المرأة في الرواية الفلسطينية 1965-1985 - د.حسان رشاد الشامي

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:32 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ب-علاقات قلقة

وهي العلاقات القائمة على أسس غير سليمة، منها: عدم التكافؤ، والتفاهم والانسجام بين الزوجين، وأكثر ما نقع عليها في أوساط الطبقة البرجوازية، التي تناولها بالنقد والتعرية كل من سحر خليفة وجبرا إبراهيم جبرا.‏

ففي "مذكرات امرأة غير واقعية" تتناول سحر خليفة، من جملة ما تناولته في الرواية، العلاقة الزوجية المأزومة بين عفاف وزوجها. فقد أكرهت على الزواج من رجل لا تحبه، ولا ترغب فيه، دون استشارتها ورغماً عنها. كان الزواج عقوبة لها لأن أهلها اكتشفوا بين يديها رسالة غرام و"خلال شهرين كانت الدنيا قد انقلبت عاليها سافلاً.. حبست في الدار، قدمت امتحان التوجيهي كدراسة خاصة، بالكاد نجحت، لم يبق لدي أي مبرر لرفض الزواج من رجل يملك مال قارون، ووسامة كمال الشناوي.. تزوجت وتعذبت"(1) وقد أدرك الأهل خطأهم الفادح بعد سنتين من الزواج، إذ اكتشفوا ماضيه وحاضره ومستقبله "وعرفوا أنهم تسرعوا في الحكم، وأنهم عاقبوني على وقاحتي بما هو أشد من القتل"(2) . وتتساءل عفاف عن السبب الذي أوقعها في فخ الزواج "ألأنني واحدة من قطيع بنات غير مرغوب فيهن، فاستغلوا أول فرصة للخلاص وتخلصوا؟ ألأنني كنت مراهقة صعبة تحلم أحلاماً كبيرة، وتقرأ كتباً كبيرة..؟ أو ربما لصغر سني واهتزازي العاطفي، وعدم ثقتي بنفسي وبتصرفاتي المدانة دوماً، كبوت ووقعت وغرقت؟"(3) .‏

لقد انتهت مرحلة استلابها كفتاة، لتبدأ مرحلة جديدة من الاستلاب وهي استلابها كزوجة. زوجة قبلت مرغمة بالنصيب وما استطاعت أن تقول لا، لأنه ما كان في وسعها أن تقول نعم. فغرقت في مستنقع الزوج الآسن.. وعانت في دنياه شتى صنوف القهر والذل والحرمان والوحدة القاتلة.‏

وبسبب فقدانها لمشاعر الحب والدفء والألفة، في أسرتها، ثم في بيت زوجها، ونتيجة لظروف القهر والاستلاب التي تعانيها من جراء تبعيتها المطلقة للزوج، ولي الأمر، لجأت إلى التعويض عن طريق تعلقها بقطتها عنبر "قطة عفاف جميلة لأبعد حد، بيضاء منفوشة.. وكانت تغيظه تعيي حيلته فيغضب، يضربها.. فتطير، وترتطم بجدار الحمام، أسمع صوتاً مكبوتاً لفرو وعظم. أبكي سراً ثم أغافله وأحضنها، وأهمس ضربك؟ فتقول: ناو، الحيوان ضربك؟ فتقول: ناو، وأنا يضربني، وأغرس وجهي في فروتها وأبكي أكثر"(4) .‏

إن لجوء عفاف إلى الاستكانة والرضى القسري بحياتها الزوجية، ومن ثم التمرد العشوائي عليها، جعلها تدفع الثمن غالباً، فكانت هي الخاسرة الوحيدة في معركة خططت، خطأ، لخوضها، وحلمت، عبثاً، بالخروج منها منتصرة، بعد أن أجهضت حملها وأصبحت عقيماً. فأهرقت سني عمرها بلا عاطفة وسارت في موكب الرازحين بدون تمرد.. وتواطأت مع طريقة في العيش تحتقرها: "من أنا؟ امرأة اعتاد وجودها رغم العقم، تنظف بيته، تطبخ له، تستسلم لنزعاته البهيمية والسادية، ولا تلوم أو تعاتب بعد أن اعتادت ويئست. لكن حبي للأطفال يتزايد مع تزايد وحشتي ويأسي وتساقط السنين"(5) .‏

لقد عزز العقم إحساسها بالفراغ والقلق والضياع والاغتراب، ذلك أن الأمومة بالإضافة إلى كونها حاجة عضوية جسدية، وحاجة نفسية واجتماعية، قد أصبحت لدى المرأة المقموعة المستلبة تعويضاً عما تعانيه من حرمان وخيبة أمل في علاقتها الزوجية، فالأمومة هي الملجأ الذي يحميها من حياة الظلم والقهر والتعاسة، وتبدد بعضاً من أحزانها، وتشعرها "بأنها إنسان، وتلقي على منكبيها ثوب الكرامة الذي طالما ضن به عليها مجتمعنا الاضطهادي"(6) . ومع ذلك ضحت الزوجة بأمومتها في سبيل حريتها، كانت تحلم بالطلاق، ولكنه لم يتحقق، لأن مصير الزوجة، ربة المنزل، في مجتمعنا هو بيد الزوج، فهو يمتلك الحق لنفسه بالاحتفاظ بزوجه، على الرغم من معرفته لحقيقة مشاعرها نحوه. فحين يتساءل الزوج "لماذا لم أطلقها يا رب؟" تجيب في سرها، وتكشف سر احتفاظه بها: "لأن طبيخي أزكى طبيخ، واسمي أحلى اسم، وبيتي مثل اسمي، كالفل"(7) .‏

وبالإضافة إلى ذلك، تطرح الروائية الفلسطينية المشكلات التي يخلفها الطلاق، فهو برأيها ليس الوثيقة المثلى التي تنال بها المرأة المضطهدة حريتها، وتستعيد كامل حقوقها، وكرامتها المهدورة، وتثبت وجودها وهويتها، فالطلاق يجر الكثير من الويلات على المرأة، ولا سيما إذا كانت لا تحسن عملاً، ولا تتقن مهنة، وغير مستقلة اقتصادياً كعفاف، مما يكرس تبعيتها للرجل، ولذا يكون طلاقها أشد وطأة عليها، إذ لا تجد بيتاً يؤويها، ولا دخل يحميها ويقيها الحاجة. وتبقى عرضة لألسن الناس.. إضافة إلى مشكلة الأولاد- إذا وجدوا- وتشتتهم ما بين الأبوين المنفصلين "ما عدت أفكر بالطلاق كحل لمشكلتي، أصبح يتهددني بخوف، لا يجاريه إلا خوفي من الزواج نفسه. فماذا أفعل بدون زواج؟ سنوات من عمري مرت ولا مهنة لي إلا هذه المهنة. حتى هذه المهنة لم أجدها حسب مواصفات الزواج الناجح.. فماذا أفعل لو تطلقت؟ أين أعيش وكيف؟"(8) .‏

وبما أن "عفاف" غير منتجة، لا تجيد عملاً ولا تحسن مهنة، كان من الطبيعي أن تنتهي ثورتها الداخلية من حيث بدأت، إلى الضياع والوحشة والفراغ القاتل. فعند سفرها بمفردها إلى عمان تلتقي مصادفة بحبيب الطفولة، المتزوج التعيس، فتصل ما انقطع بينهما من مودة وإعجاب، وتحس بكل الحب، وكل العطف وحنان الروح فتقول: "وامتلأت بكل ما بحثت عنه طوال العمر، وجدت دفئاً غمر العالم كله بفيض من زرقة تفتقرها حتى السماء"(9) وتحاول أن تبدأ معه من جديد، وهي واهمة حالمة، لتعوض ما خسرته طوال عمرها.. فتمضي معه بعض الأوقات السعيدة المسروقة من زوجها، وهي تنتقل بصحبته من ناد إلى آخر، يتبادلان القبل اختلاساً، ويستمتعان بسماع الموسيقا، وتتشابك أيديهما خوفاً من الإفلات والغربة ثانية(10) . وتمني النفس بالتحرر من زوجها لتكون له، وتبوح له بمخططها البسيط، فيتهرب منها، إنه من ذلك النوع البرجوازي- كما تصفه صديقتها نوال- الذي "يعبث بالمرأة ولا يحترمها"(11) .‏

ولكن "عفاف" التائهة، الراغبة في تحطيم القيود، لا تأبه لنصيحة صديقتها، ولم تستطع فهم الواقع آنذاك، لأنها كانت غارقة بالحب والمغامرة العابرة، وهي تشعر باللذة والارتياح حين تكون لأول مرة الفاعل لا المنفعل. وتعبر عن هذا الشعور بقولها: "كنت أجد لذة كبيرة، وأنا أتصور حال الزوج المهجور لأول مرة. لأول مرة تنقلب الصورة، وأكون الهاجر لا المهجور. تلك الصورة السحرية التي ما فتئت تثير في أحاسيس البطولة والشماتة. وكان الانتقام لذيذاً، والتشفي بلسماً أغترفه فتتبرد جروحي. وما كنت على استعداد لأن أسمع تفسيراً آخر للصورة. فخرجت لا ألوي على شيء، إلا المزيد من التكسير"(12) .‏

لقد كان الانتقام بديلاً عن التغيير، انتقام من الماضي، ومن كل ما لحق بها من استلاب، وكبت وحرمان وقهر وتسخيف، ولكنه لم يكن ذا جدوى، بل ارتد عليها بمزيد من الخطأ.. والضياع إنه انتقام المرأة من سلطة الرجل، وعسفه وتناقضاته، ومن ظلم المجتمع التقليدي المتخلف، وبعض نظمه وتقاليده البالية. ولذا نرى "عفاف" تتمادى في التعبير عن سخطها، وهي تكثر من شرب الأنخاب، وتقول بسخرية مرة: "وشربت كثيراً.. وتماديت في شرب الأنخاب، نخب الوالد المفتش، واحد، نخب الإخوة الأشاوس، اثنان.. نخب بلد علمتني كيف أرضى بالقهر وأسميه ستراً وواقعية.. نخب ونخب.. تساءلت وأنا أنظر في عينيه الخائفتين الحزينتين: وأنت يا حبيب العمر ألن تشرب الأنخاب معي؟.. كان يستوعب كلماتي ويمضغها بصمت، وربما كان قد بدأ يراجع موقفه مني"(13) .‏

وتعود إلى بيت الطفولة، وقد هزمتها الدنيا أكثر من ذي قبل، زواج فاشل، حب فاشل رغم الإحساس، وصدق القلب، ولا شيء كبير: لا أهل تستند إليهم، لا مهنة، لا تخطيط، ولا أحلام.. تموت في اللحظة، وتعيش لها، حتى باتت عاجزة كنبات البابونج بين العشب.(14) .‏

***‏

وتأخذ العلاقة الزوجية في روايتي جبرا إبراهيم جبرا "السفينة" و"البحث عن وليد مسعود" منحنى آخر، حيث الأزواج والزوجات غير فلسطينيين(15) . ينتمون إلى الطبقة البرجوازية السطحية، في المجتمع البغدادي، وهم، في مجملهم، مثقفون ثقافة عالية، مقبلون، بل متهالكون "على مباهج الحياة بشغف، وحاجة الجسد هي ذروة اللذة الحسية"(16) لديهم. يعانون بعض الأزمات النفسية والاجتماعية والفكرية، يتسمون بعدم القدرة، بل بالعجز عن التغيير، ويسقطون أخيراً في أتون الميوعة والتناقض والفوضى والتمزق والتوترات النفسية(17) .‏

ففي روايته المتميزة "السفينة" 1970) التي تجري أحداثها على متن السفينة اليونانية "هيركوليس" أثناء إحدى الرحلات في البحر الأبيض المتوسط، يعالج جبرا مجموعة متشابكة من العلاقات بين شخصيات الرواية، إذ "يشكل الماضي عبئاً ثقيلاً على كل الشخصيات، رغم لحظات السعادة والهناءة التي عاشها بعض منها، فالمحصلة لا يمكن احتمالها، لأن ثقلها النفسي لا يطاق"(18) .‏

لقد اختار جبرا "السفينة" لكونها "مكاناً ممتازاً للقاء هذه المجموعة الكبيرة من الناس"(19) ولكونها وهي تشق طريقها في البحر "تسمح.. للعلاقات الإنسانية بأن تأخذ مداها الكامل، تتفاعل، تتحاور، تتصادم في محاولة لاكتشاف مبرر الوجود. ولمراجعة الذات بشكل جماعي ومتحرر من الضغط الاجتماعي، فالعلاقة العابرة التي تشد الشخصيات ببعضها تسمح لها بالتعبير بجدية كبيرة"(20) .‏

أما البحر، فهو، كما أشار جبرا في بداية روايته، "جسر الخلاص". وربما كان "عبارة عن ستارة خلفية هادئة لهذه النشاطات التي تقوم بها الشخصيات"(21) . وما يهمنا من هذه النشاطات والعلاقات تلك العلاقات القائمة بين الأزواج، وتحديداً، فيما بين الدكتور فالح حسيب ولمى عبد الغني.*) .‏

ينتمي الدكتور فالح إلى الطبقة البرجوازية التي تنتمي إليها "لمى" وهو طبيب جراح، تربطه بأهل "لمى" أواصر قربى، ويحظى لديهم بمكانة بارزة، ولذا يلقى طلبه يدها قبولاً وترحيباً من الأهل، وترغم "لمى" على الزواج منه بعد تخرجها وعودتها من اكسفورد(22) . أما هي فكانت قبل زواجها على علاقة عاطفية جسدية مع صديقها وحبيبها "عصام السلمان". وقد استمرت تلك العلاقة طوال فترة دراستها في إنكلترا، وامتدت إلى ما بعد زواجها. ويعود السبب في عدم زواجهما إلى وجود ثأر بين العائلتين. وبحكم العادات العشائرية السائدة في بعض أوساط المجتمع العراقي آنذاك 1985)، حكم على العلاقة بين لمى وعصام بالموت. وبدافع الإحباط واليأس "أقدمت لمى.. على زواج يتوافق مع المصالح الاجتماعية"(23) لكلتا العائلتين، إذ تزوجت الدكتور فالح، ولكنه كان زواجاً تعيساً لما بين الزوجين من تناقض صارخ في المشاعر والاهتمامات والأفكار. ولأن كلاً منهما كان يحمل في داخله بذور الانكسار والخيانة والسقوط، فقد كان المصير فاجعاً.‏

فمنذ الصفحات الأولى في الرواية، تتكشف أمامنا صور شتى لعلاقات اجتماعية مأزومة ومشبوهة، ونفوس مشبعة بالانكسار والألم، تشي بهشاشة هذه الطبقة التي تنتمي إليها معظم شخصيات جبرا، وتداعيها من الداخل. كل منها "عنده مشكلة، كل هارب، كل يعيش في الوهم وفي الذكريات، كل يبحث عن أسباب مأساته: السلطة، التقاليد، الأرض، السياسة، الحرية، الحب، فلسطين، العدالة.. أما الحل فكان عن طريق.. الكلام، الذي حوّل السفينة إلى مسرح للعبث. ومن خلال هذا العبث، انبعثت شهوة الحياة وشهوة الموت: الجنس والحب والانتحار. لا حدث ينمو، ولا حديث ينمو، الوهم وحده ينمو ويكبر. فجر هذا الوهم حدثاً واحداً: انتحار فالح. إلا أن هذا التفجر كان آنياً، وعابراً. أما الرحلة فقد استمرت تبحث عن الخلاص من خلال الوهم"(24) . تبحث "عن مخرج بطريق عبثي نابع من انهزامية في مواجهة الواقع"(25) وأكثر ما تجلت هذه الانهزامية في شخصية الدكتور فالح زوج لمى، فهو "سوداوي، كثير العزلة.. ناقم على العالم وعلى نفسه، ممزق.. مغترب.. يرى العالم مملوءاً بالدود"(26) يقول: "إنني ألعن هذا العصر.. كل إنسان منا، كل واحد منكم مسيح ويهوذا معاً... دودة تلتهم دودة. إننا في مملكة الدودة"(27) . وقد أدرك أحد أصدقائه سر نقمته إذ يقول: "من الواضح أن له من الذكاء ما يجعل لنقمته أوجهاً عديدة، ومعاني كثيرة، وإن تكن زوجته.. السبب الأول في هذه النقمة. فالح.. متزمت.. ولكنه أصر على الزواج من امرأة توحي بالحرية والانفلات واللذة. ولها.. من الذكاء ما يجعل لجمالها ألف وجه ومعنى إزاء نقمته على الحياة"(28) .‏

ولعل أحد أسباب هذه النقمة يكمن في عدم الثقة بزوجه، فعندما تنعدم الثقة بين الزوجين، وتضرم الغيرة نيرانها في صدر الزوج، يصبح كل شيء بينهما مضطرباً ومعرضاً للانهيار. ولهذا فهو يلازمها ويراقبها، ضارباً حولها دائرة سحرية تمنع الآخرين من اقتحامها.‏

وإذا كان لجمال "لمى" وفتنتها ذلك الأثر البالغ على الرجال من حولها، فتجذبهم إليها وتثير في نفوس بعضهم مشاعر متباينة، فيها الإعجاب والرغبة والشهوة والغيرة والامتعاض والحسد والكراهية.. فإن ذلك كان مصدر قلق واضطراب وشقاء بالنسبة لزوجها.‏

ولقد تنبأ "فرنندو" الإسباني بالفاجعة، قبل وقوعها، وهو يتحدث مع عصام السلمان عن الحب والجمال، وأثر ذلك في الإنسان العربي، وكان يقصد بحديثه الدكتور فالح: يقول: "العرب والإسبان من دم واحد.. يقتلون من أجل المرأة، ويقتلون المرأة عشقاً وغيرة وشرفاً، والعرب والإسبان وحدهم.. يعرفون عبادة الجمال في المرأة.. أما السنيوريتا "لمى" فلن يكون لجمالها من نهاية إلا المأساة"(29) .‏

ويصدق حدس "فرنندو" وتبدأ المأساة تنسج خيوطها حول الزوج الخادع والمخدوع في آن معاً، وذلك حين تندفع "لمى" للرقص على أنغام أم كلثوم، فتتثنى وتتلوى، بينما يحدق الجميع في جسدها البديع المتفجر بالأنوثة والرغبة، داخل الفستان الضيق "فلا يعرف المرء، في أي عضو يركز النظر.. كانت ترفع يدها، هازلة إلى شعرها بحركة الإغراء تلك التي تحترفها الراقصات.. وكان الطبيب يتتبع تماوجها، واستدارتها بعين الفخور آنا، وبعين المحرج آنا.."(30) .‏

لقد كانت تلك الرقصة هي الحكم عليه بالموت، إذ أحس بطعنة دامية، أصابته في كبريائه وكرامته، وأجهزت على كل ما تبقى لديه من مكابرة، وتجمل بالصبر والاتزان، مما زاد في انشطاره النفسي وكآبته، وسوداويته وإحساسه بتفاهة العالم من حوله. وضاعف مأساته، شكه بزوجه، ومن ثم يقينه بخيانتها له مع عصام السلمان، بعد أن رأهما معاً خارجين بنزهة.. في أحد شوارع نابولي.. فبات يعاني شعوراً حاداً بالكآبة واليأس، وأصبح يكثر من الشراب ولا يعود لقمرته إلا مخموراً، وقد قارب السكر، حينئذ يستطيع الاختلاء بها.(31)

و"ترسم السفينة) صورة مقيتة لعلاقات الحب والزواج.. الحب يتحول إلى قيمة متدنية، يستهدف الخلاص عن طريق الطرف الآخر. ويبنى على حب الجسد، وحب الخيانة. حب فالح لزوجته لا يقصد منه الحب نفسه، بقدر ما يقصد منه أن يجد فالح في لمى جسراً لخلاصه. وكذلك حب إميليا لفالح هو بحث عن الخلاص من أزمة اليأس"(32) .‏

وإذ تسلط الرواية الضوء على جانب هام من تلك العلاقة اللاأخلاقية التي تنشأ في بعض أوساط الطبقة البرجوازية السطحية، فإنها تعري زيف مثل تلك العلاقات التي تقوم على المجاملة والخداع والخيانة وتنطوي على الفجيعة. فتكشف الرواية هذا التقابل والتبادل بين خيانة كل طرف للآخر. ففي الوقت الذي تخون فيه لمى زوجها مع عصام، كان فالح يخونها مع عشيقته إميليا، فيمارسان الحب في قمرة الأخيرة. وكذلك حين كانت "لمى" تصطنع المرض لتتخلف عن مشاركة زوجها في الرحلة إلى "كابري" كان فالح يمكر بزوجه أيضاً، فيحول رحلته من كابري إلى نابولي لينفرد بعشيقته الحسناء "إميليا"، ومن أحد مطاعم نابولي يشاهد زوجه عبر النافذة وهي تتأبط ذراع عشيقها عصام، وهما يهرولان نحو المدينة.‏

وهكذا يتلقى الزوج صدمة عنيفة تفقده توازنه، وتزيد من تمزقه ومعاناته، وتسرع في تنفيذ قرار الانتحار الذي سبق أن اتخذه، تعبيراً عن سخطه واستنكاره وغيرته، وخلاصاً من حالة القلق والانشطار التي كان يعانيها بشكل حاد. وهذا ما كشفت عنه مذكراته واعترافه الذي تركه لزوجته: "إنني أحببتك حباً هو أقرب إلى العجز، ولكنه حب شغلني ومتعني، وفي بعض الأحايين عذبني"(33) .. "كنت أطلب فيك ملجأ لتوزعي وانشطاري، ولكنني انخذلت فيك. كنت جداراً عجزت عن اختراقه"(34) . وفي الوقت الذي كان يضع حداً لحياته المعذبة. كانت "لمىى" في غرفة "عصام" تمارس الحب بشغف وعنف، لقد "استطاع جبرا من خلال السفينة أن يدين الواقع العاجز المتمثل في طبقة مثقفيه البرجوازيين، وجعل من ثقافة هذه النخبة ثقافة عاجزة، لا تزال تبحر في وهمها وزيفها"(35) وجعل من السفينة "صرخة من أجل الوعي، وعي العجز، والخروج من هذا العجز.. صرخة تدين الانهزامية والاستسلام للذكريات، ودعوة لتحمل المسؤولية من أجل المواجهة والتجاوز"(36)

ويأخذ التناقض بين الأزواج شكلاً أكثر بروزاً واتساعاً في "البحث عن وليد مسعود" إذ تبدو العلاقة بين الزوجين هشام الصفار ومريم الصفار(37) متوترة، مأزومة، تلفها الخيانة بسبب الخلل الكامن في شخصيتهما، وفي علاقة بعضهما ببعض. فمريم "مصابة بنوع من الأرق الدائم والصداع الشديد، تعيش أزمة اغتراب، بسبب التناقض الناجم بين الظاهر والباطن، فالظاهر هي زوجة هشام، الرجل ذي المركز المتنفذ. تملك بيوتاً وسيارات... تقوم برحلات وإجازات وتسافر كثيراً. والداخل: غير سعيدة مع زوجها، فزوجها رجل صنعته الوظيفة، تافه، غير مقتنعة به، ولا تنسجم معه جنسياً، حياتها مبنية على الكبت.. تشعر بوحدة مطلقة. وباتت غريقة الوهم"(38) .‏

أما زوجها هشام، فهو كما يصفه صديقه طارق رؤوف: ".. شديد الانضباط.. شديد التفاهة. لا أحسبه كان يجد هدفاً في حياته أعظم وأبهى من الكرسي الجلدي الأسود، وراء منضدة خشبية.. ومريم كقطعة من جمر، تتأجج في البيت عاطفة وخيالاً، وتحرقاً للحياة. يقابلها رجل لا يتمتع إلا بتهرؤ مؤخرته على مقعد سلطة موهومة، إزاء كتبة وملاحظين ومدراء"(39) .‏

وإزاء هذا التناقض، أخذت تتسع الفجوة بين الزوجين، ويزداد انجراف كل منهما وراء رغباته ونزواته، جاعلين من الفجور أسلوباً لهما في الحياة. لم تكن "مريم" لتشعر بالسعادة والاستقرار يوماً. فقد كانت تمقت زوجها، ولا تحفل بما يريد من الحياة. كانت ردود فعله على تصرفاتها مع الأصدقاء تتسم بالعصبية، وتتحول فجأة إلى العنف والتهديد بقتلها أو الانتحار.. وأكثر من مرة استعمل قوته العضلية معها، وأخذها اغتصاباً.. حتى باتت تكره اقترابه الجنسي منها. كانت غيرته تدفعه إلى بلاهات في القول والفعل، وصارت هي، فيما بعد، تشجعها عامدة(40) ، وكأنها تريد بذلك، أن تسوغ، أمام الأصدقاء، تصرفاتها المنفلتة، فتظهر أمامهم بمظهر المرأة الضحيةة وهو الجاني، لكي تبدو تصرفاتها مبررة، فلا تشعر بالذنب أو تأنيب الضمير، ومن الطبيعي إذاً، أن تنتهي العلاقة بين الزوجين إلى الانفصال، ولكن هذا الانفصال لم يكن ليحقق للزوجة حريتها الحقة كما توهمت. لقد جعلها تسقط مرة أخرى في دوامة الشقيقة والألم، حيث سقطت أخيراً حصونها وانهارت أسوارها(41) .‏

***‏

هكذا تضعنا روايتا جبرا أمام علاقات زوجية مأزومة، متناحرة، متناقضة. لا مجال للتوافق بين طرفيها الزوج والزوجة)، ويعود السبب في ذلك إلى طبيعة التكوين النفسي والمزاجي والفكري لكل طرف، ومن ثم إلى طبيعة العلاقات الاجتماعية المتفسخة في أوساط المجتمع البرجوازي الأرستقراطي... الذي يعيش أفراده على هامش الحياة العامة، يعانون تناقضات شتى.‏

فالسقوط المدمر الذي مثله "فالح" كان ذروة المأساة.. وانتحاره لم يكن انتحاراً يائساً. إنه جنون. فعدم القدرة على التواصل مع الآخرين، والضغط الاجتماعي الذي يقذفه خارجاً، يدفع به إلى تدمير ذاته، بعد أن عجز عن تدمير العالم"(42) أما زوجه لمى، فقد مثلت "اليأس من الواقع، والرضوخ له في آخر المطاف"(43) . على حين مثل إخفاق زواج هشام ومريم الصفار، وانهيار علاقتهما وضياع مريم، ضياع طبقة أعلنت عنه تلك الشخصيات في روايتي جبرا(44) . وجاء انتحار الدكتور فالح لينبئ عن انهيارها فيما بعد.‏

ثانياً- العلاقة بين المرأة والرجل خارج الأسرة:‏

لم ينحصر اهتمام الروائيين الفلسطينيين في رصد العلاقة بين المرأة والرجل داخل الأسرة وحسب، بل انسحب اهتمامهم بتصوير حدود هذه العلاقة إلى خارج الأسرة أيضاً، فرصدوا أنواعها، وتتبعوا أشكالها ومستوياتها، والمواقف التي تنم عنها، والقيم التي تطرحها، معبرين، من خلال ذلك كله، عن رؤاهم الفكرية والاجتماعية والسياسية والفنية.‏

ويستطيع الباحث في هذا الجانب من العلاقات، والصلات، أن يميز نوعين من العلاقات فثمة علاقات عاطفية صادقة، ويتجلى أكثرها في صفوف المناضلين والمثقفين الثوريين، ممن ينتمون إلى الطبقة الكادحة، وثمة علاقات زائفة، تكاد تكون محصورة في بعض الأوساط البرجوازية المثقفة، وفي صفوف بعض الثوريين المزيفين.‏

1-علاقات عاطفية -صادقة:‏

لكي يحقق الروائي الفلسطيني التوازن بين الحياة العادية للإنسان الفلسطيني، بما فيها من آمال والام وتطلعات من جهة، والمآسي التي يخلفها الصراع مع عدو ادْمن ارتكاب المجازر منذ عشرات السنين من جهة أخرى(45) ، لجأ إلى الإعلاء من شأن الحب، والعواطف النبيلة، بالقدر الذي يحمي شعبه من السقوط في حمأة اليأس والقنوط والعطالة، ويشحذ عزيمته، ويدفعه إلى الصمود والتحدي والمواجهة، والتشبث بالأرض تحت أعتى الظروف، وأشدها قهراً وجبروتاً.‏

ولعل أبرز الروائيين الذين تناولوا هذه العلاقة، هو رشاد أبو شاور في رواياته "العشاق" و"البكاء على صدر الحبيب" و"الرب لم يسترح في اليوم السابع".‏

ففي "العشاق" تظهر ندى الشابة الفلسطينية المتعلمة، التي تربطها علاقة حب بالشاب الثوري "محمود" فتظهر جرأة واضحة في التعبير عن مشاعر الحب الذي تكنه لمحمود، ولا تكترت كثيراً بمن سيراها برفقته، فحين يسألها: "ألا تخافين أن يرانا الناس معاً؟"(46) تجيب بتحدٍ يجلله عشق وحنين وفرح ودهشة: "ليرنا الناس معاً". وتعلن عن رغبتها في تقبيله في الشارع، وأمام الناس. أما هو فيظهر بعض التحفظ إزاء آراء حبيبته، معبراً عن وعي سليم لمعنى الحب، وواقع المجتمع. إذ لا يرى فيه محض نزوة شخصية، أو رغبة فردية، بل يراه خلاصاً للمجتمع كله، وهو خلاص لا يتحقق بقرار، إنما يتحقق مع الزمن، وعبر مهمة شاقة وطويلة، تتطلب التعليم والبناء الصحيح للإنسان. ولذلك لا ينساق وراء مشاعر "ندى" واندفاعها، إذ يدرك أن ذلك محض نزوة واندفاع، وكسر لقيمة اجتماعية، لا ضرورة لكسرها، وإن كان ثمة ضرورة حتمية لإصلاحها، من خلال الحب الذي يؤمن به إيماناً عميقاً. فهو يرى أن هذه العاطفة الإنسانية السامية، هي التي تجعل للحياة طعماً، وتسمو بالنفس، وتهذبها، بل يذهب إلى أبعد من ذلك حين يجعلها شرطاً أساسياً على معلم الأجيال أن يتحلى بها، ليتمكن من ممارسة دوره التعليمي البناء(47) .‏

*‏

وفي "البكاء على صدر الحبيب" نقع على عاشقين مثقفين ثوريين، يمثلان امتداداً متطوراً لشخصيتي "ندى ومحمود" هما "فجر وزياد" و"فجر" شابة أردنية من الكرك، انضمت إلى أحد التنظيمات الفلسطينية المسلحة في عمان، وتنقلت بين عواصم عربية: بيروت وعمان ودمشق. أحبت -فيما مضى- صديقاً لها في المقاومة، ومنحته أغلى ما تملك بعد أن وعدها بالزواج، فصدقته، وظنت أنه يستحقها، ولكنها، وبعد فوات الأوان، تكتشف خداعه، وتدرك أنها تورطت مع رجل مزيف قذر، يعيش هو وأقرانه على دم الآخرين. "يمتص الثوريين الحقيقيين، ويحولهم بدورهم إلى اسفنجات تمتص غضب غيرها"(48) . صعقت "فجر" حين أدركت الحقيقة، ولكنها أظهرت قدرة كبيرة في ضبط النفس، واستعداداً لتحمل مسؤوليتها تجاه تجربتها المرة، دون أن تفقد ثقتها بنفسها، وبمن حولها، رافضة شفقة "زياد" رفيقها في السلاح والمقاومة، الذي أحبها من جانب واحد، منذ فترة طويلة، وعرض عليها الزواج، فاعتذرت، لارتباطها العاطفي بذاك الرجل دكتور الاقتصاد). وها هي تقول له بصوت راعش واهن: "يهيمن عليه الأسى والانكسار: أنا يا زياد.. لست عذراء(49) "و"بإمكانك أن تتركني. إنني لا أريد شفقة. أنا لا أستحقك يا زياد"(50) فيجيبها بصدق المحب الثوري الأصيل، معبراً عن استعداده للصفح والمغفرة، وتجاوز تلك النظرة التي تعد المرأة جسداً فاضحاً، على الرغم مما يعتصر قلبه من حزن وألم وغضب. يقول: "أنا متألم الآن، لا أريد أن أكذب عليك. أنا مقهور الآن. ليس لأنك فقدت عذريتك مع ذلك القذر. إنني أشعر وكأنه اغتصب أمي أمامي، لقد أهانونا كثيراً، ولكن لكل شيء نهاية"(51) .‏

هكذا يعلن المثقف الثوري الحقيقي عن انسجامه مع نفسه وفكره وواقعه، رافضاً أي نوع من أنواع الازدواجية. فيغلب القيم الجديدة التي تسهم في تقدم المجتمع وتحرره، على ما عداها، ويقف إلى جانب المرأة، وإن زلت قدمها، ويساعدها على تجاوز أخطائها، معترفاً بإنسانيتها، ومساواتها له، مستوعباً في ذلك ظرفها الاجتماعي والنفسي، بصورة تدعو للإعجاب والتقدير.‏

وإذا كان "زياد" قد تجاوز كبوة حبيبته "فجر" تلك الكبوة التي لم تكن بدافع الانحلال أو التعهر، بل كانت بسبب خدعة أجيد نسجها، من جانب أحد الثوريين المزيفين، فإن صديقه "غالي" في الرواية نفسها، يتجاوز سقطات "هناء" رفيقة "فجر" وهي كاتبة، وصحفية، تعاني أزمة نفسية، فيصفح عن ماضيها الملطخ بعلاقات جنسية عابرة، بعد أن خفق قلبه بحبها، وها هي تعبر لصديقتها "فجر" عن ندمها وألمها، ومقدار ما تعانيه من تعذيب للنفس، عما ارتكبته من آثام بحق نفسها وروحها وجسدها. تقول: "أنا انتهيت يا فجر.. إنني.. أشبه ما أكون بمومس حتى .. خفت أن أكون مريضة.. أنا لا أصلح أن أكون زوجة لأيما رجل مهما كانت قيمته. كنت أريد دائماً أن أؤكد إنني امرأة، وإنني حرة.. قرفت.. يجب أن أتطهر لأستعيد احترامي لنفسي"(52) .‏

لقد حاولت الانتحار، أمام صديقتها، لتتخلص من عذاب النفس، وتبكيت الضمير، بعد أن بلغت من الحزن واليأس شأواً بعيداً، إلا أن لقاءها "غالي" المثقف الثوري، المرح الحزين الذي جاب العالم، هارباً من أخطاء قيادة تنظيمة، ثم عاد، لأنه لم يستطع الانسلاخ عن واجبه الوطني، كان له دور بارز في تغيير مجرى حياتها. فها هي تصارح "فجر" بقولها: "أنا مفتونة بهذا الولد. أعشقه، كأنني صوفية، وهو المطلق. آه من الوجد، في حضرة من أهوى يمتلئ العالم بالورد والعصافير، يدور بي زورق الحب السكران في بحر من عطر الورد، وأريج الياسمين.. إذا لم أكن له، ويكون لي، فالموت الجميل. سيأخذ روحي"(53) .‏

هكذا تصالحت المثقفة الضائعة، مع نفسها ومحيطها، واستعادت احترامها لذاتها، واستردت كرامتها المهدورة على عتبة الانطلاق والتحلل، إذ كان لموقف غالي الواضح والجريء، الأثر البارز في مساعدتها على تغيير مجرى حياتها، والتطهر والخلاص مما تعانيه.‏

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: إذا كان "غالي" وهو من كانت له سقطاته، أيضاً فيما مضى، قد تجاوز سقطات "هناء" وتقبلها لأنها مثله. فهل يصفح الكاتب أو المجتمع عن مثل تلك السقطات؟ إن من يقرأ الصفحات الأخيرة من الرواية، يجد الإجابة عن هذا السؤال، إذ تنتهي "هناء" بمصرعها في حوادث المدينة الرياضية في بيروت عام 1973، وهي تحاول أن تلحق بحبيبها "غالي"، لتشارك إلى جانبه في القتال، فتموت موتاً مجانياً عبثياً. هكذا تكون النهاية المنطقية لحياة فتاة عاشت شبابها منطلقة متحللة من الكثير من القيم والضوابط الاجتماعية والأخلاقية لم تميز بين الحرية والانطلاق والتحلل.‏

أبو شاور، إذاً، يدين هذا النوع من السلوك الحياتي، وهو يفرق بين التحرر بمعناه الدقيق، والانحلال، فبقدر ما يدعو للأول، ويدافع عنه، نجده يدين الآخر ويشجبه، مساوياً في ذلك بين سلوك المرأة والرجل. ومن هنا ينتهي غالي، كما انتهت هناء، بمصرعه في أحداث المدينة الرياضية، فيموت هو الآخر بشكل مجاني، بعد أن تحول إلى كتلة من الحقد والغضب والصراخ المجنون، إثر مشاهدته مصرع حبيبته أمامه. على حين يتابع كل من فجر وزياد مسيرتهما معاً، وهما يخططان للزواج، وإنجاب الأطفال.‏

وإذا كانت "البكاء على صدر الحبيب" قد سلطت الضوء على بعض العلاقات العاطفية الصادقة التي نشأت، وتوطدت دعائمها بين عدد من شخصياتها، في مرحلة من أخطر المراحل التي مرت بها المقاومة الفلسطينية، بدءاً من أحداث عام 1970، وصمود المقاومة، ومن ثم تبدد شمل المقاتلين، وانتهاء بأحداث بيروت في أيار 1973، فإن رواية "الرب لم يسترح في اليوم السابع"(54) ، قد وقفت بصورة أكثر شمولاً وعمقاً على العلاقة ذاتها، بين "رشيد وزينب" في مرحلة هي الأخطر من نوعها في تاريخ المقاومة الفلسطينية، وربما في تاريخ الصراع العربي- الفلسطيني والصهيوني في المرحلة الراهنة.‏

تحكي الرواية عن ترحيل المقاتلين من بيروت إلى تونس، عقب الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982. ونلتقي في الصفحات الأولى من الرواية شخصية "رشيد" وهو كاتب وصحفي ومقاتل وعاشق، كان يعمل قبيل الرحيل مذيعاً في إذاعة صوت الثورة. أعجب بزينب، ومن ثم أحبها. وكانت "زينب" قد انضمت إلى صفوف الثورة إثر عودتها من أمريكا، لتشارك في القتال. يخاطبها رشيد في سرّه قائلاً: "أحب الشريطة الحمراء حول شعرك الأسود. أحب ضفائرك الفوضوية، ووجهك الأسمر وعينيك.. أنت حلوة، وسيمة، مفرحة بالكاكي،.. وبعض الغبار على زغب عنقك.."(55) .‏

وحين يلتقيها ذات صباح تسأله بصراحة وجرأة: ماذا تريد؟ فيجيبها: "أريد أن آخذك معي على جواد، أنت تغنين، وأنا أشرع صدري للريح، نمضي حتى آخر الدنيا"(56) . وليست علاقة رشيد بزينب أحادية الجانب، فهي تبادله مشاعر الحب والإعجاب والتقدير، إذ كانت تحدّث عنه زميلاتها بإعجاب، وتذهب إلى الاحتفالات والندوات التي يلقي فيها محاضراته، كما تتابع قصصه وبرامجه الإذاعية، ومقالاته الصحفية بشوق ولهفة.‏

وعلى الرغم مما تكنه له من مشاعر الود والحب والإعجاب، فهي لم تصارحه بها في بداية الأمر، ربما لأن الوقت العصيب الذي جمعهما معاً، لا يسمح بالكشف عن المشاعر العاطفية الخاصة، فالغزو الصهيوني، وما جرّه من فظائع وويلات، حال بين المحبين والتعبير عن مشاعرهم وعواطفهم المتأججة.‏

وحين يرّحلان مع جموع المقاتلين، على متن الباخرة "سولفرين" تتوطد العلاقة بينهما أكثر فأكثر، وتتعمق مشاعر الحب، ويغدو الحلم بالوصال هاجساً يسكن قلبي العاشقين. فها هي تتساءل، وهي داخل قمرتها، وجسدها المتعب يطلق آهته ابتهاجاً بالاستحمام، والماء الدافئ يترقرق على رأسها، ومنكبيها مع عبير الصابون، فينعش روحها: "..لو أنا ورشيد في كابينه واحدة معاً، وننتقل بين جزر الحب اليونانية التي سمعنا عنها، ونعيش كباقي خلق الله أياماً سعيدة، بلا حرب، ولا رحيل.. ولا طائرات تقصف أحلامنا. آه رشيد.. لكنّا معاً، أستحم أمامه، ربما أغسله كطفل صغير.. وأجفف جسده، أنسيه ثدي أمّه الذي اخترقته الرصاصة.. أنسيه الحليب والدم، أنجب له أطفالاً وطفلات، يكونون له أبناء وإخوة وحياة"(57) .‏

هكذا تحلم "زينب" بحقها في الحياة، كأي امرأة، كأي إنسان طبيعي سوي، بالحب والزواج والأولاد، بالاستقرار والأمان والسلام والحرية والعدل. هذه المفاهيم التي جندت لها نفسها وحياتها، وحملت السلاح مع سواها من الثوار الفلسطينيين من أجل تحقيقها. ولكنّ حلمها سرعان ما يصطدم بالواقع المأساوي، وهو على الرغم من مأساويته، لا يستطيع أن يغتال الحلم، أو يصادر الفرح والأمل من نفوس العاشقين والمرحّلين.‏

ويلمس الباحث، أثناء تتبعه لعلاقة زينب برشيد، مقدار ما تتميز به شخصيتها من عفة واحتشام، ليس في علاقتها مع حبيبها فقط، وإنما في علاقتها بأصدقائها أيضاً، إذ تتجنب إثارة أي انتقاد من رفاقها حول مظهرها وتصرفاتها وأخلاقياتها، فتحاسب نفسها، وتحترم مشاعر الآخرين، ولا تخرج عليهم بما لا يليق بمناضلة ثورية، ولذا تؤجل ارتداء الفستان الذي أحضرته معها، إلى حين الوصول.‏

كذلك، يقف الباحث على هذا الكم الكبير من الحنين والشوق للأرض والوطن، والإخلاص الكبير لكل ما هو مأثور وشعبي الدبكة، الزي الفلسطيني، الميرمية، خبز الطابون..) ويتجلى ذلك من خلال الحوار الثري الذي يدور بين زينب ورشيد من جهة، وعشاق الثورة والأرض من جهة أخرى.‏

فمن خلال تلك الحوارات العذبة الدافئة التي تنضح بالشوق والحنين، نرى كيف تمزج الرواية بين العشق بمعناه القريب والخاص، والعشق بمعناه العام.. تقول زينب للعجوز أبي العبد، أحد الثوار المرحلين: "الوطن هنا يا عم.. ودقت بيدها على صدرها. وهنا.. ثم مررت أصابعها حول جسدها، كأنما تتبع الدورة الدموية، ورددت.. وهنا.. وهنا.. فقال رشيد معلقاً) آمين.. هذه صلاة صباحية جميلة"(58) .‏

وحين توغل السفينة في البعد، وتغيب بيروت عن الأنظار، يمسك رشيد بيد زينب، ويمشي معها بهدوء، وينظر بعيداً، ويسألها: "والآن في أي الجهات فلسطين.. أين هي"(59) فتبتسم له، وتضع يدها على الجهة اليسرى من صدرها وتقول: "هنا، في هذه الجهة ويسألها): وأنا؟.. تجيبه): "في داخلها"(60) .‏

هكذا دأب الروائي الفلسطيني رشاد أبو شاور، في مجمل رواياته، على المزج بين الحب الشخصي، وحب الوطن، فالأول لا يمكن له أن ينمو ويحيا إلا في ظلال الآخر. كذلك دأب على أن يجعل الحب مشروعاً حتمياً للزواج. ليس إيماناً منه بالمواضعات الاجتماعية، والقيم الأخلاقية التي يباركها الدين والمجتمع وحسب، بل إيماناً منه أيضاً بأن الزواج والإنجاب بالنسبة للفلسطيني واجب وطني. يقول رشيد لزينب، حين تسأله عن سبب تأخره في الزواج: "عقلي يقول: الفلسطيني يجب أن يتزوج وينجب، لأن شعبنا يخسر المئات والألوف في المعارك، يجب أن لا ننقرض أو نتناقص"(61) .‏

وهكذا، فلقد رسم أبو شاور العلاقة العاطفية الصادقة بين الرجل والمرأة في إطار الأرض والوطن، فكانت الأرض هي القاسم المشترك بين مختلف العشاق أو المحبين، ومحور تفكيرهم وسلوكهم.‏

*‏

وثمة علاقة عاطفية صادقة من طرف واحد، تطالعنا في رواية "عباد الشمس" لسحر خليفة التي ترصد أبعاد تلك العلاقة من خلال تناولها لقضية المرأة العربية عموماً، والفلسطينية خصوصاً، وكل ما يتصل بهذه القضية من مشكلات اجتماعية ونفسية وفكرية. إذ ترصد الروائية العلاقة العاطفية الأحادية الجانب بين "رفيف وعادل"، وتثير عبر هذه العلاقة، موضوعات على جانب كبير من الأهمية، تتعلق بالمثقف العربي، وموقفه المتناقض من المرأة.‏

ورفيف شابة فلسطينية في الثلاثين، تعمل صحفية في مجلة البلد في الضفة الغربية، أحبت صديقها في المجلة "عادل الكرمي" ابن الإقطاعي الوجيه، وهو شاب مثقف، منسلخ عن طبقته المهترئة، بسبب ظروفه الحياتية الصعبة، وكثرة المسؤوليات الملقاة على عاتقه نحو عائلته. وهو ذو فكر يساري، أعجب برفيف، ولكن إعجابه بها لا يصل حد الحب، أو التفكير بالزواج منها، أحياناً كان يحس بالرغبة فيها، لكنه يراها "فتاة عربية تريد الحب، وهذا ما لا يقدر عليه"(62) .‏

وتحتدم مشاعر الرغبة لديه حين تعيش معه لحظات من فرح الطفولة والعذاب، وقتها فقط يحس أنها قريبة جداً، ويشعر بأن "العالم دافئ، له طعم النبيذ"(63) ، فيتمنى لو يحتويها، ويقول لها أشياء حميمة، ويقبلها، وينام معها على الحشيش، ويستمر معها في الطيش والجنون والنسيان(64) . لكن هذه الرغبات تبقى أسيرة التمنّى لديه، فهو لم يحاول خداعها، أو التغريز بها، كما أنّ "رفيف" ليست من ذلك النوع المنفلت الذي يسعى وراء اللذة، وإشباع رغبات الجسد، ولكنّها من النوع الذي يسعى لإقامة علاقة متكافئة مع من تحب. تحافظ من خلالها على إنسانيتها وكرامتها وصدقها وعفويتها. علاقة تمنحها الحب الحقيقي، وتمهد أمامها الطريق للزواج، وإنشاء الأسرة، وتحقيق الاستقرار.‏

فحين "شدها إلى صدره، محاولاً امتصاص حزنه وحزنها، اختبأت لحظات، وانسحبت بعنف... استدارت بوجهها عنه، فهي تعرف أنّه لا يحبها، وأنّه لا يحتاجها، وأنّ حاجته إليها لحيظة مؤقتة.. وهي ترفض هذا، ترفض أن تبني علاقات عابرة سطحية. العلاقة يجب أن تكون عميقة. كل شيء يجب أن يكون عميقاً، حاداً، يجعل للدنيا معنى وطعماً ونتيجة. كل شيء يجب أن يقرّب الإنسان من قلب الدنيا، من موطن الدفء، من رحم الحياة، وهناك تكمن الحريّة"(65) .‏

وإذا كانت "رفيف" تجد في ارتباطها العاطفي الحقيقي بمن تحب دفئاً وحرّية، فإن عادلاً يرى في ذلك الارتباط عبئاً ثقيلاً، يزيد في أعبائه، وليس باستطاعته احتماله. بل يراه صكاً للعبودية. ويرى أن فتاة الوطن العربي حين تطالب بالعواطف، وتقيم لها وزناً، تكون "حرمة تعيش في دوامة الروتين. بينما يعتقد أن المرأة العصرية، حين تندمج في المجتمع والعمل، فإنّها ستتغلب على إحساسها بالعزلة، ومن ثم يمكنها الاستغناء عن العواطف.‏

هذا الموقف المتناقض الذي يقفه "عادل" من المرأة، يكشف عجزه من فهم واقعها، وطبيعة تكوينها النفسي والعاطفي والاجتماعي والأخلاقي، ويُفصح عن عدم انسجامه مع الأفكار والمفاهيم التي يثيرها، وينادي بها. مما يستفز "رفيف" ويغضبها ويدفعها إلى صبّ جام غضبها على كل شيء. على كلّ الشعارات التي يحتمي وراءها عادل وأمثاله. ومن الطبيعي أن تعيش رفيف هذه اللحظات الأليمة، فهي تعرف أن شوقها يذلها، وإحساسها بالتبعية يسحقها، وانشغالها به عن قصائدها أوقف نموها الأدبي(66) . ولكن هل تستسلم لهذا الواقع؟ فإذا كانت قد تعثرت، فإنها تدرك عثرتها، وتعي خطأها، وتؤمن بضرورة النهوض والمواجهة والتغيير، وهذا ما يميزها عن العديد من النساء اللواتي استمر أن العيش في أتون الجهل، واستسلمن لواقعهن القاسي، وارتضين الرضوخ والاستكانة والتبعية، نظاماً بديلاً عن حياة تسودها الحرية والمساواة والعدالة بين الرجل والمرأة.‏

وتعبر "رفيف" عن مشاعر الخيبة والأسف، بعد تجربتها العقيمة مع "عادل": "أكره تجربتي معك.. لأنك كرهتني بنفسي، أفقدتني احترامي لها، جعلت مني واحدة من المعذبات الساذجات.. مذ رأيتك، وقلبي في وجع دائم. وماذا نلت من كل هذا؟ لا المتعة، ولا ضبط النفس، وتحقيق نظام يساعدني على الإنتاج أكثر، ولا الحصول على المزيد من الاستنارة والارتقاء.."(67) .‏

ولكنها، بعد إدانتها له، ورفضها لمواقفه المتناقضة اتجاه المرأة، سرعان ما تلتمس له الأعذار، فتراه "مجرد رجل.. مشوه، مقموع مثلها تماماً، ومثل الآخرين، مهشم، هشمته الدنيا، وبلدته التجارب، بدون عواطف؟ لا، العلة تكمن فيما هو أعمق، ولماذا لم تستطع الوصول إلى علته لتعرف؟ الشرق؟ والده؟ الاحتلال؟ العروبة؟ الخذلان والإحباط وتعقيد الحياة؟"(68) .‏

وانطلاقاً من موقف "عادل" المترجح، فإن رفيف ترفض أن تصبح تابعاً له، وأن تستسلم لعواطفها حتى في أكثر اللحظات دفئاً وشاعرية، بفضل قوة شخصيتها وتماسكها، وبفضل تسلحها بالوعي، وبالقيم الأخلاقية والاجتماعية والفكرية. وهكذا تستجمع قواها، فتغلب عقلها على عواطفها، معلنة: أن الموت أرحم من رؤيته لها وهي تنهار.‏

وتستطيع رفيف التغلب على مشاعرها تجاه من تحب، وتتمكن من التحرر من هيمنته عليها، فتشعر بفرح الانتصار، إذ امتلكت حريتها وكبرياءها وأصبحت سيدة نفسها، أما هو فشعر بالبرودة والخواء، "معها كان يحس بأن باستطاعة الإنسان أن يتخفف من أحماله وأوزانه.. كانت في الحياة لحظات دفء.. وها هي رفيف قريبة منه، لكنها عنه بعيدة، أصبحت حرة"(69) .‏

لقد آمن عادل أخيراً بـ "أن العواطف ليست شوائب تضعف الإنسان وتعرقل ثورته، إنّها إنسانية الإنسان، فحين يستجيب لها لن يفقد حريته كما كان يعتقد، وإنّما سيزداد قوة وفاعلية.. إذاً، بفضل الإحساس يكف.. المثقف عن التيه في علاقاته الإنسانية، كما يكف عن أنْ يكون إناء مضغوطاً بالكلام والسفسطات، ليصبح أكثر حرارة وصدقاً وإبداعاً، فيتسع أفقه، إذ يحس بالواقع ونبضه، فينطلق منه بعيداً عن حرفية أفكار مستوردة، قد تعرقل مسيرة تحرر المرأة أكثر مما تدفعها إلى الأمام"(70) .‏

هكذا تعلي سحر خليفة من شأن العاطفة، فلا تعدّها نقطة ضعف، وفي الوقت نفسه تؤكد دور العقل الواعي في توجيهها، والسمو بها بعيداً عن الانسياق وراءها، والتردّي في مهاوي الخطأ والفساد.‏

2-علاقات زائفة:‏

قلّما نقع في الرواية الفلسطينية على هذا النوع من العلاقات، وهو إن وجد يكاد يكون محصوراً في أوساط بعض المثقفين الرجعيين أو الثوريين المزيفين. ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن الرواية الفلسطينية، هي أولاً رواية تهتم بالقضايا السياسية، ذات المضمون الوطني النضالي، وكثيراً ما تأتي العلاقات الاجتماعية فيها في المرتبة الثانية، وهي مشدودة بخيوط متينة إلى الإطار السياسي الذي يحيط بها، ويؤثر فيها. من هذا المنطلق، ومن منطلق ازدراء الروائي الفلسطيني للزيف، ولمن يجسده من الشخصيات، التي تحاول من خلال سلوكها المشين، ومواقفها السلبية، أنْ تعيق مسيرة الثورة، وتشّوه شخصية الإنسان الفلسطيني وصورته، كان لا بدّ من كشفها وفضحها. فما تفعله القلة القليلة لا يشين الكثرة، ومن هنا لم يشغل رصد تلك العلاقات المزيفة حيزاً هاماً في الرواية الفلسطينية، إلاّ بمقدار ما يُستفاد من دروسها، وكثيراً ما يقع الباحث على تلك العلاقات من خلال تيار وعي الشخصية، أو عبر مذكراتها أو اعترافاتها، أو منولوجاتها الداخلية.‏

*‏

ففي البكاء على صدر الحبيب لأبي شاور، نقع على شخصية "فجر" الثورية المثقفة، وقد أحبت قيادياً زائفاً، حصل مؤخراً على درجة الدكتوراه في الاقتصاد السياسي، "كان شقيقه أحد الكبار، فبدأ في مهاجمة شقيقه وعلاقاته مع -بعض الأنظمة الرجعية- وأفكاره اليمينية المتخلفة.. ثم أخذ نجمه يلمع.. ندوات، كتابات، مقالات، حوارات.. استقطاب الشباب الرافض، فإذا به اسفنجة تمتص غضب الشباب من جهة.. وإذا به يحول الجميع إلى درج يصعده إلى فوق"(71) ، لقد خدع ونافق، وأرسل العشرات إلى الموت في عمليات إرهابية فاشلة في الخارج، وشوه الأفكار التي حلم بها الشباب الرافض.. وكانت "فجر" أولى ضحاياه، على الرغم من إخلاصها الشديد له، وحبها الكبير، ذلك الحب الذي دفعها في لحظة ضعف مسروقة منها. إلى أن تهديه شمعتها فأحرقها، وحطم جدارها المقدس، وولى هارباً إلى فتاة أخرى، تاركاً "فجر" غارقة في بحر الأسى والانكسار. تخاطب "فجر" صديقها زياد: "التقيت به في عمان عند سوق الصاغة قبل أيلول بحوالي شهر، رأيته يصطحب فتاة معه، حاول أن يشيح وجهه عني، لكن كان الأوان قد فات، إذ التقت عيوننا، وأدركت أن ثمة في الأمر شيئاً.. عرّفها عليّ: فجر من أخواتنا الأردنيات اللواتي يعملن معنا، صعقت. كنا نعد العدة لإعلان خطوبتنا في ذلك الإسبوع. ثم قال: خطيبتي جنان الجوادي. تركتهما دون أن أنبس بكلمة"(72) .‏

ولكن "فجر" استطاعت بما أوتيت من شجاعة وقوة وإرادة، أن تتغلب على إحساسها الحاد بألم الخيبة، وذل الانكسار، وتستعيد ثقة الآخرين بها، ولا سيما "زياد" صديقها الوفي الذي أحبها بصدق وإخلاص، ووقف إلى جانبها ساعة المحنة، واستطاع أن يزرع الفرح في عينيها الخضراوين، فإذا بالدم يهدر في العروق، وإذا بالقلوب الظامئة للحنان والراحة يعلو وجيبها، وإذا بالسعادة ترفرف فوق رؤوس العاشقين، وتطهر نفوسهم(73) .‏

*‏

وإذا وجدت "فجر" من يقف إلى جانبها، وينسيها مرارة الخيبة، فإن "نوال" في "مذكرات امرأة غير واقعية "لسحر خليفة لم تجد من يعزيها بحبيبها الضائع، لكنها تابعت مسيرة حياتها وحيدة، بعد أن بحثت طويلاً عن الطريق الصحيح، فحققت استقلالها وحريتها، بالعمل والكفاح.‏

ونوال سليلة أسرة لها تاريخ مع الاعتقالات والتعذيب، وغرف التحقيق. أحبت وطنها بصدق ووعي وإخلاص، ولأجله انخرطت في العمل الثوري. أحبت رجلاً ثورياً، كانا يشتركان معاً في توزيع المنشورات السياسية، وأحبها هو بدوره، لكنّه حين أراد أن يتزوج، اختار "ابنة عمّه، فتاة صغيرة لا تفقه شيئاً"(74) . ضارباً بالحب والوعود عرض الحائط. وتصاب نوال بنوبة هيستيرية من البكاء وهي أمام صديقتها، تحكي لها قصتها وفجيعتها بمن أحبته، وآمنت به، ولم تكن بالنسبة له سوى "عابرة الطريق رغم الرفقة والرفاق، وخيوط القضية"(75) . لكن هذا البكاء لم يكن إلا تطهيراً للنفس الملتاعة، والروح المصدومة. فعزم "نوال" لبلوب اخضرار شديد الألق"(76) ، وإرادتها صلبة كالفولاذ، وثقافتها ووعيها وعملها موظفة في المصرف، إضافة إلى عملها في المنظمة، كل ذلك ساعدها على تجاوز محنتها ووحدتها، وعلّمها كيف تضحك حين يشتد الألم ويقسو.‏

*‏

ولا يقف الزيف والخداع على تخوم العلاقات العاطفية فحسب، بل يمكن للصداقة أن تغدو جسداً مطعوناً بحراب المخادعين المزيفين، وهذا ما نقع عليه في رواية "بوصلة من أجل عباد الشمس" لليانة بدر، التي تتناول أحداث أيلول عام 1970، وما تبعها من أحداث في لبنان، من خلال حشدها لعدد غير قليل من الرجال والنساء، ولكنّها تولي النساء اهتماماً خاصاً، فتروي حكاياتهن، وتضيء عالمهن المليء بالخوف والدهشة والشوق والظلم والفجيعة، وتصوّر معاناتهن من شتى صنوف القهر والإذلال والإبادة داخل الأرض المحتلة وخارجها. ولكنّها لا تخفي في الوقت نفسه، حماسهن وتحررهن وثوريتهن، وقدرتهن على مواصلة العيش والصمود، ومواجهة الصعاب في شتى الأحوال.‏

تحكي الرواية عن العديد من الفتيات الثوريات، وغيرهن، وعلاقاتهن بالأرض والوطن والثورة والرجل والمجتمع.. هذه العلاقات التي لم تكن بمنأى، في بعض الأحيان، عن الانزلاق في مهاوي الإخفاق والخيبة، كعلاقة "شهد الصمدي" بماجد عبد الباهي الذي قدمته الرواية إنساناً متناقضاً عاجزاً عن فهم المرأة واستيعاب ظروفها وواقعها. فهو شاب مثقف، عصري وذكي، خريج جامعة اكسفورد، يدرس في معهد للإناث. وكثيراً ما كان يتحدث عن مشاريعه الحديثة في تطوير المعهد. أعجب بشهد، إحدى تلميذاته، وهي فتاة ذكية، مثقفة، ومتحررة، رومانتيكية منفتحة على الجميع. أعجبت به، وبثقافته وذكائه. قال لها يوماً: "أتمنّى لو أصبحت علاقتنا حميمة. أجابته بفضول محايد: ليس ما يمنع هذا، فأنا صديقة للجميع.‏

-ولكنك نوع نادر مختلف عن الأخريات. أحسك تعاملينني بطيبة الأصدقاء القدامى"(77) .‏

دعاها في أحد الأيام في زيارته، فلبّت الدعوة بطيب خاطر، وثقة بالنفس دون تردد، واشتركت معه في إعداد الطعام. "وعندما أراد أن يكرمها، ويصنع لها فنجاناً من القهوة وثبت "شهد" إلى المطبخ، وقامت بغلي القهوة، دون أن تترك له الفرصة للنهوض من مكانه، ثم تناولت كتاباً من مكتبته، وأنشأت تتحدث عنه بطلاقة، وإدراك تفصيلي لجزئياته.."(78) .‏

وإذا كانت "شهد الصمدي" تتعامل مع أستاذها "ماجد عبد الباهي" بصدق، وحسن طوية، من منطلق الصداقة البحتة، ويحلو لها أن تتجاذب معه أطراف الحديث، وتطرح عليه بعض الأسئلة، فإنه لم يكن ينظر إليها إلا من منطلق الشهوة والرغبة، بوصفها صيداً، يحلو له أنّ يقتنصه: "قكّ أزرار قميصه الأولى: الحر الخانق، تأفف وقال: سألته بوداعة ولطف: هل أفتح الشبّاك؟ لا. لا داعي، كيف تكون البداية مع هذه الفتاة؟ قام وشدها إلى صدره في عناق عنيف. أشياء كثيرة حدثت، فهل يذكر جمود عينيها وبحلقتها المفاجئة؟ أم صرخة الذهول التي أعقبها فكاكها من يديه وجريانها إلى باب البيت، وهي تتقلص تدريجياً متحولة إلى صرخات متتابعة مختنقة‍"(79) .‏

هكذا تتكشف الخديعة أمام شهد، وتنهار الأقنعة، وإذا بماجد عبد الباهي يلوي وجهه عنها فيما بعد، فيتحاشى التحدث إليها، ويتجاهل كلماتها في الصف، ويرمي بأسئلتها بعيداً، كلما عنّ لها أن تماحكه، متغافلاً عنها، وهو الذي حدّثها يوماً عن طيبة الأصدقاء القدامى.‏

وبعد نخلص إلى القول: إنه لدى دراسة العلاقة بين المرأة والرجل، ولدى الوقوف على العلاقة بينهما داخل الأسرة، تبين لنا حضور المرأة الأم بصورة متميزة في مجمل الروايات الفلسطينية المدروسة، وبروز دورها الفاعل على صعيد الأسرة. ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن الأم تشكل في الوطن العربي قيمة اجتماعية ونفسية وأخلاقية عالية، وتنطوي على قدرة غير محدودة على العطاء والتفاني، إضافة إلى ما تحمله من دلالات ورموز موحية ثرة.‏

ولدى تتبعنا بالتقصي والتحليل علاقة المرأة- الأم بأفراد الأسرة، لمسنا حرص الروائي الفلسطيني على أن يقدّم، بأمانة ودقة، صورة واقعية حيّة للأم الفلسطينية الكادحة الصابرة الوفيّة المضحيّة، المحبّة للحياة وللأرض وللعمل. المفعمة بالحميمية تجاه الوطن وأبنائه الشرفاء. المربيّة الفاضلة للأبناء. الوفيّة للزوج، حاضراً وغائباً. المعينة له في شؤون العائلة، بل الحاملة همّه ومسؤوليته أحياناً، بالإضافة إلى مسؤولياتها تجاه الأولاد، متجاوزة بذلك حجم الرجل وقدراته، كما هو الحال لدى "أم سعد" في الرواية المعنونة باسمها.‏

ولدى تتبع علاقة الأب بابنته، تبيّن أن الروائي لم يعنَ كثيراً برسم صورة الأب التقليدي- السلبي، ربما لأنه يعيق مسيرة الفتاة في تقدمها وتطورها اجتماعياً وسياسياً وفكرياً.. لذا جاءت صورته باهتة المعالم، وبدا تأثيره في مجريات الأحداث ضعيفاً، باستثناء الصورة التي رسمتها سحر خليفة لذلك النمط من الآباء في "مذكرات امرأة غير واقعية" وقد حددت هذا النمط طبقياً، إذ ينتمي إلى الطبقة البرجوازية التي أدانتها في معظم رواياتها، على حين بدت علاقة الأب الذي ينتمي إلى الطبقة الكادحة، مع ابنته أكثر ودية وانفتاحاً، فكان يتعامل معها من منطلق إنساني صرف. يحترم اختيارها، ويبارك مواقفها، ويشجعها على الزواج ممن تحب، ويناسبها أخلاقياً واجتماعياً وفكرياً.‏

ومن خلال الوقوف على العلاقة بين الاخوة والأخوات، لاحظنا براعة الروائي في تقديم صورة مشرقة معافاة وصحيحة للعلاقة الأخوية، بما يسودها من محبة واحترام وتفاهم وتراحم.‏

ولدى دراسة العلاقة بين الأزواج، استوقفتنا ظاهرة غياب الأزواج، وقد عللنا ذلك، وتبين أن الأسرة الفلسطينية، كما أظهرتها الرواية، كانت أبداً مفجوعة بأحد قطبيها، ويغلب أنّ يكون الزوج. وكأنه كتب عليها أن تمارس طقوس الموت والفجيعة والحزن والأسى، منذ ما قبل النكبة إلى ما بعد الاجتياح الصهيوني للبنان، ولا تزال. إنها بقايا أسرة، ولكنها بقايا صامدة. تحاول جاهدة التشبث بأحلامها وبحقها في حياة حرة كريمة.‏

وبعيداً عن الإطار السياسي النضالي، تم الوقوف على شكل آخر من أشكال العلاقة الزوجية. عالجته سحر خليفة في "مذكرات امرأة غير واقعية"، إذ بدت العلاقة الزوجية ذبيحة على عتبة القهر الاجتماعي، والتسلط الأبوي الذكوري. على حين ظهرت هذه العلاقة في روايتي جبرا إبراهيم جبرا، بعيدة إلى حد كبير عن الجدية والإخلاص والوفاء. فبدت في تفككها وتمزقها وتوترها وعجزها، صورة مصغرة عن عالم تلك الطبقة التي تنتمي إليها شخصيات جبرا، والتي حرص على تعريتها من الداخل، وكشف زيفها وتفاهتها وتناقضاتها وانهيارها.‏

ولدى دراسة العلاقة بين المرأة والرجل خارج الأسرة، وقفنا على مستويين لهذه العلاقة، إيجابي وسلبي: تجلى الأول في أوساط المناضلين والمثقفين الثوريين الحقيقيين. فعلى حين رسم أبو شاور هذه العلاقة في إطار القضية الوطنية، فمزج بين الحب بمعناه الخاص، والحب بمعناه العام كحب الوطن والأرض، وجدنا سحر خليفة، رسمت العلاقة ذاتها في إطارها الاجتماعي الذي يتناول قضية المرأة العربية عموماً، وما يتصل بها من قضايا وأفكار ومفاهيم عديدة، وأمراض اجتماعية مختلفة. ولكن كلا الكاتبين أكد أهمية الحب، بوصفه عاطفة إنسانية رفيعة، تسهم في بناء الأسرة وحمايتها لتكون بدورها لبنة صالحة في بناء المجتمع والوطن.‏

وتجلى المستوى الثاني علاقات زائفة) في الأوساط البرجوازية، والثورية غير الحقيقية، ولم يشغل حيزاً هاماً في الرواية الفلسطينية، وجاء رصد هذه العلاقات بقصد إدانتها، والدعوة إلى تجاوزها، والاستفادة من مغزاها.‏

(1) -مذكرات امرأة غير واقعية 39-40.‏

(2) -المصدر السابق 39.‏

(3) -المصدر السابق 18‏

(4) -المصدر السابق 11-12.‏

(5) -مذكرات امرأة غير واقعية 45.‏

(6) -طرابيشي، جورج: الأدب من الداخل، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت ط1/1978 ص95.‏

(7) -مذكرات امرأة غير واقعية 80.‏

(8) -المصدر السابق 70.‏

(9) -مذكرات امرأة غير واقعية 104.‏

(10) -ينظر المصدر السابق 105.‏

(11) -ينظر المصدر السابق 106.‏

(12) -ينظر المصدر السابق 108.‏

(13) -مذكرات امرأة غير واقعية 109.‏

(14) -ينظر المصدر السابق 121-122.‏

(15) -ستكون لنا وقفة عند سبب غياب المرأة الفلسطينية في روايتي جبرا، في الباب الثاني من البحث.‏

(16) -وادي، فاروق: ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية 157.‏

(17) -ينظر المرجع السابق 165-169-170.‏

(18) -أبو مطر، د. أحمد: الرواية في الأدب الفلسطيني 220.‏

(19) -خوري، الياس: تجربة البحث عن أفق. م. ت. ف بيروت 1974 ص68.‏

(20) -المرجع السابق 68-69.‏

(21) -آلن، روجر: الرواية العربية، مقدمة تاريخية ونقدية، ت حصة منيف. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت ط1 1986/ ص148.‏

*) -سيكون لنا وقفة مع لمى في الباب الثاني من البحث.‏

(22) -ينظر: جبرا، إبراهيم جبرا: السفينة. دار الآداب، بيروت ط3/1983 ص103.‏

(23) -آلن، روجر: الرواية العربية 143.‏

(24) -فرنجية، بسام: الاغتراب في الرواية الفلسطينية، رسالة دكتوراه، مخطوط، جامعة جورج تاون ص51.‏

(25) -المرجع السابق 51.‏

(26) -المرجع السابق 54.‏

(27) -السفينة 112.‏

(28) -المصدر السابق 116.‏

(29) -السفينة 27.‏

(30) - السفينة95.‏

(31) -ينظر السفينة 206-207‏

(32) -فرنجية، بسام: الاغتراب في الرواية الفلسطينية 64-65.‏

(33) -السفينة 215‏

(34) -المصدر السابق 216‏

(35) -فرنجية، بسام: الاغتراب في الرواية الفلسطينية 65.‏

(36) -المرجع السابق 65.‏

(37) -سيكون لنا وقفة مع شخصية مريم الصفار في الباب الثاني من البحث.‏

(38) -فرنجية، بسام: الاغتراب في الرواية الفلسطينية 72.‏

(39) -البحث عن وليد مسعود 128.‏

(40) -ينظر البحث عن وليد مسعود 180-181.‏

(41) -ينظر المصدر السابق 181.‏

(42) -خوري، إلياس: تجربة البحث عن أفق 70.‏

(43) -المرجع السابق 71.‏

(44) -ينظر: خوري، إلياس: تجربة البحث عن أفق 73.‏

(45) -ينظر: الراعي، علي: الرواية في الوطن العربي 260.‏

(46) -العشاق 64.‏

(47) -ينظر: العشاق ص62.‏

(48) -البكاء على صدر الحبيب ص40.‏

(49) -المصدر السابق ص57.‏

(50) -المصدر السابق ص58.‏

(51) -المصدر السابق ص58.‏

(52) -البكاء على صدر الحبيب ص79-80.‏

(53) -المصدر السابق ص86-87.‏

(54) -أبو شاور، رشاد: الرب لم يسترح في اليوم السابع، دار الحوار، اللاذقية ط1/1986.‏

(55) -المصدر السابق ص18-19.‏

(56) -الرب لم يسترح في اليوم السابع 24.‏

(57) -المصدر السابق 64.‏

(58) -الرب لم يسترح في اليوم السابع 212.‏

(59) -المصدر السابق 67.‏

(60) -المصدر السابق 67-68 بتصرف.‏

(61) -الرب لم يسترح في اليوم السابع ص32.‏

(62) -خليفة، سحر: عباد الشمس، دار الجليل، دمشق ط3/1984 ص16..‏

(63) -المصدر السابق ص16‏

(64) -ينظر المصدر السابق 16.‏

(65) -عباد الشمس 18-19.‏

(66) -ينظر المصدر السابق 108.‏

(67) -عباد الشمس 112.‏

(68) -المصدر السابق 114.‏

(69) -المصدر السابق 250.‏

(70) -حمود، د. ماجدة: "المرأة في روايات سحر خليفة "المعرفة، العدد 373 ص204.‏

(71) -البكاء على صدر الحبيب 21.‏

(72) -المصدر السابق 57-58.‏

(73) -ينظر: البكاء على صدر الحبيب 58.‏

(74) -مذكرات امرأة غير واقعية 117.‏

(75) -المصدر السابق 118.‏

(76) -المصدر السابق 119.‏

(77) -بدر، ليانة: "بوصلة من أجل عباد الشمس" دار الثقافة الجديدة، القاهرة طبعة خاصة 1989. ص/52/ وقد صدرت الرواية أول مرة عن دار ابن رشد، بيروت ط1/1979.‏

(78) -المصدر السابق 53.‏

(79) -المصدر السابق 54.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244