|
|||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:30 AM | |||||||
|
وأما حظوة قلة من الأرقاء بالتقدير، واقتدار قلة أخرى على التحرر من إسار العبودية فمن مظاهر الجدل الإنساني، وهو يرقى بالعبيد والإماء رقياً يسيراً، فليس في الجاهلية ما يوجب تحرير العبيد، وليس فيها ما يغري بتحريرهم، وكذلك لم يكن لدى العبيد ما يجمع كلمتهم، ويوحد موقفهم في موجهة عنت السادة وظلمهم؛ فسحيم عبد بني الحسحاس كان همه الأول أن يكون معشوقاً للحرائر؛ وعنترة العبد الهجين حرر نفسه، واحتال لتحرير أخوته لأنه من العبودية(1) )، ولكنه لم يسع إلى تحرير أمثاله من العبيد، ولا إلى تحسين أوضاعهم، بل انسلخ عنهم، وعبر بشعره عن احتقار اللون الأسود، وهو رمز للعبودية في الجاهلية، متناسياً أنه هجين أسود(2) )؛ وأما السليك، وكان هجيناً أسود، فقد تعاطف مع خالاته الإماء)، وأشفق عليهن، ولكنه عجز عن تقديم يد العون لهنّ.
تلك جهود مشتتة تعبر عن تطلعات المنتمين إلى طبقة الأرقاء نحو الأفضل، وهي تطلعات يسيرة، تدل على أن الأرقاء- وكذلك بقيةب المستضعفين- كانوا بحاجة إلى جهد منظم، وعقيدة جامعة تنير قلوبهم وعقولهم، وتلزم الأحرار الأقوياء بإنصاف المستضعفين إنصافاً تتحقق به إنسانيتهم، وتقوى به فرص اندماجهم في الحياة العربية اندماجاً عضوياً، يتطور به المجتمع وتتحقق وحدة أبنائه على نحو أفضل.
إن ظاهرة الحلف والجوار من أبرز ما يدل على التفاعل الإنساني النشط في المجتمع الجاهلي، فيها تطور الانتماء النسبيّ، وسار الإنسان الجاهلي خطوات تجاه تكوين مجتمع الأمة المهيأة للتوحيد.
القسم..و) أصل الحلف المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق))(3) ).وبذلك يتراءى لنا معلمان رئيسان في ظاهرة الحلف هما: عظمة موقع الحلف في نفوس المتحالفين لارتباطه بالقسم والعقد والعهد، وتكافؤ الأطراف المتحالفة تكافؤاً يسمح بالتعاضد والتساعد، أي يتبادل المصالح بين المتحالفين، والحلف يكون بين الجماعات ويكون بين الأفراد. وقريب من تحالف الأفراد الصداقة.
أ- تحالف الجماعات: لقد اتخذ الحلف بين الجماعات عدة أشكالٍ، فثمة أحلاف قبلية كانت تحدث بسبب تنافس البطون داخل القبيلة الواحدة تنافساً يؤدي إلى ظهور حلفين متنافسين داخل تلك القبيلة، ومن هذا القبيل تنافس زعماء قريش على تسلَم مقاليد بعض المناقب التي ورثّها قصي بن كلاب بنيه، وقد أدى ذلك إلى ظهور حلفين قرشيين هما: المطيّبون والأحلاف(4) )؛ وقد يكون خلاف أبناء النسب الواحد سبباً في تحالف شطرٍ منهم مع قبائل أخرى ضد شطره؛ فقد تحالفت الأوس مع بني قريظة والنضير(5) ) وكذلك مع مزينة ضد الخزرج(6) )، وما حدث في مكة ويثرب يصور انقساماً بين أبناء النسب الواحد، واتحاداً بين الداخلين في كلّ من الأحلاف المذكورة.
ومن الحلف بين الجماعات تحالف بطن من قبيلة مع بطن من قبيلة أخرى كتحالف بني ليث بني بكر الكنانيين مع بني عمرو بن عامر العامريين، يقول عبد الله بن ثور العامريّ(7) ):
ألا
تلكمو ليثٌ وعمرو بن عامرٍ |
حَليفانِ
رَاضُوا أمرُهمْ فتحلفوا |
أو تحالف قبيلة عدا بطن منها مع قبيلة أخرى، يقول حاتم الطائي(8) ):
تحالفتْ
طيىءٌ من دوننا حلفاً |
والله
يعلمُ ما كنا لها خذُلا |
أو تحالف عدة بطون من عدة قبائل، ومنها البطون التي ضمها اسم تنوخ(9) )، أو تحالف قبيلة مع مملكة، كتحالف طيىء مع عمرو بن هند(10) )، أو تحالف قبيلة مع أخرى كتحالف أسد مع غطفان(11) )، أو تحالف عدة قبائل كتحالف أسد وغطفان وطيىء(12) )، أو تحالف قبيلة مع حلف معقود، كتحالف قريش مع الأحابيش(13) )، والتحالفات المذكورة آنفاً تبرز وجود كيانات موحدة، دفعتها الضرورات إلى تكوين الأحلاف للمحافظة على الأمن، وللدفاع عن مصالحها المشتركة))(14) ). تلك صور رئيسة لتحالف الجماعات في الجاهلية، وفي تنوعها ما يدل على غنى حياة الإنسان الجاهلي بالتفاعل، والنشاط المتعدد الجوانب في رعاية إرادات فاعلة وواعية، اختارت أن تتعاقد وتتعاهد على ما ترى فيه تطويراً لحياتها، فسادات القبائل والبطون كانوا يعقدون الأحلاف بالتراضي فيما بينهم، وكانوا يوثقون هذه الأحلاف بكتابة ما تعاهدوا عليه(15) )، أو بإشهاد الشهود، وأخذ الرهائن(16) ).
وأحلاف الجاهليين تمثل معلماً بارزاً لتطور الإنسان الجاهلي؛ فهو يسعى بإراداته إلى تجاوز دائرة الانتماء النسبي الضيق المتعصب بإضافة انتماءات تطور الانتماء النسبي، ولا تلغيه؛ فالأخبار والأشعار الجاهلية تظهر الجدل بين المعصبين للنسب والراغبين بتطويره بعقد التحالفات.
كانت القبائل الأكثر تعصباً لنسبها لا تحالف أحداً، ولا تدخل أحداً معها، وهم جمرات العرب. وقد أطفئت جمرتان من جمرات العرب: بنو صبّة، لأنها صارت إلى الرباب فحالفتها، وبنو الحارث لأنها صارت إلى مذحج فحالفتها))(17) )، وقد مدج سلمة بن الخرشُب الأنماريّ بني ذبيان بأنهم كثر ينزلون مياهاً مختلفة، ولكنهم متواصلون، لا ينقطع بعضه عن بعض بغرباء أو حلفاء، يقول سلمة(18) ):
وأمْسَوا
حلالاً ما يُفرَّق بينهُمْ |
عَلَى
كلِّ ماءٍ بين فَيْدَ وساجِرِ |
ومن التعصب للنسب الأبوي على الحلف أن تحاول القبيلة تقويض حلف أقامه بطن منها مع بطن من قبيلة أخرى؛ فقد حالفت الحرقة بطن من جهينة) بني سهم بن مرّة من غطفان فهمت غطفان بأكلهم، فخافوا، فانصرفوا فلحقهم حصين بن الحمام المري، سيد بني سهم) وفردّهم، وشدّوا الحلف بينهم))(19) )، وفي ذلك يقول بشامة بين الغدير(20) ):
فإمَّا
هَلَكْتُ، ولم آتِهمْ |
فَأبْلغْ
أماثِلَ سهمٍ رسولا: |
|
بأنْ
قومكُمْ خُيِّروا خصْلَتيـ |
نِ،
كلتاهُما، جَعَلوها عُدُولا: |
|
خزْي
الحياة وحَرْبُ الصديقِ |
وكُلاًّ
أراهُ طَعاماً، وبيلاً |
|
فإنْ
لم يَكُنْ غيرُ إحداهُما |
فسيروا
إلى الموتِ سيراً جميلاً |
إنه يريد أن يخبر بني سهم بأن قبيلته غطفان) قد خيرتهم خصلتين: السماح لغطفان بأكل الحرقة حلفاء بني سهم، وفي ذلك تقديم للنسب على الحلف، وذلّ يسربل بني سهم؛ أو الوقوف مع الحلفاء ضد القبيلة، وفي ذلك تقديم للحلف على النسب، وفخار بالحفاظ على الحلف. وفي المحافظة على أولئك الحلفاء الحرقة) ضد أطماع بني العمّ فيهم يقول الحصين ابن الحمام يخاطب أبناء عمومته(21) ):
فلستُ
بمُبتاعِ الحياةِ بسُبةٍ |
ولا
مُبتعٍ، مِن رَهْبةِ الموتِ سُلَّما |
|
ولكنْ
خذُوني، أي يومٍ قدرتُمُ |
عليَّ
فحزّوا الرأس أنْ أتكلما |
إنه يصر على الوقوف مع حلفائه في مواجهة أبناء عمومته، غير تارك لهم بصيص أمل بالمهادنة أو الاستسلام لرغباتهم.
والتعصب للنسب الأبوي على الحلف فيه تقديم لمصالح القبلية على مصالح حلفائها ولعل ذلك من أسباب انهيار بعض التحالفات(22) )، ومن إقدام بعض الشعراء على ذكر أمجاد قومهم في الحروب، والإغضاء عن ذكر أفعال حلفائهم فيها(23) )
إن عقد الحلف فيه تقسيم وتوحيد وفق أسس متطورة، لا تلغي الانتماء إلى النسب الأبوي بل قد تعارضه، وهي تضيف إليه انتماء تقتضيه المصالح المشتركة، لا الأصول النسبية المشتركة فقط.
وقد أوجدت الأحلاف علاقات إنسانية متينة ومتطورة بين المتحالفين، وأظهر الشعراء ذلك في تأكيدهم أهمية الوفاء بالعهود؛ فامتدحوا الوفاء، وافتخروا به، وذموا الغدر بالحليف، والتخلي عنه، وأبرزوا الاستياء من تقصير الحليف في القتال إلى جانب حلفائه، وغضب الحليف لحفائه، وافتخروا بالدفاع عن الحليف كقول عبد الله بن ثور العامري في تحالف قومه مع بني ليث الكنانيين:
فكُنا
كَمَنْ آسَى أخاهُ بنفسهِ |
نعيش
معاً أو يتلفَونَ ونتلَفُ |
وكان الحلف عزاً لبعض الحلفاء؛ فقد خرج بنو بجلة من سُليم فأتوا بني عقيل، وحالفوهم وعاشوا أعزاء لديهم، وفيهم يقول العباس بن مرادس السُّلمي:
يا
لهفتا من بعد بجلةَ أصبحوا |
مواليَ
عزِّ، ليس فيهم مُرغَّمُ |
وكانت متانة العلاقة بين المتحالفين مدعاة لأن يمدح بعضهم بعضاً كقول النابغة يمدح بني أسد حلفاء بني ذبيان(24) ):
ليهنىءْ
بني ذُبيانَ أنَّ بلادهُمْ |
خلتْ
لهمُ من كلِّ مولىً وتابعِ |
|
سوى
أسدٍ يحمونها كلَّ شارقٍ |
بألفي
مُدلٍّ ذي سلاحٍ ودراعِ |
|
فدعْ
عنكَ قوماً لا عتابَ عليهمُ |
وهمْ
ألحقوا عبساً بأرضِ القعاقعِ |
|
ولولا
بنو دُود انَ كانت بلاقعاً |
بلادُ
بني ذُبيانَ يومَ التدافُعِ |
إنّه يمدح حلفاءه بني أسد، لأنهم نصروا بني ذبيان، وأمكنوهم من الاستمرار بالإقامة في منازلهم، ومن الاقتدار على إجلاء بني عبس أبناء عمومه بني ذبيان(25) ).
لقد عُرفَ النابغة بتقديم الانتماء إلى الحلف على الانتماء إلى النسب فحبّه لبني عبس أبناء عمومة الذبيانيين(26) ) لم يمنعه من مساعدة بني أسد حلفائه على بني عبس(27) ). وللنابغة قصيدة يتصدى فيها لعيينة بن حصن سيد بني ذبيان حين أراد أن ينصر أبناء عمومته العبسيين على أحلافه الأسديين، ومنها قول النابغة يخاطب عيينة(28) ):
إذا
حَاولتَ في أَسَدٍ فُجوراً |
فإنيَ
لَسْتُ مِنكَ ولستَ مني |
|
همُ
درعي التي استلأمتُ فيها |
إلى
يَوْمِ النّسارِ وَهمْ مجنيِّ |
|
وهمْ
وردوا الجفارَ على تُميمٍ |
وهمْ
أصْحابُ يومِ عُكاظَ إنّي |
|
شهدتُ
لهمْ مواطِنَ صادقاتٍ |
أتينهُمُ
بنُصحِ الصدرِ مني |
ثم ذكر قتل بني أسد لملك كندة، وزحفهم على الغساسنة، ثم خاطب عيينة بقوله:
وَلوْ
أنّي أُطِيُعكَ في أُمورٍ |
عَضَضْتُ
أنامِلي وَقَرَعْتُ سِنّي |
فالنابغة يرى الغدر بالحليف فجوراً، وقد علّل ذلك بأن لبني أسد تاريخاً مشتركاً مع بني ذبيان، فقد حاربوا معاً في عدّة مواقع، وفضلاً على ذلك كان لبني أسد تاريخ حربي مجيد، يدل على قوتهم وشجاعتهم؛ فهم حلفاء أقوياء، عظم بهم شأن بني ذبيان، وفي نقض حلفهم خسارة كبيرة، وندامة شديدة.
ومن الظاهر أن حلف أسد وذبيان، وأمثاله أثمر معارك قبلية طاحنة، أثخنت المجتمع الجاهلي بالجراح، ولكن ذلك لا يخفي المظاهر الإيجابية في تلك الأحلاف، فهي دليل ماديّ على قدرة الإنسان الجاهلي على الإسهام النشط في صنع تاريخه، وفي تحديد معالم مستقبله، فبالحلف يخرج الحلفاء من قوقعة الانتماء النسبي خروجاً إرادياً واعياً، تتواصل به الجماعات الأبوية بعضها متقاربة نسباً، وبعضها متباعدة) تواصلاً يحقق مصالحها على نحو أفضل. وبذلك نلمس إدراك الجاهليين لأهمية المصالح المشتركة في تقارب الجماعات المتباعدة نسباً، وكذلك نلمس إرادة الجاهليين وفعلهم الموصل إلى تلك المصالح بعقد الأحلاف، وبالحفاظ عليها.
وقد برز في ظاهرة الأحلاف تطور للانتماء النسبي تمثل في قبول الجماعة القبلية بالانقياد إلى رجل من حلفائها، وهذا الانقياد هو مقدمة موضوعية للقبول بالانقياد للدولة، فحصن بن حذيفة الفزرايّ الغطغاني كان قائد الحليفين أسد وغطفان، على الرغم من تباعد نسبيهما فهو عزيز إذا حلَّ الحليفان حولهُ)) تحدّى الملوك بهم، وامتنع بسيوفهم(29) ).
إنّ انقياد حلف من الأحلاف إلى رئيس واحد دليل على تلاحم هذا الحلف، وارتضاء أعضائه بالتلاحم على أسس تعاقدية، تتحقق بها المصالح المشتركة للمتحالفين. ومن مظاهر تلاحم الأحلاف أيضاً أن يصبح الحلف علماً للقبائل المتحالفة؛ فالمطيبون والأحلاف والأحابيش أسماء أعلام، يدل كل منها على مجموعات نسبية متحالفة، وقد عبّر الشعراء بلفظة الحليفين عن أسد وغطفان(30) )، وبالأحلاف عن أسد وغطفان وطيىء(31) )، وبالأحاليف عن عبس وعامر(32) )، ويلاحظ أن الأحلاف إذا طالت وتماسكت أحدثت اندماجاً بين قبائل الحلف، قد يتحول إلى نسب))(33) ).
لقد أدت التحالفات إلى تواصل جماعات جاهلية متنوعة؛ فبعضها متقاربة في الدار والنسب منها المطيبون والأحلاف بمكة)، وبعضها متباعدة في النسب متقاربة في الدار منها أسد وذبيان وطيىء)، وبعضها متباعدة في الدار والنسب، فكان الحلف سبباً في انتقال جماعة إلى منازل أخرى، ومن الشعر الدال على مثل هذا الانتقال قول سحيم عبد بني الحسحاس(34) ):
بني
عَمّنا من تَجْعَلُونَ مَكَانَنَا |
إذا
نَحْنُ سِرْنا نَبْتَغي منْ نُحالفُ |
|
وصرْنا
إلى السَّعْديَن سعد بن مالكٍ |
وسعد
بني الأحْلافِ تلكَ العَجَارفُ |
|
وقلنا
لهمْ والخيلُ تُرْدي بنا مَعاً |
نُحارِبُ
منْ حاربتمُ ونُحالِفُ |
فالأبيات تشير صراحة إلى إمكانية أن تنتقل الجماعة من منازل قومها إلى منازل جماعة أخرى تقبل بالتحالف معها.
وإذا كان لبعض الأحلاف أظفارٌ أنشبت في أجساد أعدائها، وتسببت في الآلام والفرقة فإنَّ أحلافاً أخرى لم تعقد لأهداف حربية، بل كانت غايتها استتباب الأمن، ونعيم الناس في ظلاله؛ فقد أحدثت قريش نظام الإيلاف، فتعاقدت مع بعض القبائل عقوداً ضمنت بها سلامة القوافل التجارية الذاهبة من مكة والقادمة إليها، وتحققت بها مصالح مادية نعم بها الداخلون في نظام الإيلاف جميعاً(35) )، وقريب من ذلك حلف الفضول)، وهو حلف تنادى إلى إقامته عدد من سادات قريش بمكة، حين كثرت المظالم فيها، وراح بعض المتجبرين والسفهاء من سكانها يظلمون التجار الذين يؤمون مكة، باغتصاب أموالهم(36) )، وانتهاك أعراضهم(37) )، واجتمع لذلك رؤساء بني هاشم وبني المطلب وبني زهرة، وبني تيم فاحتلفوا إلاّ يدعوا أحداً يظلم بمكة أحداً إلا نصروا المظلوم على الظالم وأخذوا له بحقهُ))(38) ) وقد استطاع حلف الفضول أن يحقق الغاية التي عقد لأجلها، ومما يدل على ذلك أن لميس بن سعد البارقي قدم مكّة، فظلمهُ أبي بن خلف، فأخذ له حلف الفضول حقه من أبيّ، فقال(39) ):
وناديتُ
قومي بارقاً لتجيبني |
وَكَمْ
دوُنَ قوَْمي مِنْ فَيافٍ ومن سهبِ |
|
سيأبى
لكم حِلفُ الفُضُول ظُلامتي |
بني
خلفٍ والحقُّ يُؤْخذُ بالعضبِ |
إن انعقاد حلف الفضول يدلّ على مستوى رفيع من الوعي الذي بلغه بعض سادة قريش؛ فقد أوكلوا لأنفسهم مهمة أن ينصروا كل مظلوم بمكة، فقاموا بالمهام التي توكل عادة بقبيلة المظلوم أو جيرانه أو حلفائه، وعبّر أولئك السادة عن انتمائهم إلى جماعة تمتلك مشاعر إنسانية نبيلة لا يحدّ منها انتماء نسبيّ ولا مكانيّ ولا تعاقديّ، إنهم ينصرون المظلوم في مكّة غير آبهين بنسبه أو موطنه أو حلفه أو جواره، ولكن ذلك لا ينفي وجود مصلحة لقريش كلها في ذلك الحلف؛ فقد ضمن لها استمرار توافد التجار إلى مكةن،وصلات حسنة بالقبائل، وتحققت بذلك مصالح مشتركة تطوّرت بها قريش، وتطورت بها قبائل أخرى.
وتحالف الجماعات مظهر من جدل الإنسان الجاهلي، وهو يسير نحو التواصل، بخطوات تقسم المجتمع تارة، وتوحّده أخرى، وهي في أثناء التقسيم والتوحيد تتجاوز دائرة الانتماء النسبي بخطوات متفاوتة، بلغت ذروتها في حلف الفضول.
وقد حققت أحلاف الجماعات للمنتمين إليها بإرادتهم ووعيهم حمايةً وأمناً خارج دائرة الانتماء النسبي، دون أن تلغي مهمته، ومن الشعر المعبر بإيجاز عن ذلك قول حاجز بن عوف، وكان قومه بنو سلامان حلفاء لبني مخزوم القرشيين، مفتخراً(40) ):
قَمْ
سَامانُ إمَّا كُنْت سائلةً |
وفي
قريشٍ كريمُ الحلفِ والحسب |
إنّه يفخر بقومه بالانتماء النسبيّ) ثم بحلفائه بالانتماء الحلفيّ)، فالانتماء الثاني لم يلغ الأول بل أضاف إليه إمكانات جديدة أسهمت في تطور المتحالفين الذين اكتشفوا بالخبرة العملية الطاقات الكبيرة الكامنة في تقارب الجماعات ووحدتها بناء على أسس تعاقدية تحقق مصالح مشتركة للمتحالفين غالباً، ولغير المتحالفين أحياناً.
***
ب- تحالف الأفراد: أسهم الأفراد في تقارب الإنسان مع أخيه الإنسان في المجتمع الجاهلي؛ فثمة أفراد دفعتهم ظروف قاهرة إلى ترك أهلهم ومنازلهم، وإلى النزول في كنف سيد يقبل محالفتهم، فيؤمن لهم الرعاية والحماية من غضبة ملك، أو طالب ثأر(41) )؛ وثمة أفراد رغبوا بالحلف، فقد دعا حرب بن أمية القرشي أبا مطر الحضرميّ إلى النزول في مكّة، ومحالفته، حيث يلقى المعاملة الحسنة والعيش الرغد، والأمن، يقول حرب(42) ):
أبا
مطرٍ هلُمَّ إلى صلاحٍ |
فَتَكنُفكَ
النَدامَى من قريشِ |
|
وتَأْمَنَ
وَسْطَهُمْ وتعيشَ فيهمْ |
أبا
مطرٍ هُديتَ لخيرِ عيشِ |
|
وتَسْكُنَ
بَلْدَةً عزَّتْ قديماً |
وتأمنَ
أن يزوركَ ربُّ جيشِ |
ومن المرجح أن دعوة حرب لأبي مطر تنتظم في إطار جذب رؤوس الأموال إلى مكة، وتشجيع الاستثمار فيها))(43) ) وفي ذلك تحقيق لمصالح مشتركة للمتحالفين، فقد كانت المنافع الاقتصادية المتبادلة سبباً في تحالف أفراد كثيرين مع رجال من بطون قريش الغنية(44) ).
والتحالف بين الأفراد كان يتم وفق أسس تشبه التحالف بين الجماعات؛ فالأفراد يتحالفون على الوفاء بشروط يتفقون عليها، وكان الوفاء بها حمداً، والرجوع عنها غدراً وعيباً(45) ).
وكانت بعض تحالفات الأفراد متينة بدليل مدح بعضهم بعضاً(46) )، واستشارة بعضهم بعضاً في أمور جليلة؛ ففي يوم ذي قار كان يزيد بن حمار السكوني حليفاً لبني شيبان فقال لهم أطيعوني، وأكمنوا لهم كميناً، ففعلوا، وجعلوا يزيد بن حمار رأسهم))(47) ). وفي هذا الخبر ما يظهر بجلاء عظمة منزلة الحليف، وشدة ارتباطه بحلفائه، بحيث يغدو واحداً منهم بل رئيساً لهم أحياناً، وإن في إطلاق لفظة المولى على الحليف وعلى ابن العم ما يؤكد متانة العلاقة بين الحلفاء في الجاهلية، يقول الحصين بين الحُمام المريّ مفرقاً بين المولى النسيب والمولى الحليف(48) ):
مواليُّنا:
مَوْلَى الوِلادةِ مِنهُمُ |
ومَوْلى
اليَمينِ، حابِساً، مٌتقسَّما |
وقد أكثر الشعراء من الامتداح والافتخار بحماية المولى ورعايته، والحلم عليه، ومن غمز قناة من يخذل المولى، ولا يرعى حقوقه، ومن ذلك الشعر قول الخنساء ترثي صخراً(49) ):
لهَفْي
عل صَخْرٍ لقد كانَ عِصْمةً |
لمولاه
إذ نَعْلٌ بِمَولاهُ زلَّتِ |
|
يَعودُ
على مَوْلاه منهُ برأفةٍ |
إذا
ما الموالي من أخيها تخَلَّتِ |
إن موقف الأحلاف من العهود التي تربط بينهم ليس واحداً؛ فبعض الحلفاء التزموا بما يجب عليهم تجاه أحلافهم، وبعضهم لم يلتزم بذلك؛ ولعلّ التعصب إلى الانتماء النسبي كان سبباً في خذلان الحليف؛ فمحبة أبي سفيان لقريش دفعته إلى مسالمة أقربائه الذين قتلوا حليفه أبا أزيهر الدوسيَّ، فقد أبى أن تضرب قريش بعضها ببعض في رجل من دوس(50) ).
ومثلما أطلقت لفظة المولى) على الحليف وعلى ابن العم، وفي هذا إعزاز وإكرام للحليف، فقد أطلقت أيضاص على العسيف(51) ) الأجير، والمملوك المستهان به)، وفي هذا احتقار وامتهان للحليف، ففي دلالة لفظة المولى) على الحليف وابن العم والعسيف ما يدل على اختلاف آراء الجاهليين حول قيمة الحلف ومنزلة الأحلاف، وهذا الاختلاف يمكن إرجاعه إلى تباين منازل الحلفاء؛ فالأصل في الحلف التعاقد على تبادل المصالح، وحين يقدر الحليف على ذلك يكون بمثابة ابن العم، فيحظى بالاحترام والتقدير(52) )، وحين يتلكأ الحليف عن تقديم العون لحليفه، فقد تنفصم عرى التحالف، وأما حين يغدو أحد الحليفين ضعيفاً، يحتاج إلى مساعدة حليفه، ويعجز عن مكافأته فإنَّ الحليف الضعيف قد يغدو عسيفاً، يستخدمه حليفه مقابل حمايته ورعايته.
***
جـ- الصداقة: إن الأصدقاء ومثلهم الأصحاب والأخلاء والرفاق(53) ) تجمعهم خصال وهموم مشتركة، ويقومون بأنشطة متشابهة، فيغزون معاً، ويتنادمون معاً، ويسافرون معاً، يصنعون ويواجهون ظروفاً مشتركة، بأساليب متشابهة، وبذلك تكوّن الصداقة انتماء جديداً يضيفه الأصدقاء إلى انتماءاتهم السابقة، ولاسيما الانتماء النسبي الذي يقوى حين تكون الصداقة بين الأقارب، ويُهذبُ حين تكون الصداقة بين الأباعد.
وكان الجاهليون لا يسافر منهم أقل من ثلاثة))(54) )، وقوافلهم تتكون من وحدات كل وحدة من ثلاثة أنفار على بعير واحد، واحد يسوق أو يحدو، واثنان يركبان، ويتعاقبان السياقة والركوب، فكلِّ رجل صاحبان))(55) )، وقد تكون الوحدة المسافرة مكونة من رفيقين، يقول حاتم الطائي(56) ):
إذا
كنتَ ربّاً للقَلُوصِ فلا تَدَعْ |
رَفَيقكَ
يَمْشي خَلْفَها غَيْرَ راكبِ |
|
أنِخْها،
فَأَردفهُ فإنْ حَمَلتْكُما |
فَذَاكَ،
وإنْ كان العِقابُ، فعاقبِ |
وفي المسير إلى الغزو كان اختيار الصحبة الملائمة القادرة على أداء تلك المهمة وعلى حماية بعضها بعضاً ضرورة لازمة لتوفير الظروف الملائمة لنجاح الغزو، وللعودة منه بسلام، فأبو كبير الهذلي يفخر بأنه جمع من الصحاب سرية، وأنهم لدات، أقوياء، متصافون، صرحاء، يتعطفون على جرحاهم وقتلاهم كما تتعطف الأمهات على أطفالهن(57) ). فالصحاب في الحرب يدافع بعضهم عن بعضهم الآخر، ففي الحرب(58) ):
لا يُسلمُ ابنُ حُرَّةٍ زميلهْ
وحين يحطّ الجاهلي رحال سفر أو غزو تجتذبه مجالس
السمر والشراب مع الأصدقاء، ليستمتع بلقائهم،
وإكرامهم بالإنفاق عليهم، يقول رجلٌ من بليٍّ(59) ):
أبوهَهُ
كُرِّي الخَمرَ بين صحابتي |
فإنّ
نَدَامَاي لَدَيكِ عِطاشُ |
تلك صور من الحياة التي تشد الإنسان إلى أخيه الإنسان بعرى الصداقة؛ وهي عرى تبدو من خلال الشعر متينة غالباً؛ وفي تتبع تصوير الشعراء للصداقة الحقّ تتراءى للمستقصي علاقة الصداقة في نسيج لا يقلّ متانة عن علاقة النسب. فالصديق لا يهجو صديقه(60) )، بل يحافظ على عهده في حضوره وفي غيابه(61) )، والصديق يحلم على صديقه(62) )، ويحسن استقباله(63) )، ويحوطه بالرأفة والرعاية والإكرام(64) )، ويقاتل دفاعاً عنه(65) )، ويشركه بماله(66) )، وينجز وعده(67) )، وقد يفديه بنفسه؛ فقد آثر كعب بن مامة رفيق سفره بحصته من الماء، فنجا الرفيق، ومات كعب عطشاً(68) ) والصديق يأسى لفقدان أصدقائه(69) )، ويحرص على الثأر لهم، وعلى تنفيذ وصاياهم، يقول عبد الله بن ثور العامري(70) ):
بانَ
الخليلُ وأوصانِي بأثؤرةٍ |
ألا
لأُميَ إنْ لم أفعلِ الهَبَلُ |
وإلى جانب ذلك ظهر في الشعر الجاهلي حرص الصديق على عرض صديقه وشرفه يقول حاتم الطائي(71) ):
رُبَّ
بَيْضَاءَ، فَرْعُها يَتَثَّنى |
قَدْ
دَعَتْني لِوْصلها، فَأَبيْتُ |
|
لم
يكنْ بي تحرَّجٌ غير أنيَ |
كُنْتُ
خِدْناً، لِزَوْجِها، فاسْتَحيْتُ |
وإذا كان ركم أخلاق حاتم يمنعه من خيانة الصديق فإن عديّ بن زيد يمنعه من ذلك كرم أخلاقه ودينه أيضاً(72) ).
وكان الوفاء للأصدقاء بما ذكر آنفاً مفخرة، وعدمه منقصة؛ فثمة أشعار تدل على أن بعض الأصدقاء شرّ، وبعضهم خير؛ يقول سلامة بن جندل(73) ):
وشرّ
ُالأخلاءِ الخَذُولُ، وخَيْرُهُمْ |
نَصِيُركَ
في الدَّهياءِ حينَ تنُوبُ |
ولعلّ ذلك من أسباب الدعوة إلى مصاحبة الأخيار، يقول عديّ بن زيد(74) ):
إذا
كنتَ في قومِ فصاحبْ خيارَهُمْ |
ولا
تصحبِ الأردى فتردى مع الرَّدي |
ويقول ذو الإصبع العدواني يوصي ابنه(75) ):
آخِ
الكرامِ إن اسْتَطَعْـــ |
تَ
إلى إخائهمِ سَبيلا |
|
واشْرَبْ
بِكَأُسِهمِ وإنْ |
شربُوا
بهِ السُّمَّ الثَّميلاَ |
|
أهِنِ
اللئامَ ولا تكُنْ |
لإخِائهمْ
جَمَلاً ذلُولا |
|
إنَّ
الكرامَ إذا تُوا |
خيهمْ
وجدْت لهمْ فُضُولا |
فالجاهلي يحرص على تكوين صداقات مع أناس كرماء، تتطور بهم حياته؛ فهم أنصاره على مصاعب الحياة، وهم أنسه في اقتطاف مباهجها(76) )، ولا غرابة، والحال كذلك، أن تعظم الصداقة في نفوس الجاهليين؛ فالجاهلي يقبل بشهادة أصحابه كقول حاتم الطائي(77) ):
فلا
تَسْأَلِيني واسألي بي صُحْبَتي |
إذا
ما المَطيُّ بالفلاةِ تَضَوَّرا |
وقبول حاتم بشهادة أصحابه على صبره وبلائه دليل على تعظيمه للصداقة تعظيماً يُذكر باستشهاد الصريح على حسن بلائه في الحياة بأقاربه، ومثل ذلك التفدية بالأصحاب كقول المعرور التيمي لكلدة بن الحارث التيمي(78) ):
فداءٌ
خالتي وفدىً صديقي |
وأهلي
كلّهمْ لأبي قُعَينِ |
إنه يفدي أبا قُعين بأغلى الناس، بأقاربه من جهتي أمه وأبيه، وبصديقه، والجمع بين الأقارب والصديق ها هنا يوحي بتقارب منزلتهما في نفس الشاعر.
إنّ ما ذُكر عن الصداقة في الصفحات الآنفة يستدعي إلى الذاكرة ما قيل عن ترابط المنتمين إلى نسب صريح واحد؛ فالحقوق الواجبة للصديق على صديقه شبيهة بما يجب للقريب على قريبه، والصداقة، مثل النسب الصريح، تمنح المرتبطين بحبالها رعاية وأمناً، وتحظى باحترام الجاهليين وتقديرهم، فهل كانت رابطة الصداقة وجهاً آخر لرابطة النسب الصريح في الجاهلية؟
لقد كانت أغلب تفاعلات الإنسان الجاهلي مع أخيه الإنسان تتم داخل دائرة الجماعة القبلية التي ينتمي إليها، ولذلك يتوجب أن يكون أصدقاء الجاهلي على الأغلب من المنتمين إلى دائرة انتمائه القبلي؛ وفي الشعر ما يدل على أن القريب قد يكون صديقاً، كقول عامر بن الطفيل يرثي ابن أخيه عبد عمرو بن حنظلة بن الطفيل(79) ):
وهَلْ
داعٍ فيُسمِعَ عبدَ عمروٍ |
لأُخْرَى
الخَيْلِ تَصْرَعُها الرّماحُ |
|
فلا
وأبيكَ لا أنْسى خَليلي |
بَبدوَةَ
ما تَحَرَّكتِ الرياحُ |
|
وكُنْتَ
صَفِيَّ نَفْسي دون قَوْمي |
وَوُدّي
دُونَ حامِلةِ السِّلاحِ |
فالصداقة ها هنا رابطة جديدة تضاف إلى رابطة النسب وتقويها، فابن الأخ صفي وودّ لعمه دون قومه عامة، ودون فرسانهم خاصة، فهل كانت القرابة النسبية شرطاً مسبقاص للصداقة؟
ليس في الشعر الجاهلي ما يشير إلى وجوب أن يكون الصديق قريباً نسبه، ولكن فيه ما يوحي بالتعصب للنسب الصريح، فالجاهلي حين يفخر بأصدقائه وندمائه، يترنم بأنسابهم الصريحة، كقول عمرو بن قميئة(80) ):
وندمانٍ
كريمِ الجدِّ سَمْحٍ |
صَبَحْتُ
بسُحْرةٍ كأساً سَبيّا |
وقول نبيه بن الحجاج(81) ):
وندامَى
بيضُ الوُجوه كهولٌ |
وشبابٌ
أسهرتُ ليلاً طويلا |
|
غير
هُجنٍ لا لئامٍ ولا تعـــ |
ـرفُ
منهم إلاّ فتىً بُهلُولا |
فنديم عمرو كريم الجدّ، وندامى نبيه غير هجن ولئام. وافتخر أبو كبير الهذلي بأنّه يصحب إلى الحرب لداتٍ أصفياء لنفسه، صرحاء، ليست أمهاتهم أمهات سوء(82) ).
إنّ فخر الجاهلي بصراحة نسب أصدقائه لا ينفي إمكانية أن يكون نسبهم بعيداً عن نسبه، وإنّ في تفاعل الإنسان الجاهلي مع غيره خارج دائرة انتمائه القبلي ما يحتم حدوث صداقات بين أناس من قبائل شتىً، وقد أظهرت الأخبار والأشعار الجاهلية عدداً منها؛ فخفاف بن ندبة السُّلمي كان نديماً وصديقاً لحضير الكتائب سيد الأوس، وقد قتل حضير، فرثاه خفاف(83) )، وكان بين رجل من طيىء والربيع وعمارة ابني زياد العبسيين مودة، فقال يرثيهما(84) ):
فإنْ
تكنُ الحوادِثُ جَرَّبتني |
فَلَمْ
أرَ هالكاً كأبْنَي زيادِ |
|
هُمَا
رُمحانِ خطّيانِ كانا |
من
السُّمرِ المثقفةِ الصِّعادِ |
|
تُهالُ
الأرضُ إنْ يطآ عليها |
بمثلهما
تُسالمُ أو تُعادي |
وهكذا نجد أن أصدقاء الإنسان الجاهلي قد يكونون أقارب أو أباعد، وبذلك يكون فخر الجاهلي بنسب أصدقائه الصريح ليس تعصباً للانتماء النسبي بل مظهراً متطوراً له؛ فالجاهلي يهتم بالنسب الصريح لأصدقائه، ولكنه لا يشترط القرابة النسبية لإقامة الصداقة، وفي ذلك تجاوز متطور لدائرة الانتماء النسبي، يقول الأعشى موصياً ابنه(85) ):
فإنَّ
القريبَ مَنْ يُقرِّبُ نَفْسَهُ |
لَعْمرُ
أَبِيكَ، لا مَنْ تنسَّبا |
ويقول أكثم بن صيفيّ: القرابة تحتاج إلى مودة، والمودة لا تحتاج إلى قرابة))(86) )، وبذلك تكون الصداقة، والمودة شرط لازم لها، أشملمن القرابة النسبية؛ فالمودة قد تقع بين الأقارب، وقد تقع بين الأباعد، ولعلّ أشمل علاقة ودّ ذُكرت في الشعر الجاهلي قول المتلمس الضبعي، في مقتل طرفة بن العبد(87) ):
منْ
مُبْلغُ الشُعراءِ عن أخَوَيْهمُ |
خَبَراً،
فَتَصْدقَهمُ بذَاكَ الأنْفَسُ |
|
أودَى
الذي عَلِقَ الصَّحيَفَة منْهُما |
وَنَجا-
حِذَارَ حبائِهِ- المتَلمِّسُ |
|
أَلقْىَ
صَحيفتهُ ونَّجَّتْ كُورَهُ |
عَنسٌ
مُداخَلةُ الفَقَارةِ عِرمِسُ |
فالشعراء إخوة، ولذلك راح المتلمس يحذرهم من غدر عمرو بن هند ملك الحيرة؛ فذكرهم ما فعله بأخيهم طرفة، وبأخيهم المتلمس، وقد عبّر المتلمس بذلك عن وعيه بوجود رابطة تجمع بين الشعراء، وهي رابطة مهنية لا نسبية؛ فالشعراء إخوة لأنهم يمتهنون إبداع الكلمة الشاعرة، ولأن لهم هموماً مشتركة، ولأن لهم أساليب متشابهة في التفاعل مع تلك الهموم.
ولكن ما يحصل حين يقع الشر بين قبيلتي رجلين بينهما روابط مودّة وصداقة؟ في الإجابة عن ذلك التساؤل يقول إحسان النص: وهنا أيضاً نجد أن العصبية تفصم عرى هذه المودة، وسرعان ما تنقلب صداقة الرجلين إلى ضدّها، فإذا كل منهما للآخر عدوٌّ مبين))(88) ) ولكن القول السابق لا يصدق دائماً؛ ففي أخبار الجاهلية ما يدل على أن عرى الصداقة مقدمة على عرى العصبية عند بعض الجاهليين؛ فقد مكّن خداشُ بن زهير العامري قيسَ بن الخطيم الأوسيّ من قتل قاتل جدّه، وهو ابن عمّ لخداش، وذلك تعبير عن وفاء خداش لرابطة الصداقة التي كانت تربطه بوالد قيس(89) ).
في الإجابتين السابقتين يتجلّى الجدل بين انتماءين، يتلاقيان وينتجان قيماً متطورة؛ فبين الأصدقاء، سواء أكانت أنسابهم قريبة أم متباعدة، رعاية ومودّة وتناصر وتعاون واحترام؛ وكانت الصداقة سبباً في قبول الصريح بالقيام بأعمال يأنف منها عادة؛ فالأنفة من القيام بأعمال الخدمة تعصباً للنسب تتضاءل أمام رابطة الصداقة؛ فالصديق، ولاسيما في السفر، يبادر على خدمة رفاقه، يقول الشماخ يمدح فتى كريماً(90) ):
وأشعثَ
قدْ قدَّ السِّفارُ قَمِيصَهُ |
وَجَرُّ
الشِّواءِ بالعَصَا غيرَ مُنْضَجِ |
فهذا الفتى يبذل نفسه، ولا يصونها عن التعمل في السفر، فتقطع قميصه لتحمله عن أصحابه أثقال المهن، وهو فتى كريم إن دعوته أجابك، وأسرع إل نجدتك، وافتخر عمرو بن شأس بمثل ذلك فقال(91) ):
وإنّي
لأشوي للصّحَاب مَطيَّتي |
إذا
نزلوا وَحْشاً إلى غيرِ منزلِ |
إنه يفخر بشواء اللحم لأصحابه، وبمثل ذلك رثت الخنساء صخراً، فقالت(92) ):
فظلَّ
يُشوّي لأَصحابهِ |
وظلَّ
يُحيَّا، وظلُّوا شُروبا |
تلك هي الصداقة، إنها تحالف بين شخصين أو عدة أشخاص، وكل صداقة تشكل انتماء صغيراً داخل المجتمع الجاهلي، ويبدو من كثرة أحاديث الشعراء عن الصداقة أنها كانت شائعة، ومؤثرة في الحياة الاجتماعية. وانتماء الصداقة أساسه الاختيار والاصطفاء، ولذلك يكون قابلاً للاستمرار وللانقطاع أيضاً؛ فالعلاقة الجدلية بين الأصدقاء قد تؤدي إلى تمتين عرى الصداقة، حين تتقارب أهواؤهم ومشاربهم، وتتشابه أقوالهم وأفعالهم، فمجموعة الأصدقاء تتشكل من أشخاص متشابهين، يقول طرفة(93) ):
عَنِ
المْرءِ لا تَسْألْ وأَبْصِرْ قَرينهُ |
إنَّ
القَرينَ بالمُقارنِ مُقْتَدِ |
وقد تؤدي العلاقة الجدلية بين الأصدقاء إلى انفراط عقد الصداقة حين تتنافر قلوبهم، وتتضاءل مصالحهم المشتركة؛ فالنابغة الجعدي لا تنقاد نفسه إلى صديق ماكر مخادع، ولا يرى حلاًّ لذلك إلا بهجره(94) )، وعبيد بن الأبرص لا يبتغي ودّ امرىء قلّ خيره، ولكنّه يصل الصديق، ولا يتجنبه، يقول عبيد(95) ):
ولا أبتغي ودَّ امرىءٍ قَلَّ خَيرُهُ
ولماذا لا يتجنب الصديق؟ الجواب في الشطر الأول!
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |