|
|||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:30 AM | |||||||
|
الفصل الخامس: الانتماء الديني والعربي
إن التدين فطرة إنسانية تلبي حاجة الإنسان إلى الاستقرار النفسيّ، فالدين يقدم للإنسان إجابات عن تساؤلات كبرى تتعلق بوجوده وفنائه، وبحريته وعبوديته، وبثوابه وعقابه. واقتناع المتدين أوتسليمه بإجابة الدين عن تلك التساؤلات، وغيرها تكسبه الاستقرار النفسيّ، وتسهم في تكوينه العقلي، وفي توجيه سلوكه، وبذلك يغدو المنتمون إلى دين واحد متقاربين في أفكارهم ومشاعرهم وسلوكهم تقارباً تزداد أواصره بتشابه ظروفهم الموضوعية، وتقلّ باختلافها. وفي هذا الفصل تتبع للانتماءات الدينية الجاهلية، وبيان لأثرها في تقارب الجاهليين وتباعدهم، ويتلو ذلك بيان لإرهاصات التكوين القومي العربيّ الذي اكتمل باعتناق أغلب العرب للإسلام، وبقيام الكيان العربي السياسيّ الموحَّد المستقلَ.
1- الانتماء الدينيّ
1- ديانات الجاهليين:
حين ظهر الإسلام كانت مشاعر العرب وأفكارهم تتنازعهم ديانات سماوية ووثنية، وقد تتبع تلك الديانات باحثون كثر، ولذا سنكتفي ها هنا بالإشارة الموجزة إلى تلك الديانات على أن يوقف على بيان أثرها في تطور انتماء الإنسان الجاهلي نحو الوحدة والتحرر.
يرى بعض العلماء أن عبادة الجاهليين في الأصل هي عبادة كواكب، وأن أسماء الأصنام والآلهة ترجع كلّها إلى ثالوث سماويّ هو الشمس والقمر والزهرة))(1) )، ويؤكد عبادة الجاهليين للشمس والقمر أن الله تعالى خاطب الجاهليين بقوله: *ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، لا تسجدوا للشمس ولا للقمر، واستجدوا لله الذي خلقهُنَّ إن كنتم إياه تعبدون*(2) )، وقد نُعتت الشمس في شعر جاهلي بالإلهة(3) ).
وكانت بعض أصنام الجاهليين رموزاً للأجرام السماوية المعبودة، فمن أصنامهم الشمس)، وهو صنم قديم،(4) ) عبده بنو أد كلهم(5) )، وقدسته قبائل أخرى، فقد أقسم سلمى بن المقعد الهذلي في شعر له بصنم الشمس(6) ). وكانودُّ)) صنماً عبده بنو كلب بدومة الجندل(7) )، ويرمز إلى القمرعند المعنيين، وهوالإله الرئيس عندهم، و.. عند بقية العرب الجنوبيين، ومتى ورد اسمه في نص قُصِدَ به القمر))(8) ).
والأصنام التي عبدها الجاهليون كثيرة، ويدّل على ذلك قول ابن الكلبي: كان لأهل كلّ دار من مكة صنمٌ في دارهم يعبدونه))(9) )، وكذلك الخبر عن وجود ثلاثمائة وستين صنماً حول الكعبة حين فتح المسلمون مكة(10) )، ورجح د. زيتوني رجوع كثرة الأصنام حول الكعبة إلى أنّ كلّ القبائل العربية كانت تضع الأصنام التي تقدسها هناك، فكانت تلك الأصنام تمثل معظم معبودات القبائل. ولا يمنع ذلك وجود نماذج أخرى من تلك الأصنام في أحياء هذه القبائل))(11) ).
والأًصنام التي عبدها الجاهليون ليست دائماً رموزاً إلى الأجرام السماوية المعبودة، فثمة جاهليون عبدوا الملائكة، ومنهم قرشيون قالوا للرسولص): نحن نعبد الملائكة بنات الله))(12) ) ويرى د. دروزة أن فئة من الذين عبدوا الملائكة كانت تعتبر اللات والعزى ومناة رموزاً وهياكل مادية في الأرض للملائكة الذين هم في السماء(13) ).
ومن الوثنية عبادة بعض الأشجار، وممَّا يدل على وجودها عند الجاهليين أنّ ابن إسحاق في حديثه عن دخول أهل نجران في النصرانية ذكر أنهم كانوا يعبدون نخلة طويلة بين أظهرهم))(14) ) ونجد تعظيماً للشجر في قول عروة بن مرّة الهذليّ(15) ):
وقال
أبو أُمَامَةَ: يا لبَكْرٍ |
فَقُلْتُ:
ومَرْخَةٍ دَعْوَى كَبيرُ |
إنه يقسم بمرخة، وهي شجرة، وفي ذلك تعظيم وتقديس لها.
ولقد قسم "النجيرمي" وثنية العرب إلى طائفتين: طائفة تزعم أن الأصنام هي التي تضرّ وتنفع، وطائفة تزعم أن الأصنام تقربها إلى الله(16) ). أما الفئة التي تزعم أن الأصنام هي التي تنفع وتضرّ فأفرادها هم الوثنيون، ولعل في قسم بعض الجاهليين بالأنصاب والأصنام فحسب ما يوحي باعتقادهم بقدرتها على الضرّ والنفع ومن ذلك قول طرفة يخاطب عمرو بن هند(17) ):
إنيّ
وَجَدِّكَ ما هَجَوْتُك والـ |
أنصْابُ
يُسْفحُ بَيْنَهُنَّ دمُ |
وكذلك قسم المتلمس الضبعي باللات والأنصاب معاً(18) ). وقسمُ غيره بالعتائر التي تذبح حيث الضبعي فلس)(19) )، وقسمُ عبد العزى بن وديعة المزني يمين صدق برةً بـمناة)(20) ).
وأما الفئة التي تزعم أن الأصنام هي التي تقربها إلى الله فأفرادها هم المشركون، وهم أغلب الجاهليين، والأدلة على الإشراك كثيرة، ومنها قول القرشيين في أثناء طوافهم بالكعبة: واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، فإنهنّ الغرانيقُ العلا، وإن شفاعتهن لترتجى.(21) ) وقولهم في التلبية: لبيّك اللهم لبيّك، لبيّك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك))(22) ).
إن المشركين يوحدون الله سبحانه ثم يدخلون معه أصنامهم، ويجعلوها أمرها-وكذلك أمرهم- إلى الله وحده، فالله أكبر من أصنامهم، وأعظم يقول أوس بن حجر:(23) )
وباللاتِ
والعزَّى ومنْ دانَ دينَها |
وبالله
إنَّ الله ِمْنُهنَّ أكْبرُ |
إنّ اللات والعزى صنمان يعظمهما أوس، ولكنه يرى لشركه أن الله أكبر منهن وأعظم؛ فالأصنام عند المشركين معبودات صغيرة يملكها ويملك عبادها ربٌ واحد عظيم هو الله تعالى(24) ).
وعرف الجاهليون إلى جانب الوثنية والشرك ثلاث ديانات سماوية هي: الحنفية واليهودية والمسيحية.
أما الحنيفية فهي دين إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل عليهما السلام. ويبدو من أخبار الجاهلية أن كثيراً من معالم ذلك الدين قد ضاعت ولهذا قام جماعة يبحثون عنه، ويطلبون الكشف عن حقيقته وجوهر تعاليمه، وهؤلاء هم الذين عُرفوا باسم الحنفاء أو الأحناف، نسبة إلى بحثهم عن دين الحنيفية، وإيمانهم به مجرداً من مفاسد ذلك العصر))(25) ). وكان أمام الباحثين عن حقيقة الحنيفية أمورمن دين إبراهيم تحظى باحترام الجاهليين وتقديسهم ومنها تعظيم البيت والطوف به والحجّ والعمرة والوقوف على عرفة ومزدلفة وإهداء البُدن والإهلال بالحج والعمرة مع إدخالهم فيه ما ليس منه))(26) ).
والذي أدخله الجاهليون إلى دين إبراهيم مما ليس منه هو الشرك وهو رأس المفاسد التي حاربها الباحثون عن حقيقة دين إبراهيم، فكانت محاربة الشرك بإعلان التوحيد قاسماً مشتركاً بين أولئك الباحثين الحنفاء) ومن ذلك الإعلان قول زيد بن عمرو العدوي القرشي(27) ):
عَزَلْتُ
الِجنَّ والِجنَّانَ عَنّي |
كذلكَ
يَفْعَلُ الجَلْدُ الصَّبُورُ |
|
فلا
العُزَّى أدِينُ ولا ابنَتَيها |
ولا
أُطْمَي بني طَسْمٍ أُديرُ |
|
ولا
غنماً أدينُ وكان ربّاً |
لنا
في الدهر إذ حلمي صغيرُ |
|
أرباً
واحداً أَمْ أَلْفَ رَبٍّ |
أَدينُ
إذا تَقَسَّمتِ الأُمورُ |
وقد تبع الإيمان بالله الواحد الإيمان بأمور أخرى منها علم الله المطلق، والبعث والحساب ومن شعر الحنفاء في ذلك قول زهير بن أبي سلمى(28) ):
فلا
تَكْتَمنَّ اللهَ ما في نفوسكُمْ |
لِيَخْفَى،
وَمَهْما يُكتمِ اللهُ يَعْلَمِ |
|
يُؤخَّرْ،
فيوضَعْ في كِتابٍ، فيُدَّخرْ |
لِيَوْمِ
الحسَابِ، أو يُعَجَّلْ، فَيَنُقَمِ |
وكان الباحثون عن حقيقة الحنيفية متنورين، أرادوا أن يرقوا بالعقول والمشاعر فوق ضعة الوثنية والشرك وقد آزرهم على ذلك اتصالهم باليهود والنصارى وكان ذلك سبباً في القول بنصرانية بعض الحنفاء تارة، وبيهوديتهم أخرى(29) ).
وأمّا اليهود فقد كانوا في مواضع المياه والعيون من وادي القرى وتيماء وخيبر إلى يثرب، وفي اليمن(30) ). وتضاربت الآراء والأقوال حول تاريخ دخول اليهودية إلى تلك البقاع والمظنون أن اليهود هاجروا من فلسطين إلى الحجاز واليمن سنة 70م) وسنة 132م) أيضاً(31) ).وقد اجتذبت اليهودية بعض الصرحاء إليها فدانوا بها ولا سيما في اليمن ويثرب(32) ) ولكنها لم تبلغ شأو المسيحية في الانتشار بين الجاهليين.
وأمّا المسيحية فقد انتشرت في اليمن وشمالي الجزيرة العربية الغربي والشرقي كما عرفت في أنحاء أخرى من جزيرة العرب، وانتشار المسيحية في اليمن بدأ على الأرجح منذ القرن الرابع الميلادي وكان من أهم الأسباب في انتشارها هناك بعثات دينية كان يشجعها القياصرة))(33) ) ولكن انشارها في بلاد الشام والعراق كان أكثر اتساعاً وقد انتشرت بين عرب بلاد الشآم بنسبة تزيد على نسبة انتشارها بين عرب بلاد العراق وهو شيء طبيعي، فقد كانت بلاد الشأم تحت حكم البيزنطيين، وديانتهم الرسمية، هي الديانة النصرانية، وكانوا يعملون على نشرها وترويجها بين شعوب إمبراطوريتهم) وبين الشعوب الأخرى لاسيما الشعوب التي لهم مصالح اقتصادية معها))(34) )، ومنها العرب.
ووجدت المسيحيةُ في وسط الجزيرة العربية الشرقي والغربي بتأثير تواصل سكانها مع المسيحيين بالتجارة، وبالرقيق الأبيض المجلوب من الشام والعراق، وبقدوم النسّاك والمبشرين إلى تلك البقاع(35) ). ومن الظاهر أن المسيحية لقيت مقاومة من الشرك وسط الجزيرة، فكان انتشارها محدوداً، فقبيلة قريش ذات الصلات الكثيرة بالمسيحية لم يتنصر منها سوى ثلاثة رجال هم: ورقة بن نوفل، وعثمان بن الحويرث الأسديان، وشيبة بن ربيعة الأموي(36) ).
لقد غدت المسيحية مثل الشرك ديناً رئيساً لدى الجاهليين، ويؤكد ذلك قول الجاحظ كانت النصرانية فاشية في العرب إلا مضر، فلم تغلب عليها يهودية ولا مجوسية، ولم تفش فيها النصرانية، إلا ما كان من قوم منهم نزلوا الحيرة يسمون العباد، فإنهم كانوا نصارى.. ولم تعرف مضر إلا دين العرب الشرك) ثم الإسلام))(37) ). وهكذا يتبين تعدد ديانات الجاهليين، فثمة وثنيون ومشركون، وأتباع ديانات سماوية حنيفية، ويهودية ومسيحية)، ويضاف إلى ذلك وجود أشتات من العرب دانوا بعقائد أخرى كالمجوسية والصابئة والدهرية(38) ).
إن تعدد ديانات الجاهليين يعني تعدد انتماءاتهم الدينية، ويدفع إلى التساؤل عن أهمية هذه الانتماءات في تطور الإنسان الجاهلي نحو الوحدة القومية؛ أعاقت تطور الوحدة أم أسهمت في بنائها؟ وكيف كل ذلك؟
***
2- الفرق والصراعات الدينية:
يكاد توزع ديانات الجاهليين أن يتطابق مع توزعهم النسبي والجغرافي، ومما يدل على ذلك أن أكثر قبائل الشام والعراق دانت بالمسيحية، وأن أكثر سكان الحجاز ونجد دانوا بالشرك. وهذا التوزع قد يوحي بإسهام ديانات الجاهليين في إقامة حدود تفصل بين القبائل، وتعوق تواصلها، ويقوى الإيحاء بذلك حين نعرف تعدد انتماءات المشركين الدينية بتعدد فرقهم وأصنامهم المقدسة، وتعدد انتماءات المسيحيين بتعدد مذاهبهم، وحين نعرف أن من الجاهليين رجالاً أدركوا أهمية الانتماء الديني في رسم الحدود الفاصلة بين الجماعات القبلية، ومنهم حاتم الطائي الذي يقول:(39) )
إلههُمُ
رَبِّي، وربّي الههُمْ |
فأقسمْتُ
لا أَرْسُو، ولا أتمعَددُ |
إنه طائي يرتبط بقومٍ برابطة الانتماء الديني، ولذا لا يقبل أن يقلد معداً، ولا أن ينتسب إليها. وجمع عمرو بن قميئة بين الانتماء إلى النسب والانتماء إلى الدين في قوله عن قومه، وكان بعيداً عنهم:(40) ).
على
أنّني قدْ أدَّعِي بأبيهمُ |
إذا
عَمَّتِ الدعْوى وَثَابَ صَرْيُحها |
|
وأني
أرى ديني يوافقُ دينهمْ |
إذا
نَسَكُوا أفْراعُها وذَبيحُها |
إن جمع عمرو بين الانتماءين: النسبي والديني يعني إدراكه أن الجماعات تتمايز بالنسب، وبالدين أيضاً، ويشبه عمراً في ذلك مالك بن العجلان الخزرجي في قوله للربيع بن الحقيق اليهودي(41) ):
إنّي
امرؤٌ من بني سالم |
كريمٌ
وأنت امرؤٌ من يَهُودْ |
لقد تعددت انتماءات الجاهليين الدينية بتعدد الأديان التي ذُكر اعتقادهم بها، وإذا كنا لا نتبين في شعر الجاهلية وأخبارها انقسامات مذهبية بين أتباع كل من اليهودية والمجوسية والصابئة والدهرية فإن الانقسامات بين أتباع كل من الوثنية والشرك والمسيحية منصوص عليها في المصادر الجاهلية.
وإذا وقفنا عند الأصنام التي تعبد لها الجاهليون فسوف نجد ثلاث دوار تعبدية، هي: دوائر تضم صنماً تعبده قبيلة، ودائرة تضم صنماً تعبده قبيلتان أو عدّة قبائل، ودائرة تضم صنماً تعبده العرب المشركون بعامة. فمن الدائرة الأولى عبادة مزيمة لنُهمَ(42) ). وعبادة طَيْىء للفلس(43) )، وعبادة هوازن لجهار(44) )، ومن الدائرة الثانية عبادة همدان وخولان ليعوق(45) ) وعبادة بجيلة وخثعم والحارث بن كعب وجرم وزبيد والغوث بن مرّ بن أدّ، وبنو هلال بن عامر لذي الخلصة(46) )، ومن الثالثة تعظيم العرب المشركين للآت والعزى ومناة، مع اختصاص بعضهم بتعظيم اللات أو العزى أو مناة أكثر من غيرها(47) ). وبإعادة النظر في ثلاث الدوائر المذكورة نلحظ تنوع انتماءات المشركين الدينية وتعددها تنوعاً وتعدداً يدلان على شتات المشركين من جهة وعلى تواصلهم من جهة ثانية، فالقبيلة الواحدة قد تنتمي إلى تلك الدوائر معاً، ومنها مزينة، فيه تختص بعبادة نهم، وتشترك مع كنانة وهذيل وعمرو ابن قيس عيلان بعبادة سُواع(48) )، كما تشترك مع المشركين كافة في تعظيم اللات والعزى ومناة.
وأما المسيحية فقد عرف العرب مذهبين رئيسيين منها، وهما: المذهب النسطوري(49) ). والمذهب اليعقوبي(50) )، وهما من المذاهب الشرقية التي ظهرت وانتشرت في الشرق، ووجدت لها مجالاً وانتشاراً في العراق وفي بلاد الشام، ومصر والحبشة، وجزيرة العرب))(51) ). وهذان المذهبان يخالفان المذهب الرسمي للدولة البيزنطية وقد عرف عرب اليمن النصرانية التابعة للكنيسة الإسكندرية الرومانية بواسطة التبشير الذي رعاه الإمبراطور قسطنطين الأكبر(52) ). وإضافة على ذلك فقد وجدت شيع، عقائدها مزيج من اليهودية والمسيحية، سبيلاً للوصول إلى العرب(53) ).
وهكذا نلحظ تعدد الانتماءات الدينية بين الجاهليين، وكان تعددها جديراً بأن يوجد شروخاً عميقة، وصراعات عنيفة، ولكن حياة الجاهليين لم تشهد صراعات دينية إلا نادراً، ومن ذلك ما وقع بين اليهود والمسيحيين في اليمن، فقد أدخل تبّع، تُبان أسعد، أبو كرب اليهودية إلى اليمن(54) )، وعمل خليفته رُعين، ذو نواس على تهويد نصارى نجران، فسار إليهم بجنوده فجمعهم، ثم دعاهم إلى دين اليهودية، فخيرهم بين القتل والدخول فيها، فاختاروا القتل، فَخَذَّلهمُ الأخدود فحرَّق بالنار، وقتل بالسيف ومثل بهم كل مثلة، حتى قتل منهم. قريباً من عشرين ألفاً))(55) ) وقيل في سبب إقدام ذي نواس على فعلته أن يهودياً من أهل نجران أخبره أن أهالي نجران النصارى قتلوا ابنين له ظلماً، فحمي ذو نواس لليهودية وغزا نجران(56) ). ولكن د. نجيب البهيبتي يرى أن حادثة الأخدود كانت محاولة لاجتثاث السلطان الأجنبي، وهو النصرانية، فقد أدخلها الروم والأحباش إلى اليمن لاستمالة أهلها إليهم برابطة الانتماء إلى دين واحد(57) ).
ويبدو أن ما قيل عن سبب إقدام ذي نواس على فعلته لا يناقض رؤية د. البهبيتي لها، فما قيل يصلح أن يكون ذريعة سبباً مباشراً) لإقدام ذي نواس على تحقيق رغبته في تخليص بلاده من بؤرة للنفوذ الأجنبي في اعتقاده. وبذلك لا يكون الصراع بين اليهودية والمسيحية في اليمن صراعاً دينياً بل صراعاً سياسياً وقومياً ارتدى لبوساً دينياً، ويؤكد ذلك أن الروم والأحباش استنفروا قواهم بعد حادثة الأخدود، فأمدّ قيصر الأحباش بالسفن، فاجتازوا البحر إلى اليمن واحتلوها، وأذلوا أهلها، ورفعوا لواء المسيحية فيها. ثم طمح أبرهة الحبشي إلى أن يصرف العرب عن مكة إلى كنيسة عظيمة بناها في صنعاء، وكان ذلك من أسباب إقدامه على المسير إلى مكة لهدم كعبتها(58) )، وكان لقريش أشعار مقاومة لمحاولة أبرهة المخففة، ومنها قول عبد المطلب بن هاشم(59) ):
لا
هُمَّ إنّ العَبْدَ يمْــ |
ــنَعُ
رَحْلَهُ فامْنَعْ حلالكْ |
|
لا
يغلبنَّ صَليبهُمْ |
ومحَالُهُم
غَدْواً محالك |
|
جَرَّوا
جُموعَ بلادِهِمْ |
والفيلَ
كي يسبوا عيالكْ |
إن عبد المطلب يدعو الله إلى دفع المسيحيين الأحباش الذين قدموا من بلادهم) إلى بلاد عبد المطلب ليذلوا أهلها، ويُدنَسّوا مقّدساتهم، إنه لا يعارض المسيحية بل يعارض احتلال الغرباء لأرضه، ورغبتهم في تدمير الكعبة، قُدس العرب الأول، ومما يدل على أن عبد المطلب لا يعارض المسيحية أن قريشاً، وعبد المطلب منها، لم يضطهد المسيحيين المقيمين في مكة، كما لم تعارض خروج بعض رجالها من الشرك ودخولهم في المسيحية(60) ).
ومن الصراعات التي يشتبه باندلاعها لأسباب دينية ما وقع بين الأوس والخزرج من جهة ويهود يثرب من جهة أخرى، فقد استعان الأوس والخزرج بأقاربهم الغساسنة، وأوقعوا مجتمعين باليهود وقعة أذلتهم ومكنت الأوس والخزرج من السيادة على يثرب(61) ). وليس في هذا الصراع ما يدل على وجود عصبية دينية بل عصبية نسبية جمعت أقارب مشركين الأوس والخزرج) ونصارى الغساسنة) فحاربوا اليهود وحققوا مكاسب سياسية واقتصادية لا دينية، فالمنتصرون لم يبشروا بنصرانيتهم ولا بشركهم والمنهزمون لم تنل الهزيمة من حريتهم الدينية.
إن الصراعات المذكورة آنفاً- وإن كانت بي أصحاب ديانات مختلفة- لم تكن دينية. ولو تتبع باحث أيامَ الجاهليين، وأشعارهم الدينية فسوف يعجز عن الإمساك بدليل قاطع على وجود عصبية دينية أشعلت حرباً أو أثارت بغضاء بين الجماعات القبيلة، وغاية ما يصل إليه إشارات توحب أن التمايز الديني لم يكن غائباً غياباً كلياً عن أذهان المتحاربين في الجاهلية ومن الأدلة على ذلك قول النابغة الذبياني يصف غزو النعمان بن الحارث الغساني لبني أسد في رواية(62) ):
مُستشعرينَ
قد ألفوا في ديارهم |
دعوى
يسوعَ ودعميٍّ وأيوبِ |
فإذا صحت رواية البيت فإنها دليل على أن الغساسنة اتخذوا من الانتماء إلى المسيحية شعاراً، يرفعونه في حروبهم، ويعرفون به، وربما كانوا يقاتلون لنشر النصرانية.
وكان لجديلة من طيىء صنم أخذه منهم بنو أسد فاستبدلت به جديلةُ اليعبوب)، ولبني جديلة يقول عبيد بن الأبرص الأسديّ(63) ):
وتَبَدَّلُوا
اليَعْبوبَ بعد إلهِهِمْ |
صنماً،
فَقَرُّوا يا جَديلَ وأعذِبُوا |
وأخذ بني أسد لصنم بني جديلة يوحي باحتمال وجود سبب ديني للصراع بين القبيلتين، ولعل ما فعله الأسديون ليس عصبية دينية بل عصبية نسبية أراد أصحابها أن يبالغوا في إذلال أعدائهم فأخذوا معبودهم(64) )، وربما كان بنو أسد يرغبون بأخذ الصنم للتعبد له، والاستئثار به دون جديلة، وفي أخبار الجاهلية ما يدل على إمكانية ذلك، فقد كان يغوث) عند بطنين من مراد، هما أعلى وأنعم، فرغب أشراف مراد بنقل يغوث) إلى منازلهم، فأبى بنو أعلى وأنعم ذلك، فوقعت الحرب بينهما(65) ).
تلك هي حال الجماعات التي احتكمت إلى السيوف لأسباب يتراءى فيها العامل الديني، ولا يكاد يظهر، وأما الأفراد فليس في أخبار الجاهليين قبل ظهور الإسلام ما يشير إلى وجود اضطهاد ديني إلا في حالة واحدة، هي اضطهاد الخطّاب بن نفيل العدويّ لزيد بن عمرو بن نفيل العدوي، فقد عاب زيد دين قومه قريش)، ودعا إلى اعتزال الأوثان والميتة والدم والذبائح التي تنحر على أعتاب الأصنام والأوثان، ونهى عن وأد البنات(66) )، فاستاءت منه قريش، فأخرجته من مكة وآذته(67) )، ووكل الخطّاب بن نفيل بزيد سفهاء قريش ليمنعوه من دخول مكة، كي لا يفسد على قريش دينها، وقد تألم زيد من ذلك، وشكا أمره إلى الله في قوله)(68) :
لا همَّ إنّي محرمٌ لا حِلَّهْ |
وإنَّ بيتي أوسطَ المحَلَّهْ |
|||
عند الصفا ليس بذي مَضَلَّهْ |
||||
وقد عاب زيد هُبلَ) في أبيات تبرأ فيها من الشرك، ودعا إلى الحنيفية، ومنها(69) ):
ولا
هُبلاً أدين وكان ربّاً |
لنا
في الدَّهرِ إذْ حلمي يسيرُ |
ويظهر من غربلة الأخبار والأشعار المتصلة بدعوة زيد إلى الحنيفية أن دعوته إلى الوحدانية لم تكن سبباً في اضطهاده بل كان السبب هو العيب الصريح لآلهة قريش هبل واللات والعزى)، فقريش لم تضطهد ورقة بن نوفل الذي ترك الشرك، ودخل في دين النصرانية، وأيد في شعره اعتقاد زيد، لكنه لم يذكر آلهة قريش بسوء(70) )، ولعل إعراض ورقة عن عيب آلهة قريش هو السبب الرئيس لتسامحهم معه(71) ).
وهكذا تمايز الجاهليون بانتماءاتهم الدينية، ولكنها لم تسبب إلا نزاعات قليلة لا تكاد تذكر في خضم الحياة الجاهلية المجهدة بالحروب، وإذا كانت تلك النزاعات هي أحد وجهي الجدل الديني في الحياة الجاهلية فإنّ الوجه الآخر كان سلاماً دينياً، واتحادات دينية، وتطوراً دينياً نحو التوحيد، فكيف كان ذلك؟
***
3- التسامح الدينيّ
إن تعدد الديانات في مجتمع ما لا ينفي إمكانية تقارب المنتمين إليها، ما داموا قادرين على التفاعل السلمي الموصل إلى الأفضل. ويبدو من أخبار الجاهلية وأشعارها أن التعصب إلى الانتماء الديني كان بعيداً عن تفكير الجاهلي وسلوكه.
كانت حرية الاعتقاد سمة رئيسة للعلاقة بين المنتمين إلى ديانات مختلفة في الجاهلية، فاليهود انتشروا في عدة مواضع من الجزيرة العربية، واشتغلوا بالتجارة(72) )، آمنين من الاعتداد عليهم بسبب عقيدتهم. ويجد المرء في أشعار غير اليهود ما يؤكد فكرة التسامح، فلليهود أحبارهم، يقول أبو محجن الثقفي(73) ):
تقولُ
ابنةُالحَبْرِ اليهودِيّ ماأرى |
أبا
مِحْجَنٍ إلا وللقلبِ ذاكِرُ |
|
فإنَّ
ابنةَ الحَبْرِ اليهودِيّ تَيَّمَتْ |
فؤادي،
فَهَلْ لي يا سُمّيَّةُ زاجِرُ |
والأحبار يكتبون بالأحرف العبرانية، يقول الشماخ(74) :
كما خَطَّ عِبرانَّيةً بَيمِينِه |
بِتَيْماءَ حَبْرٌ ثُمَّ عَرَّضَ أسْطُرا |
واليهود يبنون الكنائس ويعمرونها بالعبادة، يقول عمرو بن معد يكرب(75) :
عَمَرْتُ مَجَالَ الخيلِ بالبِيْضَ والقَنَا |
كما عَمَرَتْ شُمْطُ اليهودِ الكنائِسا |
ويصلّون، يقول لبيد في رثاء أخيه (76) :
يَلْمَسُ الأحْلاَسَ في منزِلِهِ |
بِيَدَيْهِ كاليهوديّ المُصَل |
ويرفعون أصواتهم بقراءة التوراة، يقول أبومحجن الثقفي(77) :
وإنّي وما صاحتْ يهودُ وطَرَّبَتْ |
ثلاث ليالٍ بالحجازِ لحاذِرُ |
إنَّ الأشعار السابقة تدل على تواصل أصحابها مع اليهود، وعلى تعايشهم معهم، وفيهما ما لايخفى من التقدير لأصحاب الديانة اليهودية، ولاسيمافي تشبيه لبيد باليهودي المصلّي(78) .
وبمثل ذلك اقترن ذكر النصارى في أشعار كثير من الجاهليين، فللنصارى رهبان يتعبّدون اللَّه في صوامع، فيها مصابيح لاستقدام الناس إليهم ليلاً(79) ، ولهم كتاب يقرؤونه(80) ولهم كنائس تنصب فيها الصلبان(81) ، ويجتمعون فيها للصلاة(82) ويقرعون الناقوس(83) ولهم أعياد دينية يحتفلون بها، ومنها عيد الفصح(84) ولهم بيت المقدس، يحجّونه، يقول امرؤ القيس(85) :
فَأدْرَكْنَهُ
يَأْخُذْنَ بالسَّاقِ والنَّسَا |
كما
شَبْرَقَ الوِلْدانُ ثَوْبَ المُقّدِّسِ |
إن أظهار تلك الأمور الخاصة بالمسيحيين في الشعر غير مشوبة بالتعصب على المسيحية يدل على تواصل أصحابه مع النصرانية، وعلى قبولهم التعايش مع أهلها، وإن في قول صخر الغيِّ الهذلي يصف سحاباً(86) :
كأنَّ
تَوَالِيَهُ بالمَلاَ |
نَصَارَى
يُسَاقُوْنَ لاقَوْا حَنِيْفَا |
ما يؤكد احترام النصارى لغيرهم أيضاً، فصخر يشبّه شكل السحاب بنصارى يسقي بعضهم بعضاً في عيد لهم، فلاقوا حنيفاً) فاحتفلوا به بالتفكير له، وذلك بالانحناء وطأطأة الرأس(87) .
وكذلك كان الحنفاء متسامحين مع المنتمين إلى ديانات أخرى، فلقد بحث الحنفاء عن حقيقة دين إبراهيم، ولكنهم أعرضوا عن امتهان عقائد غيرهم عدا زيد بن عمرو بن نفيل العدوي، وقد أشيرإلى إيذاء قريش له لأنه عاب آلهتها صراحة، وقد انتهى الأمر ببعض الباحثين عن حقيقة دين إبراهيم إلى ترك الشرك، والدخول في المسيحية على مرآى من قومهم المشركين ومسمعهم(88) ، كما انتهى الأمر بباحثين آخرين إلى التقارب مع المسيحية، وإن لم يدخلوا فيها، يقول النابغة الجعدي(89) :
ومازلتُ
أسْعَى بين بابٍ ودارةٍ |
بنجرانَ
حتَّى خِفْتُ أَنْ أَتَنَصَّرا |
وثمة شعراء مشركون أظهروا تعظيم الشرك تارة، وتعظيم المسيحية أخرى، فالنابغة الذبياني وصف الذاهبين إلى مكة للحج، بأنهم عامدون(90) :
إلى
خَيْرِ دِينٍ نُسْكُه قد عَلْمِتُهُ |
وميزانُهُ
في سُورةِ البرِّ ماتِعُ |
لقد وصف الشرك بأنّه خير دين، ولكن ذلك لم يمنعه من وصف المسيحية، دين الغساسنة بأنها دين قويم أيضاً، وذلك في قوله يمدح الغساسنة(91) :
مخَافُتُهْم
ذاتَ الإلهِ ودينُهُمْ |
قَويمٌ
فما يَرْجُونَ غَيْرَ العَواقِبِ |
وثمة شعراء مشركون أظهروا تعظيم الشرك والمسيحية معاً في شعر واحد، كقول عمرو بن عبد الجن الجرمي التنوخي(92) :
أمَا
ودماءٍ مائِراتٍ تَخالُها |
على
قُلَّةِ العُزَّى أو النّسْرِ عَنْدَمَا |
|
وما
قَدَّسَ الرهبانُ في كلِّ هيكَلٍ |
أبيلَ
الأبيلينَ عيسى بن مَرْيما |
ومثل ذلك قول الأعشى يخاطب رجلاً(93) :
فإنّي،
وثوَبيْ راهِبِ اللُّجِّ والتي |
بَنَاها
قُصيٌّ والمُضَاضُ بنُ جُرْهُمِ |
|
لئنْ
جَدَّ أسبابُ العداوةِ بَيْنَنَا |
لَتَرْتَحِلَنْ
منّي على ظَهْرِ شَيْهَمِ |
وقد يدفع تعظيم بعض المشركين صراحة للمقدسات المسيحية إلى القول بدخلوهم فيها، وأرى أن مافعلوه كان انعكاساً فنياً لشيوع التسامح الديني، والتواصل بين المنتمين إلى الأديان الجاهلية، ولاسيما التواصل بين المشركين والمسيحيينن ولعل في قول عدي بن زيد العبادي(94) :
سَعَى
الأعداءُ لا يَأْلونَ شرّاً |
عليَّ
ورَبِّ مَكْةَ والْصليبِ |
مايؤكد ذلك؛ فالمسيحيّون بلسان عديّ يقابلون التسامح بآخر مثله، وتعظيم المقدسات بتعظيم مشابه:
إن تعايش المنتمين إلى الديانات الجاهلية بعيداً عن التعصب يمثل الدائرة الأوسع للتسامح الديني بين الجاهليين، وهذه الدائرة تشمل داوائر أصغر منها تمثل التسامح بين أتباع كلّ ديانة من الديانات الجاهلية، وإذا كنا نفتقد مايدل صراحة على الصراع المذهبي بين أتباع كلَّ دين جاهلي فذلك نفي لوجود ذلك الصراع، ويقوى هذا الدليل بأخبار تدل على التسامح المذهبي، فقد كتب المنذر بن الحارث الغساني إلى قيصر الروم من أجل إطلاق الحرية لجميع النصارى، وأن يصلي كلّ واحد منهم أينما شاء، وحيثما شاء(95) .
وبعد شيوع الإسلام في أثناء الحج إلى الكعبة بين المتعبدّين للأصنام المختلفة، والملبين بتللبيات مختلفة دليلاً على التسامح بين المشركين(96) ، ويؤكد هذا التسامح أن انقسام المشركين إلى ثلاث فرق دينية كبرى لم يسبب صراعات دينية فيما بينهم، وثلاث الفرق المذكورة هي: الحُمْس، والحُلّة،والطلس.
أما الخمس فهم قريش كلّها، وخزاعة لنزولها مكّة، ومجاورتها قرّيش، وكلّ من وَلدت قريش من العرب، وكلّ من نزل مكة من قبائل العرب)(97) وقريش هي التي ابتدعت الحُمس، يقول ابن إسحاق: وقد كانت قريش -لا أدري أقبل الفيل أم بعده- ابتدعت رأي الحمس، رأياً رأوه، وأداروه، فقالوا: نحن بنوا إبراهيم، وأهل الحرمة، وولاة البيت، وقطّان مكّة.... فليس لأحد من العرب مثل حقّنا، ولا مثل منزلتنا... فلا تعظّموا شيئاً من الحلّ كما تعظمون الحرم.... نحن أهل الحرم فليس لناأن نخرج من الحُرمة، ولا نعظم غيرها كما نعظّمها، نحن الحُمس)(98) وهذه الفرقة تَشَدَّدت في تَدَيّنها، وأعطت لنفسها مزايا دينية على غيرها من العرب الذين يعظمون مكة(99) ، ومن تلك المزايا أنهم لا يخرجون في الحج إلى موقف عرفة لأنه من الحلّ، وإلى ذلك اشار المعطّل الهذّلّي في قوله لرجل من بني سدوس(100) :
إخَالُكُمُ
مِنْ أُسْرَةٍ قَمَعَّيِةٍ |
إذا
نَسَكُوا لا يَشْهَدونَ المُعَرَّفا |
وكانت قريش - وهي من أصل الحمس- تُسمَّى آل اللَّه، وجيران اللّه، وسكان حرم الله وفي ذلك يقول عبد المطلب بن هشام القرشي101):
نحنُ
آلُ اللّهِ في ذّمتِهِ |
لَمْ
نَزَلْ فيها على عَهْدٍ قَدُمْ |
ويبدو أن الحمس كانوا يقرّون لقريش بالتقدم عليهم بتدَينّها، ومما يدل على ذلك قَسَمُ عوف بن الأحوص102)، بالذي حجت له قريش، وبشهر بني أمية103)في قوله104)
وإنّي
والذي حَجَّتْ قُريشٌ |
مَحَارِمَه،
وما جَمَعَتْ حِراءُ |
|
وشَهْرَ
بني أُمّيَّةَ والهدايا |
إذا
حُبِسَتْ مَضَرِّجَها الدماءُ |
|
أَذُمُّكِ
ماتَرَقْرَقَ ماءُ عيني |
عَلَيَّ
إذاً من اللهِ العَفاءُ |
وحظيت قريش لتدينها بتعظيم غيرالحمس من العرب، ومن الشعر الدال على ذلك قول الأعشى يهجو ابن عمّ له105):
فَمَا
أنتَ مِنْ أهْلِ الحَجُونِ ولا الصَّفَا |
ولا
لكَ حقُّ الشِّرْبِ مِنْ ماءِ زَمْزَمِ |
|
وما
جَعَلَ الرحمن بَيْتَكَ في العُلى |
بِأجْيادَ
غَرْ بِّي الصَّفا والمُحَرَّمِ |
إن الأعشى يقدّم في البيتين السابقين أهل مكة، وهم حُمْس، على ابن عمه، بل على قومه قيس، وهم من الحلّة، وأرى إن إقرار العرب بتقدم الحمس، ولاسيما قريشاً، على غيرهم في المنزلة الدينية هوالسبب الكامن وراء تقديم الأعشى لقريش الحمس) وعلى قومّه الحلّة).
وأمّا الحلّة، فهم تميم بن مرّ كلّهاغير يربوع،ومازن، وضّبَّة، وحميس، وظاعنة، والغوث ابن مرّ، وقيس عيلان بأسرها ماخلا ثقيفاً، وعدوان، وعامر بن صعصعة، وربيعة بن نزار كلّها، وقضاعة كلّها ماخلا علافا وجنابا، وخثعم، وبجيلة، وبكر بن عبد مناة بن كنانة،وهذيل ابن مدركة، وأسد، وطيّئ، وبارق)106)، وكان للحلّة شعائر دينية تختلف عن بعض شعائر الحمس107).
ويبدو أن المنتمين إلى الحلّة كانوا يقرّون غيرمرغمين بتقدّم الحمس عليهم في المنزلة الدينية، ومن ثمّ في غيرها، وقد مرّ بنا في شعر الأعشى آنفاً مايدل على ذلك، وكان التواصل بين الحمس والحلّة شديداً؛ فبعض شعائر الحلّة في الحج كانت تتم بتقديم المساعدة من الحمس لهم، ومن أجل ذلك كان لكل رجل من الحلة حرمّي من الحمس يأخذ ثيابه، فمن لم يجد ثوباً طاف عرياناً.... وكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حرميّ عياض بن حمار المجاشّعي، كان إذا قدم مكة طاف في ثياب رسول الله صلى الله عليه وسلم)108).
ومن الأدلة على تقارب الحمس والحلّة أن بني عبس، وهم من الحلة، كانوا حلفاء لبني عامر، وبعضهم حمس، وقيل: كلهم من الحمس109)، ولهما يقول أبو إياس بن حَرْملة الذبياني، وبنو ذبيان من الحلّة، في يوم شعب جَبَلَة110):
أَقْدِمْ
قَطيبُ إنَّهُمْ بنو عَبْسِ |
المَعْشَرُ
الحِلَّةُ في القَوْمِِ الحُمْسِِ |
ولكن تعظيم الحلّة للحمس ليس مطلقاً، فتألّه الحمس هوالسبب الرئيس لتعظيمهم، والتألّه يوجب الإحجام عن غزو الناس وقتلهم، فإن كان للحلّة ثأر عند الحمس فلا تعظيم للحمس، ولا حرمة لهم، قتل بنوعامر لقيط بن زرارة التميمي، وهو من الحُلَّة، يوم شعب جَبَلَة، قالت ابنته دَختنوس ترثيه، وتهدد بني عامر الحمس111):
فإنْ
تُعْقِبِ مِنْ عَامرٍ يَكُنْ |
عَلَيْهمْ
حَريقاً لا يُرامُ إذا سَمَا |
|
لِيَجِزيَهُمْ
بالقَتْلِ قَتْلاً مُضَعَّفا |
وما
في دماءِالحُمْسِ يامالِ من بَوا |
وأما الطُّلْس، فهم سائر أهل اليمن، وأهل حضرموت، وعكّ، وعجيبْ، وإياد بن نزار)112)، وكانت الطلس بين الحلّة والحمس يصنعون في إحرامهم مايصنع الحلّة، ويصنعون في ثيابهم، ودخولهم البيت مايصنع الحمس)113). ويبدو من شعرلعمرو بن معد يكرب الزبيدي، وهو من الطلس، أن الطلس كانوا يقرّون للحمس بعظمة منزلتهم الدينية، وذلك في قول عمرو مهدداً العباس بن مرداس السلمي114):
أعَبَّاسُ
لو كانت شِياراً جيادُنا |
بِتْثلِيثَ،
مانصايتَ بعدي الأحَامِسَا |
ومن المعروف أن سُلماً نازعت الأحامس قريشاً) في حروب الفجار (7) ، فكأنّ عمراً أراد بقوله السابق، ذمَّ سليم لمحاربتها قريشاً، بأنه سينتصر الحمس معبراً بذلك عن تعظيم الطلس للحمس.
فالمشروكون ينقسمون إلى ثلاث فرق دينية كبيرة لم تتصارع دينياً، وكانت كلّ فرقة تضم قبائل شتّى بعضها من عرب الشمال، وبعضها الآخرمن عرب الجنوب، وفي ذلك، دليل قوي على أن الانتماء الديني الجاهلي زاحم الانتماء النسبي بل غدا الدين نسباً عند أشتات من الناس، سُمّوا بالعباد115).
لقد أثمرالتعايش بين المنتمين إلى الديانات الجاهلية المختلفة، والفرق الدينية الجاهلية تحت ظلال التسامح الديني تقارباً فكرياً ومعاشياً تطورت به حياتهم تطوراً تجاوزوا به الحدود النّسبية، وانطلقوا به نحوبناء صرح الأمة الأشمل، إنّ تتبع التقارب الفكري والمعاشي الناتج عن تسامح الجاهليين الديني جدير بدراسة خاصة تفيه حقّه، وتفي الجاهليين حقّهم، وتمنح أحفادهم رؤية جديدة لتراثهم الإنساني، ولكن ذلك لا يعفي -هاهنا- من النظر في ذلك التقارب.
إن المظهر الرئيس للتقارب الفكري بين المنتمين إلى الأديان الجاهلية المختلفة هو الإيمان باللّه الواحد، ربّ الكون، وخالقه، فاللّه هو الواحد الباقي في قول يزيد بن خذّاق الشَّنِّيّ يرثي نفسه116):
هَوِّن
عليكَ، ولا تُولَعْ بإشْفَاقِ |
فإنّما
مالُنا للواحِدِ الباقي |
وله السيطرة على البلاد والعباد، فالأرض بلاد اللّه في قول حاتم117):
فارْحَلْ
فإنَّ بلادَ اللهِ ماخُلِقَتْ |
إلاّ
لِيُسْكَنَ منها السَّهْلُ والجبلُ |
واللّه ربّ الناس في قول ابن عنمة الضبّي يمدح مُتَمّم بن نويرة118):
جزَى
اللّهُ ربُّ الناسِ عنّي مُتَمِّماً |
بِخَيْرِ
جَزَاءٍ ما أعَفَّ وأمْجَدَا |
وهو صاحب المشيئة في الخلق في قول طرفة119):
فَلَوْ
شَاءَ ربّي كنتُ قيْسَ بنَ خالدٍ |
ولو
شَاءَ ربّي كنتُ عَمْرَو بْنَ مَرْثَدِ |
وصاحب المشِيئة في الانتماء الديني في قول أبي قيس بن الأسلت120):
فلولا
رَبُّنا كُنَّا يهوداً |
ومادينُ
اليهود بذي شُكُوكِ |
|
ولولا
رّبُّنا كُنّا نَصَارَى |
مع
الرُّهبانِ في جبل الجليلِ |
|
ولكِنَّا
خُلِقْنا إذ خُلِقْنا |
حنيفاً
دينياً عَنْ كلّ جيلِ |
واللّه خير واقٍ في قول أُفنون التغلبي121):
لَعَمْرُكَ
مايدري امرؤٌ كيف يَتّقي |
إذا
هو لم يجعلْ لهُ اللهَ واقِياً |
تلك مختارات من الأشعار الدالة على إيمان الجاهلي باللّه، ولو أرد باحث الاستقصاء فسوف يقف على أشعار كثيرة، ومعانٍ متنوعة تدل على التوحيد، غير أنها لا تدل علىمايميز بين دين جاهلي وآخر إلا في حالات قليلة، وكان ذلك سبباً في اختلاف الآراء حول الانتماء الديني لكثير من الشعراء الجاهليين وسبباً في اتفاق الآراء بل أكثرهاعلى شيوع الإيمان بالله بين الجاهليين122)، وهذا يعني أن الإيمان باللّه كان أصّلاً دينياً وفكرياً مشتركاً، انتهى إليه الجاهليون بعامة، ودلّ على تقاربهم الفكري والروحي.
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |