|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:33 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثالث المرأة والوطن - تمهيد. شاركت المرأة الفلسطينية في الثورات والانتفاضات الوطنية قبل عام 1948، إلا أنّ دورها كان مقصوراً على تقديم حُلاّها وذهبها لشراء السلاح، وأدوار أخرى ثانوية. كنقل المعلومات البسيطة أو إخفاء المجاهدين)(1) . ثم أخذ هذا الدور ينمو ويتطور بفعل الظروف التي عاشتها المرأة بعد النكبة، إلى أن انطلقت حركة التحرير الوطني الفلسطيني عام 1965، التي شرّعت أبوابها للمرأة لتنخرط في صفوفها، ولتمارس دورها النضالي على جميع المستويات الوطنية والثقافية والإعلامية والصحية... وتسهم مساهمة فعّالة، إلى جنب الرجل في صياغة مستقبل الوطن. فأثبتت كفاءة عالية في تحمّل مسؤولية النضال. وعبّرت عن حيوية المجتمع الفلسطيني، وقدرته على التحوّل الإيجابي تبعاً للظروف(2) . وقد جسّد الروائي الفلسطيني في رواياته هذا الواقع الموّار بالحركة الإيجابية المتصاعدة للمرأة، وفق رؤية فنية واعية. فقدّم صوراً متنوّعة للمرأة الفلسطينية، وهي تمارس كل أشكال النضال، وتشارك في صنعه، سواء أكان ذلك داخل الأرض المحتلة أو خارجها. 1- نضال المرأة داخل الوطن المحتل: - مواجهة سياسة تهويد الأرض: واجه الفلسطينيون الذين بقوا على أرضهم وصمدوا بعد الاحتلالين 1948-1967) شتّى صنوف القهر والاضطهاد والعسف من المحتلين الصهاينة، لإجبارهم على الرحيل، وترك أراضيهم وممتلكاتهم، بهدف تهويد الأرض الفلسطينية، وإقامة المزيد من المستوطنات فيها، ومن بين الضغوط التي مورست عليهم: مصادرة الأراضي، والاعتقال والتعذيب والقتل والإبادة والتهجير والحصار... ومع ذلك، ورغم كل ممارسات العنف والإرهاب، استطاع قسم كبير من الشعب الفلسطيني الصمود في وجه جبروت الاحتلال، وصلفه وهمجيّته، مسجلاً في ذلك أسمى مراتب البطولة والفخار. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: كيف كانت علاقة المرأة الفلسطينية بوطنها في الداخل؟! وماهو الدور الذي قامت به؟! وكيف تعاملت مع الظروف الراهنة التي يفرضها واقع الاحتلال؟! لاشكّ، أنّ مواقف النساء اللواتي بقين في ظل الاحتلال، قد تنوعّت تبعاً لطاقاتهن ووعيهن وانتماءاتهن المختلفة. فاللواتي ينتمين إلى الطبقة الاقطاعية، أو البرجوازية، كن أكثر ميلاً إلى الاستسلام القدري- السلبي من غيرهن. سواء أكنّ من الجيل الأول الجيل التقليدي)، أم من الجيل الثاني. فأم أسامة في رواية "الصبّار" شقيقة الإقطاعي الوجيه. تلح على ابنها العائد إلى الأرض المحتلة، بعد غياب خمس سنين، بدأت عقب حزيران 1967، أن يتزوج "نوّار" ابنة خاله، وأن يعمل في مزرعته التي سيصبح شريكاً فيها بعد أن يتوفّى خاله، وترث نوار حصتها من المزرعة. وتخاطبه حين ترى تذمّره من وضع البلد: البلد بخير، وبكره يحلّها الحلال، ويمكن الصحفيين الأجانب الذين يزورون خالك يؤثّرون على أمريكا، وأمريكا تقول لإسرائيل انسحبي فتنسحب، أرأيت كيف أن الأمور ليست صعبة كما تتصوّر!)(3) . فهي لا ترى مايجري داخل الضفة الغربية من أحداث واضطرابات، لأنها معزولة في عالمها الضيّق، بعيدة عمّا يجري للبلد وأهلها، تنظر إلى الأمور من خلال زاويتها الضيقة وتفكيرها المحدود، ووفق رغباتها ومصالحها الشخصية. * هذا الانغماس الكلي في الاستسلام والسلبية، لا يقتصر على "أم أسامة" وحسب، بل نجد شبيهه ينسحب على عفاف، سليلة الطبقة البرجوازية في "مذكّرات امرأة غير واقعية"، فقد استسلمت لهمومها الشخصيّة، بصورة تامة، وعاشت منغلقة على نفسها إلى أن انقلبت دودة حقيقية. دودة لا تقوى على شيء إلا ممارسة الزحف. تسمع أخبار الوطن مصادفة فتهز كتفها وتقول:" يكفيني همّي(4) .فهي أقل الناس إحساساً بمعاناة الوطن، وقسوة الاحتلال وضغوطه على عرب الأرض المحتلة، على الرغم من أنها عايشت سقوط الضفة عام 1967. * - مقاومة المرأة للصهاينة وعملائهم: .... مثل هذه المواقف المضطربة، القلقة المشوشّة، من الوطن وهمومه، لا نجدها لدى نساء الطبقة الكادحة والمسحوقة، بل على العكس من ذلك، فقد حملت نساء هذه الطبقة، على عاتقهن، شعلة الصمود والكفاح والمقاومة...، وشاركن الرجل في كثير من المهمات الجسيمة التي قام بها دفاعاً عن الوطن، وتشبّثاً بالأرض. ففي رواية "أيّام الحب والموت" لرشاد أبو شاور، التي تتحدّث عن الماضي الفلسطيني قبل عام 1948، تطالعنا شخصية "حلوة" الفتاة القروية الكادحة، التي وقفت في وجه الإقطاعي "هاجم العواونة"، أحد رموز العمالة والخيانة، وأثارت الحميّة في نفوس أهالي قريتها، بغية التصدي العووانة، عملاء الأتراك، ومن بعدهم الإنكليز، الذين كانوا لا يتوانون عن بيع الأراضي لليهود من أجل مصالحهم المادية والشخصية. كما كانوا يعيثون في قرى فلسطين فساداً، يسخّرون أهلها رجالاً ونساء لخدمتهم، ويملؤونها بالرعب والفزع كي يضمنوا السيطرة على الفلاحين، وتسخيرهم للخدمة في أراضيهم، ومن ثم أخذ الأتاوة منهم، والمتمثلة في مقاسمتهم محاصيلهم وأغنامهم(5) . ولم تكتفِ "حلوة" بتأجيج نار الحقد والثورة في قلوب الأهالي وحسب، بل فعلت الشيء ذاته مع شقيقها "محمد أبو عمران". إذ وقفت إلى جانبه في دفاعه عن القرية. واستنهاض همم أهلها؛ واستثارة نخوة رجالها، وحثّهم على أن يهبّوا هبّة رجلٍ واحدٍ، وأنّ يشيلوا الضيم عن رؤوسهم، أو يموتوا رجالاً على أن يعيشوا نساء)(6) . وحين ينقضّ "محمد أبو عمران" على هاجم ويقتله، ويستشهد هو الآخر في سبيل العِرض والكرامة، تحوّل أخته ضريحه إلى مقام، وتتزوج من رجل يماثله في صفاته النفسية والجسدية والخُلقية، وتنجب منه أبطالاً يكونون امتداداً لها وله. فيتصدون لهجمات الصهاينة وعملائهم، على الرغم من إيمانهم بضعف إمكانية نجاح هجماتهم، ولكن حسبهم أنهم يمدّون أجسادهم جسراً للآتين، ليعبروا صوب النصر والعدالة والحرية، مجّسدين باستشهادهم ما آمنوا به)(7) . هكذا تقف المرأة الفلسطينية إلى جانب الرجل، في وجه عدِّوها الطبقي الذي يحاول اقتلاعها، واقتلاع أبناء الوطن، من الأرض، أو استغلالهم لأهدافه، وهو يسعى لأن يختصر الوطن في مصالحه، فيتعاون من أجلها مع العدو القومي)(8) . بدءاً من الأتراك، ومروراً بالإنكليز، وانتهاءاً بالصهاينة. - التشبث بالأرض: وإذا كانت المرأة الفلسطينية، قد وقفت في وجه عدوها الطبقي، منذ ماقبل عام 1948، فإنّها كذلك قد وقفت، وبصورة مشرّفة، في وجه عدّوها القومي منذ نكبة 1948، إلى يومنا هذا. وقد قدّم الروائيون الفلسطينيون صوراً متعددة للمرأة، ولدورها في العمل النضالي الوطني، مواكبين بذلك حركة الواقع الاجتماعي والسياسي. ففي زمن النكبة وماقبلها كان دور المرأة يكاد ينحصر في إطار التعبئة والتحريض، إذا كانت تقف إلى جنب زوجها في أيام الشدة والمحن، تؤازره، وتشد على يده، وتتحمّل معه أعباء الحياة. تعمل في الحقل إلى جانبه، وتربّي أطفالها، وتحافظ على ماتدّخره، ليكون عوناً له ساعة الحاجة، واضعة كل إمكاناتها الذاتية المتوافرة بين يدي زوجها. على الرغم من إدراكها بأنّ حجم المؤامرة أكبر من هذه الإمكانات المقدّمة، ورغم ذلك لم تتوان عن بيع حليها، لشراء السلاح المتوافر، ليدافع مع الرجال عن الأرض والوطن والوجود، وهذا مانلمسه في روايتي أبي شاور "أيام الحب والموت" و"العشاق". حتى إذا ما سقط الزوج شهيداً، حملت الزوجة عبء الرسالة بأمانة، وسارعت إلى تنفيذ وصيته لها، وذلك بزرع بذرة النضال في وجدان أبنائها، ليكملوا مسيرة أبيهم. * ففي "أيام الحب والموت" يوصي الشهيد "أبو محمود" ببندقيته إلى زوجته، فيسلّمها لها خالد ابن الشهيد عبّاس الشتايرة، عندئذ سكتت النسوة. ارتفع صوت بكاء الطفل محمود. أخرجت المرأة مفتاح بيتهم من عبّها، فتحتُ قبضة الطفل الصغيرة، وضعته بين أصابعه، كانت البارودة ممددّة أمامها، وكأنها الرجل وهو نائم، حبا الصغير قليلاً.. أهوى... المفتاح على حديد البندقية فخرج صوت معدني قوي.. ترافق صوت الصغير با... با... آبا... سكتت النسوة، أخذن يمسحن دموعهن، وهن يراقبن الطفل والبندقية والمفتاح"(9) . لاشك أنّ الكاتب يريد عبر هذا المشهد، أن يؤكد دور المرأة، في هذه المرحلة. ويكمن هنا الدور في الربط بين الأبناء والوطن والبندقية. فهي الجسر الذي يربط بينهم. وعلى عاتقها تقع مسؤولية زرع بذور المقاومة والكفاح في وجدان ابنها. هذه البذور التي ستنمو في مرحلة لاحقة، لتتحول إلى فعل سياسي عسكري منظّم وواعٍ، كما نجد ذلك في "العشّاق". ففي هذه الرواية، يُكمل الأبناء مسيرة الآباء، بمباركة الأمهات وتشجيعهن، وحثّهن على المضي قدماً في رحلة النضال الشاق والطويل، فنجد "أم حسن" التي جندلت أخاها رصاصات الغدر الصهيوني، تهمس لابنها ورفيقه محمود) اللذين كفّا عن الكلام، حول عملية تصفية الدورية الإسرائيلية، عندما شاهداها قادمة: إذا كنتما تفعلان ما أفكر به، فسوف أخلع ثياب الحداد)(10) . فيجيبها محمود بثقة وأمل وحب وحماس:يا أم تستطيعين أن تخلعي ثياب الحداد. عندئذٍ أخذت ابتسامتها تتسع، ومن عينيها سالت دموع غزيرة)(11) . * وإذا كان أبو شاور، وهو أحد الكتاب الفلسطينيين البارزين الذين يعيشون في الشتات، بعد عام 1967 قد استطاع أنْ يقّدم صورة دقيقة وأمينة لعلاقة المرأة بوطنها قبيل الاحتلال الثاني، وأثناءه، فإنّ أميل حبيبي الذي عايش مأساة شعبه من بداياتها، وشهد الاحتلالين الأول والثاني، وأدرك سياسة العدو التي تقوم على العنف والتوسّع، قد قدّم عرضاً تفصيلياً لهذا الواقع، فكانت أعماله تسجيلاً متفاعلاً واعياً ليس لزحف الطوفان المدّمر، وإنّما للتصدي له بالحيلة والعنف والفكر والفن)(12) . إذْ تصوّر أعماله الروائية من جملة ما تصوّره، واقع المرأة العربية- والإنسان العربي عموماً - تحت الاحتلال، فيقدّم صوراً متنوّعة لصمود المرأة، ومقاومتها كل أنواع القهر والإرهاب التي مارستها الصهيونية، بهدف ترحيل العرب، أو تقليص وجودهم إلى أبعد حدِّ ممكن. ففي اللوحة الثالثة من "سداسية الأيام الستة"1969)، نقع على شخصية "أم الروبابيكا" وهي امرأة، ذات ابتسامة لطيفة، تفهم بالشعر والسياسة، كانت تُلقّب بملكة الوادي غير المتوّجة. أصرّت على البقاء مع والدتها المقعدة، حين نزح زوجها وأخذ أولادهما معه في سفر الخروج الأول 1948، وحين توفيت والدتها بعد خمس سنين من ذلك. رفض زوجها التعرّف عليها، وأظهر عدم رغبته في عودتها إليه، كما أكدّت هي أيضاً عدم رغبتها في هجر بيتها، وكان أهل الوادي يتغامزون عليها، ويبربرون بأنّ في الأمر حكاية حب، إذ من غير المعقول أنْ تبقى في الوادي لغير هذا السبب(13) . وكان إصرارها على البقاء يبرر بسؤال كبير لمن يسألونها: لماذا كان من المعقول بقاؤكم أنتم أنفسكم؟! أمّا لماذا بقيّتْ فقد اتضح الأمر، لقد بقيت لتجمع الذكريات التي تركها أهلها ورحلوا). تبيع ماسحبت يداها من أمتعة، وتبقى مع الكنوز، بانتظار عودة أصحابها إليها. أما كنوزها فتتكّون من كتب الفارابي، ومن رسائل الأبناء والمحبّين إلى ذويهم وأحبابهم)(14) وكانت إذا اعتقل أحد أبناء الوادي أسرع من أمّه إلى زيارته، وحمل الطعام إليه، وغسل قمصانه، عشرون سنة أكلت نيرانها ما اختزنته من حطب سفينتها المبحرة نحو كنوز الملك سليمان. كل شيء باعته سوى كنوزها. وهذه النيران أحرقت شعرها، فشاب، ولكن ابتسامتها بقيت خضراء، لم تفحمها النيران)(15) . ... لقد حافظت "أم الروبابيكا" على كنوزها، مؤمنة بعودة أصحابها إليها، رافضة الهجرة، ملتصقة بتراب واديها، مشيرة بذلك إلى أنّ إثبات الذات القومية- العربية في مواجهة الغزوة الصهيونية، يتطلّب تشبثاً بالجذور وارتباطاً بالماضي العربي، في وجهه المجيد، تاريخاً وتراثاً)(16) . وفي اللوحة الخامسة من السداسية أيضاً، نلتقي صورة أخرى، من صور الصمود والتشبث بالأرض، إذ تحكي اللوحة عن فتاة من الجليل، غادرت الأرض المحتلّة عام 1948، إلى لبنان مع زوجها وأولادها، وعادت بعد عشرين سنة إلى أرضها، بتصريح زيارة لمدة أسبوعين، لتزور أمّها العجوز المقعدة، التي رفضت الهجرة، وبقيت في أرضها، محتفظة لابنتها بالخرزة الزرقاء، ولحفيدتها بثياب ابنتها، وكأنّها بذلك تحتفظ بذكريات الماضي الجميل، وبالأمل في أن يعود الغائبون إلى أرضهم ووطنهم(17) . هذا التعلّق الحميمي بالمكان، والالتصاق بالأرض، هو الذي دفع "أم سعد" في رواية المتشائل 1974)، إلى البقاء في مكانها طوال تلك الفترة الممتدة بين الاحتلالين 1948-1967) فبقيت نكسة تكنس كنيسة الكاثوليك دون كلل أو ملل. وفي الرواية نفسها، يدفع الإصرار والصمود "يعاد الأولى" إلى العودة إلى الوطن متسلّلة، بعد أن انتُزعت من بيت سعيد عنوة، وألقيت خارج الحدود. لكنّ إقامتها لم تكن لتطول أيضاً. إذ يكتشف جنود الاحتلال أمرها، فيداهمون بيت حبيبها الذي لجأت إليه، ويجرجرونها إلى الخارج، بعد معركة حامية، ظلّوا يدفعونها إلى الدرج وهي تقاوم وتصرخ وتركل بقدميها.. وعضّت كتف أحدهم فصاح من الألم وولّى بعيداً، وظلّوا يدفعونها، وهي تقاومهم وتركلهم حتى ألقوا بها في فناء الدرج، فهبطت على قدميها منتصبة القامة ورأسها في السماء... فتكاثروا عليها، ودفعوها أمامهم إلى سيارة.. وهي تنادي بأعلى صوتها: سعيد، ياسعيد، لا يهمّك، فإنني عائدة!".(18) ويتحقق وعد "يعاد" بالعودة، ولكن هذه المرّة عبر ابنتها "يعاد الثانية" التي تعود لتقول لسعيد، حبيب أمها، إنّ الأمور هذه المرّة قد تغيّرت تغيّراً جذرياً، ليس بفعل الصهاينة، ولكن بفعل صمود عرب الداخل الذين ازدادوا وعياً، ومعرفة بواقعهم، وأدركوا أنّ المقاومة، بكل أشكالها المعرفية والقتالية، هي السبيل الأنجع والوحيد لتحقيق أهدافهم المنشودة، وإذا ما اضطُر أحدهم إلى مغادرة أرضه عنوة، فإنّه يرحل، وأمل كبير يحدوه بالعودة إلى الوطن، تقول يعاد الثانية لسعيد، الذي أظهر جزعه، وخوفه من أنْ تغادره يعاد الصغيرة، كما غادرته أمُّها، منذ عشرين سنة: الماء لا يترك البحر ياعمّاه، يتبخر ثم يعود في الشتاء، ويعود أنهاراً وجداول. ولكنّه يعود)(19) . * وتقدّم رواية "اخطية" 1985) للكاتب نفسه، نموذجاً أكثر غنى وعمقاً للمرأة الفلسطينية الصامدة، في الأراضي المحتلة، وقد تجلّى صمودها في المحافظة على المكان، وعدم الاندماج مع واقع الاحتلال، فجاءت شخصية "اخطية" أكثر تطوراً من شخصية "أم الروبابيكا" في السداسية(20) . ففي الوقت الذي هجر فيه سكّان شارع عبّاس منازلهم، بقيت "اخطية" مع أخيها عبد الرحمن، وهو يمثل الجزء الواعي من شعب فلسطين، الذي أصرّ على البقاء في أرضه كما أصرّت هي) بانتظار الصحوة التي يتم خلالها اكتشاف وجوده، وهو هذا الجزء الذي.... تشبّع بروح الثورة)(21) . *** - التكاثر: ولكي يحافظ العنصر العربي على وجوده واستمراريته، وعدم تناقصه في ظل حملات الإبادة الجماعية التي يرتكبها أعداؤه الصهاينة، داخل الأرض المحتلة، وفي ظل ممارسات التهجير والطرد المستمرّين، كان لابدّ له من اللجوء إلى التكاثر، الذي يشكّل، تحت الاحتلال، شكلاً آخر من أشكال الكفاح. وهنا يبرز دور المرأة- الأم، في تحويل الحمل والولادات المتكرّرة إلى سلاح آخر، أكثر مضاء وقدرة على بث الخوف في الكيان الصهيوني، متحمّلة أقسى أنواع الآلام، معرضةً نفسها للعديد من الأخطار، متحدّية العذاب وآلام المخاض، لأنّها بولاداتها المتكررة، تخلق جيلاً جديداً، يستطيع أن يخطو خطوات أوسع في التحدّي، فيكثر الناس، والبلد تكبر، ليكبر الغزو من الداخل)(22) . مثل هذا الغزو، يجعل العدُّو يعيش حالة دائمة من الرعب الحقيقي، وهو يلمس هذه الظاهرة كثرة الأولاد) وقد صارت... حالة طبيعيّة في حياة الفلسطيني، تحت الاحتلال، حتى ملؤوا السهل والجبل، وكل حارات المدن الضيّقة، ليشكلوا أحد عوامل الإزعاج التي يتعرّض لها الاحتلال)(23) . ففي "الصبّار" تقدّم سحر خليفة صورة حيّة لإحدى حالات منع التجوّل، وتصدّي الأطفال الصغار لها، ودورهم الهام - على الرغم من صغر سنهم - في استفزاز الجنود الصهاينة: فتحت سعدية الباب وهي تصيح... روحوا فقّعوا اليهود.. وفتحت أم صابر الباب، وأطلقت سراح الأولاد... وخرج الأولاد من كل بيت، ووقفوا في الزوايا المعتمة كالفئران. يتطلّعون نحو الجنود ويتغامزون ويضحكون... ركض أحدّ الصبية من بيت لآخر. فانتهره جندي وناوله شتيمه، فتردّدت أصداء ضحكات الأولاد.. وردّدوا الشتيمة بنغمات مختلفة. وربط أحدهم علبة بندورة بذنب قطة وأطلقها. واستدار الجندي شاهراً سلاحه. وتردّدت ضحكات الأولاد، وقد أعجبتهم اللعبة... أمسك الجندي بصبيّين من عنقيهما كزغلولين منتوفي الريش، وأركبهما في سيارة الدورية، بعد أن أشبعهما صفعاً، والبنات يُطبّلن على علب السمن الفارغة، والصبيان يهتفون: ثورة ثورة حتى النصر)(24) . *** - مقاومة الفتيات والأطفال لقوات الاحتلال: هؤلاء الأطفال الصغار الذين ولدتهم أمهاتهم في ظل الاحتلال، سيكونون أكثر استفزازاً للسلطات ممن سبقهم، ذلك أنّهم بدؤوا يعون، من خلال مراحل نموهم، أن قدرّهم هو أن يقاوموا الاحتلال. لا فرق في ذلك بين الذكور والإناث. لذلك لا نعدم وجود هذه الشخصيات الفتيّة المناضلة في رواية الأرض المحتلة(25) . * ففي لوحة "العودة" من سداسية الأيام الستة. يطرد العدو فتاة في الثانوية من مدرستها، لأنّها اشتركت في مسيرة الأربعاء العظيمة. كما يقوم باعتقال خطيبها لاشتراكه معها في المسيرة نفسها. إذ حملا إكليلاً من الزهر، وكان خطيبها قد تعرّف عليها في مظاهرة سابقة قامت في بلده. وانتهت اللوحة، والفتاة أمام باب السجن تنتظر خطيبها المعتقل.(26) * وتتحدّث "المتشائل" عن كثير من أبناء الأرض المحتلة من فتية وفتيات لم يخنعوا... تحمّلَوا طول ليلٍ، فحملوا الشمس فوق جباههم. ما استطاعوا من أرض إلا إلى زنزانة. وماهدموا عليهم بيتاً، إلا بعد أن هدّموا عليهم أسطورة...)(27) . * وتقدم "عبّاد الشمس" صوراً رائعة لفتيات يقاومن قوّات الاحتلال بالحجارة، ويمارسن ثورتهن ضد الأعداء على طريقتهن، من بينهن تطالعنا بنتُ أبي سالم التي رشقت في المظاهرة حجراً فتح نافوخ الضابط، لحقوها من شارع لشارع، ومن زقاق لزقاق. وكل ماغابت عن عينيهم تنشقُّ الأرض عنها وتظهر.... مسكها الجندي... طارت من بين يديه) مثل العصفورة، لحقوها في الزقاق، وطلعوا عليهم بقيّة العفاريت، وهات ياحجار وضرب بالمقاليع)(28) . *** - التضامن والتوّحد في وجه المحن: ولم يقتصر دور الأمهات في ملحمة المقاومة، عند حدود الإنجاب والتنشئة والتعبئة والتحريض، فقد كنّ، في كثير من الأحيان، يشاركن أولادهن في المسيرات والمظاهرات، ويصطدمن مع جنود الاحتلال، ويشتبكن معهم بالأيدي، ويبادلنهم الشتائم والسباب والضرب وسوى ذلك. وكثيراً ماكان التضامن يظهر فيما بينهن، ولاسيما، في مثل تلك الأوقات العصيبة. ففي اللوحة الرابعة من "السداسية" وتحت عنوان : "كيف أصبح لشاب واحد ألف أم؟!" يعرض إميل حبيبي صورة مكثّفة مليئة بالإيحاءات والدلالات، لإحدى المسيرات في القدس، في الذكرى الأولى لشهداء حزيران، إذ تتّجه المسيرة، نحو مقبرة اليوسفيّة في يوم الأربعاء العظيمة، منطلقة من ساحة المسجد الأقصى، لوضع الزهور على القبور، فتتحرّش بها قوات الاحتلال، لتوقف تقدّمها، وتصطدم بالمسيرة، ويقبض جنود العدو على أحد الشباب الفلسطينيين، فتراه أمّه العجوز، فتصرخ: ولدي! فينقضّون عليها كي يجرجروها هي أيضاً، فينشق الهتاف من كل جانب: ولدي! حتى لم يعرفوا أيّهن أمّه... كلّهن أمه... وتستمر المسيرة حتى تصل المقبرة فتوضع الزهور على القبور(29) . * وتقدم "عباد الشمس" وجهاً آخر من أوجه تضامن النساء الفلسطينيات، والشعب الفلسطيني بأكمله وذلك أثناء عرضها لردات فعل الفلاحين، إثر مصادرة قوات الاحتلال لأراضيهم واستيلائهم عليها، بعد إبادة المحاصيل، وقطع المياه، وتهجير الأهل. إذ يأمر الحاكم العسكري كل ذكر من سن الثالثة عشرة، ومافوق بأن يذهب إلى ساحة المدرسة في القرية. وهناك تكوّم الرجال صفوفاً مرصوفة على الأرض، والجنود يعملون فيهم ضرباً وتنكيلاً. يستفزون هذا ويصفعون ذاك. وتظهر "سعديّة" التي صودرت أرضها، أيضاً، وهي تبحث بعيون أرهقتها الدموع، وأضناها السهر، عن ابنها رشاد بين الجموع، فإذا بها ترى في كل الوجوه وجه رشاد)(30) . هنا يتوحدّ الشعب الفلسطيني، فيغدو لمئات الفتيان أماً واحدة، بعد أن انصهروا جميعاً في بوتقة النضال والصمود، وبعد أن أعلنوا حالة العصيان، بوجوه غاضبة تتحدى الأوامر: همس الصوت بإصرار: واحد... اثنين... ثلاثة... وهبّ الرجال في وقفة واحدة، وصاح صوت قوي "عصيان" واشتبكت الأصوات بالهتافات البعيدة... صاحت سعدية: ابني.. واندفعت تركض... لحقت بها النسوة، كل واحدة تصرخ ابني..."(31) . وفي مثل تلك الأوقات العصيبة، واللحظات الحاسمة، والمواقف الجريئة، تتلاشى الخلافات الصغيرة بين أبناء الجرح الواحد - كما هو الحال بين سعدية وجاراتها- وتتطهر القلوب، وتخلع النفوس ما علق بها من غبار البغضاء والكراهية، لترتّل نشيد التضامن والتعاون والألفة. هذه المعاني هي التي تشيع الدفء، ليغدو بدوره وقوداً للحركة الإيجابية الصاعدة باتجاه المقاومة والتحرير. *** - الصدام العفوي المباشر مع الاحتلال: وإذا كان التضامن بشقّيه الوجداني والعملي البسيط، هو شكل أوّلي من أشكال علاقة المرأة بالوطن، وأحد أساليب مقاومة الاحتلال، فإنّ الصدام المباشر مع قوات الاحتلال، يشكّل بدوره أسلوباً أكثر تطوّراً في عملية النضال. وقد أبرزت الرواية الفلسطينية دور المرأة في مقاومة الاحتلال وممارساته الإرهابية، بدءاً من المقاومة بالسريرة، ومروراً بالصدام الجسدي الفردي، وانتهاءاً بالسجن أو الاستشهاد(32) . فحين اقتحم الجنود الصهاينة بيت أم أسامة، بحثاً عن ولدها، شتمت أحد مستجوبيها في سرّها، معبّرة عن حقدها وغيظها، قائلة: لا سلّم الله فيك موخز إبرة، يابن الحرام.. الله يسمّ بدنك في ساعة هالمسا)(33) . وحين تبلغ أساليب البطش الصهيوني، حد المواجهة الفعلية مع المواطنين العرب، فإنّ المرأة تواجه هذا البطش والعسف على المستويين الفردي والجماعي، كما فعلّت "يعاد" عندما جاء الجنود الصهاينة لترحيلها، فخاضت معه معركة شرسة، قبل أن يقذفوها داخل السيارة. وكذلك فعلت "خضرة" في "عبّاد الشمس" حين قاومت جنود الحتلال بعنف وشراسة، إثر توقيفها مع سعدية ظلماً، فتصدّت للجندي الذي ضربها، وسحبته إليها، ورفسته بين رجليه، فتهاوى على الأرض.... وبسرعة فتحت فمها وأنشبت أسنانها بأنفه، وصرخ بصوت مختنق...)(34) . وليست سعدية في الرواية ذاتها، بأقل جرأة وقدرة من خضرة على المواجهة. فعندما اقتاد الجنود الصهاينة، ابنها، مع غيره من الفتيان والرجال إلى الساحة، ليمارسوا عليهم طقوس الذل والوحشية والإرهاب. اندفعت نحو الضابط، وهي تصرخ بغضب مجنون: "ابني"، فصفعها، وتناثر شعرها. تراجعت خطوات، ثم هجمت. تشبثت بصدره. رفسته مابين الرجلين، بكل الحقد والمرارة وغضب القلب المغضون، وبدأت تضرب بالحجارة والحصى والتراب(35) . - المقاومة المنظّمة: وإذا كان هذا النوع من المقاومة، يتسم بالعفوية. التي هي وليدة اللحظة الراهنة. فإنّ هناك نوعاً آخر أكثر تقدّماً وفاعلية وتطوراً، يدخل في إطار العمل السياسي السرّي المنظم، من مثل ماعرف بالخلايا الفدائية، التي سجلّت نشاطاً له تأثير كبير في الأرض المحتلة، ولاسيما في منتصف الستينات، ومابعد. وكان للمرأة الفلسطينية دورها المميز والفعّال في هذا الميدان، إذ أسهمت نظرياً وعملياً في العملية النضالية. وقدمت الرواية الفلسطينية صوراً متعدّدة لتلك المهمّات الجليلة. والنشاطات السرية، التي قامت بها المرأة. فصورّتها وقد انخرطت في صفوف الثورة، فدائية، منظمّة للخلايا، مناضلة سياسية وقيادية بارعة، فأثبتت جدارتها وكفاءتها العالية في تحمّل مسؤولية الكفاح المقدّس. ففي لوحة "الحب في قلبي" من "سداسية الأيام الستة" يقدّم إميل حبيبي صوراً عابرة ومعبّرة لفتيات مقدسيّات، كن يقمن بتهريب السلاح، والتستر عليه(36) . وفي "العشاق" تطالعنا "ندى" المعلّمة المثقفة، حبيبة المناضل محمود، وهي تخطو خطواتها الأولى على درب العمل الفدائي المنظّم، إذ يكلّفها خطيبها بنقل رسالة شفوية إلى القيادة في عمان، فتبدي حماسها الكبير، واستعدادها التام، للقيام بهذه المهمة(37) . ويقدم كنفاني في "برقوق نيسان" صورة إيجابية مشرقة للمرأة المثقفّة المشبّعة بالفكر الثوري التي أسهمت مع إخوتها وأخواتها، في توجيه حركة المقاومة داخل الأرض المحتلة، وتفعيلها، وتنشيطها. كانت سعاد) تشعر بشيء من الاعتزاز حين كلفت بالقيام باتصال صغير في نابلس... وكانت القدرات التي أظهرتها في الاتصال، وفي العمل هي التي أوصلتها في فترة وجيزة إلى مرتبة قيادية في نابلس)(38) ، كما أنّ تحليّها بالفطنة والذكاء، وسعة الحيلة، والحذر، قد أهلّها لتستلم دوراً قيادياً في الحركة. فحين اعتقلت إحدى رفيقاتها في التنظيم. لجأت "سعاد" إلى منزل رفيقها زياد، متجاوزة، خلافاتهما الحزبية، واتّفقت معه على خطة ذكية، تستطيع من خلالها أنْ تحمي رفاقها من الوقوع في كمين الصهاينة(39) . * وتقدم "الصبار" صورة مدهشة للمرأة المناضلة الواعية التي تعمل بجد وسرية وصمت، وتعي مايدور حولها، وتصمد وتقاوم بشتى الطرق والوسائل. فلدى عودة "أسامة" إلى الضفة، يلتقي بالسيارة امرأة في العقد الخامس من عمرها، لها صوت عريض، ونظرات نفّاذة، وجبيرة جبس حول ساعدها الأيسر، وحين يدور حوار حاد منفعل بين أسامة وأحد ركاب السيارة، تدرك بحدسها وذكائوها أنهما زائران لا مقيمان، وتجيب أسامة، رداً على لومة أبناء الأرض المحتلة الذين اندمجوا بواقع الاحتلال، ولم يعودوا يفكرون إلا بحياتهم اليومية: أترى هذه الأرض الجديبة؟! ونظر من النافذة، ورآها جديبة بالفعل. قالت: كانت بياراتها تمتد حتى الجبل، وأحرقوها... حاولوا انتزاع البصمات فيسألها) أية بصمات؟! تجيب): بصمات أقدام تمشي، وكانت الأشجار تمشي، وماذا بعد؟! ماعادت الأشجار تمشي، لكن البصمات بقيت، فالأرض الجديبة ليست جديبة، أفهم أو لا تفهم أنت حر. ولكن دع فمك مغلقاً، واترك بصمة مكان وقوفك.. أو قعودك.). وحين نزل من السيارة التفتت ليودّعها، كانت قد اختفت، ولكنه رآها بعد ذلك بأيام في إحدى حارات المدينة القديمة من غير جبيرة(40) . - السجن: وتطالعنا في "الصبار"، أيضاً، صورة "لينة" المثقّفة، بمظهرها الصبياني وقدّها الصغير، وجدّيتها وصلابتها، وهي أخت المناضل "صالح" المعتقل في سجون الاحتلال. تنتمي إلى إحدى الخلايا الفدائية، وتقوم بتوزيع المتفجرات والمناشير.. يتحدّث عنها "أسامة" بعد اغتياله الضابط الإسرائيلي:حاذر ياباسل، المسألة جدّية، أنت تعرف العاقبة. لن أذكّرك بما أوصيتك به سابقاً. نصيحة نهائية. لا تقطع أي موضوع دون استشارة لينة. فتاة صلبة، لديها خبرة)(41) . وتكتشف أجهزة الأمن الصهيونية، انتماء لينة إلى خلية فدائية، فيطوّقون منطقة سكنها، ويسحبونها من فراشها في منتصف الليل، عقب عملية أسامة الكرمي التي استهدفت نسف باصات العمال. ويعبّر "باسل"، صديقها في التنظيم، عن مخاوفه إثر اعتقالها، ويتساءل: ماذا لو حضر اليهود؟! ماذا لو حصلوا من لينة على اعتراف كامل؟!. التعذيب... أسامة... القبو... الصناديق.. المناشير.... ما العمل؟! لينة إنسانّة صُلبة؟! هكذا قيل له، وقد تحتمل التعذيب، ولكن هل يحتمله هو؟!)(42) . هكذا يصبح السجن امتداداً لنضال المرأة الوطني، ومقياساً حقيقياً لمدى صلابتها وصمودها وقدرتها على التحملّ. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه يفضح الممارسات الإرهابية التي تقوم بها سلطات الاحتلال تجاه المعتقلين والمعتقلات، ويعرّي أساليبها الوحشية في قمع السجناء وتعذيبهم جسدياً ومعنوياً، بغية تحويلهم إلى حطام أو بقايا كائنات، متجاوزة بذلك كل الأعراف والقوانين و القيم الإنسانية والأخلاقية. * ففي لوحة "الحب في قلبي" من "سداسية الأيام الستة" يلتقط إميل حبيبي مشاهد مكثّفة للفتيات المقدسيات اللواتي اعتقلن بتهمة تهريب السلاح. أو التستر عليه، فحشرن مع نسوة ساقطات، وأطفئت السجائر في أجسادهن البضّة، ومورست عليهن الإهانات ومحاولات الحط من الكرامة، وذقن لوعة الجوع إلى الحرية والكرامة الإنسانية، إلى الطمأنينة والأصدقاء والطعام والشمس والعطف، وعشن القلق الممض على الأهل، والخوف عليهم من العاقبة الوخيمة(43) . * وفي "الصبار" يلفت انتباه أسامة العائد إلى الضفة الغربية، وهو مازال على الجسر، في نقطة التفتيش، صوت فتاة منبعث من غرفة تحقيق، وهي تصيح:ياكلاب) فقد ضبطت وهي تهّرب شيفرة تحت باروكتها، فكانت عاقبتها وخيمة عند الصهاينة...وفجأة ارتفع صياح فتاة ما... وسمع دوي صفعات متلاحقة، وقف الشعر في رأسه)(44) ..... وارتفع صوت الصراخ ثانية، وبدأت الفتاة تشهق، والجندية الإسرائيلية تصيح: افتخ رجليك، افتخ رجليك، لازم أشوف جوّه.... وتلاحقت الفرقعات، ياكلاب، ياكلاب.....آ.....آ)(45) . لقد أصبح السجن في الأرض المحتلة مخيماً بأجوائه المقيتة على الحياة العامة، حتى بات مثل الحصبة شرٌّ لابد منه)(46) . يتساوى في دخوله الذكور والإناث، فهناك لينة الصفدي، ونائلة ويسرى وأمل وفتحية ومريم) وغيرهن كثيرات من اللواتي غيرن المقولة المعروفة: السجن للرجال) بسبب ما أثبتته من صلابة وبطولة وتضحية وصمود، إزاء كل محاولات التحطيم والإذلال المبرمج الذي تمارسه سلطات الاحتلال عليهن. ولذا تبدو المرأة المناضلة مستعدة لكل الاحتمالات، وقد هيّأت نفسها لمثل تلك الأيام السوداء، التي يمكن أن تكون فيها إحدى نزيلات السجن. تقول لينة: السجن للرجال... ولا يعرف المرء متى يجيء دوره؟!)(47) ، وكأنها تدرك بحدسّها أنّ دورها لابد آتٍ. *** هذه المواقف البطولية المشّرفة التي أبدتها المرأة تجاه قضيتها، من صمود ومقاومة وتعرّض للاعتقال والسجن والتعذيب، أسهمت كثيراً في تبوّئها موقعاً متميزاً في مقاومة الاحتلال، وجعلت أولئك المترددين، من المثقفين اليساريين، الذين يؤمنون بالحل المرحلي للقضية، يشعرون بصغرهم أمام عظيم تضحياتها، فها هو ذا "عادل" بعد أن تناهى إليه خبر اعتقال "لينة"، يحدث نفسه، وضميره يؤّنبه: الفتيات يعتقلن، وأنا جالس في هذا المقعد، وبعد لحظات سأجلس على الطاولة، وآكل كما يأكل الآخرون، وأشرب الشاي، وأبتسم، ثم أنام)(48) . * ولابد هنا، ونحن نتحدث عن هذه المرحلة الشاقة، والمضنية من مراحل نضال المرأة، من الإشارة إلى أن الرواية الفلسطينية، قد قدّمت صورة حيّة وأمينة ونقية للمناضلة السجينة، فنأت بها عن الانزلاق في مهاوي الانهيار أمام جلادها الذي لا يرحم، والمحقق المجرّد من الآدمية. والسبب لاشك، يعود إلى أن المرأة المناضلة تحمل في جوانحها أهدافاً نبيلة، وهي تعي تماماً هذه الأهداف، وتؤمن بها، لذلك لا تحيد عنها، مهما لاقت من صنوف التعذيب الفظيعة. وإذا كانت الرواية، قد أشارت إلى إمكانية انهيار السجينة واعترافها، فإنّها غلّبت إمكانية عدم الاعتراف أثناء التعرض للتعذيب، وهذا ما أشار إليه باسل حين قال:لينة إنسانة صُلبة... وقد تحتمل التعذيب)(49) . *** وإذا كانت صورة المناضلة المنهارة، تحت ضربات التعذيب، قد اختفت من الرواية الفلسطينية، فإن صورة المناضلة المنتحرة، قد شهدت المصيّر ذاته أيضاً، ذلك لأن الانتحار فرار من الميدان)(50) ، وتلك صفة لا تليق بالمناضلين. بل لا تليق قبل ذاك بالإنسان الفلسطيني، وهذا مايشير إليه "رشيد" في "الرب لم يسترح في اليوم السابع"، إذ يقول: الفلسطيني... لا ينتحر، لا يحق له أن ينتحر، له من الأعداء مايبرّر أنْ يحصل على حيوات كثيرة وليس حياة واحدة ، فكيف إذن ينتحر؟!)(51) . وربما يعود السبب في غياب تلك الصورة من الرواية الفلسطينية، إلى انتفائها حقيقة على أرض الواقع. فتاريخ كفاح المرأة الفلسطينية الوطني والسياسي لم يسجّل، في حدود اطلاعنا، أي حالة من حالات اليأس والقنوط والإحباط، التي تقود المرأة في النهاية إلى الانتحار، داخل أقبية الزنزانات وسراديب السجن. بل على العكس من ذلك، سجل تاريخ كفاحها مواقف نضالية أغنت من خلالها: صورة المرأة البطلة في الوجدان الشعبي الفلسطيني، بمفاهيم جديدة للشرف ممثلاً بأقصى حدود الفداء الإنساني)(52) . إذ لم يعد مفهوم العرض لا الأرض قائماً، وإنما حلّ مكانه الأرض لا العرض، فبعد شرف الوطن لا شرف للإنسان، وأصبح للفضيلة معنى أوسع من حدود الجسد لتتسع لفضاء الوطن)(53) . هذا المعنى الجديد للشرف، آمن به الرجل الثوري، بمثل ما آمنت به المرأة. فلم يعد يرى مايمنع عن انخراط الفتيات في العمل النضالي، على الرغم مما قد يتعرضن له من أذى أو اعتداء عليهن، بعد أنْ رأى ما أبدين من بطولات وتضحيات وصمود، خارج السجن، وداخله، هذا الصمود الذي كثيراً ما كان يُسهم في قلب السحر على الساحر، وذلك حين يتحوّل معنى السجن من معناه المتعارف عليه، إلى معنى مليء بدلالات جديدة، غير مُتعارف عليها فـ يصبح السجن موضوع ثنائية مفارقة تجمع بين افتقاد الحرية، وحرية اللقاء...)(54) . ففي اللوحة السادسة من "سداسية الأيام الستة" يطلعنا أميل حبيبي على رسائل فتاة مقدسية، في الثامنة عشر من عمرها، كتبتها في السجن إلى والدتها تكشف رسائل الفتاة عن رغبة طاغية في الحياة...، وتفصح عن العلاقات الحميمية التي تتفجّر بين أبناء الشعب الواحد، تحت سقف السجن. فالعلاقة التي تنمو بين الفتاة المقدسية، والفتاة الحيفاوية في ظل هذه الشروط، وتُساهم عتمة الجدران في نسجها، وربط وشائجها. هي الصورة المكثّفة لذلك النسيج الهائل من الوحدة الحميمة التي تتنامى، وتتكرس في حالة الحصار التي يمثّلها الاحتلال)(55) . تقول الرسالة: فنحن نقضي الوقت في الغناء وفي سرد النكت والأحاديث الحلوة، وكثيراً ما أنظم الشعر. وصديقة أخرى تقول: ما أحلى هواء السجن، سجن الرملة، ليس مثل هواء نتانيا. فلا تقلقوا)(56) . هكذا يصبح السجن بفضل إرادة المناضلات، مصدراً للألفة الراسخة بين المعتقلات(57) ، فينزاح عن دلالته الأولى الواقعة في أصل نشأته، من حيث هو فضاء مغلق يصادر حرية المقيمين فيه، بالحجز والعزلة، ليعانق دلالة مفارقة تنتقل به إلى الطرف الثاني من المعادلة. حيث ستختل القواعد المنظمة للمكان، وتصبح القرائن الخارجية وحدها هي المتحكمة في دلالته)(58) . - التسلّح بالعلم والمعرفة والوعي الثوري: ومما لاشك فيه أنّ الذي مهدّ السبيل إلى ذلك التغيير هو الوعي والفكر والتجربة الحية، إضافة إلى الشجاعة والإرادة الحرة، والصمود والصبر والاستعداد للتضحية. وقد ركزت الرواية الفلسطينية ولاسيما رواية الأرض المحتلة على الوعي كثيراً، لأن الإنسان إذا لم يفهم واقعه، وينقده، لا يستطيع التوّجه إلى الثورة عليه. وهذا الوعي، بطبيعة الاحتلال، وبطبيعة القوى التي تواجهه، قادر على أن يوقف معظم أساليب التكيف، التي تصب في طرف الاحتلال. كما أنه من ناحية أخرى، قادر على أن يجمع كل القوى التي تناضل ضد الاحتلال، وأن يستفيد من أقصى طاقاتها، وأن يضعها في الموقع الصحيح والمؤثر)(59) . *** ولقد سعت الفتيات -وكذلك الفتيان- داخل الوطن المحتل، إلى تنمية وعيهن، من خلال التحصيل العلمي من جهة، والانخراط في التنظيمات والأحزاب، وممارسة بعض النشاطات الاجتماعية أو السياسية- النضالية من جهة أخرى(60) . وهذا ما نلمسه لدى وقوفنا على بعض الشخصيات النسائية الثورية المناضلة، أمثال "لينة الصفدي" في "الصبار" و"سعاد" في "برقوق نيسان" وغيرهما. وإذا كانت "لينة" و"سعاد" قد امتلكتا المعرفة عبر التحصيل العلمي، والانتماء إلى أحد التنظيمات والأحزاب، فإن أميل حبيبي، يقدّم في "المتشائل" بعض الشخصيات النسائية، ممن امتلكن المعرفة، وتسلّحن بالوعي الثوري، من خلال الاستفادة من دروس الماضي وعبره، ومن الاحتكاك المباشر بالواقع اليومي المرير الذي صهرهن وصقلهن، فتوهّج وعيهن. وتعد "باقية" خير مثال لهن، إذ نلمس وعيها المتطور من خلال حوارها الصريح مع زوجها، الذي تشركه في سر الصندوق. فتقول: أصبحت أملي ياابن عمي، وأنا أريد العودة إلى خرائب قريتي الطنطورة. إلى شاطئ بحرها الساكن. أريدك... أنْ تتدّبر أمرنا، حتى نعود إلى شاطئ الطنطورة خلسة، أو تعود وحدك فتنتشل الصندوق من مخبئه، فيغنينا مافيه عمّا أنت فيه. وأنا لا أريد لأولادي أن يولدوا محدودبين، لقد تعوّدت ألا أتنفس إلا بحرية يابن عمي!"(61) . وحين يعجز زوجها سعيد) عن انتشال الكنز، تخبر وحيدها "ولاء" بسرّه، وتحمّله أملها، وتغّذيه بأفكارها الثورية التي تتناقض مع أفكار أبيه، ويشبُّ "ولاء" ويحقق أمل أمّه وحلمها. ويشكل خلية فدائية سرية، مع اثنين من زملائه، وينتشلون من كهف في غور صخري في بحر الطنطورة المهجورة، صندوقاً.. فيه سلاح، وفيه ذهب كثير)(62) . ويتمرد "ولاء" على الدولة الجديدة. ويؤكد ولاءه لقضيته ولشعبه ولثورته، وليس للدولة العبرية كما أراد والده حين سمّاه... وتلحق باقية ولدها الذي ثار على سلطات الاحتلال، محاولةً إقناعه وحمايته بحبّها من ناحية. وبالوعي الذي كانت تحاول أن تنقله إليه من ناحية أخرى، حتى يتحول من التمرّد العفوي، إلى المقاومة الحقيقية)(63) . وهنا يأتي ذلك الحوار الحار والمتدفق بين الأم الثورية وابنها المتحمّس، لندرك من خلاله، موقف كل منهما مما يجري. تقول باقية:لو كنّا أحراراً ياولدي ما اختلفنا. لا أنت تحمل سلاحاً. ولا أنا أدعوكَ إلى احتراس. إنما نحن نسعى في سبيل الحرّية... مثلما تسعى الطبيعة في سبيل حريتها. فالفجر لا يطلع من ليله إلا بعدَ أنْ يكتمل ليلة، والزنبقة لا تبرعم إلاّ بعد أن تنضج بصلتها. الطبيعة تكره الإجهاض ياولدي... - سئمت خنوعكم... - لدينا فتية وفتيات لم يخنعوا، فاحذُ حذوهم، تحملوا طول ليل، فحملوا الشمس فوق جباههم. - أين مكاني تحت الشمس؟! - تحت الشمس. أتظلين تحلمين بالجزر السبعة وراء البحيرات السبع؟! - إنها جزرنا وبحارنا، والسندباد ياولاء كفَ عن رحلاته، وصار يبحث عن الكنوز في تراب أرضه. - حياته على أرضه لا تُطاق. - حين تصبح الحياة أرخص من الموت، يصبح ما أصعب من بذلها أن نعضّ عليها بالنواجذ...)(64) . بهذا الحوار الحميمي الحار، والمقنع البديع الملحمي... بحدّته، وتقطيعه ولهاثه. بمباشرته التي تظل تمس صميم الوجدان)(65) . يتضح الموقف الثوري لباقية، بصفاء رؤيتها، وجلاء موقفها المناهض للخنوع والاستسلام، الداعي للعمل الثوري والجماعي الواعي المنظّم والهادف. وهكذا تجسّد "باقية" في موقفها من ولدها، وتوحدها معه، الوعي الثوري الحقيقي، في أبهى تجلياته. وتؤكد انتماءها للأرض وللقضية، من خلال صمودها وبقائها مغروسة في تراب أرضها، وإصرارها على انتشال الكنز، وتحقيق أملها الذي زرعته ونمّته في ابنها. فـ العنف الثوري، إذن، لا يجيء عفواً، إنه بحاجة إلى إعداد حتى ينضج فيؤتي ثماره الحقيقية. عندما تبدأ الثورة.)(66) . وتغيب باقية مع ولدها "ولاء" في الكهف، ويستطيعان الفرار، دون أن يُعثر لهما على أثر. قيل: إنهما شُوهدا يتجهان نحو البحر... هذه تحتضنه، وهو يدعمها).(67) فيتوحدان معاً، ويغيبان في البحر مخلفين وراءهما سراً من أسرار الدولة... سر المقاومة التي ولدت من رحم هذا الشعب، والتي نمت في ظل التاريخ... بحيث أنّ السرِّ لم يعد سرّاً)(68) . *** وإذا كان الروائي الفلسطيني، قد رصد وتتبع الدور الهام والفعال الذي قامت به المرأة الفلسطينية الصامدة داخل الوطن المحتل، ووقف على مستويات وعيها للواقع من حولها، ومقاومتها للاحتلال، وصوّر مجمل بطولاتها وتضحياتها، فإنّه، أيضاً، لم يهمل نضال المرأة العربية الفلسطينية في الشتات. إذ منحها حيزاً واسعاً في أعماله الروائية. فصوّر ماعانته من مرارة الغربة، وألم التشرد، ووقف على طبيعة علاقتها بالوطن، فجسّد صمودها ونضالها تبعاً لموقعها، وعبّر عن شوقها وحنينها إلى مهد الطفولة، ومرابع الصبا، إلى فردوسها المفقود، ورصد كافة أشكال النضال الوطني الذي مارسته. 2- نضال المرأة خارج الوطن المحتل: أعقب الخروج الأول والثاني، تشرّد عدد كبير من العرب الفلسطينيين، ولجوؤهم إلى الأقطار العربية المجاورة، ليستقر بهم المقام في مخيمات اللاجئين التي أقامتها وكالة الغوث التابعة للأمم المتحدة. ولا يخفى على أحد نوعية الحياة التي عاشها اللاجئون الفلسطينيون في تلك المخيمات. إذ ذاقوا مرارة الإحساس يفقد الوطن، وتجرّعوا لوعة البعد عنه، كما كابدوا شعوراً مترعاً بالودّ والحنين والشوق لأرضهم ووطنهم، في ظل الواقع البائس الذي يلّفهم حتى درجة الاختناق. ولاشك، أنّ دور المرأة - الأم كان مضاعفاً آنذاك. إذ تحمّلت قساوة الظروف الطبيعية والمعيشية، وعانت من انعكاسها وتأثيرها على زوجها وأولادها. ولكنّها على الرغم من هذه الصعوبات، لم تستسلم أو تيأس، بل على العكس من ذلك، فقد وقفت مع زوجها في معركة الكفاح، وغرست في نفوس أبنائها بذور النضال. هؤلاء الأبناء الذين شكّلوا فيما بعد، طلائع حرب التحرير الشعبية. - غرس بذور الثورة في نفوس الأبناء : تعد شخصية "أم سعد" في رواية كنفاني المعنونة باسمها، من أبرز الشخصيات النسائية، وأكثرها قدرة، وتعبيراً عن الدور النضالي للأم الفلسطينية، التي عاشت زمن الكبوة والعجز والوجع في مخيمات الأسى واللجوء، وشهدت انحسار مشاعر الإحباط واليأس التي سكنت نفوس اللاجئين على مدى عشرين سنة، بفضل بزوغ فجر الكفاح المسلح من جهة، وبفضلها هي أيضاً من جهة أخرى. لأنها، بحملها أعباء أسرتها أتاحت الفرصة لأبنائها لأن ينصرفوا إلى العمل العسكري، فيلتحقوا بمعسكرات الفدائيين، لينطلقوا منها إلى داخل الحدود.. ودور كهذا، لا يمكن الاستهانة به، أو التقليل من شأنه، لأنّه الضمان الوحيد لاستمرار البندقية في اليد)(69) . وعلى الرغم من أهمية العمل بالنسبة لأم سعد، إذ يشكل المصدر الوحيد لرزقها ورزق أولادها، تنقطع عنه لفترة وجيزة بسبب قيام الحرب، وهذا يظهر مقدار ماتعنيه الحرب بالنسبة لها... هي الأمل الذي عاشت... تنتظر حدوثه، لتنهي رحلة الضياع والغربة واللجوء. كانت تتبع أخبار الحرب عن طريق المذياع، ولهذا، عندما انتهت الحرب بالهزيمة، قامت إلى الراديو تريد أن تحطمه لكن زوجها منعها من ذلك)(70) . والسبب لاشك يعود إلى الانخفاض الملموس في معنوياتها، وشعورها الحاد بالخيبة، إلا أن ذلك لم يدم طويلاً، إذ سرعان ماتحوّلت الخيبة إلى إرادة وتصميم، قاداها إلى رحاب الفعل المجدي، إذ أرسلت ابنها سعد) إلى المعسكر ليلتحق بالمقاومة. وكان لتنامي حركة المقاومة، بعد أن تحوّلت مخيمات البؤس والتشرد إلى معسكرات لتدريب جيل الثورة، وتزايد العمليات الفدائية داخل الأرض المحتلة، الأثر الكبير في نفسية أم سعد، فانتعش أملها بالعودة، وتفاؤلاً بالغد الذي بدأ الأبناء يرسمون ملامحه بوعي وتصميم. فقدرة الأبناء، إذاً على تحقيق نصر على العدو، هو المصدر الأساسي لسعادة الأمهات والمؤشّر الوحيد لخلاصهن، وخلاص الشعب من أوحال المخيمات وبؤسها، وأوحال الهزيمة، ولو لم تكن الأمهات يحملن في عروقهن دماء المواقف الإيجابية)(71) لما استطاع الأبناء أن يحققوا ماحققوه، وأنْ يخرجوا من الحبوس كلّها. ومن اليسير على الباحث الوقوف على الكثير من المواقف الإيجابية لأم سعد الأم الفلسطينية)، من قضيتها وأبناء شعبها وطبقتها. وقد تجسدت تلك المواقف في دفعها أبناءها للالتحاق بحركة المقاومة، وحرصها على تشجيعهم، ومتابعة عملية إعدادهم المعنوي والجسدي والقتالي، وفي موقفها من المختار ورجل المباحث... وعبد المولى، وكذلك في موقفها من الفلاحة اللبنانية الجنوبية، وغير ذلك من المواقف الإيجابية التي تنضج بها تصرفات أم سعد وأقوالها وأفعالها. فمنذ أن التحق "سعد" بالفدائيين، وحمل حاجاته، وذهب لحقت أمه به، والتقته قرب مدخل المخيم، وأسمعته كيف تزغرد(72) ، وتعبّر عن ابتهاجها وفرحتها بهذا اليوم، فهذه الزغرودة ليست عاطفة سطحية، ولا استعراضية، بل هي التنوير الذي أحدثته حرب 67 التي كان الفلسطينيون ينتظرون وقوعها. كان أملهم يتجسد في قوة العرب ووحدتهم وحربهم، والآن هي تعي أنّ الفلسطيني هو المسؤول عن قضيته... هو". الطليعة المتجدّدة العنيدة في وجه الزمن والنكسات)(73) ولذا فهي تواصل عطاءها، ولا تكتفي بالتحاق سعد بالفدائيين، بل تقول: أود لو عندي مثله عشرة)(74) . وحين يذهب سعد باتجاه فلسطين، تتابع أمّه تحركاته بكل حواسها ومداركها. وتنقل كل ما يحدث معه للراوي، كاشفة بذلك عن مشاعر الأمومة الدفينة في أعماقها، والتي تربض متحفزة للتعبير عن إعجابها وفخرها، كلّما حقق ابنها إنجازاً ما على الصعيد الوطني- النضالي. فها هي تعلن للراوي الحقيقة التالية: ليس ثمة من يستطيع أن يفتح شهيتي للأكل والحياة إلا سعد)(75) . وحين تشق رصاصة الغدر الصهيوني ساعده من الرسغ إلى الكوع، تروي الحادثة للراوي والسعادة الغامرة تملأ وجهها المليء بالخيام، والذي) ينزف رجالاً وثورة)(76) وتكاد تمحو من تضاريسه قهر الليالي وبؤس الأيام ووجع اللجوء: اسم الله عليه، إنه يحمل ساعده كما يحمل النيشان، قال إنه صار قائد فرقته، وأنهم يسألونه دائماً: لماذا، ياسعد توسع خطواتك؟! إنه في الأمام وقلت له: ابن أبوك)(77) . هنا، تتجاوز الأم الفلسطينية أمومتها ومشاعر التخوّف والحذر التي تُغشي قلوب الأمهات عادة) عندما يتعرض أبناؤهن للخطر)(78) . وذلك، لما تحمله شخصيتها من غنىً وطني، وحسّ ثوري، جعلاها تتمنى اللحاق بابنها، لولا أنّ لديها مايشغلها عنه: أتدري؟! إن الأطفال ذل! لو لم يكن لديّ هذان الطفلان للحقت به. لسكنتِ معه. هناك خيام؟! خيمة عن خيمة تفرق! لعشت معهم، طبخت لهم طعامهم، خدمتهم بعيني ولكن الأطفال ذل)(79) . وليست أم سعد حالة فردية خاصة، بل هناك الكثيرات من نساء المخيّم الطيّبات البسيطات الكادحات، اللواتي يتجذّر الوطن في عروقهن، واللواتي ينجبن الأولاد ويطعمنهم للثورة. هنّ يخلّفن وفلسطين تأخذ. *** - النضال الإعلامي والسياسي والعسكري: ولم يقتصر دور المرأة على تقديم أولادها للعمل الثوري، إذ قدّمت الرواية الفلسطينية صوراً أخرى لـ المرأة الثورية بذاتها التي تمارس العمل السياسي والإعلامي والعسكري، فتحمل السلاح في قواعد الثورة... وتجرح ويسيل دمها، وتسقط شهيدة جنباً إلى جنب الفدائي)(80) . ففي "البكاء على صدر الحبيب" لرشاد أبو شاور، نجد المناضلة "فجر"، تمارس دورها الوطني المشرّف، من خلال نشاطها الإعلامي والسياسي والثوري، مع أمثالها من الشباب والشابات. تقول لزياد، مظهرة تحسّرها على الأيام الخوالي، حين كان الحماس يحدو الشباب للعمل الثوري بجد وإخلاص: كنّا معاً في المكتب.. مجموعة كبيرة من الشباب، البعض يترجم، والبعض يكتب، والبعض يطبع النشرات الداخلية والبعض يرسم ويخطط... مثل خلية النحل)(81) . حتى إذا ما تفجّرت أحداث أيلول عام 1970، كانت في طليعة المشاركين في معارك الصمود والدفاع عن الثورة ضد محاولات تصفيتها في أيلول ظللت صاحية ثلاثة أيام... كنا في جبل اللويبدة، وكان القتال مريراً وقاسياً، تراجعنا من بيت إلى بيت، قفزنا على الأسوار... وصمدنا في الجبل حتى اليوم الأخير للقتال)(82) . وتطالعنا في الرواية نفسها، شخصية المناضلة "نهاد" التي آمنت بالثورة والتحقت بصفوفها، وشاركت في معاركها. وهي فتاة سورية من أسرة فقيرة محافظة، كانت صبيانية المظهر، متحررة في فكرها. التحقت بالمقاومة بعد أن هجرت منزل أهلها في اللاذقية، وتدربت في أحد المعسكرات مع الشباب، وكانت الفتاة الوحيدة بينهم. عانت في بداية الأمر، حين تعاملوا معها بوصفها أنثى، ولكنّها، بما أوتيت من عزم وحزم وقوة إرادة، استطاعت أن تفرض عليهم نسيان أنوثتها، والتعامل مع عقلها وإرادتها. جاء شقيقها إلى المعسكر، وحاول طعنها بسكين، لكنّها بفضل تدريبها، وخبرتها في الدفاع عن النفس، استطاعت أن توجه له لطمة قوية على ذراعه طوّحت به على الأرض، ثم أعطته درساً في الوطنية والأخلاق، وهزّت وجدانه، وفتحت عينيه على الحقيقة، وحفزّته على الانخراط في العمل الثوري بعد أن قدّمت له نماذج من أبطال المقاومة، أتوا من كل مكان، ومن الأقطار العربية، للقتال نيابة عنه. فما كان منه إلا أن عاد إلى مدينته، وبعدها لم تره "نهاد"، إلى أن علمت بخبر استشهاده، مع تنظيم آخر في حوادث لبنان عام 1969.(83) - فضح الفساد: شاركت "نهاد" في عدة عمليات داخل الأرض المحتلة، واستشهد قائد مجموعتها وخطيبها "أبو الفرات.. العراقي" وجُرحت، وأجريت لها ثلاث عمليات جراحية، آخرها في مستشفى السلط، حين اشتعلت الأحداث في أيلول، وبعد أن انتهت الحرب، انتقلت للعمل في أحد مكاتب المنظمة، وهناك، بدأت تخوض حرباً من نوع آخر، حرباً ضد الفساد والزيف والتزوير الحاصل في البنية التنظيمية لبعض فصائل المقاومة. شأنها في ذلك شأن أمثالها من المثقفين الثوريين الحقيقيين، كفجر وزياد وغالي، الذين أدانوا ذلك الزيف الذي انسحب على كل شيء في الحياة، بما في ذلك الفن والأدب. تتحدث "نهاد" عن محاولات أبي سامر، أحد المسؤولين الكبار في التنظيم، لاستغلالها في القيام بإحدى العمليات الإرهابية في الخارج، باسم الوطن، ولكنّها حين تكتشف مايريده، ترفض بإصرار، وتواجهه بجرأة وشجاعة ومكاشفة صريحة: لماذا لا ترسل زوجتك مثلاً في هذا العمل الوطني العظيم. الذي يتناول هذه الأصناف من الطعام، ويحيا في قصر مثل بيتك، يجب أنْ يدفع الثمن. أما أنا فلستُ من الذين يوافقون على هذه السخافات. إذا أردتم مقاتلة العدو... فأنا على استعداد)(84) . وحين يهددّها بقطع راتبها، تعلّق: .. هكذا!.. أمّا أنت وزوجتك، فقد حررّتم فلسطين. إنني لا أعيش على حسابكم. أنتم تحيون من دم الناس)(85) . وبسبب ماتقدّم، تقطع "نهاد" علاقتها بالتنظيم احتجاجاً. وتقرر السفر إلى أهلها، إلى حين تتغير الأمور، وقتها، تستطيع العودة إلى التنظيم لتمارس دورها الوطني المشرّف. وليس إعلانها للقطيعة، هو دليل ضعف أو تقهقر منها، أو هروب، بل هو الشجاعة في مواجهة الفساد والزيف. هكذا أعطى أبو شاور أهمية كبيرةً لدور المرأة في النضال الوطني المباشر، وغير المباشر، من خلال مشاركتها في العمليات الفدائية، ومن خلال وقوفها في وجه الفساد، وفضحها لقيادة تنظيمها الثوري التي بدأت تستمرئ العيش على المكتسبات والامتيازات التي حققتها بفعل موقعها... وبذلك تفرغ الحركة من مضمونها الثوري، وتحيلها إلى شكلٍ خاوٍ ينخره سوس البيروقراطية والجمود، بحيث تصبح هذه القيادة جزءاً من الواقع الذي نهضت في الأصل لتغييره... ويصبح "الخلاص".. منها ضرورياً لاستمرار الثورة)(86) . - البعد القومي: إلى جانب ذلك، أعطى الروائي الفلسطيني بعداً قومياً لنضال المرأة العربية من أجل التحرير، إذ لم يكنْ الروائي منغلقاً على محلّيته، أو متقوقعاً في قطريته، أو منفصلاً عن وطنه العربي الذي يعيش فيه. ولذا نراه يساوي بين نضال المرأة والرجل. إذ تطالعنا صورة الطبيب المصري ثروت والمناضل العراقي أبي الفرات في الرواية نفسها، كذلك تطالعنا صورة "فجر" الأردينة، ونهاد السورية، وهما تسطران أبدع لوحات البطولة. وهذا لاشك دليل واضح على وعي الكاتب، وتسلّحه بالفكر القومي ذي البعد العربي(87) . * وتتعدد أشكال النضال الوطني لدى شخصيات ليانة بدر النسائية في روايتها "بوصلة من أجل عباد الشمس". فها هي "جنان" تحاول أن تنكر جسدها الأنثوي، لما يمّثله من ضعف، فترتدي اللباس العسكري، معظم أوقاتها، وتمارس نشاطها الوطني عبر المعسكرات الطلابية التي يتم فيها تدريب الفتيات على حمل السلاح، واستعماله ساعة الحاجة. كذلك تشارك في جمع التبرعات وشرح المواد التحريضية، وتوزع المنشورات السياسية(88) . ولم يقتصر دور "جنان" على هذه المهمات المتتابعة، بل تعداه إلى المشاركة الفعلية في العمل التمريضي، ولاسيما أثناء أحداث أيلول. ويعلق صديقها عامر أثناء مروره بمركز الإسعاف: وأصبحت ممرضة أيضاً؟ لاشك أن سليمة الحاجة سوف تخيط لك ثوباً أبيض بعد انتهاء الحرب، وتدعوك بالطبيبة الجليلة)(89) . وإذ تمارس المناضلة الفلسطينية، عملها في تضميد جراح المصابين بشظايا الحرب. وتواجه العديد من الحالات الميئوس منها، التي مايني الموت يلتهمها بنهم جنوني، فإنّها تعاني من جراء ذلك ألماً مزدوجاً، لا ضفاف له، تمتد أذرعه الأخطبوطية إلى كل ذرة من كيانها، حاملة معها سؤالاً عصيّاً عن الإجابة: لماذا يحدث ذلك كلّه؟! إن معايشتها لذلك الواقع الرهيب، الذي تحوّل إلى كابوس من اللحوم الحية والمبردة والساخنة والميتة)(90) . كابوس غدا الفرح فيه فكرة عبثية يغيّبها العالم في جوفه الأبدي السحيق)(91) قد أثار فيها تياراً ممضاً من الوجع الصاعق، هبط على دماغها، وطرد منها كل إيمان بالحياة. هاهي تستذكر صورة لإحدى الفتيات اللواتي كنّ بعمر أختها الصغيرة، حولتهن الحرب إلى بقايا كائنات مفّرغة من كل أسباب الحياة. بعد أن بذّل الأطباء والممرضون جهودهم في إنقاذهن من براثن الموت. صرخت تلك الفتاة وجعاً حارقاً تناثر في شرايينها، عندما قطبنا الجرح في صدرها دون مخدّر... صرختُ معها، وهدّأتها بكلمات معتادة لا تعني شيئاً. وكانت الصرخات تتوالى. يبدو أنّه لا أمل... لم يمض وقت طويل حتى أغمضت عيناها(92) .. ولم تفتحها بعد ذلك قط، استحالت الدماء في عينيّ دموعاً، وتحولت الدموع أحجاراً، وتحولت الأحجار إلى مقالع ضخمة تمتطي ظهور الجبال، وتعجز عن التحرّك... كان عليَّ أنْ أبكي)(93) . لقد جعلتْ الفجيعة "جنان" مسكونة بالمرارة والذهول، مدركة بأن كل بحار العالم ومحيطاته وأنهاره، عاجزة عن محو ذلك الوجع الضاري، وهو ينبت شوكاً على أطراف كل لحظة، ويغرز إبراً حادة موجعة في مسالك عروقها(94) ، ويصرخ بكل العبث والجنون والأسى: لماذا لا تحيا هذه الصغيرة؟! لماذا تموت، وهي لمّا تزل في عمر البراعم؟!... في مثل هذا الواقع اليومي المعيش، الذي ينزف موتاً ودماراً، في كل لحظة من تلك اللحظات التي أرّخت لأحداث أيلول، كان لابد للمرأة الثورية "جنان" من أن تحمل سلاحها، وتقاتل في صفوف المقاومة، وتستميت معها في الدفاع عنها. كانت تنتقل مع رفاقها "شهد، وشاهر وغيرهما"، من موقع إلى آخر، وكانت تُظهر حذقاً ومهارة في اختيار الوقت المناسب.... للظهور أو التخفي، والمراوغة أمام بنادق القنّاصة. هكذا قدمت ليانة بدر بطلاتها الثوريات، وقد تشبّعت نفوسهن بروح المقاومة والصمود في وجه الموت والدمار والاحتراق والتشظي. فتجاوزن دورهن الأنثوي، وأصبحن مشاركات في الثورة، وصانعات لها أيضاً. *** وأمام هذا الحضور المميّز للمرأة العربية الفلسطينية في روايات كنفاني، وأبي شاور وليانة بدر. نجد غياباً واضحاً لها في روايتي جبرا إبراهيم جبرا. ليس ذلك فحسب، بل نلمس غياباً شبه تام لدور المرأة العربية، ولاسيما الفلسطينية، تجاه قضية فلسطين. ولن نناقش أسباب هذا الغياب هنا، لأنه ستكون لنا معه وقفة أخرى في الأوراق القادمة. إلا أنّه لابد من الإشارة إلى أن بعض بطلات جبرا، وتحديداً في روايته "السفينة" و"البحث عن وليد مسعود"، قد أبدين تعاطفاً ملموساً تجاه فلسطين التي ينتمي إليها بطلا الروايتين، لكن هذا التعاطف أو الميل، أو الاندفاع لم يكن نتيجة وعيهن الثوري أو القومي، بل كان نتيجة لعلاقتهن العاطفية ببطلي الروايتين: وديع عساف، ووليد مسعود، اللذين لم تستطع مظاهرا لحياة المترفة التي عاشاها، أن تصرفهما عن قضيتهما، أو تبعدهما عن أرضهما ووطنهما. ولم تستطع علاقتهما العديدة مع النساء أن تنسيهما الماضي، وذكريات الطفولة، وملاعب الصبا. أو تخّفف من إحساسهما العميق بالغربة، فكان أن سرت إلى بعض النساء اللواتي عرفن "وديع عساف"، و"وليد مسعود"، عدوى حب الأرض والوطن الفلسطيني. تقول "مريم الصفار" المرأة العراقية التي أحبت وليداً، ورافقته في زيارته إلى القدس وبيت لحم قبل عام 1967: أحسست على غير ماتوقّع، بأنني جزء من تلك الأرض الحجرية الصُلبة. جزء من صمودها وعنادها. جزء من قدسيتها. وأن حبي مقدّس مثلها، وعليّ أن أستمر بذلك الحب مهما حدث)(95) . لكن مريم لم تفِ بوعدها، ولم تستمر في تجربتها، بحكم طبيعة شخصيتها القلقة والمتناقضة، الساعية وراء بعض المغامرات العاطفية الرخيصة السريعة، على خلاف "وصال رؤوف"، التي كانت تتمتع بقسط معقول من الوعي السياسي والقومي، تجلى في ممارستها بعض الأنشطة الاجتماعية، لدعم صمود الشعب الفلسطيني، والمقاومة، من خلال نشاطها في جمعية الهلال الأحمر، إذ كانت تبيع الثياب الفلسطينية المطرّزة بنقوش بيت لحم ورام الله)(96) . وقد أحبت "وصال" وليد مسعود بصدق وإخلاص، كما أحبها هو. ونخلص إلى القول: إنه لدى دراسة علاقة المرأة الفلسطينية بالوطن، ولدى الوقوف على نضالها داخل الأرض المحتلة، تبين لنا الدور الهام الذي لعبته في النضال ضد العدو القومي والطبقي، وقد انحصر نضالها بداية في نطاق التعبئة والتحريض والتوجيه، وزرع بذور النضال في وجدان الأبناء، وتنامى فيما بعد، مع تنامي حركة الواقع الاجتماعي والسياسي، ولاسيما بعد حزيران /1967/. إذ تطورت أشكال علاقة المرأة بالوطن، وأساليب دفاعها عنها، بدءاً من الإصرار على البقاء والصمود والتشبث بالأرض، وعدم الاندماج مع واقع الاحتلال، واللجوء إلى التكاثر لحماية العنصر الفلسطيني من التلاشي، في ظل الممارسات القمعية والإرهابية لسلطات الاحتلال، ومروراً بالمشاركة في المظاهرات، والاصطدام مع قوات الاحتلال. والتضامن مع أبناء الوطن كافة، وجدانياً وعملياً، وانتهاءً بممارسة المرأة النشاط السياسي والعسكري السري المنظم. ويتلخص هذا النشاط بتهريب السلاح، ونقل المعلومات، وأحياناً، نقل المتفرجات، والتعرّض للاعتقال والتعذيب في زنزانات العدو، والصمود في وجه جلادي المعتقلات، وعدم الانهيار تحت وطأة تعذيبهم وبطشهم. ولدى دراسة نضال المرأة الفلسطينية خارج الوطن المحتل، تبيّن لنا الدور الهام الذي لعبته الأمهات في الشتات، وقد تجسّد في صمودهن أمام وطأة الظروف الحياتية والسياسية، إذ شاركن الرجل في حمل أعباء الأسرة، ودفع الأبناء للعمل الثوري. ومع تنامي حركة المد الثوري، تجاوزت المرأة دورها الأمومي، وأصبحت تمارس العمل السياسي والإعلامي والعسكري، وكان لها دور هام في فضح الفساد، ورفض كل أشكال الزيف، حتى إذا ما اشتعل القتال، وجدناها مقاتلة جريئة وفاعلة، تحمل السلاح، وتشارك أيضاً في الأعمال التمريضية. لقد أعطى الروائي الفلسطيني لنضال المرأة العربية، بعداً قومياً، وإن كان بشكل خجول، فكانت هناك، فجر الأردنية، ونهاد السورية في "البكاء على صدر الحبيب". ووصال رؤوف العراقية في "البحث عن وليد مسعود". (1) - أبو مطر ، أحمد: الرواية في الأدب الفلسطيني 282-283. (2) - ينظر، الصايغ، مي: "المرأة العربية، الواقع والتطلعات"، مجلة النهج، عدد 41/1995، ص 107. (3) -الصبار 37. (4) - ينظر : مذكرات امرأة غير واقعية: 44. (5) - ينظر: أبو مطر؛ د. أحمد: الرواية في الأدب الفلسطيني 209. (6) - أيام الحب والموت - 19. (7) - بسيسو، عبد الرحمن "استلهام الينبوع 106. (8) - المرجع السابق - 103. (9) -أيام الحب والموت - 93. (10) -العشاق: 269. (11) -المصدر السابق: 269. (12) - عبد اللّه، محمد حسن: الريف في الرواية العربية، مجلة عالم المعرفة، الكويت، العدد 143 لعام 1989. ص 255. (13) - ينظر سداسية الأيام الستة 24-25. (14) -أبو بكر، وليد: الواقع والتحدي في رواية الأرض المحتلة 82. - بسيسو ، عبد الرحمن : استلهام الينبوع 240. (15) - سداسية الأيام الستة : 25. (16) - بسيسو، عبد الرحمن: استلهام الينبوع: 240. (17) - ينظر: أبو بكر، وليد: الواقع والتحدّي: 82. (18) - حبيبي، أميل: الوقائع الغربية في اختفاء سعيد أبي النحس، المتشائل، دار الجليل، دمشق ط3/ 1984 ص 108-109). (19) - المصدر السابق 192. (20) - ينظر : أبو بكر، وليد: الواقع والتحدي في رواية الأرض المحتلة 132. (21) - أبو بكر ، وليد، الواقع والتحدي، 134-135. (22) - المرجع السابق: 88. (23) - المرجع السابق 87-88. (24) - الصبار 112-113. (25) - ينظر: أبو بكر، وليد: الواقع والتحدي 94. (26) - ينظر : سداسية الأيام الستة : 34-35. (27) - الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل 152. (28) - عبّاد الشمس 49. (29) - ينظر سداسية الأيام الستة 31. (30) - عبّاد الشمس 275- 276. (31) - المصدر السابق 278. (32) - ينظر: أبو بكر، وليد: الواقع والتحدي 106. (33) - الصبّار- 181. (34) - عبّاد الشمس: 80-81. (35) - ينظر المصدر السابق: 278. (36) - ينظر : سداسية الأيام الستة 45. (37) - ينظر: العشاق 273. (38) - كنفاني، غسان: الآثار الكاملة، مج1 / 586. (39) - ينظر : المصدر السابق 601. (40) - ينظر المصدر السابق 29-30. (41) - الصبار: 175. (42) - الصبار 203. (43) - ينظر سداسية الأيام الستة : ص 45-46. (44) - الصبار - ص 13. (45) - المصدر السابق- ص 16. (46) - عباد الشمس 217. (47) - الصبار- ص67. (48) -المصدر السابق- ص 206. (49) - المصدر السابق- ص203، كذلك نقع على مثل هذه الشكوك في إمكانية اعتراف المعتقلات في "برقوق نيسان" من خلال الحوار الذي دار بين سعاد وزياد: ينظر:كنفاني، غسان: الآثار الكاملة. مج1/ 601. (50) - الفيصل، سمر روحي: السجن السياسي في الرواية العربية، اتحاد الكتاب العرب، 1983، ص 179. (51) - "الرب لم يسترح في اليوم السابع"- ص 128. (52) - الصايغ، مي : "المرأة العربية، الواقع والتطلعات"، مجلة النهج عدد 41/1995، ص 107. (53) - المرجع السابق 107. (54) - بحراوي، حسن: بنية الشكل الروائي ص 63. (55) - وادي، فاروق: ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية 102. (56) - سداسية الأيام الستة - 47. (57) - فعلى سبيل المثال تُقدم "الصبار" صورة مماثلة للسجون التي أصبحت بفضل المعتقلين الفلسطينيين مزارع رؤوس بدلاً من أن تكون مدافن كاتيوشا) وغدت مصدراً للألفة والمرح الذي يُسيطر على الألم ويعلو عليه: للمزيد ينظر الصبار ص 158. (58) - بحراوي: حسن: بنية الشكل الروائي: 64. (59) - أبو بكر، وليد : الواقع والتحدي في رواية الأرض المحتلة / 97. (60) - ينظر المرجع السابق 97. (61) - المتشائل 132-133. (62) - المصدر السابق 146-147. (63) - أبو بكر، وليد: الواقع والتحدي في رواية الأرض المحتلة 120. (64) - المتشائل : 151-152. (65) - وادي، فاروق: ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية 118. (66) - أبو بكر، وليد : الواقع والتحدي في رواية الأرض المحتلة 116. (67) - المتشائل : 154. (68) - وادي، فاروق: ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية 118. (69) - شيخ خليل، خالدة: الرمز في أدب غسان كنفاني. ص 140. (70) -المرجع السابق- ص 141. (71) -ياغي، د. عبد الرحمن: مع غسان كنفاني في حياته وقصصه ورواياته، عمّان، ط2/ 1987، ص 117. (72) - ينظر، كنفاني، غسان، الآثار الكاملة مج1/ 250. (73) - شيخ خليل، خالدة، الرمز في أدب غسان كنفاني القصصي ص 148. (74) كنفاني، غسان : الآثار الكاملة مج1/ 263. (75) -ينظر : كنفاني، غسان: الآثار الكاملة مج1/ 252. (76) - خوري، الياس "البطل الفلسطيني في قصص غسان كنفاني"، مجلة شؤون فلسطينية، مركز الأبحاث في م. ت. ف عدد 13 عام 1972، ص 178. (77) - كنفاني، غسان: الآثار الكاملة مج1/ 278. (78) - شيخ خليل، خالدة: الرمز في أدب غسان كنفاني القصصي 147-148. (79) - كنفاني، غسان: الآثار الكاملة مج1/ 264- 265. (80) - أبو مطر، أحمد: الرواية في الأدب الفلسطيني 386. (81) - البكاء على صدر الحبيب 19-20. 59-60. (82) - المصدر السابق 88- 89. (83) - البكاء على صدر الحبيب 59-60. (84) - البكاء على صدر الحبيب 63. (85) - المصدر السابق 64. (86) - بسيسو، عبد الرحمن: استلهام الينبوع 456. (87) - تجدر الإشارة إلى أن أبا شاور، ينطلق في معظم أعماله، من أن فلسطين عربية في الأساس.... وأن صراعها ضد القوى الأخرى- محلية أو عالمية- إنما يظل صراعاً من أجل العرب، وليس من أجل قطر فيه... ,هو يعمّق هذا المعنى عبر الموقف النضالي الثوري). للمزيد ينظر مصطفى عبد الغني، الاتجاه القومي في الرواية العربية، عالم المعرفة، الكويت، العدد 188 ص /244-245/. (88) - ينظر: بوصلة من أجل عباد الشمس ص 21. (89) - المصدر السابق ص 62. (90) - ينظر: بوصلة من أجل عباد الشمس ص 67. (91) - المصدر السابق ص 67. (92) - عيناها: هكذا وردت ،والصواب "عينيها". (93) - المصدر السابق 63- 64. (94) - ينظر المصدر السابق ص 65. (95) - جبرا، جبرا إبراهيم : البحث عن وليد مسعود، دار الثقافة الجديدة القاهرة ط خاصة 1989 ص 205. (96) - المصدر السابق 227. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |