إليها شجع كثيراً من الصرحاء على الارتحال نحو تلك المناطق ؛ فقد ارتحلت فرقة من الأزد فنزلت عُمان (59) ، وكذلك بطون من جَرْم (60) .

وارتحلت إياد من تهامة فنزلت البحرين وهَجَر، ونزلها معهم بعض الأزد، ثم لحقت بهم قبائل ربيعة، وأجلتهم عن تلك المنازل، وأقامت مكانهم (61) .

وقد لقي الوجود العربي في تلك المناطق تهديداً خارجياً تمثل بحرص الفرس على فرض سيطرتهم على تلك المناطق، وعلى إخضاع أهلها (62) ، بل لقي العرب هناك تهديداً من الهند أيضاً، وقد ذكر ذلك صراحة الأخنس بن شهاب التغلبي في قوله(63) :

لُكَيْزٌ لها البَحْرانِ والسِّيْفُ كُلُّهُ

وإنْ يأتها بأسٌ من الهِنْدِ كارِبُ

فلكيز، وهي بطن من عبد القيس، امتلكت أماكن من السواحل الشرقية للجزيرة العربية على الرغم من الأخطار التي كانت تصل إليها من الهند.

ولقد جاء الإسلام وكان الغالبين على عُمانَ الأزدُ. وكان بها من غيرهم بشر كثير في البوادي (64) ، وكان في بادية البحرين خلق كثير من عبد القيس وبكر بن وائل وتميم (65) ؛ فالارتحال أدى إلى تملك العرب لتلك الأماكن التي كانت مأهولة بأخلاط من الناس، فغدت أكثرية سكانها عرباً صرحاء، وغير صرحاء، وأصبحت شواطئ الخليج العربي مؤهلة لأنْ تكون حدوداً بعد أن كانت تخوماً تفصل بين العرب والفرس الحريصين على استيطان تلك المناطق ومدّ نفوذهم إليها.

وأما تغلغل العرب في التخوم فكان واضحاً، وحسبنا أن نشير هاهنا إلى وجود دولتين عربيتين أقيمتا لتشكلا تخوماً تفصل بين العرب من جهة، والفرس والروم من جهة ثانية، ولتفصلا أيضاً بين الفرس والروم من جهة ثانية، ولتفصلا أيضاً بين الفرس والروم. ولكن المرتحلين استطاعوا أن يتخطوا نفوذ المناذرة والغساسنة لتغدو الأماكن التي يحكمها المناذرة والغساسنة عربية تخضع لنفوذ أجنبي، ومن ثم ظهرت تخوم جديدة حلت فيها القبائل المرتحلة في الجاهلية، ومن الأخبار الدالة على ذ لك أن بطونا من قضاعة ساروا إلى أطراف الجزيرة مابين الفرات ودجلة) وخالطوا قراها، وكثروا بها، وغلبوا على طائفة منها، فاصطدموا مع الفرس في معركة هُزم فيها الأعاجم، فقال جُدَيّ بن الدِّلهاث القضاعي (66) :

صففنا للأعاجمِ من مَعَدٍّ

صُفُوفاً بالجزيرة كالسَّعيرِ

لَقِنَاهُمْ بجمعٍ من عِلافٍ

تَرَادى بالصَّلادِمّة الذُّكُورِ

فلاقت فارسٌ منهمْ نَكالاً

وقاتَلْنا هَرَابِذَ شَهْرَزُورِ

وإلى سواد العراق ارتحلت إياد وفي ذلك يقول أبو دوُاد الإيادي(67) :

وأسهلنا، وسَهْلُ الأَرْضِ يُخْشَى

بِجُرْدِ الخَيْلِ مُشْنَقَةَ القِيادِ

فنازّعْنا بني الأَحرارِ حَتَّى

عَلَفْنا الخَيْلَ مِنْ خِضِرِ السَّوادِ

وأوغل بعض الصرحاء في الارتحال فوصلوا إلى أعالي الجزيرة، إلى رأس العين في أقصى الشمال الشرقي من حدود بلاد الشام، فإلى رأس العين وصل بعض بني تميم وبني بكر بن وائل، وكانت بينهما وقعة قُتل فيها فارس بكرٍ، معاوية بن فراس، فقال شاعر تميمِيّ(68) :

هُمُ قَتَلُوا عميدَ بني فراسٍ

برأسِ العَيْنِ في الحِجَجِ الخَوالي

لقد كان المرتحلون إلى ريف العراق من العرب ناساً " يحدثون في قومهم الأحداث أو تضيق بهم المعيشة" (69) . ومن الذين ضاقت بهم المعيشة جماعة من قبائل العرب، اجتمعت بالبحرين، وتحالفت على التُّنُوخ، وهو المقام، وتعاقدوا على التوازر والتناصر فصاروا يداً على الناس، وضمهم اسم تنوخ؛ فهؤلاء طمعوا في غلبة الأعاجم على مايلي بلاد العرب من ريف العراق، فاستغلوا ضعف السلطة الفارسية ونزلوا الحيرة والأنبار(70) .

ولكن الفرس لم يرضهم ارتحال العرب إلى العراق، فكانوا يتحيَّنُون الفرص لطردهم أو لترويضهم وإخضاعهم، فأخرجوا قضاعة وإياد من العراق إلى الشام (71) ، وقيل إن بعض تنوخ، وأصلهم من قضاعة كرهوا الخضوع للملك الفارسيّ، فلحقوا بمن بالشام من قضاعة (72) ، وكانت الحروب بين القبائل والفرس سجالاً؛ فقد مرّ بنا افتخار جُدَيّ بن الدّلهاث بانتصار قضاعة على جموع أعجمية، وانتصرت إياد على أعاجم كسرى بشاطئ الفرات الغربي (73) ، وقاتل عامل كسرى على السواد بني بكر بن وائل حين نزلوا ذي قار، وهو موضع متاخم لسواد العراق، في سنة قحط، فانهزم عامل كسرى، وسميت تلك الوقعة يوم ذي قار الأول(74) . تلك صور من الصراع بين العرب والفرس على امتلاك المراعي الخصبة في سواد العراق، ولقد استخدم الفرس أقْسَى مظاهر البطش والتنكيل بالعرب (75) ، ثم أدرك سابور الثاني، ذو الأكتاف صعوبة الاستمرار في سياسة البطش بالعرب وخطورة هرب بعضهم إلى الشام، وانضمامهم إلى صفوف الروم أعداء الفرس، فهادن العرب، وحالف المناذرة ضد الروم (76) ، ومن أجل حماية حدود مملكته من غارات القبائل العربية.

ولكن هذه التدابير لم تمنع الارتحال إلى العراق، ولعلّ خير دليل على ذلك أن كسرى أنو شروان " بلغه أن طوائف من الأعراب يغيرون على ما قرب من السواد إلى البادية فأمر ... بحفر خندق من هيت يشقُّ طَفَّ البادية إلى كاظمة مما يلي البصرة، وينفذ إلى البحر، وبنى عليه المناظر والجواسق ونظمه بالمسالح ليكون ذلك مانعاً لأهل البادية من السواد " (77) . لقد رسم كسرى بذلك الحدود السياسية بين دولته والعرب، ولكن وجود العرب في العراق كان اقوى من سلطان كسرى، وكان ممهداً موضوعياً للفتوح وللتوحيد في ظلّ دولة الخلافة الراشدة(78) .

وكان وجود الصرحاء في بلاد الشام لايقل أهمية عن وجوهم في العراق؛ فقد ارتحلت الجماعات الصريحة إلى الشام فراراً من البطش والظلم، ورغبة في الحلول بأراضٍ خصبة، تقدم للمرتحلين سبل الحياة الرغدة؛ فالشام، في شعر عمرو بن كلثوم، أرض فيها حمىً وحَبٌ، وفيها يعيش الفقراء (79) ، وأمّا الحجاز فإنه في شعر حسان بن ثابت المرتحل إلى الشام لمدح الغساسنة- رضيعُ الجوع والبؤس(80) ومن الملاحظ أن وجود الصرحاء في الشام لم يلق معارضة شديدة كالتي لقيها في العراق، بل كان الشام ملاذ القبائل الهاربة من بطش كسرى في العراق، ومنها إياد وقضاعة، ويمكن إرجاع ذلك إلى سببين الأول: أن بوادي ال شام كانت تتسع للقادمين الجدد؛ والثاني: أن الروم وجدوا في القادمين إلى الشام حلفاء لهم ضد الفرس، وأنّ الغساسنة نجحوا في تأليفهم، ولعلّ ذلك مّما يفسرّ إعراض عرب الشام عن غزو المدن والقرى الشامية فأخبارهم الجاهلية تؤيد ذلك بخلاف أخبار إخوانهم في العراق.

والأشعار الدالة على ارتحال الجماعات الصريحة إلى الشام وافرة، ومنها قول سلامة بن جندل يفخر بإجلاء ربيعة(81) :

سُقْنا ربيعةَ نحو الشامِ كارهةً

سَوْقَ البِكارِ عَلَى رَغْمٍ وتأنيبِ

وقول النابغة الجعدي في نزول قضاعة الشام (82) :

وقد آنَسَتْ مِنّا قَضاعَةُ كالِئاً

فَأَضْحَوا بِبُصْرَى يَعْصِرُونَ الصَّنَوْبَرا

تدل الأخبار على تغلغل الصرحاء في أرجاء الشام، ولاسيما في الحواضر القريبة من المدن، وفي البوادي؛ فقد مرّ خالد بن الوليد في أثناء الارتحال بجيشه من العراق إلى الشام بكثير من العرب الصرحاء في بادية الشام (83) ، وأنزل أبو عبيدة بن الجراح ببالس عَرَباً من قيس نزعوا إليه من البوادي، ولم يكونوا من بعوث الفتح (84) ، وكانت منازل الغساسنة في الجولان وحوران وفي المدن والقرى المحيطة بدمشق(85) ، وكان حاضر قِنّسرين لتنوخ، نزلوه وهم في خيم الشعر، ثم ابتنوا فيه المنازل، وكان فيه أيضاً قوم من طيّئ، وقد اسلم بعض أهل حاضر قِنّسرين على يد أبي عبيدة، واقام بعضهم الآخر على النصرانية(86) ، وكذلك الحال في حاضر حلب؛ فقد وجد فيه أبو عبيدة عَرَباً من تنوخ وغيرهم(87) ، وفي حاضر الرقة؛ فقد وجد فيه عياض بن غنم عربا مقيمين فيه (88) ، ووُجدَ في جبل الجليل، في أيام أبي بكر رض) عرب من أَراشة من بَلِيّ(89) ، وحين فتح معاوية قَيْسَارية وجد بها خلقاً من العرب(90) .

ونزل العرب "طور سيناء، حتى بلغوا ضفاف النيل الشرقية، وهي أرضون أدخلها الكتبة القدامى من يونان ولاتين وعبرانيين وسريان في جملة مساكن العرب، ودعوها بـ العربية) وبـ بلاد العرب) لأن أغلب سكانها كانوا من العرب" (91) ، ولقد جاء في أخبار الجاهليين ما يدل على ارتحال بعض الصرحاء في الجاهلية إلى مصر؛ فقد ارتحل بنو حَوْتَكَة من قضاعة إلى مصر، وفي ارتحال حوتكة وتفرّقها يقول زهير بن جَنَب الكلبي مظهراً تضامنه معهم، واستياءه من الذين أكرهوهم على الارتحال (92) :

أَحَوْتكةُ بنَ أَسْلَمَ إنَّ قوماً

عَنَوكُمْ بالمساءة قد عَنَوني

وثمة دلالة مهمة في خبر ارتحال بني حوتكة إلى مصر؛ فقد جاء فيه:" وسارت حوتكة بعد إلى مصر... ويُقال إنّ الذين بمصر عامتهم أنباط" (93) ؛ فالإشارة إلى تحول الصرحاء إلى أنباط تدل على أهمية البعد المكاني عن الأصول، وعلى أهمية العامل الاقتصادي في ضياع الأنساب الصريحة، وتفتح أمام الباحث مجالاً للقول بأن الجزيرة العربية بحدودها الطبيعية قد ضمت عرباً مجهولين إضافة إلى العرب الصرحاء الذين وصلت إلينا أخبارهم، وأن أولئك المجهولين منهم أنباط يعملون بالزراعة، ومنهم مهنيون يقيمون في المدن(94) ؛ فالأخبار التي وصلت إلينا تشير إلى حركة الارتحال والاستيطان ولكنها لاتستوعب تلك الحركة، ولاتظهر أثر الاستيطان في العراق والشام ومصر على لغة المرتحلين وعلى عاداتهم وتقاليدهم.

لقدجاء الاسلام والجزيرة العربية بحدودها الطبيعية مأهولة بالعرب(95) ؛ وأعني بهم العرب الصرحاء الذين تعارف " العلماء الإسلاميون على اعتبارهم عَرَباً،... والعرب المجهولين الذين لم يمنحوا هذه الشهادة بل حرموا منها، ونصّ على إخراجهم من العرب كالنبط... والعرب المجهولين كلّ الجهل الذين لم يكن للمسلمين علم ما بهم، ولم يكن لهم علم حتّى بأسمائهم" (96) . وهؤلاء النبط وغيرهم من العرب المجهولين الذين استوطنوا العراق والشام ومصر وسواحل الخليج العربي واليمن كانت لغاتهم بل لهجاتهم قريبة من الفصحى لغة الصرحاء، وقد تنبّه إلى التقارب اللغوي بين العرب الصرحاء وغير الصرحاء بعضُ القدماء؛ ففي حديث ياقوت الحموي عن كنعان) جاء:" قال ابن الكلبي:... الشام منازل الكنعانيين، وأمّا الأزهري فقال: كنعان بن سام بن نوح إليه ينسب الكنعانيون، وكانوا يتكلمون بلغة تضارع العربية" (97) . ولعلّ الكنعانيين، وأمثالهم مِمّن يتكلمون لغة تضارع العربية هم من العرب العاربة وهم عرب قدماء، وجدوا " قبل إسماعيل، ومنهم عاد وثمود وطسم وجديس وأُميم وجرهم والعماليق، وأُمَم آخرون لايعلمهم إلا الله "(98) ، ومنهم بنو ثابر، وهم "حّيّ من العاربة الأولى" (99) .

إن الظرف التاريخي الذي عاش فيه الجاهليون لايسمح لهم بأن يدركوا غير ما تعيه ذاكرتهم عن العرب وأرضهم ؛ فالأرض العربية بالنسبة إليهم تعني المكان الذي يعيش فيه العربي الصريح، ومن بحكمه من الملحقين بالصرحاء، متحرراً من القبضة الأجنبية، وكان الشعراء الجاهليون خاضعين لذلك الظرف التاريخيّ، وبذلك نفسرّ نعت بعض الشعراء أرض العراق بأنها أرض فارس)(100) ، وبلادَ الشام بأنها أرض الروم)101). ولكن عجز الجاهليين، ومنهم الشعراء، عن إدراك عروبة الشام والعراق ومصر لاينفي وجودها الموضوعي. وقد جاءت أحداث الفتوح الإسلامية لتؤكد عروبة تلك المناطق؛ فقد أسهم سكانها في تيسير الفتح وإجلاء الفرس والروم؛ وبذلك قطف العرب ثمرة الهجرات المتلاحقة إلى تلك البلاد، وظهر جَليَّا دور الصرحاء من المرتحلين بخاصة في إتمام فتح الشام والعراق وتثبيت عروبتهما.

لقد تبين لنا أن الارتحال يضاد الاستقرار، ولكنه لايتقضه؛ فارتحال كثير من الأفراد والجماعات كان مؤقتاً وتعبيراً غير مباشر من ارتباطهم الشديد بالمواطن المرتحل عنها، ولقد أسهم الجانب السلمِيّ من الارتحال بالتواصل بين الجماعات الإنسانية المتباعدة نسباً، وباستيطان مناطق غير مأهولة أو شبه مأهولة؛ فتوفر بذلك الأساس الموضوعي لازدياد انتماء الإنسان الجاهلي إلى المكان وسكانه شمولاً 102). وعلى الرغم من المظاهر السلبية لارتحال الجمعات المقترن بالحروب والصراعات الدامية فإن ذلك الارتحال أسهم في مقاومة الوجود الأجنبي الدخيل في العراق والشام ومصر، ورفد سكان تلك البلاد بجماعات سكانية صريحة، اندمج بعضها بسكان البلاد، وحافظ بعضها الآخر على الوجود المتميز بوحدة الأصل النسبي الصريح، وبذلك تَرَسّخ الوجود العربي في تلك البلاد، ورُسمت الحدود والتخوم المميزة لذلك الوجود، واللازمة لولادة وطن عربي موحد في ظل سلطة مركزية، تقود سكان ذلك الوطن، وتسوسهم.

لقد عرفنا الخطوط الرئيسة لمظاهر الاستقرار والارتحال، ورأينا أهميتهما في التخفيف من غلواء التعصب للنسب الأبوي، وفي ولادة انتماءات جديدة، ذكرنا منها الانتماء إلى المكان بصفته مدى جغرافياً؛ فالإنسان يرتبط بمداه الجغرافي ارتباطاً عضوياً، فيتولد لديه انتماء أصيل وعميق إلى ذلك المدى يدفعه إلى تطويره بطرق مختلفة تدعم الظروف الملائمة لاستقرار السكان وتطورهم.

ولقد أفضى انتماء العرب الصرحاء ومن بحكمهم إلى المدى الجغرافي العربي إلى تنوع عقليتهم وتفكيرهم. وفيما يلي تتبع للأشعار الدالة على ذلك التنو.

(1) -انظر شرح ديوان لبيد المقدمة ص11، والديوان ص 278.

(2) - المصدر السابق ص 23.

(3) -انظر القصيدة رقم42) من المصدر السابق ص 278- 286، والنقائض ص535.

(4) -ديوان بشر ص205. وفي البيت الثاني إقواء. وأمّا جذام فعنه يقول أبو عبيدة: جذام أكبر من أسد بن خزيمة وأقدم، وادعا بني أسد إياهم باطل. وقال الأخفش: جذام: ابن أسدٍ انظر شرح اختيارات المفضل 3/ 1411). ولكن شعر بشر يوحي بأن جذام من بني خزيمة ولذا يصحّ أن يكون أخاً لأسدٍ من ابناء عمومة بني اسد انظر البيتين 18 و19 من ديوان بشر ص 206).

(5) -ديوان بسر ص 72. وغاروا: أتو ا الغور.

(6) -المصدر السابق ص206.

(7) -شرح اختيارات المفضل 3/1413.

(8) - انظر القصيدة رقم 15) من ديوان قيس ص 179-187.

(9) -انظر النقائض 1/98-99، وديوان النابغة ص 214.

(10) - شرح ديوان عنترة ص 106. ولمزيد من أخبار البطون التي أكرهتها الخلافات مع الأقارب على الارتحال انظر أمالي القالي 1/72-74، ومعجم مااستعجم 2/661.

(11) - شرح اختيارات المفضل 2/972-973. والتآدي : التمكّن، وأخذ آلات الغزو. والتآدي: القوة أيضاً.

(12) - ديوان الخرنق ص52. والذام: العيب.

(13) -دييوان عمرو بن كلثوم ص 40. وأريك: جبل. وكنفاه: جانباه. والنقاب: الطريق في الغلط، يكون جمعاً وواحداً. والعُرُض: الجانب.

(14) -المصدر السابق 57.

(15) -المصدر السابق ص55-56.

(16) -شعر زهير ص 33.

(17) - المصدر السابق ص 30. وتُقوي: تخلو وتقفر. وبسل: حرام. وقد كثر في المقدمات الطَّلّلية ذكر ارتحال المرأة، والجاهلية ترحل مع قومها، من مكان إلأى آخر. انظر شعر النمر ص 81-82، وديوان النابغة ص 42-44، وشرح ديوان لبيد ص 232.

(18) -انظر شعر عمرو بن معد يكرب ص57، وشرح أشعار الهذليين 1/266.

(19) - انظر شعر زهير ص 20، وديوان عمرو بن كلثوم ص 65.

(20) -شرح ديوان لبيد ص 232. وانظر ديوان النابغة ص 42، وديوان الشنفرى ص 38، وشرح ديوان الأعشى ص 158، وديوان عمرو بن قميئة ص 168، وقصائد جاهلية نادرة ص155، وشرح ديوان كعب ص 191، ومعجم مااستعجم 2/442.

(21) -شعر زهير ص 100. وانظر شعر عمرو بن شأس ص 104.

(22) -انظر شرح أشعار الهذليين 1/266-268.

(23) - شعر زهير ص9-10.

(24) -معجم البلدان "حَجْرٌ). والأنيس الذين بادوا هم: طَسْم وجديس. والشيِّد: كلّ ماطُلي به الحائط من جصّ ونحوه. والعرض: وادي اليمامة. وانظر معجم مااستعجم 1/83-85.

(25) -معجم البلدان: أجأ). وظريب: اسم الموضع الذي كانت تنزله طيئ قبل أجأ وسلمى. وانظر الأغاني 11/171، ومعجم مااستعجم 3/ 890. ويشبه ذلك نزول جهينة في جبالها انظر معجم مااستعجم 1/35-38)، ونزول الأكيدر الكندي وأخوته وأهله دومة الجندل انظر فتوح البلدان ص 84-85).

(26) -كان الأذلاء لا الأقوياء يرتضون الارتحال والنزول في الأراضي غير الصالحة للرعي. انظر ديوان شعر الحادرة ص 84-85.

(27) - دراسات في الأدب العربي ص 352. وذكر البكري شعر أبي دؤاد للاستشهاد به على ارتياد العرب للحيرة ونزولهم بهاانظر معجم مااستعجم 2/279).

(28) انظر معجم البلدان : مأرب ). ولحسان بن ثابت ديوانه ص 386) قصيدة يؤكد فيها نزول خزاعة بمكة، ومسير الأوس والخزرج إلى المدينة وغسان إلى الشام.

(29) -معجم ما استعجم 1/ 79. وقد أقامت ربيعة في ظواهر نجد والحجاز وأطراف تهامة، ثم تفرقت ثانية بعد مقتل كليب المصدر اتلسابق 1/85). وثمة شعر لبشر بن أبي خازم ديوانه ص 209) وآخر لأوس بن حجر ديوانه ص 31) في كلّ منهما إقرار بأن الكثرة أدّت إلى تفرّق القبيلة، وتعدد منازلها.

(30) -انظر معجم ما استعجم 1/67-69. وجاء فيه 1/41) أيضاً خبر مشابه عن تفرّق بطون جرم ونهد ومنه: " كثرت بطون جرم ونهد بها بالسَّراة) وفصائلهم، فتلاحقوا، فاقتتلوا، وتفرقوا، وتشتت أمرهم". وفي الخبر شعر لخالد بن الصَّقعَب النهدي يذكر فيه تفرَق جرم ونهد.

(31) -انظر المصدر السابق 1/ 19-21.

(32) - انظر شعراً لمهلهل في ذلك في العقد الفريد 5/ 216.

(33) - من شعر لذي الإصبع العدواني " ديوانه ص 56).

(34) -من شعر للمتلمس الضبعيّ ديوان شعره ص 161).

(35) - للمزيد من الأخبار والأشعار الدالة على ذلك انظر مقدمة معجم ما استعجم، وديوان بشر ص 19، 67،71،291، وديوان سلامة ص 228-229 وديوان عامر ص46، وشعر عمر بن شأس ص47 وشعر النابغة الجعدي ص 53، والأغاني 19/20-21 ومعجم البلدان: بارق، وعَثْر، وأجياد، وحَلْيَة) وديوان أوس ص 80، والعقد الفريد 5/ 201.

(36) -حين قارب عمرو بن عامر الأزذي مكة أرسل إلى جرهم ابنه، فقال لهم: ياقوم إنّا قد خرجنا من بلادنا اليمن) فلم ننزل بلدة إلا أَفسَحَ أهلها لنا، وتزحزحوا عنّا، فنقيم معهم، حتى نرسل روّاداً، فيرتادوا لنا بلداً يحملنا، فافسحوا لنا في بلادكم حتى نقيم قدر ما نستريح، ونرسل روادنا إلى الشأم وإلأى الشرق، فحيثما بلغنا أنه أمثل لحقنا به، وأرجو أن يكون مقامنا معكم سيراً فأبت ذلك جرهم إباءً شديداً" فحارب عمرو جرهما، فنزلت مكانهم خزاعة انظر الأغاني 15/14-15).

(37) - معجم ما استعجم 1/21.

(38) -انظر الأغاني 15/ 17-18.

(39) - سنرى ذلك مفصّلاً في الفصل الرابع من هذه الرسالة. ومن مظاهر الارتحال الجماعي التي تدل على تطور الإنسان الجاهلي أن الارتحال كان منظماً؛ فالجماعة الممرتحلة كانت تقدّم السَّلف الرواد) على الخيل لينفضوا الطريق، ويصلحوه حتى تأتي الظعن، وليبحثوا عن المكان المناسب للحلول والرعي فيه. انظر شرح اختيارات المفضل 1/539، وديوان الخنساء ص 185، وشرح ديوان الأعشى ص 119. وقد تسلك الطرق الوعرة بعد التشاور للإسراع بالوصول إلى المياه.

انظر شعر زهير ص 74-76.

(40) -ديوان الحطيئة ص 180. والسمهريّ: القنا الصلب.

(41) - المصدر السابق ص 257. ومنقطع السحاب : حيث مطر السحاب ثم انقطع.

(42) - شرح اختيارات المفضل 2/933. ومن هو غالب : أراد ومن هو غالب كذلك.

(43) -المصدر السابق 2/938. والسارب: السارحٍ. وانظر المعاني الكبير 1/551. وقد هجيت بعض القبائل بأنها لاتجرؤ على الانتجاع بعيداً عن بلادها. انظر ديوان عامر ص 89-90.

(44) -ديوان دريد ص 92.

(45) -ديوان بشر ص 73.

(46) -المصدر السابق ص 44.

(47) -أشعار العامريين الجاهلين ص 54. وكانت بعض القبائل لاتنتجع إلا إذا أجديت جدياً شديداً انظر معجم البلدان : الأشافي).

(48) - ديوان عمرو بن كلثوم ص 97.

(49) - شعر عمرو بن شأس ص 64.

(50) -أشعار العامريين الجاهلين ص 35.

(51) -المعاني الكبير 2/895.

(52) -شرح اختيارات المفضل 3/ 1378. وحديث قرحة: أصبناه بجراحة قريباً.

(53) -ديوان عمرو بن كلثوم ص 64.

(54) -معجم البلدان : الجَوّ). والصاب : شجر له عصارة بالغة المرارة. وكذلك انتزع بنوبكر بن وائل في عهد الرسول ص)، وقبل أن يسلموا الشَّيِّطين من بني تميم. ولبعض بني بكر شعر في ذلك. انظر النقائض 2/ 1020-1022، ومعجم ما استعجم 4/ 1156-1157.

(55) 0التخوم منطقة جغرافية تضم موارد طبيعية واقتصادية وبشرية، وهي مناطق انتقال بين الأقاليم الجغرافية أيضاً، وفيها تتعدد اللهجات أو اللغات، وقد يتعدد ولاء السكان أيضاً، ,أما الحدود فهي خطوط تدلّ على وضع قانوني وسياسي. انظر الدين- محمد محمود إبراهيم 1976، الجغرافيا السياسية، الطبعة الثانية، مكتبة الانجلو المصرية، ص 236-237.

(56) -معجم ما استعجم 1/6-7 وللمزيد من الأقوال في تحديد جزيرة العرب وأقسامها انظر المصدر السابق 1/5-17، ومعجم البلدان جزيرة العرب).

(57) -معجم ما استعجم 1/6.

(58) -ذكر المرزوقي ذلك مرّتين: الأولى في شرحه أبيات لبشر بن أبيّ العبسي، والثانية في شرحه أبيات للربيع بن زياد العبسي. انظر شرح ديوان الحماسة 1/ 450-452 و2/ 484-485.

(59) -انظر معجم البلدان مأرب).

(60) -انظر معجم ما استعجم 1/46-49، وفيه شعر لعديّ بن وقّاع الأزديّ في نزول جرم عُمانَ.

(61) - انظر الممصدر السابق 1/ 80-81.

(62) -انظر مثلاً تاريخ الطبري 2/ 57. وقد جاء الإسلام وللفرس نفوذ هناك. انظر فتوح البلدان ص 106-111.

(63) -شرح اختيارات المفضل 2/ 928. وكارب : شديد.

(64) - انظر فتوح البلدان ص 103.

(65) -انظر المصدر السابق ص 106.

(66) - معجم البلدان: جزيرة أَقُور). وعلاف: إليه يرجع بنو عوف وبنو جرم من قضاعة.

والصلادمة: الخيل القوية الشديدة. وهرَابذ: جمع هِرْبذ. وهو خادم نار المجوس.

وشهر زور: مدينة في العراق. وانظر تاريخ الطبري 2/47-48.

(67) -دراسات في الأدب العربي ص 310. ومشنقة : مزمومة في حال استعداد.

(68) -معجم البلدان:رأس العين).

(69) -تاريخ الطبري 2/ 42-43.

(70) - انظر المصدر السابق 1/ 610-612.

(71) -انظر الأغاني 22/ 360، وتاريخ الطبري 2/ 24، ومعج البلدان : جزيرة أقور).

(72) -انظر تاريخ الطبري 2/42.

(73) 0 انظر معجم ما استعجم 2/ 573.

(74) -انظر تاريخ الطبري 2/57.

(75) -انظر معجم ما استعجم 3/ 1043.

(76) - انظر تاريخ العرب القديم ص 155-156.

(77) - معجم البلدان : الخندق).

(78) -ذكر جواد علي المفصل في تاريخ العرب 1/ 143) أن العرب " سكنوا في العراق من ضفة نهر الفرات الغربية حتى بلغوا أطراف الشام". ولكن الأخبار الجاهلية تدل على أن العرب قد امتدّ وجودهم أكثر من ذلك في العراق، فقد جاء الإسلام وبكر بن وائل في سواد العراق انظر النقائض 2// 1020-1021)، بل كانت ربيعة تنزل الجزيرة مابين دجلة والفرات)، وقد سُميت لذلك ديار ربيعة. وجاء في معجم البلدان ديار ربيعة): "وهذا اسم لهذه البلاد قديم، كانت العرب تحلّه قبل الإسلام في بواديه". وانظر معجم ما استعجم 2/ 568. وفي أثناء مسير خالد بن الوليد من العراق إلى الشام لقي في طريقه عرباً من قبائل مختلفة. انظر فتوح البلدان ص 152-154، ومن يتتبع أخبار فتح العراق يقف على أخبار كثيرة عن عرب العراق. انظر فتوح البلدان ص 250،347.

(79) -انظر ديوان عمرو بن كلثوم ص 52.

(80) -انظر ديوان حسان ص 270.

(81) -ديوان سلامة ص 228. البكار :جمع مفردة البكر، وهو الفتيّ من الإبل.

(82) -شعر النابغة الجعدي ص 53. ويعصرون: يستغلون. وانظر ديوان بشر ص 291 ومعجم ما استعجم 1/ 20-21.

(83) -انظر فتوح البلدان ص 152-154.

(84) -انظر المصدر السابق ص 205.

(85) -انظر ديوان حسان ص 192. وفيه يذكر أن الغساسنة ملكوا من جبل الثلج إلى جانبي أَيْلَةَ.

(86) -انظر فتوح البلدان ص 197-198.

(87) -انظر المصدر السابق ص 198.

(88) -انظر المصدر السابق ص 237.

(89) -انظر المصدر السابق ص346.

(90) -انظر المصدر السابق ص 192-193 وقيسارية من فلسطين. وفي معجم ما استعجم 1/ 23 خبر عن ارتحال بني سُليم من قضاعة إلى فلسطين، ونزولهم على بني أذينة من عاملة.

(91) -المفصل في تاريخ العرب 1/ 143. وذكر ياقوت الحموي أن أهل العريش من جُذَام. انظر معجم البلدان : عريش).

(92) - معجم ما استعجم 1/ 39. وعَنَوكم: قهروكم، وأذلُّوكم

(93) -المصدر السابق 1/40.

(94) -جاء في تاريخ الطبري 1/611:" وكان يقال لعاد إرم، فلما هلكت قيل لثمود إرم، ثم سُمُّوا الأرمانيين؛ وهم بقايا إرمَ، وهم نَبَط السواد" ومن المحتمل وجود اعتقاد عند بعض الجاهليين بأن الإرميين من العرب، ويدل على ذلك قول أبي مُقَرّر حين فتح خالد بن الوليد الثَّنَي): "فلم نترك بها إرماً وعجماً" فأخرج بذلك إرماً من جنس الأعاجم. انظر شعر أبي مُقَرّر في معجم البلدان :" الثَّنِيّ".

(95) -ثمة أخبارر توحي بوصول العرب قبل الإسلام إلى الشمال الإفريقي كادعاء البربر أنهم عرب انظر فتوح البلدان ص 315)، وكأسطورة غزو إفريقس الحميري لبلاد المغرب في الجاهلية. انظر معجم البلدان: إفريقية)، وفتوح البلدان ص 321).

(96) -المفصل في تاريخ 1/34.

(97) -معجم البلدان: كنعان). وجاء في مادة حلب) منه قول لياقوت الحموي يدل على إدراك القدماء للتقارب اللغوي؛ فقد ذكر أن كثيراً من كلام العبرانيين والسريان " يشبه كلام العرب -يريد لغتهم الفصحى - لايفارقه إلا بعجمة يسيرة كقولهم كَهَنّم في جَهَنّم".

(98) -ابن كثير- إسماعيل،1971-1976م، السيرة النبوية، تحقيق مصطفى عبد الواحد، دار المعرفة بيروت1/3.

(99) -معجم ما استعجم 1/58. وقد أجلى قَسْر بن عبقر بن أنمار بني ثابر عن منازلهم.

(100) -انظر شرح ديوان الحماسة 1/352.

101) -انظر ديوان حسان ص 385.

102) - كانت الجماعات المرتحلة تحنّ إلى موطنها الأول؛ فبنوا إياد المقيمون بالعراق كانوا يشعرون بالحنين إلى تهامة وهذا يعني إحساسهم بالارتباط بذلك المكان وبأهله. انظر بعض الأشعار الدالّة على ذلك في دراسات في الأدب العربي ص 316-317-321، ومعجم البلدان: عَثْرٌ)، ومعجم ما استعجم 1/ 76. وفي المقابل كان المرتحل عنهم يذكرون الراحلين بنحو ذلك. انظر بعض الأشعار الدالة على ذلك في معجم ما استعجم 1/ 20-21،39،41،48.

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244