|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:33 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثالث نموذج المرأة المثقّفة تمهيد: استحوذ نموذج المرأة المثقفة على اهتمام الكثير من الروائيين الفلسطينيين، وشغل حيزاً بارزاً داخل النص الروائي، سواء أكان ذلك في الأحداث، أم في المقاطع السردية، ولعل السبب في ذلك الحضور يعود إلى قدرة هذا النموذج في التعبير عن فكر الكاتب، ورؤيته للعالم من حوله، فهو يعلّق عليه الكثير من الآمال على الصعيدين الاجتماعي والوطني(1) . وبما أنّ المثقف إنسان علم ومعرفة، وموقف حضاري عام تجاه عصره ومجتمعه. إنسان شديد التأثير بالبيئة الاجتماعية المحيطة به، كما أنه في الوقت نفسه، إنسان شديد التأثر في وسطه الاجتماعي، وفي محيط عالمه وعصره، وذلك لما له من قوى فكرية خاصة، ومواهب روحية ونفسية متميزة))(2) فإننا نجد الكاتب الفلسطيني يثير عبر شخصياته المثقفة، ولا سيما النسائية، أبرز القضايا التي تتصل بعالم المرأة، وقضيتها، إضافة إلى طرح بعض الأسئلة التي تدور حول دور المثقف في تحرير المرأة، ودفعها إلى دائرة الفعل الهادف والبناء. وإذا بحثنا عن الانتماء الطبقي والأيديولوجي للمثقفين والمثقفات في الرواية الفلسطينية، وجدنا أنهم ينحدرون من طبقات المجتمع كافة، ولا سيما من أوساط الطبقة الشعبية الكادحة التي دفعت، غالياً ثمن الهزيمة وتردي الوضع العربي في مراحل معينة من تاريخ القضية. ولدى العودة إلى الرواية الفلسطينية تتضح أمامنا معالم الصورة الحقيقية لنموذج المرأة المثقفة، تبعاً لتباين اهتمامات المرأة المثقفة، وتنوع صورها. بدءاً من نموذج المرأة المثقفة الضائعة، ومروراً بنموذج المثقفة الانتقالية الباحثة عن ذاتها، وانتهاءً بالمثقفة الواعية التي تسعى لتحقيق وجودها وتأكيد هويتها. أولاً: نموذج المرأة المثقفة الضائعة: 1-عفاف "مذكرات امرأة غير واقعية" تفصح افتتاحية رواية "مذكرات امرأة غير واقعية" بصورة واضحة وصريحة عن مقصد الرواية، إذ تضعنا مباشرة في صلب القضية. إنها القضية التي تؤرق عفاف. ومن خلالها المرأة العربية، وهي قضية الانتماء))(3) . إذ تبدأ الرواية بهذا التعريف على لسان عفاف: أنا ابنة المفتش، وبقيت كذلك حتى تزوجت، وأصبحت زوجة تاجر، وأحياناُ أكون الاثنين معاً، فحين يسخر الزوج يناديني: "يا ابنة المفتش"، وحين يغضب الوالد يناديني يا امرأة التاجر))(4) . وعفاف كما تقدمها الرواية، عبر مذكراتها وتداعياتها، وتعيش حالة من القلق والضياع، وعدم التكيف مع محيطها الاجتماعي، فالتناقض قائم بين الذات الجوهرية الكامنة في الداخل، و.. الذات الاجتماعية التي يتقبلها الآخرون، والبون شاسع بين ما ترتئيه هي كحسن فهم واتزان.. وما يرتئيه الآخرون في هذا المضمار))(5) . وتكشف الرواية عن ماضي عفاف، وسيرتها الحياتية، فهي تنحدر من أسرة برجوازية متوسطة، تقيم وزناً كبيراً للعادات والتقاليد. أخواتها البنات متزوجات من كبار الموظفين، أما إخوتها الذكور فمنهم المحامي والطبيب والمهندس. وتتلخص أزمة "عفاف" النفسية في معاناتها الشعور بالوحدة والقلق والإحباط، نتيجة حياتها الزوجية التعيسة، ووعيها العميق بتناقضات الواقع السلبي الذي عاشته، وورثته بكل أعبائه، من غير أن تستطيع الانسجام معه، أو تحاول العمل على تغييره. وقد بدأ شعورها بهذا التناقض يتنامى منذ طفولتها إلى ما بعد زواجها العاثر، من رجل تاجر، لا يعبأ بمشاعر الحب، ولا يفهم إلا لغة الأرقام . فانقطعت بينهما كل سبل التفاهم والتواصل والانسجام، ولاسيما بعد أن أجهضت، وأصيبت إثر ذلك بالعقم. وعلى الرغم من إحساسها المرير بالخيبة والتفاهة، وهي تعيش واقعاً صعباً، حافلاً بالمتناقضات، في ظل رجل كريه، اعتاد وجودها رغم العقم، تنظف بيته، تطبخ له، تستسلم لنزعاته البهيمية والسادية، ولا تلوم أو تعاتب، بعد أن اعتادت ويئست))(6) . تستمر في حياتها الزوجية حفاظاً على اسم العائلة المجيدة وسمعتها. تعيش في غربتها المكانية والنفسية. تحس بالفراغ والوحشة. بل تحس أنها دودة قز في شرنقة ومع الوقت انقلبت دودة حقيقية... لا تقوى على شيء إلا ممارسة الزحف))(7) . بعد أن باتت تعيش في غربتها الداخلية، تنسج من أحلامها الجميلة عالمها الخاص الذي ينسجم مع تطلعاتها، ويحقق لها بعض التوازن النفسي، ويخفف من شعورها بالتعاسة والإحباط. أمّا إذا حاولت التعبير عن رفضها وتمردها، ومايغتلي في داخلها من شعور بالنقمة والغبن، فإنها لا تلقى إلا الزجر والإهمال والتسخيف، ولذا يبقى تمردها تمرداً داخلياً سلبياً، وإن تجلت فيه مظاهر النقمة على سلبيات الواقع الاجتماعي الذي تعيشه، إذ لا يرقى هذا التمرد إلى مستوى الوعي الحقيقي، والفعل الهادف البنّاء. ومن هنا لا يلقى تمردّها صدى على أرض الواقع. إنه تمرّد عاجز، ناتج عن الإحساس العميق بالعطالة والفراغ النفسي والعاطفي.. إنّه تمرّد يأخذ صفة الهروب والانطواء على الذات، وتطغى عليه سمة رومانسية. وهذا ما يفسر لجوء "عفاف" إلى عالمها الخيالي باستمرار، للتعويض عما تصبو إليه في الواقع: كنت أعلم أنّي في أحلك الساعات، وأضيق الزنزانات، قادرة على فتح نافذة في رأسي، أنفلت منها إلى عالم مليء بالبهجة والفرح... شخصيات القصص تنقلب إلى أحياء أتفاعل معهم لدرجة الاندماج.. في عالمهم))(8) . وتعود الرواية، عبر مذكرات عفاف ومنولوجاتها الداخلية، لتكشف مقدار المعاناة والتناقضات التي عاشتها منذ طفولتها إلى ما بعد زواجها، ولا زالت المرأة العربية تعيش مثل هذه التناقضات، على الرغم من المسافة الكبيرة التي قطعتها في طريق تحررها، وممارسة حقّها في العلم والعمل، واختيار الزوج، وشغل بعض الوظائف التي كانت حكراً على الرجل. تنعطف الرواية إذاً، إلى ماضي "عفاف"، لتصوّر حالة التناقض والازدواجية والاستلاب التي عاشتها، فقد عانت من المجتمع، ومن ذويها، شتى صنوف الضغط، من زجر وعقاب، وإهمال، في مجتمع ذكوري، مازال يميز بين الجنسين، ويعد الجرأة والصدق وقاحة))(9) ، وممارسة الأنثى لحقها في الحياة، ضربا من الهذيان واللاواقعية، ولكي تكون المرأة مقبولة اجتماعياً، حائزة على رضى الآخرين واحترامهم، يتوجب أن تكون واقعية، والواقعية كما تعبر عنها عفاف بسخرية مرة، تعني الرضى بالواقع، والتأقلم معه وفيه، والانخراط في مسالكه لدرجة الاستشهاد في سبيله))(10) . إن فشل.. "عفاف" في إنجاز أي شيء يستحق الذكر، حين ألقت سلاح المقاومة، وأقنعت نفسها بأن تكون واقعية، وتعيش حسب الأطر المرسومة لها، لدليل على أن الكاتبة لا تؤمن بمثل هذا الحل، خاصة وأن بريقا من السعادة... أشرق في حياة عفاف، حين قررت أن الحاضر كابوس، لابد وأن تتخلص منه، وتلتقط خيوط الماضي.. خيوط الثورة والذات.. عند ذلك فقط شعرت بوجودها وإنسانيتها، وأشرق في نفسها أمل كبير بمستقبل سعيد))(11) . وقد كان ذلك إثر لقائها بصديقتها "نوال" الشابة الثورية العصامية). ولكن سرعان ما يتبدد هذا الإشراق، أمام رياح الواقع العاتية، وضغوط الأهل والمجتمع والزوج، فتعود إلى عالمها المغلق، لتنسج من خيالها عالماً جديداً تتلاشى فيه المسافة بين الواقع والمثال. وتنتهي الرواية من حيث بدأت، لتعود عفاف إلى الطريق المسدود، الذي مازالت المرأة العربية تحاول اختراقه بشتى السبل، من أجل حريتها وإثبات وجودها، وتأكيد هويتها. فتأتي خاتمة الرواية بما تحمله من إيحاء ومغزى، لتدل على وعورة الطريق، والصعاب التي لا زالت تواجه المرأة العربية: تأملت باب المغارة، مازال مسدوداً بالأشواك والحجارة وأعشاب الزمن...))(12) . هكذا كان طريق الخلاص والتحرر أمام "عفاف" مرصوداً ومحفوفاً بالعقبات، وبعض المشكلات التي تأتي في مقدمتها، جملة من القيود الاجتماعية، والضغوط المتمثلة في سلطة الأهل، ومن ثم الزوج، إضافة إلى سطوة بعض العادات والتقاليد السلبية التي تضغط على الفرد، وتدفعه- في بعض الأحيان- إلى النكوص، فيمسي عاجزاً عن القيام بأي مشروع ذي نفع، على صعيد تحقيق الذات، وإثبات الوجود، كما حصل مع عفاف. 2- لمى عبد الغني، ومريم الصفار: "السفينة، والبحث عن وليد مسعود" وإذا كان طريق الخلاص والتحرر قد أصبح سالكاً -إلى حد بعيد- أمام سائر نساء جبرا العراقيات، المثقفات البرجوازيات، اللواتي أتيحت لهن فرصة السفر والتعلم، والحصول على شهادات عالية، وشرعت الأبواب أمامهن للمشاركة إلى جنب الرجل في شتى الميادين الاجتماعية والثقافية والفكرية والعلمية، بعد أن أتاحت لهن ظروفهن، ممارسة الكثير من حقوقهن، بعيداً عن رقابة الأهل، وسلطتهم، فهل استطعن تجاوز سلبيات الواقع وتناقضاته، وتحقيق ذواتهن، وتأكيد هويتهن بجدارة وفاعلية؟ سؤال يمكن الإجابة عنه، إثر دراستنا لشخصيتي "لمى عبد الغني، ومريم الصفار" في روايتي جبرا إبراهيم جبرا السابقتين. قبل البدء بدراسة هاتين الشخصيتين، لابد من الإشارة إلى أن شخصية المرأة الفلسطينية في أعمال جبرا شبه غائبة، ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن حياة جبرا، مكانها وإنسانها، كانت على صلة بالبيئة العربية يومياً، أما الصلة بالكتلة البشرية- المخيمات- التجمعات السكانية للفلسطينيين، فكانت شبه معدومة كعلاقات يومية، الأمر الذي لم يتح لجبرا تقديم شخصيات متخيلة... وربما كان جبرا في وعيه لا يفصل بين أوضاع المرأة العربية، إن كانت فلسطينية أو عراقية، أو مصرية في الجانب الإنساني -الحقوقي- الاجتماعي، فوجد في شخصياته النسائية تعبيراً شاملاً عن المرأة العربية ككل، بما فيها الفلسطينية. وإذا كان جبرا من الأدباء الذين يرمزون إلى الأرض بالمرأة، عندها يصبح واقع افتقاد الأرض الفلسطينية أساساً لغياب المرأة الفلسطينية في أعماله الروائية..))(13) . ولا نكاد نعثر فيما بين أيدينا من روايات جبرا، إلا على أربع شخصيات نسائية فلسطينية هامشية هي: "ليلى شاهين" في "صيادون في شارع ضيق" (14) التي استشهدت تحت القصف الإسرائيلي، وبقيت ماثلة في ذاكرة "جميل فران". ونعيمة زوجة" وديع عساف" في السفينة التي ماتت أثناء الولادة، وأم مروان "ريمة" زوجة وليد مسعود التي أصابها مس من الجنون، فأدخلت مشفى للأمراض العقلية في بيت لحم. وأخيراً شخصية "رباح كمال" التي التقاها وليد في بيروت، وهي تفاخر بالقبلة الأولى من وليد. أما حضور المرأة العربية -العراقية، التي تنتمي إلى الطبقة البرجوازية المثقفة، فكان حضوراً بارزاً ومميزاً. ففي روايتيه السفينة، والبحث عن وليد مسعود) يقودنا جبرا إلى عالم البرجوازية من خلال مجموعة من نماذج المثقفين البرجوازيين بعلاقاتهم الاجتماعية المتشابكة، ضمن دائرتهم المكتظة بالكتب والتي تفوح منها رائحة الخمر، وأجساد النساء، ويعلو الضجيج حول مسائل فكرية أرهقت المثقفين الغربيين. منذ صعود البرجوازية الأوروبية... عالم هؤلاء بخلفيتهم الطبقية والثقافية واهتماماتهم الفنية والفكرية، وعالم الفلسطيني وديع عساف، ووليد مسعود) في وسطهم، برجوازي المنفى، المتميز ذهنياً "وروحياً"... المشدود إلى الذاكرة والوطن. عالم هؤلاء جميعاً هو عالم جبرا إبراهيم جبرا))(15) . وبمعنى آخر، يمكن القول: إن الهرب، النفي، الوحدة، الانتحار، الاغتراب، فلسطين، قلق المثقف المعاصر، وخصوصاً المثقف العربي، كل هذه هي المواضيع الرئيسية التي يستكشفها جبرا))(16) في أعماله الروائية ولا سيما في روايتيه: السفينة والبحث عن وليد مسعود. وقد كان لوعي جبرا إبراهيم جبرا الفكري والاجتماعي بواقع الطبقة البرجوازية، والتناقضات الحادة التي يعيشها أبناؤها، وتوزعهم بين قيم قديمة موروثة. تجسدها العائلة، وبعض العادات والتقاليد في المجتمع من جهة، والعلاقات الجديدة الوافدة مع التطور الحضاري من خلال الاحتكاك المباشر بالغرب الحضاري من جهة أخرى، الأثر الكبير في جعله يضع أبناءها في مواجهة مباشرة أمام تلك التناقضات، يعانون حالة من التمزق والقلق والضياع، فتختلف ردود أفعالهم واستجابتهم، فمنهم من يثبت، ويحقق ذاته بوعي ومنطقية، ويتفاعل مع محيطه، ويؤثر فيه. ومنهم من يتعثر أو يسقط، حين يغلّب العاطفة والهوى على العقل والمنطق، وتطغى نزعاته المادية على الجانب الروحي والعقلي، فيكون لسقوطه دوي صاخب، سواء أكان هذا السقوط عن طريق الاحتراق في حمى الجسد، أم الانتحار يأساً واحتجاجاً، أم معاناة الشعور بالوحدة والقلق والضياع، بسبب مجموعة من الشروخ والتمزقات التي تعيشها الشخصية، وهذا ما يعلل ضياع عدد غير قليل من شخصيات جبرا الروائية، ولا سيما النسائية منها. لقد أتاحت الظروف لكل من لمى عبد الغني في "السفينة" ومريم الصفار في "البحث عن وليد مسعود" -وكذلك لمعظم الشخصيات النسائية لجبرا- فرصة التحرر من كثير من القيود الاجتماعية، والضوابط الأخلاقية التي تضبط سلوك الإنسان، وهما تجسدان هذا التحرر، بل هذا الانطلاق، في الدراسة في الخارج، وحرية الرأي والتصرف والحب، والعمل والتنقل، ولكن جبرا عمد إلى صياغة كل منهما تمثالاً مجوفاً للحرية، لأنهما أساءتا التصرف بهذا الحق، فجاءت تصرفاتهما ومواقفهما خالية من أي معنى فكري، أو اجتماعي أو أخلاقي، لتعبر عن الأزمة الحقيقية التي تعيشها كل منهما، وهما في قمة الحيرة بين معنى الروح والجسد، بين الحب الحقيقي والجنس، بين الحرية بمفهومها الحقيقي، والحرية التي تعني الانفلات والإباحية، فكان الجنس تعويضاً عن قلقلهما واغترابهما. وإذ يطرح في روايتيه، بعض القضايا الاجتماعية والفكرية والنفسية، التي ترتبط بالمرأة المثقفة المتحررة المنطلقة على الطراز الغربي، فإنه يركز، بصورة خاصة، على تفسخ العلاقات الأسرية والاجتماعية في المجتمع البرجوازي السطحي، ويبرز هشاشة الشخصية المثقفة، وقلقلها، حين لا تستند إلى ثوابت معينة، أو تنطلق من أيديولوجية واضحة ومحددة، تنبع من صميم الواقع، بغية تجاوز سلبياته. ولذا نجد الشخصية، حين لا تستطيع المواجهة، تلجأ إلى الهروب. عبر البحث عن المتعة الحسية الجنس والخمر) والتستر وراء المظاهر الخادعة، السفسطة الكلامية. وهذا ما نلمسه لدى لمى الحمادي وزوجها، وعشيقها. وكذلك لدى مريم الصفار وزوجها وعشاقها في كثير من الأحيان. ونبحر مع جبرا على سفينته إلى عالم المرأة المثقفة الضائعة المتمثل في السيدة البغدادية" لمى عبد الغني" لنقف على معالم صورتها، وأبعاد شخصيتها، ثم نعبر من خلالها إلى شخصية السيدة البغدادية الأخرى "مريم الصفار" التي تعد امتداداً لشخصية "لمى". فكلتاهما تعيش حالة من القلق والضياع، وإن وجدت بينهما بعض الفروق التي تميز كلاً منهما عن الأخرى. تقدم "السفينة" لمى عبد الغني، بقوامها الجميل، ومظهرها الجاذب، وشخصيتها المنطلقة، التي توحي بالحرية والانفلات واللذة))(17) . تخرجت من جامعة أكسفورد، وهي ذات نزعة أرستقراطية متعالية، تنحدر من أسرة برجوازية مثقفة ومتنفذة، أطاحت بها ثورة عام 1958، فخسرت معظم امتيازاتها. تعمل "لمى" محاضرة في جامعة بغداد، وكانت لها بعض النزوات التي تدل على انطلاقها وشبقها، فقد استطاعت أن تقنع زوجها الدكتور فالح حسيب) بالسفر على متن السفينة، وهي تبغي من وراء ذلك ملاحقة عشيقها "عصام السلمان"، والبحث عن السعادة، والمتعة الحسية، والهروب من الماضي ووطأة الحاضر، وقد استحوذت على إعجاب العديد من الرجال على ظهر السفينة. وعلى الرغم مما تبدو فيه، من مظاهر الترف والمرح والانطلاق، كانت تعاني أزمة نفسية حادة، نتيجة للصراع المحتدم في داخلها، بين الوفاء للزوج الذي اضطرت للاقتران به تحت ضغط الظروف، والاستجابة لنداء القلب والجسد، بعد أن حرمت من الزواج من عصام السلمان بسبب ممانعة الأهل، وسطوة بعض العادات والتقاليد التي فرقت بين الحبيبين عصام ولمى) لوجود ثأر بين العائلتين. وكان لزواجها العاثر أثر بالغ فيما تعاني منه، إذ زادها إحساساً بالتناقض بين الواقع والحلم، ودفعها إلى الإغراق في البحث عن المتعة والسعادة، والجموح في أهوائها. لقد كانت لـ "لمى" شخصيتها القوية منذ فترة مبكرة من عمرها، حين أعلنت رفضها لأوامر الأهل ونواهيهم، وبدأت تستقل برأيها، وتفكر بنفسها، فاستطاعت أن تتابع دراستها في أكسفورد، وهناك عرفت "عصام" وارتبطا بعلاقة عاطفية جنسية. وحين أوشكت على نهاية دراستها، وحصلت على درجة الماجستير في الفلسفة، ازدادت ثقة بنفسها وبقدراتها، وبتفتح وعيها. تقول: شعرت كأنني في ثلاثة أعوام قد عشت مئة عام. نضحت، وغدوت حكيمة جداً))(18) . فكبرت أحلامها، وتمادت في علاقتها مع عصام السلمان. ولكن على الرغم من ذلك الشعور الذي يمنحها الثقة بالنفس، لم تستطع تحديد هدفها في الحياة، ولم تضع حداً لتصرفاتها المتطرفة، ولعواطفها الجامحة، فكانت أول الخاسرات، وكان لانتمائها الطبقي، ولمركزها الاجتماعي والثقافي، ولجمالها، وحسن مظهرها، أثر بالغ في تنامي نزعتها السادية التي مارستها على زوجها حين كان تثير غيرته، وحفظيته، وتستنفره، وكذلك كانت تفعل مع عشيقها، وبعض المعجبين. ويأتي وصف "وديع عساف" لها، وهي ترقص بغنج ودلال، ليؤكد تلك النزعة: لقد كانت شيئاً مستحيلاً، آلهة تترنح بين الحلم والحقيقة، أو جسدأ شيطانياً لفظته الأمواج من قمقم قديم. كانت عيناها مكحلّتين بأسود... فتبدو العينان واسعتين، تجسدان توق الشعراء والرسامين، وأوهامهم اللذيذة. الغانية الذكية، فريسة الهوى التي تفترس محبيها... وحتى جسدها وهو يتثنى، ويتكسر، ويبرز الخفي والشهي، يبدو ولوهلة ما، كأنه يذوب في النسيم، ويشف ويتلاشى))(19) . وقد كانت تلك الرقصة هي الحكم على زوجها بالموت. ويؤكد "عصام السلمان" تلك النزعة، وهو يعبر عن غضبه منها، وتوقه إليها، حين كانت تعاتبه، وتحمله تبعات زواجها من قريبها، وتذكره بالماضي، وبقتل والده لعمها. يقول: تلويت على مقعدي، وأنا لا أدري ما الذي تريده مني هذه السادية الشريرة التي كرهتها في تلك اللحظة، كراهيتي لأبي، لماضي، لحاضري... لكل ما يحيط بي من حياة وعنفوان. وودت لو أقع على جسدها أنهشه حقداً وشهوة))(20) . ولم يستطع "عصام السلمان" تحديد موقفه النهائي من "لمى" وطبقتها، فهو على الرغم من انتمائه إلى الطبقة الكادحة، كان ذا نزعة برجوازية. ولذا اتسمت مواقفه منها بالتعاطف حيناً، والتناقض أحياناً. فهو العاشق الذي يحبها ويشتهيها، يتوق للقائها، ويدعي الإخلاص لحبه، وفي الوقت نفسه كان كارهاً لطبقتها، حاقداً عليها، متشفياً مما جرى لها إبان ثورة 1958)، ومن هنا لم يستطع أن يكون وفياً أو ناصحاً وموجهاً لـ "لمى" بل اكتفى بالنهل من جسدها المتفجر بالأنوثة واللذة، في غفلة من زوجها. فروى ظمأها وارتوى. كما روت السيدة "مريم الصفار" في رواية "البحث عن وليد مسعود" ظمأ جسدها الشبق، من خلال علاقاتها المتعددة مع أكثر من رجل. * تبرز "مريم الصفار" بحضورها وثراء شخصيتها الروائية. متزوجة تعسة، ومطلقة منطلقة. أحبت "وليد"، اقتحم جسدها الشبق، فأروى ظمأه. نراها جميلة، "متحررة" لا تضع رادعاً أمام إلحاح جسدها المتفّجر، فأقامت علاقات تصل إلى حد الابتذال والهوس الجنسي، عرفها الدكتور طارق، وعامر، وآخرون إضافة إلى وليد... نعرفها من خلال مذكراتها "فتتكشف" أمامنا لاهثة، متقطعة، متوترة، تكشف عن ذاتها المريضة حتى النهاية))(21) إذ كانت تعاني حالة من الأرق والصداع وتعيش توتراً حاداً. كانت تجد متعة فائقة، وهي تشبع ميولها النرجسية حين تجتذب رجلاً غير عادي، مثل عامر عبد الحميد: متعالياً، أنوفاً، مرموقاً، يخالط النساء والرجال بالعشرات، ينتهي إلى صدري- كما تقول- طفلاً ساذجاً، عاجزاً يطلب مني حمايته من العالم))(22) . وهي تعبر عن تلك المفارقة بألم وحسرة: أي حماقة، وأنا الواقعة بين حجري رحى: بين اندفاعاتي المهووسة، وبين شقائي الزوجي. أنظر إلى وجهي في المرآة، وأحس بجماله إحساساً نرجسياً، ولكنني أحس أيضاً بلعنة تخالطه، ولا أعرف أين تكون حمايتي منها))(23) . ومريم، كغيرها من شخصيات جبرا النسائية، مثقفة برجوازية، متحررة على الطريقة الأوروبية، ذات ميول أدبية، ينم عنها حديثها، وتتضح في مذكراتها واعترافاتها التي دونتها في دفترها السري، ووضعته تحت تصرف الدكتور طارق رؤوف، طبيبها النفسي الذي بات طبيباً لمرضها، وعشيقاً لجسدها، وكاهناً لمراسيم كوابيسها اليومية))(24) . وتكشف مذكراتها اضطرابها النفسي، وطبيعة تكوينها الفكري والاجتماعي، كما تفصح عن شهوتها المحتدمة التي لا تنطفئ، بأمانة عجيبة))(25) . لقد كان إخلاصها للجسد أكبر من إخلاصها للحب والزواج، كما هو شأن "وليد مسعود" ذلك الغريب الذي اقتحم جسدها، ونقلها إلى عوالم أخرى. مثلما اقتحم جسد الكثيرات ممن عرفهن. ولكن مريم أولعت برجولته، وبقدراته الكبيرة على ممارسة الجنس، وهي تعلن ذلك بصراحة: ما استطعت أن أحب أحداً بعد وليد. الجنس؟ لا. الجنس أمر يختلف عن الحب بالمرة) ))(26) . ويتساءل الدكتور طارق رؤوف، وهو يحاول تحليل عقدة "وليد مسعود" "الدون جوانية"، وسر انجذاب النساء إليه، ملقياً الضوء -في الوقت نفسه- على أزمة "مريم الصفار" النفسية، وكذلك أزمة سائر النساء اللواتي عرفهن "وليد": هل كانت عقدة وليد "الدون جوانية" أنه في أعماق لا وعيه، يخشى أن يفقد رجولته، فراح يلوح بها في الأسرة يميناً وشمالاً، رجل ضائع في حقيقة الأمر، متروك ككثير من المشردين مثله ييُوهْم من القوة، لِوَهْمٍ من الوطن، لِوَهْمٍ من الانتماء، يسعى نحوها بعزيمة لا تكل، ولا يلقاها إلا بتلويحه في حالات اليأس، بهذا الذي يعوض له عن فقدان آخر. من هنا كانت قدرته الشاذة على إقامة العلاقات مع النساء... المقيمات في غربة جسدية داخلية، حين تنقطع بهن خيوط الحياة، يسحرهن الغريب العابر.. الذي يحملهن، ولو يوماً واحداً من وادي الوحشة والكآبة، إلى أعالي الجبال المشرفة على رحاب الدنيا ومدنها ومتاهاتها))(27) . كم حمل "مريم" وحلق بها في رحاب النشوة، منطلقاً إلى عالم الوهم والضياع والقلق، والسعادة الزائفة. هكذا جسدت شخصيتا "لمى عبد الغني" و "مريم الصفار" نموذج المرأة البرجوازية المثقفة الضائعة، وقد تجلى ضياعهما في عجزهما عن تجاوز حدود الذات الضيقة، وعدم قدرتهما على صياغة أي مشروع ذي نفع على الصعيدين الخاص أو العام، وتجلى، أيضاً، في سقوطهما المروّع في حمّى الجسد، وقد انتهكتا قدسية ذلك الرباط الزوجي المقدس، وكل القيم الأخلاقية، فوقعتا فريسة القلق والوهم والضياع، بسبب البحث عن المتعة الحسية، بعد أن ألقتا بنفسيهما في أتون الرغبة إرضاءً لنزعة كلٍّ منهما: سادية لمى، ونرجسيّةٍ مريم. وإذ يعرض جبرا صورة معبرة عن تلك العلاقات المتفسخة في المجتمع البرجوازي- سليل الإقطاع- من خلال تصويره لشخصيتي " لمى عبد الغني" و "مريم الصفار" وعلاقة كل منهما بأكثر من رجل واحد، فإنه يعبر عن مفهومه لمعنى الجنس، إذ يرى أن العلاقة بين المرأة والرجل البرجوازيين، لا ترتقي إلى مستوى العلاقة الإنسانية النبيلة، لأنها غالباً ما تقوم على المصالح النفعية لكلا الطرفين، وهي تفتقر إلى الثقة والحب والصدق والوفاء بينهما. ونلاحظ من خلال تقديم جبرا لهذا النموذج من النساء، تركيزه على إبراز الجانب الخارجي المظهري) للشخصية البرجوازية، فيدقّق في صفاتها الخارجية، ويلقي الضوء على مواطن الفتنة والإغراء في جسدها، كما هو الحال في وصفه لجسد "لمى عبد الغني" وهي ترقص. وغالباً ما يوغل في التقاط المشاهد المثيرة، بين العاشقين اللاهثين وراء المتعة(28) : لمى وعصام السلمان، مريم الصفار ووليد مسعود...)) ، ولا تخلو المشاهد الروائية في غضون ذلك مما يصدم قيم الواقع، وأخلاقيات الإنسان العربي، ولكن تلك المشاهد سواء أكانت ضروراتها فنية أم فكرية، أو مشتركة، فهي أولاً و آخراً لها تعبيرها عن دوائر واقعية في الحياة الاجتماعية))(29) في بعض الأوساط البرجوازية. ويأتي اختيار جبرا إبراهيم جبرا لشخصياته البرجوازية المثقفة، ولا سيما النسائية منها، وإبرازه لتناقضاتها وعجزها وضياعها، بدافع كشف زيف هذه الطبقة. وكأن الكاتب قصد محاكمة هذه الطبقة العاجزة عن تحقيق الصيغة الأمثل للحياة: بحكم بنيتها، وقفزها على قوانين التاريخ والصراع))(30) فنقدها وفضح تناقضاتها، يأتي بدافع إدانتها، لا التعاطف معها أو الدعاية لها. مما تقدم يتضح أمامنا نموذج المرأة البرجوازية المثقفة الضائعة، وموقف الكاتب منه. إذ تبين مقدار ما تجسده هذه المرأة من تناقضات، وما تعيشه من أزمات نفسية وعاطفية، بسبب طبيعة تكوينها الاجتماعي والفكري والنفسي، وهشاشة مواقفها، واهتمامها بالمظهر دون الجوهر، واندفاعها وراء أهوائها وميولها المتطرفة، إضافة إلى تمردها السلبي، وتجاوزها للأطر الاجتماعية، وللقيم الأخلاقية، ولذا جاء ضياعها نتيجة حتمية ومنطقية لتصرفاتها ومواقفها غير المسؤولة. وهذا ما جسدته كل من لمى عبد الغني ومريم الصفار. ثانياً- نموذج المرأة المثقفة الانتقالية(31) يعد الكاتبان جبرا إبراهيم جبرا، وسحر خليفة أبرز من جسّد فنياً وفكرياً ازدواجيات المثقّف العربي، ولا سيما المرأة المثقفة سليلة الطبقة الإقطاعية، أو البرجوازية، التي تعيش شتى تناقضات الواقع، فجاءت شخصيتا "نوار الكرمي" في ثنائية سحر خليفة، و "وصال رؤوف" في البحث عن وليد مسعود لتجسدا نموذج المرأة المثقفة الانتقالية المترجح بين الفكر والممارسة، الوعي والواقع، القيم القديمة، وظروف الحياة الجديدة... الباحث في أكثر من اتجاه عن طرف الخيط الموصل إلى تحقيق الذات))(32) . وأبرز ما يميز هذا النموذج، صفة التحول التدريجي التي تتضح عبر سلوك الشخصية، ومواقفها وأفكارها في مرحلة نضجها، وتبلور وعيها لذاتها، وللعالم من حولها، وقد يتسم هذا التحول بالانعطاف إلى الخلف أو التقدم إلى الأمام، وهذا ما ستوضحه الدراسة التالية: 1- المرأة الانتقالية السلبية: "نوار الكرمي الثنائية". تعد "نوار الكرمي" الشابة الجامعية الحسناء، سليلة آل الكرمي، الأسرة الإقطاعية العريقة في "نابلس" من أبرز الشخصيات التي تمثل نموذج المرأة الانتقالية السلبية، إذ نجدها تتحرك بقلق وتردد بين القديم والجديد، بين الواقع الراهن بكل ما ينطوي عليه من معوقات، والحلم بكل ما يزخر به من طموحات وآمال فسيحة، في ظل سلطة أبوية صارمة، ومجتمع تقليدي، يرزح تحت الاحتلال، وقد بات يعاني حالة من الركود والقلق والاضطراب، عقب هزيمة حزيران عام 1967، بفعل الأحداث التي ألمت به، وبفعل السياسة العنصرية التي اتبعتها- ولا زالت تتبعها- سلطات الاحتلال في الضفة الغربية والقطاع. نوار لا تختلف كثيراً عن أخيها عادل المثقف) في قلقه وتناقضه، وفي رؤيته للواقع المضطرب، وتعامله معه، وهي تشبه باسلاً، الفتى المتحمس- الثوري لاحقاً- في بعض أفكاره ومواقفه الرافضة للاحتلال، ولما يمثله الوالد الوجيه من سلطة أبوية، واجتماعية قمعية، ولذا نجدها تتفاعل مع بعض طروحاته التقدمية- الثورية، وتؤكد الاستمرار في حبها لـ "صالح" الفدائي المعتقل في سجون الاحتلال، وتواظب على مراسلته وزيارته، وتدعي أنها خطيبته. ونجد باسلاً يبارك هذه العلاقة، ويدعم أخته بقوة، ويحفزها على اتخاذ قرارها لمواجهة ضغوط أبيها(33) . فتتمكن من التعبير عن رفضها للخطيب المتقدم، وهو الدكتور عزت، وتؤكد إرادتها- للمرة الأولى- في اختيار الرجل الذي تحب، واختيار الدرب التي اختارها هذا الرجل المناضل، فتقطع وعداً على نفسها: ألا تتزوج غير "صالح"... ولو أدى ذلك إلى انتظاره مئة عام. وتؤكد هذه الرغبة بقوة أمام والدها(34) . ونوار هي الابنة الوحيدة لعائلة الكرمي. العائلة الإقطاعية التي تقهقرت في ظل الاحتلال، ولم يبق منها إلا المظاهر الخادعة: منزل كبير، لا يجد من يقوم بخدمته، ومزرعة كبيرة مهملة، بعد أن هجرها مزارعوها. ووجيه مريض يعيش بفضل الآلة الكلية الصناعية)، لم تعد له سلطة أو جاهة، وعلى الرغم من ذلك، مازال يتمسك ببعض مظاهر السلطة الفارغة، ويتشبث ببعض المفاهيم المتعفنة التي لم تعد تنسجم مع الواقع الجديد، ولذا فقد كان محط سخرية أبنائه، واحتجاجهم ومعارضتهم، ولا سيما باسل ونوار.. وتلقي رواية "الصبار" مزيداً من الضوء على أبرز السمات المميزة لشخصية "نوار"، فتبدو شابة رقيقة وذكية وحالمة وبريئة. ويأتي حديث صالح عنها، ليكشف جانباً هاماً عن عالمها الداخلي، وما كانت تشعر به وسط عائلتها: كانت تحس بغربة شديدة، لا أحد يعبأ، أو يستمع. كانت مقموعة، وكانت تعرف، وكانت تقارن بين شخصيتها ولينة))(35) ، صديقتها الثورية. كانت قبل أن تحب صالحاً تعيش حالة من القلق، فإما أن تخضع للواقع أو تحاول تجاوزه، فهي بين مد وجزر، خامة جيدة، ينقصها التوجيه والرعاية، وهذا ما كان يحسه صالح ويلمسه قبل اعتقاله، ولذا، تعاطف معها في البداية، ثم أحبها بصدق وأحبته، وحاولت أن تتمثل بعض أفكاره ومواقفه، وتستمد منه الجرأة والقدرة على المواجهة، والثبات على الموقف، ولكنها أخفقت فيما بعد. إن رؤية الكاتبة الشاملة، للواقع المضطرب الذي يعيشه أبناء الضفة في السبعينيات بكل ما يحفل به من قلق وترقب وتناقض، قد أدت إلى تقديم شخصية "نوار" المثقفة الحساسة، وقد تأثرت بهذا الواقع، بجميع أبعاده، فانعكس ذلك على مواقفها التي اتسمت بالإيجابية حيناً، وبالسلبية أحياناً، تبعاً لحالتها النفسية، ولطبيعة تكوينها الاجتماعي والفكري، ولما تتعرض له من عوامل مشجعة أو محبطة في الواقع.. ومن هنا، فإن اندفاعها في حبها للمناضل "صالح" وتبنيها لبعض آرائه، لم يكن إلا تعبيراً عن اندفاع الشباب وحماسه، وتأجج مشاعره إلى حين. وقد تجلى ذلك في إخلاصها المؤقت) لهذا الحب، وفي تحديها أوامر الوالد ونواهيه، وبصورة خاصة، بعد مساندة باسل لها. ويكشف حوارها التالي مع أسامة، حماسها، وإحساسها بوطأة الواقع اليومي الذي يعيشه أبناء الضفة تحت الاحتلال، وموقفها من بعض ما يجري. تقول لأسامة: سأتخرج... هذا العام. ثم أعمل وأساعد عادل في حمل أعباء الدار. وأنت؟ -وأنا أيضاً. سأحمل أعباء الدار والدنيا. والدنيا هنا ملخبطة. -علا العبوس وجهها. -ملخبطة جداً -قال مازحاً: -يحلّها الحلاّل -قلت بجدية: -نحلّها نحن. -والحياة صعبة. أليس كذلك؟ وأحياناً يضطر الإنسان لأن يطأطئ. رفعت عينها: الأقوياء لا يطأطئون. وهل أنت قوية؟ -أحاول... -وخالي؟ -أبي كل يوم على هذا المنوال. الصحفيون هم شغله الشاغل. يتسلى. -يتسلى! -ماذا إذن؟ الصحافة لن تحل القضية. ولكن لا بأس. هذا يجعله يحس بأنه يؤدي عملاً. يتعاطى الكلام. مجرد كلام. وصعدا الدرجات بصمت. وقالت وهي تلمس الغبار المتراكم على خشب السلالم بإصبعها: الدار قذرة باستمرار. أترى؟.... وأردفت: ومازال الناس يفخرون باقتناء دور كبيرة كهذه، موضة قديمة. لا تجارى روح العصر. هذه الدار بحاجة لثلاث خادمات على الأقل. وليس في الدار من خادمة سواي. -علّق. وظاهرة الخدم انقرضت. هل يزعجك هذا؟ -لا أمر طبيعي. علينا أن نتعلم خدمة أنفسنا بأنفسنا. لكن هذه الدار مصيبة....))(36) . فمن خلال هذا المقطع الحواري، الطويل نسبياً، تتكشف أمامنا شخصية "نوار" نامية متطورة، واعية بما يجري حولها، وإن لم يرق وعيها إلى مستوى النضج الحقيقي، والفعل. فهي تتحسس هموم عائلتها ومشاكلها، كما تتحسس هموم مجتمعها ووطنها بصدق وعفوية، وتتعاطف مع أخيها "عادل" حمّال الحمال))(37) ، وتأمل أن ترفع عن كاهله بعض الأعباء حين تتخرج من دار المعلمين، وتعمل، وتسهم في مصروف البيت. وهي ترفض المظاهر الجوفاء الخادعة التي مازالت تتستر خلفها بعض العائلات الكبيرة، سليلة الإقطاع، مثل "آل الكرمي، وكل الآلات"، وتعبر عن رفضها لتصرفات والدها الوجيه، ولكل ما يمثله من سلطة عاجزة، وقيم بالية، عفا عليها الزمن، وما عادت تتناسب مع الواقع اليومي الصعب الذي يعيشه أبناء الوطن تحت الاحتلال. كما يظهر موقفها الوطني من القضية، من خلال قناعتها بأن الكلام لا يحل القضية، وإنما الفعل الثوري وحده هو الحل، وما عدا ذلك يبقى محض كلام لا فائدة تجنى منه. ولكن الكلام والنيات الطيبة شيء، والواقع والفعل شيء آخر، فـ "نوار" كغيرها من الفتيات اللواتي ينحدرن من أسر إقطاعية، أو برجوازية، لا يشغلها سوى مصالحها الشخصية، وهمومها الآنية، ولا تعرف من الثورة إلا قراءة الكتب. ولا غرابة في ذلك، فقد نشأت في تلك الدار الهرمة التي) لا تنتج إلا المرض والجبن))(38) . ومن هنا، فقد كان حماسها محض اندفاع، سرعان ما فتر، ثم تلاشى تحت سياط الواقع، وغياب المحفز صالح)، ولذا نجدها تتراجع عن وعدها الذي قطعته على نفسها بانتظار "صالح"، حين بات الأمر يتطلب المزيد من التضحية والانتظار, فها هي في السادسة والعشرين، وقطار العمر يمضي، وحلمها بالزواج والبيت والأطفال والمستقبل، مازال معلقاً في الهواء، من غير أمل: سنوات مرت والكل يعرف. وقفتْ، وتحّدتْ، وصاحت: أحب "صالح"... لكن الأيام تفتر العواطف وتغير الرغبات. العواطف ليست ضماناً. وفي تقرير المصائر نحتاج لما هو أرسخ. نوار تبحث الآن عن الاستقرار والأمان. بحاجة للاستقرار الذي يتناسب ومفاهيمها التي تركض وراءه الحلول السريعة. بحاجة لبيت تقليدي، قد يحصل الإنسان فيه على الاختناق، أكثر مما يحصل فيه على التنفس))(39) . لقد كانت نوار حالمة، عاطفية، حين أعطت وعداً لصالح. وأما الآن أصبحت واقعية. تبحث عن الاستقرار، وبناء المستقبل. وفي لحظة ضعف وانفعال، يؤججها واقع الاحتلال، ومنع التجول... والشعور بالوحدة. رآها "عادل" تمسح الدمع خلسة... -نوار، أختي. وبدأت تنشج. "آه، الآن يفيض الدمع، وتندلع الحسرات. لا يقوى القلب على الوحدة. مطبوع مرهون مشدود، أبداً يرتد إلى الغربة" -وقالت من خلال دموعها: -هؤلاء الأطفال. -أهم الأطفال حقاً؟ -ماعدت أحتمل هذا الجو، أريد الهرب، وعد قطعته على نفسي أن أنتظر. كان للانتظار معنى، وكان صالح أمنية، أصبح الانتظار سجناً، والسجين قيداً... فقدت القدرة على المكابرة... مللت الانتظار.. ماعدت فتاة حالمة كالسابق.. سبعة أعوام سبقتها أخرى وتتبعها أخر. وما جدوى الانتظار؟))(40) . لم تستطع "نوار" إذاً أن تفي بوعدها الصالح، وأن تبقى ذلك الحلم الوردي الذي يبدد إشعاعه ظلمات السجن، وكرب السجين، فينقله إلى عالم زاخر بعبق الحب والحرية. فالوعد موقف وقناعة وقدرة على التشبث والمتابعة، وإذا هزلت مخيلة الفرد بات رماداً. السر أعمق. جذوره تمتد في أغوار الواقع، ورغيف الخبز. فاقدو كل شيء لا يخسرون. هذه هي القاعدة، ولا حقيقة سواها... والشواذ لا قاعدة له ولا ثبات))(41) . وبذلك يتضح موقف "نوار" ومثيلاتها، فالكاتبة تعزو تراجعها، إلى ضعف قناعتها وإلى عدم قدرتها على التشبث بمواقفها، والمتابعة إلى نهاية الشوط، إضافة إلى انتمائها الطبقي، ولذا تلوم الكاتبة "نوار"، وتعبر عن سخريتها من هذه الشخصية، على لسان أخيها "عادل" الذي لم يستطع أيضاً تجاوز تناقضاته، وبذلك بكون اللوم أبلغ وأشد. فنوار الرقيقة الحالمة البريئة، المرّفهة، لا يمكن أن تكون كغيرها من النساء اللواتي لفظتهن قيعان المدن. فقر وشظف ووجوه صفراء كئيبة))(42) . ومع ذلك فهن ينتظرن رجالهن داخل المعتقلات. وهذا ما لمسه عادل، أثناء مروره أمام سجون كثيرة، في نابلس، في القدس، في رام الله. ورأى الأهل بانتظار الزيارة. فلاحات بأثواب ريفية))(43) . فكيف يمكنه أن يقنع أخته، وهي ابنة الكرمي، أحد أعيان نابلس، التي اعتادت أن تأخذ أكثر مما تعطي. وتتجلى سخرية الكاتبة من مواقف "نوار" وما تمثله، في أكثر من موضع في روايتها، إذ يكشف عادل الذي ينز مثالية برجوازية))(44) عيوب طبقته، ويعرّي زيف مواقفها، ويفصح عن تناقضاتها. يتساءل مستنكراً: أبهذه السهولة يا نوار...يلفظ الإنسان وعده؟ وعد؟ ومن قال إنه كذلك؟ كان تياراً سحب القشة على فقاعة ماء.. التيار يسحب طالما ظل في الدفع قوة. وإذا توقف الدفع، فالماء يأسن، والفقاقيع اللامعة كفلقات الأقمار تنطفئ فجأة. كما جاءت، كما ذهبت))(45) . ولا يخفى ما في هذه الصور الحسية الدالة والموحية من تعبير واضح، وتصوير دقيق لحالة "نوار" في اندفاعها وحماسها، ومن ثم تراجعها عن مواقفها، وعودتها إلى نقطة البداية، مستسلمة راضية ولكنه الرضى المشوب بالقلق، لأن جذوة التمرد والوعي، وإن خبت في نفسها، فإن لها إثاراً تحفر في النفس وتؤلمها، فتجعلها لا تطمئن الاطمئنان الأعمى لحياتها السلبية... وفي الوقت نفسه لا تدفعها إلى الرفض، وإعلان العصيان عليها لتغييرها))(46) . لقد جسدت سحر خليفة من خلال شخصية "نوار الكرمي" نموذج المرأة المثقفة الانتقالية السلبية، على الرغم من السمات الإيجابية التي تمثلت في مواقفها بداية، مم جعلها تبدو مشروعاً للمرأة الانتقالية الإيجابية، ولكنها بفعل الرواسب الاجتماعية التي تغلغلت في أعماقها، وبحكم انتمائها الطبقي، وتكوينها النفسي والفكري، باتت تعاني صراعاً داخلياً صامتاً من جراء ذلك التناقض الحاصل بين القيم القديمة، والقيم الجديدة، وبين الواقع والطموح، فكانت الظروف الصعبة أقوى من إرادتها ومواقفها التي لم تبن على أساس فكري واضح ومتين. ولذا تراجعت، وباتت تبحث عن أنوثتها التي لا تجدها إلا في ظل رجل، وبيت، وأطفال وحياة مستقرة، تتحقق في المدى المنظور، لأنها لم تستطع أن تهرق ما تبقى من العمر على رصيف الانتظار، فآثرت السلامة على بذل المزيد من التضحية. 2- المرأة الانتقالية الإيجابية: وصال رؤوف: "البحث عن وليد مسعود" وإذ تداعت "نوار" تحت وطأة الظروف، وقهر الزمن، ولم تستطع الصمود طويلاً، فإن "وصال" في "البحث عن وليد مسعود" استطاعت أن تتحدى الظروف، وتبقى وفية لوليد مسعود الذي أحبته بصدق وشغف، وآمنت بقضية، على الرغم مما بينهما من فروق في السن، والدين، والاهتمامات. تكسف الرواية النقاب عن هذه الشخصية التي كانت لغزا، تحت اسم "شهد" في الصفحات الأولى من الرواية، وتتضح صورتها بجلاء في الفصل الذي أفرد لها تحت عنوان: "وصال" رؤوف تكشف أوراقها". ووصال شابة، تنحدر من أسرة بغدادية برجوازية مثقفة. والداها وزير سابق، وهي أخت غير شقيقة للدكتور طارق رؤوف، حاصلة على شهادة جامعية، ذات ميول أدبية، تعمل موظفة في المصرف العربي، تبدو واثقة من نفسها، صادقة وصريحة في التعبير عن عواطفها وأفكارها. ويعود السبب في ذلك إلى ظروف نشأتها وبيئتها، فقد نشأت في أسرة متفتحة فكرياً واجتماعياً. كما أنها لم تعان ما عانته سائر شخصيات جبرا النسائية من ظروف ضاغطة، وتناقضات حادة، ولذا نجدها تتمتع بقسط وافر من الحرية والاستقلالية، داخل البيت وخارجه، وتحظى بثقة الأهل، ومن حولها. كانت لها بعض النشاطات الاجتماعية البسيطة، لدعم المقاومة الفلسطينية، من خلال نشاطها في جمعية الهلال الأحمر، إذ كانت تبيع الثياب الفلسطينية المطرزة بنقوش بيت لحم ورام الله))(47) ، وبذلك كانت تملأ فراغ حياتها، وتدفع عنها السأم والملل. تكمن أزمة وصال رؤوف كمثقفة برجوازية، في السعي لتحقيق وجودها، من خلال البحث عن الحبيب، إذ لم يعد كافياً أن تظفر... برجل يقدر أن يهبها الحب. وإنما المهم أن تحس إحساساً صادقاً بأنه بالتّمام الشق الثاني، والمكمّل الحقيقي لوجودها))(48) ، وقد تحقق لوصال ما تصبو إليه في رجلها المثالي الذي يرضى طموحاتها، حين التقت "وليد مسعود" ذلك الفلسطيني الكهل، المنفي عن أرضه منذ النكبة، الذي ذاع صيته في أوساط الطبقة البرجوازية المثقفة في المجتمع البغدادي، بفضل دأبه ونشاطه العملي، وتعدد اهتماماته الأدبية والثقافية والفنية، فاقتحم عالم تلك الطبقة بجهده الذاتي، وحقّق مكانة مرموقة في أوساطها المثقفة، ولكنه، في الوقت نفسه، كان بعيداً عن الاندماج الكلي في عالمها المضطرب والمتناقض، لأن جذوره الحقيقية كانت مزروعة هناك، في تربة وطنه فلسطين، إذ كان دائم البحث عن ذاته الضائعة التي لا يجدها إلا عبر الالتحام بأرضه، والعودة الحقيقية إلى فردوسه المفقود. وقد ارتبطت "وصال رؤوف" عاطفياً بوليد مسعود، وكان ذلك منذ أكثر من سبع سنين، ولم تكن تجاوزت آنذاك العشرين من عمرها، حين كان يتردد على منزل العائلة، وتربطه بوالدها وأخيها طارق صداقة، كانت، آنذاك، تعد مجرد تفكيره بها أمراً مستحيلاً تقول لنفسها: "ربما خطرت بباله كومضة من ومضات المستحيل، وأنا تشدني عاطفة مبهمة أخشى أن أستوضحها حتى لنفسي))(49) . ولكنها فيما بعد أصبحت تراه صيداً جميلاً، يلذّ لها أن تطارده وتستأثر بحبه. وكان لها ما أرادت، بفضل جرأتها، وتصميمها على التعبير عن إعجابها به، وحبها له. وبدأت التحولات الإيجابية في مسار حياتها واهتماماتها. وباتت تعي ذلك التغيير الحاصل في نظرتها لذاتها، وللعالم من حولها، بعد أن أدركت زيف العلاقات الاجتماعية في وسطها البرجوازي من خلال اندماجها وتوحّدها بوليد مسعود وعالمه، إذ استطاعت أن تنفذ إلى عالمه الداخلي الزاخر، وتدور في مداراته الذهنية... النفسية والعاطفية))(50) . وتعبر عن ذلك فتقول: تجربتي معه بالنسبة إلى تجاربي الأخرى، هزت الأرض تحت قدمي. فتجاربي وربما كنت في ذلك كغيري من الناس) تضعني على مبعدة من هؤلاء الذين هم من التجربة نفسها: كنت أعي نفسي كشيء منفصل، كشيء ينفعل بقوى خارجة عنه، ولا يندمج فيها. أما مع وليد فقد جاءني ذلك الكشف الغريب بأنني أندمج، أصير، اتداخل وأعود وأنا غير ما كنته قبل ذلك. أحسست وهو يتكلم ويناقش، ويحاورني ويغازلني، أنني نفذت إلى بواطن إنسان آخر، كأن أحداً سمح لي بدخول بيت كبير مظلم عجيب الغرف، وبيدي شمعة... عرفته من الداخل.... جعلت أعرفه وأحبه، كما أعرف وأحب نفسي))(51) . وحبها لوليد، وتوحدها معه، جعلها تلتحم بقضيته، ويشغلها ما يشغله من اهتمامات، فغدت شبيهته، تحمل بعض المتناقضات، وتعيش ذلك الاندماج الكلي فيه، وتعبر عن ذلك صراحة في أكثر من موضع في الرواية. وولع... بالكلمات .... وبسحر)وولع وليد مسعود بالكلمات، وبسحر مدلولاتها، ولاسيما إذا ارتبطت بعواطف المحبين، دفعه لتسمية "وصال" بـ "شهد" لأنها كالشهد، جميلة، شهية، عذبة، وجهها المشرق أبداً كالجوهرة، كتفاحة المجانين...))(52) . كانت تقول لوليد: أنت رجلي المثالي، منذ سنين: ألا تدري، أم أنك تتقصد الهرب مني؟))(53) . وعلى الرغم مما كان بينهما من فروق ومسافات في العمر والاهتمامات، والأحلام، تقرر "وصال" المضي بحبها إلى ما لا نهاية. على الرغم من تحذير أخيها لها من نتاج هذه العلاقة، بالإضافة إلى معرفتها بأن القيود الاجتماعية والدينية لن تسمح لها بالاقتران به. وحين يختفي "وليد" عن مسرح الأحداث، يسبب اختفاؤه لها حزناً عميقاً، ولوعة وحسرة، فتلبس السواد، وهي تدرك في دخيلتها أنه ليس المهم أن تلبس المرأة السواد، وأن تعاف نفسها الأكل، وأن تحرم النوم، وأن ترى الكوابيس.. المهم هو أن تبقى على عقلها، على إرادتها، على قدرتها على التصميم))(54) ولذا تعقد العزم، وتبدأ رحلة البحث عن "وليد مسعود"، ولا يقتصر بحثها عنه في أعماقها، وذكرياتها، وهي تناجيه: عيني الكحلاء، تبحث عنك... في دمي، في دخيلة دخيلتي، بين حرقاتي...))(55) ، بل يتعدى ذلك لتبحث عنه في كل مكان.. فتقوم بجملة من الاتصالات بكل من عرفهم في بيروت وعمان، وتركب أول طائرة متجهة إلى بيروت لتبحث عنه هناك، ومن ثم لنلتحق بصفوف المقاومة، وتلتحم بقضيته، وتؤكد انتماءها للقضية ولإنسانها. عندئذ يتحقق لديها الإحساس الغريب الذي أحسته ذات يوم، وهي تزور "مروان وليد مسعود" في مخيم صبرا. حين أحست أن المخيم الذي أصبح قاعدة فدائية، يعود بها إلى جوهر الأشياء المنسي))(56) . وهاهي تعود إلى جوهر الحياة، حياة ذات معنى، حياة فاعلة منتجة. لقد فهمت "وليد" إنساناً غير معزول عن قضية، فكان اختياره اختياراً نهائياً لها. إنها المرأة التي يتحقق فيها ما يبحث عنه "وليد". المرأة التي تحمل عناد الأم وكبرياءها))(57) . هكذا كان الحب الحقيقي وراء انتماء "وصال" إلى قضية وليد مسعود، واندماجها بالاثنين معاً، وتجسد ذلك في تجاوزها لحياتها الهامشية، ولزيف طبقتها وسطحيتها وتناقضاتها، فتمكنت من ممارسة حريتها بشكل إيجابي، عبر اعتناقها لفكر وليد ومبادئه. بدت أكثر وعياً وقدرة على مواصلة الطريق الذي اختارته لحياتها، واستطاعت- وهي الفتاة المدللة- أن تتجاوز واقعها، وحياتها الهشة الفارغة، حين وضعت قدمها على بداية الطريق الذي يجب أن تسلكه لتعيش حياة إنسانية غنية ومؤثرة، حافلة بالعطاء، وإن لم تدعنا الرواية نقف على ثمرات هذا التحول الكبير والإيجابي بصورة واضحة، إثر التحاقها بصفوف المقاومة، إذ ينتهي دورها في الرواية عند هذا الموقف اللافت والمميز. ثالثاً- نموذج المرأة المثقفة الواعية: يُعدُّ هذا النموذج من أكثر النماذج الروائية اجتذاباً للروائي الفلسطيني، بحكم قدرته على تمثّل أفكاره، وتجسيد الكثير من آرائه ومواقفه، فالشخصية النسائية التي تجسد هذا النموذج تبدو أكثر قدرة على قيادة أمورها، والتأثير في محيطها، وكسب ثقة الآخرين بها، واحترامهم لها، وذلك بفضل شخصيتها المتوازنة، وما تسهم به من أفكار، تساير حركة الواقع، ولا تتعارض مع القيم الاجتماعية والمثل الأخلاقية للمجتمع. وبفضل، أيضاً، نشاطها العملي في خدمة المجتمع، إذ غالباً ما يكون عملها على اتصال مباشر بالجماهير الشعبية، كأن تعمل معلمة أو صحفية أو في أحد مجالات الخدمة العامة، كما هو الحال لدى ندى في "العشاق" ورفيف في "عباد الشمس. ولعل أبرز الشخصيات النسوية التي تمثل نموذج المرأة المثقفة الواعية، التي طالعتنا في مجمل الروايات التي شملها البحث، شخصية "رفيف" في "عباد الشمس". - رفيف: "عباد الشمس". تبرز هذه الشخصية منذ البداية، بحضورها الكثيف والمميز، وبشخصيتها المفعمة بالحيوية والنشاط، بوصفها صحفية، تسعى لتحقيق ذاتها، والانتصار لقضيتها، وتأكيد هويتها، على الرغم من العقبات التي تواجهها، وتعترض طريقها. وقد ارتبط حضورها الروائي، في الغالب، بحضور "عادل الكرمي"، صديقها الحميم، الذي أحبته بصدق، ولكنه لم يستطع أن يبادلها المشاعر ذاتها، وقد سبق أن توقف البحث عند العلاقة العاطفية، الوحيدة الجانب بين رفيف وعادل، واتضح موقف عادل من العواطف التي يعدها، شوائب تشوه الشخصية وتضعفها، بعد أن أضنته تجارب الحياة الصعبة التي عاشها إبان نكسة حزيران عام 1967، فقد كان مثقلاً بعبء الأسرة الكبيرة التي يعيلها، وبهموم الوطن، وحركة التاريخ والثورة. ولذا آثر أن يمارس حياته بحرية، مكتفياً بهذا القدر من الأعباء والمسؤوليات التي تقع على عاتقه وترهقه. وتشكل شخصيتا رفيف وعادل ثنائية غير متوافقة، في الكثير من الأحيان، وهما يعبران عن وجهتي نظر مختلفين تجاه بعض قضايا المجتمع، وبالتحديد قضية المرأة. فتكشف الرواية بذلك ازدواجية بعض المثقفين العرب من أمثال عادل الكرمي وغيره من أعضاء هيئة التحرير في المجلة، ممن لا زالت تسيطر عليهم بعض الرواسب الاجتماعية السلبية التي تعشش في رأس الرجل المقهور. ويتضح ذلك في التعارض القائم بين القول والفعل، بين النظرية والتطبيق، بين الفكر الذي تطرحه الرواية، والتجربة الحارة والمباشرة التي يعيشها مجتمع الرواية، الذي يمثّل شعب الضفة الغربية الرازح تحت الاحتلال. و "رفيف" شابة في الثلاثين من عمرها، تنحدر من أسرة تقليدية تنتمي إلى الطبقة المتوسطة، نجدها متحررة، إلى حد ما، من قيود الأهل ورقابتهم ونواهيهم، بسيطة المظهر، محبة للحياة والحرية، ساعية إلى المعرفة، وتنمية ثقافتها، والدفاع عن قضيتها، وإثبات وجودها، ملامح وجهها تشي بجديتها، وحدة طبعها، وقوة شخصيتها، وتؤكد ثقتها بنفسها. وتحمل "رفيف" بعض ما تزخر به الرواية من أفكار ومفاهيم كثيرة ومتنوعة، ترتبط بالفكر والسياسة والتاريخ والاجتماع والحب والحرية وفلسفة الثورة، وغير ذلك من الأفكار والقضايا التي تشغل فكر المثقف العربي، ولا سيما المرأة المثقفة الطامحة لتحقيق وجودها، وتأكيد هويتها في ظل مجتمع تقليدي، يعاني من الاستعمار والقهر الاجتماعي والاقتصادي والفكري. وتتبنى "رفيف" الكثير من الأفكار التقدمية التي تتمحور حول قضية المرأة العربية، عامة والفلسطينية خاصة، وترى أنه لا يمكن تحرير الشعب والوطن، مالم تحرر المرأة من القيود التي تكبلها وتحد من تقدمها، فقضية المرأة جزء لا ينفصل عن قضية الوطن. وغالباً ما يتضح ذلك عبر تداعياتها ومناقشاتها مع أسرة المجلة، ولا سيما حين تعد عدتها للدفاع عن مشروعها الداعي إلى تخصيص نصف المجلة لشؤون المرأة، ومن ثم لتدحض ادعاءات الرجل المثقف، وتبين زيف الموقف الذي يتخذه عادل، وبعض زملائه في المجلة، ممن يدعون التحرر والمساواة بين الجنسين، فيخدعون أنفسهم قبل أن يخدعوا الآخرين، لأنهم يطبقون على الآخرين ما لا يطبقونه على أنفسهم. فعادل الذي يطالب العامل الفرد أن ينتظم ويحمي نفسه بالجماعة حتى لا يكون مصيره الشارع، ويطالب المرأة أن تمارس التمرد، ولا يعبأ إذا كان مصيرها الشارع، هو إنسان منفصم مزيف سيء النية. أو أنه قاصر عن فهم الواقع في حركته..))(58) ولذا فهي تتهمه مع أمثاله بالزئبقية، وممارسة لعبة الرقص على الحبال. وتبسط رفيف أفكارها بصورة مرتبة ومنظمة، وهي تناقش أعضاءه هيئة التحرير، فتبرز الأسباب الكامنة وراء تخلف المرأة العربية، وتُحيل ذلك - كما ترى- إلى التركيبة الاجتماعية. الثقافة السائدة. ووجوب تغييرها. مفاهيم المجتمع وقيمه.. الاستغلال والابتذال))(59) . وبذلك تعرض رفيف جانباً هاماً من قضية المرأة، بل قضية الإنسان المقموع، الذي يعيش حالة من القلق والتشتت والتناقض، بين قيم قديمة سائدة، وقيم جديدة وافدة. بين ما تجذر في كيان الإنسان- المرأة من قيم ومفاهيم اجتماعية وأخلاقية وفكرية وثقافية، وما تفرضه قيم الواقع الجديد على إنسان المرحلة الراهنة الذي يعيش تحت وطأة الاحتلال، وفي ظل مجتمع يعاني الفقر والجهل والتخلف. وفي ذلك ما يؤكد ضرورة أن ينهض الإنسان العربي، رجلاً كان أم امرأة، ليتجاوز كل ما هو سلبي في الموروث الاجتماعي والفكري والثقافي، من أجل مواجهة تحديات العصر، ومواكبة ركب الحضارة. ورفيف لا ترى حلاً مناسباً أو جاهزاً يمكن أن تتبناه، من جملة الأفكار والحلول التي عرضتها، ولذا فهي تكتفي بإثارة القضية، ومن ثم تلوح بالحل الأمثل، في ضوء التحلي بالوعي السليم، والحكمة والالتزام بما ينسجم مع الأطر الاجتماعية، والقيم الأخلاقية، ويلبي تطلعات المرأة نحو غد أفضل. إذ لا يمكن تجاوز رواسب الماضي وسلبياته بوصفة سحرية، أو بقرار يتم تطبيقه بين عشية وضحاها، فلا بد من العمل الدؤوب، بكثير من الصبر والتصميم، لتنال المرأة حقوقها، وتؤكد هويتها، وتفكر بحرية، لتستطيع تحمّل المسؤولية الملقاة على عاتقها بوعي وكفاءة. ورفيف كغيرها من النساء المثقفات الواعيات، تسعى لتحقيق وجودها، وتأكيد هويتها، فتتصرف بوعي، وإحساس كبير بالمسؤولية، وتعيش حياتها بامتلاء، ولا ترضى أقل مما يتناسب مع ملكاتها العقلية، وقدراتها العملية، ويلبي طموحاتها. ولذا فهي ترفض أن تهمّش، أو يحجّم دورها، وهذا ما نلمسه من خلال تصرفاتها ومواقفها، وبصورة خاصة، بعد أن تحررت من تبعيتها لعادل، حين واجهت كل محاولاته لاحتوائها والحد من تطلعاتها بالرفض، ومن ثم بالإصرار على التقدم بمشروعها، للنهوض بواقع المرأة داخل الأرض المحتلة. مثبتة بذلك، أنها لم تعد تابعاً له، بل نداً. لقد أدركت رفيف بوعيها المتفتح، وعبر تجربتها المتواضعة على صعيد المجلة، أن مهمة الصحفي والكاتب الحر المشاركة في نهضة مجتمعه، من خلال العمل على تغيير بعض المفاهيم البالية، وتجاوز كل ما هو سلبي في الواقع، انطلاقاً من إيمانه بضرورة التغيير نحو الأفضل. ولذا نجدها ترفض محاولات استغلال حماسها، وتسخيره في جوانب أخرى، لا تخدم قضيتها، لتحقيق المكاسب المادية للمجلة على حساب زاويتها "زاوية المرأة" التي يراد استغلالها للموضوعات الهامشية التي تخاطب المرأة السطحية، وتلبي متطلباتها، على حين تريد "رفيف" أن تتوسع زاويتها لتشمل نصف المجلة، وتكتسي طابعاً علمياً موضوعياً، غايته نشر الوعي، وخلق ثورة حقيقية في أوساط المجتمع. لا أن تأخذ طابعاً تجارياً دعائياً لا يجدي نفعاً(60) . وتعبر رفيف عن احتجاجها وغضبها أمام "عادل" متسائلة: أهي مجلة تقدمية أم ماذا؟ أريد أن أعرف. إن كانت تقدمية فعلاً فعلينا التوقف فوراً عن معاملة المرأة كما لو كانت شريحة اجتماعية منفصلة. هي إنسان، وعليها أن تقرأ ما يقرأه* الرجل. اهتماماتها هي نفس اهتماماته، فماذا تخصص لها زاوية منفصلة..))(61) . وتأتي مطالبتها بالتغيير إنصافاً للمرأة، واحتراماً لقدراتها العقلية والعملية. فإذا أراد المجتمع النهوض بواقع المرأة، فعليه التحرر من تلك النظرة الدونية إلى المرأة، التي تولدت نتيجة عقود عديدة من الجهل والتخلف، وهيمن فيها الرجل على المرأة وشؤونها. ولتحقيق ما تصبو إليه "رفيف" من تطلعات، تقوم بممارسة دورها الإيجابي، وتنخرط في العمل الميداني على صعيد المجلة. وتعمل على تأكيد ذاتها بوعي وجدية، بعيداً عن الفوضى، على الرغم من الصعوبات والعقبات التي تواجهها، سواء على صعيد عملها الصحفي، أو على صعيد المجتمع وعلاقاتها بالرجل المثقف، الذي يعاني تناقضاً بين النظرية والتطبيق، وهو يحاول تبرير عجزه عن الفعل والممارسة الثورية، من خلال المماحكات الكلامية، وإثارة بعض القضايا المعقّدة المتشابكة، التي توحي بأن الفعل في تلك الظروف صعب، بل مستحيل. وتدرك رفيف بوعيها السليم، طبيعة دورها في تلك المرحلة، وتعي في الوقت نفسه، أنه لكي تكون فاعلة ومؤثرة في مجتمعها، ينبغي أن تحظى بثقة المجتمع، وتكسب تعاطفه معها، فلا تستهين بنظمه وقوانينه، وقيمه الأخلاقية، وأعرافه، لئلا تثير نقمته عليها، أو تدفع بعض أفراده إلى التحفظ، أو اتخاذ مواقف معارضة أو عدائية منها. ولذا فهي تندد بالفوضى، كوسيلة لتحقيق التمرد، وترى أن الفوضى قد تحقق التمرد، لكنها لا ترقى بالوعي إلى الثورة. ونحن في غنى عن دفع الضحايا بدون مقابل. لسنا بحاجة إلى شهب تحترق، ولا تضيء))(62) وهذا يعني أن الفوضى نقيض الثورة الحقيقية التي تقوم على الوعي الكامل، والعمل المنظم الهادف. وكما تندّد رفيف بالفوضى لأنها جهد عبثي، يهدر طاقات الإنسان، ويضعفه دون جدوى، نجدها تعارض حرية المرأة الجنسية التي تعني الانفلات والتحلّل من جملة من القيم الاجتماعية والضوابط الأخلاقية التي تعارف عليها المجتمع. كما أنها تتعارض مع الحرية الحقيقية التي تحتاج إلى الإنسان القوي المُعافى، الذي يستطيع أن يمارس على نفسه أقسى أنواع الضغوط(63) . *** إن الدعوة إلى التغيير لتتمكن المرأة من ممارسة حريتها، والتعبير عن إنسانيتها، والقيام بدور فاعل ومؤثر في محيطها، مشروطة، أيضاً، لدى رفيف، بضرورة أن يؤسس هذا التغيير على قاعدة من الثقة، لهذا كانت حريصة أن يكون تحرر المرأة متلازماً مع ثقة المجتمع بها... فهي إذا لم تمنح ثقته لن تكون فاعلة فيه))(64) . لقد أبدت "رفيف" إخلاصاً كبيراً لمبادئها ولأفكارها، وحاولت تجسيدها عملياً، ولكنها كثيراً ما كانت تصطدم بإرادة الرجل المثقف المهيمن-عادل ورفاقه- الذي يؤيد حيناً، ويعارض في كثير من الأحيان. فالظروف الاجتماعية والسياسية في الضفة، لا تسمح لأفكار رفيف الداعية إلى التغيير، وتجاوز كل ما هو متعفن في النظام الاجتماعي، بأن تنمو وتترعرع، لأنه في ظل العلاقات الاجتماعية المتخلفة تنكسر خطوات المرأة المثقفة، وتتعقد حياتها... لأن تغيير الأوضاع الاجتماعية بما فيها من تقاليد وقيم من أصعب الأمور، إذ يستدعي تغييراً في أعماق النفس البشرية لا في الأوضاع الخارجية فقط))(65) . وإذا عدنا إلى تجربة رفيف الحياتية المتواضعة والبسيطة، قياساً إلى تجربة "سعدية" المرأة الشعبية المجربة التي عركتها الأيام، ونظرنا إليها في ضوء الفكرة التي تطرحها الرواية على لسان عادل والقائلة: إن النضج لن يسبق التجربة))(66) وجدنا أن طغيان الفكر على الممارسة كان الغالب لدى رفيف، وذلك بحكم نشأتها في أسرة تقليدية محافظة تنتمي إلى الطبقة المتوسطة، التي تعيش في الظل، حياة هادئة مستقرة، مبتعدة، إلى حد ما، عن معاناة الشعب، وهمومه وآلامه. وعلى الرغم من ذلك، فقد أظهرت "رفيف" إخلاصاً كبيراً لمبادئها وأفكارها. وسعت إلى تجسيدها عملياً في سلوكها وتصرفاتها، كما اتضح ذلك في بعض مواقفها، ولا سيما موقفها من "سعدية" بعد مصادرة قوات الاحتلال لأرضها.. إذ عبرت عن تعاطفها الحار والصادق، بل تضامنها مع سعدية في محنتها. وتجلى ذلك في دموعها المنهارة حين لم تستطع فعل شيء. تقول لسعدية: أنا وأنت يا سعدية نكتب للناس، ونهز الضمائر))(67) . سعدية بكدها وعملها. ورفيف بقلمها ونضالها في سبيل قضية المرأة. هكذا أخذت رفيف تشق طريقها الصعب والطويل بثقة وإصرار، بعد أن وعت واقعها وانخرطت في صفوف شعبها، وتحسست آلامه، ومعاناته من واقع الاحتلال المقيت، فأكدت بذلك ضرورة أن تقترن النظرية بالتطبيق، مع التركيز على التجربة المباشرة التي تتعاضد مع الوعي الحقيقي، فتصهر الإنسان وتصقله، وتدفعه لكي يكون فاعلاً ومؤثراً في وسطه، ومنسجماً مع نفسه إلى حد بعيد. وهذا ما أوضحته الرواية، سواء على صعيد تجربة رفيف العاطفية، أو تجربتها على صعيد عملها الصحفي. إذ استطاعت أن تحافظ على نفسها وكرامتها، وتحترم مبادئها، وتصر على مواقفها. وتبقى الطريق صعبة وطويلة أمام طموحات "رفيف"، فهي تحتاج لمن يمد لها يد العون ويؤازرها في رحلتها الطويلة، فإذا لم تتضافر جهود المثقفين المخلصين من رجال ونساء للنهوض بواقع المرأة العربية، فإنها لن تظفر بحريتها. ومن هنا نجد "رفيف" تعبر عن استيائها من عادل ورفاقه في المجلة، وهي تقول: تعبت من عادل الكرمي... تعبت... أما من أحد يساعدني على الوصول؟ أما من أحد يشاركني وحشة الطريق؟))(68) . ولكنها على الرغم من ذلك لا تستسلم لتلك اللحظات التي يتسرب فيها الضعف إلى نفسها، فهي ترفض الخضوع لابتزاز "عادل" وانتهازية "سالم" وتدين عجزهما عن فهم واقع المرأة، وعالمها الداخلي، وتحسس معاناتها. وتعجب كيف يمكن لعادل وأمثاله من المثقفين، دعاة التحرر، والفكر التقدمي، أن يقودوا الحركة اليسارية في الكيان الصهيوني، من أنصار حركة السلام الآن، أمثال خضرون. وهم عاجزون عن الوصول إلى المرأة الفلسطينية، وفهم واقعها وتطلعاتها، والنهوض بها. تقول: الثورة لن تحل مأساة الشعب، وهؤلاء هم القادة. عادل والشعب. وأنا نصف الشعب. أنا المرأة. أنا النموذج الذي يمارس عليه عادل تطبيق النظرية. يعجز عن فهم واقعي، ومواكبة متطلباته... فهو عاجز عن دمج الواقع بالنظرية، ومن يعجز في الجزء، يعجز في الكل))(69) . هكذا قدمت الكاتبة شخصية "رفيف" في عباد الشمس لتجسد من خلالها نموذج المرأة المثقفة الواعية التي تسعى لترسيخ وجودها في ظل مجتمع ما زالت تسيطر عليه رواسب الماضي، ويعاني أبناؤه شتى أنواع القهر إذ تابعنا لحظات ضعفها كما تابعنا لحظات نضجها، فأتاحت لنا الكاتبة التغلغل إلى أعماق المرأة، لنرى رقة عواطفها التي تتجاوز ذاتها لتصل إلى هموم الآخرين، تتعاطف معهم بدموعها حين تعجزها الوسائل... فقد تكون الدموع دليلاً على ضعف المرأة، ولكنها أصبحت رمزاً لحساسية المرأة، وانفعالها بالقضايا الوطنية التي هي في أعماقها قضايا إنسانية. ولكن ما يؤخذ على الكاتبة أنها قدمت لنا شخصية شابة بمعزل عن مجتمعها... فكأنها منسلخة عن بيئتها، تتحرك في بيئة غريبة، إذ تسهر إلى وقت متأخر، تسافر... تترك العمل متى تشاء، تعود إليه متى أرادت دون أن نسمع وجهة نظر الأهل في ذلك كله، وهذا يعني أننا لا نسمع صوت الجيل التقليدي المعارض لقضية المرأة))(70) . ومهما يكن، فإن "رفيف" وأمثالها، تبقى، كما صورتها الرواية ذات النهاية المفتوحة نضالاً يواكب ركب النضال والدرب طويل))(71) للوصول إلى ما تصبو إليه المرأة المثقفة الواعية، من إزالة كل القيود التي تقف أمام تحررها، وتحقيق ذاتها، وتأكيد هويتها، وترسيخ وجودها الفاعل في حركة الواقع. لقد حملت "رفيف" بذور الرفض والثورة فكرياً. وحاولت تجسيدها عملياً، ولكنها لم ترق إلى مستوى المرأة الثورية، في تجسيدها لتلك الأفكار والمفاهيم والقيم الإيجابية التي نادت بها. (1) -ينظر، حمود، د.ماجدة: "المرأة في روايات سحر خليفة" مجلة المعرفة، العدد 373، عام 1994 ص 190 (2) -الشاذلي، د.عبد السلام: شخصية المثقف في الرواية العربية الحديثة 1982-1952)، دار الحداثة بيروت ط1/1985 ص8 (3) -شعبان، د. بثينة: سحر خليفة وامرأة غير واقعية) الموقف الأدبي عـ 212-213، ص39 (4) -مذكرات امرأة غير واقعية: ص5 (5) -شعبان، د. بثينة: سحر خليفة وامرأة غير واقعية)) الموقف الأدبي عـ 212-213، ص36 (6) -مذكرات امراة غير واقعية 45 (7) -المصدر السابق 44 (8) -مذكرات امرأة غير واقعية/ 131 (9) -المصدر السابق 54 (10) -المصدر السابق 65 (11) -شعبان، د.بثينة: سحر خليفة وامرأة غير واقعية)) الموقف الأدبي عـ 212-213، ص40 (12) -مذكرات امرأة غير واقعية 150 (13) -الولي، مصطفى: الغائب المنشود ص83-84 (14) -صدرت لأول مرة في لندن عام 1960 باللغة الإنكيزية، ثم صدرت ترجمتها بقلم الدكتور محمد عصفور عام 1974، وهي خارج موضوع الدراسة (15) -وادي، فاروق: ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية ص169-170 (16) -آلن روجر: الرواية العربية-مقدمة تاريخية ونقدية. تر: حصة منيف، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت ط1/1986 ص149 (17) -السفينة 116 (18) -السفنية 161 (19) -السفنية 96 (20) -السفينة 163-164 (21) -وادي، فاروق: ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية 178 (22) -البحث عن وليد مسعود 182-183 (23) -المصدر السبابق 183 (24) -المصدر السابق 130 (25) -المصدر السابق 133 بتصرف) (26) -المصدر السابق 207-208. (27) -البحث عن وليد مسعود 153 (28) -بنظر على سبيل المثال، ما جاء في رواية "السفينة" ص 157-158) و "البحث عن وليد مسعود" ص276) (29) -الولي، مصطفى: الغائب المنشود. الفسطيني في روايات جبرا إبراهيم جبرا ص 94 (30) -أبو مطر، د.أحمد: الرواية في الأدب الفسطيني ص 226 (31) -أفدت في تسمية هذا النموذج، من كتاب: إيمان القاضي: الرواية النسوية في بلاد الشام- السمات النفسية والفنية 1950-1985، الأهالي للطباعة والنشر، دمشق ط1/ 1992 ص97 وقد سبقت الإشارة إلى تسمية الانتقالي أو الانتقالية) في كتاب: عفيف فراج: الحرية في أدب المرأة، مؤسسة الأبحاث العربية. بيروت ط2/ 1980 ص 16 (32) -فراج، عفيف: الحرية في أدب المرأة ص 16 (33) -ينظر،فراج، عفيف: الحرية في أدب المرأة ص 259 (34) -ينظر الصبار 216 (35) -عباد الشمس 60 (36) -الصبار 39-41 (37) -الصبار 207 (38) -الصبار 207 (39) -عباد الشمس 115 (40) -عباد الشمس 39 (41) -المصدر السابق 40 (42) -المصدر السابق 39 (43) -عباد الشمس 39 (44) -عباد الشمس 12 (45) -عباد الشمس 40 (46) -القاضي، إيمان: الرواية النسوية في بلاد الشام السمات النفسية والفنية... 115-116 (47) -البحث عن وليد مسعود 227 (48) -وادي، د. طه: صورة المرأة في الرواية المعاصرة ص/80/ (49) -البحث عن وليد مسعود 221-222 (50) -المصدر السابق 233 (51) -المصدر السابق 233 (52) -المصدر السابق 28 (53) -المصدر السابق 25 (54) -البحث عن وليد مسعود 240-241 (55) -المصدر السابق 238 (56) -البحث عن وليد مسعود 245 (57) -وادي، فاروق: ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية 178-179 (58) -عباد الشمس 209 (59) -المصدر السابق 208 (60) -ينظر عباد الشمس 142 (61) -* هكذا وردت في الرواية. والصواب: يقرؤه- المصدر السابق 106. (62) -عباد الشمس 211 (63) -ينظر عباد الشمس17 (64) -حمود، د.ماجدة: "المرأة في روايات سحر خليفة" المعرفة، العدد /373/ عام 1994 دمشق ص204-205 (65) -حمود، د.ماجدة: "المرأة في روايات سحر خليفة" المعرفة عـ 373 ص198 (66) -عباد الشمس 104 (67) -المصدر السابق 274 (68) -عباد الشمس 119 (69) -عباد الشمس 119 (70) -حمود، د.ماجدة: "المرأة في روايات سحر خليفة" المعرفة عـ 373 ص195-196 (71) -عباد الشمس 104 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |