المرأة في الرواية الفلسطينية 1965-1985 - د.حسان رشاد الشامي

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:33 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الباب الثالث المرأة فنياً

الفصل الأول الشخصية‏

تمهيد‏

تُعد الشخصية الروائية أحد أبرز العناصر الفنية في الرواية. فهي مدار المعاني الإنسانية، ومحور الأفكار والآراء العامة))(1) ، إذ تقع في صميم الوجود الروائي. تقود الأحداث، وتنظّم الأفعال، وتعطي القصّة بعدها الحكائي.. وفوق ذلك تُعتبر العنصر الوحيد الذي تتقاطع عنده كافة العناصر الشكلية الأخرى، بما فيها الإحداثيات الزمنية والمكانية الضرورية، لنمو الخطاب الروائي واطراده))(2) .‏

وقد ارتبط نشوء الرواية وتطورها، بقدرة الكتّاب على خلق الشخصيات الإنسانية القادرة على تجسيد الوعي الإنساني، ومنطق المجتمع والبيئة...))(3) بالإضافة إلى قدرة هذه الشخصيات على إقناع القارئ بصدق الحياة التي تصوّرها، وإمتاعه والتأثير فيه، وإن تفاوت ذلك بين رواية وأخرى... تبعاً لتعدّد أنواع الشخصيات، وتفاوت مستويات هذه الروايات.‏

وكذلك فإنّ أهمية الشخصية في الرواية لا تقاس، أو تحدّد بالمساحة التي تحتلها، وإنّما بالدور الذي تقوم به، ومايرمز إليه هذا الدور، وأيضاً، مدى الأثر الذي تتركه في ضمير القارئ، مما يدفعه للتساؤل والمقارنة، تمهيداً لتصويب موقفه، في الواقع، وبالفعل، تجاه هذا الموضوع الأساسي))(4) الذي تثيره الرواية.‏

أولاً- بناء شخصية المرأة:‏

درج النقد التقليدي، على دراسة الشخصية الروائية تبعاً للطريقتين المعروفتين والشائعتين في رسم الشخصية، وهما: الطريقة المباشرة، وتُسمى التحليليّة)، والطريقة غير المباشرة، وتُسمى التمثيلية). ففي الطريقة التحليلية يلجأ الروائي إلى رسم الشخصيات، معتمداً على الراوي العالم بكل شيء، مستعملاً ضمير الغائب، فـ يرسم شخصياته من الخارج، يشِّرح عواطفها وبواعثها وأفكارها وأحاسيسها، ويعقّب على بعض تصرفاتها، يفّسر بعضها الآخر. وكثيراً ما يعطينا رأيه فيها صريحاً دون ما التواء))(5) .‏

وفي الطريقة التمثيلية يتنحّى الروائي جانباً، ليترك للشخصية حرية الحركة: والتعبير عن نفسها بنفسها، مستعملة ضمير المتكلّم، فتتكشّف أبعادها أمام القارئ بصورة تدريجية، عبر أحاديثها وتصرفاتها وأفعالها، وهي تفصح عن مشاعرها الداخلية، وسماتها الخُلقية، وأحاسيسها. وقد يلجأ الروائي إلى بعض الشخصيات في الرواية، لإبراز جانب من صفاتها الخارجية أو الداخلية، من خلال تعليقها على تصرفاتها ومواقفها وأفكارها(6) .‏

ويستتبع هذه الطريقة ترتيب الشخصيات، وفقاً لتسلسل أهميتها، فتكون الشخصية المحورية، والرئيسة والثانوية والهامشية. ومن ثمّ يبدأ تصنيف الشخصيات تبعاً لطبيعة دورها، وتطورها أو ثباتها، فتكون هذه الثنائية: الشخصية المسطحّة والنامية. المركبة والبسيطة.. وغير ذلك.‏

ولا نكاد نجد في الرواية العربية الفلسطينية روائياً خرج على إحدى هاتين الطريقتين الشائعتين المعتمدتين في تقديم الشخصية الروائية، مهما اختلفت أساليب الكتّاب في تناولهم لإحداهما أو لكلتيهما. وقد تعدّدت الأساليب الفنيّة التي يقدّم بها الروائيون الفلسطينيون شخصياتهم الروائية، فهناك من يعمد إلى رسم الشخصية، وإبراز أدق ملامحها بأسلوب مباشر، فيتحدث عن صفاتها الخارجية والداخلية، كما نلمس ذلك لدى يحيى يخلف في رسمه لبعض شخصياته زليخة، سنيورة)، وقد يوكل إلى شخصيات أخرى هذه المهمة، كوصف الشايب لزوجه في "نشيد الحياة"، وقد يلجأ إلى أسلوب الوصف الذاتي كما هو في الاعترافات والمذكّرات، كاعترافات "مريم الصفار" في "البحث عن وليد مسعود"، ومذكّرات "فجر صالح الخلف" في "البكاء على صدر الحبيب" ومذكّرات عفاف في "مذكرات امرأة غير واقعيّة". وهناك مَنْ يفسح المجال للقارئ لاستخلاص السمات المميزة للشخصية، ومعرفة عالمها الداخلي من خلال أقوالها وأفعالها ومواقفها من الآخرين(7) . كما نلمس ذلك لدى جبرا إبراهيم جبرا في رسمه لشخصيتي لمى عبد الغني، ووصال رؤوف).‏

لقد استعمل الروائيون كلتا الطريقتين: التحليلية والتمثيلية في تقديم شخصياتهم، كما أفسحوا مكاناً بارزاً للراوي العالم بكل شيء، في كثيرٍ من المواضع في رواياتهم، ليتمكنوا بوساطته من وصف بعض الشخصيات، أو ليعلّقوا على تصرفاتها ومواقفها، أو ليعبّروا عن مكنوناتها النفسية والشعورية.‏

ومما يلاحظ أنّ غالبيّة شخصياتهم الروائية النسائية، هي شخصيات نامية، فاعلة ومتطوّرة، وهي شابة تتراوح أعمارها ما بين منتصف العقد الثاني، والعقد الرابع. أي إنّها تنتمي إلى الجيل الجديد، جيل ما بعد النكبة مثل: فجر ونهاد في "البكاء على صدر الحبيب" وندى في "العشّاق" وشهد الصمدي، وجنان في "بوصلة من أجل عبّاد الشمس" وغيرهن. وقلّما نلتقي شخصيات مسطّحة ثابتة، وهي في معظمها ثانوية مثل: أم صابر، أم عادل، وأم أسامة في ثنائية سحر خليفة. وأم أمير في "الصورة الأخيرة في الألبوم".‏

وأمام تعدد الشخصيات الروائية وتنوّعها في الرواية الفلسطينية، كان لابدّ من اللجوء إلى طريقة إجرائية تقودنا إلى تحليل بناء الشخصية، انطلاقاً من مفهومها التخييلي اللساني، كما ذهب إلى ذلك البنيويون. وفي هذا الصدد نستعين بالخطوات الإجرائية الثلاث التي اعتمدها حسن بحراوي(8) ، وتبعه من بعد. سمر روحي الفيصل(9) ، في تحليله لبناء الشخصية في الرواية العربية السورية. وهذه الخطوات هي: تقديم الشخصية، الاسم الشخصي، تصنيف الشخصية.‏

1-تقديم الشخصية:‏

للوقوف على طريقة تقديم الشخصية، ومعرفة التقنيات المتبعة في ذلك، نستعين بالمقياسين اللذين اقترحهما "فيليب هامون" في هذا الصدد، وهما: المقياس الكمي، والمقياس النوعي. أما الأول فـ ينظر إلى كمية المعلومات المتواترة المعطاة صراحة حول الشخصية وأما الثاني فيدرس) مصدر تلك المعلومات حول الشخصية، هل تقدمها الشخصية عن نفسها مباشرة أو بطريقة غير مباشرة، عن طريق التعليقات التي تسوقها الشخصيات الأخرى. أو المؤلف، أو فيما إذا كان الأمر يتعلق بمعلومات ضمنية يمكن أن نستخلصها من سلوك الشخصية وأفعالها . وتكمن أهمية هذين المقياسين في كونهما يجنباننا الدخول في متاهات الفصل والتمييز على أساس غير دقيق، مما يترتب عنه الالتباس والغموض الذي يلحق دراسة الشخصيات كما في التحليلات التقليدية... فاستعمالنا للمقياس الكمي.. يمكننا من إدراك الأبعاد الدالة والوضع الحقيقي الذي يتخذه هذا المكوّن الأساسي ضمن البنية الروائية، كما يتيح لنا العمل بالمقياس النوعي التعرف على أشكال التقديم الذي تكون في أصل المعلومات التي تمدّنا بها الرواية عن شخصية ما))(10) .‏

وفي ضوء ما تقدّم، سنحاول، تحليل بناء بعض الشخصيات النسائية، بوصفها أمثلة تبين طريقة تقديم الروائي الفلسطيني للشخصية الروائية، وذلك في أربع روايات: روايتين ذات "بنية بسيطة" (11) وهما "أم سعد" لغسان كنفاني، و "الرب لم يسترح في اليوم السابع" لرشاد أبي شاور. وروايتين ذات "بنية معقّدة" (12) وهما الصبار، وعبّاد الشمس لسحر خليفة.‏

ولتكن البداية بشخصية "أم سعد" التي يقدّمها كنفاني معتمداً على الراوي الممثَّل(13)

المثقف) الذي يقوم، بوصف مظهرها الخارجي. ويعد ذلك استعمالاً للمقياس النوعي، في تقديم الشخصية بأسلوب غير مباشر. إذ تنفتح الرواية على مشهد أم سعد وهي قادمة إلى بيت الراوي المثقّف، غداة الهزيمة، فتبدو مثل شيء ينبثق من رحم الأرض... قمت... وأخذت أنظر إليها تمشي بقامتها العالية كرمح يحمله قدر خفي... هذه المرأة تجيء دائماً، تصعد من قلب الأرض، وكأنها ترتقي سلّماً لا نهاية له))(14) .‏

هكذا تجيء شخصية أم سعد مرسومة، منذ البداية، بعناية ودقة، وهذا ما يثبت رؤية الكاتب الشمولية لهذه الشخصية، ويفصح عن مدى معايشته لها، وتمثّل ظروفها ومعاناتها وتطلعاتها، فيقدمها من خلال الصورة الدالة والمكثّفة، التي تتماشى مع طبيعة الشخصية ودورها، وتنبئ بعنفوانها وكبريائها، وتفصح عن رؤية الكاتب لهذه الشخصية المؤهلة للنهوض بدورها.‏

فمن خلال هذه الفقرة، التي تحيل القارئ إلى جانب هام من مظهر أم سعد الخارجي قامتها الممشوقة، طلعتها البهية) يحصل أو اتصال بالشخصية. وكلّما تقدمنا في الرواية، عبر لوحاتها التسع، تكشّفت الشخصية بصورة تدريجية. إذ يكمل الكاتب الوصف الخارجي لمظهرها، للباسها، وصرتها وأشيائها. ثم تقاطيع وجهها، وتفاصيل جسدها الذي اكتسب صفاته جميعها من صفات الأرض. ثم ينتقل عبر الراوي إلى رصد تصرفاتها وحركاتها، وتتبع أقوالها، وهي تتحدث عن سعد، وأحوال المخيم، والعدوان على المخيمات... فتتراكم المعلومات حول الشخصية، وتتكشّف جوانبها النفسية والاجتماعية، فيقف القارئ على عالمها الداخلي، ويتحسّس معاناتها وهمومها، ويدرك طبيعة تكوينها النفسي والفكري. ويقف على حقيقة مواقفها التقدمية، من خلال تتبع الكاتب لانفعالاتها المتنوّعة، وتلقائية مواقفها، وحرارة معاناتها، وصدق مشاعرها، وهي تتحدث إلى الراوي، بينما يستمع هو، ويكتفي.. برصد حركاتها وتصرفاتها، وتتبّع كلماتها، ويحكي عنها بمواقف شبه حيادي، فلا نكاد نحس بحضوره الفكري خلف الشخصية، أو في الأحداث.. فهو يتدخل ليسأل، أو ليجيب. ولكن بالقول الذي يبيّن جزئياً موقف المثقّف الوطني آنذاك))(15) .‏

ويضيء الكاتب جانباً آخر من شخصية أم سعد، من خلال العودة إلى الماضي، في اللوحة السادسة من الرواية: "الرسالة التي وصلت بعد 32 سنة"، ليكشف عن إحساسها العفوي السليم، ويبرز تنامي الوعي لديها، عبر احتكاكها المباشر بالواقع القاسي، واستفادتها من دروس الماضي، وليفسّر مواقفها الراهنة. فالعودة إلى الماضي تأتي لتلبّي حاجة التقديم إلى التفسير والتأويل، ولتدعم مقتضيات الوضوح والمقروئية الضرورية لبناء الشخصية الروائية))(16) . كما تأتي هذه العودة استجابة لمبدأ التدر‍ّج في تقديم الشخصيّة، وتطور وعيها عبر سنين عديدة من العراك مع الأيام، ومغالبة الشدائد، والاستفادة من تجارب الماضي والحاضر، للحيلولة دون تكرار أخطاء الماضي.‏

وتظهر قدرة الكاتب في تقديم شخصية "أم سعد"، من خلال معرفته كيف يقيم علاقات منطقيّة متلاحمة بين وجود الشخصية المظهري والباطني)، وبين السياق الاجتماعي والأيديولوجي الذي يندرج فيه ذلك الوجود))(17) . إذْ استطاع عبر تقديمه لهذه الشخصية، أنْ يصوّر حركة الواقع المتنامي في المخيم، ويعبّر عن رؤيته المتفاعلة للمستقبل في ضوء الخيمة الجديدة.‏

وتجلّت قدرة كنفاني أيضاً، في تمكنّه من التقاط أبرز تفاصيل حياتها اليومية، والتعبير عن أدق خلجاتها النفسية، وعالمها الداخلي. وبذلك فقد جرى تحضير القارئ مسبقاً مع شخصيته الروائية، وبلا شك يكمن نجاح هذه الشخصية، شخصية أم سعد، في تقديم كنفاني لها ببساطة: حركاتها، وأفكارها، صفاتها، لغتها))(18) ليعبر من خلال كلّ ذلك عن انتمائها إلى تلك الطبقة المسحوقة، المفعمة بالكرامة والكبرياء، ومن هنا فقد بدت شخصيتها واقعية، مقنعة، متفاعلة مع الواقع، من غير تضخيم لقدراتها، أو مبالغة في تصويرها.‏

وننتقل مع رشاد أبي شاور في روايته "الرب لم يسترح في اليوم السابع" لنقف على تقديمه لشخصية "زينب" التي تطالعنا صورتها في الصفحات الأولى من الرواية، عبر تداعيات الراوي الممثّل "رشيد" وقد امتلكت حضوراً روائياً متميّزاً كشخصية رئيسة، تقف بمحاذاة الشخصية المحورية التي يمثّلها المناضل الثوري، والكاتب الجريء، والمذيع الناجح؛ رشيد بن محمود، إلى جانب الراوي العالم الخفي) الذي يظهر دوره في عمليّة السرد والوصف، ولاسيما وصف بعض ما خفي على رشيد بالنسبة إلى شخصية زينب، كأن يصف صورتها وهي تستحم، ويعبّر عن دخيلتها وأحلامها، أثناء ذلك(19) .‏

ويبرز دور الراوي "رشيد" في التعليق على بعض الأحداث، والتعريف بمعظم شخصيات الرواية، والتعليق على بعض الأقوال والأفعال، طوال مشاهد الرواية، أو مقاطعها)، الخمسة عشر. مما لا يفسح للقارئ أن يمارس دوره في التفسير والاستنتاج والنقد(20) . ولذا فهو لا يكاد يشعر أنه أمام عالم روائي متحرك، بقدر ما يشعر أنه أمام رؤيا فكرية نقدية تتناول نقداً ذاتياً صريحاً وجريئاً للممارسات الخاطئة لبعض التنظيمات، يقدّمها الكاتب معتمداً على علم رشيد، وسعة اطلاعه، وخبرته. ولعل شخصيّة زينب قد اكتسبت جزءاً كبيراً من حضورها الروائي، بفضل ارتباطها العاطفي-النضالي برشيد وبالمقاومة، إلى جانب مميزاتها الشخصية التي أكسبتها هذا الحضور، فامتلكت بذلك امتياز الفهم، امتياز التدخل والتعليق والتقويم والحكم))(21) وطرح الأسئلة على رشيد بجرأة وصراحة.‏

يبدأ الكاتب، إذاً، بتقديم شخصية "زينب" في المشهد الأول من الرواية وهو الوداع) معتمداً المقياس الكمي في تقديم صورة لمظهرها الخارجي بوساطة الراوي رشيد الذي يعبّر عن إعجابه بجمال وجهها المتلألئ بنور الكبرياء والعزة والبراءة، وانجذابه إلى جمال جسدها المتناسق المفعم بالحيوية، ومظاهر الأنوثة، وهي ترتدي الزي العسكري، وتستعد للرحيل مع المقاتلين(22) .‏

وبعد هذه الوقفة القصيرة عند مظهرها الخارجي الذي ينسجم مع طبيعتها بوصفها شابة مثقّفة ثورية، مفعمة بالحياة والثقة بالنفس، ويتناسب، أيضاً، مع طبيعة الظرف الراهن، والموقف الصعب الذي تعيشه، يبدأ الكاتب كشف بعض الجوانب الداخلية لشخصية زينب، من خلال أحاديثها مع رشيد، ومع بعض رفاقها المناضلين، على ظهر السفينة، عبر المشاهد المقاطع) المتتابعة في الرواية، إذ يفسّر طبيعة العلاقات الودية التي تقيمها مع الآخرين، مما يؤكد حضورها بينهم، وكسبها لاحترامهم وثقتهم.‏

ولكي يكون ذلك الحضور معلَّلاً منطقياً، يستند الكاتب، عبر الراوي، إلى مبدأ التدرج في رسم الشخصية، وتحديدها، والانتقال بها من العام إلى الخاص، ومن المظهر إلى الجوهر، فيلقي الضوء على ماضي زينب، وطبيعة نشأتها، وأبرز المؤثرات الفكرية والثقافية والاجتماعية في شخصيتها، متّبعاً في ذلك الأسلوب غير المباشر حيناً، وهو يبث بعض المعلومات عن زينب، عبر رشيد الذي يقص عليها نبذة من حياتها، كان قد عرفها سابقاً. يقول: المزرعة احتلت في حزيران 67، كنت صغيرة، رأيت جنود العدو، ثم كبرت، وذهبت إلى أمريكا، أقمت عند أخوتك، ودرستِ. أنتِ الآن بعيدة عن المزرعة، ولكنّها ليست بعيدة عنكِ، إنّها في روحكِ عقلكِ..))(23) .وحيناً آخر يعمد إلى الأسلوب المباشر في بث المعلومات فيترك الشخصية تفصح عن نفسها، وذلك حين تتحدث عن ذكرياتها، عن أرضها ووطنها، عن أسرتها ووالديها، وحياتها في أمريكا. تقول: والدي حجار، أتعرف ماذا يعني حجار.....؟.... أمريكا أعطتني بعض العلم والمعرفة، ولكنها لم تأخذ مني روحي... والدي اشتقت له، لقمبازه، لكوفيته. للنظافة في بيتنا...))(24) .‏

إن استحضار الكاتب لماضي "زينب" عبر ذكرياتها الخاطفة ذات الدلالة الكبيرة، يغني عن كثير من المعلومات المفتقدة حول شخصيتها، إذ تنفتح أمامنا صفحات مجهولة، متفرّقة من حياتها، تسهم إلى جانب تصرفاتها وأقوالها، وتعليقات بعض الشخصيات، في الكشف عن جوانب كثيرة من شخصيتها، فتتبلور معالمها, ولكن ما لم تكشف عنه الرواية صراحة، هو ذلك التحول في وعي الشخصية، إذ لا يقف القارئ بصورة تدريجية على جوانب هذا التطور، لأن الرواية قد نصّت عليه بصورة ضمنية غير مباشرة، وذلك من خلال انعطافها إلى ماضي الشخصية، ثم تركها للقارئ أمر استخلاص جوانب هذا التطور في ضوء تربيتها، وتحصيلها العلمي وثقافتها. ولعل السبب في عدم وضوح ذلك التحول أيضاً، يعود إلى أن الشخصية جاءت، منذ البداية، ناجزة، مكتملة الوعي، ولولا عودة الكاتب إلى نبذات من ماضيها، لما استطاع القارئ، الوقوف على مراحل تطور وعيها، وأسباب اعتناقها للثورة فكراً وعملاً.‏

هكذا تجسدت شخصية زينب في الرواية، بصورة مقنعة ومتوازنة إلى حد كبير، وقد بدأ اهتمام الكاتب منصبّاً على إبراز جوهر الشخصية، أكثر من تركيزه على مظهرها الخارجي، على الرغم مما لذلك من أهميّة كبيرة في تقديم الشخصية، وتحديد صفاتها وطبيعتها. لقد اكتفى الكاتب بوصف بعض الملامح الخارجية بالقدر الذي يسمح به الموقف، فركّز على مواطن الجمال في وجهها وجسدها، ولكنّه لم يستغرق في هذا الوصف، ولم يجعله غاية في حد ذاته، بل وظّفه في خدمة الصورة الكليّة المتكاملة للشخصية التي جمعت بين رقة الأنوثة، وقوة الشخصية واتزانها، إلى جانب العلم والوعي الثوري.‏

وبذلك نقف على رؤية الكاتب الفنية لشخصية "زينب" تلك الرؤية التي امتازت بالعمق والشمولية في استيعاب العناصر الإيجابية المتنوعة، والمكونة لشخصيتها، كما امتاز أسلوبه في تقديمها، بالهدوء سرداً وحواراً ووصفاً، على الرغم من طابع الحدة الانفعالية التي اتسمت بها لغة الرواية في كثيرٍ من الأحيان.‏

وهنا. يمكن القول: إنّ الكاتب قد اعتمد في تقديمه لشخصية "زينب" على المقياسين الكمي والنوعي معاً، فمن خلال الأول أضاء جانباً هاماً من الشخصية، مرتبطاً بمظهرها الخارجي، ثم بسيرتها الحياتية: نشأتها، تربيتها، سفرها إلى أمريكا، مستوى تحصيلها العلمي. مما مهّد للمقياس النوعي الطريق لمتابعة تقديم هذه الشخصية للقارئ، فلجأ الكاتب إلى تصريف هذه المعلومات وتوزيعها على مصادر متعددة: الراوي العالم، رشيد، تعليقات بعض الشخصيتات، سلوك الشخصية وتصرفاتها وأقوالها، وما تخبره عن نفسها صراحة). وقد اعتمد الكاتب اعتماداً كبيراً على الراوي العالم الذي قدّم هذه الشخصية، فبث بعض المعلومات التي تتعلق بمظهرها الخارجي، وإطارها الاجتماعي والسياسي، وسمح لنفسه في التغلغل في أعماق الشخصية، والتعبير عن مشاعرها، وأحاسيسها وأحلامها، لتجسيدها بوضوح أمام القارئ.‏

ويختلف الأمر في ثنائية سحر خليفة الصبّار وعبّاد الشمس) ذات البنية المعقدة. فإذا كانت الروايتان السابقتان اعتمدنا على الشخصية الرئيسة الواحدة، فإنّ سحر خليفة في ثنائيتها لم تقدّم شخصية أو اثنتين، بل قدّمت عدة شخصيات، وأعطت لكل شخصية طابعها المميّز، واسمها وحياتها وكيانها، إضافة إلى أنّها ربطت قيما بينها بشبكة من العلاقات الروائية، شاركت جميع الشخصيات في نسجها، فشكّلت مجتمعاً روائياً، يشاكل مجتمع الضفة، خلال عقد من الزمن، يبدأ من أوائل السبعينيات.‏

ويلاحظ في هاتين الروايتين، اعتماد الكاتبة على الراوي العالم في تقديم معظم شخصياتها، واعتمادها أيضاً على الجمع بين الطريقتين التحليلية والتمثيلية) لرسم هذه الشخصيات، ذات المستويات والأدوار المتنوعة والمتباينة فيما بينها، ولا سيما الشخصيات النسائية، مثل أم صابر، أم أسامة) وهي شخصيات ثانوية، تبدو "مسطّحة"(25) ، و"بسيطة" (26) . وأما سعدية وخضرة ورفيف) فهي شخصيات رئيسة، تبدو "نامية" (27) ، وفاعلة على مسرح الحدث الروائي.‏

ولكي تحيط الكاتبة بعالمها الروائي المتشّعب، وتشرف على حركة الشخصيات، وتنسج الخيوط فيما بينها، اعتمدت على الراوي العالم الذي يترك مسافة بينه وبين الشخصية، تستطيع من خلالها أن تتصرف بشيء من الحرية، كما عمدت إلى بناء ثنائيتها، وفقاً للتسلسل الزمني الصاعد، ولجأت إلى تقسيم عملها إلى فصول أو مقاطع متعاقبة، مما أتاح لها أن تخصّص لبعض شخصياتها فصلاً أو أكثر، وربما جزءاً من فصل، وغالباً ما عمدت إلى نثر المعلومات حول الشخصية في عدة فصول كما هو الحال في تقديمها أم صابر، سعدية، وخضرة.. ) وبذلك تمكّنت الكاتبة من نسج الخيوط بين الحوادث والشخصيات، بشكبة من العلاقات، استطاعت من خلالها أن تحقّق لروايتها امتداداً أفقياً، امتد على مساحة أربعة وثلاثين فصلاً أو مقطعاً في "الصبّار"، وخمسة وثلاثين فصلاً في "عبّاد الشمس".‏

ففي الفصل الحادي عشر من "الصبّار"، تقدّم سحر خليفة إحدى شخصياتها الشعبيّة التي تنتمي إلى الطبقة المسحوقة، وهي عيشة أم صابر)، مستندة إلى المقياس النوعي في تقديمها بأسلوب غير مباشر، بوساطة الراوي الذي يقوم بوصف استقبالها لزوجها المصاب. إذ نقرأ: لطمت أم صابر صدرها، وصاحت: أيده اليمين؟ يا كسرة قلبك يا عيشة. وأخذتْ تهرول بين المطبخ والحمام... ثم وقفت وسط الغرفة الممتلئة بجميع أنواع العفش وبدأت تندب:‏

ومن أين نأكل؟...)(28) .‏

بهذا المقطع الوصفي تحيلنا الكاتبة إلى الطابع الشعبي البسيط لهذه الشخصية، فيحصل أول اتصال بها. وكانت الكاتبة، قبل ذلك، قد مهّدت لتقديمها بمعلومة بسيطة، بثتها في الفصل العاشر في سياق تداعيات أبي صابر، إثر إصابته. وتتعلق هذه المعلومة بماضي أم صابر، وهاجس الخوف من الفقر والجوع الذي يطاردها كما يطارد زوجها. وتشكل هذه المعلومة أحد مفاتيح هذه الشخصية.‏

وتتابع الكاتبة بصورة تدريجية تقديم الشخصية، عبر بعض الفقرات المتفرّقة، المبثوثة في الفصول 16،19،27) لتكشف جوانب شخصيتها بوساطة الراوي العالم الذي يرصد تصرفاتها، وأقوالها وأفعالها. كما يصف مظهرها الخارجي، وكل مايتعلق بها، هندامها، بيتها، أطفالها، غرفة زوجها...)، ويتتبع انفعالاتها ليفسح المجال، بعد ذلك، أمام القارئ، ليستخلص من خلال ذلك كلِّه طبيعة هذه الشخصية، وسماتها النفسية والمزاجية، ومستواها الاجتماعي. فقد حاولت الكاتبة تكثيف كل ذلك، عبر بعض المشاهد الوصفية المعبّرة عن بساطتها، وتسطّح شخصيتها.‏

وعلى الرغم من ضآلة المعلومات التي قدمها المقياس الكمي، حول الشخصية بشكل صريح. فإن هناك أموراً أخرى، استعانت بها الكاتبة، من خلال استعمالها لهذا المقياس لتحديد هذه الشخصية أمام القارئ، وتمييزها عن سواها، من هذه الأمور الوصف الخارجي والداخلي للشخصية. واللافت للنظر أن المعلومات المتوفرة حول المظهر الخارجي للشخصية قليلة، ولكن ما يحيط بها من مظاهر خارجية، كانت كافية لإعطاء القارئ فرصة التأمّل لمعرفة طبيعتها، والحكم عليها.‏

وأما بالنسبة إلى المعلومات التي قدّمها المقياس الكمي حول الشخصية صراحة، فإنها تبقى في حدود الصفات العامة التي تنطبق على الكثير من النساء التقليديات الشعبيات الجاهلات، ولذا لم تف في تحديد الشخصية تحديداً واضحاً دقيقاً، فلا يكفي أن نعرف أنهاامرأة في الأربعين، بدينة، في وجهها آثار الكلف. تحمل في معصميها ما لا يقل عن ربع كيلو من الذهب))(29) . فهذه الصفات كما هو واضح عامة، ولكن هناك ما يفسّر ذلك. إذا ما علمنا أن الكاتبة قصدت ذلك، لتجسيد نموذج المرأة التقليدية المتخلّفة ممثلاً بشخصية "أم صابر" ولا تريد تجسيد شخصية بعينها.‏

ولكن لجوء الكاتبة إلى الجمع بين المقياسين، واعتمادها على المقياس النوعي بشكل أكبر، مكنّها من تقديم شخصية "أم صابر" والكشف عن الكثير من جوانبها، استناداً إلى المعلومات المركّزة التي بُثت حول الشخصية، من خلال المقياس الأول والتي حددت صفاتها وأبرز ملامحها الجسدية، وألقت بعض الضوء على ماضيها وحاضرها، وطبيعة حياتها الأسرية والاجتماعية. أم المقياس النوعي فقد استطاعت الكاتبة من خلاله أن تحدد مصادر المعلومات، وتكشف عن أشكال التقديم. إذ استعانت بجملة من الأساليب الفنية لإبراز شخصية "أم صابر" ، وقد تأثرت في الواقع بكل سلبياته وتناقضاته، فلجأت الكاتبة إلى السرد الذي يهتم بالوصف المادي، والمعنوي للشخصية، كما اعتمدت على أحاديث بعض الشخصيات زوجها، عادل)، وأقوال الشخصية نفسها، وعباراتها الشعبية لإبراز عالم هذه الشخصية، وتأكيد سطحيتها، وثباتها على امتداد الروايتين. إذ استمر ظهورها في "عباد الشمس" لكن الكاتبة هنا، لم تمنحْها أيّ اهتمام، واقتصر دورها وحضورها الباهت على تجسيد الجانب السلبي من المرأة الشعبية المسحوقة الجاهلة غير المنتجة.‏

ولمّا كانت الكاتبة مهتمة بتقديم "الثنائيات الإنسانية" ولا سيما النسائية منها، لتبرز وجهتين أو أكثر للقضية التي تثيرها، فتزيد بذلك صورة المرأة وضوحاً، والتجربة التي تخوضها غنى، فتدفع القارئ إلى التدقيق والمقارنة والاستنتاج. فقد لجأت في سبيل ذلك إلى عرض أكثر من شخصية تمثّل صورة المرأة التقليدية الشعبية. التي تتحدد شخصيتها ودورها تبعاً للظروف التي تعيشها. إذ نقف على شخصيتي سعدية وخضرة اللتين تشكلان ثنائية ضدية، ففي الوقت الذي دفعت فيه الظروف الصعبة "سعدية" إلى العمل الحر الشريف، نجد "خضرة" قد دفعتها ظروف مشابهة إلى العمل المشين.‏

للوقوف على طريقة تقديم الشخصيتين، نبدأ بشخصية "سعدية" التي تمثّل أيضاً نقيض "أم صابر" أي الوجه الإيجابي للمرأة الشعبية المسحوقة، وأول ما يلفت نظر القارئ أن الكاتبة قسّمت حياة هذه الشخصية في ثنائيتها إلى مرحلتين: المرحلة الأولى قبل استشهاد زوجها زهدي)، إذ كانت تعيش حياة عادية، بوصفها زوجة، وربّة بيت، كان عالمها، آنذاك، ضيّقاً محدوداً، ينحصر في شؤون بيتها وأولادها، والخوف على زوجها. ونقف على ذلك في "الصّبار".‏

أمّا المرحلة الثانية، فتأتي بعد استشهاد زهدي، وتتميّز بانفتاح "سعدية" على الحياة، وتحوّلها إلى امرأة عاملة منتجة، تقوم بواجبها نحو أسرتها على أكمل وجه. وهذا يعني بداية، أننا نقف أمام شخصية نامية متطورة. وقد لجأت الكاتبة في تقديمها إلى الجمع بين الطريقتين المباشرة وغير المباشرة. على الرغم من سيادة الطريقة التحليلية. معتمدة في ذلك الراوي العالم، لوصف مظهرها الخارجي وملامحها، والكشف عن عالمها الداخلي، ونفسيتها عبر تداعياتها، ومنولوجاتها الداخلية.‏

وبما أن الراوي العالم هو المهيمن على عمليّة السرد، فهذا يعني أنّه أحد أبرز مصادر المعلومات المبثوثة حول الشخصية، بطريقة غير مباشرة. مما يؤدي إلى تراكم نسبة غير قليلة من المعلومات حول الشخصيات، وهذا ينُّم عن حرص الكاتبة، وعنايتها في التقاط أدق التفاصيل، المتعلّقة بالشخصية، شكلاً ومضموناً. ولكن الاعتماد على الراوي من شأنه أن يقلّص دور الحوار في إبراز الشخصية، وكشف بعض جوانبها، وهذا ما حصل بالفعل بالنسبة لسعدية، وخضرة أيضاً. إذ لا نقع إلا على القليل من المقاطع الحوارية بين الشخصيتين معاً، أو مع سواهما من شخصيات الرواية.‏

تبدأ الكاتبة في "الصبّار" ، بالتمهيد لظهور شخصية سعدية على مسرح الحدث الروائي في "عبّاد الشمس"، حيث ستشغل إلى جانب شخصية خضرة، حيّزاً بارزاً في الرواية. فتشرع بوساطة الراوي، في بث بعض الإشارات المتفّرقة حول الشخصية، عبر تداعيات زهدي، في الفصلين 24،30). فيتبين القارئ من خلالها السمات العامة التي تميز شخصية "سعدية". فهي ربّة منزل مدبّرة. ترعى شؤون أسرتها حق الرعاية. محبة لزوجها. تستمع لبرنامج ركن الأسرة، وتعمل بنصائحه... وسيكون لهذه المعلومات على قلّتها أهميّة كبيرة في إضاءة جوانب هذه الشخصية، وتحديد ملامحها التي تنسجم مع طبيعتها.‏

وتتابع الكاتبة في "عبّاد الشمس" تقديم شخصية سعدية، في الفصول: الثالث والرابع والخامس، معتمدة المقياس الكمّي في تصوير مظهرها الخارجي والجسدي، وإضاءة جوانب أخرى في شخصيتها بصورة تدريجية. بعد انقطاع متعمَّد، ومبرّر فنيّاً، استمر على مدى ستة فصول أومقاطع) فصلت بين جزأي الثنائية، بغية التمييز بين مرحلتين في حياة الشخصية، والإعلان عن بدء مرحلة جديدة في حياتها. مما يقنع القارئ بحقيقة التحوّلات التي سيلمس آثارها الإيجابية على مظهرها الخارجي، وتصرفاتها، وعلاقاتها الاجتماعية، في الصفحات اللاحقة من الرواية.‏

تظهر شخصية سعدية أول مرة في منتصف الفصل الثالث، في "عبّاد الشمس" وقد رآها عادل: كانت تلبس تنورة سوداء، وبلوزة بيضاء بأكمام طويلة، وكانت قد هزلت كثيراً. واختفت النتوءات من جسمها، استبدلت بانحناءات إنسيابية لطيفة. واختفى الشعر الطويل، وحلّت بدلاً منه قصة مستديرة، أعطتها مظهراً أكثر حيوية وشباباً... كان في صوتها صلابة توحي بثقة كبيرة بالنفس، رقصت لها نفس عادل إعجاباً واحتراماً- فها هي امرأة قوية باستطاعتها أن تتحدى ظرفها، وظروف البيئة، وتقف على قدمين ثابتتين ولا تهتز))(30) . ويتأمل عادل سعدية- في الفصل الرابع، فيرى الجمال البلدي الأصيل.. وقد تعلمت المرأة الكثير، كيف تعمل، وكيف تلبس، وكيف تخاطب الرجال دون أن تحمر أو تتلعثم))(31) .‏

فمن خلال هذا المقطع الوصفي، الطويل نسبياً، نلمس حضوراً كثيفاً للراوي الخفي، الذي يترك مسافة بينه وبين الشخصية، ليرصد مظهرها الخارجي، ويؤول دلالاته، فيضيء بذلك جانباً آخر من الشخصية، يرتبط بتجربتها الحياتية الجديدة.‏

فإذا ما تأمّل الدارس المتن الروائي، على ضوء المقياس الكمي وما يقدّمه من معلومات مبثوثة في عدة فصول من الراوية وهي 3،4، 5،12،13،14،15،23،24،...) وجد نفسه أمام تعدد وتنوع كبيرين في المعلومات حول ماضي الشخصية وحاضرها، وقصّة معاناتها، وسماتها الخُلقية، والخَلقية، وقد تعدّدت مصادر هذه المعلومات، وتنوعت تبعاً للمقياس النوعي، وغلب عليها طريقة التقديم غير المباشرة، فجاءت معظم المعلومات من خلال الراوي، وتعليقات بعض الشخصيات عادل، باسل، شحادة، خضرة). وقدم بعضها الآخر بطريقة مباشرة من خلال الشخصية نفسها. أحاديثها وتصرفاتها وأفعالها، وحوارها مع شحادة، وخضرة، ونوار...).‏

وقد استعانت الكاتبة بجملة من الأساليب الفنية لتقديم هذه الشخصية، فعمدت إلى السرد والوصف لإبراز ملامحها الخارجية، والتعبير عن مشاعرها وانفعالاتها وأحاسيسها، ثم عمدت إلى الحوار لتجسيد مواقفها حوارها مع شحادة)، وكشف أبعادها النفسية والخلقية، واستغلت تقنيات المنولوج الداخلي، بذكاء ومهارة لكشف خفايا نفسها. شجونها وأحلامها وأمنياتها، وذكرياتها(32) .‏

ولكي تحقق الكاتبة أكبر قدر ممكن من الوضوح، والتحديد لشخصية سعدية، لجأت إلى مبدأي التدرج والتحول اللذين يستند إليهما المقياس النوعي. فمن خلال استعمالها لمبدأ التدرج الذي يعني الانتقال من العام إلى الخاص، نجد أن الكاتبة قد انعطفت إلى ماضي "سعدية" القريب والبعيد استجابة لهذا المبدأ. ولجأت أيضاً إلى إقامة بعض الصلات التي تربط سعدية ببعض الشخصيات في محيطها الجديد، فتعرفت شحادة الذي ارتبطت معه بعلاقة عمل، كما جمعتها المصادفات مع خضرة في أكثر من مكان الحافلة، المخفر، الحمام) وكان لشخصية خضرة دور بارز في كشف جوانب كثيرة من شخصية سعدية من خلال تلك العلاقة العابرة والهامة التي شغلت حيزاً هاماً في الراوية، شمل عدة فصول متتابعة هي: 12-15-) و 24-25). وكذلك استندت الكاتبة في تقديمها لشخصية خضرة إلى الطريقة المماثلة التي قدمت فيها شخصية "سعدية" وإن اختلفت كلتا الشخصيتين في الطباع والسمات الداخلية، والخارجية.‏

أمّا مبدأ التحول، فقد نصّت عليه الراوية، بصورة مباشرة، ومهدت الكاتبة لهذا التحوّل بالنسبة لكلتا الشخصيتين: سعدية وخضرة. فجاء تحوّل سعدية ليضع حداً فاصلاً بين مرحلتين، مرحلة المرأة الحرمة) و المرأة العاملة المجربّة).‏

أمّا التحوّل في شخصية خضرة، فقد مهدت الكاتبة له عبر استعمالها لمبدأ التدرج حين عادت إلى ماضي الشخصية، وطفولتها البائسة، ومعاناتها الفقر والجوع، وظلم الأب والزوج الأول، ثم اندفاعها وراء شهواتها البطنية، ولجوئها إلى السرقة، لتلبية تلك الحاجة، ومن ثم زواجها الثاني من رجل مريض وفقير. كل تلك الأسباب، إضافة إلى طبيعة تكوينها النفسي والاجتماعي، شكلت دافعاً لانحرافها. ويأتي التحوّل الآخر في مسار هذه الشخصية، حين تكشف الكاتبة عن الجانب الإنساني فيها. وقد تجلّى موقفها من سعدية التي تجاهلتها في الحمام، وكذلك موقفها من الفدائيين.‏

ونخلص إلى القول: إنّ تقديم الشخصية الروائية عمل فني متكامل، يفترض أنْ يحقق الغاية المرجوة منه، وهي الإمتاع والإقناع والتأثير، فليس المهم هو الطريقة التي تقدّم بها الشخصية في الراوية، وإنّما الفائدة التي يجنيها الكاتب من وراء استعمالها، أي قدرتها على جعل العالم التخيّلي متلاحماً، ورؤية العالم مقنعة. فكل صيغة من التقديم يمكنها أن تنتج عملاً قوياً، وذا دلالة، إذا هي استُثمرت على النحو الأفضل))(33) .‏

2- الاسم الشخصي ودلالته:‏

يسعى الروائي الفلسطيني، وهو يقدم شخصيته الروائية، إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من الوضوح والتحديد لهذه الشخصية، ولذا يحرص أن يكون اسمها متلائماً ومكملاً لجملة التقنيات الفنية التي يتبعها وهو يقدم شخصيته، ليكون الاسم منسجماً مع المسمى.. وقد يعوّل بعض الروائيين أهميّة كبيرة على الاسم في إبراز الشخصية، وتحميلها من المعاني والدلالات، ما يريدون التعبير عنه في ثنايا الرواية، كما هو الحال لدى إميل حبيبي في تسمية شخصياته بـ أم الربابيكا، يعاد... باقية، أخطية، سروة).‏

ومهما يكن فلا أحد ينكر أهمية "اسم العلم" في تحديد الشخصية بدقة، وتمييزها عن غيرها. إذ تكمن مهمة الاسم في كونه التعبير الفعلي عن الذاتية الفردانية لكل إنسان فرداني قائم بذاته. ولقد توطدت هذه المهمة لأسماء العلم في ميدان الأدب أول ما توطدت، وعلى أكمل وجه، في الرواية))(34) ؟‏

وإذا كانت العناوين إرهاصاً بالمقاصد، كما هو الحال بالنسبة لمعظم عناوين الروايات العربية عامة، والفلسطينية خاصة، مثل الصبار، عبّاد الشمس، العشاق، المتشائل...)، فإن أسماء العلم التي يخلعها الروائي على شخصياته، تجسد أيضاً هذه الفكرة بوضوح، إذ ثمة علاقة وثيقة- في كثير من الأحيان- بين الاسم والشخصية، لأن دلالة الاسم غالباً ما تحدد طباع الشخصية وصفاتها، أو مستواها الاجتماعي، أو ما يمكن أن تقوم به في سياق الحدث الروائي.‏

وهذا يعني أن اختيار الروائي لأسماء شخصياته الروائية، غالباً ما يخضع للتأمّل والتفكير والتدقيق، لـ تكون متناسبة ومنسجمة بحيث تحقق للنص مقروئيته، وللشخصية احتماليتها ووجودها، ومن هنا مصدر ذلك التنوع والاختلاف الذي يطبع أسماء الشخصيات الروائية))(35) .‏

فإذا كان للاسم هذه الأهميّة في تحديد الشخصية وتمييزها وإيضاحها فـ هل يكتفي الروائي بالاسم، أو يقرنه بكنية أو نسبة؟ . هل لذلك علاقة بالمعلومات المقدّمة عن الشخصية؟ ما الحوافز التي دفعت الروائي إلى استعمال هذه الأسماء؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تسهم في تحليل بناء الشخصية، سواء أكان اختيار اسم الشخصية مقصوداً أم لم يكن))(36) .‏

لقد اتجهت الرواية الفلسطينية في تسمية شخصياتها الروائية إلى اتجاهين: إذ استعملت الأسماء التقليدية، ولا سيما المستمّدة من النسق الديني مثل مريم "ماتبقى لكم"، والحاجة فاطمة وزليخة "نشيد الحياة"، وزينب "الرب لم يسترح..."). كما استعملت الأسماء المرتبطة بالحياة الواقعية المعاصرة، التي تحمل دلالات تشي بطبيعة الشخصية، أو مستواها الاجتماعي، ومكانتها أو ببعض صفاتها، ونميز في ذلك بين مستوين: الأول يرتبط بالأسماء السائدة في المجتمعات الشعبية، مثل: عيشة "أم صابر"، سعدية "أم حمادة"، خضرة "أم خليل" في الثنائية. وحلوة في "أيام الحب والموت".). والثاني يرتبط بالأسماء الأكثر انتشاراً في الأوساط الاجتماعية عامة، ولا سيما في الأوساط المتوسطة والبرجوازية. مثل نوار الكرمي، لينة الصفدي، رفيف، في "الثنائية"، وفجر وهناء ونهاد في "البكاء على صدر الحبيب"، ولمى عبد الغني الحمادي، ومها الحاج في "السفينة" ووصال رؤوف وسوسن عبد الهادي في "البحث عن وليد مسعود" وشهد وجنان وسمر وثناء في "بوصلة من أجل عبّاد الشمس" وغير ذلك....‏

وقد يلجأ الروائي إلى تسمية بعض شخصياته بأسماء رمزية دالة، ومنتقاة بدقة لتفصح عما يريد أن يقوله من خلالها، وتتكشّف دلالاتها في سياق الرواية وأحداثها، كما هو الأمر لدى إميل حبيبي في تسميات شخصياته. إن النظرة الشاملة المتأنية إلى تلك الأسماء، ومدلولاتها. وأنواعها من حيث لفظها، يظهر مدى ارتباطها بحامليها، وانسجامها مع الكثير من صفات هذه الشخصيات، ويبرز أيضاً التنوّع في اختيارها، ويؤكد صفة الانتقائية والدقة في اعتماد أكثرها. ويجيء ذلك كله استجابة لدواعي الضرورة الفنية، في تقديم الشخصية، بأقصى ما يمكن من الوضوح والتحديد والتمييز، فيكون الاسم مكملاً لجملة التقنيات الفنية المتبعة في سبيل تحقيق تلك الغاية.‏

ويلاحظ، بصورة عامة، أن الرواية الفلسطينية تستعمل الأسماء المفردة، مثل ندى، رفيف، نهاد. بالقدر نفسه الذي تستعمل فيه الأسماء مع نسبتها فجر صالح الخلف، مريم الصفار....) وقد تقتصر على الكنية أم أسامة، أم أمير، أم محمود، أم عادل....). وقد يكتفي الروائي بذكر الاسم المفرد، فقط إذا كانت الشخصية عزباء مريم، رفيف، زينب، ندى)، ولكنّه قد يسنده إلى نسبته أحياناً- وهذا قليل- بغية الإيهام بواقعية الشخصية، وإلقاء المزيد من الضوء لكشف جوانبها. فنجد أسماء مثل نوار الكرمي، شهد الصمدي، وصال رؤوف).‏

ولعل من أبرز الكتّاب الذين يصرون على ذكر أسماء شخصياتهم كاملة، جبرا إبراهيم جبرا. وربما يعود السبب في ذلك إلى تعدد شخصياته الروائية، ومن ثم تعقد البنية الروائية، ولذا يلجأ إلى تسمية شخصياته بأسمائها الكاملة لتمييزها داخل الرواية. ويضاف إلى ذلك أن شخصيات جبرا تنتمي إلى الطبقة البرجوازية المثقفة المتحررة، ولذا فهو يختار لها أسماء لها وقع الأسماء الحقيقية، مما يضفي على الشخصية مزيداً من التحديد والوضوح والواقعية، ليركز فيما بعد اهتمامه على الخلفية الاجتماعية للشخصية، ولمكانتها الطبقيّة. كأن يتحدّث مثلاً عن عائلة وصال رؤوف، ووالدها الوزير السابق، وأخيها الدكتور طارق.. وكذلك الحال بالنسبة لمعظم شخصياته لمى عبد الغني الحمّادي، مها الحاج) في السفينة. ومريم الصفار، وسوسن عبد الهادي، وسعدية علوان...) في البحث عن وليد مسعود.‏

وهذا يعني أن جبرا لا يجد حرجاً من ذكر الاسم كاملاً، ولا يخشى المطابقة بين اسم الشخصية وما يماثله من أسماء حقيقية في الواقع. ولا سيما إذا عرفنا أنه يعمد إلى التنبيه في بداية كل راوية السفينة، البحث عن وليد مسعود) بأن الشخصيات والأسماء في هذه الرواية من خلق الخيال، فإذا وجد أي شبه بينها وبين أناس حقيقيين، أو أسمائهم فلن يكون ذلك إلا من محض الصدفة، وخالياً من كل قصد))(37) .‏

ومن الروائيين من يدفعه حرصه على الدقة والواقعية، إلى كشف هوية شخصيته بالتفصيل، فيذكر اسمها كاملاً، ومكان وتاريخ تولّدها، ويتبع ذلك بنبذة عن سيرتها الحياتية، ليضيء جوانب شخصيتها، كما فعل غسان كنفاني في "برقوق نيسان" وهو يقدم شخصية "سعاد وقاد"(38) . وفي المقابل، هناك من يتوخّى الحيطة، وعدم الإحراج، مدفوعاً بتأثير بعض العادات والتقاليد، فيكتفي بذكر الكنية من غير الاسم أو النسبة، كما فعل رشاد أبو شاور في "البكاء على صدر الحبيب"، و "العشاق"، مثل: أم غالي، أم زياد، أم محمود، أم حسن...). ومنهم من يتبع الاسم المفرد بالكنية، وهذا قليل، ونجده عند سحر خليفة في ثنائيتها. مثل: عيشة "أم صابر"، سعدية "أم حمادة"، وخضرة "أم خليل". وتركّز الكاتبة في سياق الرواية على استعمال الاسم الأكثر إيحاء وشهرة، وتبعاً لما يمليه السياق، فحين يتحدّث الراوي عن الشخصية يذكرها باسمها الأول، أما استعمال الكنية أو الاسم فيتوقف على الطرف الآخر المتخاطب مع الشخصية، ومدى قربه منها، أو بعده عنها. وهذا ما نقع عليه في "عبّاد الشمس" من خلال الحوار الذي دار بين سعدية وشحادة. تقول: من أيمتي تناديني سعدية حاف يا شحادة؟... أولاً أنا أم حمادة، ومش سعدية...))(39) ، وتقدم سعدية نفسها: اسمي سعدية، والناس ينادوني أم حمادة))(40) وفي ذلك تثبيت للأسمين معاً، وتأكيد على استعمالهما جنباً إلى جنب. في حين نجد الكاتبة لا تذكر كنية خضرة إلا مرة واحدة، وتكتفي باستعمالها للاسم الأول، لأن الشخصية ليست جديرة بأمومتها، منذ أن انحرفت عن الطريق السوي، ولأن في اسم خضرة دلالة على طبيعة الشخصية، فـ .. خضرة أقرب إلى خضراء الدمن تفتّحاً وموقفاً))(41) .‏

ويلاحظ أنّ استعمال الألقاب للشخصيات النسائية، يكاد يكون نادراً، لولا وروده في السداسية، إذ يلّقب إميل حبيبي "أم الروبابيكا" بـ "ملكة الوادي غير المتوّجة"، ليضئ جانباً من جوانب شخصيتها وحياتها، ويبرز ما تمتاز به من حسن الطباع والفعال، وماتتبوّؤه من مكانة عالية، في نفوس أهل الوادي.‏

وإذا ما وقفنا على دلالة بعض الأسماء، لمعرفة مدى انسجامها مع الشخصية، وجدنا أنّ غالبية هذه الأسماء-التي سبق ذكرها- منتقاة بدقة لتؤدي معانيها، وتزيد الشخصية وضوحاً وتحديداً، فنجد "فجر" تعبر عن الأمل ببزوغ فجر جديد، وهذا ما عبّرت عنه الراوية صراحة حين تقول فجر لغالي: لا تحزن كثيراً. الأمور صعبة، ولكنها ليست سيئة تماماً. هناك ضوء))(42) . ونجد "رفيف" ترف كثيراً في أفكارها إلى درجة النزق، و"سعدية" تطمح كثيراً إلى السعادة بعد بؤس... و"أم الروبابيكا" تجمع بقايا الذكريات فتحمل لقبها))(43) . وفي المتشائل نجد أن اسم "يعاد" من العودة إلى الوطن. وغير ذلك من الأسماء الدالة التي نجدها في الرواية.‏

وقد أدّى حرص الروائي الفلسطيني على الوضوح والواقعية. إلى تجنّب استعمال الأسماء الغامضة، أو المتناقضة مع مدلولها. كما أدى، أيضاً، إلى تجنّب إطلاق أكثر من اسم على الشخصية الواحدة، فإذا حصل ذلك، فإنما يأتي لغاية فنية تجعل حبكة الرواية أكثر تشويقاً، وهذا ما نجده لدى جبرا إبراهيم جبرا في "البحث عن وليد مسعود" حين أطلق وليد على حبيبته "وصال رؤوف" اسم "شهد" وقد ذكر اسمها أول مرة على الشريط اللغز، ولكن الكاتب، كشف الغموض الذي رافق هذا الاسم بعد أن تحققت الغاية من وراء ذلك(44) .‏

وفي الحالات كلّها، يظل اسم الشخصية الروائية محض اسم فني، الغاية منه تحديد الشخصية وتمييزها وإيضاحها، وليس بالضرورة أن يكون مطابقاً لاسم شخصية حقيقية في الواقع، سواء أكد الكاتب مثل هذه المطابقة أو نفاها، وهو في الحالتين لا يفعل ذلك إلا ليقوم بلعبة الإيهام الفني بالواقع.‏

3- تصنيف الشخصية:‏

يعد تصنيف الشخصية الروائية، حاجة لابد منها، لمعرفة مرتبتها بين الشخصيات الروائية، والوظيفة التي تقوم بها داخل المتن الروائي. فمن خلال تصنيف الشخصية الروائية يكتمل بناؤها(45) . ويستطيع الدارس الوقوف على عالم الشخصية، وعلاقاتها مع سواها في إطار من الانسجام والتآلف حيناً، ومن التعارض والتنافر حيناً آخر، مما يضفي على الرواية طابعاً إنسانياً، قلما تحقّقه لها العناصر الأخرى))(46) .‏

ويقوم هذا التصنيف عل اعتماد "النموذج الثلاثي" وهو نموذج وصفي يساعد على الولوج إلى عالم الشخصيات، ويتيح إمكانية تصنيفها وفق خطة مدروسة. فهذا المبدأ يقوم، نظرياً، على الشكل الخارجي للشخصية، أي على المظهر الذي يحدّد البنية العاملية، ويخبر عن العلاقات التي تخترقها، كما ينهض على افتراض أنه بالمستطاع إيجاد القاسم المشترك بين مجموعة الشخصيات حتى قبل الوقوف على خصوصية. كل شخصية على حدة))(47) .‏

ويتألف التصنيف الثلاثي الذي اقترحه "حسن بحراوي"، مستفيداً من التصنيف الغربي للشخصية، من ثلاثة نماذج كبرى، يلحق بكل منها ثلاثة نماذج صغرى، وهي: نموذج الشخصية الجاذبة: نموذج الشيخ، نموذج المناضل، نموذج المرأة. نموذج الشخصية المرهوبة الجانب: نموذج الأب، نموذج الإقطاعي، نموذج المستعمر. وأخيراً) نموذج الشخصية ذات الكثافة السيوكولوجية: نموذج اللقيط، نموذج الشاذ جنسياً، نموذج الشخصية المركبة))(48) .‏

إن اعتمادنا النموذج الثلاثي بصورته التي وصفها بحراوي، لا ينسجم كثيراً مع طبيعة الرواية العربية الفلسطينية، وتنوع شخصياتها، ولا سيما النسائية. ومن هنا، كان لابد من الاستعانة بالتعديل الذي أجراه الدكتور سمر روحي الفيصل على هذا التصنيف، أثناء دراسته لبناء الشخصية في الرواية العربية السورية، ليصبح على النحو التالي: الشخصية الجاذبة، الشخصية المنفّرة، الشخصية التابعة(49) .‏

آ-الشخصية الجاذبة:‏

وهي أبرز الشخصيات في الرواية الفلسطينية-سواء أكانت الشخصية رجلاً أم امرأة- وتكاد لا تخلو رواية منها. فهي تلعب دوراً فاعلاً في حركة الحدث الروائي، وتطوره. ويأتي حضورها منسجماً تمام الانسجام مع متطلبات اللعبة الروائية، حيث لابد أن توجد الشخصيات مرتبطة ببعضها وأن تجمع بينها علاقة روائية.... وسنعني بالشخصية الجاذبة هنا، تلك التي تستأثر باهتمام الشخصيات الأخرى، وتنال من تعاطفها، وذلك بفضل ميزة أو صفة تنفرد بها عن عموم الشخصيات في الرواية. وقد تكون هذه الميزة مزاجية، أو طباعية في الشخصية... كما قد تكون الميزة سلوكية.. أو صفة مظهرية كالجمال))(50) .‏

قدّمت الرواية الفلسطينية العديد من الشخصيات النسوية الجاذبة، منها: شخصية المرأة الثورية المثقفة مثل فجر، شهد، زينب) وشخصية الثورية الكادحة. أم سعد)، وشخصية المرأة العاملة سعدية، وأم حسن)، وشخصية المرأة الزوج الصالحة الحاجة فاطمة) وأخيراً شخصية الأم الطيبّة أم محمود، وأم أمير...).‏

فإذا كانت الصفات المظهرية الخارجية للمرأة، مثل جمال الوجه، ورشاقة الجسد وتناسقه وانسجامه، وأناقة المظهر. إضافة إلى بعض العناصر الجاذبة الأخرى كعذوبة الصوت، حلاوة الكلام، وسحر النظرات وغير ذلك ، هي أبرز الصفات الجاذبة في شخصية المرأة، التي درج الكثير من الروائيين العرب على جعلها أساساً للانجذاب، ومصدراً لاستقطاب الآخرين، فإن الروائي الفلسطيني، لايلح على تلك الصفات، ولاسيما حين يقدّم المرأة الثورية، أو الكادحة، وهو لايعول عليها كثيراً، إلا بالقدر الذي تضيء فيه بعض جوانب الشخصية، وتخدم الفكرة أو الغاية التي ينشدها الروائي من وراء ذلك.‏

*‏

ففي رواية "بوصلة من أجل عباد الشمس" تلح الكاتبة ليانه بدر على الصفات الداخلية للشخصية، بوصفها العناصر الجاذبة فيها. وتنبع جاذبية "شهد" من مصدرين اثنين: يتمثّل الأول، في وعيها السياسي، وذكائها وثقافتها المتنّوعة، وخبرتها النضالية وهي تضع كل ذلك في خدمة قضايا وطنها وشعبها، فتقوم بتنوير عقول الآخرين، وبث الوعي في نفوسهم وعقولهم، فتفصل من عملها، ويتكرر الفصل. وتتحدى سياسية الترغيب والترهيب التي تمارسها عليها السلطة لتعترف برفاقها، وتأبى المساومة على مبادئها، وأهدافها النبيلة.‏

أمّا المصدر الثاني: فيتمثل في قدرتها على التأثير في الآخرين، كأستاذها ورفيقاتها وتلميذاتها. وقد أسهم في ذلك نضجها الفكري، وانفتاحها على جميع الناس، على اختلاف مستوياتهم، وقدرتها على استيعابهم والتخاطب معهم، وبذلك استطاعت أن تمارس سلطتها المعنوية، وتؤثّر فيهم، وتحظى بتعاطفهم معها وإعجابهم وتقديرهم لها: ويعود الفضل في ذلك إلى تواضعها، وإخلاصها لمبادئها، وإيمانها بنبل الأهداف التي تناضل من أجلها. تكتب لصديقتها جنان: يريدون تدمير عالمي بالفصل المستمر من جميع الأمكنة، حسناً ليفعلوا... لو تفتّت العالم. فسوف أعيد تجميع أركانه، ولربما خلقته من جديد، كي أغيظَهم))(51) .‏

ونلاحظ مما تقدم، أن الشخصية الجاذبة التي تمثلها المرأة الثورية المثقفة، لابد من أن تستند إلى صفات معنوية إيجابية، يعمل الروائي على تجسيدها وإبرازها في الشخصية، وهذه الصفات هي: الوعي السياسي الذي تكتسبه الشخصية، من خلال انتمائها إلى إحدى التنظيمات السياسية، وسعيها لتثقيف نفسها ثورياً وفكرياً، ثم نجاحها في تجسيد هذا الوعي، وإظهار القدرة على التمسّك بمبادئها. وأخيراً، قدرة الشخصية على جذب الآخرين، وكسب ثقتهم، وتعاطفهم معها.‏

وهذا ما فعلته ليانه بدر في تقديمها لشخصية "شهد" التي استطاعت أن تتغلب على كل العقبات التي واجهتها. وكذلك فعل رشاد أبو شاور في تجسيده لشخصياته الثورية مثل "فجر" و "زينب" وغيرهما.‏

*‏

وإذا انتقلنا إلى شخصية المرأة الثورية-الكادحة، التي تمثّلها "أم سعد"، وجدنا أن عناصر الجذب لدى هذه الشخصية، تختلف قليلاً عما سبقها، ولا سيما فيما يتعلق بالوعي السياسي، بمفهومه الحقيقي، كما يجسده الإنسان الثوري المثقّف مثل أسامة الكرمي، وزينب، وشهد).‏

فأم سعد، امرأة قروية كادحة، مسحوقة، ذات روح ثورية، تمتلك القدرة على المبادرة، والعطاء بسخاء في سبيل وطنها وشعبها. وهي تغالب قساوة الواقع بصبر وحكمة وعزيمة لا تلين، من غير أن تشكو أو تشعر باليأس، يحدوها في ذلك وعيها العفوي السليم، وإحساسها الصادق بالمسؤولية، وفي ذلك مصدر قوّتها وجاذبيتها.‏

فالشخصية، إذاً، لا تستمد جاذبيتها، من مظهرها الخارجي، ولا من ملامحها الخارجية المستمدة من الأرض فحسب، وإنّما من صفاتها الداخلية، وسلوكها وأخلاقيتها، ومواقفها. ففي أقوالها وتصرفاتها تبرز سمات وعيها الطبقي والوطني بما فيه من صدق وعفوية وحماس. أما مظهرها الخارجي، فلم يأت على تلك الصورة، إلا ليؤكّد التحام هذه المرأة بالأرض، ونضالها في سبيلها، ومن هنا تنبع جاذبية ملامحها ومظهرها الخارجي، وبذلك تحظى شخصية أم سعد بسلطتها المعنوية-النضالية، التي تخوّلها التأثير فيمن حولها، فهي تقوم بالمبادرة إلى العمل، وتقدّم خدماتها للآخرين. وبذلك تكون القدوة الحسنة، لأبنائها وزوجها، ولأبناء المخيم، وللراوي المثقف. وتتمكن "أم سعد" من جذب هؤلاء جميعاً إليها، وكسب احترامهم وتقديرهم لها. وقد بلغ تأثيرها فيمن حولها حداً كبيراً، حتى شمل الراوي المثقّف، حين ناداها: "يا يما"(52) . فعبّر بذلك عن حقيقة انتمائه إليها، وإلى الطبقة التي تمثلها.‏

*‏

وفي "ثنائية" سحر خليفة، نجد الكاتبة، أيضاً، لاتحفل كثيراً بالمظهر الخارجي لشخصيتها الجاذبة التي تمثّلها "سعدية"، وإنّما تحرص على أن يكون مصدر الجذب سلوك الشخصية وأخلاقيتها.‏

ولا تلقي الكاتبة الضوء على مظهرها، إلا لتعكس، تفتّح وعيها، وتبلور شخصيتها وتطورها بتأثير عملها الجديد، وانطلاقها من عالمها الضيق إلى عالم فسيح رحب، وامتلاكها لحريتها، واستقلاليتها، فظهرت آثار تلك التحولات الإيجابية على شخصيتها من الداخل والخارج، وتجلّى ذلك في مظهرها وهندامها ملامحها، وسلوكها وأقوالها. وهذا ما لاحظه "عادل الكرمي" الذي عبّر عن إعجابه بها وتقديره لها. كما حظيت "سعدية" باحترام كل من باسل، وأبي صابر، ونوار، ورفيف.... حتى إنها حظيت باحترام "خضرة" التي لمست فيها الصدق والنقاء والطهر، والحرص على أولادها، وتفانيها من أجلهم. وفي الوقت نفسه، نجد أن نجاح "سعدية" في حياتها العملية والاجتماعية، واكتسابها لاحترام الآخرين وتعاطفهم، قد أثار حفيظة بعض النسوة الجاهلات المنفرات مثل "أم صابر وأم تحسين" وغيرهما، ممن شعرن بالغيرة والعجز أما الإنجازات التي حققتها، فأطلقن ألسنتهن بالإفتراءات، وأثرن الشائعات حولها.‏

وفي رواية "نشيد الحياة" تطالعنا شخصية جاذبة. من نوع خاص. إنّها شخصية "الحاجة فاطمة" التي تبرز بحضورها المدهش والأثير، عبر استرجاع زوجها "الشايب" لصورتها ولطباعها وسجاياها، وقد ألح الروائي "يحيى يخلف"، على أن تكون عناصر الجذب في هذه الشخصية، مستمدة من صفاتها الداخلية والنفسية، المتمثلة في طهارة روحها، وصفاء نفسيتها. وطيب معشرها، وإخلاصها لزوجها، وتفانيها في رعاية شؤون بيتها وزوجها، إضافة إلى ما تتمتع به من حسن المظهر ووقاره. فمن خلال ما تميزت به من صفات حميدة، استطاعت أن تجذب زوجها، وتحظى بمحبته واحترامه وإخلاصه لها، كما استطاعت أن تستحوذ على احترام جيرانها وتقديرهم لها.‏

إن الرواية الفلسطينية حافلة بالشخصيات النسائية الجاذبة، وقد تنوّعت مصادر الجذب، بتنوع الشخصيات، وبصورة عامة، لم يعوّل الروائي الفلسطيني كثيراً على المظهر الخارجي كعنصر للجذب. بل حرص على أن يكون الوعي الاجتماعي والثوري، أو النضج الفكري، إلى جانب الصفات الأخلاقية والسلوكية، أهم الصفات التي تبنى عليها الشخصية الجاذبة، وهذه الصفات تؤكّد السلطة المعنوية للشخصية، وتمنحها حضورها وحيويتها، وفاعليتها، وتجعلها تحظى بتعاطف الآخرين واحترامهم لها، والتفافهم حولها.‏

ب- الشخصية المنفِّرة:‏

هذه الشخصية نقيض الشخصية الجاذبة، فهي منفرة، لأنها تملك سلطة مادية تعوق تحقيق الأهداف التي تسعى إليها الشخصية الجاذبة، أو تتصف بصفات أخلاقية سلبية في عرف المجتمع الروائي، وعلى الرغم من ذلك فإن وجودها الروائي ضروري في الرواية لأنّها محرك الصراع، وفاعل فيه))(53) .‏

ويلاحظ الدارس أن وجود هذه الشخصية في الرواية الفلسطينية، قليل، بالقياس إلى الشخصية الجاذبة. ويمكن أن نميز بين ثلاثة نماذج للشخصية المنفرة تبعاً للروايات التي تناولها البحث، وهي: المرأة الجاهلة الضعيفة، المرأة البغي، المرأة المثقّفة اللعوب.‏

في رواية "عبّاد الشمس" نقع على شخصيتين مختلفتين: الأولى تمثلها "أم صابر" تلك المرأة الشعبية الجاهلة التي تقابل مصاب زوجها بالبكاء والأدعية وما إلى ذلك من عادات شعبية، وقد بنت الكاتبة هذه الشخصية استناداً إلى عدة صفات سلبية، تجسّد جهلها، وضيق أفقها، وقلّة حيلتها. وإهمالها لشؤون أسرتها وبيتها، إضافة إلى سلاطة لسانها، وسوء ظنها بالآخرين. مما يدفع الآخرين إلى النفور منها، كما لمسنا ذلك لدى سعدية وعادل الكرمي الذي عبر عن أساه وحسرته، وخيبة أمله، وهو يقف على حالتها، وحال بيتها وأولادها وزوجها، وبذلك استطاعت الكاتبة أن تبني هذه الشخصية، وترسخ صفات الجهل والتخلف فيها، لتلقي الضوء على بعض الآفات الاجتماعية التي ما زال المجتمع، يرزح تحت وطأتها. وتُبرز مدى التأثير السلبي لهذه الشخصية، وأمثالها على الفرد، والمجتمع، والوطن برمته...‏

أما الثانية، فهي "خضرة" المرأة البغي التي توافرت في شخصيتها جملة من الصفات السلبية المنفرة، تجلت في انهيارها المعنوي، وانحطاطها الأخلاقي والاجتماعي، وابتذالها في أقوالها وتصرفاتها وحركاتها ومظهرها.‏

وإذا كانت الكاتبة قد حاولت، بصورة غير مباشرة، إبراز هذه الشخصية، بوصفها ضحيّة ظروفها البائسة، وذلك من خلال عودة الرواية إلى ماضيها، وقصة معاناتها، وظروف نشأتها ومن ثم إظهار بعض الجوانب المضيئة في شخصيتها، كتعاطفها مع الفدائيين، وتعاطفها وتسامحها، أيضاً، مع سعدية، فإن ذلك كله لم يجعل الشخصية مقبولة في وسطها الاجتماعي، أو لدى القارئ العربي، ولذا ظلت منفرة للآخرين. وكانت مصدر إزعاج وقلق لسعدية التي خشيت أن يقترن اسمها باسم خضرة، بعدما جمعتهما المصادفة أكثر من مرة.‏

*‏

وتمثّل "لمى عبد الغني الحمادي" في السفينة شخصية المرأة المثقّفة اللعوب الشبقة التي تسعى وراء أهوائها ورغباتها، ضاربة عرض الحائط بكل القيم الأخلاقية، والمثل الاجتماعية. تخون زوجها فالح حسيب) مع عشيقها "عصام السلمان"، وبذلك تمارس سلطتها المادية التي تستند إلى مفاتنها الجسدية التي أجاد الكاتب تصويرها بدقة، وركّز على قدرة الشخصية في إثارة الغرائز والشهوات لدى الرجال، بالقدر الذي تثير حفيظة زوجها وغيرته، فتدفعه إلى مزيد من اليأس والانطواء. ومن ثم الانتحار.‏

وإذا كانت الرواية قد استندت في بناء شخصية "لمى" على ما تملكه من سلطة مادية، تقوم على جمال الوجه، والجسد، وما فيه من إثارة، فإنّها لم تسخر تلك الجاذبية المظهرية بالصورة الإيجابية، بوصفها قيمة إنسانية، بل جعلتها مصدراً لإثارة الرغبات والغرائز، وسلاحاً بيد الشخصية، تمارس من خلاله سلطتها المادية على الآخرين، مما يدفعها إلى المزيد من الابتذال والضياع والسقوط، وكذلك كان الحال بالنسبة لشخصية "مريم الصفّار" في رواية "البحث عن وليد مسعود".‏

وغالباً ما كان حضور الشخصية المنفِّرة حضوراً جزئياً وهذا يعني أن هذه الشخصية ليست الطرف القابل للشخصية الجاذبة، بل هي نقيض لها فحسب))(54) . فأم صابر، وخضرة لهما حضورهما الروائي، ودورهما المحدّد، إلا أنهما ليستا شخصيتين محوريتين أو رئيستين، ولذا فهما لم تسهما بشكل واضح في تطور الصراع الروائي الذي يثيره ذلك التناقض والتعارض القائم بين الشخصيتين، المنفّرة والجاذبة، وقد اقتصر حضورهما على الدور المحدّد الذي أسند لكل منهما، ثم انسحبتا من الرواية. ويستثنى من ذلك شخصية "لمى عبد الغني" التي كان حضورها في الرواية حضوراً كليّاً، فهي إحدى الشخصيات الأساسية، وقد أسهمت في تطوّر حركة الصراع في الرواية، من خلال استعمالها لسلطتها المادية التي كان لها أبرز الأثر في دفع زوجها إلى الانتحار، وزيادة تناقضات عشيقها وقلقه، ومن ثم إخفاقها في حياتها، وتشتتها.‏

جـ-الشخصيّة التابعة:‏

تتصف هذه الشخصية بالحاجة إلى التبعية والدوران في فلك شخصية جاذبة أو منفّرة، ومن ثم تفتقر إلى استقلالية الشخصية والموقف))(55) . ومما يلفت نظر الدارس للرواية الفلسطينية أنّ عدد الشخصيات النسوية التابعة فيها قليل، ولاسيما كلّما ابتعد الروائي عن تقديم الشخصيات التقليدية السلبية، وهذا يعني أن أكثر الشخصيات التابعة تنتمي إلى الجيل التقليدي كأم عادل الكرمي في الثنائية، وأم عفاف في "مذكرات امرأة غير واقعية"، وفاطمة في "البكاء على صدر الحبيب"، ولكنّنا لا نعدم أيضاً، وجود بعض الشخصيات التابعة التي تنتمي إلى الجيل الجديد، مثل "وصال رؤوف" في "البحث عن وليد مسعود" ونوّار الكرمي في "الثنائية".‏

ويلاحظ أن الروائي لم يعتنِ بتقديم الشخصية التابعة التي تمثّل المرأة التقليدية السلبية، ولم يركّز على وصفها من الخارج أو الداخل، ولم يبرز دورها داخل السياق الروائي، منطلقاً في ذلك من كونها شخصية عابرة، دورها محدود، ولا تؤثر في سواها من الشخصيات الروائية.‏

ولعل أبرز الشخصيات التابعة التي تستوقفنا "وصال رؤوف" التي كانت تبعيتها لوليد مسعود، تبعيّة كليّة، إذا استمدت حضورها وصفاتها، من حضور وصفات الشخصية الجاذبة التي يمثلها "وليد مسعود"، فصارت تدور في فلكه، وترى ما يراه.‏

فعلى الرغم مما تتمتع به "وصال رؤوف" من مقوّمات فكرية واجتماعية وجمالية، تؤهّلها لتكون شخصية جاذبة تمتلك سلطة معنوية، جعلها الكاتب منجذبة، تابعة لشخصية "وليد مسعود" الذي أحبته بشغف، ودارت في مداراته الذهنية، في مداراته(56) - النفسية والعاطفية)). وبذلك جسّدت "وصال رؤوف" الشخصية التابعة التي ترتبط بشخصية جاذبة، تستمد منها حيويتها وأفكارها ومواقفها، وتضيء من خلال هذه التبعية بعض الجوانب الغامضة في حياة الشخصية الجاذبة التي يمثّلها وليد مسعود ذلك الفلسطيني الغائب الحاضر.‏

ثانياً- المرأة والرمز:‏

اتجه بعض الروائيين الفلسطينيين إلى استعمال الرمز، ولم يكن ذلك إحساساً منهم بعدم قدرة اللغة على التعبير عمّا في نفوسهم، أو هرباً من الواقع إلى عالم غيبي مليء بالأوهام والأحلام، ولكن لأنهم عالجوا موضوعات واقعيّة حساسة، لم يكن بإمكانهم التعبير عنها بوضوح ومباشرة، إما لأن هذه الموضوعات تتعرّض للعقائد.... أو لأنها تتناول أوضاعاً سياسية قائمة لا يمكنهم معالجتها بوضوح... وأحياناً كانت وطأة الموضوع ثقيلة على النفس الإنسانية، مما جعل اللجوء إلى الرمز أقوى في التعبير عمّا في مكنونات هذه النفس من آلام وأحزان مصدرها هذا الواقع وتعاسته. لقد انتقلوا من الرمزية الأسلوبية إلى الرمزية الموضوعية "الواقعية" دون إلغاء العقل، والفهم السليم لحقائق حياتهم، لأنّهم في الأساس معنيون بفهمها، بغرض الوصول إلى الأفضل))(57) .‏

ونظراً للصبغة الواقعية النضالية الملتزمة التي تميّز الرواية الفلسطينية عن سواها، بوصفها رواية موجهة إلى الجماهير الشعبية على الساحتين الفلسطينية والعربية، تخاطب عقولهم ووجدانهم، بقصد التوعية والتوجيه والتحريض، للنهوض، وتجاوز كل ما هو سلبي في الواقع، لم يلجأ هؤلاء الكتاب -ممن استعملوا الرمز- إلى الرمز الفني الذي يجنح إلى الإبهام والغموض، بل لجؤوا إلى استعمال الرمز الشفاف، القريب من الفهم والإدراك، الذي يثري المعنى، ويزيده وضوحاً.‏

ومن هنا فقدتعامل الكتاب مع الرمز الجزئي المفرد في داخل بناء روائي غير رمزي، للتعبير عن فكرة أو موقف، وقد جاءت هذه الرموز في أغلبها سهلة الإدراك))(58) .‏

ومن أبرز هؤلاء الكتّاب الذين استعملوا الرمز في أعمالهم الروائية، إميل حبيبي، إذ تتعدد الشخصيات النسائية الرامزة في رواياته، سواء اقتصر الرمز فيها على الأسماء فقط، أو تعداها ليستوعب الشخصية كلها. وإذا كان للرمز فضله في الحياة العامة، فإنّ من الطبيعي أنْ يلجأ إليه الأدب، حين يُكتبُ في ظل الاحتلال، ومع أن الرواية في الأرض المحتلة قد اختارت الاتجاه الواقعي لمسيرتها في محصلة إنتاجها، إلا أنْ هذا الاتجاه لم يحل بين الروايات واستخدام الرموز.... داخل إطارها الواقعي))(59) .‏

*‏

ففي اللوحة الثالثة من"السداسية" نلتقي بشخصية"أم الروبابيكا" التي يمكن قراءتها على المستويين الواقعي والرمزي في آن معاً. فهيأم واقعية لأنّها ترتبط بعلاقات محددة بطبيعة مهمتها في المجتمع. وهي أم رمزية، لأن الكاتب يمزج في صياغتها بين الواقع والرمز، ويجعل العلاقة بينهما علاقة تبادلية، فيصبح الرمز واقعاً، والواقع رمزاً))(60) .‏

كانت"أم الروبيابيكا" قبل نكسة حزيران1967)، وطوال عشرين عاماً أعقبت النكبة، رمزاً لصمود الإنسان الفلسطيني على أرضه، وتعلقه الصميمي بجذوره، وهويته، وتاريخه العريق، كما كانت رمزاً للأمم الفلسطينية المناضلة التي تحتضن أبناء فلسطين الأوفياء الذين عشقوا فلسطين، ووهبوها -ويهبونها- أعز ما يملكون عن طيب خاطر. وهي الأم الواقعية التيتقدم... لابنها ما قدمته لأبنائها من قبل، فقد أوقفت له محامياً، وراحت تزوره... ولا تتوقّف الأم عند حدود"الخاص" بل تظل محافظة على"العام" الذي تجسده، فمع توحّد فلسطين، تكاثرت هموم"الأم" وشواغلها، وتكاثرت هموم "فلسطين -الأم" وهموم أبنائها الذين عادوا كالأشباح الهائمة بحثاً عن"أمهم"، عن ماضيهم: ذكرياتهم، بيوتهم، كنوزهم التي تركوها))(61) .‏

وحين تتوحد فلسطين بشطريها تحت الاحتلال، بعد عام 1967، تلتقي"أم الروبابيكا" بأبناء فلسطين، بهؤلاء الأشباح الهائمة، الذين أتوا لزيارة أرضهم وبيوتهم، وهميتطلعون نحو الشرفات والنوافذ في صمت، وبعضهم يطرق الأبواب، ويسأل في أدب أن يدخل ليلقي نظرة، وليشرب جرعة ماء، ثم يمضي في صمت، فقد كان هذا بيته))(62) .‏

وهكذا يندمج الخاص بالعام، فتصبح"أم الروبابيكا" أم لكل عشّاق فلسطين، بل تصبح"فلسطين" ذاتها، فها هي توحدت مع عشاقها، وها هي تطالبهم بتخليصها من الأسر، وها هي تزوّدهم بكل ما يلزمهم في رحلة تجاوز العجز والهزيمة، في رحلة إثبات الذات))(63) .‏

ويمنح إميل حبيبي، في مجمل رواياته، شخصياته النسائية، أسماء ذات دلالات رمزية. تنسجم مع طبيعتهن الشخصية ومواقفهن، ودورهن على الصعيدين الوطني والقومي، إذ نقف في رواية"أخطية" على بعض الأسماء التي تحمل دلالات ثرية، منها"سروة"بما يوحيه اسم الشجرة من تعال، وخضرة دائمة، وقوّة على البقاء.. و"أخطية" بمفاهيمه الشعبية والدينية حول الخطيئة والحرام، وإن كانت دلالات الشخصية تأخذ أبعاداً أوسع في الرواية))(64) . وهذا ما جعل شخصية أخطيةتبدو.. محيّرة في البداية، ولكن الرواية تقدّم لها مجموعة من المفاتيح التي تستطيع أن تقدّمها متكاملة، بالتدريج، وتستطيع بالتالي أن تكشف دلالاتها))(65) . فهي ابنة احدى العائلات العريقة في حيفا، عائلة عبد الكريم، العائلة الوحيدة التي نجت من مذبحة حيفا القديمة، فعمّرت حيفا. وهي عائلة تنتمي إلى الطبقة الكادحة الأصلية، كانت جريئة في التعبير عن أفكارها ومواقفها، تمتلك القدرة على الفعل والتأثير على الآخرين(66) .‏

وكانت أخطية الفتاة المدلّلة، التي يحبُّها الجميعفمن منّا لا يتذكر أخطية، ولم يعشقها حتى التلف؟.... كانت أخطية في العاشرة من عمرها حين قفزت من شرفة بيتها، أو وقعت من الشرفة فوق صخرة من صخور الدرجات الصخرية.... اختفت.. حوالي السنة.. وفجأة عادت وظهرت، وهي تحمل طفلة بين يديها، وسحابة من حزن في عينيها))(67) .‏

اخطية، إذاً، هي أحد معالم حيفا البارزة، بل هي حيفا وأهلها، وهي فلسطين ذلك الجسد الممزّق المغتصب الذي التقاه عبد الكريم، شقيق"اخطية" عام 1985 بعد غياب نصف قرن. كما التقى اخطية التي كانت وقعتها أو قفزتها عام 1935، حين نسحب الزمن. فهل كانت تلك"القفزة" هي ثورة عز الدين القسّام التي تشكّلت في حيفا قبل أن تتفجر وتذوي بسرعة في أحراش يعبد؟ وهل كانت الطفلة التي حملتها... هي ثورة 1936؟ أم أن كل شيء كان مرتبطاً بخشخشة الانتداب، وعواء ثعالب الهجرة اليهودية المكثّفة إلى حيفا، إلى فلسطين))(68) .‏

ولا تلبث الرواية أن تكشف في نهايتها أنّ"اخطية" تمثل ذلك الجزء الواعي من الشعب الفلسطيني الذي بقي على أرضه، وصمد في وجه الاحتلالين الأول والثاني، وقد امتلك الإرادة القوية، والفكر المتفتح، والوعي الثوري، ولذا استطاع أن يواجه شتى أساليب الاضطهاد والقمع والتمييز، وبقي متشبثاً بجذوره، وبأرضه، وبعروبته، وهويته الوطنية.‏

*‏

وإذا كان"إميل حبيبي" قد قدّم في روايته المدهشة"اخطية" الشخصية التي لا يمكن قراءتها إلا على المستوى الرمزي المتعدّد الدلالات، فإن كنفاني في"أم سعد" قدّم شخصية"أم سعد" الواقعية، وحمّلها بعض الدلالات الرمزية الواضحة التي يمكن الوقوف عليها، من خلال ما يخلعه عليها من صفات الأرض وأشيائها، ومن خصائص البيئة الريفية الفلسطينية. مما يضفي عليها مسحة من الجلال والطهارة والأصالة والعنفوان. مستعملاً في ذلك ريشة الفنان المبدع الذي يعرف كيف يختار أدواته، ويشكّل منها لوحة فنية ثرية بمعانيها ودلالاتها وإيحاءاتها.‏

وتتضح ملامح"أم سعد" من خلال مجموعة من الصور الجزئية الحسيّة، لتتضافر فيما بينها، وتشكل لوحة فنية متكاملة، لتلك المرأة -الأم التي ترمز إلى الأرض الفلسطينية، حيث عجن الكاتب جسدها بهذه الأرض، وطبعه بملامحها، وفجّر فيه ينابيع من نور ونار، ليصبح مؤهلاً لحمل شعلة النضال، ودفع الجماهير الشعبية إلى النهوض والتحرير, وتتجاوز"أم سعد" أمومتها الحقيقية لتصبحَ رمزاً للجماهير الشعبية المسحوقة التي اكتوت بنار الهزيمة، ونهضت من رقادها الطويل لتتحرر من عجزها، وقد جسّد كنفاني ذلك، وكثّفه من خلال المشهد الذي يعرض ظهورها في افتتاحية الرواية: وبدت أمام تلك الخلفية من الفراغ والصمت والأسى، مثل شيء ينبثق من رحم الأرض..))(69) فالمفرداتالفراغ، الصمت، الأسى) لخّصت واقع الهزيمة، ولكن"أم سعد" لا تلبث أن تتوّحد بالأرض، لتبدد ظلمات الواقع، وتولد من جديدنبتة فلسطينية، تضرب جذورها في عمق الأرض))(70) ، حاملة نبض الحياة، وهي ترنو إلى المستقبل بعيون تمور بالثقة والأمل.‏

ولدت أم سعد، إذاً، من رحم الأرض، وحملت معها خصائص تلك الأرض وملامحها: "جبينها الذي له لون التراب"(71) وجهها، ساعدها، دموعها، شامتها.... كل ذلك يستمد قيمته من الأرض التي تناضل من أجلها، وبذلكتتجاوز المرأة حجمها المألوف، فتصبح قدرة مطلقة حين تتحول إلى رمز... وفي هذه الحالة، وعندما تقارن بالأرض، تحمل نفحة من الكونية تخرج بها عن العادي))(72) فتبدو أمام الباب المفتوح. عملاقاً يدخل مع ضوء الشمس))(73) بوجه ضبابي الملامح.‏

لقد احتفى الروائي الفلسطيني بالمرأة في رواياته، احتفاءً كبيراً، وحين أراد أن يحمّلها بعض الدلالات الرمزية التي تقتضيها الضرورة الفنية، أو الموقف الفكري، أو السياسي، رأينا كيف وحّد بين المرأة والأرض: بين الأم- وفلسطين" وفلسطين- الأم، فإذا كانت "الأم"أم سعد.. أم حسن، أم الروبابيكا....) هي دائماً ضحية معذبة، لم تعرف الفرح، فكذلك الأرض الفلسطينية لم تعرف الفرح منذ غادرها عشاقها، أوغادرتهم سليبة في أيدي الغزاة، فاالأم الفلسطينية تعاني والأرض تعاني، وتوحد المعاناة بين الأم والأرض... فالأوصاف التي يضفيها الكتاب علىالأم) -من خلال الصياغة الملحميةأم سعد) -تؤكد أن الأم هي فلسطين، وأن فلسطين هي الأم))(74) .‏

مما تقدم، يمكن القول: إنّه لدى وقوفنا على طريقة تقديم الروائي لشخصياته النسوية، تبين لنا أن كثيراً ما يحاول أن يوفق بين المقياسين الكمي والنوعي ويوازي بينهما، فهو يبث المعلومات حول الشخصية، وينّوع في مصادرها، ولا سيما أثناء تقديمه لشخصية المرأة الكادحةأم سعد، سعدية، أم حسن)، ولكن ذلك لا يطرد في تقديمه لشخصية المرأة الثورية المثقفة، إذ يهمل المقياس الكمي، فتجيء المعلومات قليلة حول الشخصية، مما يضعف التدرج في تحديد ملامحها وصفاتها. بينما يعنى في المقابل، بالتحول الذي يصيب الشخصية، ولكنه تحول غير مقنع بصورة كافية، لأنّ القارئ لم يقف عليه، أو على الأسباب التي أدت إليه، فكثيراً ما يتجاوز الكاتب، مرحلة أو مراحل زمنية هامة من حياة الشخصية، ليعود، فيما بعد، عبر استذكاراتها الخاطفة، والمتأخرة التي تأتي في السياق الروائي، إلى ماضيها، ليضيء جانباً من شخصيتها. ويبرز بعض العوامل التي أدت إلى هذا التحول: "سعدية، زينب". ولعل السبب الأهم في عدم وضوح مبدأ التحول، يعود إلى أن معظم الشخصيات النسوية، ولا سيما الثورية، جاءت ناجزة منذ البداية. فجر، لينة، نهاد، ندى....).‏

وتبيّن أيضاً أن الروائيين كثيراً ما يطرحون شخصياتهم، ثم يبدؤون بإعطاء المعلومات المتفرقة عنها، وفي الوقت نفسه، لا يكثرون من عدد الشخصيات، مما يعني أنهم يفضلون البنية الروائية البسيطة. وهنا يمكن القول إن كثرة الشخصيات في الرواية لا يعني بالضرورة تعقد بنيتها، فكثيراً ما تكون هناك شخصيات، لا تقوم بوظيفة واضحة أو محددة. فلا يؤدي وجودها إلى إقامة علاقات مع سواها من الشخصيات الروائية، ومن ثم لا تسهم في حركة الحدث الروائي.‏

ولدى الانتقال إلى تحليل الاسم الشخصي، تبيّن أنّ غالبية الروائيين يختارون الأسماء المعبّرة والدالة لتحديد شخصياتهم وتخصيصها، فيجيء، الاسم منسجماً مع المسمىندى، سعدية، حلوة، أم الروبابيكا...) وهم يختارون أسماء شخصياتهم من مصدرين: تقليدي، ومعاصر، وهذا يدل على رغبتهم في التنويع. كما أنهم يعمدون إلى الاكتفاء بذكر الكنية أو الاسم المفرد، وربما يعود السبب في ذلك إلى رغبتهم في تجنب الإحراج، فيما لو حصل تطابق بين اسم الشخصية، واسم حقيقي في الواقع الخارجي. ولكن هناك من يعمد إلى ذكر الأسماء كاملة بغية الإيهام بواقعيتها، كما هو الحال لدىجبرا إبراهيم جبرا).‏

وتبيّن أيضاً. أنّ هناك ارتباطاً بين الاسم الشخصي، ونوعية المعلومات المقدّمة عنه. فإذا كانت الشخصية طيبة الذكر، حسنة الصورة والسلوك، جاء اسمها منسجماً مع صفاتهاشهد، نوار، ندى، سعدية، فجر) والعكس صحيحخضرة، سنيورة...).‏

فإذا ما انتهى الروائي من تقديم الشخصية وتسميتها وتحديدها، لجأ إلى تصنيفها ليحدد طبيعة دورها، ومهمتها في حركة الحدث الروائي، وعلاقاتها مع الشخصيات الأخرى، من خلال ما ينشأ بينها وبين هذه الشخصيات، من انسجام وتجاذب، أو تنافر وتناقص، أو تبعية. واتضح لنا أن الشخصية الجاذبة، تحتل المكانة الأولى في الرواية الفلسطينية، تبعاً لتعدد صورها، وتنّوع فاعليتها، ومدى حضورها. أما مصدر جاذبيتها فهو وعيها السياسي والاجتماعي، ونضجها الفكري، إضافة إلى حسن سلوكها وأخلاقها، وهذا يعني أن الروائي يركّز على الجوهر، دون المظهر، في معظم الأحيان.‏

أما الشخصية المنفّرة، فكان حضورها باهتاً، وجاءت بدافع حرص الكاتب على توافر عنصر الصراع الروائي، من جهة، وإبراز التناقضات، وبعض الجوانب السلبية في المجتمع من جهة ثانية. وقد غلب على حضوها الصفة الجزئية، فكانت تؤّدي دورها وتنسحب، ولكن، لم نعدم وجود بعض الشخصيات المنفرة ذات الحضور الكلي.‏

ويأتي الانتقال إلى الشخصية التابعة ليكشف أن معظم الروائيين الفلسطينيين لم يعنوا بتقديم هذه الشخصية، وتحديد ملامحها، وتوضيح عالمها. بل اكتفوا بتسميتها، من غير أن يوكلوا إليها مهمّة محددة. ولكن، لا نعدم، أيضاً، وجود بعض الشخصيات التابعة ذات الحضور الواضح والمميّز، والوظيفة المحدّدة، كما هو الحال في شخصيتي"نوار الكرمي" و"وصال رؤوف".‏

ولدى دراستنا للمرأة والرمز وجدنا أن الروائيين الفلسطينيين لم يعمدوا إلى استعمال الرمزالفني) الكلي أو الجزئي المبهم والغامض، لأن ذلك يتنافى مع الدور النضالي للرواية الفلسطينية.‏

وقد كان الرمز عندهم أداة تعبيرية يلجؤون إليه حين تدفعهم الضرورة الفكرية أو الفنية إلى ذلك. إذ يغدو الرمز حينئذٍ أقدر على الإيحاء والتعبير، وإيصال الفكرة إلى الملتقى، بفضل ما ينطوي عليه من ثراء وخصوبة. وقد لمسنا براعة بعض الروائيين في استعمال الرمزغسّان، إميل) حين جسّدوه في بعض الشخصيات، مراعين في ذلك، أيضاً، المستوى الواقعي لها -باستثناء اخطية- جاعلين المرأة - الأم رمزاً للوطن، وللأرض -فلسطين بكل ما يحمله هذا الرمز من معنى وإيحاء.‏

وإذا كنّا قد وقفنا على تحليل بناء الشخصية الروائية، فهناك مكوِّنات روائية أخرى ذات علاقة وثيقة بالشخصية، تفيد في تحديد طبيعة حركتها في الرواية، وتجسيدها وكشف عالمها، وإبراز صورتها، وهي: المكان والزمان، والسرد...‏

(1) -هلال، محمد غنيمي: النقد الأدبي الحديث، دار العودة، بيروت 1973 ص562‏

(2) -بحرواي، حسن: بنية الشكل الروائي، المركز الثقافي العربي، بيروت ط1/1990 ص20‏

(3) -هلال، د. محمد عنيمي: النقد الأدبي الحديث 563‏

(4) -منيف، عبد الرحمن: "المرأة.. سؤال فيه بعض التحدي الجميل والخطر" مجلة النهج، دمشق، العدد 41 خريف 1995 ص 202‏

(5) -نجم، د.محمد يوسف: فن القصة. دار الثقافة، بيروت ط7/1979 ص98‏

(6) -ينظر المرجع السابق/ 98‏

(7) -ينظر: بحراوي، حسن: بنية الشكل الروائي 223‏

(8) -لمزيد من التفصيل ينظر بحراوي، حسن: بنية الشكل الروائي ص 223،247،267) وكذلك: الفيصل. سمر روحي: بناء الرواية العربية السورية 1980-1990) اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1995 ص 88-89).‏

(9) -ينظر المرجع السابق‏

(10) -بحراوي، حسن: بنية الشكل الروائي. ص224‏

(11) -الرواية ذات البنية البسيطة تستند إلى شخصية محورية واحدة، ذات علاقة واضحة ومحددة بالحوادث والشخصيات الأخرى في الرواية، وهي كثيرة في الرواية الفلسطينية. نذكر منها: "نشيد الحياة" و "البكاء على صدر الحبيب" و "مذكرات امرأة غير واقعية". وأما الرواية ذات البنية المعقدة فهي تستند إلى عدة شخصيات، تنسج فيما بينها شبكة من العلاقات. وهذا النوع من الروايات قليل، فهو يحتاج إلى وقت وجهد في ضبط إيقاع الرواية، وفي تقديم شخصياتها، ونسج شبكة علاقاتها.‏

ونذكر من ذلك روايتي جبرا "السفينة" و "البحث عن وليد مسعود" وكذلك ثنائية سحر خليفة. لمزيد من الاطلاع حول البنية البسيطة والمعقدة ينظر: سمر روحي الفيصل: بناء الرواية السورية ص108) وما بعدها.‏

(12) - الرواية ذات البنية البسيطة تستند إلى شخصية محورية واحدة، ذات علاقة واضحة ومحددة بالحوادث والشخصيات الأخرى في الرواية، وهي كثيرة في الرواية الفلسطينية. نذكر منها: "نشيد الحياة" و "البكاء على صدر الحبيب" و "مذكرات امرأة غير واقعية". وأما الرواية ذات البنية المعقدة فهي تستند إلى عدة شخصيات، تنسج فيما بينها شبكة من العلاقات. وهذا النوع من الروايات قليل، فهو يحتاج إلى وقت وجهد في ضبط إيقاع الرواية، وفي تقديم شخصياتها، ونسج شبكة علاقاتها.‏

ونذكر من ذلك روايتي جبرا "السفينة" و "البحث عن وليد مسعود" وكذلك ثنائية سحر خليفة. لمزيد من الاطلاع حول البنية البسيطة والمعقدة ينظر: سمر روحي الفيصل: بناء الرواية السورية ص108) وما بعدها.‏

(13) -الراوي الممثّل: يختلف اختلافاً واضحاً عن الراوي العالم بكل شيء.. ذلك أن الراوي الممثل يدل على أن الروائي راغب في أن تعبّر إحدى الشخصيات عن وجهة نظره، ومن ثم يترك راويه يتماهى بهذه الشخصية ويكتفي بما تراه وتسمعه. إنه راو محدود المعرفة، مشارك في حوادث الرواية، ومنحاز إلى إحدى شخصياتها.‏

للمزيد ينظر: الفيصل، سمر روحي: بناء الرواية ص 62.‏

(14) -كنفاني، غسان: الآثار الكاملة مج1 /245‏

(15) -شيخ خليل، خالدة: الرمز في أدب غسان كنفاني القصصي 140‏

(16) -بحراوي، حسن: بنية الشكل الروائي 237‏

(17) -المرجع السابق. 226‏

(18) -القاسم، د.أفنان: البنية الروائية لمسار الشعب الفلسطيني 182.‏

(19) -ينظر الرب لم يسترح في اليوم السابع، ص63-64‏

(20) -ينظر: عيد، عبد الرزاق: في سوسيولوجيا النص الروائي 223‏

(21) -عيد، د.عبد الرزاق: في سويسولوجيا النص الروائي 225‏

(22) -ينظر الرب لم يسترح في اليوم السابع ص 18،19،36)‏

(23) -الرب لم يسترح في اليوم السابع 114‏

(24) -المصدر السابق 128-129‏

(25) -الشخصية المسطّحة: هي "الشخصية التي) تبنى عادة حول فكرة واحدة،أو صفة لا تتغير طوال القصة. فلا تؤثر فيها الحوادث، ولا تأخذ منها شيئاً.. وهي لا تحتاج إلى تقديم وتفسير، ولا إلى فصل تحليل وبيان"‏

للمزيد ينظر، محمد يوسف نجم: فن القصة ص 103)‏

(26) -الشخصية البسيطة: يفهمها القارئ أول وهلة. ومهما تعمق في دراستها وتفسيرها، وفي حبها أو بغضها، فإنه لن يضل سبيله معها، وسيجدها دائماً بسيطة واضحة "للمزيد ينظر المرجع السابق ص101)‏

(27) -الشخصية النامية: "تتكشف لنا تدريجياً، من خلال القصة، وتتطور بتطور حوادثها. ويكون تطررها عادة نتيجة لتفاعلها المستمر مع هذه الحوادث. وقد يكون هذا التفاعل ظاهرياً أو خفياً، وقد ينتهي بالغلبة أو الإخفاق"‏

للمزيد ينظر: نجم، محمد يوسف: فن القصة 104‏

(28) -الصبار 63‏

(29) -الصبار 91‏

(30) -عباد الشمس/ 23‏

(31) -عباد الشمس/29‏

(32) - ينظر على سبيل المثال: عبّاد الشمس 32-34)‏

(33) -بحراوي، حسن: بنية الشكل الروائي ص246‏

(34) -واط، إيان: نشوء الرواية. تر عبد الكريم محفوض. وزارة الثقافة. دمشق 1991 ص19‏

(35) -بحراوي، حسن: بنية الشكل الروائي 247‏

(36) -الفيصل، سمر روحي:بناء الرواية العربية السورية 88‏

(37) -جبرا إبراهيم جبرا: السفينة، التقدم. وكذلك "البحث عن وليد مسعود التقديم).‏

(38) -ينظر: كنفاني، غسان: الآثار الكاملة مج1 /585-586‏

(39) -عباد الشمس: 73‏

(40) -المصدر السابق 83‏

(41) -أبو بكر، وليد: الواقع والتحدي في رواية الأرض المحتلة 126‏

(42) -البكاء على صدر الحبيب 66‏

(43) -أبو بكر، وليد: الواقع والتحدي في رواية الأرض المحتلة 126‏

(44) -ينظر البحث عن وليد مسعود 235‏

(45) -ينظر، الفيصل، سمر روحي: بناء الرواية العربية السورية ص126‏

(46) -بحراوي، حسن: بنية الشكل الروائي ص 320‏

(47) -المرجع السابق ص 267‏

(48) -المرجع السابق 268‏

(49) -لمزيد من التفصيل: ينظر الفيصل، د. سمر روحي: بناء الرواية العربية السورية 128 وما بعدها‏

(50) - بحراوي، حسن: بنية الشكل الروائي. 269-270‏

(51) -بوصلة من أجل عبّاد الشمس. ص86‏

(52) -كنفاني، غسان: الآثار الكاملة مج 1/287‏

(53) -الفيصل، د.سمر ورحي: بناء الرواية العربية السورية 1980-1990) ص134‏

(54) -الفيصل، سمر روحي: بناء الرواية العربية السورية 136‏

(55) -المرجع السابق 137‏

(56) -البحث عن وليد مسعود 233‏

(57) -أبو مطر، د. أحمد: الرواية في الأدب الفلسطيني 298‏

(58) - المرجع السابق 325.‏

(59) - أبو بكر، وليد: الواقع والتحدي في رواية الأرض المحتلة 125.‏

(60) - سيسو، عبد الرحمن: استلهام الينبوع ص 239‏

(61) - المرجع السابق 241.‏

(62) - سداسية الأيام الستة 242.‏

(63) - بسيسو، عبد الرحمن: استلهام الينبوع ص 242.‏

(64) - أبو بكر، وليد: الواقع والتحدي في رواية الأرض المحتلة 127.‏

(65) - المرجع السابق 132.‏

(66) -ينظر: حبيبي، إميل: "اخطية" مجلة الكرمل العدد/15/ عام 1985. نيقوسيا، قبرص. 48.‏

(67) - المصدر السابق 51- 53.‏

(68) - أبو بكر، وليد: الوقاع والتحدي في رواية الأرض المحتلة 132- 133.‏

(69) - كنفاني، غسان: الآثار الكاملة مج1 / 245.‏

(70) - وادي، فاروق: ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية 54.‏

(71) - كنفاني ، غسان: الآثار الكاملة مج1 / 250.‏

(72) - عواد، حنان: "المرأة في أعمال غسان كنفاني"مجلة الكاتب العربي. السنة السابعة، عدد 23، بغداد عام 1989 ص58.‏

(73) - كنفاني، غسان: الآثار الكاملة مج1 / 253.‏

(74) - بسيسو، عبد الرحمن: استلهام الينبوع 139.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244