المرأة في الرواية الفلسطينية 1965-1985 - د.حسان رشاد الشامي

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:33 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثاني نموذج المرأة التقليدية*)

تمهيد:‏

المرأة التقليدية، هي المنسجمة، غالباً مع واقعها، والمستسلمة لظروفها. تفكيرها بسيط، ووعيها عفوي ومحدود، ويغلب أن تكون أميّة. اهتماماتها بسيطة، تبدو قدريّة إلى حدٍ بعيد، وخاضعة بصورة شبه كليّة للعادات والتقاليد، وتنتمي، غالباً إلى جيل ماقبل النكبة، جيل الأربعينات والثلاثينات وماقبل.‏

ويمكن أن نميّز بين نموذجين للمرأة التقليديّة: نموذج التقليدية السلبيّة، ونموذج التقليدية الإيجابية. وفيما يلي نتعرّف طبيعة كل منهما، ونقف على صورتيهما، ورؤية الكاتب لهما، وموقفه منهما، ومدى ارتباط كل منهما بالواقع.‏

أولاً: نموذج المرأة التقليدّية السلبية:‏

تركّز الكاتبة سحر خليفة في أعمالها الروائية، ولاسيّما في ثنائيتها الصبّار وعبّاد الشمس) على واقع المرأة العربية الفلسطينية، تحت الاحتلال الصهيوني، في الضفة الغربية، فتصوّر معاناتها، وآمالها، وتطلّعاتها، والظروف التي ترزح تحت وطأتها، إذْ تقدّم... نمطين من النساء: نمط خرج مع الثورة إلى دنيا المغامرة الواعية، والفعل الثوري، ونمط عتيق جفّف التقليد والاتباع نسغ الفكر والفعل فيه)(1) ، فأصبح رهين واقع الجهل والتخلّف. النمط الأول، أتينا على ذكره في الباب الأول، ممثلاً بـ "لينا الصفدي" الشابة الثورية. أما النمط الثاني، فتتجسّد صورته في شخصيتي "أم صابر"، و"أم أسامة".....‏

1- أم صابر "عيشة": الصبّار، عبّاد الشمس):‏

وهي زوجة أحد العمّال، ممن يعملون في المصانع الإسرائيلية بتل أبيب، وقد بترت الآلة أصابع يده اليمنى أثناء العمل، فجيء به محمولاً إلى داره، فاستقبلته بالبكاء والنواح والندب والحسرات.‏

نقف في "الصبار" على معالم هذه المرأة، ونتعرف بعض ملامحها الخارجية، وطبيعة تكوينها الفكري والاجتماعي، من خلال الصورة المستدعاة في مخيلة زوجها. إثر إصابته. إذ تبدو امرأة شعبية بسيطة غير منتجة، ذاقت مرارة الفقر والتشرّد وطعم الجوع، وتجرّعت بؤس الاحتلال أيّام كانت تدور على البيوت المجاورة، وفي يدها وعاء فارغ)(2) تتلقف مايجود به الجيران من طعام، ليأكل أولادها، فتعبر هذه الصورة المستدعاة عن هاجس الخوف من الفقر والجوع، والحاجة الذي يعيشه الإنسان العربي تحت الاحتلال، كلّما ضعفت صحّته، أو تعرّض لأذى، أو لاعتقال.‏

ومن هنا نعلم مقدار المخاوف التي تراود زوجة ولودا جاهلة، حين يُصاب زوجها، سندها الوحيد. ويتوقّف عن العمل: لطمت أم صابر صدرها وصاحت: إيده اليمنى ياكسرة قلبك يا عيشة. وأخذت تهرول بين المطبخ والحمّام.. وغرفة النوم.. وبدأت تندب. ومن أين نأكل؟!.... إحنا ماصدّقنا يلاقي شغلة تشبّعنا. العين طرقتك يا أبو صابر.... ياريتها إيدي ولا إيدك يا أبو صابر... ياكسرة قلبك ياعيشة، ياكسرة خاطرك... ياسخامك الكحلي... ومسحت دموعها بكفّيها فتلألأت الأساور الذهبية في معصميها، وخشخشت. حملقت في الذهب، وندبت: بكره ينباع. كله ينباع. كنت خايفة من عمايل اليهود. كنت خايفة من منع التجوّل، ومن اليوم صارت حياتنا كلّها منع تجول)(3) .‏

وبما أن الرجل هو المسيّر لأمور المرأة في المجتمع المتخلّف، وهو القوة الفاعلة، واليد المنتجة التي تكفل لها وللأسرة الاستمرار والاستقرار في حياتها، تبقى الأسرة التي تعتمد على معيلها الوحيد مهدّدة، ومرهونة بصحته اليوميّة، فالصحة بالنسبة للعامل العربي تحت الاحتلال كالأجر. كل يوم بيومه. والخوف كل الخوف ليس من اليهود. الخوف من المرض والعاهات والبطالة)(4) . فكلمة هبط تطن في الأذن كالطبل، وتعني ماهو أكثر من الموت، أكثر من الاحتلال. هبط... ياخوفي لأهبط، ويأكلني الدود، ولامين يسأل عني، ولا عن الأولاد)(5) .‏

وهذا مالم تكن "أم صابر" قد توقّعته. أو حسبت حسابه. كان خوفها من أعمال اليهود، ولكن مالم يكن في الحسبان وقع، وكان الوقع مدويّاً صارخاً، فعماد البيت هبط... وهذا يفسّر تساؤلها أولاً، عن اليد التي أصيبت... وهي تتمنى في قرارها أن تكون اليد اليسرى، أهون الشرّين، ولكن المصاب كان أشد وأدهى، حين أيقنت أنّها اليد اليمنى. فتهمهم مستنكرة: لو كانت إيده الشمال)(6) ، ومن ثم لو كانت يدها التي أصيبت. وتبدأ مخاوفها من الأيام السوداء القادمة، وتتفاقم حسرتها، حين تخمّن ماسيحل بأساورها، وهي مدخراتها للأيام الصعبة.‏

إن العجز عن التصدي العقلاني الموضوعي للمشكلات والأزمات الحياتية، يدفع المرء إلى النكوص إلى المستوى الخرافي، إلى الحلول السحرية والغيبية، وهذه بدورها تعمل، حين تتأصل في النفسية، على إضعاف أوالية التحليل العقلي، والنظرة النقدية إلى الأمور، من خلال مزج الواقع بالخيال، والتغاضي عن الحقائق المادية بإرجاعها إلى قوى غيبية الجن، الشيطان، الحسد، الكتابة، السحر...)، وكلّما زاد القهر والعجز تفشت الخرافة، ولهذا فليس من المستغرب، أن نجدها تعشش في عالم المرأة، ومجابهتها للحياة في العالم المتخلّف، لأنّها أكثر من غيرها قد حرمت أهم إمكانات المجابهة العقلانية الموضوعية للواقع)(7) .‏

ولعل في ذلك مايفسر موقف "أم صابر" التي تنسب المصائب للعين الحاسدة الشريرة، وتعالجها بالاستخارة والكتابة، وشي الشبّة، وغير ذلك من أساليب الخرافة والدجل.‏

وإذ تعرض الرواية مشهد "أم صابر" بعد تلقيّها للصدمة، فإنّ الكاتبة ترصد، بكثير من التمعّن والتدقيق، حركاتها وسكناتها وأقوالها التي تعبّر عن شخصيتها، وطبيعة تفكيرها العاجز، ورؤيتها القاصرة: واتجهت نحو غرفة النوم، وفتحت خزانة، ولبست معطفاً أسود فوق ثوبها البيتي القذر، بعد أن شدّت خصر الثوب، بجورب نايلون قديم، وارتفعت أذيال الثوب، واختفى تحت المعطف. دسّت قدميها في حذاء بالٍ، ورمت على رأسها منديلاً أسود، وخرجت وهي تردّد توصياتها لكبرى بناتها.. أوعي الشوربة تفور. فتّي الخبز في طشت التوتياء مثل ماقلت لك. لمّي الغسيل عن الحبل... إذا سألت عنّي "أم بدوي" قوليلها تعمل استخارة، وخلّيها تشوي شبّه، وتطلّع العين اللي طرقك أبوكِ، وإذا كانت فاضية، خلّيها تروح عند السامريين، تكتب له حجاب)(8) .‏

وتبدو إدانة الكاتبة لهذه الشخصية، وما تمثّله، من خلال موقف المثّقف عادل الكرمي) الذي تضاعف رثاؤه لحال صديقه أبي صابر، وحال المجتمع الذي يضم أمثال تلك المرأة الساذجة المسحوقة، بعد أن شاهد وسمع، فأيقن مقدار الجهل والتخلّف والبؤس الذي يغلّف عالمها. وما سيؤول إليه حال المجتمع، ومن ثم الوطن الذي يضم أمهات من مثل "أم صابر"، تلك المدرسة التي، لابدّ، أن تعمل بدورها على نشر الخرافة والجهل، من خلال غرسهما في نفوس الأبناء، ولذا نجد عادلاً يتساءل بحسرة وأسى، كيف سيكون الخلاص؟!: وقد تضاعف رثاؤه وتضخّم.... أين الخلاص؟! الاحتلال، الأرض... كسرة القلب، وسخام أم صابر الكحلي، والشبّة المشوية، وعين الحسود؟!)(9) .‏

وترسم الكاتبة بعض الملامح التي تميّز هذا النموذج من النساء، فيأتي رسمها دالاً على براعتها في تجسيد صورة "أم صابر" التي تبدو امرأةً في الأربعين، بدينة، في وجهها آثار الكلف. تحمل في معصميها مالا يقل عن ربع كيلو من الذهب... صوتها أجش، وفمها لا يكف عن إطلاق الدعوات)(10) . يتحدث عنها زوجها، فيقول لعادل: الحرمة رأسها يابس، ولا تفهم إلا في قضايا المطبخ والأولاد. سمعتها الليلة تهمس في إذن صابر، محاولةً إقناعه بترك الدراسة، والمسكين، وافق)(11) .‏

وفي الوقت الذي تغيب فيه عن بيتها وزوجها وأولادها، لساعات طوال، وهم في أمسّ الحاجة لرعايتها، نجدها تزور "أم بدوي" لتثرثرا معاً، وتستغيبا نساء الحارة، فتنهشا عرض "سعدية" بدافع الغيرة والحسد. وتبرّر تأخرها بالعودة إلى بيتها، بكثرة مشاغلها، فيؤدي ذلك إلى إهمال شؤون بيتها ونظافته، والتقصير في تربية أولادها ورعايتهم.‏

ونقف على نتائج هذا الإهمال، والتقاعس عن القيام بواجبها نحو أسرتها، في أحد المشاهد الروائية، وذلك حين يأتي أصدقاء زوجها لعيادته في مسكنه، إذ تتضح حالة البؤس التي تعيشها الأسرة، ولاشك أنّ جزءاً كبيراً من المسؤولية يقع على عاتق الأم المهملة، الجاهلة: دفع الباب.... بيده... ودخلوا باحة صغيرة مبلّطة... أمام الأدراج أقعى سطل زبالة، يسيل منه ماء أسود بلون القزحة. إلى يمين السطل جلست طفلة في الرابعة على الأرض القذرة، ممسكة بخرقة لا لون لها، تغمر الخرقة في قناة يركد فيها... ماء قذر على وجهه قشطة صابون. وكانت تضغط الخرقة، وتعصرها بيديها مقلّدة بذلك كبار النسوة... فأخذ أسامة) يتلّفت حوله، ولم يرَ إلاّ القذارة والبؤس. صدمت أنفه رائحة العفونة والنتن. انقبضت روحه، وتوترت أمعاؤه، وعادت النظرة نظرة الطفلة) تلح عليه وتلاحقه بإصرار، أهذه نظرة طفلة؟! لماذا يفقد الأطفال براءتهم؟!)(12) . بينما كان باقي أخوتها يلعبون في الشارع.‏

ويصعد الأصدقاء إلى غرفة أبي صابر، حيث كان ممدّداً على سرير من الصاج، كان غارقاً تحت تلال من الأغطية، ويده المصابة، ملقاة على وجه السرير)(13) .‏

ويتجّسد جهل "أم صابر" وانهيارها المعنوي الكبير من خلال مواجهتها للأزمة التي لحقت بالأسرة، وإخفاقها في التصدّي العقلاني لها. فبدلاً من أن تقف إلى جانب زوجها، وتخّفف عنه، وتتحمّل مسؤوليتها - كما فعلت سعدية، بعد قتل زوجها- فتبحث عن عمل ما، يعيل الأسرة، أو تفكّر ببيع بعض أساورها، راحت تحثُّ ابنها البكر، وتقنعه بترك المدرسة لإعالة الأسرة. تقول لزوجها مواسية:ولا يهمّك يا "أبو صابر" سلامتك بالدنيا، بكرة صابر يشيل حملك) ليس ذلك فحسب، بل نجدها تستنكر عمل سعدية ومثيلاتها من النساء، انطلاقاً من جهلها وعجزها عن القيام بأي عمل منتج من شأنه أن يدفع شبح الفقر والجوع عن العائلة، ريثما يتماثل زوجها للشفاء فيستطيع تأمين عمل آخر، والحصول على تعويض إصابته -إذ أمكن- من الشركة الإسرائيلية التي كان يعمل فيها، من غير أن يكون خاضعاً للتأمين، وهذا مايجعل أمر حصوله على التعويض صعباً، بل مستحيلاً. وأبو صابر يعرف هذه الحقيقة، ويحاول إفهام ذلك لعادل، بصورة غير مباشرة، لكيلا يواصل الدعوى ضد الشركة، فيوفّر بذلك الجهد والمال، في قضية خاسرة أصلاً.‏

يقول أبو صابر: أم صابر لن توافق على بيع أسوارة أخرى، مالم تكن واثقة بأنّ ثمنها سيصرف على الغذاء. المرأة لا تصدّق بأني سأنال تعويضاً من اليهود. تقول بأنّهم سرقوا بلادنا بأكملها، فكيف لا يسرقون تعويضي أنا. فمارأيك؟! ابتسم عادل وهزّ رأسه، وهو يعرف بأن التساؤل ماكان تساؤل أم صابر، بل تساؤل "أبو صابر" نفسه)(14) فأم صابر لا يمكنها أنْ تقول مثل هذا الكلام، أو تدرك أبعاد الموضوع.‏

هكذا تنقلنا الرواية عبر شخصية "أم صابر" وزوجها نقلة أرحب مساحة، وأشمل رؤية، للوضع المتردّي الذي تعيشه طبقة العمال في الأراضي المحتلة، في بداية السبعينات، والقلق الذي يساورها على المستقبل. إذ لم تعد الرواية "الصبّار" تدور حول مجموعة من الأفراد عائلة الكرمي، أبو صابر وزوجه، وزهدي وزوجه)، وإنّما تدور حول وضع عام لشعب يعيش محاصراً ومقيداً، يعاني الفقر والجهل والاضطهاد والتفرقة، ويعمل من استطاع الحصول على عمل، في ظروف مجحفة، لا تكفل للعامل أبسط حقوقه النقابية أو الإنسانية، وهذا مايعبر عنه أبو صابر بمرارة وأسى بعد إصابته، وقد أخذ شبح الفقر والحاجة يدنو من الأسرة:لكنّك لم تعرف نكد السماء، فعندما تلاحق أحدهم بلعنتها تجعل الموت أمنية بعيدة، لا تطال، إلا في الأحلام السعيدة)(15) .‏

ويأتي تطور الأحداث في الرواية، ليضيف أبعاداً أخرى توضّح صورة "أم صابر" وتضيء جانباً آخر من شخصيتها الشعبية، فيبرز موقفها العفوي البسيط من الاحتلال، وكذلك موقفها الإنساني المتعاطف مع زوجة الضابط الإسرائيلي الصريع، وابنته التي أغمي عليها، وسقطت أرضاً. ويتجلى موقفها الأول، في مناهضتها للاحتلال عبر تحدّيها قرار منع التجول، إذ تترك أولادها ينزلون إلى الحارة، لينكدّوا على جنود الاحتلال عيشهم ويزعجونهم. كما يبرز أيضا في تعبيرها عن مشاعر الحقد الأعمى، والغضب الكسيح، والدعاء على الضابط الإسرائيلي وعائلته، حين تجمعها المصادفة معهم عند بائع الفواكه في الحي، إذ تصور الكاتبة هذه المفارقة القاسية والمؤثّرة بين الطرفين المتناقضين، فبينما تقف أم صابر، ومعها ابنها الأصغر محمد، أمام صندوق الاسكدنيا عاجزة عن الشراء، وطفلها يتشهّى، ويمد يده إلى الصندوق ليأكل. نجد الضابط يبتاع "الأسكدنيا" دون النظر إلى غلاء ثمنها. حينئذ ينفجر حقدها، وتصب جام غضبها على الضابط ومن معه، وتلعن الساعة التي جعلت مثل هؤلاء، يطؤون أرضها، ويسيطرون على خيرات البلد ومقدّراته، ويتركون أهله يعيشون في ضنك وشقاء: استدارت... نحو العائلة وأخذت ترمقها من تحت المنديل بغيظ وحقد... إنشا الله تدشعوها، ياريتها سم الهاري على قلبك وقلبها وقلبها. أولادي يشتهون الأسكدنيا. وأنتم تبرطعون كالوحوش السايبة... ياريتها فانية أمة محمد اللّي خلّت الأنذال يسرحوا ويمرحوا ببلدنا وحاراتنا. سبعين عين تطرقكم ياعدوين)(16) .‏

ومما زاد غيظها وسخطها أن المرأة الإسرائيلية كانت تتأمل الطفل محمد) وتنظر إليه بحنان ولهفة، فأثارت تلك النظرة فتيل الغضب المتوحّش في قلب أم صابر، فصفعت ابنها بعنف على مؤخرة رأسه فبكى، وارتفع صراخه، وهزّت الإسرائيلية رأسها، ومدت يدها تدفع بها الصفعات)(17) فاستنكرت أم صابر تصرّف المرأة، والتفتت إليها: مالك ومال ابني ياعايبة. شفقانة عليه؟! اسألي جوزك عن أصابع جوزي، إن كنت مشفقة فعلاً)(18) وتساءلت وهي تتأمل كتف الضابط بغل: كم رجلاً قتلت ياقوّاد؟! كم معتقلاً خصيت؟! تبتسم؟! لا والله مؤدب ابن أكابر! وتدفع نقوداً ثمن الفواكه؟!... خلّيها علينا يا أدون. البلد بلدكم، والخير خيركم، والدفع ليش؟! تضحكوا علينا؟!)(19) .‏

أما موقفها الإنساني الذي كان وليد اللحظة الراهنة، فهو نابع من إحساسها الإنساني العام، وتعاطفها مع الزوجة الثكلى، وأحزان الفتاة على والدها، بعد أن خرَّ صريعاً إثر إقدام الملثّم أسامة) على طعنه. فتمتزج لديها مشاعر الفرحة والاعتزاز بماقام به الفدائي، بمشاعر الحزن والجزع...، وقد دبت فيها روح الإنسان بكل ماتزخر به من عواطف ومشاعر إنسانية، حين التقت عيناها، بعيني المرأة. النظرة الجزعة تنادي عينيها. تستغيثان. تستصرخان، وشيء ما يزعزع أبواب القلب المغلقة بدون استئذان. وبياض العينين النادبتين يطلق رياحاً باردة كعصف السموم، ترنّحت أعماق "أم صابر" وتمتمت... رحمتك يارب)(20) .‏

والتفتت نحو الصبية، وقد سقطت أرضاً من هول الصدمة، وفخذاها المكشوفان... ذكّراها بأفخاذ ولاياها، وكل الولايا. خلعت المنديل عن رأسها دون وعي، وجلّلت به الفخذين العاريين. وتمتمت، وهي تنحني فوق الصبية المغشي عليها... ياحسرتي عليك يابنتي)(21) .‏

هكذا تتضح أمامنا صورة "أم صابر" بوصفها امرأة شعبية جاهلة ومسحوقة، مهملة لبيتها ولأولادها، تكثر من أدعية اللعنة والسخط، لا هم لها سوى القيل والقال والاستغابة، ونظراً لعالمها الضيق نجد أفكارها ساذجة تؤمن بالخرافة والشعوذة)(22) . ولذا بدت شخصيتها بسيطة، وغير فاعلة على جميع المستويات، وإن تجلّت في مواقفها من الاحتلال بقايا حس وطني ولكنّه لا يغني ولا يثمر، في وضع كوضع الضفة، يتطلب من الإنسان يقظة في الوعي، وقدرة على مواجهة الواقع، بكل مايحفل به من مستجدات ومفاجآت.‏

2- أم أسامة:الصبار):‏

ولأن الزلزال كان كبيراً، وماتبعه من عسف واضطهاد كان كبيراً، فقد تنوّعت استجابات الذين ظلّوا تحت الاحتلال، تبعاً لطاقاتهم، ووعيهم وانتماءاتهم المختلفة، ولم يكن غريباً أن تلجأ نسبة ممن ظلوا إلى نوع من الاستسلام القدري الذي جاء نتيجة إحباط، بعد آمال كبيرة عاشوها)(23) . ومثل هذا الاستسلام يمكن أن نجده في "الصبّار" لدى "أم أسامة" التي تنتظر أنْ يحلّها الحلاّل، ويزول الاحتلال، وهي تستسلم لأحلامها ومخّططاتها، ولأمانيها العذبة، بتزويج ابنها الوحيد أسامة) من "نوّار" ابنة أخيها، ومن ثمّ يستطيع الحصول على إرث زوجه من المزرعة بعد وفاة والدها. تبدو راضية بحياتها، قانعة بواقعها، وبنصيبها من الدنيا. ويظهر ذلك على وجهها المتلألئ بالرضى)(24) . يصفها أسامة، فيقول: أمي لا تقرأ أو تكتب. تبصم، لا أقل ولا أكثر)(25) . همّها الوحيد، وشغلها الشاغل، أن تفرح بأسامة وتزوجه "نوار" بغض النظر عن رغبته هو بالزواج، أو مراعاة ظروفه الصعبة، وإمكانياته المادية، واهتماماته الشخصية، وهو المثقل بهمومه الذاتية، وهموم شعبه الرازح تحت الاحتلال، وما آلت إليه الأوضاع في الضفة في أوائل السبعينات.‏

وتتضح صورة "أم أسامة" من خلال تداعيات أسامة. العائد إلى الضفة، بموجب معاملة جمع الشمل) بعد غربة دامت خمس سنين، وهو يحلم بلقاء أمّه التي ستأخذه بالأحضان، وتغدق عليه سيل العواطف والقبل والتبريكات والدعوات: وأميّ تنتظرني هناك. وستحشوني بالطبيخ بمجرد أن تطأ قدماي عتبة بيتها، ورائحة الطبيخ، ورائحة قوار النسيم، وسجادة الصلاة، وحب الكارب، وبسملات الصبح، ونجوم الفجر مازالت تلمع)(26) .‏

ويأتي مشهد اللقاء بما ينطوي عليه من إيجاز وتكثيف، لإبراز أبعاد هذه الشخصية، والكشف عن أعماقها، وإضاءة جانب هام من جوانب شخصية المرأة- الأم التي تجسد، على اختلاف صورها، مشاعر الأمومة الصادقة، والطيبة المفرطة، وقد أحاطتها الكاتبة - وكذلك سائر الكتّاب الفلسطينيين - بهالة من التقدير والاحترام. أمّي.. وارتمى على الصدر المترع بالبركة. وقبلات وبسملات ومرحبات... وصرت عريساً ياأسامة، والبنات الجميلات يملأن البلد، وابنة خالك "نوّار" أصبحت منورة، طويلة، شعرها أملس بدون تمليس، والشباب يلاحقونها كل يوم من باب الدار حتى كلّية النجاح...)(27) .‏

وتعد شخصية "أم أسامة" واحدة من الشخصيات النسوية البسيطة التي جسدّتها الكاتبة في "الصبّار" فجاءت صورتها متّسمة بالصدق والواقعية والبساطة، كما جاءت تصرفاتها ومواقفها وأقوالها منسجمة مع طبيعتها التي تميزها الطيبة والعفوية والقدرية، وهذا مايظهر في حديثها مع أسامة، حين يحدّثها عن أوضاع البلد، ويعبّر عن سخطه على الواقع، وما آل إليه وضع الناس، والبلد، بكيت على الناس، يا أمّي. بكيت على البلد)(28) ، فتجيبه مطمئنة إيّاه: البلد بخير يا ابني، بكره يحلها الحلال ويزول الاحتلال... ألا تؤمن بقدرة الله جلّ وعلا؟)(29) .‏

ويجيبها لا تقولي سيحلّها كيسنجر يا أمي)(30) فترد عليه: سنجر! ألا تزال في البلد ماكنات خياطة أجنبية؟! ماكنات الخياطة كلها إسرائيلية الآن. وماكنتي هي السنجر الوحيدة في البلد)(31) .‏

وبغياب الوعي، وتسطّح الفكر لدى "أم أسامة" يبلغ جهلها بقضايا الواقع اليومي، وما يجري في البلد، درجة تثير معها السخرية المرّة، إذ يتضّح ذلك من خلال رؤيتها القاصرة للأمور، وتصديقها لكل مايقال وتسمع. مما يرسّخ عزلتها، ويزيد في انغلاقها على عالمها الصغير، وهمومها الفردية، على الرغم من كونها تعيش في الضفة الغربية الموّارة بالأحداث والقلاقل، قبيل حرب تشرين عام /1973/.‏

وهاهي تحاول بطريقتها تهدئة ابنها المناضل) وبث بذور الأمل في نفسه- ولكنّه أمل مهيض الجناح- فتقول له: البلد بخير... ويمكن الصحفيين الأجانب الذين يزورون خالك، يؤثّرون على أمريكا. وأمريكا تقول لإسرائيل انسحبي فتنسحب. أرأيت كيف أنّ الأمور ليست صعبة كما تتصور؟! ألم أقل لك بكره يحلها الحلال)(32) . عندئذ ينفجر أسامة، بعد أن سئم تكرار عبارتها "يحلها الحلال" ويحسم موقفه من مخططاتها الساذجة، ويعلن رفضه لها، ويعبّر عن ذلك بأسى وحسرة: تزوّجين وتميتين وتخططين كما تريدين. وعند الأزمات الحقيقية تقولين يحلها الحلال)(33) .‏

ومن هنا يتضح مقدار عجز "أم أسامة" في مواجهة الواقع، والتغلب على العقبات والأزمات التي تواجهها، فوسيلتها في المواجهة، هي الركون إلى الأماني الطيبة، والإكثار من الدعوات الخيّرة، والاستسلام للأحلام، فحين واجهها أسامة بحقيقة الواقع، وبأن خطر الاحتلال قد يصل إلى مزرعة خاله. بسملت، وحوقلت، وتمنت الفناء لإسرائيل، وواصلت أحلامها).‏

وإذا تقدّم سحر خليفة، صورة واقعية حيّة لنموذج المرأة التقليدية السلبية ممثلاً بـ "أم صابر" و"أم أسامة" فإنّها لا تدين هذا النموذج كل الإدانة صحيح أنّها تبرز سلبياته التي هي نتاج طبيعي للظروف القاسية التي تعيش فيها المرأة الجهل، التخلف، الفقر....) لكنّها في الوقت نفسه تبرز إيجابياته التي تنسجم مع الطبيعة الإنسانية المعطاءة التي فطرت عليها المرأة)(34) من حب وعطاء وصبر.‏

ولذا نجد الكاتبة تكتفي بتسليط الضوء على بعض السلبيات التي تعود في أساسها إلى المتعفن من الموروث، وإلى عهود الجهل والتخلف، وقد جاءت الظروف الصعبة لترسّخ هذا الواقع لدى بعض النسوة الأميّات والجاهلات...‏

ثانياً: نموذج المرأة التقليدية الإيجابية:‏

حفلت الرواية الفلسطينية بنماذج متنوعة للمرأة التقليدية، التي تتسم تصرفاتها وأفكارها ومواقفها بالإيجابية، وتستمد سماتها من الواقع اليومي لحياة أبناء المخيمات الصامدة، حيث تعيش المرأة ظروفاً بالغة القسوة، فيها البؤس والقلق والخوف والترقّب. تغالب مشاق الحياة من أجل البقاء وتعيش على القليل الذي يأتي به الرجل، أو مايخلفه لها، وكثيراً ما تستل لقمة العيش لها ولأبنائها بكدحها وعرقها، وسهر الليالي، ووجع القلب، وبصورة خاصة بعد فقد الزوج.‏

وأبرز السمات التي تميّز هذا النموذج على الرغم من تنوعه وتعدد صوره: الطيبة والصدق والبساطة، والقدرة على العطاء، إذ كثيراً ما تبدو المرأة متفانية في سبيل أسرتها، وأحياناً في سبيل الآخرين. تعتز بكرامتها، وتصون نفسها، وتحفظ لسانها. وغالباً مايتجلى دورها الفاعل في الأوقات الصعبة. تبدو متمسكة بالعادات والتقاليد ، ولكنّها في الوقت نفسه تتمتع بالمرونة، فهي لا تعارض كل ماهو جديد، ولاسيما إذا لم يكن هذا الجديد يتعارض أو يتنافى مع العادات، والقيم الأخلاقية، والأعراف الاجتماعية.‏

أبرز من يمثل هذا النموذج من النساء: المرأة الكادحة القروية، والمدنية) التي لم تخرج كلّياً إلى العمل خارج نطاق الأرض أو المنزل، كأم حسن القروية) في "العشّاق". وسعديّة ابنة المدينة) في "عبّاد الشمس". ومن ثم يأتي نموذج الزوج الصالحة غير المنتجة، كالحاجة فاطمة في "نشيد الحياة".‏

1- المرأة القروية الكادحة: أم حسن العشّاق):‏

يقدّم الكاتب رشاد أبو شاور في رواية "العشاق" صورة للأم الكادحة التي تمثّلها "أم حسن"، تلك المرأة الطيبة الصلبة، التي يعبر الكاتب، من خلالها، عن حقيقة المرأة العربية الفلسطينية القروية الكادحة. فأم حسن تكد وتعرق، وتعمل بجد ودأب في سبيل أسرتها، وتعليم ولديها، على الرغم من اعتقادها أن الصنعة جيدة، أفضل من التعليم وهمه)(35) . وهي تعمل في محيط دارها، بصنع الطوب من الطين والتبن. تبدو في الخمسين من عمرها، حين تضحك. تكشف عن أسنان سوداء قليلة، ولثة ناشفة، تساقطت أكثر أسنانها)(36) . وهي قوية البنية. مفعمة بالحيوية والنشاط.‏

ويأتي ظهورها مكتمل الصفات والملامح والسلوك، فهي تستمد صفاتها من الواقع الحياتي اليومي الذي تعيشه، ويعيشه أبناء طبقتها في الضفة الغربية والقطاع، قبيل نكسة حزيران 1967 وبعدها. وتقترن بعض ملامحها بصورة الأرض التي تستمد منها القوة والثبات، فتبدو صورتها، وقد اشتملت على بعض الصفات التي أضفاها غسان كنفاني على "أم سعد" في روايته المعنونة باسمها. وإن لم ترق "أم حسن" إلى مستوى وعيها الاجتماعي والوطني، فأم سعد معادل فني لصورة الأم الفلسطينية الكادحة المسحوقة التي تجسّد الحس الثوري العفوي النقي في أبهى مظاهره لدى الجماهير الشعبية المسحوقة من أبناء المخيمات. على حين جاءت "أم حسن" لتمثّل الأم الفلسطينية الكادحة ببساطتها وعفويتها وواقعيتها، وإن حاول الكاتب أن يحمّلها بعض الدلالات الرمزية والإيحائية، وأغلب الظن أنه تأثر بشخصية "أم سعد"، واستمد منها بعض الصفات والملامح التي أضفاها على "أم حسن" فجاءت صورتها ممتزجة بملامح الواقع الذي تعيشه.‏

تنطلق الرواية في تصويرها لأم حسن، وهي تقوم بعملها اليومي المعتاد الذي تحبّه وتقدّسه. فهاهي ذي تعمل في مملكتها... عند العمل تكون أم حسن نحلة، لا تكون ورشة، لا تكون طيناً يمزج طيناً. وجهها المخدّد الأسمر القاسي الطيّب. جسدها الضئيل، كومة العظام في الجلد الأسمر المحروق‎، قامتها المائلة إلى القصر، تنبض، كلّها حياة وقوة، وأغان شجيّة)(37) .‏

وحين تقف وسط جبلة الطين، تبدو قامتها منتصبة مثل زيتونة جبلية صغيرة، ولكنّها قوّية. هذه المرأة... لا تصنع الطوب من أجل الربح. إنّها تستمتع بخلق هذا الطوب، وبأنّ الناس يبنون بيوتاً من عرقها وجهدها)(38) .‏

ونلمس في كلامها وأفعالها ومواقفها تجليات الوعي الاجتماعي البسيط، والحس الوطني العفوي لدى الجماهير الكادحة، فهي تنبذ بعض السلبيات في المجتمع المتخلّف، ولا تلتفت لبعض العادات والتقاليد التي تقيّد المرأة، أو تسلبها حرّيتها، وتجعلها تابعاً كلياً لسلطة الرجل، ولذا نراها تثور على تصرفات زوجها العجوز المزاوج الذي يمارس سلطته القمعية على نسائه يوم كان يعرّي نساءه الأربع، وينهال عليهن ضرباً لأتفه سبب)(39) . وتنال أم حسن حريتها، بحصولها على الطلاق، بعد أنْ كسرت هيبته أمام نسائه وزرعت بذرة الثورة ضده)(40) . كما ترفض زواجه الأخير، والطريقة التي تمَّ بها، حين استولى على "حسنية"، وبدّل بها. أعطاها لفتى من القرية وتزوّج أخت ذلك الفتى)(41) . وتصارحه بحقيقة غلطه، بالزواج من فتاة تصغره بكثير. تقول له:الدنيا تغيّرت، ولكن عقلك ناشف، لقد تزوّجت أربع نساء قبل هذه البنت، ألم تكتفِ)(42) . وتعبّر عن حسرتها لحال تلك الفتاة المسكينة، وتعاطفها معها، لأنّها أُرغمت على الزواج من عجوز لا يعرف من الدنيا غير لذّته)(43) . وهي في المقابل لا تعارض علاقة الحب النبيلة التي تربط بين العشاق محمود وندى، وحسن وزينب)، بل تبارك هذه العلاقة، وتفسح المجال للقاء المحبيّن محمود وندى) في دارها، لثقتها بهما، وقناعتها أنّ الحب أهم عاطفة في حياة الإنسان. إنّه الوقود الذي يجعل الاستمرار ممكناً. إذا انتهى الحب في حياة الإنسان انتهت حياته الحقيقية... الحب هو قوة تحرّر الإنسان، وهو الدافع للحركة من الداخل إلى الخارج)(44) .‏

ولذا نسمعها تقول لمحمود: ماذا في الحياة غير الحب يافتى. افرح أنت وهي، غداً تموتون وتصيرون تراباً، فتأتي أم حسن أخرى، وتمزجكما بالماء والتبن، وتصنع منكما طوباً... آه لو أنني بعمرك ياندى... كنت أحببت على عيون جميع الناس)(45) .‏

وتتطابق أقوالها مع أفعالها، فبينما هي "تمقت البطالة"، نجدها تحاول أن تأخذ بيد الشباب العاطلين عن العمل، فتساعدهم، وتتحسس معاناتهم ومشاكلهم، وتدرك بحسّها العفوي، مقدار الظلم الذي يلحق بالشباب المثٌّقف -حسن ورفاقه- في ظل الاحتلال من جهة، وتعسّف السلطات المشرفة على شوؤن الضفة والقطاع قبل عام 1967 من جهة أخرى، ولذا فهي تشغِّل بعض الشباب، وتعاملهم كأبنائها: كان أكثر من أربعة شباب يدورون حولها، يناولونها التبن، ويساعدونها في نقل الماء، ويتبادلون معها أطراف الحديث.... قالت لمحمود): هؤلاء كلّهم يحملون الشهادات الثانوية، لكنّهم بلا عمل، إنّهم يدورون وراء البنات)(46) .‏

وتستنكر "أم حسن" بعض مظاهر الفساد المستشري في أوساط القيِّمين على رعاية شؤون المخيم، وبعض العاملين في توزيع الإعاشة على اللاجئين، وتنبذ هذه المظاهر، ولكنّها في الوقت نفسه لا تستطيع مواجهتها، فهي تعلم أنّ رئيس المخفر، ومدير المخيّم، ومساعد مدير المخيم. يشكلّون عصابة. أمّا المخاتير فواحد منهم شريك في العصابة، لأنّه قوي، ويعرف قائد المقاطعة)(47) ، ولذا فهي تقول لمحمود بسخرية مرة: اللصوص مقامات يافتى...)(48) .‏

لقد جسدت "أم حسن" في مواقفها وأقولها وأفعالها، إرادة الحياة، وروح التحدّي، والصمود، والتشبث بالأرض لدى أبناء طبقتها، وها هي تشد على أيدي الشباب الذين شرعوا يخطّطون وينفّذون عملياتهم داخل الأرض المحتلة، فتعبّر عن فرحتها وسعادتها الغامرة بما يفعلون.‏

هكذا قدّم رشاد أبو شاور، صورة واقعيّة نابضة بالحياة، للمرأة القروية الكادحة، من خلال تصويره لأم حسن، إذ أعطاها حقّها من الحب والاحترام والتقدير، وجاءت سماتها وملامحها الخارجية تنم عن جوهرها، فهي شخصية لا تتناقض، تحمل الماضي، وترفد حركة الحاضر، وتنطوي كالشجرة على ثمار المستقبل، فلا تمنع ابنها من القتال مع الفدائيين، بل تسعد بالدور الذي يقوم به. إنها الأم الفلسطنيية... ببساطتها وعفويتها وعمقها أيضاً، وهي رمز التشبث بالأرض، والانتماء إليها)(49) .‏

2- المرأة المدنيّة العاملة: سعدية الصبّار، عبّاد الشمس):‏

ويطالعنا في "ثنائية سحر خليفة" نموذج آخر للمرأة العاملة، غير المتعلّمة، متمثّلاً في سعدية أم حمادة) التي اضطرتها الظروف الصعبة، بعد استشهاد زوجها "زهدي" للعمل لإعالة أسرتها الكبيرة، فتعرّضت لها ألسنة بعض النسوة الجاهلات في الحارة، كأم صابر، وأم تحسين، اللتين عبّرتا عن استهجانهما لعملها وسلوكها، وأنكرتا عليها هذا الحق... وتكاثرت حولها الأقوال والشائعات، وحيكت القصص التي تطعن بشرفها، وتثير حولها الظنون، بدافع الجهل والغيرة...ولكنّها على الرغم من كلّ ماقيل، استمرت في عملها الحر الشريف. ولم ترضخ لإغراءات شحادة، ولم تسقط، وبقيت محافظة على شرفها، وعفة نفسها.‏

وإذا كانت هذه المرأة قد ظهرت في "الصبّار" فإنّها لم تشغل حيّزاً ذا قيمة في الرواية، فقد تعرّفنا طباعها من خلال أحاديث زوجها "زهدي" عنها. إذ كان يتحدث عن بساطتها وحسن معاملتها له ورعايتها لأمور بيتها وأولادها نعم الرعاية، ويثني على تدبيرها واقتصادها في مصروف البيت، من أجل الادخار للأوقات الصعبة.‏

وتعرض الرواية، أيضاً، العلاقة الحميمية بين الزوجين، وتؤكّد وفاء سعدية لزوجها وحبّها له. فها هي تقف إلى جانبه في أوقات الشدة، وتشد أزره، وتواظب على زيارته في سجنه وتجلب له بعض الكتب التي يطلبها. وتحفظ أسماءها عن ظهر قلب)(50) ، وتضحي بأساورها الذّهبية عن طيب خاطر، لتأمين مصروف الأسرة، بعد غياب رب الأسرة.‏

أمّا في "عبّاد الشمس"، فنقف على سمات هذه المرأة، وملامحها، وأبعادها النفسية والاجتماعية، وتطلعاتها المستقبلية، وذلك إثر انخراطها في الحياة العملية بعد استشهاد زوجها، واضطرارها للخروج من عالمها الضيّق المحصور في البيت والأولاد، إلى العمل، لاقتناص لقمة العيش، من غير أنْ تنتظر حسنات الأجاويد، فتسترخي للفقر والذل.‏

وتعود الرواية إلى ماضي سعدية إذ نشأت في أسرة فقيرة مسحوقة، وفي أحد الأحياء الشعبية البائسة في مدينة نابلس، وتجرّعت مرارة الفقر والحرمان. كان والدها بائع طمرية، أما والدتها فكانت تخدم في البيوت لتساعد زوجها في تحمّل أعباء الأسرة.‏

تتذكر "سعدية" تلك الأيام السوداء حين كانت تلبس، في العيد، فساتين بنات الأكابر، حيث كانت أمها تغسل الملابس، وكيف كانت تخشى المرور بشارع الأكابر خوفاً من أن تتبعها ابنتهم، وتقول لها: ياسعدية، ياشحادة، أنتِ لابسة فستاني. حدث هذا الموقف مرة، وبكت سعدية حتى انفجرت)(51) .‏

وتمضي الأيام، وتتزوج سعدية من العامل زهدي، وتعيش حياة هانئة، راضية بنصيبها من الدنيا، مع رجل كان "سيّد الرجال" -كما تقول- وتخلّف منه عيالاً كثيرين. يتذكرها باسل الكرمي حين كانت تمر بالشارع وخلفها قطيع الأطفال. كانت تضع على شفتيها حمرة فاقعة كالشقيق، وتلبس شبشباً عالي الكعب، وفستاناً أبداً مزهراً)(52) . كانت أعباؤها آنذاك محصورة في أعمال البيت، وتربية أطفالها، والقلق على زهدي من البطالة، ومن اليهود، ولكن حين استشهد زهدي وجدت نفسها وحيدة، من غير معيل، فاضطرتها الظروف لتحدي الواقع الصعب، وتحمّل أعباء الأسرة الكبيرة، ومواجهة متطلبات الحياة اليومية، بصبر وإرادة قوية، وحين خرجت إلى الدنيا الواسعة، اكتشفت كم هي صعبة حياة الرجال. وأصعب الصعب أنْ تحاول امرأة، أن تعيش هذه الحياة. دعك من مشاكل الرزقة التي تسحبها من بين أسنان وحش... فهناك المشاكل الأخرى، وهي أمرّ وأقسى. امرأة شابة، جميلة وأرملة)(53) . ومهما يكن لابد من العمل، فالعمل هو الحل الوحيد، فيه الرزق، وفيه النسيان، وفيه الفرج)(54) .‏

ويبدأ التطور التدريجي اللافت في شخصية سعدية، بعد انخراطها في العمل بالخياطة في منزلها أولاً، وبمفردها، ثم لايلبث عملها أنْ يتطور ويتّسع، بفضل دأبها وكدّها واجتهادها، وسهر الليالي، ليصبح المنزل أشبه بمشغل، تخيط فيه القمصان التي يأتي بها شحادة الانتهازي) من إحدى شركات الألبسة في تل أبيب، مفصّلة، ونصف جاهزة، لتكمل هي ماتبقى من خياطتها، فيزداد دخلها، وتتحسن أحوالها المادية والمعيشية، وينعكس أثر ذلك على مظهرها وشخصيتها.‏

يصفها عادل، وهو يلمس ملامح هذا التغيير: كانت تلبس تنورة سوداء، وبلوزة بيضاء بأكمام طويلة. وكانت قد هزلت كثيراً، واختفت النتوءات من جسمها، واستبدلت بانحناءات انسيابية لطيفة، واختفى الشعر الطويل، وحلّت بدلاً منه قصّة مستديرة، أعطتها مظهراً أكثر حيوية وشباباً)(55) .‏

وحين بادرته بالتحية كان في صوتها صلابة، توحي بثقة كبيرة بالنفس، رقصت لها نفس عادل إعجاباً واحتراماً. فهاهي امرأة قوية، باستطاعتها أن تتحدى ظرفها، وظروف البيئة، وتقف على قدمين ثابتتين ولا تهتز، وهبّ من مكانه فارداً كفه وصافحها بحرارة)(56) مكبراً فيها هذا الإصرار، وهذه الإرادة القوية على مغالبة الصعاب. وشرعت تحكي له قصّة عراكها مع الحياة، ومعاناتها بعد استشهاد زهدي، وموقف الجيران منها، وتنكّر الكثيرين لها، ولذكرى زوجها، وماتعلمته من دروس، جعلتها مقتنعة بحكمتها الشعبية القائلة: ساعة الحاجة والغفلة ما ينفعك غير قرشك)(57) .‏

لقد عاشت سعدية بعد استشهاد زوجها ظروفاً بالغة الصعوبة، علّمتها معنى أنْ يعتمد الإنسان على نفسه، ولا ينتظر إحسان الآخرين، وتعاطفهم معه. ونتيجة لكل ماعانته فقد باتت تشعر بشيء من الغربة في وسطها الاجتماعي الحارة وأهلها) ونمت لديها بعض الطموحات الكبيرة، وباتت تقدّم مصالحها الشخصية على ماعداها، وهذا مايستشف من حديثها مع "نوار" وهي تحاول إقناعها بالتخلّي عن وعدها لـ "صالح" بالانتظار، مستغربة ومستنكرة موقفها. لقد جسّدت الرواية في هذا النموذج سعدية) بعض السمات التي تمّيز شخصية المرأة العاملة، التي تنحدر من بيئة فقيرة مسحوقة، ترزح تحت وطأة الجهل والفقر، ومايمكن أن تتعرّض له من مضايقات وافتراءات، في ظل مجتمع متخلف ومقهور، وهي مازالت قليلة الحيلة والتجربة، غير مسلّحة بالعلم والوعي الكافيين. فقد تضطرها ظروف العمل للاحتكاك بالجنس الآخر، كما قد تضطرها للسفر -كما حصل مع سعدية- عندئذ تزداد سهام النقد والتقريع الموجّهة إليها، وتلقى معارضة عنيفة لخروجها عن الأطر التي رسمها هذا المجتمع لها، فيعد خروجها تحدّياً، بل خرقاً لمعاييره وقيمه. وهذا ماواجهته سعدية بالفعل من نساء الحارة، ورجالها.‏

وفي ذلك مايؤكد أن أكثر العناصر استلاباً وقهراً في المجتمع المتخلّف، هي أشدها عداونية وعنفاً على من حاول التمرّد على التقاليد، وتحدّي المعايير وخرقها، فهناك تعبئة نفسية ضد كل من يخرج على التقليد، إنها الفضيحة تلاحقه، وهو يستباح في سمعته ورزقه... ويأخذ العدوان عليه طابع التشفّي... والتشهير، يتحالف الكل للنيل منه، وفي كل ذلك تصريف واضح لما تراكم عند كل فرد من أفراد الجماعة. خصوصاً المقهورين منهم، من حقد وعدوانية نابعين من الإحباط والمهانة اللذين يتضمنهما الغبن المفروض عليهم)(58) .‏

وهذا ماذاقته سعدية بالفعل من بعض النساء الجاهلات في الحارة، من مثل أم صابر، وأم تحسين، وأم فتحي، وغيرهن، مماعزز قناعتها في مغادرة الحارة، مؤثرة الهرب على المواجهة.‏

... وعلى الرغم من ذلك الاضطراب، أو الخلل الذي يشوب بعض مواقف سعدية من الناس والبلد، فقد أبرزت الرواية الكثير من التحوّلات الإيجابية التي طرأت على شخصيتها، ومستوى معيشتها، بفضل انخراطها في العمل، وممارستها لحرّيتها بقدر كافٍ من الشعور بالمسؤولية. ولكنّها على الرغم من ذلك كله، بقيت أسيرة الواقع الاجتماعي المتخلّف الذي تتحرك فيه، وهذا ما يؤكده تساؤل عادل وهو يتأملها بإعجاب مشوب بالحذر والحسرة: الجمال البلدي الأصيل، ومازالت في عز الشباب، وقد تعلّمت المرأة الكثير، كيف تعمل، وكيف تلبس، وكيف تخاطب الرجال دون أن تحمر أو تتلعثم. خامة ممتازة. مادة قابلة للتشكيل، ولكن الوعي؟! لا وعي إلا بصيص من حس اجتماعي متمرّد. وهذا شحادة يقف بالمرصاد، وستعود.. إلى قواعد الحريم غير سالمة. شحادة والسلامة لا يجتمعان)(59) .‏

لقد قاومت سعدية بحزم وقوّة إغراءات شحادة، وتماديه معها. فقد حاول مرة رفع الكلفة بينه وبينها، واعتبر نفسه مسؤولاً عنها، حين سافرا معاً إلى تل أبيب لتسليم البضاعة، وقبض الأجر. فوقفت منه موقف الند، وواجهته بجرأة، وثقة بالنفس: من إيمتى تناديني سعدية حاف ياشحادة؟.... أولاً أنا "أم حمادة" ومش سعدية. وثانياً: أنا مش حرمة، أنا مثلي مثلك، أنت صاحب مصلحة، وأنا صاحبة مصلحة. وثالثاً ماحدا مسؤول عنّي غير الله ونفسي. مفهوم؟!)(60) .‏

وترفض عرضه بالزواج، على الرغم من حاجتها لرجل يحميها، ويلجم ألسنة الناس، ويرد عنها نظراتهم، وأطماعهم فيها وتردد في سرها: يابادلة النخلة بسخلة)(61) .‏

وشحادة يريدها بما تملك، دون أولادها، ويفكّر بطريقة تخلّصه منهم، وحين يكتشف أنّها تملك من الاستقلالية مالا يستطيع السيطرة عليه، يختفي من حياتها، ومن الرواية أيضاً)(62) .‏

وبسبب غياب الوعي، وازدياد) مردود العمل، ولدت في ذهن سعدية تطلعات برجوازية)(63) وباتت تفكر بالخروج من الحارة، والابتعاد عن ناسها ومجتمعها، وهموم البلد وشجونه، ومعاناة شعبه. وقد تنامى لديها الأمل بعد شراء قطعة أرض في "جبل الشمس" في نابلس، وباتت تحلم ببناء مسكن عليها، وزراعة ماتبقى منها بالخضار والزهور. حينئذٍ تستطيع أن تتخلص من العيون التي تحملق، واللسانات التي تلعن، وتنسج حولها القصص والشائعات: سعدية وشحادة، سعدية والماكينة، سعدية وتل أبيب، سعدية تنام في تل أبيب ولا تسأل حتى عن أبنائها. سعدية في حمام البلد، سعدية وخضرة....)(64) .‏

وتحاول سعدية إقناع ابنها "رشاد" الفتى المتحمّس الذي يرفض ترك الحارة، فتقول له: هون الأرض واسعة، وشجر وعصافير، وبكرة تصطاد العصافير بمقليعتك بدل الجنود، وما يحاسبنا حدا، لا مظاهرات، ولا نقف رؤوس، ولا تعالي ياسعدية ادفعي الغرامة بالتي هي أحسن. هون لا منع تجوّل، ولا حبس ولا مشاكل. هون أحسن)(65) . وفي ذلك مايفّسر انكفاء سعدية على نفسها وأحلامها، وإيثارها السلامة، والهرب، لأنه في اعتقادها خير وسيلة للخلاص من جميع المشكلات التي تؤرقها، وتنغّص حياتها، بعد أن ضاع الشباب والعمر في الكدح والعرق، ووخز الإبر، وسهر الليالي... ولكنّها لا تتبين عقم موقفها الانهزامي الذي تقفه من واقع الاحتلال، وأهل الحارة، إلا بعد مصادرة الصهاينة لأرضها التي أفنت عمرها حتى اشترتها، فتنهار أحلامها في غمرة الأحداث التي تعصف بالبلد، في منتصف السبعينات، فتعود إلى نفسها الطيّبة الأصيلة، وإلى حارتها وناسها، فهي أحد معالمها الهامة، ولا يمكن أنْ تهجرها، كما توقع باسل الكرمي الشاب الثوري).‏

لقد أدركت سعدية بعد تلقيها الصدمة، وشعورها بالخيبة والمرارة، أنّ واقع الاحتلال البغيض، لن يتيح لها تحقيق ماتصبو إليه من حياة هانئة مستقرة، وإن ابتعدت عن مواجهته، والتزمت الحذر، وآثرت السلامة، فثارت على هذا الواقع: والله حاسة راسي نافورة نار، ودمي حامي ولا الكبريت. والله... لو بإيدي قنبلة لأنسف العالم....)(66) .‏

ولا يلبث هذا الغضب الأعمى المضطرم في داخلها، أنْ يتحوّل إلى ثورة، ومشاركة فاعلة في مقاومة جنود الاحتلال، وهم يحاصرون الرجال والفتيان في ساحة المدرسة. واندفعت تركض لتلحق بابنها "رشاد" وتبعتها النسوة. هجمت على الضابط، فصفعها، تشبّثت بصدره "ابني". صفعة ثانية... تراجعت خطوات، ثم الهجوم. رفسته مابين الرجلين، بكل الحقد، وكل المرارة، وغضب القلب المغضون.... وبدأت سعدية تضرب، والنسوة تضرب. حجارة، حصى...، شظايا زجاج... وقفت سعدية، لمحت رشاداً يضرب من فتحة مقليعه، من أعمق الأعماق صاحت: عليهم يارشاد، عليهم ياولدي، عليهم ياحبيبي يازهدي!"(67) .‏

هكذا يتضح الخيار الوحيد، وهو المواجهة الفعلية، والقتال لتغيير الأوضاع الراهنة. وبذلك انتقلت سعدية) من الموقع السلبي، إلى الموقع الإيجابي، عبر التجربة التي تستطيع أن تخلق الوعي بشكل أسرع، لدىالطبقة التي تنتمي إليها، خاصة وأنها بعد أن فقدت حلمها البرجوازي، لم تعد تخاف على شيء آخر)(68) كله رايح، يارملتي، كله رايح، الجوز والابن والأرض والشغل والسمعة بين الناس...)(69) .‏

وبذلك تدين الرواية كل مظاهر الانهزامية، والتأقلم السلبي مع واقع الاحتلال، والاستسلام لما يحقّقه الفرد على الصعيدين المادي والمعنوي من مكاسب أو امتيازات، وسط هذه الظروف اللا إنسانية التي لا تسمح للإنسان، مهما يكن أن يحقق وجوده، أو بعض مايطمح إليه.‏

لقد مرّت سعدية بتجربتين حارتين مؤثّرتين: الأولى فقد الزوج، ومن ثم الانخراط في العمل، والثانية فقد الأرض التي حلمت بها كثيراً. هاتان التجربتان حررتاها من عزلتها وأحلامها البرجوازية. وأطلقتا قواها الكامنة، وجعلتاها تتحوّل من السلب إلى الإيجاب، فكان موقفها الأخير من قوات الاحتلال، ثمرة الاحتكاك مع الواقع اليومي، والتفاعل معه، فظهر معدنها الأصيل، بعد أن عركتها الأيام بنابها، وصهرتها الآلام، فاتضحت قوة الإرادة التي تتحلى بها، من خلال بعض مواقفها، ولاسيما موقفها الأخير.‏

3- المرأة الزوج الصالحة: "الحاجة فاطمة" نشيد الحياة).‏

تحكي رواية الكاتب يحيى يخلف "نشيد الحياة" في بساطة أسرة... عن الناس الطيّبين الودودين الذين يحبّون الحياة حتى الوله، ويستمتعون بالقليل الذي تقدّمه لهم أرزاقهم وأوضاعهم الاجتماعية.. الحياة عندهم غالية ومقدّسة، الحياة بكل أشكالها ومظاهرها من إنسان وحيوان ونبات، ومايحوط هؤلاء من مظاهر الطبيعة)(70) .‏

كما تعرض صورة مشرقة دالة لنموذج المرأة الزوج القروية الصالحة، الطيبة، الودود، ذات الهمة العالية، والنفس السمحة، والقلب العامر بالحب والإخلاص. وقد تمثلت هذه الصفات، بعضها أو كلّها، في معظم الشخصيات النسائية في الرواية: زليخة، زوجة أبي العسل، زوجة الزهيري، الحاجة فاطمة زوجة الشايب. ويلاحظ أنْ جميع الشخصيات في الرواية لها حظ متساوٍ في الحضور الروائي، كحظها المتساوي في الحياة، ليس هناك شخصية تتضخم على حساب تضاؤل الآخرين. فهم جميعاً، يجمعهم مخيم الدامور الذي يوحّدهم في بؤسهم وأحلامهم، في ضعفهم وشجاعتهم. نتعرف عليهم عبر اتصالهم لا عبر فراداتهم... وعظمتهم تتأتى من خلال أمانتهم في الحفاظ على هذه البساطة الإنسانية، بصدقها وحرارتها، وانفعالها، وتألّقها وأمانيها، وأحلامها)(71) .‏

ولعل أبرز من يجّسد تلك الصفات النبيلة مجتمعة، الحاجة فاطمة، زوجة الشايب، على الرغم من غيابها الفعلي عن مسرح الحدث الروائي، فحضورها متمثل بكثافة في ذاكرة زوجها، بملامحها وطباعها، وسماتها النفسية والخُلقية، يقّدمها الكاتب دفعة واحدة، وبتكثيف لافت، فتبدو في صورة ملائكية، فهي مشرقة الوجه، مؤمنة، طيبة النفس، كريمة، وفيّة.‏

وتأتي صورتها، من خلال استدعاء الكاتب لحظة مشرقة من لحظات الماضي الدافئ السعيد- قبل الهجرة 1948- لا تقف محض نقيض للحاضر المثقل بالهموم، وإنّما تتجاوزه لتجد صداها في نفوس الكثير من الأزواج، ممن عاشوا في ربوع فلسطين، فردوسهم المفقود، ينعمون الأمن والاستقرار، والحياة الهانئة، وها هي ذكراها تمر بخاطر زوجها الشايب، فينساب ينبوع الذكريات العذبة الندية. ذكريات الأيام السعيدة التي أمضاها مع شريكة العمر التي فارقته باكراً، وخلّفته وحيدا يعاني الوحشة والكآبة، وهو ينتظر من يجبر عثرة القلب الكسير.... وينتشله من أعماق بئر العزلة))(72) .‏

وها هو يتذكرها، حين كانت تأتي متسلّلة على رؤوس أصابعها لكيلا توقظك، تجهّز لك أبريق الوضوء، وقهوة الصباح، وطعام الإفطار من العسل... من الشهد الصافي))(73) .‏

وتنساب هذه الذكريات لتضفي مزيداً من الدفء والحميمية على جو الرواية، وعلى تلك العلاقات الإنسانية المميّزة، التي تؤلّف بين الناس. في مجتمع الرواية الذي يمثل أبناء المخيّمات في بيروت قبيل الاجتياح عام 1982 وأثناءه، ولتخّفف، أيضاً، من وطأة الواقع، وتبدّد وحشة الزوج، وإحساسه بالكآبة والموت. فتكون الواحة التي يستروح في ربوعها، والبلسم الذي يداوي جراح القلب، ويبدّد كرب الواقع وقلقه.‏

يتساءل الشايب: لماذا تمر بخاطره ذكرى تلك المرأة الوفية. المرأة الفلاحة التي تستيقظ قبل صياح الديك. التي تشتغل في الحقل، وترّبي الدجاج في البيت، وتطبخ وتخبز، وفي آخر الليل تنضو ثوبها الأسود، وتندس بجسدها الأبيض الطري. تنام بجانبك في العتمة وتلتصق بك. فيضيء الكون، وتتوّرد الأشياء، ويصبح للمساء طعم التفاح. وفي الصباح الباكر قبل آذان الفجر. تسخّن لك الماء، لتستحم حتى تذهب إلى المسجد طاهراً))(74)

هكذا تنقلنا الرواية عبر ذكريات الزوج إلى عالم الحاجة فاطمة البسيط الوادع.. فنتعرف عالمها، والبرنامج اليومي لحياتها، ونقف على تصرفاتها وطباعها، ومن ثم علاقتها الزوجية الحميمية عبر تلك اللوحة الحية والموحية التي رسمها الكاتب، مقدماً بذلك معنى العلاقة الجنسية... من داخل الشخوص، فاستغل الخيال الجميل، والرؤى ذات الدلالة الإنسانية، بدلاً من الإسهاب الممل في رسم دقائق العلاقة نفسها. وليس من) شك، أن التأمّل الدقيق في عرض الانفعالات النفسية التي تبطّن أية علاقة اجتماعية، أشق بكثير من الوصف الخارجي لهذه العلاقة. بل إن مقاييس الفن العظيم هو مدى تغلغله في النفس الإنسانية، لا مدى قدرته على التقاط الظواهر السطحية))(75) .‏

وتتلاحق الذكريات في رأس الشايب، فتتضح الصورة أكثر فأكثر. كانت امرأة طاهرة، نظيفة القلب والروح.. تفيض البركة من كفيّها. على شفتيها صلوات الشكر على النعمة، حتى في أيام الشدة.. تحب الناس. بيتنا لم يكن يخلو من الضيوف... هي سيدة البيت، وأحياناً هي رجل البيت. لا تنسى أحداً من الأقارب. لا تنسى العائلات المستورة، تعطي مما يعطينا الله بسخاء. تشكر الله على نعمه، وتصوم رمضان، وتطعم المساكين، وفي المناسبات الدينية، تقوم بالواجب، وبما تتطلبه العادات والتقاليد، وكانت تهتم بهندامي لكي أظل- كما كانت تقول- زينة الرجال. لم تنجب لي أطفالاً. لم أتزوج عليها، وعندما كان الحزن يعصف بقلبها لأنها عاقر.. كنت أخفّف عنها، وأقول لها: إن الخصب ليس بالحمل والولادة. الخصب في شخصيتها الكريمة، وأخلاقها النبيلة.. الخصب في كرمها وعنفوانها. وجمال جسدها))(76) .‏

ولذلك فهو لم يتزوج عليها، لم يفكر بسواها، حتى بعد أن رحلت، ظل وحيداً وفيّاً لذكراها، لقد اختطفها الموت فجأة. ذات ليلة بعد أن استحمّت، ومشّطت شعرها، حيث أصبح الصباح، فإذا بقلبها يكفّ عن الخفقان))(77) .‏

فمن خلال ذلك التقرير السردي الوصفي الذي ساقه الكاتب على لسان الشايب، وقد بدأ شريط الذكريات ينساب بتدّفق وحيوية، قدّم لنا صورة، واقعية حية مشرقة، لنموذج الزوجية الصالحة، وجاءت الصورة تنضح بالمودة والرحمة، وهي تبرز العلاقة الإنسانية الحميمية بين الزوجين- وكذلك الحال بين سائر الأزواج في الرواية -إذ يسود الحب والتفاهم والاحترام تلك العلاقة، فنستشعر فيها الدفء، والتراحم والعدل والمساواة. كما نلمس فيها الصبر على الشدائد وتذليل الصعاب.‏

ولا عجب في ذلك، فكل ما في الرواية يشي بالأمل والتفاؤل، وحب الحياة، على الرغم من قساوة الواقع، وما يحفل به من قلق وخوف وترقّب ودمار وموت، ومن هنا جاءعنوانها يحمل التفاؤل، فهي ليست مرثية لمن ماتوا، وإنّما هي نشيد الحياة لمن بقي، ويبقى من رجال الثورة))(78) ، وأبناء المخيّمات. إنّها نشيد لهؤلاء الذين يتشبثون بالحياة ببسالة وأمل وعنفوان.‏

هكذا قدّم الروائي الفلسطيني صورة متنوّعة الدلالات لنموذج المرأة التقليدية الإيجابية، وقد اتسم هذا النموذج بالصدق والواقعية، والطيبة المحبّبة والجرأة، والقدرة على العطاء. وبرز الدور الفاعل لهذا النموذج في المحافظة على كيان الأسرة الفلسطينية، أو ما تبقى منها بعد فقد الزواج في معركة الكفاح الوطني المشّرف.‏

*) - استنفدت في تسمية بعض النماذج التي شملها الباب الثاني من البحث، من مقال الدكتورة ماجدة حمّود: "المرأة في روايات سحر خليفة" المعرفة، دمشق، العدد 373، ت1، عام 1994، ص 189-208).‏

(1) - فرّاج، عفيف: الحرية في أدب المرأة، 258.‏

(2) - "الصبار" 59.‏

(3) - الصبار 63.‏

(4) -الصبار 98.‏

(5) - الصبار 98.‏

(6) - الصبار 65.‏

(7) -عبده، سمير، المنزلة النفسية للمرأة العربية، منشورات دار الأضواء، بيروت، ط1، 1986 ص 11-12.‏

(8) - الصبار 64.‏

(9) - الصبار 64.‏

(10) - الصبار 91.‏

(11) - الصبار 166.‏

(12) - الصبار 90.‏

(13) -الصبار 91.‏

(14) - الصبار 165.‏

(15) -الصبار 59-60.‏

(16) -الصبار 170.‏

(17) -الصبار 170.‏

(18) - المصدر السابق 170.‏

(19) - الصبار 170-171.‏

(20) - الصبار 172.‏

(21) - المصدر السابق 172.‏

(22) - حمودة، د. ماجدة : "المرأة في روايات سحر خليفة" المعرفة، العدد 373، عام 1994، ص 200.‏

(23) - أبو بكر، وليد: الواقع والتحدي في رواية الأرض المحتلة ص /56.‏

(24) - الصبار : 45.‏

(25) - المصدر السابق 45.‏

(26) - الصبار : 10.‏

(27) - الصبار : 35.‏

(28) - الصبار : 35.‏

(29) - المصدر السابق 37.‏

(30) - الصبار : 35.‏

(31) - المصدر السابق 35.‏

(32) -الصبار : 37.‏

(33) -المصدر السابق 44.‏

(34) - حمودة، د. ماجدة : "المرأة في روايات سحر خليفة" المعرفة، العدد 373، عام 1994- ص200.‏

(35) -العشاق 58.‏

(36) -العشاق 59.‏

(37) -العشاق 57.‏

(38) -العشاق 211-212.‏

(39) -العشاق 60‏

(40) - المصدر السابق 61.‏

(41) - العشاق 60.‏

(42) - المصدر السابق 60.‏

(43) - المصدر السابق 60.‏

(44) - جبرا، جبرا إبراهيم : الفن والخلق والفعل. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت ط2/ 1988. ص 354.‏

(45) - العشاق 67-68.‏

(46) - المصدر السابق 61.‏

(47) - المصدر السابق 59.‏

(48) - العشاق 59.‏

(49) - بسيسو، عبد الرحمن: استلهام الينبوع 137.‏

(50) - الصبار : 167.‏

(51) - عباد الشمس 85.‏

(52) -المصدر السابق 219.‏

(53) -المصدر السابق 30.‏

(54) -المصدر السابق 36.‏

(55) -عباد الشمس 23.‏

(56) - المصدر السابق 23.‏

(57) - المصدر السابق 23.‏

(58) - عبده، سمير: المترلة النفسية للمرأة العربية 35.‏

(59) - عباد الشمس 29.‏

(60) - عباد الشمس 73.‏

(61) - المصدر السابق 34.‏

(62) -أبو بكر . وليد: الواقع والتحدي في رواية الأرض المحتلة 66.‏

(63) - المرجع السابق 92.‏

(64) - عباد الشمس 220.‏

(65) - عباد الشمس 228.‏

(66) - المصدر السابق 274.‏

(67) - عباد الشمس 278-279.‏

(68) - أبو بكر ، وليد: الواقع والتحدي في رواية الأرض المحتلة / 92.‏

(69) - عباد الشمس 273.‏

70- الراعي، د. علي: الرواية في الوطن العربي 235- 236.‏

(71) - عبد، عبد الرزاق: في سوسيولوجيا النص الروائي. الأهالي. دمشق ط1/ 1988، ص / 203- 204.‏

(72) -نشيد حياة: 146 بتصرف‏

(73) -المصدر السابق 65‏

(74) -المصدر السابق 65‏

(75) -شكري، د.غالي: أزمة الجنس في القصة العربية. دار الشروق. القاهرة. ط1/1991ص52‏

(76) -نشيد الحياة 65‏

(77) -المصدر السابق 65-66.‏

(78) -الراعي، د. علي: الرواية في الوطن العربي 242‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244