الانتماء في الشعر الجاهلي -د.فاروق أحمد اسليم

دراســــــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:28 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

3- عقلان ومديان

1- البوادي

من ينظر إلى المدى الجغرافي العربي الجزيرة العربية بحدودها الطبيعية) يلاحظ تنوّعه ؛ ففيه صحارى وسواحل وجبال وأرياف وبوادٍ، تنشر فيها المدن والقرى. وقد أدرك الجاهلي وجود نمطين رئيسين من المدى الجغرافي الذي عاش فيه الجاهليون، هما : البوادي والقرى.

يقول حسان بن ثابت في غزوة الخندق الأحزاب) (1) :

واشْكِ الهُمُومَ إلى الإلهِ وما ترى

من مَعْشَرٍ مَتَأَلِّبِينَ غِضَابِ

أَمُّوا بغزوهم الرسولَ وَأَلَّبُوا

أَهْلَ القُرَى وبَوادِيِ الأَعرابِ

جيشٌ عُيَيْنَةُ وابنُ حَرْبٍ فيهمُ

مُتَخَمِّطِينَ بِحَلبَةِ الأَحْزَابِ

فالمشركون في غزوة الأحزاب فيهم قرشيون، وهم من أهل القرى، وقائدهم أبو سفيان بن حرب وفيهم غطفانيون، وهم من أهل البوادي، وقائدهم عُيينة بن حصن الفزاري(2) . وقد يطلق على أهل القرى الأمصار يقول عامر بن الطفيل(3) :

وَنَعُدُّ أياماً لنا ومَآثِراً

قِدْماً نَبُذُّ البَدْوَ والأمْصَار

والفارق الرئيس بين أهل القرى وأهل البوادي هو الفارق بين القرار والارتحال ؛ فأهل القرى يجدون كفايتهم غالباً في قراهم، وأهل البوادي يضطرون غالباً إلى تتبع المراعي. ولقد أجمل ذلك الحارث ابن ظالم المريّ الغطفاني إذ أظهر أن الفارق بين القرشيين والغطفانيين هو تتبع الكلأ. يقول الحارث يذكر قريشاً (4) :

فلو أنّي أشاءُ لكنتُ منهمْ

وما سُيّرتُ أَتّبعُ السَّحَابا

ويطلق على سكان البوادي اسم الأعراب (5) ، وينقسمون إلى حاضرة وبادية" والحاضرة القوم الذين بحضرون المياه، وينزلون عليها في حمراء القيظ، فإذا برد الزمان ظعنوا عن أعداد المياه العيون والآبار التي لاينقطع ماؤها)، وبَدَوا طلباً للقرب من الكلأ؛ فالقوم حينئذ بادية، بعدما كانوا حاضرة" (6) ، وقد مَرّ بنا قول سلمة بن الخُرْشُب الأنماري(7) :

فإنّ بني ذُبيانَ حَيثُ عَهِدْتُمُ

بِجِزْعِ البَتيلِ بين بادٍ وحاضِرِ

إن اختلاف نمط حياة الأعراب عن نمط حياة أهل القرى جعل لكلِّ منهما موقفاً معارضاً لنمط حياة الآخر؛ فالأعراب يذمون الإقامة في البيوت، ويرون في الارتحال اكتساباً للمعارف والرزق(8) :

إذا أَوْطَنَ القومُ البيوتَ وَجَدْتَهُمْ

عُماةً عن الأخبارِ خُرْقَ المَكاسبِ

والأعراب ينفرون من القرى، ويتحاشون نزولها، ومنهم قوم أسيماء) الذين كرهوا في أثناء ارتحالهم دخول قرية كانت قصداً على طريقهم، فاجتنبوها، وعَدَلوا عنها(9) . وتجنّب الأعراب الدخول إلى القرى يرجع إلى اعتقادهم أن بيئة القرى أو بعضها موبوءة بالأمراض التي تضرُّ بصحتهم، وتؤذي مواشيهم. ومن الشعر الدال على التخوّف من بيئة القرى قول سويد خَذّاق الشّنيّ يهجو عمرو بن هند (10) :

أبى القلبُ أَنْ يأتي السَّد يَرو أَهْلَهُ

وإنْ قيلَ: عَيْشٌ بالسَّديرِ غَريرُ

به البقُّ والحُمَّى وَ أُسْدُ خَفَّيِةٍ

وعمروُ بنُ هِنْدٍ يَعْتدي ويَجُورُ

فلا أَنْذِرُ الحيَّ الأُولى نَزلوا به

وإنّي لمنْ لم يأتِهِ لنذيرُ

فالسَّدير به البقّ والحمّى، وبقربه مأسَدَةُ خَفِيَّة، وذلك من أسباب ترك سويد للسّدير وإنذاره لمن لا يعرفه. ومن الظاهر أن بعض القرى الزراعية كانت مرتعاً للأوبئة التي تستوطن المستنقعات وأشباهها كخيبر، فهي موصوفة بالحُمّى، وفيها سبعة حصون ومزارع ونخل كثير (11) ، ومن الشعر الدال على بيئة خيبر الموبوءة قول النابغة الجعدي (12) :

ولكنَّ قومي أصبحوا مثل خَيْبَرٍ

بها داؤها ولا تَضُرُّ الأعاديا

وذكر بعض الشعراء من الأعراب فضلَ مراعيهم على مراعي القرى؛ ففي البوادي ينبت مارقَّ ورطبَ من البقول، وهي أنسب للإبل مِمّا ينبت في السّباخ، وذلك في قول الربيع بن زياد العبسيّ يخاطب النعمان بن المنذر، وكان خرج من الحيرة إلى بادية قومه مغاضباً له (13) :

تَرْعَى الروائمُ أحرارَ البُقُولِ بها

لامثلَ رَعيكمُ مِلْحاً وغَسويلا

وعلف خيل أهل القرى بالشعير والقَتّ يجعلها تضعف عن مجاراة خيل الأعراب التي تعلفُ الحشيش، وتُسقى اللبن(14) . ومراعي البادية تسرّ أهلها؛ فهي في شِعْر لبيد بلا وَبَأٍ، ولاوَبَالِ) (15) .

وبرز لدى الجاهلين اعتقادٌ بأنَّ نهر العَبْل نهر لمراد باليمن) لايشربُ منه أحدٌ إلاّ حُمَّ، وأضاف عمرو بن معد يكرب الغدر إلى الحمى في قوله(16) :

ومَنْ يَشْرَبْ بماءِ العَبْلِ يَغْدِرْ

على ما كان من حُمى وِرادِ

ولعلّ إضافة الغدر إلى الحمى يرجع إلى الاعتقاد بأن أهل القرى يغدرون، ويدلّ على ذلك قول العباس ابن مرداس(17) :

فلا تَأمنَننْ بالعاذِ والخَلْفْ بَعْدَها

جوارَ أُناسٍ يَبْتَنونَ الحَضَائِرا

فالأعرابيّ العباس بن مرداس) يعتقد أن من يبني الحضائر ينزل الأرياف ويعمل بزراعة النخيل) لا يؤتمن جواره وهذا الأعرابي يعتقد أيضاً أن أهالي اليمن، وأكثرهم أهل قرى وأرياف، كذلك فهم يغدرون ويخونون يقول العباس(18) :

وفي هَوازنَ قَوْمٌ غيرَ أَنَّ بِهِمْ

داءَ اليمانيْ، فإنْ لم يَغْدِرُوا خانوا

إنّه يتهم قوماً بداة بأن بهم داءَ أهالي اليمن، غدراً وخيانةً، ويشبه ذلك قول النابغة الذبياني:"ولكنْ لا أمانَةَ لليماني"(19) .

إن الأعرابيّ يعتقد فساد بيئة القرى والأرياف؛ فهي تسبب الأمراض للإنسان والحيوان (20) ، وفيها تفسد الأخلاق، وتهتزّ القيم؛ فالذين يعيشون في القرى والأرياف يقومون بأعمال يأنف منها الأعرابي، ويعتقد أنها تورث أصحابها اللؤم، ولذلك اتهم أصحاب الحضائر وأهالي اليمن بالغدر والخيانة؛ ونفى عن نفسه وعن قومه الاشتغال بالحرف والمهن التي يألفها أهالي القرى، وقد عَبّر عن مجمل ذلك خِداش بن زهير العامرِيّ في قوله(21) :

ولن أكون كَمن أَلّقى رِحَاَلَتهُ

على الحِمارِ وخَلَّى صَهوَةَ الفَرَسِ

وقوله يفخر بقومه على بني كنانة(22) :

لاقتكُمُ منهُمُ آسادُ مَلْحَمَةٍ

لَيْسُوا بزُراعةٍ عُوجِ العراقيبِ

فخداش لايستبدل بصهوة الفرس حماراً، فالحمار مركب الزرّاع وأهالي القرى؛ وخداش ينفي عن قومه العمل بالزراعة، ويفخر بأهله " أهل السَّوَام وأهل الصخر واللوب " (23) ، ويشبه خداشاً العباسُ بن مرداس إذ يقول مفتخراً بقومه(24) :

لايَغْرسونَ فَسِيلَ النَّخْلِ وسْطَهم

ولا تَخاوَرُ في مشتاهم البَقَرُ

إلا سوابحَ كالعقبّانِ مُقْرَبةً

في دَارةٍ حَوْلها الأخطارُ والعِكَرُ

إنه من قوم لايزرعون النخيل، ولا يقتنون البقر، فهم أهل حرب وارتحال، من قوم بداة، يقتنون الخيل والإبل، وبمثل ذلك افتخر الأعشى، فقومه ليسوا مثل إياد) التي نزلت تكريت) من العراق؛ فهي " تنظر حَبَّها أنْ يُحصدا"، ولكنّ الله أكرمهم، إذ جعل رزقهم في إبلهم، فهي جزارة لسيوفهم ورزقٌ لاينفد(25) .

ويُضاف إلى نفور الأعراب من المهن والحرف التي يمارسها أهالي القرى والأرياف (26) أنفتهم من اتخاذ البيوت والحصون المشيدة، ومن الأشعار التي تدل على ذلك قول مِسْهِر بن عمرو الذهلي الضبيّ لظالم بن غضبان السِّيديّ الضبيّ(27) :

إنْ تَكُ ياظالمُ، الدّيانُ، في مَدَرٍ

فإنَّنا مَعْشَرٌ لا نبتني الطِّينا

إنَّا وَجَدْنَا أبانا لا عَقَارَ لهُ

إلاّ القِداحَ إذا قِظنا وشَاتينا

إنّ مُسْهراً يفخر بأعرابيته؛ فقومه لايتخذون البيوت الطينيّة، ولا يمتلكون العَقارات بل الخيول الضامرة، وبمثل ذلك افتخر الطفيل الغنويّ بامتلاك بيت أعرابيّ هذه صفته(28) :

وَبَيْتٍ تَهُبُّ الريحُ في حَجَراتِهِ

بأَرضٍ فَضَاءٍ بَابُهُ لم يُحَجَّبِ

سَماوَتُهُ أسمالُ بُرْدٍ مُحَبَّرٍ

وصهوتُهُ مِنْ أَتْحَمِيً مُعَصَّبِ

وأطنابُهُ أَرسَانُ جُرْدٍ كَأَّنها

صدوُر القنا من بادئٍ ومُعَقِّبِ

إنّه خيمة منصوبة في أرض فضاء تهبُ الريح في نواحيها، بابها مُشْرَع للناس، لكرم أصحابها وشجاعتهم، أعلاها أسمال برد مُحَبّر، وظهرها من البرود الأَتْحَمِيّة، وحولها الخيول مقربة، مشدودة بأطناب ذلك البيت الأعرابيّ، بيت الحرب والارتحال والكرم.

وفَخَرَ الأعرابيُّ على أهل القرى ؛ فهو يحتمي بسيفه ورمحه، ويلوذ بالخيل المقربة من الخيام؛ فحصون بني تغلب رماح عالية، وسيوف ماضية، وذلك في قول عمرو بن كلثوم

لنا حُصُونٌ مِنَ الخَطّيّ عَاليةٌ

فيها جَداولُ من أًسيافنا البُتْرِ

فَمَنْ بَنَى مَدَاراً مِنْ خَوْفِ حادِثَةٍ

فإنَّ أسيافنا تُغني عنِ المَدَرِ

وحصون بني أسد خيول مقربة جُرْدٌ، تعدو بالرجال في قول عبيد بن الأبرص يذكر منازل قومه(29) :

مالَنا فيها حُصُونٌ غَيْرُ ما الـ

مُقْرَبَاتِ الجُرْدِ تَرْدِي بالرّجالِ

وتجربة الأَسْعَرِ، مرثدِ بنِ أبي حمران الجُعْفيّ في الحياة اسلمته إلى أن يقول (30) :

ولقد علمتُ عَلَى تَجَشُّمِيَ الرَّدَى

أنَّ الحصونَ الخيلُ لامَدَرُ القُرَى

وقد جمع كلَّ ذلكالسيف والرمح والخيل) خالدُ بن جعفر العامريّ في قوله(31) :

ولا حِزْرُ إلاّ كَلُّ أَبْيَضَ صارِمٍ

وكلُّ رُدَيِنيٍّ وَجَرْداءَ ضامرِ

إن الأعراب، وهم يحتمون برماحهم وسيوفهم، ويلوذون بخيولهم، يستطيلون على أهالي القرى الذين يبنون الحصون ليحتموا بها من الأعداء، ولتزداد قدرتهم على الاستقرار في المكان.

ولما كان الارتحال سمة رئيسة لحياة الأعراب، فقد كَثُر في شعرهم تصوير الارتحال، وذكر المكان المرتحل عنه. وكان حدث الارتحال مثيراً لمشاعر الحزن في نفوس الأعراب(32) ؛ فالارتحال يؤذن بتحطم بعض القلوب، وبانقطاع بعض العلاقات الإنسانية الدافئة، ومن ذلك ارتحال الحبيبة وأهلها؛ فقد اصاب طرفة بالفجيعة (33) ، وراع عنترة(34) ، وأصاب بشر بن أبي خازم بما لاعزاء للقلب منه(35) ، وآلم عمرو بن كلثوم، فأورثه حزناً يفوق ما تشعر به ناقةٌ فقدت ولدها، أو عجوز دفنت أولادها كلهم (36) . وحدث الارتحال يحزن المقيم والظاعن معاً، يقول زهير ذاكراً منازل لآل أسماء(37) :

لآلِ أسماءَ إذْ هامَ الفؤادُ بها

حِيناً، وإذ هِي لم تَظْعَنْ، ولم تَبَنِ

وإنْ كِلانا إذا حانتْ مُفَارَقَةٌ

من الديارِ طَوَى كَشْحاً عَلَى حَزَنِ

وبارتحال الأعرابيّ عن المكان لاتنقطع صلته به انقطاعاً تاماً، فإقامته فوق ذلك المكان هي جزء من تاريخه، تختزنه ذاكرته، وتثير رؤيته بعد سنينن من الارتحال ذكريات أيامٍ خوالٍ تشعل في جوانحه نيران الشوق إلى أَنس ذلك المكان، فيسترجع بخياله تلك الأيام، ولكن الخيال يصطدم بالواقع المؤلم؛ فمكان الذكريات طَلَلٌ، وأَنَسه شذرَ مذرَ، وحينئذٍ تسمح عيون الأعراب بالدموع، ومنهم لبيد الذي يقول(38) :

لِمَنْ طَلَلٌ تَضَمَّنهُ أُثَالُ

فَسَرْحّهُ فالمَرَانَةُ فالخَيَالُ

فَنَبْعٌ فالنُّبيعُ فَذُو سُدَيرٍ

لآِرامِ النِّعاجِ به سِخَالُ

ذكرتُ به الفوارسَ والنَّدامَى

فَدَمْعُ العينِ سَحٌّ وانْهِمَالُ

ومثل ذلك قول عبيد بن الأبرص(39) :

ومثل ذلك قول عبيد الأبرص(40) :

تُحاوِلُ رَسماً مِنْ سُلَيْمَى دَكادِكا

خَلاءً تُعَفّيهِ الرٍّياحُ سَوَاهِكا

تَبَدَّلَ بَعْدِي من سُلَيْمَى وَ أَهْلها

نَعَاماً تَرَعَّاهُ وَأُدْماً ترَائِكا

وَقَفْتُ به أَبْكِي بُكاءَ حَمَامَةٍ

أَراكِيَّةٍ تَدْعُو الحَمامَ الأَواركا

لبيد يتذكّر الفوارس والندامى، وعبيد يتذكر سُلَيْمَى وأهلها، وكلاهما- لبيد وعبيد- يبكيان، ولطالما بكى الأعراب حين رأوا دياراً كانت للأهلل والأحباب والأصحاب، وقد أضحت دارسة، لا أنس فيها إلا نعاما وظباءً ترتع، وبقايا رسوم لها العيون تدمع.

وكان حزن الأعرابيّ حين يرى ديار قومه الدّارسة شديداً، وكان يحلم باستعادة الزمن ليراها وقد أضحت عامرة ومأهولة بالأهل والأحباب والأصحاب. ولكن استحالة تحقق الحلم تجعل الأعرابيّ الشاعر يلوذ باللغة والخيال ليبعث الحياة الإنسانية في الأطلال والرسوم كقول عنترة(41) :

يادَارَ عَبْلَةَ بالجِواءِ تكَلَّمِي

وَعِمِي صبَاحاً دارَ عَبْلَةَ واسلَمي

وقول زهير(42) :

فَلَمّا عَرَفْتُ الدارَ قُلْتُ لِرَبْعِها:

ألا عِمْ صَباحاً، أيُّها الرَّبْعُ واسلَمِ

إن عنترة وزهيراً) يشخّصان الديار الدارسة بإسباغ صفة القدرة على الكلام والحوار عليها، وتلك من أبرز صفات الإنسان، ولاسيما الجاهلي اليذ يعتدّ بالفصاحة والبيان. ولكن المحاولات الفنيّة لبعث الإنسانية في الأطلال والرسوم تصيب الذين يودّون جعل الحلمَ حقيقيةً بالخيبة؛ فالأطلال لاتجيب، ولو كان السائل ملحاحاً كالشمّاخ في قوله(43) :

وَعَرفْتُ رَسْماً دارِساً مُخْلوْلقاً

فَوَقَفْتُ واستَنْطَقُهُ استنْطَاقَا

وحينئذٍ يفيق الأعرابي الشاعر من غفوة الحلم، ويدرك أن طول المساءلة للديار لا تغُيّر الواقع المؤلم، ولا تبعث الحياة في الجماد (44) :

وَقَفْتُ بها أُسائِلُها طَويلاً

وما فيها مُجَاوبةٌ لِداعي

الديار " فاستعجمت وسائل البشر بن عُلَيق الطائي أن تَكَلّما" ثم ساءلها ثانية" فاستعجمت أن تجيبني"(45) . أرادها أن تتكلم وأن تفيض في الحديث معه فاستعجمت، ثم رضي منها بالإجابة، بالكلام القليل، فاستعجمت أيضاً.

الديار لاتتكلم، تلك حقيقة يعود الأعرابي الشاعر إلى إدراكها بعد صحوته من غفوة حلمه الشاعريّ، وحينئذ قد يعود على نفسه باللوم لأنه يحاول المستحيل؛ ومن ذلك قول السلامة(46) :

وَقَفْتُ بها ما إنْ تُبينُ لِسَائِلٍ

وهَلْ تَفْقَهُ الصُّمُّ الخوالِدُ مَنْطِقِي؟

وقول لبيد(47) :

فوَقَفْتُ أَسأَلُها، وكيفَ سُؤالنا

صُمَّاً خوالدَ ما يُبِيْنُ كَلاَمُهَا؟

ماذا بعد الوقوف والمساءلة والعِيّ؟ لاشيء عدا رحيل السائل، وفي قلبه حسرة، إلى مكان آخر مأهول بالأقارب والأحباب والأصحاب(48) :

فَلَمَّا رَأَيْتُ أَنَّها لاتُجيبني

نَهَضْتُ إلى وَجْنَاءَ كالفَحَلِ جَلْعَدِ

إن نغمة الحزن تظهر في كلّ نشيد يذكر فيه الأعرابيّ دياره المرتحل عنها، إنّه يُعَبّر في وصف الأطلال عن "انحسار المدّ الحضاريّ، وهزيمة الوجود الإنساني" (49) ، وعن اضطراب نفسه، وقلقها، فالارتحال من مكان إلى آخر يجعل الأعرابيّ منتمياً إلى أكثر من مكان؛ وتجعل مشاعره تجاه المكان تتراوح بين الاعتداد بالمكان الذي يقطنه، والحنين إلى الأمكنة المرتحل عنها، والبكاء عليها (50) .

وإن اختلاط اعتداد الأعراب بباديتهم وحياتهم بحزنهم على المنازل التي هجروها جعل في انتمائهم إلى المكان اعتداداً وانكساراً ينتجان قَلَقاً طالما أتعب أولئك الأعراب، وأشاع في أشعارهم نغمة البكاء، وأوحى بإحساسهم بقسوة الحياة، وبرهة الشتات، وبالرغبة في الاستقرار(51) ، بّلْ لقد صرح بعض الأعراب بميلهم إلى حياة أهل القرى ومنهم ساعدة بن جُؤيَّةَ الهذليّ، في قوله(52) :

إنْ يَكُ بَيْتي قشْعَةً قَدْ تَخَدَّمَتْ

وَغُصناً كأنَّ الشَّوْكَ فيهِ المَواشِمُ

فذلكَ ما كُنَّا بِسَهْلٍ وَمَرَّةً

إذا ما رَفَعْنا شَثَّةٌ وصرائِمُ

فَفَدْ أَشْهَدُ البيتَ المُحَجَّبَ زانَهُ

فِراشٌ وَجُذْرٌ موجَعٌ وَلَطَائِمُ

إنّه أعرابي بيوته من جلد وأغصان شائكة، ولكنه يعتدّ بأنّه كان ينزل بيوتاً مبنيةً، جُدرها غليظة، تزدان بالفراش، وينعم أصحابها بالطيب. وسياق الاعتداد في هذا الشعر يوحي بتفضيل العيش في البيوت القرويّة على العيش في الخيام الأعرابيّة. وكان يزيد بن الصَّعِق العامريّ أكثر صراحة من ساعدة في إظهار الميل إلى حياة أهل القرى؛ فقد زار يزيد صنعاء، ورأى أهلها، وما فيها من العجائب، فلمّا انصرف قيل له: كيف رأيت صنعاء، فقال(53) :

مَنْ يَرْأَ صنعاءَ الجنودِ وَ أَهْلَها

وَجُنُودَ حِمْيَرَ قاطِنينَ وَ حِمْيَرَا

يَعْلَمْ بِإنَ العَيشَ قُسِّمَ بَيْنَهُمْ

حَلَبُوا الصَّفاءَ، فَأَنهلوا ما كَدَّرَا

وَيَرَى مَقَاماتٍ عَلَيْها بَهْجَةٌ

يَأْرَجْنَ هِنْديّاً، وَ مِسْكاً أَذْفَرَا

إنّه معجب بصنعاء وبأهلها؛ فلقد اصطفوا لأنفسهم رغد العيش، فباتت على ملامحهم البهجة، وفاح من أردانهم الطيب.

إن أنفة الأعرابي الظاهرة من العيش في غير مداه الجغرافي لا تنفي رغبته الدفينة بل الصريحة أحياناً في الاقتدار على الاستقرار، والخلاص من مشاقّ الارتحال، والبحث المستمر عن الأماكن المناسبة لبقائه واستمرار وجوده الإنسانيّ، إنّ في أعماقه رغبة في حياة مستقرة، يتحرر فيها من قيود الطبيعة القاسية التي ترغمه على الارتحال. بل لقد رأى الأعراب أن سببَ الارتحالِ الإنسانُ لا المكانُ؛ فالإنسان الذي لايرتضي أن يبذل جهداً لجعل المكان مناسباً للاستقرار تستريح نفسه إلى الارتحال إلى مكان جديد يستثمره، ولا يطوره، ثم يرتحل عنه إلى غيره، وهذا ما يُفهم من قول عمرو ابن الأهتم المنقري(54) :

لَعَمْرُكَ ما ضاقَتْ بلادٌ بِأهْلهِا

ولكنَّ أَخْلاقَ الرجال تَضيق

إنه قولٌ واع، يدعو إلى تطوير المكان وإلى الاستقرار، وتجاوز مرحلة الارتحال من مكان إلى آخر. تلك هي أبرز آثار المدى الجغرافي البدويّ في عقلية سكانه وقيمهم، فكيف كانت آثار المدى الجغرافي القروي والريفي في سكانه؟

***

2- القرى

إنّ استيطان القرى والأرياف (55) في شبه الجزيرة العربية ارتبط بوجود المياه وبصلاحِيّة المكان للزراعة ومن ذلك يثرب والطائف) أو للتجارة ومن ذلك مَكّة). ولقد مَرّ بنا في أثناء الحديث عن القرار بالمكان افتخار أبناء القرى بحفر الآبار، وامتلاك مزارع النخيل والأعناب، وبذل الجهد اللازم لاستثمار تلك المزارع، كما افتخروا ببناء الحصون والآكام التي تؤوي أصحابها، وتُسهم في دفع غوائل الأعداء؛ إنهم يفخرون بجهودهم المبذولة لتطوير مواطنهم، وأكرم بذلك فخراً؛ فتلك الجهود تدعم استقرارهم وترسخ وجودهم في مواطنهم.

وفخر ابناء القرى بجهودهم في مجالات الزراعة والريّ والبناء يبرز الخلاف الكبير بينهم وبين الأعراب الذين احتقروا تلك الجهود، ونفروا من مزاولتها، وأعلنوا اعتزازهم بامتلاك الإبل، فمنها يشربون ويأكلون، وبامتلاك الخيل والسلاح، فبها يكسبون لأنفسهم، ويدافعون عنها. وكان أهالي القرى والأرياف يفاخرون الأعراب، ويسخرون منهم، كقول أوس بن حجر يهجو رجلاً من بني أسد(56)

وَعَيَّرْتَنا تَمْرَ العِراقِ وَبُرَّه

وَزَادُك... الكَلْبِ شَوَّطَةُ الجَمْرُ

وفَضَّل حسان بن ثابت يثرب على البادية؛ فأودية يثرب ومياها وبنيانها(57) :

أَحَبُّ إلى حَسّان لو يَسْتَطِيعُهُ

مِنَ المُرِقصاتِ من غِفَارٍ وأَسْلَمِ

وإذا كان الشاعر الأعرابيّ يفخر بقوله:"إنّا وَجَدنا ابانا لاعَقَار له" فإنّ عَدِيّ بن وداع العُقُويّ الأزديّ العُمانيّ(58) له موقف مغاير من تَمَلّك العقارات، في قوله (59) :

يابنةَ كعبِ بنِ صُلَيْعٍ ألا

تَسْتَقِني إنْ كُنْتِ لم تَذْهَلي

قالتْ ألا لا يُشْتَرَى ذاكَمُ

إلاّ بِرُغبِ الثَّمَنِ الأَجْزَلِ

إنْ تُعطينا سَطرَ الحِفَافَينِ مَقْـ

ـطوعاً لنا بَتْلاً إذنْ نَفْعَلِ

لإنَّ الحِفَافَيْنِ عَقَارُ امرئٍ

يَمنعه الضًّيْمَ، فلا تَجْهَلي

مالُ امرِئٍ يَخْبِطُ في الغَمْرةِ الـ

قِرْنَ غداةَ البأسِ بالمُنْصُلِ

إنْ كنتِ تَسْتَأْسيِنَ لابُدَّ فالـ

ـمعروفُ مِنّا، أختنا، فاسألي

ألعبدَ أو بكرتَنا الحرَّةَ

الزَّهْراءَ أَوْ مُنْصِفَةَ النُّزَّلِ

طِبنْا بهذا لكِ نَفْساً فإنْ

تَرضَيْ به عَنَّا إذنْ فافعلي

إنه يرغب بابنة صليع، ولعلها كانت ترغب به أيضاً، ولكن عقاراً أرض الحفافين) كان يحول بينهما؛ هي تريد العقار لها، وربما لأهلها، وهو لاتسمح نفسه ببذله، بل ببذل عبدٍ، أو ناقةٍ فتيّة، أو جارية تحسن الخدمة، نفسه تطيب ببذل أي شيء من ممتلكاته لنيل تلك المرأة عدا أرض الحفافين، فهل رضيت هي بذلك؟ لاندري، ولكن الشعر يظهر حرص كلّ منهما على تملك العقار، وذلك ما كان يهرب منه الأعرابي الذي يحرص على تملك الإبل، ليكون ماله معه اينما حَلَّ أو ارتحل.

والقرى العر بية ليست واحدة في قيمها ونمط معيشتها؛ فقد عبر الشعراء عن نمطين من حياة أهالي القرى هما: النمط الزراعي، والنمط التجاري. أمّا الأول فنجد تعبيراً عنه في أشعار أهالي يثرب، وكذلك أهالي الطائف، الذين افتخروا بحفر الآبار، وشق السواقي وزراعة النخيل، أما الثاني فنجده في أشعار أهالي مكة الذين افتخروا بحفر الآبار اللازمة لشرب سكانها، ومن يؤمّها من الحجاج والتجار. ولكنهم أعرضوا عن ذكر الزراعة (60) لعدم صلاح الأراضي المحيطة بمكة للزراعة. وبرز اثر التجارة في إعلاء شأن القيمة المادية في الشعر المكّي(61) ، ومن ذلك الافتخار بلبس الثياب الفاخرة، والتلذّذ بمتع الحياة المادية كقول عمارة بن الوليدالمخزوميّ(62) :

خُلِقَ البيضُ الحسانُ لنا

وجِيادُ الرَّيطِ والأُزُرُ

وقول الزبير بن عبد المطلب الهاشمي(63) :

ولكنّا خُلِقْنا إذْ خُلِقْنا

لنا الحِبَرَاتُ والمِسْكُ الفَتِيتُ

ولونت التجارة شعر قريش بمعانٍ جديدة كقول عبد الله الزيعرى يمدح هاشم بن عبد مناف(64) :

وهو الذي سَنَّ الرحيلَ لقومهِ

رِحَلَ الشتاءِ ورِحْلَهََ الأَصيافِ

وتركت التجارة أيضاً آثارها في شكل القصيدة المكّيّة التي خلت من المقدمة الطّلّلية ومن الرحلة عبر الصحراء؛ فالشاعر القرشي المكّيّ "الذي ترعرّعَ في بيئة تجاريّة انطبع تفكيره بالأساليب التي توصله إلى هدفه بأقصر الطرق وأقلّها كلفة، وأكثرها وضوحاً"(65) .

ولقد أبرزت المعركة الشعرية بين مكّة ويثرب في عصر البعثة أن أهالي يثرب المزارعين كانوا يرون مهنتهم أشرف من التجارة، ومن الأشعار الموحية بذلك قول حسان بن ثابت في يوم أحد يهجو بني عبد الدار القرشيين(66) :

حَسِبْتُمْ والسَّفِيهُ أخو ظُنُونٍ

وذلكَ ليسَ مِنْ أَمْرِ الصَّوابِ

بأَنَّ لِقاءَنا إذْ حانَ يَوْمٌ

بِمَكَّةَ بَيْعُكُمْ حُمْرَ العِيَابِ

وكذلك غمز كعب بن مالك من قناة قريش يوم الخندق؛ فقومه يملكون أراضي غنية بالمياه، صالحة للزراعة، ولا يشتغلون بالتجارة، يقول كعب(67) :

أَلاَ أَبْلِغْ قريشاً أنّ سَلْعا

وما بينَ العُريض إلى الصِّمادِ

رَوَاكِد يَزْخَرُ المُرّارُ فيها

فَلَيْسَتْ بالجمامِ ولا الثِّمادِ

كأَنَّ الغابَ والبرديَّ فيها

أَجَشُّ إذا تَبَقَّعَ للحصادِ

ولم نَجْعَلْ تجارتنا اشتراء الـ

حَمِيرِ لأِرضِ دَوْسٍ أو مُرادِ

تلك إشارات شعرية إلى وجود اختلاف في القيم ونمط الحياة لدى أهالي القرى، ولكن ذلك لايحجب توافقهم الشديد الناتج عن استقرارهم، وعدم اضطرارهم للانتجاع والغزو لكسب الرزق، وتأمين المكان اللازم للاستقرار المؤقت. وكان صدى ذلك واضحاً- كما أشير أنفاً- في افتقار شعر القرى إلى شعر الأطلال المشحون بحزن الأعراب على الأماكن المرتحل عنها وقلقهم، وتوقهم إلى الاستقرار الدائم، وهذا يعني أن القرى منحت المستقرين فيها، والمنتمين إليها شعوراً بالرضّا، وخلاصاً من القلق الذي يسببه الارتحال والأسف على ضياع الجهد المبذول في الأماكن المرتحل عنها.

وإذا كان بعض الأعراب قد تاقوا إلى نمط الحياة القرويّ المتحضّر فإن أهالي القرى كانوا يصدرون عن قيم أعرابية خالصة أحياناً، كافتخار قيس بن الخطيم الأوسِيّ اليثربيّ بأنّ السيوف هي معاقل قومه في قوله يصف الخزرج(68) :

معاقِلُهُمْ آجامُهُم، وَ نِساؤُهُمْ

وَ أَيْمَانُنَا بالمَشْرَفِيَّةِ مَعْقِلُ

وافتخار حسان بن ثابت الخزرجي اليثربيّ بأنّ قومه قادرون على الغزو، واستباحة مواطن الأعداء(69) :

أَلَسْنَا بِحَلاَّلينَ أَرْضَ عَدُوِّنا

تَأَرَّ قَلِيلاً،سَلْ بِنَا في القبائِلِ

وافتخار الزبير بن عبد المطلب الهاشميّ المكّيّ(70) :

ولا أُقيمُ بدارٍ لا أَشُدُ بها

صَوْتي إذا ما اعترتْني سَورَة الغَضَبِ

تلك أشعار قروية، ولكنها تعبرّ عن عقلية أعرابية تنفر من بناء الحصون، وتتوق إلى الغزو والارتحال. ومن يتبع أشعار القرى يجد فيها قيماً أعرابية أصيلة متغلغلة في نفوسهم، ولا سيما ما يتصل منها بالتعصب للجماعة الأبوية كقول أبي زمعة الأسدي المكّيّ(71) :

أحِبُّ قريشاً كلَّها وأَحُوطُها

ولستُ بِسَبَّابٍ لذي الرِّحْمِ مِلْطَمِ

وإنْ حَمَّلُوني ما أُطيقُ حَمَلتهُ

وَيَكْرُمُ فيهمْ مُسْترادِي وَ مَطْعمِي

إن استقرار المرتحليين يطوّر نمط حياتهم وقيمهم تطوراً بالحذف والإضافة، وهذا يعني أن التقارب بين الأعراب وأهالي القرى شديد، وأن ما نلحظه من مفارقات بينهما تعبير عن الإضافة التي يتخلّق بها المتطوّرون أهالي القرى) والراغبون بالتطور من الأعراب وعن رفض لها من قبل المتمسكين بالقديم الذين يحاولون الحفاظ على نمط حياتهم وقيمهم، وبذلك تظهر جدليّة التطور من انتماء أعرابيّ قديم إلى انتماء قرويّ متطور.

***

تَبيّن لنا في أثناء الحديث عن القرار بالمكان أن الانتماء المكاني قد زاحم الانتماء إلى النسب الأبويّ؛ فقد أدرك الجاهلي أن القرب المكاني قد يجمع أصولاً سكانية مختلفة برابطة الانتساب إلى المكان؛ وأن البعد المكاني قد يفرقّ جماعة سكانية موحدة برابطة الانتساب إلى أصل نسب) مشترك، وقد يلجأ ناس من الجماعة المتباعدة مكانياً إلى الالتصاق بغيرهم لضعف علاقاتهم الإنسانية بأصولهم البعيدة مكانياً عنهم. والتقارب المكاني أوجد تاريخاً مشتركاً مرتبطاً بالمكان المستقرّ فوقه. وهذا يعني وجود انتماء إلى المكان الذي أضحى مدى جغرافياً باستيطان الناس فيه، وبعملهم على تطويره؛ فعظم بذلك ارتباطهم بالمكان، واستعدادهم للتضحية دفاعاً عنه، واعتدادهم بامتلاكه، وبجهودهم المبذولة لتطويره، وبذلك كان الانتماء إلى مكان الاستقرار انتماء واعياً وعميقاً جعل المكان والناس الذين يتفاعلون معه وحدة متكاملة ينتمي إليها الإنسان، ويشعر في ظلها بالرعاية والأمان.

وفي اثناء الحديث عن الارتحال عن المكان تبَّين لنا أن ارتحال الأفراد كان في الغالب تعبيراً غير مباشر عن الارتباط بالمكان المرتحل عنه، ومن الرغبة في زيادة الإمكانات المادية التي تدعم الاستقرار في ذلك المكان وكان ارتحال الأفراد في الغالب مسالماً، فأسهم في ظهور انتماء متطور تجاوز الإطار الضيق للانتماء إلى الجماعة الأبوية وإلى منازلها الخاصة، فاتسعت دائرة علاقات الإنسان الجاهلي شمولاً، وأصبح وطنه يشمل كلّ بقعة يجد فيها رزقاً وعيشاً كريماً وأحباباً وأصحاباً. وكذلك أسهم ارتحال الجماعات في توفير الأساس الموضوعي لازدياد انتماء الإنسان الجاهلي إلى المكان وسكانه شمولاً؛ فقد أدى ارتحال في توفير الأساس الموضوعي لازدياد انتماء الإنسان الجاهلي إلى المكان وسكانه شمولاً، فقد أدى ارتحال الجماعات إلى ارتياد أماكن جديدة، بالسلم تارة، وبالحرب أخرى، وحين جاء الإسلام كانت الجزيرة العربية بحدودها الطبيعية مأهولة بالعرب، ومهيأة لتكون وطناً يتوحدون فوق ترابه، وينتمون إليه.

وكان تنوع المكان العربي سبباً في تنوع قيم السكان المنتمين إليه، وعقليتهم، فسكان البوادي يتمايزون من سكان القرى والأرياف، ولكن تمايزهم لايلغي وحدتهم، بل يؤكدها، ويظهرالحركة النشطة في المجتمع الجاهلي، وهو ينتقل من طور الأعراب المرتحلين إلى طور العرب المستقرين.

لقد أظهرت ثلاثة الفصول السابقة وجود ثلاثة الأسس اللازمة لنشوء أيّة أمةّ، وهي الأرض، والسكان الذين يتفاعلون فوقها، واللغة الواحدة التي يتم بها التفاعل المفضي إلى الوحدة القومية، وإلى ظهور الانتماء إلى الأُمّة. وفي الفصلين التاليين سنقف عند الانتماءات السياسية والاجتماعية والدينية التي اسهمت في تطور انتماء الإنسان الجاهلي من الانتماءات السياسية والاجتماعية والدينية التي أسهمت في تطور انتماء الإنسان الجاهلي من الانتماء إلى القبيلة الجماعة الأبوية) إلى الانتماء إلى الأمة التي تشمل القبائل، ولاالغيها.

(1) -ديوان حسان ص 119-120. والمتألبون : الغضاب. والمتخمّطون: من التخمّط، وهو الهياج. جاء في ديوان كعب بن مالك ص 194:" من الأقوام من قارٍ وبادي".

(2) -انظر خروج الأحزاب إلى حرب المسلمين في سيرة ابن هشام 3/128.

(3) -ديوان عامر ص 78.

(4) -المعاني الكبير1/522. وكان الحارث ادعى أنّه قُرَشِيّ.

(5) -انظر ديوان حسان ص 120، ديوان كعب بن مالك ص 181، وديوان امرئ القيس ص 269، واللسان: عرب).

(6) -اللسان :بدا).

(7) -شرح اختيارات المفضل 1/165. والجزع: جانب الوادي. وانظر مثل ذلك فيه 2/778، وفي شعر زهير ص111، ومعجم الشعراء ص199. ولفظة الحاضر) تُطلق أيضاً على المقيم في المدن والقرى. انظر اللسان:حضر).

(8) -ديوان شعر حاتم ص 196. وعماة: أراد صُمّاً. وخرق المكاسب: لايحسنون أن يكسبوا.

(9) -انظر شرح ديوان لبيد ص 26-27.

(10) -ديوان سلامة ص 240-241. ونسب الشعر إلى سلامة خطأ. والسدير: موضع معروف بالحيرة، وقيل: قصر قريب من الخورنق، معجم البلدان: السدير) وخفيّة: مأسدة معروفة في سواد العراق.

(11) -معجم البلدان: خيبر).

(12) -عيون الأخبارر 1/219. وداء خيبر: حمّى شديدة يرافقها صداع حاد. وانظر بعض الأخبار والأشعار الدالة على ذلك في شرح ديوان الأعشى ص 58-59، وشرح ديوان الحماسة2/ 721-722، ومعجم البلدان : خيبر).

(13) -الأغاني 15/355. والروائم: التي ترأم أولادها، أي تعطف عليها. والغسويل: نبت ينبت في السباخ.

(14) - انظر شرح اختيارات المفضل 3/1315-1316.

(15) -انظر شرح ديوان لبيد ص 93. والوبأ: : المرض. والوبال: الداء وهو مرض يقع في الإبل.

(16) -شعر عمرو بن معد يكرب ص 98.

(17) -ديوان العباس ص 66. والعاذ والخلف: من بلاد تهامة. والحضائر: جمعٌ مفرده حَضيرة هاهنا): موضع التّمر.

(18) -المصدر السابق ص107.

(19) -ديوان النابغة ص150. وانظر النقائض 1/179، والمعاني الكبير 1/523.

(20) -ندرة المياه في البادية اضطرت أهلها أحياناً إلى شرب مياه آجنة تسبب أمراضاً لانجاة منها، وبدلاً من ذمّ تلك المشارب كان الأعرابي يفخر بارتيادها والشرب منها ليدل على جلده وعلى تعصبه لنمط حياته انظر شرح ديوان كعب ص 231-232، وشعر عمر بن شأس ص 48 وعبدة ابن الطبيب، 1971، شعر عبدة بن الطبيب، دار التربية للطباعة والنشر والتوزيع، بغداد ص.70.

(21) -أشعار العامرين الجاهلين ص37.

(22) -المصدر السابق ص25.

(23) -المصدر السابق ص24. والسوام: الإبل والمواشي التي ترعى، ولا تُعلف. واللوب: قطع من الأرض تشبه الحرار.

(24) -ديوان العباس ص54. وفسيل النخل: صغاره. ومقربة: قريبة من البيوت لركوبها، إذا حدث ما يدعو إلى ذلك. والأخطار : الجماعات من الإبل. والعِكَر : الإبل الكثيرة. وانظر مثل ذلك ص 65 منه.

(25) -انظر شرح ديوان الأعشى ص 108. وحين جاء الاسلام حضَّ على نزول الحواضر وترك البوادي انظر الأغاني 5/14). ولكن بعض المخضرمين الأعراب لم ترتح نفوسهم لسماع اصوات الدجاج، فعادوا إلى بواديهم .انظر شعر النمر ص 47-48، وشعر عبدة ص58-59).

(26) -سيرد الحديث عن المهن والحرف في الفصل الرابع من هذه الرسالة.

(27) - معجم الشعراء ص 330. والقداح: الخيل الضامرة؛ فقد جاء في التاج." التقديح: تضمير الفرس". والديان: هو عبد المدان بن قطن الحارثي اليماني. والشاعر يعقد مشابهة بين ظالم وبين عبد المدان لأنهما من سكان القرى. انظر اللسان: دين)، ومعجم الشعراء ص330 الحاشية رقم1).

(28) -ديوان الطفيل ص19. وصهوته: ظهره. والأتحميّ: ضرب من البرود. والمعصب: الذي يعصب غزله ويشدّه، ثم يُصبغ وينسج. والبادئ: الذي غزا أول غزوة. والمعقّب: الذي غزا غزوة بعد غزوة. وانظر مثل ذلك الشعر في ديوان شعر حاتم ص246.

ديوان عمر بن كلثوم ص105. وبنى مدراً: بنى حصناً. ونسب البيتان إلى عمرو بن كلثوم الكناني.

(29) -ديوان عبيد. ص 118. وتردي : تعدو.

(30) -الأصمعيات ص141.

(31) - أشعار العامرين الجاهليين ص 65. وافتخر ربيعة بن مقروم الضَّبيّ بأن معاقل قومه سيوف ورماح ودروع. انظر شرح اختيارات المفضل 2/ 848-849).

(32) -انظر طنوس- د. وهيب، 1979-1980م، الوطن في الشعر العربي، مديرية الكتب والمطبوعات- جامعة حلب، ص 183-184.

(33) -انظر ديوان طرفة ص59.

(34) -انظر شرح ديوان عنترة ص154.

(35) -انظر ديوان بشر ص1.

(36) 0انظر ديوان عمرو بن كلثوم ص81.

(37) -شعر زهير ص 275. والكشح: الخاصرة.

(38) -شرح ديوان لبيد ص267. والسخال: جمع سخلة، وهي ولد الشاة من المعز والضأن.

(39) -ديوان عبيد ص91-92. وتحاول رسْماً: تحاول أن تتعرّف عليه. ود كادك: جمع دكدَك، وهو المستوي من الأرض. وقد نعت المفرد بالجمع. والسّواهك: السّواحق. والأدم: الظباء التي ليست بخالصة البياض. والترائك: جمع تريكة، وهي المتروكة. والأوارك: جمع مفرده وركاء، من وَرَك بالمكان وروكاً: أقام. أراكية: تلزم شجر الأراك. ن: اللسان /أرك وثمة اشعار كثيرة مشابهة لقول عبيد انظر مثلاً شعر خفاف ص88-89، وديوان عبيد ص10-11، وديوان النابغة ص96-97، وديوان بشر ص137-138.

(40) -شرح ديوان عنترة ص 148.

(41) -شرح ديوان عنترة ص 148.

(42) -شعر زهير ص7. الربع: موضع الدار حيث أقام أهله في الربيع وغيره.

(43) -ديوان الشمّاخ ص262. ومخلولقا: مستوياً بالأرض.

(44) -ديوان بشر ص 109.

(45) -قصائد جاهلية نادرة ص 187.

(46) -ديوان سلامة ص158.

(47) -شرح ديوان لبيد ص 299. والخوالد: البواقي.

(48) -شعر زهير ص174. والوجناء: عظيمة الوجنات. وجلعد: شديدة صلبة.

(49) -الخليل- أحمد 1989م، ظاهرة القلق في الشعر الجاهلي، دار طلاس، دمشق، ص 126.

وانظر مقالات في الشعر الجاهلي ص 157-181.

(50) -الوقوف على الأطلال ظاهرة رئيسة في الشعر الجاهلي، وقد افرد بعض الباحثين العرب دراسات خاصة بها. ومن المفيد الإشارة ها هنا إلى أن شعر الوقوف على الأطلال ليس خاصاً بالأعراب، بل نجده في شعر أهالي بعض القرى ولاسيما يثرب. وقد لاحظ يوسف اليوسف مقالات في الشعر الجاهلي ص184) أن طللية أصحاب المدن يسود فيها القهر الجنسي، وتكاد تهمل القحل والتهدّم الحضاري، فأصحاب المدن لايشغلهم تحطم المكان وقحط الطبيعة. وأودّ أن أضيف ها هنا أن وقوف شعراء القرى على الأطلال كان على الأغلب وقوفاً مصطنعاً، أملته ضرورات البناء الفني للقصيدة الجاهلية، وليس وقوفاً معبراً عن تجارب واقعية فرضتها طبيعة الارتحال الجماعي لقوم الشاعر من مكان إلى آخر. ويؤكد ما ذهبت إليه أن شعر قريش، وليس بين شعرائها محترفون، يخلو من شعر الوقوف على الأطلال إلاّ أبياتاً يسيرة انظر شعر قريش ص 176-181)

(51) -اشار يوسف اليوسف إلى إيحاء شعر الوقوف على الأطلال بالرغبة في الاستقرار، ومن ذلك قوله مقالات في الشعر الجاهلي ص157): "تحديد مكان الطلل يوحي بتشبث الشاعر بالمكان، وبالتالي) يؤكد نزعته الاستقرارية"

(52) -شرح اشعار الهذليين 3/1184. والقشعة: قطعة النِّطْع. وتخذّمت: تَقَطّعت. وغصناً: أراد شجرة. والمواشم: الإبَر. والشّثّة: شجرة طيبة الريح، مرّة الطعم تعمل منها البيوت.

والصرائم: جمع مفرده صريمة: وهي الرملة المنصرمة من الرمال ذات الشجر. والموجح: الكثيف الغليظ. واللطائم: العير التي فيها الطيب.

(53) -أشعار العامريين الجاهليين ص59. ومسك أذفر: جَيّدٌ.

(54) -شرح اختيارات المفضل 2/610.

(55) -يقال لا لريفيَّ بحريّ أيضاً. انظر شرح لبيد ص 29. وذكر الريف في شرح ديوان الأعشى ص78، وديوان الحطيئة ص222.

(56) -ديوان أوس ص38.

(57) -ديوان حسان ص 341. والمرقصات: اللواتي يُرقصن إبلهنّ. والرقص: ضربٌ من العَدْو.

(58) -ثمة خبر عن الشاعر في معجم ما استعجم 1/48) يدل على أنه من العُقاة من أزد عمان.

ولكنّ اسم أبيه ورد مُحَرَّفاً وَقّاع).

(59) -قصائد جاهلية نادرة ص51-52. وبتلاً: قطعاً. ويخبط في الغمرة: يضرب في الحرب.

وتستأسين: تتخذين الأسوة، وهي العزاء. والبكرة: الفتية من الإبل. ومنصفة النزّل: الجارية، أو خادمة الضيوف.

(60) -من الملاحظ أن أهالي مكة لم يفخروا ببناء الحصون؛ فبلدهم آمن، ومحميّ بتعظيم أكثر العرب له ولأهله، ولذلك لم يرغب أهالي مكة ببناء الحصون فيها.

(61) -انظر ذلك مفصلاً في شعر قريش ص81-185

(62) -الأغاني 9/ 61. والرَّيط: جمع رَيطة، وهي كلّ ثوب لين رقيق.

(63) -ابن رشيق القيرواني،1955م، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، الطعة الثانية مطبعة السعادة، مصر 1/66. والحبرات: جمع حَبَرَة، وهي بُرْدٌ يمان.

(64) -شعر عبد الله بن الزبعرى ص 54. وينسب الشعر إلى مطرود بن كعب الخزاعي.

(65) -شعر قريش ص206

(66) -ديوان حسان ص372. والعياب: جمع عَيبة، وهي ما يضع فيها الرجل متاعه.

(67) -ديوان كعب بن مالك ص 192. وسَلعْ والصّماد: جبلان بالمدينة. والعُريض: وادٍ بالمدينة أيضاً. ورواكد: ثابتة. والمرُاد : النهر الذي يمرّ فيها. والجمام: وافرة المياه. والثماد: قليلة المياه. والأجشّ: العالي الصوت. وتبقّع للحصاد: صار فيه بقع بيضاء وصفراء من اليبس.

(68) -ديوان قيس ص137.

(69) -ديوان حسان ص166. وتَأَرَّ: تَثَبّت.

(70) -عيون الأخبار 1/292.

(71) -السدوسي مؤرّج بن عمرو، 1976م، حذف من نسب قريش، تحقيق الدكاتور صلاح الدين المنجد، الطبعة الثانية، دار الكتاب الجديد، بيروت، ص 53. وثمة قيم أخرى أعرابية احتفظ بها القرويون كالكرم وحماية الجار والأنفة من الخضوع لأية سلطة خارجية، وسوف تمرّ بنا في أثناء هذه الدراسة شواهد على ذلك.

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244