المرأة في الرواية الفلسطينية 1965-1985 - د.حسان رشاد الشامي

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:33 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الرابع نموذج المرأة الثوريّة

-تمهيد‏

شهد الواقع الفلسطيني تطّوّراً هاماً، في وضع المرأة على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، ولا سيما بعد انطلاقة الثورة رسميّاً عام 1965، ممثلة بحركة التحرير الوطني الفلسطيني، إذ عجّلت الثورة من كسر قيودها، وأتاحت لها المشاركة الفعلية في العمل النضالي، سياسياً وتنظيمياً، وعسكرياً، كذلك عكست الرواية هذا الواقع، وقدّمت صوراً مختلفة للمرأة، فهي ليست المرأة الأم التي تقدّم أولادها الذكور للعمل الثوري، إنمّا هي إلى جانب ذلك "المرأة الثورية بذاتها" التي تمارس العمل السياسي والإعلامي والعسكري، فتحمل السلاح في قواعد الثورة، وفي عمليات عسكرية ضد العدو... وليس هذا تطلّعاً من الكاتب إلى ما بنبغي أنْ يكون، لكنّه الواقع الذي تعيشه حالة الثورة فعلاً))(1) .‏

ولقد نظر الكاتب الفلسطيني إلى المرأة عامة. والمرأة الثورية خاصة، نظرة تقدير واحترام لأنّها ثائرة أكثر من ثورة. فإذا كان الرجل العربي ثائراً على الاحتلال، وما يمثّله من قهر قومي، وعلى علاقات الإنتاج، وما تمثّله من قهر اقتصادي واجتماعي، فالمرأة العربية الفلسطينية) ثائرة مثله على كلا القهرين، كما أنّها ثائرة على واقعها الاجتماعي الذي.... يكبّلها، وثائرة على أنوثتها التقليديّة، وعلى ما تتمتع به المرأة العربية عادة من حياة رغدة كسولة هادئة))(2) .‏

فالمرأة الثورية، كما هي في الواقع. والفن، تعي طريقها، وتضحّي من أجل الوصول إلى غايتها، فتحقق استقلالها الذاتي عن طريق العمل وممارسة النضال الوطني، وترى في ثورة المرأة وتحررها بداية للثورة الشاملة، وهي لن تستطيع ذلك وحدها، لابدّ من مساندة الرجل الثوري في معركتها ضد التخلف والقهر)(3) .‏

وإذ يرسم الكاتب الفلسطيني صورة المرأة الثورية، سواء أكانت كادحة مسحوقة أم مثقّفة واعية. فإنّه يقدّمها بصورة واقعيّة محببّة، نافياً عنها البؤس والقتامة والقسوة، وقد يربطها أحياناً ببعض الصور الدالة التي ترقى إلى مستوى الرمز، ولكنّه يبتعد، إلى حد كبير، عن المبالغة والتضخيم أو المثالية. وغالباً ما يعود في تقديمه لشخصية المرأة الثورية إلى الظروف التاريخية، والشروط الذاتية، وأبرز العوامل التي أسهمت في تكوينها النفسي والفكري والاجتماعي والسياسي. ذلك أنّ الواقعية في رسم الشخصية تقتضي... إلى جانب صحّة وصدق التفاصيل، التجسيد الصادق للشخصيات النموذجية، في الظروف النموذجية... التي تحيط بها، وتضطرها للفعل))(4) .‏

وفيما يلي نقف على صورة المرأة الثورية الكادحة المسحوقة. التي تمثّلها، أم سعد في الرواية المعنونة باسمها، ومن ثمّ الثورية المثقّفة التي تمثلها "شهد" في "بوصلة من أجل عبّاد الشمس"، و "زينب" في "الرب لم يسترح في اليوم السابع" لنتبين طبيعة كل شخصية وملامحها على حدة.‏

أولاً- المرأة الثورية الكادحة:‏

-أم سعد: "أم سعد"‏

رواية "أم سعد" هي نص مزيج من يوميات حياة المخيّم، وفي ذلك واقعيته، وممكن فعالية المخيم، وفي ذلك شاعريته، ونهوض روح المقاومة والثورة في ناسه وفي ذلك ملحمته))(5) . إنها رواية التحوّلات والتغيّرات الإيجابية التي شهدتها الساحة الفلسطينية، عقب نكسة حزيران عام 1967، في مخيمات بيروت، بعد أنْ تحوّلت إلى معسكرات لتدريب طلائع حرب التحرير الشعبية، فأصبح الفلسطيني اللاجئ فدائياً، بعد أنْ كسر طوق الصمت والعجز والانتظار، وضربت الثورة جذورها في نفوس أبناء الطبقة الشعبية الكادحة، ورؤوسهم.... وتجسّدت مقولة أم سعد: خيمة عن خيمة تفرق)). فخيمة المخيم تكريس للذل والبؤس والغربة، بينما خيمة المعسكر الفدائي) منطلق لغد الحرية والكرامة))(6) .‏

تقوم الرواية على مجموعة من الأحداث التي تتمحور حول الشخصية الأساسية "أم سعد"، وتتوزّع على تسع لوحات. ترتبط فيما بينها برباط زمني خفي، يتمثّل في عرق الدالية الجاف الذي زرعته "أم سعد" غداة الهزيمة، في حديقة الراوي المثقف، في اللوحة الأولى، ليبرعم في نهاية اللوحة التاسعة، وبذلك تتحقق نبوءة المرأة، بإشراق فجر جديد، فجر ينبثق من الواقع الناهض ليبدد ظلمات الهزيمة، وليزرع الأمل والثقة في نفوس كليلة هدها الأسى والانتظار الممض، وليرسم آفاق الثورة والتحرير.‏

وأما "أم سعد" الشخصية النموذج) فهي بطلة الرواية، بل الرواية برمّتها. إنّها فلاحة فلسطينية كادحة، أميّة. في الأربعين من عمرها، هجرت قريتها "الغبسية" إثر نكبة 1948، وأضحت لاجئة في أحد مخيمات بيروت برج البراجنة). تقوم بخدمة بيت الراوي، وسواه لتنفق على أسرتها، وهاهي تعيش واقع المخيم بكل أبعاده الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإنسانية. وتكابد ثقل الهموم ، وقساوة الظروف المعيشية، بما فيها من فقر وجوع، وعمل مضن، سوء المأوى، وذل الانتظار أمام أبواب وكالة الغوث، وبطالة الزوج، وسوء تصرفاته، بالإضافة إلى ما تكابده من بطش الطبيعة بأبناء المخيم حين تغرقهم بالوحل والطين، إلى جانب ما أغرقتهم به أوحال الهزيمة. إنها باختصار نموذج للبطل الإيجابي الذي يصنع نفسَه من خلال معركته ضد الحاضر البائس، فينمو وعيها من خلال الممارسة والمواجهة المباشرة، وترسم مسار الخلاص، مستفيدة من دروس الماضي، منطلقة في الوقت نفسه إلى عالم المستقبل... ولكن عملية الصنع هذه، تأتي نتيجة لتوفير عوامل تاريخية متعددة، وشروط ذاتية محددة. "فالهزيمة" ونقيضها" المقاومة" هما اللذان أوجدا*) أم سعد))(7) .‏

يأتي تقديم شخصية "أم سعد" منذ البداية موسوماً بالصدق والواقعية، إذ يقول الكاتب: أم سعد، "امرأة حقيقية"*)، أعرفها جيّداً، ومازلت أراها... وأتعلم منها، وتربطني بها قرابة ما، ومع ذلك، فلم يكن هذا بالضبط ما جعلها مدرسة يومية. فالقرابة التي تربطني بها واهية إذا ما هي قيست بالقرابة التي تربطها إلى تلك الطبقة الباسلة المسحوقة والفقيرة والمرمية في مخيمات البؤس..))(8) .‏

فأم سعد، إذاً، تمثل، تلك الجماهير الشعبية الكادحة المسحوقة، إذ اكتسبت على يد غسان... تكثيفاً خاصاً أصبغ عليها ملامح جماعية، فلم تعد أم سعد الفرد، إنما الشعب بأكمله. في كل لوحة من لوحات الرواية التسع، تتشكل أم سعد بملامح جماعية، فهي كل أم فلسطينية رفضت أسمال البؤس واختارت-طوعاً وقناعة- طريق القتال))(9) .‏

وتتضح صورتها من خلال امتزاج ملامحها الخارجية بصورة الأرض وأشيائها، وتوحّدها الدائم بالأرض التي تعشقها، وتستمد منها وجودها، وكيانها وصمودها العريق. فها هي تظهر بطلّتها البهية المعبّرة التي تنم عن عنفوانها وإبائها، فتبدو للراوي وهي قادمة من رأس الطريق المحاط بأشجار الزيتون... مثل شيء ينبثق من رحم الأرض... هذه المرأة تجيء دائماً، تصعد من قلب الأرض وكأنّها ترتقي سلّماً لا نهاية له))(10) .‏

كل ما اكتسبته أم سعد من صفات خارجية: جبنها الذي له لون التراب))(11) ، كفّاها اللتان تبدوان جافتين كقطعتي حطب، مشققتين كجذع هرم))(12) ، ساعدها الأسمر القوي الذي يشبه لونه لون الأرض))(13) وغير ذلك من صفات أو تشبيهات، يحيلنا إلى عالمها النفسي والشعوري، إلى معدنها الثمين، وجوهرها الأصيل، كما يحيلنا إلى طبيعة حياتها الاجتماعية، ومعاناتها وشقائها، فنقف على مدى صمودها، وتجذرها بالأرض بكل ما تحمله من دلالات(14) .‏

تحكي الرواية قصة شقاء أم سعد، ومعاناتها اليومية، ونضالها، وهي تغالب ذلك الواقع المتأسن من أجل تجاوزه. فقد فجرت فيها تلك الظروف اللاإنسانية التي عاشتها في المنفى الإحساس بالضيق والغضب، إذ باتت ترى كل ما حولها حبساً، ومما زاد إحساسها بعمق المأساة، وفداحة الواقع، حالة الضياع والذهول التي لا زمت زوجها والكثيرين من أبناء الشعب الفلسطيني، طوال عشرين عاماً أعقبت النكبة، فقد كان أبو سعد مدعوساً بالفقر، ومدعوساً بالمقامرة، ومدعوساً بكرت الإعاشة، ومدعوساً تحت سقف الزنكو، ومدعوساً تحت بسطار الدولة...))(15) .‏

ولكنها على الرغم من تلك الظروف القاسية، وما حواه صدرها المفعم بالأسى، وحطام السنين الطويلة ونكد الأيام وذلها، لم تستسلم. كانت "أم سعد" تصبر وتتجلد ولا تشكو أو تظهر في صورة المرأة الضعيفة المسكينة التي تستحق الشفقة، أو تستدر العطف، لأن كنفاني لم يكن يعتبر البؤس قدراً طبيعياً مفروضاً على الإنسان... فالبؤس نبيل وجميل عندما ينطبق على مجهودات أولئك الذين يبحثون عن التغلب عليه))(16) .‏

وتبقى "أم سعد" شامخة كالطود، ومتماسكة قوية كما لا يستطيع الصخر، صبورة كما لا يطيق الصبر، تقطع أيام الأسبوع جيئة وذهاباً، تعيش عمرها عشر مرات في التعب والعمل كي تنتزع لقمتها النظيفة، ولقم أولادها))(17) . فقد علت على معاناتها وجراحها، كما علت على الهزيمة، وماخلفته من خيبة وجراح عميقة في النفوس، لأنها أدركت بحسها الثوري العفوي السليم: أن الحرب بدأت بالراديو، وانتهت بالراديو))(18) ولذا لابد من الاستعداد لخوض المعارك الحقيقية المقبلة، والاعتماد على النفس، لتأكيد الهوية الفلسطينية، وتحرير الأرض.‏

ومن هنا نجد "أم سعد" لا تعارض التحاق ابنها "سعد" بالفدائيين، بل تشجّعه، وتدفعه إلى ذلك بفخر واعتزاز، وعزم على الفداء، وتتمنى لو تلحق به، وبرفاقه، لتكون أمّاً للجميع، وتقول: إذا لم يذهب سعد، فمن سيذهب؟))(19) ، وهاهي تقول للراوي المثقف: أقول لك، لتكن توصيتك به إلى رئيسه أنْ لا يغضبه. قال: أم سعد تستحلفك بأمّك أنْ تحقق لسعد ما يريد... يريد أنْ يذهب إلى الحرب؟ لماذا لايرسله؟))(20) . وتدفع ابنها الصغير "سعيد" للتدريب مع أشبال المخيم، وتعدّه ليكون خلفاً صالحاً لأخيه الفدائي، وتطلق زغرودتها الطويلة المعبّرة عن ابتهاجها وإعتزازها بولدها، وبهؤلاء الأشبال، حين ترى سعيداً يتغلّب على منازله، أثناء أحد عروض التدريب العسكري في المخيّم. فتتجاوب هذه الزغرودة مع زغاريد نساء المخيم، ويعمُّ الأمل بغد أفضل.‏

لقد أدركت "أم سعد" بوعيها العفوي السليم، وبحسّها الوطني الذي تأجج غداة الهزيمة، ومن خلال تجربتها الحياتية العريضة، وبما استفادته من دروس الماضي، كقصة "فضل" المناضل البسيط، أنّ النضال لتحرير الأرض مرتبط بتحرير الإنسان من عجزه، ومن بعض الآفات الاجتماعية والمفاهيم البالية التي تكبّل المرء، وتعيق حركة تطوره ونهوضه. ولذا فهي تربط بين النضالين: النضال على الجبهة الداخلية، والنضال على الجبهة الخارجية إذ ترى ضرورة تصفية الساحة العربية-الفلسطينية من الخونة والمتخاذلين والمستغلين الذين لعبوا- فيما مضى- دوراً مشبوهاً لإجهاض ثورة 1936)، وكان لهم الأثر الكبير في ضياع الوطن عام 1948، ولا زالوا يلعبون هذا الدور من أمثال "عبد المولى" النائب في البرلمان الإسرائيلي... وغيره، فنراها تواجه المختار الذي يحاول منع ابنها "سعد" ورفاقه من الالتحاق بالفدائيين، وأخذ تعهد بأنْ يكونوا عاقلين أوادم). وتتصدّى، أيضاً، للأفندي، رجل المباحث، الذي يتعقّب سعداً، وهو ينتظر عودته لأمّه كي يقبض عليه. ليس هذا فحسب، بل نراها تدرك فساد الاعتقاد بالحجاب وتستبدل بالحجاب رصاصة فارغة، وتعلّقها بصدرها، إيماناً منها أنّ الحجاب المرتبط بحفظ الإنسان، ودفع الشر عنه، لا يمكن أنْ يظل في مجتمع ثوري كلمات، أو رسوماً مهمة كتبها شيخ أو آخر. إن استخدام الطلقة المفرّغة كعقد.... رمز دال على دخول العديد من الأفكار الجديدة... والأنظمة السلوكية المتقدّمة على الحياة القديمة للجماعة))(21) .‏

وتعي "أم سعد" أيضاً، معنى التحالفات، ولو بصورتها العفوية البسيطة، فتتضامن مع مثيلاتها في البؤس والشقاء، كتضامنها مع المرأة اللبنانية الجنوبية، ومع أبناء المخيّم في مواجهة ظروفهم الحياتية الصعبة، فيكون لها الدور الأبرز بين نساء المخيم في التصدّي لإزالة آثار العدوان، وتوحيد الجهود، وذلك حين دعت نساء المخيم وبناته، وأبناءه لرفع القطع المعدنية الحادة التي ألقت بها الطائرات الإسرائيلية على الطريق المحاذية للمخيم، والمؤدية إلى مطار بيروت، كما أنّها تشاطر أبناء طبقتها وشعبها همومهم وآلامهم، وآمالهم وتطلّعاتهم.‏

لقد جسّدت "أم سعد" في تصرفاتها ومواقفها وأفعالها الروح الناهضة لأبناء طبقتها. كما جسّدت في عطائها وتضحيتها بأبنائها‎، روح المقاومة في أبهى صورها، وأصدق معانيها، وبذلك استطاع كنفاني أن يرتقي بالبطولة النسائية إلى مرتبة رفيعة، إذ لم يقصر النضال، أو البطولة على الرجل دون المرأة، وإنّما جعل من الخندق المسافة المتساوية التي يقف فيها كل من الرجل المناضل، والمرأة الفلسطينية المناضلة خارج الدائرة الوهميّة في مواجهة الواقع، وتأكيد الانتماء))(22) للأرض وللقضية وإنسانها.‏

ثانياً- المرأة الثورية المثقّفة:‏

1-شهد الصمدي: "بوصلة من أجل عبّاد الشمس"‏

تُبرز رواية ليانة بدر "بوصلة من أجل عباد الشمس" دور المرأة الفلسطينية، ولا سيما المرأة المثقّفة الثورية في عملية النضال الوطني والاجتماعي، من خلال حشدها لعدد غير قليل من الشخصيات النسائية التي أظهرت بطولات، لا يُستهان بها في بعض المراحل الصعبة التي مرت بها القضية الفلسطينية، ومن بين هذه الشخصيات تبرز "شهد الصمدي" التي قدّمتها الرواية عن طريق ذكريات "جنان" صديقتها منذ الطفولة، ورفيقة دربها في النضال، وشريكتها في التظاهرات والانتفاضات، وهي أيضاً شاهدة على مآسي شهد، ومواقفها الشجاعة في مختلف مراحل حياتها، وظروف معيشتها.‏

ينطلق الحدث الروائي من اللحظة الحاضرة المتمثّلة في الحرب اللبنانية عام 1975، ليعود إلى الوراء عبر تداعيات "جنان" وذكرياتها التي تسترجع أحداث ما قبل عام 1967 وما بعدها مروراً بأحداث أيلول عام 1970، وما خلّفته من مآس وجراح عميقة. وإذ تقدّم الكاتبة شخصية "شهد الصمدي" فإنّها تقدّمها بصورة تدريجية، تتكشف من خلالها، شخصية جادة نقيّة، مقبلة على الحياة، يميّزها الوعي والإخلاص لمبادئها، وللثورة التي آمنت بها، والتزمت بالنضال في صفوفها.‏

تعود الرواية، إذاً، إلى ماضي "شهد" لتلقي بعض الضوء على ظروف نشأتها، ومعاناتها الفقر والحرمان، فقد استُشهد والدها، وهي صغيرة، فأقامت سنين عديدة في مدرسة الأيتام الداخلية، ذاقت خلالها مرارة التشّرد واليتم. وحينما شبّت، تابعت دراستها في معهد المعلّمات في عمّان، ونمت في داخلها بذور الثورة التي زرعها والدها، وغذّاها استشهاده. وكان للواقع الصعب الذي عاشته بما فيه من ظلم وقهر، إضافة إلى ما تلقّته من ثقافة ثورية، أثر كبير في تفتّح وعيها الثوري، وإذكاء شعلة الثورة في داخلها.‏

كانت طالبة متميزة تنتظر المساء بفارغ الصبر، لتمارس مع صديقتها "جنان" نشاطهما السري، الذي يتمثّل بتوزيع المنشورات السياسية الممنوعة، ولصقها على جدران المعهد، والتحريض على المظاهرات ضد سياسية القمع والاضطهاد، والثورة على المحتل. وقد اعتادت الاشتراك بمثل هذه التظاهرات، وهي لمّا تزل تلميذة صغيرة، وقد اعتقلتها السلطات الأردنية، وتمّ التحقيق معها، ومن ثمّ أطلق سراحها بكفالة، لتعاود نشاطها من جديد.‏

وتُولي شهد أهمية كبيرة للعلم والمعرفة، وتسعى إلى تثقيف نفسها فكرّياً وثورياً، فتركّز اهتمامها على قراءة كتب الفلسفة الثورية. وتحاور أستاذها "ماجد عبد الباهي" خريج جامعة أكسفورد، وأحد مدّعي الثقافة والتحرّر، فتزداد في مناقشاتها معه اعتداداً بقدراتها وذكائها، ويزداد هو إعجاباً وشغفاً بها، غير أنّ مصدر إعجابه بها لم يكن ذكاؤها وثقافتها، بل تحرّرها وانفتاحها، وقدرتها على استيعاب الآخرين، والتفاهم معهم على اختلاف مشاربهم.‏

يدعوها "ماجد عبد الباهي"، ذات يوم إلى زيارته في بيته، فتلبّي دعوته، منطلقة من إحساسها بحسن طويته، وثقتها بنفسها، فتشاركه في إعداد الطعام، ولكنه سرعان ما ينظر إليها بعين الرغبة، فيندفع لتقبيلها بعنف، فتقاوم ذلك وتستطيع الإفلات منه بقوة وشجاعة، متحولة إلى كتلة من الصراخ المجنون(23) .‏

وبذلك انتهت علاقتها بماجد عبد الباهي، التي كانت رهاناً خاسراً، كما تنبأت بذلك صديقتها جنان. لقد ظنت أن ما بينهما من صداقة يمكن أن يتحول مع الأيام إلى حب حقيقي، لكن صدمتها فيه كانت كبيرة، إلا أنها استطاعت تجاوزها، فلم تستسلم لمشاعر الخيبة والحزن، بل زادتها تلك التجربة المرة، قوة وتصميماً على مواصلة مسيرتها النضالية، ومتابعة دراستها، ومماحكة أستاذها، لكشف زيفه، ولكنه أخذ يتجاهلها، ولا يلتفت إلى أسئلتها.‏

وإذ تحاول الكاتبة أن تجسد في شخصية "شهد" الروح الثورية الحقيقية، لتتجاوز بذلك تناقضات الرجل المثقف، وتكشف زيف ادعاءاته، فإنها تمنحها دوراً كبيراً يتناسب مع وعيها وملكاتها الفكرية، ومؤهلاتها، بوصفها امرأة مثقفة ثورية، عرفت موقعها في صفوف الثورة، من خلال اشتراكها في المعسكرات الطلابية، وقيامها بالكثير من المهمات النضالية التي كلفت بها، إضافة إلى نشاطاتها الأخرى، كجمع التبرعات، والقيام بأعمال الإسعاف والتوجيه والإعلام وتوزيع المنشورات السياسية، وسوى ذلك من النشاطات النضالية(24) . كل ذلك جعلها تتجاوز دورها وحجمها كأنثى، تبعاً للمفهوم التقليدي، لتؤكد ذاتها وقدراتها على الصمود والمواجهة، وحمل السلاح. إذ تشارك مع رفاقها في عمليات المقاومة في أحداث أيلول عام 1970 وتقوم بمهمات قتالية عديدة، تظهر فيها جرأة وكفاءة عالية. وتمارس دورها التوجيهي الواعي، الذي برز أثره في حماية المقاتلين من آثار الإصابة بالقنابل الفوسفورية. وتستطيع، أيضاً، أن تتجاوز محنتها، وتتغلب على أحزانها إثر استشهاد حبيبها المناضل " محمد فلاحة" على مرأى منها، وذلك بفضل وعيها واتزانها وتحليها بالإرادة القوية، وإيمانها بأن العالم لا ينتهي عند إنسان واحد، وهو واسع فسيح، يسمح على نحو ما باحتضان أمنياتنا، والعمل من أجل تحقيقها))(25) .وتتمكن "شهد" من إعادة ترتيب أمورها، وتنظيم حياتها، على نحو يكفل لها الاستمرار. فمسيرة الثورة علّمت المناضل الثوري أن لا وقت للدموع، وأن الحرص على استمرارية الثورة، يعني من جملة ما يعنيه، دفن الأحزان، وعدم الاستسلام لليأس، والصمود أمام الصعاب، وتجاوز كل العقبات نحو غد مشرق، وحياة أفضل.‏

وإذ تنتهي أحداث أيلول، تواصل شهد مسيرتها النضالية، من موقعها الجديد، بعد أن تخرجت من المعهد، وعملت معلمة للغة الإنكيزية، في إحدى مدارس وكالة الغوث، فكانت تبث أفكارها الثورية في رؤوس تلميذاتها. ولكنها سرعان ما تفصل من العمل في المدرسة، ويتكرر الفصل في أماكن أخرى، وتغلق دونها أبواب العمل في دوائر الدولة ومؤسساتها، بسبب نشاطها السياسي، لتصبح أخيراً سكرتيرة في إحدى الشركات التجارية الخاصة في عمان.‏

وعلى الرغم مما عانته من جراء فصلها المستمر من العمل، وملاحقة المخبرين لها بعد أحداث أيلول، لم تستسلم أو تهادن، أو ترضخ لأساليب الترغيب والترهيب التي مارستها عليها أجهزة السلطة، وهي تحاول دفعها إلى الانهيار والسقوط، أو الاعتراف بما لديها من معلومات حول علاقاتها مع المقاومة، مقابل منحها شهادة حسن سلوك، تخوّلها العمل في أفخم المدارس، وتصبح أحسن معلمة.‏

وتصر شهد على المواجهة والتحدي، يدفعها في ذلك عزيمة قوية، وإرادة صلبة، وإيمان عميق بسلامة المبدأ، ونبل الهدف، وقدرة كبيرة على مغالبة الشدائد، وأمل كبير بتجاوز هذه الأزمة كسابقاتها. فها هي ذي تقول لصديقتها جنان: يريدون تدمير عالمي بالفصل المستمر من جميع الأمكنة. حسناً، ليفعلوا إن استطاعوا. لو تفّتت العالم فسوف أعيد تجميع أركانه، ولربما خلقته من جديد كي أغيظهم))(26) .‏

إن التجربة الصعبة، والمعاناة المرة التي عاشتها "شهد الصمدي"، وسواها من شخصيات الرواية، أثناء أحداث أيلول وما بعدها، تصور صمود المرأة الفلسطينية المثقفة، المدعمة بالفكر الثوري، بل تصور صمود الجماهير في وجه الاضطهاد والسحق ومؤامرات التصفية. كما تعبر عن هموم المقاومة، وأزمتها الحادة في تلك المرحلة التاريخية الخطيرة من حياة الثورة والقضية الفلسطينية، وتؤكد حق المناضلين في مقاومة الموت والدمار، والدفاع المستميت عن ثورتهم ووجودهم، وحقهم في حياة حرة كريمة.‏

وإذ تحرص الرواية على تقديم المرأة المثقفة الثورية، بصورة واقعية متوازنة، فإنها لا تهمل الجانب العاطفي-الشعوري من حياة "شهد" لكي لا تحولها إلى محض مناضلة ثورية لا همَّ لها إلاّ المقاومة، ولذا تبرز الرواية الجانب الإنساني الآخر من شخصيتها كالشفافية والحساسية المفرطة تجاه الأشياء المحيطة بها. فمثل هذه الشفافية، تمنح الشخصية بعداً آخر، يكسبها حضوراً أكبر، فتبدو مقنعة صادقة نظيرة للواقع بكل ما تجسده.‏

فشهد الشجاعة الصلبة. الجادة، ذات التطلعات الثورية، والإرادة القوية، تحب الحياة، وتستميت في الدفاع عنها، وتعشق الحرية، والعيش في أحضان الطبيعة، فلا عجب أنّ سمتّها صديقتها "جنان" : شهد المطر والسوسن البري... حين رأتها تركض إلى الحديقة، غبّ المطر، وتقطف الأزهار الزرقاء... ثم تأتي بها إلى غرفتها بالمعهد، وتنثرها في جميع الزوايا وعلى كل رفوف الكتب وأغطية السرائر الخشبية))(27) .‏

كانت شهد فتاة رومانتيكية صارخة، لكنّ رومانتيكيتها بدأت تخبو وتتلاشى إثر الأحداث التي شهدتها... الفصل المتكرر من الأعمال يدفعها إلى مواصلة البحث عن العمل، إيماناً بأن العمل، ضرورة حيوية للإنسان، فهو نسغ حياته الذي يمنح وجوده معنى وقيمة، ويصون حريته، ويحمي خياراته الحياتية. ترفض شهد الزواج من رجل أكرش، يملك شقة كبيرة مترفة، وعدداً من السيارات الفخمة، وتصم أذنيها عن نصائح أمها لتقبل بهذا الرجل زوجاً. كما ترفض الرضوخ لدعوة خالها بالتخلي عن العمل النضالي، والأفكار الثورية.‏

لم تتراجع شهد عن مبادئها، ولم تهادن، أو تستسلم لمن يريد اغتيال أحلامها الثورية، ودفعها إلى الانهيار والسقوط. تكتب لصديقتها: يا جنان... إني دائمة الإحساس بأنّ منْ يكون مثلنا سيتمكن من مواجهة الرديء بنفس الشجاعة التي يواجه بها أفضل الأشياء. وسنستطيع أنْ نخلق من البشاعة، جمالية أخرى تكرّس أصولها في صميم اليومي والعادي، وما يفرض علينا رغماً عنّا. ربما كان إحساساً بالفخر هو جزء من الحب العظيم الذي يشدّنا إلى الوطن))(28) .‏

هكذا بدت "شهد الصمدي" امرأة ثورية، ناضجة، وجريئة، مفعمة بالحياة والأمل، منصهرة بحرارة التجربة، وصدق المعاناة. ملتحمة بأوجاع الوطن، وأحزان الرفاق، وهمومهم وآمالهم، مؤمنة بأنّ العلم والعمل، والإرادة الصلبة، والشجاعة مشفوعة بالصبر والصدق والحكمة، هم جميعاً العدة التي تصنع الإنسان الثوري المنسجم مع ذاته قولاً وفعلاً.‏

وبعد أنْ توقفنا عند أبرز السمات الشخصية والفكرية والنضالية المميزة للمرأة الثورية المثقفة التي تجسدها "شهد الصمدي". واستعرضنا تجربتها الثورية في صفوف المقاومة، ومعايشتها لأحداث أيلول عام 1970. وتناولنا أبرز مواقفها الثورية على الصعيدين الاجتماعي والنضالي- الوطني. جاء الدور لنقف على شخصية أخرى عاشت الظروف نفسها التي عاشتها "شهد" قبيل سقوط الضفة وبعدها. لكنّها اختلفت عنها في ظروف النشأة، ومكان الإقامة، بعد الخروج الثاني. ومستوى التعليم الذي تلقته، وطبيعة التجربة التي عاشتها سواءٌ على صعيد حياتها الاجتماعية في أمريكا أو على صعيد المقاومة في لبنان، أثناء الاجتياح الصهيوني عام 1982، وما تمخض عنه. وهذه الشخصية هي:‏

2- زينب:" الرب لم يسترح في اليوم السابع"(29) .‏

تحكي الرواية قصة خروج المقاتلين الفلسطينيين، بل ترحيلهم من بيروت إلى تونس، عقب الاجتياح الصهيوني، وتضيء جانباً هاماً من عالمهم الزاخر بالآمال والآلام والتطلعات. إذ تقدم عملية تكوين الخروج في سبعة أيام-وتنسى يوم الراحة- على شكل حلقات ملحمية متلاحقة يتخللها حزن كثير، ونقد جارح، ونقمة ورهبة، وروح مرحة أيضاً. فكأنها مشاهد التفريغ الهومرية أو الشكسبيرية))(30) .‏

تطالعنا "زينب" بحضورها المتميز، وشخصيتها المتوازنة الثرية المقنعة، فهي شابة فلسطينية ثورية، في السادسة والعشرين من العمر، تنحدر من أسرة قروية كادحة، مثقفة واعية، ومحدثة لبقة، تمتاز بصراحتها وجرأتها، وهذا مانلمسه من خلال أحاديثها مع رشيد وبعض المقاتلين، إضافة إلى ما تتمتع به من وعي حقيقي، وذكاء لماح، وأنوثة تجللها مسحة من البراءة والجدية في آن معاً، مما يجعلها موضع إعجاب الآخرين وثقتهم واحترامهم وتقديرهم. يصفها رشيد، وقد فوجئ بقرار رحيلها مع المقاتلين، حيث أخذت مكانها إلى جانبه في مقدمة الشاحنة، وشرع يتأملها بإعجاب وفرح: رفعت البيريه الحمراء عن رأسها، فبان جبينها، وأضاءت ابتسامة صغيرة وجهها، فمها صغير، الشفة السفلى ممتلئة قليلاً، والشفة العليا ناعمة، الحاجبان متباعدان قليلاً، العينان مضيئتان، حزينتان عميقتان... طفولة، براءة، في العينين براءة ورغبة في الحياة، في الشفتين إثارة، في الابتسامة واللحية أمومة، كأنما تتهيأ لتأمر طفلاً بالكف عن الشغب، في نفور الملامح كلها مهرة.. مهرة تتهيأ للانطلاق))(31) .‏

عايشت "زينب" مأساة شعبها منذ طفولتها، وشهدت ما لحق بوطنها وشعبها إثر سقوط الضفة في حزيران 1967، وقد اضطرت عائلتها تحت ضغط الظروف المأساوية، واحتلال الصهاينة للمزرعة التي تقيم فيها الأسرة، إلى الهجرة إلى أمريكا، حيث يقيم بعض أبناء العائلة.‏

وفي أمريكا أكملت "زينب" تعليمها، وتابعت دراستها الجامعية، وتخرجت من قسم العلوم السياسية، ثم غادرت أهلها، وتركت أمريكا لتنخرط في العمل الثوري، من خلال الانضمام إلى أحد التنظيمات الفلسطينية في لبنان، بعد أنْ اتسعت آفاق وعيها الثوري، وتشبعت بالفكر التقدمي، ووضعت يدها على مأساة شعبها، وترسخت قناعتها بواجب الدفاع عن الحلم والأمل بالمستقبل الذي تصبو إليه مع شعبها. لم تأخذها مظاهر الحياة في المجتمع الأمريكي، ولم تبهرها حضارة العلم والتكنولوجيا والحرية والانطلاق، ولم تندمج في حياة هذا المجتمع. وظلت تهفو إلى وطنها، فردوسها المفقود، إلى ماضيها، ذكرياتها، أرضها، ملاعب الطفولة والصبا، وتلك الحقول والبراري والتلال والجبال حول قريتها التي مازالت ماثلة في ذاكرتها ووجدانها وكل ذرة في كيانها.‏

لم تنسها أمريكا، إذاً، مأساة شعبها ووطنها: قدرها الذي حملته في وجدانها وقلبها جرحاً راعفاً، لا يلتئم إلا بالعودة إلى ربوعه، عبر حمل شعلة النضال. كانت تقول لرشيد: أمريكا أعطتني بعض العلم والمعرفة، ولكنها لم تأخذ مني روحي))(32) . أنا درست هناك و... لم أعش، كنت أعيش مثلك، ومثل عبد الله..و... الدكتور خالد.. وأمي مازالت تلبس الثوب الفلاحي...))(33) .‏

وفي لبنان، بدأت "زينب" ممارسة دورها النضالي، من خلال العمل في مكتب الإعلام التابع للتنظيم، ثم شاركت في العمليات القتالية، إثر الاجتياح الصهيوني للبنان، وصمدت مع المقاومة تسعة وسبعين يوماً، وخرجت مع المقاتلين المرحلين إلى تونس، على متن الباخرة القبرصية سولفرين.‏

وإذ يقدم رشاد شخصية "زينب" بوصفها مناضلة ومثقفة ثورية، تربطها بأرضها وبوطنها علاقة حميمية، كغيرها من شخصياته النسائية الثورية المثقفة، أمثال "فجر" و"نهاد" في "البكاء على صدر الحبيب" ‎، فإنه يقدّمها بصورة واقعية وبسيطة، فهو لا يبالغ في إضفاء صفات البطولة أو الشجاعة عليها، ولا يجعلها تبدو مثالية، لا يشغلها ما يشغل المرأة العادية، في بعض الأوقات، وإنما يصفها كما هي في الواقع، أو ما يمكن أن تكونه، فهي مقبلة على الحياة، تعيشها بفاعلية، ولا تنسى نفسها في غمرة انهماكها في العمل النضالي والوطني، تحب اللباس والتزيّن والمرح، وترغب في أن يبدو مظهرها لائقاً بأنوثتها، ولكن باعتدال وحشمة، وبذلك تجمع بين الأناقة والبساطة والجمال، تعشق الحياة الحرة الكريمة، وتناضل من أجلها، وتصبو لحياة آمنة مستقرة إلى جنب الرجل الذي تحبه، ويرضاه عقلها وقلبها. تهفو إلى ممارسة دورها كزوجة، وربة بيت، وأم تنشئ أولادها كما نشأت هي في جو يسوده الحب والتفاهم والاحترام، والإخلاص والتضحية. ومن هنا ينبثق حلمها، مشفوعاً بالأمل والعمل، ومشوباً بشيء من الحسرة والمرارة: متى يكون للفلسطيني زورق حب، لا زورق منفى))(34) .‏

ففي مثل هذا العالم المفعم بالخسارة والخيبة والمرارة والغربة، عالم الثورة المرحّلة مع مقاتليها، يغدو الحلم بالأمن والسلام والاستقرار بالنسبة للفلسطيني أمراً مشروعاً، ليستطيع الاستمرار والتماسك، والحفاظ على توازنه النفسي، شرط ألا يغرقه في متاهة الفردية، والاغتراب، ويسجنه في عالم الذات.‏

ومن هنا نجد زينب لا تستسلم لأحلامها، وإنما تنخرط في حياة الجماعة بجد ونشاط، وتعيش هموم شعبها ومعاناته وآماله. تتحسس آلام رفاقها المناضلين، وتندفع بهمة عالية للتخفيف عنهم، فتشارك في عمليات التمريض، إثر إصابة الكثيرين منهم بدوار البحر.‏

لقد اعتنقت "زينب" الثورة فكراً وممارسة، وكانت بعيدة كل البعد، في أفكارها وتصرفاتها ومواقفها، عن المظهرية والادعاءات الجوفاء، وثرثرات بعض المثقفين، ومناقشاتهم، وخلافاتهم السياسية والفكرية تبعاً لانتماءاتهم. فقد علّمتها الحياة، والكتب، كما علمها والدها، كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على أصالته، وفلسطينيته، ويتمسك بعاداته وتقاليده العريقة، ويبقى واقفاً، متشّبثاً بحذوره، مؤمناً بمبادئه الثورية، ونبل أهدافه، وحتميّة انتصارها، من غير أن تطحنه المأساة، أو تزعزعه العواطف، أو تأخذه الحياة بصخبها وترفها ومغرياتها.‏

فقد تعلمت "زينب" من والدها دروساً في الصبر والعطاء والإرادة القوية، والتفاني في العمل، والإخلاص للهدف، والعيش لقضية. تتحدث عن والدها بحب وإعجاب فتقول: ... والدي حجار، ينحت الحجارة ببراعة، وإرادة، وعناد. يقول لنا: الحجر الأكثر صلابة، هو الأكثر محبة عندي، إنه يتعبني، لذا أحبه، أحترمه، وهو الذي يبقى أكثر، وغالباً هو الأجمل... هناك حجارة جمالها رخو، صخورها رخوة.. لاتتحمل ضربات الإزميل، لذا تتفتت، ولا تصلح للبناء.. والدي اشتقت له، لقمبازه، لكوفيته البيضاء النظيفة، للنظافة في بيتناً، لأمي... أمي هي النظافة...))(35) .‏

على هذا النحو تعلمت زينب من والدها معنى القوة والصبر، والإرادة الصلبة، والإخلاص في العمل، ودور ذلك كله في تحقيق إنسانية الإنسان، وتحقيق وجوده، وفرض احترامه على الآخرين، إذ يوازي والدها) بصورة غير مباشرة بين البشر والحجر، ليبرز دور الإرادة والتصميم في بناء الإنسان القوي المنيع الشامخ الذي يستطيع أن يتجاوز حدود الذات الضيقة، ويعيش من أجل قضية، ويسعى لتحقيق أهدافه بصبر وأناة وإرادة صلبة، وهذا ما يؤكده رشيد لزينب: لا أحد ينتصر على إرادة الإنسان، ليس أقوى من الإرادة، الصبر، الفائز سينال... ينال إنسانيته، سيكون لائقاً بأن يكون إنساناً... ))(36) .‏

لقد جمعت "زينب" بين صلابة الإرادة وقوة الشخصية، ورقة الأنوثة ورهافة الحس، وجمال التكوين، يتوّج ذلك كله وعي ثوري صحيح، مدعوم بالعلم والمعرفة، والتجربة الحياتية المباشرة، فجسدت بذلك أبرز السمات التي تميز نموذج المرأة الثورية المثقفة النقية التي تعي ذاتها، والعالم من حولها، وتمارس حريتها بوعي وفكر متفتّح، وتخترق حاجز الخوف على الحياة، وتخاطر بروحها من أجل حياة أفضل.. وتعمل لتتجاوز ما رسّخته بعض التقاليد البالية من مفاهيم خاطئة تحاصر المرأة في نطاق البيت والجسد.‏

(1) -أبو مطر، د.أحمد: الرواية في الأدب الفلسطيني ص 386‏

(2) -لم يذكر اسم المؤلف: الثورة وقضية تحرير المرأة. منشورات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. بيروت عام 1970 ص9-10.‏

(3) -حمود، د.ماجدة: "المرأة في روايات سحر خليفة "المعرفة عـ 373 ص 196-197‏

(4) -بيتروف، س : الواقعية النقدية. تر: شوكت يوسف، وزارة الثقافة. دمشق ط1/ 1983 ص222‏

(5) -عيد، د.عبد الرزاق: "زمن المأساة... ومأساة الزمن" مجلة الهدف. العدد 968 لعام 1989 دمشق ص 36‏

(6) -شيخ خليل، خالدة: الرمز في أدب غسان كنفاني القصصي 145-146‏

(7) -عواد، حنان: "المرأة في أعمال غسان كنفاني" مجلة الكاتب العربي، السنة السابعة. العدد 23 بغداد عام 1989 ص/65/.‏

*) الصواب هما اللتان أوجدتا)‏

*)-لابد من الإشارة إلى أن "أم سعد" هي امرأة حقيقية، عرفها كنفاني- كما ذكر- وهي السيدة "آمنة ياسين" أم حسن)، وقد سمّاها غسان "أم سعد" حرصا عليها، وعلى أولادها. هذا ما ذكرته السيدة "آمنة" في لقاء صحفي معها أجرته "هدى سويد" تحت عنوان: "آمنة ياسين" بطلة رواية أم سعد: محاولات عدة سبقت اغتيال غسان كنفاني "نشرته مجلة الهدف دمشق، العدد 968 عام 1989 ص 27-30).‏

(8) -كنفاني، غسان: ألآثار الكاملة مج1/241‏

(9) -أبو مطر، د. أحمد: الرواية في الأدب الفلسطيني/ 250‏

(10) -كنفاني، غسان الآثار الكاملة، مج1/245‏

(11) -المصدر السابق 250‏

(12) -المصدر السابق 260‏

(13) -المصدر السابق 277-278‏

(14) -ينظر شيخ خليل، خالدة: الرمز في أدب غسان كنفاني القصصي ص 146‏

(15) -كنفاني، غسان: الآثار الكاملة مج1/335‏

(16) -القاسم، د.أفنان: البنية الروائية لمسار الشعب الفسطيني من البطل المنفي إلى البطل الثوري. دار الحرية للطباعة، وزارة الثقافة- بغداد ط1/1978 ص254‏

(17) -كنفاني، غسان: ألآثار الكاملة مج1/259‏

(18) -المصدر السابق 250‏

(19) -كنفاني غسان: الآثار الكاملة مج1/263‏

(20) -المصدر السابق266‏

(21) -عاشور، د.رضوى: الطريق إلى الخيمة الأخرى 129‏

(22) -عوّاد، حنان: "المرأة في أعمال غسان كنفاني "مجلة الكاتب العربي. السنة السابعة، العدد 23 بغداد، عام 1989 ص61‏

(23) -ينظر بوصلة من أجل عباد الشمس 53-54‏

(24) -ينظر: بوصلة من أجل عباد الشمس 21‏

(25) -المصدر السابق 68-69.‏

(26) -بوصلة من أجل عباد الشمس 86‏

(27) -بوصلة من أجل عباد الشمس (17) بتصرّف‏

(28) -بوصلة من أجل عباد الشمس 88‏

(29) -أبو شاور، رشاد: الرب لم يسترح في اليوم السابع، دار الحوار للنشر والتوزيع. اللاذقية.ط1/1986.‏

(30) -الخطيب، د.حسام: ظلال فلسطينية في التجربة الأدبية 322.‏

(31) -الرب لم يسترح في اليوم السابع 36‏

(32) -المصدر السابق 129‏

(33) -المصدر السابق 67‏

(34) -المصدر السابق 64‏

(35) -الرب لم يسترح في اليوم السابع 129‏

(36) -المصدر السابق 21‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244