المرأة في الرواية الفلسطينية 1965-1985 - د.حسان رشاد الشامي

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:32 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المقدّمة

حظيت المرأة العربية، ولا سيما الفلسطينية، باهتمام الكثير من الكتّاب والأدباء على اختلاف اتجاهاتهم وتعدّد اهتماماتهم. وشغلت حيزاً بارزاً في نتاجهم الأدبي، سواء أكان شعراً أم نثراً. وكانت الوتر الحساس الذي يتأثر بحركة الواقع، ويؤثر فيها.‏

وقد كان الروائي الفلسطيني على وعي بمدى ارتباط حركة المرأة العربية الفلسطينية بالمجتمع وبالقضية الوطنية، بوصفها قوة فاعلة ومؤثرة في مسار حركة البناء والتحرير، إضافة إلى كونها نبعاً فنيّاً ثرياً بالدلالات الموحية والمعبرة.‏

ولذلك كان اختياري موضوع: "المرأة في الرواية الفلسطينية 1965-1985 "للوقوف على صورة المرأة العربية الفلسطينية، وإبراز مكانتها ودورها، وهي تقف إلى جنب الرجل تشاركه رحلة الكفاح، وتؤازره في معركة الصمود والتحرير. ثمّ الوقوف على صورة المرأة العربية التي ظهرت في بعض الروايات التي بني عليها البحث، كما هي الحال في روايتي جبرا إبراهيم جبرا: "السفينة، والبحث عن وليد مسعود" اللتين تناولتا المرأة العربية العراقية، ولا سيما المرأة التي تنتمي إلى الطبقة البرجوازية.‏

ولقد تبيّن لي من خلال الدراسات والبحوث التي تناولت الرواية الفلسطينية بالدراسة والتحليل، أنّ هذه الدراسات، على أهميتها، لم تعن بصورة مستقلة بدراسة هذا الموضوع، ومَنْ حاول دراسة المرأة في الرواية الفلسطينية، فإنّ دراسته لم تتجاوز رواية، أو اثنتين، وجاءت موجزة، وغير وافية بطبيعة المكانة التي تحتلها المرأة في الرواية العربية الفلسطينية.‏

ومن هذه الدراسات، دراسة عفيف فراج "الحرية في أدب المرأة"1975) التي ألقت الضوء على رواية "الصبار" لسحر خليفة في سياق دراسة بعض الأعمال القصصية والروائية لبعض الكاتبات العربيات. ودراسة خالدة شيخ خليل: "الرمز في أدب غسان كنفاني القصصي" 1989) التي تناولت بعض الشخصيات النسوية في روايات كنفاني،، مثل "أم سعد" و"مريم". ودراسة إيمان القاضي: "الرواية النسوية في بلاد الشام"1992) التي درست بعض الروايات الفلسطينية لسحر خليفة وليانة بدر، وتناولت بالدراسة والتحليل بعض النماذج النسوية. وتأتي أخيراً دراسة مصطفى الولي: "الغائب المنشود- الفلسطيني في روايات جبرا إبراهيم جبرا"1995) لتلقي الضوء على الشخصية الفلسطينية في أعمال جبرا، وتعلل أسباب غياب المرأة الفلسطينية في أعماله. ويضاف إلى تلك الدراسات بعض المقالات التي نشرت في بعض الدوريات العربية، ومنها: مقالة الدكتورة ماجدة حمود: "المرأة في روايات سحر خليفة" التي نشرت في العدد 373) من مجلة المعرفة السورية لعام 1994، ومقالة الدكتورة بثينة شعبان "سحر خليفة ومذكرات امرأة غير واقعية" التي نشرت في العدد 212-213) من مجلة الموقف الأدبي لعام 1988.‏

أمّا على صعيد البحوث التي أفردت لدراسة صورة المرأة في الرواية العربية، فيأتي كتاب الدكتور طه وادي "صورة المرأة في الرواية العربية المعاصرة"1971) وقد اقتصر على دراسة المرأة في الرواية المصرية منذ النشأة عام 1914 حتى عام 1954. وتناول الكتاب بالدراسة والتحليل التغيرات الاجتماعية والأدبية والسياسية والفكرية، التي برزت آثارها في الرواية المصرية آنذاك، وانعكست بدورها على الصورة الفنية للمرأة. انطلاقاً من أن حركة المرأة والمجتمع في مصر كانتا متوازيتين في مسارهما سلباً وإيجاباً. وخلصت الدراسة، بعد أن عرضت لصورة المرأة في بعض الروايات الرومانسية والواقعية، إلى إبراز صورة المرأة ومدى ارتباطها بالواقع وعلاقتها بالمجتمع، ودلالتها الفكرية والفنية.‏

مما تقدم يمكن القول: إن ميدان البحث في موضوع "المرأة في الرواية الفلسطينية.." ما زال بكراً وخصباً وبحاجة إلى من يخوض غماره، ويتولى دراسة أبعاده، ويرصد تطوّر الرؤية الفكرية والجمالية والفنية للروائي، ويسد ذلك الفراغ في مجال الدراسات الأدبية، التي تناولت الرواية الفلسطينية.‏

ومن هنا كان موضوع هذا البحث الذي يتناول بالدراسة والتحليل واقع المرأة العربية ولا سيما الفلسطينية، كما جسده الروائيون، ويقف على مجمل القضايا والمفاهيم والأفكار التي عالجوها، ليخلص فيما بعد إلى دراسة المرأة فنياً.‏

وتشمل مادة البحث أهم الروايات الصادرة بين عامي 1965-1985) التي تبرز فيها صورة المرأة، بصورة واضحة، ويعود السبب في تحديد هذه الفترة إطاراً زمنياً للبحث إلى أمرين: الأول، يأتي استجابة لدواعٍ منهجية يقتضيها البحث، بغية الإحاطة بجوانب الموضوع ليتاح فيما بعد الخروج بنتائج مرضية. والثاني، يعود إلى ما شهدته تلك الفترة من نضج فكري وفني واضحين في مستوى الرواية الفلسطينية، وقد ترافق ذلك مع جملة من الأحداث والتحولات الكبيرة التي حدثت خلال تلك الفترة، وتركت بصماتها على الرواية الفلسطينية خاصة، والعربية عامة. وتبدأ هذه الأحداث بقيام حركة التحرير الفلسطيني عام 1965)، ثم نكسة حزيران عام 1967، وتنامي حركة المقاومة بعد النكسة، فأحداث أيلول 1970، مروراً بحرب تشرين التحريرية عام 1973، ثم الحرب اللبنانية 1975، وانتهاء بالاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982 وترحيل المقاومة، وما أعقب ذلك.‏

أما الروايات التي بني عليها البحث، فهي ثماني عشرة رواية، لثمانية روائيين، وكان اختيار هذه الروايات خاضعاً لبعض المعايير، أهمها: النضج الفني للرواية. وبروز شخصية المرأة فيها. وصدورها في المرحلة المحددة للبحث، وإن خرج عن ذلك ثلاث روايات، وهي: رواية "برقوق نيسان" غير المكتملة، وقد درستها لأنها تمثل تطور رؤية الكاتب الشهيد غسان كنفاني لنضال المرأة العربية الفلسطينية المثقفة داخل الوطن المحتل، وهي رؤية مبكرة ومتطورة على هذا المستوى. ورواية "الرب لم يسترح في اليوم السابع" الصادرة عام 1986)، لرشاد أبي شاور وقد أشار في نهايتها إلى أنه كتبها خلال عامي 1984-1985) وانتهى منها في مطلع 1986، ولذا كان لا بد من دراستها للوقوف على تطور رؤية الكاتب الفكرية والفنية للمرأة الثورية، ودورها في تلك المرحلة الصعبة التي واجهتها الثورة عام 1982. وكذلك كان لا بد من دراسة رواية سحر خليفة "مذكرات امرأة غير واقعية" الصادرة عام 1986، بغية الوقوف على رؤية الكاتبة لأبرز قضايا المرأة العربية عامة، بعيداً عن القضية الوطنية.‏

ولقد راعيت التوزع الجغرافي للروائيين، لتقف الدراسة على نتاج بعض الروائيين داخل الوطن المحتل وخارجه، ولتجيء الدراسة شاملة إلى حد ما لوضع المرأة العربية- الفلسطينية. وقد حرصت على أن يكون لبعض الروائيات نصيب في دراسة بعض أعمالهن، للوقوف على خصوصية الرواية التي تكتبها المرأة، وخصوصية تصويرها أيضاً للمرأة في رواياتها.‏

أما منهج البحث، فيقوم على إعطاء الأولوية للنص الروائي للوقوف على بنيته الداخلية وتحليل دلالالته، وتتبع صورة المرأة بكل ما تثيره من أسئلة وقضايا وإشكالات. وكان الهدف أولاً وأخيراً الولوج إلى عالم النص الروائي.‏

ولكنّ الاعتماد على النص الروائي، لم يمنع من الإفادة من معطيات مناهج أخرى ولا سيما المنهجين الاجتماعي والبنيوي. وقد استعنت بالمنهج الاجتماعي في تحليل الشخصية الروائية في ضوء الواقع الروائي الذي تتحرك فيه، وهو واقع مناظر للواقع الخارجي، وإنْ لم يكن مطابقاً له.‏

كما برزت أهميّة المنهج البنيوي التكويني في الدراسة الفنية، إذ استعملت بعض مصطلحاته، بعيداً عن التقيد الصارم به. وكان للدراسات التي تناولت بناء الرواية العربية، ومهدّت لذلك بدراسة نظرية مستفيضة حول بعض المكونات الروائية، أثر بارز في الدراسة الفنية، في هذا البحث.‏

ومن هذه الدراسات نذكر: كتاب الدكتورة سيزا قاسم "بناء الرواية، دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ"1985)، وكتاب حسن بحراوي "بنية الشكل الروائي"1990)، وكتاب الدكتور سمر روحي الفيصل: "بناء الرواية العربية السورية"1995).‏

ويتألف البحث من مقدمة، ومدخل، وثلاثة أبواب، وخاتمة، وملحقين، يتناول المدخل نقطتين: الأولى الرواية العربية الفلسطينية والواقع، والثانية واقع المرأة العربية الفلسطينية وخصوصية وضعها.‏

أمّا الباب الأول: المرأة والواقع، فيدرس واقع المرأة كما جسدّه الروائيون الفلسطينيون، وجعلته ثلاثة فصول، يدرس الفصل الأول العلاقة بين المرأة والرجل داخل الأسرة وخارجها، وتعدد أوجه تلك العلاقة وتنوعها. ويتناول الفصل الثاني: المرأة والمجتمع، فيقف عند الكثير من القضايا الاجتماعية والفكرية التي تهم المرأة، وتؤثر في حركة تقدّمها، سلباً وإيجاباً. ويدرس الفصل الثالث: المرأة والوطن، فيقف عند نضالها داخل الوطن المحتل وخارجه، ويبرز أشكال هذا النضال وصوره.‏

أمّا الباب الثاني: نماذج المرأة، فيدرس أبرز النماذج النسوية التي جسدها الروائيون في أعمالهم، تبعاً لتفاوت مستويات وعي المرأة، وتعدد انتماءاتها، وتباين مواقفها، وجاء في أربعة فصول.‏

وأما الباب الثالث: المرأة فنياً، فيدرس بناء الشخصية النسوية، وعلاقته بالمكونات الروائية الأخرى، كالمكان والزمان والسرد. وانتهى البحث إلى خاتمة تضمنت خلاصة البحث، وأبرز ما تمّ التوصل إليه من نتائج.. وذيل البحث بملحقين: الأول تناول التعريف بالروائيين الفلسطينيين الذين وقفت الدراسة على أعمالهم الروائية. والثاني تناول رصد الروايات الفلسطينية الصادرة من عام 1946 إلى عام 1996، وإعداد ثبت بتلك الروايات تبعاً لتاريخ صدورها.‏

-آمل أنْ أكون قد وقفت -بعض التوفيق- في تناول جوانب هذا الموضوع، واستعطت أن أفي المرأة، التي ترسم بمداد قلبها طريق النور والحرية للأجيال القادمة، بعض حقها، وحسبي أنني أخلصت النيّة، وبذلت كلّ ما استطعت من جهد، لتعطي هذه الدراسة الثمرات المرجوة منها.‏

والله ولي التوفيق‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244