المرأة في الرواية الفلسطينية 1965-1985 - د.حسان رشاد الشامي

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:32 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثاني المرأة والمجتمع

تمهيد‏

على الرغم من سيادة الهم الوطني على الرواية الفلسطينية، لم يمنع ذلك، الروائيين الفلسطينيين من الالتفات نحو قضايا مجتمعهم، فألقوا الضوء على بعض الآفات الاجتماعية التي أسهمت ظروف الاحتلال والتشرد في إبرازها وتفشيها، وصوبوا سهام النقد على السلبي من العادات والتقاليد. وصوروا مظاهر التطور والتجديد التي طرأت على المجتمع الفلسطيني، بعد قيام الثورة الفلسطينية المسلحة، واتساع مدها بصورة خاصة، فتتبعوا أثر ذلك كله على المرأة. ورصدوا في الوقت نفسه حركة نهوضها وتجاوزها للكثير من الأوضاع السلبية، ومشاركتها الرجل في مختلف ميادين الحياة.‏

1-المرأة والآفات الاجتماعية:‏

نسجت المأساة الفلسطينية خيوطها حول المرأة الفلسطينية- وكذلك الإنسان الفلسطيني عامة- داخل الأرض المحتلة وخارجها، مخلفة في نفسها جرحاً دامياً، ما فتئ يؤلمها، وينغص حياتها، كلما امتد بها الزمن، وهي بعيدة عن أي شكل من أشكال الأمن والحماية والاستقرار.‏

كذلك ألقت على كاهلها مزيداً من الأعباء الحياتية، فأصبحت لقمة العيش، ولا سيما في السنين الأولى للنكبة، هي شغلها الشاغل في ظل تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي واكبت النكبة وأعقبتها، وفي ظل غياب الرجل الذي حمل سلاحه، وغاب مع من غاب، دفاعاً عن الأرض والعرض والكرامة.‏

وقد تفاوت الروائيون الفلسطينيون في تصوير حالة الشظف، وواقع البؤس والشقاء الذي عاشته الأسرة العربية، داخل الأرض المحتلة وخارجها.‏

*‏

ففي "العشاق" قدم أبو شاور، صورة، معبرة، ومؤثرة عن معاناة المرأة الفلسطينية لظروف الفقر والقهر، وتجرعها المرارة مع أبنائها الذين شبوا وترعرعوا في بيئة انخفضت فيها فرص الطمأنينة والأمل والحياة المستقرة. ورصد هذا الواقع الذي يرشح حزناً وألماً، على لسان أحد الأبناء، وهو يسترجع ذكرياته بحرقة وغصة: "لقد عشنا على التمر والخبز الأسود، خبز الشعير، وخبز الذرة، ونادراً خبز القمح. تلك الأيام السوداء الثقيلة أرهقتنا. لكنها صمدت تلك المرأة الشجاعة، أمنا. أيام التمر. أيام البطانيات السوداء الخشنة، نصنع منها اللباس، والأكفان والغطاء والفراش. أيام العيش على الخبيزة والأعشاب البرية، نسابق الحيوانات على اقتلاعها من التراب كي نعيش"(1) .‏

*‏

وتسلط سحر خليفة في "الصبار" الضوء على واقع البؤس الذي تعيشه الأسرة الفلسطينية التي تركد في قاع السلم الاجتماعي. وتشير إلى أثر الواقع في كل من الأم وأولادها، وتتحسّس مغالبة الأم لظروفها الصعبة، وهي تحاول أن تتكيف مع الوضع الاقتصادي المتردي في الضفة الغربية، في ظل الغلاء المتفاقم، وانخفاض مستوى المعيشة.‏

فهذه "سعدية" تتابع برنامجها الإذاعي المفضل باهتمام وتلهف. وتستمع إلى نصائح ركن الأسرة، حول فوائد العدس، فتنوع في طهيه، لئلا يسأمه صغارها. ولا شك أن تكرار طبخها للعدس يعد مؤشراً هاماً على الفقر الذي تعانيه الأسرة الفلسطينية. في الداخل، والذي انعكس على الوجوه، فبدت متهدلة شاحبة ذابلة، تحكي قصص الحرمان والشقاء بوجع وأسى(2) .‏

وليست "أم صابر" في الرواية نفسها، بأحسن حظاً، ولا أوفر مالاً. فها هي تصرخ في وجه طفلها، حين مد يده نحو صندوق الاسكندنيا "اترك من إيدك. هذه الفاكهة ليست لنا"(3) ، وحين أخذت البائع الحمية والشهامة والكرم، وناول الطفل بضع حبات من هذه الفاكهة المحرمة على أطفال الأرض المحتلة المسحوقين، انتحت أم صابر بالطفل جانباً، وحذرته من أن يحكي لإخوته عمّا حصل، خوفاً من أن يثير شهيتهم، ويزيد من شعورهم بالحرمان(4) . ولا شك أنّ رؤية الأم لأولادها، وهم يكتوون بنار القهر والظلم والفاقة، وهي عاجزة عن تلبية رغباتهم الصغيرة، تخلّف في نفسها جروحاً فاغرة الأفواه، تأبى الالتئام، وتزرع في قلبها بذرة الحقد والكراهية والغيظ. وترسم في عينيها نار الغضب الكسيح، على كل من أسهم في صنع الدولة العبرية: "يا ريتها فانية أمة محمد اللي خلت الأنذال، يسرحوا ويمرحوا ببلدنا وحاراتنا"(5) .‏

ويأخذ الفقر، في الرواية الفلسطينية، بعداً أكثر عمقاً ومأساوية، حين يرتبط بقضية أكبر هي قضية التشرد واللجوء. ويعد كنفاني من أبرز الكتاب الفلسطينيين الذين وقفوا على هذه الظاهرة في روايته "أم سعد" من خلال تصويره للواقع اليومي في المخيم، وما يحفل به من مظاهر البؤس والتعاسة والشقاء، وإبراز أثر ذلك كله في الأم الفلسطينية المكافحة، التي عاشت في مخيمات التشرد واللجوء، وتحملت قساوة الظروف المعيشية، بما فيها من فقر وجوع وذل الانتظار أمام أبواب وكالة الغوث. وسوء السكن داخل الكوخ الطيني الواطئ، وصعوبة التحرك عبر دروب المخيم الضيقة الموحلة، التي لا تتسع لأكثر من عابر، وعانت من انعكاس هذه الظروف المأساوية على نفسية زوجها، الذي أصبح فظاً، عصبي المزاج متقاعساً، سيء المعاملة لها ولأطفالها.‏

لقد كان الفقر من أكبر المشكلات التي واجهت الفلسطيني في منفاه، إنه شبح دميم، وخصم عنيد، "داء عظيم يقتل المشاعر الإنسانية، ويحطم كبرياء الإنسان ويذله ويودي به، في كثير من الأحيان، إلى المهالك"(6) . وقد لخصت أم سعد ما يمكن أن يفعل الفقر بالإنسان، وكيف يستطيع أن يقلب حياته وكيانه، بقولها: الفقر يجعل الملاك شيطاناً، ويجعل الشيطان ملاكاً)(7) .. لكنها على الرغم من ذلك لم تستسلم لهذه المشاعر، ولتلك الصعوبات، ولم تظهر في صورة البائس الذي يستحق الشفقة. فعلى الرغم من أنها تجرعت المرارة، وعاشت زمن الكبوة والوجع، وكانت شاهدة على زمن الانكسارات والخيانة، لم تستسلم للواقع، ولم يتسرب اليأس إلى مشاعرها. جالدت الحياة وتعاركت مع الأيام، وتغلبت على قسوة العيش وشظفه، بالصبر والأمل، وحب الحياة، والتشبث بها. وظل حلمها بالتحرير والعودة، يبذر في نفسها التفاؤل بالغد المشرق.‏

*‏

وتفرد ليانة بدر في روايتها "بوصلة من أجل عباد الشمس" مساحة أوسع لمظاهر الفقر والشقاء والحرمان، التي يكتوي بنارها ناس المخيم، ولا سيما الأطفال والنساء. وذلك بأسلوب عاطفي، حزين، يرشح مرارة وألماً وحرقة، بسبب قساوة الظروف التاريخية والمعيشية، التي تعيشها الجماهير المسحوقة في مخيمات اللجوء. فها هي بطلتها "جنان" ترسم عبر تداعياتها، مشهداً من مشاهد البؤس الذي ترزح تحت وطأته جموع الفقراء في مخيم شاتيلا: "وفي بيت أم أحمد أرى أطفالها الثمانية يأكلون الخبز المسقى بالمرق من الصينية الواسعة. يمدون أصابعهم ويجمعون اللقم بسرعة وتنافس، بينما صغيرهم سمير ينبطح على الإسمنت البارد، ببطنه العاري، وقدميه المهشمتين بالكدمات والرضوض. أسألها بلهفة.. إذا كان يجب أن يأكل بنفسه، فلماذا لا تلبسينه شيئاً يغطي معدته المكشوفة؟ فتغيب الضحكات المستغربة وجه أم أحمد الذي يبدو أكبر ما هو فعلاً بعشرين سنة: دعيه يتعود يا جنان. كل شيء محكوم بالتعود"(8) .‏

وهذه "أم محمود" تشكو لجنان عجزها عن تأمين مستلزمات بناتها اللواتي أصبحن بعمر نوارة اللوز، لكنهن محرومات من أن يعشن أعمارهن الحقيقية، كبقايا خلق الله. يرسلن عيونهن المنكسرة نحو واجهات المدينة، ويحلمن، عبثاً، بالفساتين والبنطلونات التي ترتديها فتيات المدارس، ولكن الفاقة تقف حاجزاً منيعاً دن رغباتهن وتمنياتهن، مما يثير في نفس الأم شعوراً ممضّاً بالظلم، الذي سرعان ما ينفجر دموعاً حارة، تذرفها سراً، بصمت وعجز، في إحدى الزوايا المعتمة لبيتها، فإذا ما انفلتت منها دمعة أو دمعتان أمام "جنان" فإنها سرعان ما تجاهد في إخفائهما، بطرف أصابعها المتصلبة القاسية، وتقول، بتعب مجهد، ومغالبة حثيثة لنوازعها: "من أين أتى لهن، وكيف يمكن أن أدبر أمورهن. قطعة الأرض تأخذين وتعطين معها. ولكن المصروف إذ راح هنا لا يأتي غيره. معاش أبو محمود ميتان ليرة. ويا موتي علينا، وعلى العالم كيف نعيش. وين الكروم والزيتون، وقطاف التفاح؟ يما؟ إحنا اللي عرفنا العز وأولادنا ما عرفوا غير الحسرة"(9) .‏

هكذا قدمت ليانة بدر صوراً متنوعة مؤثرة لمظاهر الفقر والفاقة في مخيمات البؤس واللجوء، منطلقة من خصوصيتها النسوية العاطفية الحساسة، كاشفة بريشتها الواقعية الشفافة، وبعبارتها المباشرة أحياناً، هذا الواقع المأساوي، الذي يهيمن على مجتمع المخيمات آنذاك، حتى درجة الاختناق(10) .‏

***‏

وإذا كانت روايتا "أم سعد" و"بوصلة من أجل عباد الشمس" قد أضاءتا أهم المشكلات الاجتماعية التي عانتها الأسرة الفلسطينية المنفية في مرحلة ما بعد النكبة، كالفقر والحرمان وغيرهما.. فإن "ما تبقى لكم" أثارت بدورها جانباً آخر من جملة الهموم والقضايا الاجتماعية التي عاشها الفلسطينيون المنفيون داخل الوطن وخارجه. إذ نلمس تفكك الأسرة، وتشتت شملها ما بين أب مقتول، وأم مغيبة بعيدة، وأخوين ضائعين في متاهة الانتظار الممض، والبحث عن الأم. والحلم بجمع شمل الأسرة من جديد. وفي ظل هذه الظروف الصعبة، تطالعنا مشكلة أخرى، لا تقل خطورة عن غيرها من المشكلات، وهي أدعى إلى التفكير، إنها مشكلة تأخير سن الزواج، وما يترتب على ذلك من أزمات نفسية واجتماعية، ويعود السبب في ذلك إلى ظروف التشرد والفقر التي عاشها الإنسان الفلسطيني خلال السنين التي أعقبت النكبة، فأصبح الزواج مؤجلاً، حتى يتم تحرير الوطن، واسترجاع الأرض. بل إن جميع الأفراح والمسرات باتت مؤجلة، لا أهمية لها ما لم تحل القضية.‏

فها هو أبو حامد، يرد على زوجته التي حاولت أن تذكره بالوعد الذي قطعه على نفسه، بشأن زواج ابنتهما مريم من فتحي:"لا تتحدثوا عن الزواج قبل انتهاء القضية"(11) . ولا يمكن تجاهل الأثر الذي قد يحدثه تأخير الزواج على بعض النساء- كذلك على الرجال- إذ يثير لديهن الشعور بالقلق والإحباط وعدم الاستقرار، وقد يجعل بعضهن عرضة للسقوط أمام أول امتحان. فهذه "مريم" تسقط في أحضان أول رجل يصادفها، فتمنحه أغلى ما لديها، بعد انهيار حلم زواجها من فتحي الذي بقي في يافا، وهي ترى سني عمرها تتلاشى، مخلفة على وجهها وجسدها آثار الزمن الهارب. فكان زكريا النتن، بائع الشعب والقضية، هو بديل حلمها الطاهر، وإن كان بديلا مؤقتاً.‏

لقد هربت نحو صحراء الحب الخاوي، فتكشفت لها حقائق لم تكن لتدركها من قبل، وعادت ممتطية صهوة الحرية، وفي ضميرها صرخة رفض للقيد الذي استسلمت له. وقد تجسدت هذه الصرخةة عملياً، في قتلها لزكريا، رمز العمالة والتلوث.‏

ويقدم إميل حبيبي في اللوحة الثالثة من "السداسية" صوراً أخرى من صور تشتت الأسرة الفلسطينية إثر الخروج الأول والثاني، إذ نقع على "أم الروبابيكا" وقد بقيت مع أمها المُقعَدة في فلسطين، على حين هاجر زوجها مع أولادها إلى لبنان في سفر الخروج الأول، وقضت عشرين سنة في لجة الانتظار المرير، تجمع مخلفات الأحباب وتبيعها، مبقية على كنوزها فقط. ونواجه في "المتشائل" صورة مؤثرة لتفرق الأحبة، وتصدع شملهم، حيث يطرد العدو يعاد الأولى، حبيبة سعيد، خارج الوطن، ويبقى سعيد في الداخل، يرتل نشيد حبهما الطاهر على مدى عشرين سنة.‏

***‏

وثمة آفات اجتماعية أخرى لا علاقة للاحتلال الصهيوني في خلقها أو انتشارها، وإنما تعود إلى سنين عديدة من التخلف، وسلسلة طويلة من العادات والتقاليد السلبية العتيدة، التي رسخها المجتمع الذكوري على مدى حقبة طويلة من الزمن، وقد "وجهت الروايات الفلسطينية).. نقدها إلى أي خلل في المجتمع، في الداخل وفي الخارج، يعطل حركة التقدم، وقد نالت بعض التقاليد حظها من النقد، بهدف خلق البيئة الصالحة التي تتيح لكل أفراد المجتمع أن يناضلوا ضد الاحتلال"(12) .‏

ومن الطبيعي أن يتفاوت الروائيون الفلسطينيون، ذكوراً وإناثاً في تناولهم للعديد من الآفات الاجتماعية. فعلى حين ركزت الروائية على قضية المرأة ومعاناتها من تعدد أساليب القمع: قمع الاحتلال والمجتمع والرجل، وتفوقت في الدخول إلى العالم الداخلي للمرأة، وكشف خباياه، وتحسس ما يعتمل فيه، من مشاعر وأحاسيس، نجد الروائي قد اكتفى بكشف مواطن الخلل في العلاقات الاجتماعية دون أن يتوقف عندها طويلاً، جاعلاً موضوع الوطن، وقضاياه السياسية، في سلّم أولوياته واهتماماته، على الرغم من انتصاره للمرأة بوصفها مساوية للرجل، وشريكة له في كل مجالات الحياة، بما فيها العمل الثوري، إلا أنّه لم يجعل من قضيتها همّه الأول، وشغله الشاغل، لأن الكاتبة أقدر من الكاتب على "الاهتمام بالموضوع النسوي، وإبراز المعاناة النسوية، والوقوف عند بعض المواقف التي لا يتنبّه لها كاتب- رجل، وإن فعل، فلا يؤكدها ويحتفل بها كما تفعل الكاتبة"(13) . تقول سيمون دي فوار: "نحن النساء نعرف خيراً من الرجال عالم المرأة، لأننا مرتبطات الجذور به، ونحن أقدر على إدراك ما معنى أن يكون الكائن الإنساني امرأة"(14) .‏

*‏

ففي "الصبّار وعبّاد الشمس" تنطلق سحر خليفة، في معالجتها للكثير من القضايا الاجتماعية من مقولة أساسية هي "أن الثورة كل لا يتجزأ: ثورة ضد المحتل، وضد السلبي من الموروث والعادات والتقاليد"(15) وهذه المقولة تتفرع عنها مقولات أخرى أهمّها: إن مسؤولية تحرر المرأة وإثبات وجودها، تقع على عاتقها بالدرجة الأولى، لتتمكن من القيام بدور فاعل في وسطها الاجتماعي، وتستحوذ على ثقة الآخرين. وقد قدّمت سحر، شخصيات نسائية، استطاعت بوعيها وذكائها ونبل أهدافها وشرعيّة طروحاتها ومثابرتها، أن تغيرّ بعض المفاهيم التقليدية السائدة حول المرأة، وعملها وشرفها وسوى ذلك، فوجدنا نساء ناضجات رفضن أن يكن تابعات للرجل، وتعاملن معه من موقع الند. لما تميزن به من قوة إرادة وعناد صلب(16) مثل رفيف التي رفضت أن تكون تابعاً لعادل، حبيب الأمس، بل تعامل معه من موقع الند. وكذلك نجد سعدية الأرملة، التي رفضت الاستسلام لرغبة شحادة في الهيمنة عليها، وتوجيهها تبعاً لإرادته، على الرغم من حاجتها إليه في تأمين العمل، وتسويق ما تنتجه. كذلك نجدها تتحدّى أهل الحارة، وتواجه افتراءاتهم، وثرثرات نسائها، وغيرتهن منها فتواصل عملها بصبر وجد ودأب.. وتستطيع أن تحقّق لأسرتها ما لم يستطع زوجها تحقيقه في حياته(17) .‏

ومن هنا يمكن القول: إنّ سحر خليفة عملت على تغيير أحد أهم المفاهيم الخاطئة المتوارثة عن المرأة، وهي "ضعفها، وعدم قدرتها على الإنتاج، والحياة، وإعالة الأولاد بعد اختفاء الرجل من حياتها"(18) . فقد أدركت المرأة طاقاتها وقدراتها، وعرفت ذاتها وموقعها، بعد أنْ امتدت إليها روح التغيير، فلم تعد ترضى أن تلقب بألقاب توحي بضعفها.‏

كذلك، عملت سحر على تغير المفهوم المتوارث للشرف- العرض(19) ، في ظل احتلال بغيض، لا بد أن يقاومه أبناء الضفة والقطاع من كلا الجنسين، فتتعرض الفتاة، كما يتعرّض الفتى، للاعتقال والتعذيب، وممارسة كل أساليب القهر والإذلال عليهما.. ومن هنا وجهّت سحر في "مذكرات امرأة غير واقعية" وكذلك في ثنائيتها، سهام نقدها لبعض المفاهيم البالية عبر الحكاية التي ترويها إحدى الفتيات المعلّمات، في مجلس ضمّ مجموعة من النساء التقليديات. وملخصها: أن رجلاً له ابنة جريئة، قيل له يوماً: إن ابنتك تدور مع الشبان، وتقوم بما لا يرضي الله، وشرع الناس، وعندما تحرّى الأمر، اكتشف أنّها تقوم بالتعاون مع رفاقها بصنع القنابل، وفهم الرجل الأمر، وأحسّ أن الدنيا بطولة، وذهب ينشر الخبر بين الناس، ويقول: بنتي شريفة، نظيفة، جدعة. ووصل الكلام مقر الحاكم، وكانت قصة. مسكوا الثّوار، ضربوا واحداً، لم يحتمل الضرب، فاعترف عن أول دفعة.. وكان المجموع أكثر من خمسين مقاوماً. كلّهم ذهبوا فداءً لشرف البنت، وشرف العائلة(20) .‏

ومن خلال هذه الحكاية استطاعت الفتاة أن تعطي النسوة الأمهات درساً في المفاهيم التي تغيّرت، حين استلّت الجواب منهن: "الأرض وإلا العرض؟ قولوا يا ستات؟ وكأن شجاراً اندلع فجأة. بدأت الغرفة تموج بالأصوات المتقاطعة المتناقضة المتحدة المتحمسة الخانقة المغضبة"(21)

هكذا أدّى رفع شعار العرض لا الأرض إلى خسارة لا تعوّض. ومن هنا. كانت سحر تلح على ضرورة تغيير النظرة لهذا المفهوم، في ظل الواقع الثوري الراهن داخل الأرض المحتلة. ففي "عباد الشمس" يعلّق أحد الرجال التقليديين على الفتاة التي رشقت في المظاهرة حجراً فتح نافوخ الضابط:"أنا عارف، طق شرش حيا بنات هالأيام وازرق نابهم. مسكها الجندي وقال:" ما بتخافي من الضرب عرافيت، أنا بعرف على إيش تخافي" شقّت مريولها لحد مابينّت صدريتها وقالت: "قصدك على هذا؟! ولا على هذا بخاف؟! استغفر الله العظيم. جيل كاسر مابقدر عليه قادر. الوطن على الراس والعين. لكن يا ابني الشرف غالي، وإحنا عرب، علٌّق باسل: بعد شرف البلد والأرض لا قيمة لأي شرف"(22) .‏

هذا المفهوم الجديد للشرف. لم يكن ليؤمن به الرجل الثوري حق الإيمان، لولا وقوفه على تلك البطولات التي أحرزتها المرأة على صعيد الوطن والمجتمع، فهاهي "لينة الصفدي" تُعتقل، وتوقن خلّيتها أنّها لن تعترف، وأنّها أصلب من الرجال على الصمود. ويشعر عادل بالخزي والعار وهو يعيش حياته اليومية باستسلام وبرود، والفتيات يُعتقلن ويُعذبن.‏

***‏

وتثير سحر أيضاً في "عباد الشمس" قضية على جانب كبير من الأهمية وهي أنّ الرجل المثّقف: "تقبّل... عطاء المرأة الجديد دون أن يتقبّل بالمقابل أي تغيير جوهري بمكانتها ومسؤوليتها. فهو يريدها رجلاً وامرأة وخادمة في نفس الوقت. أن تعي ولا تعي، أن ترى ولا ترى.. أن تتكلم ولا تتكلم.. كل في حينه. أن تكون الثورية الصلبة التي تشد أزر الرجل في معركة التحرير ثم تعود إلى قاعدة الحريم... بعد انتهاء الثورة، وتترك للرجل الحرية والاستقلال والمستقبل والسلطة"(23) .‏

*‏

وفي "مذكرات امرأة غير واقعية" تعالج الكاتبة قضية على جانب كبير من الأهمية وهي: قضية انتماء المرأة وتحديد هويتها، وتأكيد استقلاليتها، وإلى جانب جملة من القضايا التي تثيرها، إذمازال يتوجب عليها أن تكون ابنة فلان أو زوجة فلان، دون أن يتم قبولها كفلانة فقط، بغض النظر عن الذكر الذي يحمي اسمها اجتماعياً)(24) .‏

كذلك، تطرح الرواية عدداً من القضايا التي تبرز ذلك التناقض والتباين بين ماتطمح إليه المرأة المتمردة الرافضة، ومايرتضيه المجتمع لها ويطلبه منها، بل يفرضه عليها. وفي ذلك ما يعد نكوصاً لوضعها وقضيتها، وكأنها مابرحت مكانها، فلا هي ثارت على السلبي من العادات والتقاليد، ولا هي استسلمت لتناقضات الواقع(25) .‏

وتتابع سحر خليفة في روايتها مسيرة المرأة العربية على درب الآلام، منذ ولادتها إلى ما بعد زواجها، وتحكّم بعض النظم الاجتماعية الجائرة بالمرأة، إذ يبدأ التمييز بينها وبين الذكر منذ الولادة، فعلى حين تعم الأفراح والزغاريد أرجاء الدار عند قدوم المولود الذكر، يحصل نقيض ذلك عند قدوم البنت، وعلى حين يتخاطف الذكور ميراث الوالد، تبقى البنات بلا ميراث، إلا ميراث اسم العائلة المجيدة ووجاهة الأصل الطيب(26) .‏

فإذا ما خفق قلبها بحب شاب يناسبها، واخترق شعاع الحب روحها دون إرادة منها، وقفت السلطة الرادعة المتمثلة في الأب أو الأخ في وجه سعادتها وحرية اختيارها. إذ لا يحق لها التعبير عن آرائها وأفكارها واختيار شريك حياتها، بصفتها قاصرة، غير مسؤولة عن مصيرها الخاص، وهذا ماتعانيه الفتاة العربية التي تعيش في بيئة متخلفة، فيفرض عليها الزواج ممن لا ترغب به أو تنسجم معه، ومن الطبيعي أن تعيش، بسبب ذلك الزواج القسري غير المتكافئ، سلسلة من المآسي المستمرة. وحين تحاول اختراق الطوق الاجتماعي المضروب حولها، تنتصب أمامها جملة من المشكلات المترتبة على هذا الانعتاق، مما يجعلها ترتد نحو الخيبة واليأس. ذلك أن الجرح أعمق بكثير من أي وصفة علاج)(27) .‏

فلا الهجر ولا الطلاق يحلان مشكلة المرأة المتزوجة المقموعة التعيسة، ذلك أن حرمانها من إكمال تعليمها ومن العمل لاشك، يؤديان إلى شل قدراتها ويبقيانها في دائرة التبعية للزوج.‏

وهذا يعني أن تستسلم وتصبر على واقعها المرير، خوفاً من المستقبل المظلم الذي ينتظرها، في ظل مجتمع تسود فيه بعض المفاهيم الخاطئة التي تعد المطلقة إنساناً ناقصاً، وتجعله عرضة لألسنة الناس وافتراءاتهم. ناهيك عن المشكلات الاجتماعية الأخرى التي يخلّفها الطلاق في البيئات المتخلفة، إذ يتشتت الأولاد مابين الأبوين المنفصلين، وتضيع المرأة المطلقة، فلا بيت يؤويها، ولا دخل يحميها، ويقيها الفاقة، وإن وجدتُ مكاناً لها في بيت أحد إخوتها، فإنها تعيش حياة مريرة، لاشك أنّها أدنى من تلك التي عاشتها في بيت زوجها.‏

وليس الرجل أو المجتمع هما وحدهما محط انتقادات سحر، بل نراها أيضاً تحمّل النساء التقليديات جانباً من مسؤوليتهن حول تخلّف المجتمع، ومايعانيه من جهل وجمود.‏

فنستعرض جانباً من أحاديثهن التافهة، وثرثراتهن الساذجة الحافلة بالاختلاق والمغالطات، حول الزواج والطلاق والفضائح والحمل والعقم والولادة وتعدد الزوجات. وتسوق حكمها عليهن على لسان البطلة بقولها:"هنّ السبب في الكثير مما نحن عليه"(28) .‏

كذلك تدين سحر بعض العادات والمعتقدات الشعبية، التي تؤمن بها بعض النساء التقليديات ويمارسنها عن قناعة ورضا. كلجوء بعضهن إلى الحجاب والكتابة لجلب الحظ لمن لم تتزوج أو تحمل. ولجوء بعضهن الآخر إلى المشعوذين والدجالين. وهذا ما أشارت إليه الروائية أيضاً في روايتها السابقة "الصبار"، حين نسبت زوجة أحد العمال المصائب التي حلّت بأسرتها للعين الشريرة، وراحت تعالجها بالاستخارة، وشيّ الشبّة، وكتابة الحجاب عند السامريين(29) . كما انتقدت اعتقاد بعضهن بأنّ أفضّل وسيلة للتمسك بالزوج هي الإكثار من الخلف. وأن المرأة العقيم لا يُبقي عليها زوجها(30) .‏

ولم تقف انتقاداتها عند هذا الحد، بل راحت تندد بالزوجات اللواتي استسلمن للأمر الواقع، وارتضين بالقهر الذي يغلّف حياتهن، وعلّلن ذلك بتفسيرات واهية عاجزة، ورحن يُعلّقن أسباب رضوخهن للأمر الواقع على النصيب، والقسمة أو الحظ. فما إن تبدأ واحدتهن بنعف حطامها الداخلي في جلسة حميمية، وتفرغ محتويات قلبها.. وكشكول أحزانها، وتذرف الدموع، وتحشش السجائر، وتعفّر الدخان، وتنعت زوجها بوابل النعوت والألقاب. وتستنزل اللعنات والأمنيات". حتى تسرع إلى لملمة شتاتها لدى سماعها بوق السيارة وتنظر في العيون المسبلة بمشاركة وجدانية، وتهمس بحكمة "نصيبنا").(31)

وإذ تسلّط الروائية سحر خليفة الضوء على خصوصية العالم الداخلي للمرأة، وماتتميز به من غنّى في الأحاسيس والمشاعر والأفكار، فإنّها تلوم المرأة العربية التي تلجأ إلى أحلامها الوردية، إلى عالمها الداخلي الذي يفتح لها آفاقاً مشرقة، تقاوم من خلالها مرارة واقعها.‏

ولاشك أنّ هذا النوع من الهروب كان ذا أثر سلبي على معركتها مع الواقع الخارجي، لأنّه ربما لعب دور المخدر لمشاكلها وأزماتها وأجلّ ثوراتها الحقيقية... فلو استقر طعم المرارة لفترة، ودون أي معين، لثارت المرأة على واقعها وحاولت تغييره)(32) . تقول عفاف: هذه القدرة على الانفلات والعيش في عالمي الداخلي الفسيح الأخضر آذتني كثيراً. آذتني حين قدّمت لي جرعات مخدّر تساعدي على احتمال الألم الصاعق)(33) .‏

وكأن الكاتبة تريد أن تقول: إن الهروب لا يحل المشكلة، فلابد من مواجهة الواقع بالإرادة والعمل، لا بالأحلام، ولابدمن الاعتماد على الذات أولاً قبل الاستعانة بالآخرين، في حل المشاكل التي تواجه الإنسان، رجلاً كان أو امرأة.‏

*‏

وإذا كانت القضية النسائية، ومعاناة المرأة العربية من وطأة بعض التقاليد الاجتماعية القاهرة، قد حظيت بالنصيب الأكبر في روايات سحر خليفة. فإن ليانة بدر في روايتها البكر "بوصلة من أجل عباد الشمس" لم تُغفل عرض جانب هام من معاناة المرأة الفلسطينية التي تعيش في المخيم، من وطأة الظروف الاجتماعية الصعبة التي تواجهها، إضافة إلى اعتراض بعض العادات والتقاليد السلبية طريق تقدمّها وتطورّها. ليس ذلك فحسب، بل إنّ تحكّم الرجل التقليدي، سواء أكان أباً أم أخاً، بقراراتها وحركتها، قد وقف عائقاً في طريق انخراطها في العمل الوطني على الصعيدين النضالي والاجتماعي، بسبب تعنت الكثير من الآباء، أو تزمت الإخوة أو الأقرباء.‏

تقول جنان: التي كان لها دور فعال في تأسيس بعض الجمعيات والتنظيمات التي كانت لها نشاطاتها الاجتماعية والصحية والتعليمية والتوجيهية:"عملنا مازال يعاني نقصاً في الكوادر. والبنات حين يتعرفن على أنفسهن في العمل معنا، يسارع أهلهن إلى تزويجهن، خوفاً من مصلحتهن من القيل والقال.... فمن تفلت من إسار الزواج المحبب أو القسري، لابد أن تعاني من تعنت الأب، أو تزمت الأقرباء . وعلى من تبقى وتستمر، أن تكون خبيرة في الإسعاف والدفاع المدني، ومحرضة سياسية وموزعة نشرات، وموجهة اجتماعية.. كل هذا في آن واحد، وهذا يعني، أيضاً، تمرساً بالعمل المرهق الدائم، واستعداداً دائماً لتحمل الخسارات الكبيرة)(34) .‏

*‏

وفي "العشاق" يكشف أبو شاور، بعض العيوب التي تسمح للرجل أن يتصرف بحريته، ويقيم علاقات مع الجنس الآخر، على حين، يفرض على المرأة أن تحافظ على سلوكها وتصرفاتها، وتصون شرفها، وشرف العائلة. وهذا مايلمح إليه محمود، وهو يجيب على سؤال "ندى" حين سألته:ماذا لو رآك أقرباؤك معي؟!)(35) ، فأجابها ممازحاً:سيفخرون بي. إنهم لن يذبحوا فحلهم الذي دبر فتاة حلوة، ترفع الرأس)(36) . فالجنس هو مجال المفاخرة الوحيدة للرجل في المجتمع المتخلف)، والرجولة ليست سوى مقدرة جنسية، دون أي قيمة إضافية)(37) .‏

وينتقد الكاتب بعض العادات السائدة في المجتمعات المتخلفة، مثل زواج المبادلة، وتعدد الزوجات، لما ينجم عن ذلك من ظلم المرأة، وسلب لحقوقها وحريتها في اختيار شريك حياتها.‏

ويثير هذا الموضوع من خلال "أم حسن" التي عانت من ظلم زوجها لها، ولنسائه الأخريات، وقسوته عليهن، وضربه لهن، فما كان منها إلا أن تمردت على سلطته، وزرعت بذرة الثورة ضده)(38) . وأرغمته على طلاقها، بعد أن كسرت هيبته أمام نسائه، وكأنّ أبا شاور يريد أن يؤكد أنّ المرأة هي المسؤولة الأولى عن تحقيق حريتها، وصون كرامتها، وأنها المرشحة الأولى لرفض كل مايحيق بها من ظلم وتعسف وقهر. مثلما رفضت "أم سعد" في الرواية المعنونة باسمها، بعض المفاهيم والعادات والتقاليد البالية التي تكبلها، وتعيق مسيرة تقدمها، فاستبدلت بالحجاب رصاصة. وحين سألها الراوي عن الحجاب القديم، أجابته: صنعه لي شيخ عتيق منذ كنا في فلسطين، وذات يوم قلت لنفسي: ذلك رجل دجال بلا شك، حجاب؟! إنني أعلقه منذ كان عمري عشر سنوات، ظللنا فقراء، وظللنا نهترئ بالشغل، وتشردنا، إذا مع الحجاب هيك، فكيف بدونه؟! أيمكن أن يكون هنالك ماهو أسوأ؟!)(39) .‏

ولاشك أن موقف "أم سعد": يكشف عن قناعة هذه المرأة بأن القوى الغيبية لم تقدم لها شيئاً، وأنه لن يحميها سوى الفعل)(40) .وهذا ما وعاهُ كنفاني تماماً ووظفه في روايته غير المكتملة" الأعمى والأطرش".‏

2- المرأة والحرية:‏

تغدو حرية المرأة العربية ، في ظل هيمنة بعض العادات والتقاليد والمفاهيم المتزمتة، قضية هامة، من بين مجمل القضايا والمسائل التي تناولتها الروائية الفلسطينية في أعمالها.‏

*‏

وخلافاً لبعض الروائيات العربيات أكدت الروائية الفلسطينية مفهوم حرية المجتمع والوطن ورأت أنها الطريق الصحيح المؤدي إلى حرية الفرد. فرفيف في "عباد الشمس" آمنت بعد معاناة... ورفض لثورة يقطف مغنمها الرجل، أن الابتعاد عن الثورة لا يجدي، وأن المطالبة بحرية المرأة بمعزل عن العمل الثوري خطأ، لأنه يبدد الطاقات التي يجب أن تستغل لقتال العدو. فلا حرية للمرأة في مجتمع محتل مستعبد. وماحربها ضد زملائها... وابتعادها عن صفوفهم سوى انحراف عن جادة الصواب، وضياع لهدف رئيسي أسمى، وهو تحرير الأرض... لقد طالبت - وهي الصحفية- أن تكون نصف مجلة البلد مخصصة وموجهة للمرأة. ولكن عندما رأت الانتفاضة... تهز أركان نابلس. عندما رأت شجاعة الفلاحين الذين صودرت أراضيهم، وآلام... سعدية، أدركت سذاجة وعقم مطلبها)(41) .‏

وأحست بالعجز التام فخارت عزيمتها، وانهارت معنوياتها. فماذا باستطاعتها أن تفعل إزاء كل هذا؟! وماقيمة ماتفعله؟! وما الذي تفعله سوى خوض صراعات جانبية مع عادل وسالم والأستاذ عطا الله والأستاذ بديع؟! وماذا حققت حتى الآن؟! لا شيء سوى إطلاق صرخات الندهة في واد مفغور الفم. ومانفع هذا؟! نصف المجلة؟! أية نكتة! وماذا ستفعل بنصف المجلة تكتب فيها عن تجارب لم تخضها؟! أين أنا منك ياسعدية؟!)(42) .‏

فالمرأة، إذاً، لا يمكنها أن تنال حريتها الحقة في وطن محتل ومستعبد، ولكي تحصل عليها لابد من تعاون أبناء الوطن جميعهم في الكفاح من أجل التحرير. لذلك وجدنا "عفاف" في "مذكرات امرأة غير واقعية". تخفق في نيل حريتها، وتنحرف عن مسارها الصحيح، حين انعزلت عن هموم الوطن وأوجاعه، وباتت تفكر في همومها ومشاكلها الشخصية، فانتهت إلى الطريق المسدود المحاط بالخسائر والخيبة واليأس.‏

3- المرأة والعمل:‏

قدم الروائيون الفلسطينيون، العديد من الشخصيات النسوية العاملة على اختلاف بيئاتهن، وتنوع أعمالهن. فوجدنا القروية الكادحة، والعاملة المكافحة، والمثقفة الثورية، والمعلمة، والصحفية، وذلك انطلاقاً من إيمانهن بأن العمل هو النشاط الوجودي للمرأة، أي النشاط الذي يتوقف عليه بناء شخصيتها الإنسانية، بأوجهها المتعددة)(43) . العقلية والاجتماعية والثقافية.. والأخلاقية... وغيرها. إذ بالعمل وحده تنمي المرأة كما الرجل، قواها العقلية ومشاعرها، وتعيد إنتاج ذاتها الإنسانية، وتعكس تلك الذات في العالم الذي تنتجه. و... بدون العمل، لا يمكن للقوى والطاقات، وبذور التحول الكامنة في المرأة أن تنمو بالفعل وترتقي)(44) . ويقف الباحث في الرواية الفلسطينية، على صدى هذه الأفكار متجسداً لدى معظم الشخصيات النسوية العاملة.‏

*‏

ففي "العشاق" قدم رشاد، صورة مدهشة للمرأة القروية الكادحة، متمثلة في "أم حسن" التي تعمل في صنع الطوب، لتعيل نفسها وأبناءها، وتنفق على تعليمهم. ولاشك أن عملها أسهم في تنمية شخصيتها، وفرض هيبتها على من حولها، ولاسيما على زوجها المزواج، الذي عانت من ظلمه وصلفه وقسوته الشيء الكثير. ولكنها استطاعت، بقوة إرادتها، وعزة نفسها، وكبريائها أن تنتزع منه الطلاق وتسترد حريتها. ولأنها تملك عملاً شريفاً يعيلها هي وأولادها، فقد استطاعت بسهولة، الاعتماد على نفسها، دون أدنى شعور بالخوف من الاستقلالية والتفرد، وتحمل المسؤولية.‏

*‏

وفي "عباد الشمس" قدمت سحر مثالين مختلفين، بيئياً وثقافياً واجتماعياً للمرأة العاملة. يتجسد المثال الأول في صورة "رفيف" الفتاة المثقفة التي تعمل صحفية في مجلة البلد في الضفة، وتمارس حريتها الشخصية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية دون تدخل من أحد. ولاشك أن عملها كان عاملاً هاماً في بناء شخصيتها وصقلها، وفي توسيع مدركاتها الحسية، وفي تمتعها بالحرية والاستقلالية، واعتدادها بنفسها. لذلك وجدناها تناقش زملاءها في المجلة، وتتعامل معهم تعامل الند، وتواجههم بحقائق مافي نفوسهم، دون مواربة أووجل أو تحفظ.‏

أما المثال الثاني فتجسدّه "سعدية" المرأة الشعبية البسيطة، زوجة العامل زهدي، وأم أولاده الخمسة. ربة منزل. لا تجيد عملاً ولا تحمل شهادة، تعتمد هي وأسرتها على عمل الزوج اليومي. وحين يستشهد، ينقطع مورد الرزق دفعة واحدة، وتجد الزوجة نفسها أمام معضلة كبيرة، وهي تأمين متطلبات العيش لها ولأولادها. ولأنها كانت تمتلك الإرادة القوية، وبعضاً من الوعي البسيط، فقد استطاعت بفعل ظروفها القاسية أن تحول تلك الإرادة القوية، وبعضاً من الوعي البسيط، فقد استطاعت بفعل ظروفها القاسية أن تحول تلك الإرادة إلى قوة فاعلة. إذ خرجت إلى دنيا الناس، والعمل المثمر، فانتشلت أولادها ونفسها من كارثة اقتصادية معيشية، كان من المحتمل أن تصيب الأسرة لولا عملها الحر الشريف، الذي انعكست آثاره الإيجابية على أسرتها، وعلى مظهرها الخارجي، وتصرفاتها وسلوكها وطريقة تفكيرها، فبدت ملامحها أكثر شباباً وحيوية وتألقاً، وبدا كلامها يحمل نفحات من الثقة والاعتداد بالنفس. وأخذ تعاملها مع الناس، يطغى عليه طابع الجد والحذر والشجاعة.‏

ولكي تؤكد الكاتبة أهمية العمل بالنسبة للمرأة، وأثره الإيجابي الفعال على شخصيتها وحياتها وأسرتها، ساقت لنا صورة "أم صابر" التي تعيش ظروفاً اقتصادية مشابهة لتلك الظروف التي عاشتها سعدية. فكلتاهما غير متعلمتين وغير عاملتين، متزوجتان من عاملين يعملان لقاء أجرهما اليومي. وهذا يعني أن حياة أسرتيهما مهددة ومرهونة بصحتهما اليومية وقوتهما. والفارق بين المرأتين، أن الأولى يستشهد زوجها، وتستطيع بما امتلكت من وعي وإرادة، أن تنهض على قدمين قويتين. وتثبت على أرض الفعل الإيجابي. وأن الثانية يصاب زوجها إصابة عمل، فتواجه مصابها بالندب والنواح، وتستسلم لواقعها البائس.‏

*‏

سحر، إذاً، معنية كثيراً بإبراز قيمة عمل المرأة وأهميته، وضرورته، ليس فقط لسد الحاجات المادية الاستهلاكية، بل لما له من أهمية على الصعيد الشخصي والاجتماعي والإنساني عامة. إذ يحرر الشخصية، ويقويها، ويغنيها ويمدها بالطاقة اللازمة لمواجهة مختلف أشكال التحديات. لذلك نجدها في روايتها التالية "مذكرات امرأة غير واقعية" تتناول عمل المرأة من زاوية مختلفة عن تلك التي قدمتها في الثنائية، حيث البطلة متزوجة تعيسة، لا تملك شهادة عالية، ولا تجيد عملاً. لذلك تتريث في طلب الحصول على صك حريتها، لأنها تخشى العواقب المروعة التي تنتظرها، فيما لو انفصلت عن زوجها. لقد جعلتها عطالتها عن العمل، وقلة حيلتها، ترضى بواقعها، فتعيش تحت رحمة زوجها ووصايته، على الرغم من مقتها له. كما جعلتها تتوجس خيفة من الاستقلالية وتحمّل المسؤولية. فكيف يمكنها أن تبدأ من جديد، وهي تجهل من أين تبدأ وكيف.‏

تقول: لا أملك مالاً، لا أجيد عملاً، ولا حرفة. لا أعرف شيئاً... كيف أبدأ؟!)(45) . في هذا السؤال المحيّر الذي تطلقه سحر على لسان بطلتها، تكمن مشكلة عفاف ومثيلاتها. إضافة إلى ذلك تثير الروائية مايمكن أن يخلفه حرمان المرأة من العمل على شخصيتها ونفسيتها، إذ يجعلها وحيدة معزولة ضعيفة الشخصية، عاجزة عن مواجهة الآخرين، وغير قادرة على اتخاذ قراراتها بنفسها، وحسم أمورها، مما يرسخ تبعيتها للطرف الآخر. تقول عفاف متحسرة: آه لو كنت مضيفة، لو كنت سكرتيرة، لو كنت... أي إنسان اعتاد العمل بحس عملي جامد)(46) .‏

وإذ تنتهي عفاف إلى الضياع، والأحلام المقوضة، نجد نقيضتها "نوال" الموظفة في أحد المصارف، تتحدى مآسيها وعذابها، وتتحدى إخفاقها على الصعيد العاطفي، وتعلو على جراحها، متخذة من العمل سبيلاً لتأمين الحياة الحرة الكريمة، ومساعداً على مداواة جراحها وأحزانها.‏

*‏

وفي رواية "أم سعد" يقدم كنفاني المرأة الفلسطينية الكادحة، متمثلة في "أم سعد"، التي كابدت بؤس المخيم بكل أبعاده، وعاشت عمرها عشر سنوات، في التعب والعمل، كي تنتزع لقمتها ولقم أولادها، تخدم بيوت الآخرين وبيت الراوي. وتشطف الأدراج في البنايات الكبيرة لقاء أجر زهيد، تسهم من خلاله في حمل أعباء أسرتها، فتقف إلى جانب زوجها الذي كادت البطالة تخنقه. وتترك المجال لأولادها ليلتحقوا بالعمل الثوري. وبذلك حققت، من خلال عملها الشريف، فائدة مزدوجة، على الصعيدين الأسري والوطني.‏

ومما يلفت انتباه الباحث في الرواية الفلسطينية، أنه نادراً مايقع على صورة المرأة المسحوقة التي تستجدي لقمتها، ولقم صغارها، مما تجود به نفوس المحسنين أو المشفقين، فعلى الرغم من مظاهر الفقر، وشظف العيش، وقسوة الحياة التي عاشها الفلسطينيون في مخيمات البؤس، لم يكن ذلك ليؤثر على مشاعر الكبرياء والعزة التي تنطوي عليها نفوسهم المكلومة، فهم يعيشون حياتهم بكل ما أوتوا من عناد وصبر وإرادة. يزاولون شتى أنواع المهن الشريفة، بغية الحصول على مايقيهم لظى الحاجة،ويحميهم من ذل السؤال.‏

*‏

فهاهي ذي "زليخة" في "نشيد الحياة" لم تتأثر اقتصادياً بهجر زوجها لها، إذ تابعت، بأسلوبها الخاص، ممارسة حياتها اليومية بكل مافيها من عناء وشقاء. تربي الدجاج في محيط منزلها، وتمارس أعمالاً مناطة، على الأغلب، بالرجال، إذ تقوم بطلاء حيطان منزلها بالشيد الأبيض، وتعمل خارج المنزل في قطف الثمار، وتصفيف البرتقال، بمركز البراد عند أحد الأثرياء(47) .‏

*‏

وتلك "سليمة الحاجة" في "بوصلة من أجل عباد الشمس"، يتوفى زوجها ويلتحق ابنها الوحيد بالعمل الفدائي، وتبقى وحيدة بلا أنيس أو جليس، إلا أمراضها التي تكاثرت عليها بفعل القلق الممض، والمعاناة المرة، والهموم المتزاحمة في دهاليز دماغها وزوايا نفسها. ومع ذلك نراها تقوم بأعمالها الاعتيادية، وكأنها مازالت تتمتع بالعافية. تشتغل بالإبرة، وتبيع قطعها البسيطة، وتواصل أهازيجها وأغانيها القديمة، مستنكفة عن قبول المساعدة من أحد)(48) .‏

***‏

هكذا شكل عمل المرأة الفلسطينية الضمان الأساسي، لحياتها وحياة أسرتها. حفظت به كرامتها، وصانت شرفها، وتمتعت بحريتها الحقيقية، ووقفت مع زوجها جنباً إلى جنب، تعمل وتكافح من أجل تحقيق حياة أفضل. ورفعت عبئاً ثقيلاً عن أولادها، فيسرت لهم السبيل لممارسة العمل الثوري، والتحصيل العلمي الذي أخذ يؤتي ثماره على الصعيد العسكري والسياسي والاجتماعي في المراحل التالية للخروج الثاني.‏

4- المرأة والتعليم:‏

خطت المرأة الفلسطينية بعد النكبة الأولى 1947- 1948 خطوات واسعة في مجال العلم. وانفتح أمامها مجال العمل على مداه الواسع، ولاسيما في حقول التعليم والوظائف ذات الطابع الاجتماعي. وأصبحت الفتاة الفلسطينية تترك أهلها وتسافر وحدها لتعمل كمدرسة أو موظفة في دول الخليج العربي. واعتبرت في هذا المجال رائدة وطليعية بالنسبة للمرأة العربية، التي لم تصل آنذاك إلى هذا المستوى من الحرية والجرأة في الدخول للحياة الاجتماعية، لتعمل بعيدة عن وطنها وأهلها.‏

وفي مطلع الستينات، أخذت تبرز ظاهرة جديدة وملحوظة حول إقبال المرأة الفلسطينية على العمل بحماس ورغبة منقطعة النظير. فقد تضاعف عدد المنتسبات للجامعات. كما وأن مئات من الفتيات أنهين دورات تمريض وخدمات عامة في العديد من البلدان الاشتراكية، وأصبحت ظاهرة افتتاح المشاغل، ودور تعليم الحرف، ومحو الأمية، ظاهرة عامة في أماكن تجمعات الفلسطينيين... إلى جانب نشاطها المرموق في السياسة، حتى في الكفاح المسلح)(49) .‏

هذا التحول والتطور الذي طرأ على المرأة الفلسطينية، بفعل حركة الواقع الفلسطيني الناهض، سواء داخل الوطن المحتل أو خارجه، شهدت له الرواية الفلسطينية، واحتفلت به وأكبرته، ذلك أن الروائيين الفلسطينيين، وانطلاقاً من مواقفهم التقدمية، كانوا من أبرز المناصرين لقضية المرأة، للإعلاء من مكانتها، وإبراز دورها المؤثر في بناء المجتمع وتطوره، وفي عملية النضال من أجل التحرير على المستويات كافة. لذلك قلما نجد رواية فلسطينية تخلو من شخصية نسائية عاملة أومتعلمة.‏

*‏

ففي "برقوق نيسان" 1972) يقدم كنفاني صورة مشرقة لفتاة فلسطينية تدعى "سعاد وقاد" تنتمي إلى الطبقة المتوسطة، إذ كان والدها موظفاً صغيراً في دائرة النفوس في الضفة الغربية، وبفضل ما أوتي من وعي وشجاعة، تمكّن من إرسال ابنته إلى جامعة دمشق عام 1962 لتدرس الآداب، وبعد أن التحقت بكلية الآداب لمدة سنة واحدة، عادت والتحقت بقسم العلوم السياسية(50) . تماماً كما فعلت زينب، ذات المنشأ القروي، في رواية أبي شاور "الرب لم يسترح في اليوم السابع"، إذ درست العلوم السياسية في أمريكا، وعادت لتمارس العمل الوطني في صفوف المقاومة، ولاشك أن اختيار كل من "سعاد" و"زينب" لهذا النوع من العلوم، كان مدروساً بعناية فائقة، إذ ساعدهما فيما بعد، على العمل المثمر الفعال في التنظيمات الفدائية التي انضمتا إليها.‏

*‏

وفي "العشاق" تطالعنا "ندى" ابنة الفلاح البسيط، التي تمكنت من إكمال تعليمها بدعم والديها القرويين وتشجيعهما لها. وأصبحت معلمة في مدرسة المخيم. ومالبثت أن خطت خطواتها الأولى على درب العمل الثوري بتشجيع خطيبها لها، وقد كلفها بنقل رسالة شفوية إلى القيادة في عمان.‏

*‏

ونقع في "الصبار" و"عباد الشمس" على أكثر من شخصية نسائية متعلمة، فهناك نوار الكرمي التي تدرس في دار المعلمات، ولينة الصفدي المثقفة الثورية. ورفيف الصحفية التي تحرر زاوية المرأة في مجلة البلد في الضفة. ومن الملاحظ أن كلاً منهن قد اختارت عملاً تسهم، من خلاله... في بناء المجتمع وتقدمه، وفي عملية النضال الوطني. فالتعليم والصحافة يتيحان للمرأة التخاطب والتواصل مع أكبر عدد ممكن من أبناء الوطن، والتأثير فيهم. وهذا يتطلب منها جهداً مضاعفاً في سبيل نشر الوعي، وتنوير العقول، وبث روح النضال في النفوس.‏

*‏

وتقدم ليانة بدر في "بوصلة من أجل عباد الشمس" أمثلة مدهشة لنساء فلسطينيات متعلمات وعاملات، وتبرز الدور الخطير والفعال الذي حققنه على صعيد مجتمعهن في مخيم صبرا وشاتيلا في لبنان. إذ تابعت عملية تكوينهن الثقافي، وتحصيلهن العلمي منذ كن في المعهد. ووقفت على أنشطتهن الثورية أثناء متابعة دراستهن، وبعد تخرجهن مدرسات ناجحات يمارسن الثورة قولاً وفعلاً.‏

فها هي "جنان" تتخرج من معهد المعلمات. وتؤسس، بالتعاون مع رفاقها المثقفين المناضلين داخل المخيم، بعض المراكز والجمعيات والتنظيمات الحرفية والصحية والثقافية، وتمارس من خلالها نشاطاتها التعليمية والتمريضية والعسكرية. فتعلم النسوة وضع الضماد على الجرح، أو فك الحرف الذي استعصى عليهن قروناً، كي لا يكتبن الرسائل لأحبائهن كما قال أهلهن)(51) ، وتقرأ أمامهن أسماء مدن فلسطين الغائبة على الخارطة. وتشرح لهن الأوضاع السياسية الراهنة. وتنظم للفتيات دورات لتعلم الخياطة والدفاع المدني والإسعاف، والتدريب على السلاح، وسوى ذلك(52) .‏

لقد سعت الروائية، من خلال بطلتها "جنان" إلى تقديم صورة إيجابية للمرأة الفلسطينية المتعلمة والمثقفة، التي لم تحتمِ خلف الشعارات والكتب والنظريات، بل زرعت نفسها في قواعد العمل الثوري. وغرست جسدها وفكرها في عالم المخيم، تمتص شجونه وعذاباته، وتتفاعل مع دموع أيتامه، ودماء شهدائه، وعرق كادحيه، وقلق نسائه، وتمزقهن. تلملم عواطفها التي تمزقها، وتضبط انفعالاتها، لتعيد صياغتها من خلال العمل بينهم، فمعهم فقط تتلاشى هواجسها الخاصة التي تشل قواها، وتشتت تفكيرها. ومعهم فقط تشعر بالطمأنينة الداخلية والراحة النفسية. فتحاول بما أوتيت من إمكانات ووسائل، ومن خلال التعاون مع بعض رفاقها في الهم الإنساني والكفاح الوطني، أن تبني مجتمعاً متماسكاً واعياً، يليق بالدور المقدس المناط به، وهو النضال الدائب والمستمر ضد أشكال العدوان والظلم والقهر والجهل والتخلف.‏

ومما لاشك فيه أن الشوط الذي قطعته المرأة الفلسطينية في مجال العلم والعمل قد واكبته بعض الصعوبات أو العثرات، وبصورة خاصة داخل الوطن المحتل. ولكننا لا نكاد نقع في معظم الروايات التي شملها البحث، على تلك الصعوبات التي واجهت المرأة أثناء تحصيلها العلمي، أو بعد تخرجها، وكل ماعرضته الرواية في هذا الموضوع يشير إلى عزم المرأة وإصرارها على التعليم والعمل، ولكن نستثني من تلك الروايات رواية "الصبار" لسحر خليفة و"الصورة الأخيرة في الألبوم" لسميح القاسم، إذ وقفت رواية "الصبار" على المشاكل التي يتعرض لها الطلاب الفلسطينيون الذكور) من قوات الاحتلال، أثناء متابعتهم دراستهم، كما وقفت على مشكلاتهم بعد تخرجهم(53) . كما أشار سميح القاسم في "الصورة الأخيرة في الألبوم" إلى المشكلة ذاتها. فأسقط الضوء على حال المثقف الفلسطيني بعد حصوله على أعلى الشهادات، إذ تغلق أبواب العمل المناسب في وجهه، وينتهي إلى العمل في وظائف وضيعة، لا تليق بمؤهلاته العلمية والثقافية(54) .‏

ونخلص مما تقدم، إلى أن الروائيين الفلسطينيين وقفوا بدقة وأمانة على مجمل القضايا الاجتماعية التي تمس المرأة مساً مباشراً. فسلطوا الضوء على الآفات الاجتماعية التي عاشتها المرأة وعانت منها، ووجهوا سهام نقدهم نحو السلبي من العادات والتقاليد، بهدف خلق البيئة الصالحة التي تتيح لكل الأفراد أن يسهموا في عمليتي البناء والتحرير.‏

ولدى تناولهم لقضية الحرية، وجدنا أنهم ربطوا بين الحرية الفردية وحرية الوطن، ورأوا أن الأولى لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن الأخرى.‏

وأثناء معالجتهم لقضيتي العمل والتعليم، تبين لنا أنهم كانوا من أبرز المناصرين لقضية المرأة العربية- الفلسطينية، للإعلاء من مكانتها، وإبراز دورها الفعال في بناء المجتمع وتقدمه، وفي عملية النضال من أجل التحرير.‏

(1) -العشاق 123.‏

(2) -ينظر: الصبار 53-147-188.‏

(3) -المصدر السابق 169.‏

(4) -للمزيد من الإطلاع ينظر: الصبار 64-90.‏

(5) -الصبار 170.‏

(6) -قميحة /مفيد: الاتجاه الإنساني في الشعر العربي المعاصر. دار الآفاق الجديدة. بيروت ط1/1981. ص 125.‏

(7) -كنفاني، غسان: الآثار الكاملة مج1/335.‏

(8) -بوصلة من أجل عباد الشمس 76-77.‏

(9) -بوصلة من أجل عباد الشمس 84.‏

(10) -ينظر: صالح، فخري: في الرواية الفلسطينية 115.‏

(11) -كنفاني، غسان: الآثار الكاملة مج 1/189.‏

(12) -أبو بكر، وليد: الواقع والتحدي في رواية الأرض المحتلة 100.‏

(13) -القاضي: إيمان: الرواية النسوية في بلاد الشام 10.‏

(14) -دي فوار، سيمون: الجنس الآخر، تر، لجنة من أساتذة الجامعة بيروت، المكتبة الحديثة للطباعة والنشر، ط7، 1980 ص8، نقلاً عن القاضي، إيمان: الرواية النسوية في بلاد الشام ص56.‏

(15) -شعبان، بثينة "سحر خليفة وامرأة غير واقعية" الموقف الأدبي عدد 212-213 ص34.‏

(16) -ينظر: شعبان، بثينة: "سحر خليفة وامرأة غير واقعية". الموقف الأدبي. عـ 212-213 ص34-35.‏

(17) -ينظر -المرجع السابق 34.‏

(18) -المرجع السابق 34.‏

(19) -ينظر المرجع السابق 34.‏

(20) -ينظر: مذكرات امرأة غير واقعية 137.‏

(21) -المصدر السابق 138.‏

(22) عبّاد الشمس - 49.‏

(23) - شعبان، بثينة: "سحر خليفة وامرأة غير واقعية"، الموقف الأدبي، عدد 212-213/ ص 35.‏

(24) - المرجع السابق- 36.‏

(25) - ينظر: شعبان: بثينة: "سحر خليفة وامرأة غير واقعية"، الموقف الأدبي، عدد 212-213- ص 36.‏

(26) - ينظر :مذكرات امرأة غير واقعية 19، 66‏

(27) -الخطيب ، حسام: ظلال فلسطينية في التجربة الأدبية 331.‏

(28) -مذكرات امراة غير واقعية 136.‏

(29) - ينظر: الصبار64.‏

(30) - ينظر : مذكرات امراة غير واقعية 136.‏

(31) - مذكرات امراة غير واقعية 64.‏

(32) - شعبان، بثينة: "سحر خليفة وامرأة غير واقعية"، الموقف الأدبي عــ 212-213 ص 38.‏

(33) - المصدر السابق 65‏

(34) - بوصلة من أجل عباد الشمس -77.‏

(35) - العشاق : 66.‏

(36) -المصدر السابق- 66.‏

(37) - زين العابدين، أمل: وجوزف باسيل: تطور الوعي في نماذج قصصية فلسطينية، دار الحداثة، بيروت ط1. 1980 ص 146 بتصرف.‏

(38) - العشاق 61.‏

(39) -كنفاني: غسان: الآثار الكاملة مج1/ ص 326.‏

(40) - عاشور، رضوى، الطريق الى الخيمة الأخرى 129.‏

(41) -القاضي: إيمان: الرواية النسوية في بلاد الشام 233.‏

(42) - عباد الشمس 274.‏

(43) -خليل، حامد: "المرأة والعمل": مجلة النهج. العدد/41/ خريف 1995، دمشق ص 78.‏

(44) - المرجع السابق - 78.‏

(45) - مذكرات امرأة غير واقعية 92.‏

(46) - مذكرات امرأة غير واقعية- 75.‏

(47) - ينظر: نشيد الحياة -62.‏

(48) - بوصلة من أجل عباد الشمس - 23-24.‏

(49) -الشاعر ، وفيقة حمدي: دور المرأة في التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، منشورات الطلائع. "طلائع حرب التحرير الشعبية- قوات الصاعقة"، دمشق 1975، ص 59.‏

(50) - ينظر : كنفاني، غسان: الآثار الكاملة. مج1 / 581- 611.‏

(51) - بوصلة من أجل عباد الشمس - 94.‏

(52) - ينظر المصدر السابق. الصفحات 77، 78، 85، 94).‏

(53) - ينظر الصبار 68- 69.‏

(54) - ينظر الصورة الأخيرة في الألبوم 16.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244