الانتماء في الشعر الجاهلي -د.فاروق أحمد اسليم

دراســــــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:31 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

ب- الصراع مع الروم:

وأما في الجهة المقابلة للفرس، في بلاد الشام فكان الروم يحكمون مثل الفرس في العراق غير أنهم اتبعوا مع العرب في الجاهلية سياسة انتفت منها حدّة الخصومة، وبرز فيها تبادل المصالح، فانجذبت إلى بلاد الشام قبائل راغبة في الأمن والعيش الرغيد، ومن أبرز الأدلة على ذلك اتجاه القبائل المضطهدة في العراق من قبل الفرس إلى بلاد الشام، ومنها قضاعة، وإياد، وأنها استقرت في بلاد الشام فلم يعارضها الروم، ولا حلفاؤهم الغساسنة، وفي مقابل ذلك أعرضت تلك القبائل عن أعمال السلب والنهب التي كانت تمارسها في العراق(1) .

وممّا يؤكد رضا الروم عن القبائل العربية القادمة إلى بلاد الشام من العراق أن بعض العرب توغلّوا في بلاد الشام، بل تجاوزوها، فحين هُزمت إياد في العراق سارت بقيتهم إلى أرض الروم، وبعضها إلى حمص)(2) ، وللأسود بن يعفر شعر يدّل على أن إياداً وصلت إلى أنقرة التي في بلاد الروم، وذلك في قوله يذكر ارتحال إياد عن العراق(3) :

نَزَلوا بِأَنْقَرةٍ يَسيلُ عليهمُ

ماءُ الفُراتِ يجيء مِنْ أطوادِ

وأرى أن الفارق بين سياسة الفرس وسياسة الروم تجاه العرب في العراق والشام ترجع إلى الاختلاف في أهمية المكان؛ فالفرس أرادوا أن يجعلوا العراق مركز مملكتهم، فبنوا المدائن، بين دجلة والفرات وجعلوها عاصمة لهم، ولذلك سعوا إلى إحكام قبضتهم على العراق، ليجعلوه خالصاً لنفوذهم، واستشعروا الخطر في أية قوة عربية ناهضة في العراق أو على أطرافه لأنها تهّدد عاصمتهم وملكهم بالزوال؛ وأمّا الروم فإن الشام مجال حيويّ يقع في أطراف إمبراطوريتهم) الشاسعة، ولذلك قَلّ اهتمامهم بالقوة العربية القادمة إلى الشام مادامت راضية بالحياة السلمية؛ فتلك القوة تُعّد عند قيصر الروم إضافة جديدة إلى رعاياه من الشعوب والأقوام المختلفة، وهي إضافة تلقى الترحيب لأنها معادية للفرس أعدائه التقليدين الذين كانوا يستخدمون العرب في محاربة الروم.

إن سياسة اللين التي اتبعها الروم مع عرب الجاهلية في بلاد الشام تُفَسِّرُ لنا خُلُّو الشعر الجاهلي شبه التام من أخبار الصراع العربي مع الروم، وأمّا مديح الأعشى لإياس بن قبيصة الطائي، قبل وقعة ذي قار، حين استعان به كسرى على محاربة الروم، فنجح في مهمته، فإنّه من قبيل الاعتداد بعربي نجح في مهمة أعلت شأنه وشأن العرب لا شأن الفرس. ويؤكد ذلك أن الأعشى يرى في عودة إياس المظفرة من غزو الروم عودة بالخير إلى قبائل معدّ كلها(4) .

ويبدو أن تلك السياسة الرومية إضافة إلى البعد المكاني من الأسباب التي جعلت بعض العرب لا يرهبون الروم، ومن الشعر الدال على ذلك أن عمرو بن الأهتم التميمي اتَّهَمَ ابن عمه قيس بن عاصم بأن أصله رومِيٌّ، وذلك في قوله لقيس في أثناء وفادة تميم على الرسول صلى الله عليه وسلم(5) :

إن تُبْغِضُونا فإنَّ الرّومَ أَصْلُكمُ

والرومُ لا تملِكُ البغضاءَ للعربِ

إن قول عمرو التميميّ وهو في يثرب: والرومُ لا تملِكُ البغضاءَ للعربِ) دليل على أنه يشعر بالانتماء إلى العرب، وهم في عرفه لا يخشون الروم، وهذا العرف ينطبق على الأقل على قومه تميم، وعلى المستمعين إليه، وهم سكان نجد والحجاز البعيدون عن السلطة الرومية.

ولكن الاختلاف بين سياسة الروم، وسياسة الفرس تجاه العرب لا ينفي تشابه أطماعهم في احتلال الأرض العربية، واستغلال أهلها؛ فالروم حريصون على استمرار وجودهم في بلاد الشام، وكانوا يرغبون في السيطرة على الحجاز واليمن، وفي استمالة عرب العراق أيضاً، وإن في قول عدي بن زيد العباديّ يصف النعمان بن المنذر(6) :

ولا تَحُلُّ نَبِيَّ البِشْرِ قُبَّتُهُ

تَسُومُهُ الرومُ أنْ يُعْطُوهُ قِنْطارا

مايوحي بأن الروم حاولوا استمالة النعمان بن المنذر إليهم بالمال، ولعلّ ذلك من الأسباب التي دفعت كسرى إلى البطش بالنعمان.

وأما في الحجاز فقد حاول الروم في العصر الجاهلي أن يبسطوا نفوذهم على مكة وأهلها من خلال رجل كان يطمع أن يملك قريشاً، وهو عثمان بن الحويرث الأسديّ القرشيّ، فقد قَدِمَ على قيصر، وذكر له مكّة، ورغبه فيها، تكون زيادة في ملكك كما في ملك كسرى صنعاء، وقد صادف قول عثمان رغبة لدى قيصر بضمّ مكّة، وهي مركز تجاري مهم بالنسبة إلى الروم، إلى ملكه، فملّكه على مكة، وكتب إلى قريش بذلك، فلما قدم عليهم قال: يا قوم إن قيصر مَنْ قد علمتم أمانكم ببلاده، وما تصيبون من التجارة في كنفه وقد ملكني عليكم، وإنما أنا ابن عمكم وأحدكم....، وأنا أخاف إن أبيتم ذلك أن يمنع منكم الشام، فلا تتجروا به، فخافت قريش قيصر، وتخوفت على تجارتها في الشام، فأزمعت أن تتوج عثمان، ثم نفرت من ذلك قائلة: ماكان بتهامة مُلْكٌ قط، فلحق عثمان بقيصر ليعلمه.

لقد أنفت قريش من الانقياد إلى ملك عميل للروم، وإن كان واحداًمنها فدلت بذلك على ظهور بوادر الوعي بالانتماء العربي بين أبنائها، وإذا تَتَبَّعنا قصة عثمان فسوف نجد بوادر مشابهة عند الغساسنة، والأكثر أهمية من ذلك هو استغاثة القرشيين بالغساسنة من أجل صرف قيصر عن تمليك عثمان على مكة فكلم تجار من قريش بالشآم عمرو بن جفنة في عثمان بن الحويرث، وسألوه أن يفسد عليه أمره، فكتب إلى ترجمان قيصر من أجل أن يحوّل كلام عثمان عند قيصر، فلما دخل عثمان عند قيصر يكلمة، قال قيصر للترجمان: ماذا قال؟ فقال: مجنون، يشتم الملك، فأمر به فأخرج، ولكن عثمان عرف أنه أتي من قبل الترجمان، فاحتال حتى دخل على قيصر، وأعلمه رفض قريش لأوامره، فكتب قيصر لعثمان كتاباً إلى عمرو بن جفنة أن يحبس له من أراد حبسه من تجار قريش، فقدم عثمان على عمرو بن جفنة فوجد بالشآم أبا أحيحة سعيد بن العاص الأموي، وأبا ذيب العامري فحبسهما ولكن عمرو بن جفنة دس السم لعثمان بن الحويرث، فقتله(7) ، وبذلك وئدت محاولة قيصر للاستيلاء على مكة بتضافر مساعي قريش مع مساعي الغساسنة، ولم يكن ذلك التضافر إلا تعبيراً عن تلاقي مشاعر الانتماء العربي المعادي للنفوذ الرومي(8) .

ومن الظاهر رضا قريش عن قتل الغساسنة لعثمان بن الحويرث، ولذلك لم تطالب بدمه، ولم يرثه أحد سوى رجل من رهطه، هو ورقة بن نوفل الأسدي الذي قال(9) :

فَلأَبكَيِنْ عثمانَ حقَّ بكائِهِ

ولأَنْشُدَنْ عَمْراً وإنْ لم يُنشَدِ

وإن في قوله ورقة: "ولأنشدن عمراً وإن لم ينشد" لدليلاً على أن قريشاً كانت راضية عن مقتل عثمان، فلم ينشد أحد دمه لدى عمرو بن جفنة سوى الشاعر، ويبدو أن ورقة نفسه كان غير راضٍ عن سعي عثمان إلى جعل مكة تابعة للنفوذ الرومي، ولو كان راضياً عن فعلة عثمان لكان ذكرها، وعدّها مأثرة له، فهي أهم حدث في حياته، وهي سبب مقتله.

وكان الروم يطمحون إلى السيطرة على اليمن، وقد تعذّر عليهم ذلك، فاستعانوا بالأحباش ويبدو أنّ أطماع الروم باليمن لم تكن خافية على بعض العرب، ومنهم الأعشى الذي مدح سَيِّديْ نجران بل أوصالهما بالحفاظ على نجران، وبفعل الخير، وبأن يكفيا نجران أمر عظيمة، ثم أفصح الأعشى عن تلك العظيمة فإذا هي حشد القوة الرومية من أجل السيطرة على نجران في قوله(10) :

وإنْ أَجْلَبَتْ صِهْيُونُ يَوْماً عليكُمَا

فإنَّ رَحَى الحرب الدَّكُوكِ رَحَاكُما

وبذلك تتجلى صفحة أخرى من وعي الأعشى لانتمائه العربي، ومن رغبته في مواجهة المعتدين على العرب سواء أكانوا فرساً أم روماً، وهذا الوعي يلتقي مع وجود أحساس عربي بالعداوة للروم؛ فقد أكثر الشعراء من الرمز للعداوة بلون الصهبة، وهي بلون الروم بخاصة(11) .

ج- الصراع مع الأحباش:

وأما الأحباش فقد احتلوا اليمن بمساعدة الروم، فأذّلوا شعبه، وهو شعب عريق ماعرف الاحتلال من قبلُ، فكان وقع الاحتلال عظيماً عليه وعلى كثير من العرب، وكانت حادثة الأخدود هي الشرارة التي أشعلت الصراع بين العرب والأحباش؛ فقد قَتَلَ ذو نواس الحميريُّ اليهودي نصارى نجران، لاعتقاده أنهم عملاء للروم، فأوعز قيصر الروم إلى أتباعه الأحباش كي يحتلوا اليمن، وقدم لهم الدعم، فقدم إلى اليمن جيش من سبعين الف مقاتل، فأذّلوا حمير بقتل ثلث رجالها، وتخريب ثلث بلادها، وسبي ثلث نسائها، وإرسالهن إلى الحبشة بعد مقاومة يسيرة من أهالي اليمن، وذلك عام 525م(12) .

ولقد حاول ذو نواس أن يجمع حوله أقيال اليمن ليقاتل الأحباش، فخذله الأقيال، فأعمل الحيلة، وخدع الأحباش، وحقّق نصراً يسيراً عليهم، ولكنّهم عادوا إليه بجيش كبير لا طاقة له به، فقال:

الموت خير من إسار أسود، ثم أقحم فرسه لجّة البحر، فمضى به فرسه، وكان آخر العهد به)(13) .

وكذلك فعل ذو جَدَن الهمداني، فقد ناوش الأحباش، ولكن همدان تَفَرّقت عنه، فتخَّوف على نفسه، فقال: ما الأمر إلا ماصنع ذو نواس، فأقحم فرسه البحر، فكان آخر العهد به)(14) .

وقد أظهر ذو جَدَن الحميري في شعره الأسى للخراب الذي أنزله الأحباش باليمن، فقال(15) :

هَوْنَكِ ليس يَرُدُّ الدمعُ مافاتا

لا تَهْلِكي أَسَفاً في ذِكْرِ مَنْ ماتا

أَبَعْدَ يَبْنُونَ لا عَيْنٌ ولا أَثَرٌ

وَبَعْدَ سِلْحينَ بَيْني الناسُ أبياتاً

وقال أيضاً مظهراً الأسى لخراب حصن غُمْدان، ومشيراً إلى استماتة ذي نواس، وتحذيره لقومه من شدة الاحتلال(16) :

وغُمْدان الذي حُدِّثَتِ عَنْهُ

بَنُوه مُسَمَّكاً في رَأسِ نِيقِ

فأَصْبَحَ بَعْدَ جِدَّتِهِ رَماداً

وغَيَّرَ حُسْنَه لَهَبُ الحريقِ

وَأَسْلَمَ ذو نُواسٍ مُسْتكيناً

وَحَذَّر قَوْمَهُ ضَنْكَ المَضِيْقِ

ومن الحجازِ ارتفع صوت عبد الله بن الذئبة الثقفي يذكر ما أصاب حمير على يد الأحباش(17) :

لَعَمْرُكَ ما لِلفَتَى مِنْ مَفَرّْ

مع الموتِ يَلْحَقه والكِبَرْ

لَعَمْرُكَ ما لِلفَتَى صُحْرَةٌ

لَعَمْرُكَ ما إنْ لَهُ مِنْ وَزَرْ

أَبَعْدَ قبائِلَ مِنْ حِمْيَرٍ

أُتُوا ذا صَبَاحٍ بذَاتِ العَبَرْ

بِألفِ أُلُوفٍ وحَرَّابَةٍ

كَمِثْلِ السَّماءِ قُبَيْلَ المَطَرْ

يُصِمُّ صياحُهُمُ المُقْربَات

وَيَنْفُونَ مَنْ قاتلوا بالزُّمَرْ

إن هذا الشعر، وإن لم يذكر الأحباش صراحة، يدلّ على اهتمام عرب الشمال بأحوال عرب اليمن، وعلى تضامنهم معهم ضد الأحباش.

كانت صدمة العرب بالاحتلال الحبشي عظيمة، ثم تراءت لهم أطماع الأحباش المتزايدة في السيطرة، فأطماعهم لا تقف عند اليمن بل تتعداها إلى الحجاز، وإلى مكة مهوى الأفئدة العربية، وحينئذٍ أدرك العرب عظمة الخطب وشدة الهول، فكان التحدي العربي للأحباش، وكان التضامن العربي من أجل القضاء عليه.

بنى أبرهة الحبشي كنيسة القُلَّيْس بصنعاء، فكانت آية في الصنعة والإتقان، وقد استعان لبنائها بقيصر الروم، فأمده بالصناع والفسيفساء والرخام، ثم كتب أبرهة إلى النجاشي، فأخبره بأنه بنى تلك الكنيسة، وبأنه سيصرف إليها حاج العرب(18) ، ومن الجلّي أن أبرهة أراد بذلك أن يصرف العرب عن كتبهم المقدسة، ورمز وحدتهم إلى كنيسته رمز النفوذ الأجنبي في بلاد العرب، وبذلك يمكّن الروم والأحباش من إحكام سيطرتهم على العرب، فالانصراف عن الكعبة إلى القُلّيس هو انصراف العروبة والاستقلال إلى التبعية والاستعباد.

وكان الردّ العربي على سياسة أبرهة عفوياً، ومن الحجاز، فقد انطلق إلى اليمن رجل من بني كنانة، فأَتَى القُلّيس، وأحدث فيها، ثم لحق بأرضه، وحين سأل أبرهة عَمَن فعل ذلك في القُلّيس، قيل له: صنع هذا رجل من العرب، من أهل البيت الذي تحجّ العرب إليه بمكّة، لمَّا سمع قولك: أصرف إليها حَجّ العرب غضب، فجاء، فقعد فيها، أي أنها..... ليست لذلك بأهل)(19) فغضب أبرهة، وحلف ليسيرن إلى البيت حتى يهدمه، وقد مَهَد لذلك بأن تَوّج محمد بن خُزاعيّ السُّلمي، وأمَّرَهُ على مضر، ثم أَمَرَه أن يسير في الناس يدعوهم إلى حجّ القُلّيس، فسار، حتى إذا نزل ببعض أرض كنانة -وقد بلغ أهل تهامة أمرُه، وما جاء له -بعثوا إليه رجلاً من هذيل، فرماه بسهم فقتله(20) ، فأضيف بذلك دليلٌ آخر على وجود الانتماء العربي، وعلى أهميته في محاربة الأجانب وعملائهم من العرب.

وحينئذ ازداد أبرهة غضباً وغيظاً، وحلف ليغزونْ بني كنانة، وليهد من البيت الحرام، فأمر الحبشة فتهيأت، وتجهزّت للمسير إلى مكّة، فأعظم العرب ذلك ورؤوا جهاده حقاً عليهم..... فخرج إليه رجل من أشراف أهل اليمن، وملوكهم يقال له: ذو نَفْر، فدعا قومه، ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة، وجهاده عن بيت الله الحرام، ومايريد من هدمه وإخرابه، فأجابه إلى ذلك مَنْ أجابه ثم عرض له، فقاتله فَهُزِم ذو نَفْر وأصحابه، وأُخذ ذو نَفْر، فأُتي به أسيراً فلما أراد قتله، قال له ذو نَفْر: أيها الملك: لا تقتلني، فإنّه عسى أن يكون بقائي معك خيراً لك من قتلي، فتركه من القتل، وحبسه عنده في وثاق، وكان أبرهة رجلاً حليماً)(21) .

وتبعث محاولة ذي نَفْر محاولة عربية أخرى لصدّ الأحباش، فحين وصل أبرهة بجيشه إلى أرض خثعم عرض له نُفَيل بن حبيب الخثعمي، في قبيلي خَثْعَم: شهران وناهس، ومن تبعه من قبائل العرب، فقاتله، فهزمه أبرهة، وأُخذ له نُفيل أسيراً، فأتى به، فلما هَمّ بقتله قال له نفيل: أيها الملك: لا تقتلني: فإني دليك بأرض العرب..... فأعفاه، وخَلَّى سبيله، وخرج به معه يدلّه على الطريق)(22) .

وحين وصل أبرهة إلى الطائف لقيه مسعود بن معتب في رجال من ثقيف، وقالوا له:أيها الملك، إنما نحن عبيدك، سامعون لك، مطيعون، ليس عندنا لك خلاف، وليس بيتناهذا الذي تريد -يعنون اللات- إنما تريد البيت الذي بمكّة، ونحن نبعث معك من يدلّك عليه، فتجاوز عنهم.... فبعثوا معه أبا رغال، يدلّه علىالطريق إلى مكّة، فخرج أبرهة، ومعه أبو رغال حَتّى أنزله المُغَمَّس، فلما أنزل به، مات أبو رغال هناك، فرجمت قبره العرب(23) ، وما رَجْمُ العرب لذلك القبر إلا تعبير عن السخط على المتعاملين مع العدو، والمتخاذلين أمامه، فرجْم أبي رغال هو رجْم لكل عربيّ سار في جيش أبرهة، وهو راضٍ عن هدم البيت، واحتلال الأحباش للأرض العربية)(24) .

ثم كانت محاولة ثالثة لصدّ أبرهة عن وجهته: فقد روي أن سيد قريش، عبد المطلب بن هاشم قدم إلى أبرهة ومعه سيّد بني كنانة، نُفاثة بن عديّ، وسيّد هُذيل، خُويلد بن وائلة، فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة، على أن يرجع عنهم، ولا يهدم البيت، فأبى عليهم ذلك(25) .

لقد استنفد العرب جهودهم لصدّ الأحباش، وهي جهود افتقرت إلى الوحدة فلم تنجح، ولكنها عظيمة الدلالة على تنامي الوعي بالانتماء العربي، وعلى تفاوت العرب في وعي ذلك الانتماء، فالعرب الأكثر وعياً قاوموا الأحباش، والأقل وعياً آثروا السلامة، ومنهم فئة قدّمت العون للعدو مؤثرة مصالحها الخاصة أو سلامتها القبلية على المصلحة العامة للعرب كلهم، فاستحقت الرجم واللعن إلى يوم الدين.

وهكذا أصبح جيش أبرهة في المُغَمَّس، يَتَهَّيأ لا حتلال مكة، وهدم كعبتها، بعد أن عجزت جهود العرب المبعثرة عن صدّه، وكانت آخر كلمة مقاومة للأحباش هي قول عبد المطلب لأبرهة:

إنّ للبيت رَبَّاً سيمنعه، قال ماكان ليُمْنَع منّي، قال أنت وذاك)(26) . ولكن أبرهة عاد ذليلاً مقهوراً، وقصّ علينا سبحانه وتعالى خبر جيشه في قوله: ألم تَرَ كيفَ فعل ربُّكَ بأصحابِ الفيل* ألم يجعلْ كيدهمْ في تضليل* وأرسل عليهم طيراً أبابيل* ترميم بحجارة من سِجّيل* فَجَعَلَهم كعصفٍ مأكول)(27) .

وكان للشعر الجاهلي صوت في ذلك الصراع، فعبد المطلب أخذ بحلقة باب الكعبة، وقال قبل هزيمة أبرهة(28) :

ياربَّ لا أرجو لَهمْ سِواكا

ياربِّ فامنعْ مِنْهُمُ حِمَاكَا

إنَّ عَدُوَّ البيتِ مَنْ عاداكا

امْنَعْهُمُ أنْ يُخْرِبُوا قُراكا

وقال أيضاً من أبيات يناجي فيها ربَّهُ(29) :

لا يَغْلُبَنَّ صَليبُهُمْ

وَمِحالُهُمْ غَدْواً محالك

ومن الأشعار المقاومة للأحباش أبيات لعكرمة بن عامر العبدري، دعا فيها الله ليخزي الأسود بن مقصود الذي استاق تهامة، وفيها مائتا بعير لعبد المطلب، وكان من قادة جند أبرهة(30) .

وحين هزم الأحباش راحو يسألون عن نفيل بن حبيب الخثعمي ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فقال من أبيات له(31) :

وَكُلُّهُمُ يُسائِلُ عن نُفَيْلٍ

كَأَنَّ عَلَيَّ للحُبْشانِ دَيْنا

وماكانت دلالَتُهُمْ بِزَينٍ

ولكنْ كانَ ذاك عَلَيَّ شَيْنا

إن نفيلا - وكان قائد حركة مناهضة للأحباش- أكره على المسير معهم، وهو يضمر العداء لهم(32) ، ولذلك كان يرى أن مساعدته للأحباش - وإن كان مكرهاً- عار لحق به، وماذلك إلا دليل على شدة وعيه بانتمائه العربي الموجب للدفاع عن مُقَدَّسات العرب ضد الغزاة الأجانب.

رجع الجيش الحبشي مدحوراً إلى اليمن، وفي ركابه عدد من الرهائن، من أبناء القبائل المنتشرة في الطريق من مكة إلى اليمن(33) . وكانت تلك الرهائن سبباً في وفود العرب إلى الأحباش في اليمن رغبة في تخليص أولئك الرهائن من الأسر، ولعلّ الأحباش أخذوا الرهائن لأسباب منها أن يفد العرب إليهم ليصطنعوهم، وممن وفد إليهم لبيد بن ربيعة العامري، فأحسنوا إليه، وله في ذلك شعر(34) ، ووفد إليهم معقل بن خويلد الهذلي، فأحسنوا إليه، وأرادوا أن يزوجوه منهم ويبقوه عندهم، فأبى، وله في ذلك شعر(35) ، وكان مع معقل أساري من فلول الجيش الحبشي فافتدى بهم من عند الأحباش من أسراء بن كنانة، وأهالي نجد(36) ، افتخر بنجاح وفادته حين عاد إلى قومه بالأسرى، وذلك في قوله(37) :

وَسوْدٍ جعادٍ غِلاظِ الرِّقا

بِ مِثْلَهُمُ يَرْهَبُ الرّاهِبُ

أشَابَ الرؤوسَ تَقَدِّيهمُ

فكُلُّهُمُ رامِحٌ ناشِبُ

أتيتُ بِأبْنائِكُمْ مِنْهُمُ

وليس مَعِي مِنْكُمُ صاحبُ

فذلِكُمُ كان سَعْيي لكُمْ

وكلُّ أناسٍ لَهُمْ كاسِبُ

إن وفادة معقل على الأحباش ليست عمالة، فدافعها انتماء عربي، دعاه إلى السعي من أجل فكاك أسرى من قبائل عربية مختلفة، ويؤكد شعوره بذلك الانتماء وعداءه للأحباش أنّه رفض الإقامة عندهم والزواج منهم.

ولكن أهالي اليمن لم يستسلموا لظلم الاحتلال، فانقضوا على رموزه الظالمة(38) ، غير أن قدراتهم المتاحة كانت عاجزة عن إخراج الأحباش، فتطلّعت القلوب الثائرة إلى العون الخارجي، وكان رأس تلك القلوب سيف بن ذي يزن، فقد وفد على قيصر يطلب عونه، فأبى قيصر ذلك، وقال له:الحبشة على ديني، ودين أهل مملكتي، وأنتم على دين يهود)(39) ، ومن الجلي أن وفادة سيف على قيصر تدل على جهل بحقيقة العلاقة بين الروم والأحباش، ولعل سيفاً أدرك بعد إخفاقه عند قيصر أن العون ممكن عند أعدائهم، فاتجه إلى النعمان بن المنذر، وشكا إليه أمر الأحباش، فأوصل النعمان سيفاً إلى كسرى، وذلك موقف يضاف إلى صفحات النعمان الدالة على رغبته في تقوية العرب، واصطناعهم.

وبعد لأي نجحت وفادة سيف عند كسرى الذي أمدَّ سيفاً بجيش فارسيّ بقيادة وهرز، فانتصر سيف بمساعدة وهرز على الأحباش، واستُبْدلَ بالاستعمار الحبشي آخر فارسيّ، ولكنه أقل وطأة على العرب من احتلال الأحباش، وذلك عام 575م(40) .

كانت نقمة العرب على الأحباش كبيرة، فقد احتلوا أرضهم احتلالاً مباشراً، وعاثوا فيها فساداً، وأرادوا هدم الكعبة قدس العرب الأول، ولذلك هلّل العرب لانتصار سيف، ولم يأبهوا للوجود الفارسي في اليمن، كان وجوداً رمزياً بخلاف الوجود الحبشي الكثيف، وقد رأى بعض العرب في سيف بطلاً قومياً، وفي الفرس حليفاً منقذاً.

وكان للشعرنصيب في التعبير عن ذلك الحدث العظيم، ومنه قول سيف بن ذي يزن يذكر مقتل مسروق بن أبرهة الحبشي، ويثني على وهرز الفارسي(41) :

قتلنا القَيْلَ مسروقاً

وَرَوَّيْنا الكثيبَ دَمَا

وإنَّ القَيْلَ قَيلَ النا

سِ وَهْرِزَ مقسمٌ قَسَمَا

يَذوق مشعشعاً حتَّى

يفيء السبيَ والنَّعَما

وحين شاع خبر انتصار سيف، بمساعدة الفرس على الأحباش قدمت وفود عربية إلى صنعاء لتشارك أهالي اليمن فرحة الانتصار، وقد وصلت إلينا أخبار وفادتين: الأولى من ثقيف، والثانية من قريش، فأمّا وفادة ثقيف فكانت ممثلة بأمية بن أبي الصلت الثقفي الذي مدح سيفاً بقوله(42) :

لِيَطُلُبَ الثأْرَ أمْثَالُ ابن ذي يزَنٍ

رَيَّمَ في البَحْرِ للأعداءِ أحْوالا

يَمَّمَ قَيْصَرَ لماحَانَ رِحْلَتُهُ

فَلَمْ يَجْدْ عِنْدَهُ بَعْضَ الذي سَالا

ثُمّ انثنىَ نَحْوَ كِسْرَى بعد عاشِرَةٍ

مِنَ السِّنينَ يُهينُ النفْسَ والمالا

حَتَّى أتى ببني الأحرارِ يَحْمِلُهُمْ

إنّك عَمْريَ لقد أسرعْتَ قَلْقَالا

مَنْ مِثْلُ كِسْرَى شَهِنْشاهِ الملوكِ لَهُ

أَو مِثْلَ وَهرِزَ يومَ الجيشِ إذْ صالا

لِلّهِ دَرُّهُمُ منْ عُصْبَةٍ خَرجُوا

ماإنْ أَرَى لَهُمُ في النّاسِ أَمْثالا

بيضاً مَرَازبَةً ،غُلْباً أساورَةً

أُسْداً تُرَبِّبُ في الغَيْضاتِ أَشْبالا

أَرْسَلْتَ أسداً على سُودِ الكلابِ فَقَدْ

أضْحَى شَريدُهُمً في الأرْضِ فُلاّلا

فاشْرَبْ هَنِيئاً عَلَيْكَ التاجُ مُرْتَفِقاً

في رأسِ غُمْدانَ داراً منكَ مِحلالا

واشْرَبْ هَنِيئاً فَقَدْ شالتْ نعامَتُهُمْ

وَأَسْبِلِ اليومَ في بُرْدَيْكَ إسْبالا

ومن المثير في هذه القصيدة أنها تضمنت إضافة إلى مديح سيفٍ مديحاً للفرس، وإدانة للفرس، وقد حكم د.عبد الحفيظ السطلي بأن تلك القصيدة شعوبية منحولة، لأسباب منها قلّةُ الإشادة بسيف، وكثرةُ الإشادة بالفرس، وإدانة الروم أعداء الفرسِ، ونصُّ بعض النقاد على أنّ بعضها أو كلّها مصنوع(43) .

وأرى أن القصيدة لأمية؛ فعشرات المصادر القديمة تنصّ على ذلك، ومديح أمية للفرس وإدانة للروم لا يكفيان للقول بأن القصيدة من صنع الشعوبية، وقد يكون في القصيدة أبيات مضافة للتزيد في الإشادة بالفرس، ولكن ذلك لاينفي وجود الإشادة في الأصل، فإذا حُذفت بعض الأبيات التي تشيد بالفرس فسوف نلحظ توازناً في الكّم بين مديح الشاعر لسيف، ومديحه للفرس.

وأما أن ننكر مديح أمية للفرس وإدانته للروم والأحباش فأمر لا يؤيده النظر العميق في القصيدة، وفي دواعي إنشادها؛ لقد قدّم الفرس لسيف دعماً عسكرياً أحجم عن مثله الروم، وبفضل ذلك الدّعم حقّق عرب اليمن النصر على الأحباش، وكان من المنطقي أن يشيد أمية بمن قدّم الدعم لسيف، وكان طبيعياً أيضاً أن تأتي الإشادة بسيف وبالفرس من شاعرمثل أمية لأنه من الطائف قرب مكة، ولأن صلاته بمكة وثيقة، فهو من الذين استشعروا أكثر من غيرهم خطر الأحباش، ونصرائهم الروم على الوطن ومقدساته، فأهالي مكة والطائف لم يعانوا ظلم الفرس بل عانوا محاولات رومية وحبشية للسيطرة عليهم، فكان منطقياً أن يتوجهوا بالعداء إليهم لا إلى الفرس الذين أعانوهم على التحرر من الأحباش، فكانت قصيدة أمية تعبيراً عن الفرحة بالانتصار على المحتّل الأجنبي، وإشادة بأجنبي قدّم العون، ولَمَّا تظهر مظالمه بعد في اليمن، فالعامل المكاني كان سبباً في موقف أمية، ولعلّ هذا العامل هو السبب في إعراض شعراء شرقي الجزيرة العربية، وشمالها عن الاحتفال بنصر سيف بمساعدة الفرس لأنهم كانوا يعانون استغلال الفرس وظلمهم.

وإن في القصيدة نفسها مايدل على تقديم أمية لسيف على الفرس، وفي ذلك إنكار لصنع الشعوبية للقصيدة، وإظهار لرابطة الانتماء العربي التي حملت أمية من الطائف إلى صنعاء ليهنئ ملكها بالنصر؛ فقول أمية في مديح سيف: حتى أتى ببني الأحرار) و: أرسلتَ أُسْداً على سُودِ الكلاب) - دليل واضح على عروبة الأبيات لا شعوبيتها، فالشعوبي لا يجعل سيفاً قائداً للفرس، يأتي بهم، ويرسلهم، بل العربي يفعل ذلك حين تحمله عواطفه على وصف ممدوحه العربي بصفات حسنة مبالغ فيها؛ لم يكن قائداً للفرس بل تابعاً لهم أو شريكاً على أحسن الأحوال، ولا يعقل أن يصفه شعوبي بقيادة الفرس، وهي قيادة ماكانت لسيف في تلك الحرب المحررة.

لقد أسهمت وحدة الخطر الخارجي على اليمن في بروز مشاعر الانتماء العربي التي توحد عرب اليمن وعرب الحجاز على العداء للروم والأحباش، وتتأكّد تلك المشاعر في قدوم وفد قرشي من مكة إلى صنعاء لتهنئة سيف، وقد ضم الوفد عظماء قريش، ومنهم عبد المطلب بن هاشم الذي مَثُل مع الوفد بين يدي سيف، وألقى خطبة تدل على تلك المشاعر، وعلى أهمية الخطر المشترك في بروزها وتوحيدها، ومن تلك الخطبة قول عبد المطلب لسيف: فَأَنَت- أبيت اللعن- ملك العرب، وربيعها الذي به تُخْصِب، وأنت أيُّها الملكُ رأسُ العرب الذي له تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومعقلها الذي إليه يلجأ العباد.... نحن أهل حرم اللّه، وسدنة بيته، أشخصنا إليك الذي أبهجنا، لكشفك الكرب الذي فدحنا، فنحن وفود التهنئة)(44) فالوفد عبّر بلسان خطيبه عن مشاعره، ومشاعر قريش، ومشاعر كثير من العرب بالاعتزاز بسيف الذي انتصر للعرب، فغدا ملكهم وملاذهم، وسيفهم الذي كشف الكرب الذي فدحهم غزو الأحباش لمكة)، وكذلك مدح أمية بن عبد شمس القرشي سيفاً بأبيات فدل بها على تلك المشاعر أيضاً.(45)

إن انتماء العرب دفع بعضهم إلى مديح الفرس إذ ساعدوا سيفاً على تحرير اليمن، وذلك الانتماء دفع إلى محاربة الفرس وذمهم والفخر عليهم إذ عملوا على إذلال عرب العراق، ودفعهم عنه.

وقد دل مديح بعض العرب للفرس على ان الانتماء العربي يرتضي الانفتاح على الأمم، وقبول المعونة من الأجنبي مادام في ذلك تمكين للعرب من التحرر والتطور، وكذلك دل عداء العرب للفرس على أن الانتماء العربي يدفع أبناءه إلى رفض الاحتلال والتسلط، ومحاربة الأجنبي مادام يعوق تحرر العرب وتطورهم، ولعلّ ذلك من أسباب إدانة الأعشى للوجود الفارسي في اليمن حين اتضح أن العرب استبدلوا باحتلال الأحباش احتلالاً آخر يعوق تقدمهم، ونلحظ تلك الإدانة في قول الأعشى يصف خراب قصر ريمان(46) :

بَكَرَتْ عليهِ الفُرْسُ بَعْـ

ــدّ الحُبْشِ حَتَّى هُدَّ بابُهْ

فتراهُ مَهْدومَ الأعا

لِي وَهْوَ مَسْحُولٌ تُرابُهْ

ولقد أراهُ بِغَبْطَةٍ

في العَيْشِ مُخْضرّاً جَنَابُهْ

فَخَوَى ومامِنْ ذي شبا

بٍ دائمٌ أبداً شَبَابُهْ

فالأعشى يأسى لخراب قصر ريمان، ويرى أن قوتين تعاورتا على تخريبه، وإزالة الغبطة عن أهله،وهما قوتا احتلال، فعلهماتخريب يعوق التطور، ويدمر الصروح الحضارية العربية في اليمن.ويبعد البسمة عن نفوس أهله، ولكن موقف الأعشى وأمثاله لا ينفي رغبة العربي الجاهلي في التواصل مع الحضارات المجاورة لوجوده الإنساني، وفي التأثر بها.

***

5- انفتاح وتأثّر:

لقد رفض العرب الجاهليون الاحتلال لأنه يعوق تطورهم وأدركوا أن لهم وجوداً متميّزاً، ولكنهم لم يرفضوا الصلات مع الأجانب مادمت تساعد على تأمين سبل أفضل لمعاشهم وتطورهم، ولعل وفادة الأجانب إلى الأرض العربية للتجارة أفضل دليل على ذلك، فقد وفد تجار أجانب إلى بلاد العرب، وهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، فالأخبار والأشعار الجاهلية لا تشير إلى نهب أو قتل للتجار الأجانب بل تشير إلى تجارتهم الآمنة، وإلى حرص العرب على إرضائهم(47) ، وفي مقابل ذلك كان العرب يفدون بتجارتهم إلى مناطق النفوذ الأجنبي، وهم آمنون(48) .

ومن إسهامات تواصل العرب مع الأعاجم في التطوّر العربي أن اللغة العربية، على الرغم من تعصب العرب للغتهم، قد دخلتها ألفاظ أعجمية، فَعُرّبت وأضحت من صميم لغة العرب، وبذلك ازدادت اللغة العربية غنىً، فازدادت العرب على التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم، ويدل على ذلك كثرة الألفاظ الأعجمية المعربة في الشعر الجاهلي، ولاسيما الألفاظ الفارسية(49) ، وكذلك أسهم تواصل العرب مع الأعاجم في اتساع معارف العرب، وتنمية مقدرتهم الفنية في التصوير الفني كقول طرفة مشبهاً ناقته لانتفاخ جوفها، وشدة خلقها بقنطرة الرومي(50) :

كَقَنْطَرَةِ الرُّومِيِّ، أَقْسَمَ رَبُّها

لَتُكْنَفَنْ، حَتّى تُشَادَ بِقَرْمَدِ

ومن تنمية المقدرة الفنية بالتواصل مع الأحباش قول لبيد يصف السحاب(51) :

يُضيءُ رَبَابُهُ في المُزْن حُبْشاً

قِياماً وبالحِرابِ وبالإلالِ

وبالتواصل مع النبط قول الأعشى يصف أسداً(52) :

كأنّ ثيابَ القومِ حَوْلَ عَرَينه

تبابينُ أنباطٍ إلى جَنْبِ مُحْصَدِ

وبالتواصل مع الفرس قول المرقّش الأكبر يصف ديار أسماء بأنها خلت بعد سكانها(53) :

إلاّ مِنَ العِينِ، تَرَعَّى بها

كالفارِسيِّيْنَ، مَشَوْا في الكُمَمْ

وإذا أردنا تتبع مظاهر تواصل العرب مع الأعاجم فسوف نقف على مؤثرات أخرى(54) ، تضاف إلى ماقيل آنفاً عن تأثر العرب بالأعاجم، وبذلك يزداد التأكيد أن عرب الجاهلية كانوا يرفضون الأخذ عن الأعاجم، ولا يأنفون من التأثر بهم، وإذا أضفنا إلى ذلك الانتماء إلى العرب كان مُيَسّراً للهجناء وللمقرفين، وللأعاجم الذين يعيشون مع العرب، وي‍ت‍خَلّقون بأخلاقهم، ويتحدّثون بلغتهم(55) ، فسوف يسهل عليناالقول بأن الانتماء العربي لم يكن انتماء مغلقاً ولا متعصباً للذات تعصّباً مطلقاً، بل تعصباً مقيداً بأوضاعٍ سياسية واجتماعية كتعصب العرب للتحرر من الاحتلال الأعجمي، وتعصب العرب على الأعاجم الذين يقوومون بالأعمال الوضعية عند أسيادهم العرب. وإضافة إلى ماسبق نجد في الشعر الجاهلي مايدل على أن العربي كان يدرك أن الناس مشتركون في أمور يستوي فيها العرب والأعاجم، ومن ذلك الشعر قول عنترة(56) :

أنا الهجينُ عنترهْ

كلّ امرئٍ يحمي حِرَهْ

أَسْوَدَهُ وأحْمَرَهْ

فالناس، سواء أكانوا عرباً أم أعاجم، يدافعون عن أعراضهم، ويحافظون على حماهم.

والناس كذلك مشتركون في الأرض التي يعيشون عليها، فهي بلاد الله، التي خلقت ليسكن فيها السهل والجبل(57) ، والناس أصلهم واحد، فهم أبناء آدم، يقول أفنون التغلبي مفاخراً قومه(58) :

قدْ كنتُ أَسِبقُ مَنْ جَارَوْا على مَهَل
ٍ

مِنْ وُلْدِ آدمَ مالم يَخْلَعُوا رَسَنِي

وافتخار الشاعر على وُلد آدم لا يلغي الاعتقاد بانتساب الناس كلهم إلى آدم؛ وهم بذلك متساوون في الأصل، ومتفاضلون بضفات لا تلغي ذلك الأصل، وبذلك يَتَأكّد وجود بذور للتسامح الإنساني عند الجاهليين؛ فانتماؤهم العربي لم يحجب عن أعينهم أنهم جزء من الوجود الإنسانيّ الأشمل.

***

وهكذا نجد أن القبائل العربية امتلكت في أثناء حياتها الطويلة لغة خاصة؛ وأرضاً خاصة، ولها حدود، بعضها واضحة المعالم، وبعضها تتحدّد بالصراع مع الأمم المجاورة، ولاسيما الفرس، وقد امتلكت تلك القبائل تاريخاً مشتركاً غنيّاً بالتفاعلات الإنسانية المختلفة، وهي تفاعلات توجَّهت بحياة الجاهليين من الانقسامات إلى الوحدة بالانتماء العربي، وهو انتماء يشمل ولا يلغي انتماءات الجاهليين النسبية والمكانية والسياسية والاجتماعية والدينية.

لقد صنع الجاهليون وجودُاً عربياً موضوعياً متمّيزاً، وكان ذلك الوجود مُدْركاً من قبل كثرة من أبنائه، ومن الإعاجم أيضاً، وساعد تفاعل العرب مع الأمم المحيطة بهم على إدراك ذلك التمايز، وعلى تطور الحياة العربية، وكان موقف العرب من الصراع مع الأعاجم دليلاً على تفاوت الوعي بالانتماء العربي لدى العرب، فثمة فئة تحدّث بوحي من وعيها لانتمائها العربي العدوان الخارجي، وحاربته، في مقابل فئة، وهي الأقل هادنت العدوان الخارجي على العرب، وتعاونت مع رموزه، مؤثرة لقلة وعيها مصالحها العامة للعرب، ولكن ذلك لا يلغي الانتماء العربي لهذه الفئة، فانتماؤها العربي له وجود موضوعي، وإن كان غير مدرك عندها.

وكان الانتماء إلى العرب يحمل بذور التسامح والرضا بالتعايش مع الأمم الأخرى، وكان بعيداً عن التعصب على تلك الأمم إلا ماكان تعصبّاً على العدوان الخارجي، أو تعصّباً على وضع اجتماعي وهو تعصب محكوم بالظرف التاريخي الذي عاش فيه الجاهلييون.

لقد عَرَف الجاهليون وجودهم الإنسانيّ المتميّز، فامتلكوا الإحساس بالانتماء العربي، وكان اختلاف درجات وعيهم بذلك الانتماء دليلاً على وجود تفاوت في درجات تطورهم، ولكن هذا التفاوت لا يلغي وحدة ذلك الوجود المتميز، فهو تفاوت من قبيل التَّعَدّدية الممكنة في المجتمع الواحد.

وكان الوجود العربي الجاهلي يحمل إرهاصات وحدة سياسية تحميه من العدوان الخارجي، وتحقق العدل بين أبنائه، ولكن عوائق كثيرة حالت دون ذلك، وأهمها التعصبُ للنسب، والعدوانُ الخارجي، وعجزُ الطبقة الملكية العربية لأنها تفتقر إلى العقيدة الموحّدة، وإلى مُقَوّمات القيادة السياسية الموحدّة التي تستشرف المستقبل الأفضل، وتَسَعَى إليه، وإذا كانت الأمة طبقاً لجدل الإنسان هي مجموعة من الناس تجمعهم وحدة اللغة ووحدة الأرض ووحدة التاريخ ووحدة المصير)(59) ، فإن عرب الجاهليية كانوا أمة، وإن لم تكن لهم دولة سياسية توحدّهم؛ فعرب الجاهلية تجمعهم وحدة اللغة ووحدة الأرض ووحدة التاريخ ووحدة المصير.

ولقد عرفنا في أثناء هذه الدراسة تلك الوحدات بجلاء عدا وحدة المصير، فما المصير الذي ينتظر الجاهليين؟

(1) انظر ذلك مفصلاً في هذه الدراسة ص 235.

(2) معجم ما استعجم 1/341

(3) معجم البلدان: أنقرة) وأنقرة أيضاً موضع بنواحي الحيرة، قيل هو المقصود في البيت، وقد رجّح ياقوت رأي القائلين بأن المدينة المقصودة في البيت هي في بلاد الروم، وقال: ولا أرى الصواب إلاّ هذا القول، واللَّه أعلم)

(4) انظر قصيدة الأعشى في مديح إياس في شرح ديوانه ص 88-96.

(5) الأغاني 4/157

(6) ديوان عدي ص 53

(7) انظر قصة عثمان بن حويرث في جمهرة نسب قريش 1/425-428

(8) قد يكون للغساسنة رغبة في عدم وجود منافس عربي لهم عند الروم انظر شعر قريش ص 44.

(9) جمهرة نسب قريش 1/419

(10) شرح ديوان الأعشى ص 243، والحرب الدكوك: هي الحرب المدمرة التي لا تبقى شيئاً.

(11) انظر هذه الرسالة ص 177.

(12) انظر تفصيلاً في الأغاني 17/ 303-306 وتاريخ الطبري 2/123-128، وسيرة ابن هشام 1/30-32، وتاريخ العرب القديم ص 104-105، وفيه إشارة إلى أطماع الروم باقتصاد اليمن، وموقعه التجاري، وأهميته في منافسة الروم للفرس.

(13) الأغاني 17/305

(14) المصدر السابق 17/305 ويبدو أن سخط أهالي اليمن على ذي نواس وعلى ذي جدن جعلهم يعرضون عن التوحّد والقتال بإمرتهما.

(15) تاريخ الطبري 2/125، وبينون وسلحين من حصون اليمن.

(16) سيرة ابن هشام 1/33-34 والمسّمك: المرتفع، والنيق: أعلى الجبل، وروي في تاريخ الطبري 2/126، وأسلم ذو نواس مستميتاً) وهذه الرواية أكثر دلالة على شدّة المقاومة للأحباش من رواية ابن هشام.

(17) تاريخ الطبري 2/126-127، والصحرة: المتسع، والوزر: الملجأ. وذات العبر: الحزن، والحرّابة: أصحاب الحِراب، وكان الأحباش مشهورين باستخدام الحراب في القتال.

(18) انظر المصدر السابق 2/130-131، وسميت تلك الكنيسة القُلَّيس) لارتفاع بنائها.

(19) سيرة ابن هشام 1/40، وفعل مثل نُفيل الخثعمي انظر تاريخ الطبري 2/137-138).

(20) انظر تاريخ الطبري 2/131، وكان رجال من العرب منهم محمد بن خزاعيّ عند أبرهة، يلتمسون فضله!

(21) سيرة ابن هشام 1/40

(22) تاريخ الطبري 2/132

(23) سيرة ابن هشام 1/42

(24) كان في جيش الأحباش كثير من العرب المكرهين على السير معه لأنهم رهائن، فالأحباش في أثناء مسيرهم إلى مكة جعلوا لا يمرون على حيّ من العرب إلا أخذوا منهم ناساً)، انظر شرح أشعار الهذليين 1/389).

(25) انظر تاريخ الطبري 2/134

(26) المصدر السابق 2/134

(27) سورة الفيل.

(28) تاريخ الطبري 2/134

(29) المصدر السابق 2/135

(30) انظر شعره في سيرة ابن هشام 1/45-46، وانظر خبر الأسود في تاريخ الطبري 2/132-133/ وسيرة ابن هشام 1/43.

(31) العقد الفريد 3/289، ولمزيد من الأشعار في غزو أبرهة لمكة انظر سيرة ابن هشام 1/50-53.

(32) انظر تاريخ الطبري 2/135،وكذلك كان ذو نفر اليماني، فقد قاد حركة مناهضة لأبرهة، ثم أكره علىالمسير معه، وحين وصل الجيش إلى مكة قدّم ذو نفر مساعدة لعبد المطلب انظر سيرة ابن هشام 1/43-44).

(33) انظر شرح أشعار الهذليين 1/389

(34) انظر شرح أشعار الهذليين 1/393

(35) انظر شرح ديوان لبيد ص 155

(36) انظر المصدر السابق 1/393

(37) المصدر السابق 1/390-391، وتَقَدِّيهم: سرعة مشيهم.

(38) انظر قتلهم لعتودة الحبشي في تاريخ الطبري 2/130 وقد كثرت مظالم الأحباش بعد موت أبرهة انظر تاريخ الطبري 2/139).

(39) الأغاني 17/ 309، ولم يكن أهالي اليمن يهوداً بل قلّة منهم، وكان سيف نفسه من الحنفاء، وثمة وفادة عربية جاهلية أخرى على قيصر، فقد اشتهرت وفادة امرئ القيس الكندي على قيصر ليساعده في الانتقام من بين أسد، وليستعيد ملك كندة على عرب الشمال وقد أخفقت تلك الوفادة انظر شعر امرئ القيس الدالّ على ذلك في ديوانه ص 65-69، 107-108، 339، 349، 357) ومن الجليّ أن لوفادة سيف هدفاً سامياً نفتقده في وفادة امرئ القيس التي تهدف إلى إدخل الروم إلى وسط الجزيرة العربية للبطش ببعض العرب من أجل الانتقام لمقتل والد امرئ القيس، ومن أجل إقامة مملكة كندة من جديد، وهي مملكة أسقطتها سيوف المظلومين من عرب الشمال.

(40) انظر تفصيلاً لذلك في تاريخ الطبري 2/139-148، وسيرة ابن هشام 1/56-62، وتاريخ العرب القديم ص 106-107، وقد استقلت اليمن استقلالاً تاماً بعد ظهور الإسلام، وذلك عام 632م.

(41) سيرة ابن هشام 1/58، والمشعشع الخمر الممزوجة بالماء.

(42) ديوان أمية ص 453-459 ورَيَّم في البحر: من الرَّيم، وهوالبراح، فكأنه يريد أن سيفاً أكثر الجولان والبراح من موضع إلى آخر وقلقال من قلقل في الأرض، ضرب فيها، وشهنشاه: لقب ملوك الفرس، والمرازبة: واحدهم مَرْزُبان: وهو عند الفرس الفارس الشجاع، والغلب: مفردها أغلب، وهو الغليظ الرقبة، والأساورة: القادة من الفرس، وتُرَبِّبُ: تُرَبّى والشريد: الطريد، وأراد الجمع لأن وزن فعيل) كثيراً ما تستعمله العرب مفراداً في معنى الجماعة، وشالت نعامتهم تَفَرٌّوا.

(43) انظر ديوان أمية ص 141-143-223-226

(44) الأغاني 17/313-314.

(45) انظر الأبيات في المصدر السابق 17/316، وتزداد دلالة مديح قريش لسيف على تأكيد وجود الدافع القومي حين نعرف أن شدّة اعتداد القرشيين بأنفسهم جعلتهم يأنفون من التوجه بالمديح إلى غير القرشيين إلا في حالات نادرة، ومنها مديحهم لسيف بن ذي يزن، انظر شعر قريش ص......؟

(46) شرح ديوان الأعشى ص64 وجنابه: فناؤه، ونواحيه. وخوى: سقط وتهدم.

(47) انظر بعض الأشعار الدالة على ذلك في ديوان عبيد ص 128، شرح ديوان الأعشى ص 122-123، وشرح أشعار الهذليين 2/1268، وشرح اختيارات المفضل 2/975-976، 3/1679- 1680، وشعر النابغة الجعدي ص 44، 64.

(48) انظر بعض الأشعار الدالة على ذلك في ديوان أبي محجن ص 45-46، وشرح أشعار الهذليين 1/93-97.

(49) انظر للتأثر بلغة الفرس تيارات ثقافية ص 49-57، وللتأثر بغير لغة الفرس، ديوان امرئ القيس ص 65، وديوان شعرالمتلمس ص 187.

(50) ديوان طرفة ص 18، والقرمد: الآجر، واحدته قَرْمَدة، وانظر مايشبه ذلك في شرح ديوان الأعشى ص 24،298.

(51) شرح ديوان لبيد ص 89، والرباب: السحاب الذي تراه كأنه متدلِّ، والإلال: الحراب. وفيه ص90)، شبه انكشاف البرق عن سواد الغيم بحبشان بأيديهم حراب)، وانظر مثل هذا التأثير في ديوان أوس ص 74، وديوان عدي ص 43، 124، وشرح ديوان الأعشى ص 94، ودراسات في الأدب العربي ص 344.

(52) شرح ديوان الأعشى ص 133، والتبابين مفردها تبان، وهو سروال قصير، والمحصد: الزرع إذا حال حصاده، وانظر مثل هذا التأثير في ديوان بشر ص 113، وديوان عبيد ص 139، وديوان حسان ص 308، وشرح اختيارات المفضل 1/247.

(53) شرح اختيارات المفضل 2/1021، والعين: البقر الوحشي، والكمم: القلانس،وفيه شبه البقر بالفرس إذا تبخترت في قلانسها)،وثمة تفصيل لأثر الفرس في خيال العرب في تيارات ثقافية ص 57-60.

(54) انظر بعضها في شرح اختيارات المفضل 3/1217-1218، والمعاني الكبير 1/461، وتيارات ثقافية ص 32-36، 41-42، 61-78، ودراسات في الأدب العربي ص 299، 302.

(55) انظر هذه الدراسة ص 168-171-178،

(56) شرح ديوان عنترة ص 72

(57) انظر ديوان شعر حاتم ص 270

(58) شرح اختيارات المفضل 3/1161، ومالم يخلعوا رسلي: مالم يرغبوا عنّي، وانظر مثل ذلك فيه 1/274، وفي ديوان امرئ القيس ص 98، وديوان عدي ص 66.

(59) نظرية الثورة العربي 2/47

يتبـــــع

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244