المرأة في الرواية الفلسطينية 1965-1985 - د.حسان رشاد الشامي

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:34 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثاني المكان والزمان

تمهيد‏

يشكّل كلِّ من المكان والزمان الروائيين أحد المكونات الأساسية في بناء الرواية. فهما يدخلان فيعلاقات متعدّدة مع المكونات الحكائية الأخرى للسرد، كالشخصيات والأحداث والرؤيات السردية))(1) . ويوصف المكان الروائي عادة- وهو مكان محدد في كثيرٍ من الأحيان- بأنّه مسرح الأحداث، أو الحيّز الذي تتحرّك فيه الشخصيات، أو تقيم فيه، فتنشأ بذلك علاقة متبادلة، بين الشخصية والمكان، وهي علاقة ضرورية، لتمنح العمل الروائي خصوصيته، وطابعه، ومن ثمّ ليكتسب المكان صفاته ومعناه ودلالته.‏

أمّا الزمان الروائي، فهو يتجلى في عناصر الرواية كافّة، وتظهر آثاره واضحة، على ملامح الشخصيات وطبائعها وسلوكها، فالأحداث التي يسردها الكاتب، والشخصيات الروائية التي يجسدها، كلُّها تتحرّك في زمن محدّد يُقاس بالساعات وبالأيام والشهور والسنين. وهذا يعني أنّه زمن تصاعدي. إذ يفترض أنْ يجري عرض الأحداث وفق تسلسلها الزمني المنطقي الطبيعي.‏

على أنّ استجابة الرواية لهذا التتابع الطبيعي في عرض الأحداث، حالة افتراضية أكثر مما هي واقعية، لأن تلك المتوالياتالحكائية)، قد تبتعد كثيراً أو قليلاً عن المجرى الخطّي للسرد، فهي تعود إلى الوراء لتسترجع أحداثاً تكون قد حصلت في الماضي. أو على العكس من ذلك تقفز إلى الأمام لتستشرف ما هو آت، أو متوقّع من الأحداث. وفي كلتا الحالتين نكون إزاء مفارقة زمنية، توقف استرسال الحكي المتنامي، وتفسح المجال أمام نوع من الذهاب والإياب على محور السرد، انطلاقاً من النقطة التي وصلتها القصّة. وهكذا فتارة نكون إزاء سرد استذكاري... وتارة أخرى نكون إزاء سرد استشرافي))(2) .‏

وعلى الرغم من صعوبة الفصل بين المكان والزمان لما بينهما من تداخل وتواشج، ولما في فصلهما من عسف وافتعال، سنحاول دراسة كل منهما على حدة. بغية الوقوف على مظاهر وصف المكان الذي يحتضن الشخصية الروائية النسوية، ودوره في تحديد معالمها، وعلاقة كل منها بالآخر فنيّاً، وكذلك الحال بالنسبة إلى دراسة الزمان.‏

أولاً أهميّة المكان في بناء الشخصية:‏

لعب المكان في الرواية الفلسطينية دوراً وظيفياً واضحاً لدى معظم الكتاب. أمثال غسان كنفاني، وإميل حبيبي، وجبرا إبراهيم جبرا. وشغل حيزا بارزا في رواياتهم، وفي تفكير العديد من الشخصيات الروائية واهتمامها. واتخذ معاني ودلالات ورموزاً متنوعة، ارتبطت بمراحل الصراع العربي الصهيوني، والزمن الفلسطيني في صعوده وهبوطه.‏

وكان مسرح الأحداث الروائية في كثير من الأحيان يجري على أرض فلسطين1948- 1967) بمدنها وقراها وشوارعها وأحيائها وبيوتها. وأحياناً في مخيمات الداخل، أو الشتات، ويستطيع دارس الرواية الفلسطينية أنْ يقف على ذلك كله، من خلال التحليل الدلالي للمكان، ولكن هذا التحليل لا يعنينا في هذا المجال، إلا بالقدر الذي يوضّح العلاقة بين المكان والشخصية.‏

ولعل أول ما يلاحظ الدارس للرواية الفلسطينية، أن هناك تفاوتاً واضحاً لدى الروائيين في العناية بوصف المكان وأبعاده، وتتبع جزئياته، وتوظيفه فنياً بحيث يندمج مع سائر العناصر الروائية، وهذا يعني أنهم ليسوا على سويّة واحدة، في التوظيف الفني للمكان، وإن كانوا جميعاً متّفقين على أهميته، ومشدودين إليه بكل حواسهم، لأنّه جزء من وجود الإنسان وكيانه.‏

وقد حرص الروائي على تقديم شخصياته، وهي تتحرك في وسط اجتماعي معيّن، تبدو فيه خصوصية المكان والزمان. وعمل... أثناء تشكيله للفضاء المكاني الذي ستجري فيه الأحداث،... على أن يكون بناؤه منسجماً مع مزاج وطبائع شخصياته، وأن لا يتضمن أية مفارقة، وذلك لأنّه من اللازم أنْ يكون هناك تأثير متبادل بين الشخصية والمكان الذي تعيش فيه، أو البيئة التي تحيط بها، بحيث يصبح بإمكان بنية الفضاء الروائي أن تكشف لنا عن الحالة الشعورية التي تعيشها الشخصية، بل وقد تساهم في التحولات الداخلية التي تطرأ عليها))(3) .‏

وهذا ما جعل بعض النقّاد يعطي للشخصية أهميّة كبرى في تشكيل المكان المحيط بها، وجعل بعضهم الآخر يذهب إلى حدِّ المطابقة بين الشخصية والمكان، وتحديداً مكان الإقامة، فيرى أنّ بيت الإنسان هو صورة عنه، وهذا يعني أنّالمكان يكتسب صفة المجاز المرسل أي الساكن هو المسكن. فمن هنا تأتي وظيفة الوصف التفسيرية))(4) .‏

وهنا يمكن الوقوف على بعض الأمثلة التي تظهر العلاقة التبادلية بين المكان والشخصية، ودور الوصف في تشكيل صورة المكان، وبنائه فنياً.‏

*‏

ففي رواية"أم سعد" يقدّم كنفاني شخصيّة بطلته"أم سعد" وهي تتحرك في فضاء المخيّم، الواقع في إحدى ضواحي بيروت. متنقّلة بين المخيم وبيت الراوي، خارج المخيم. وقد اعتادت أنْ تتردد إليه في أوقات محددّة. ويدور جانب كبير من أحداث الرواية في هذا الحيّز المكاني... أمّا البعد المكاني الآخر الذي تجري فيه بقية الأحداث، فينشأ من خلال استرجاع أم سعد لذكريات الماضي في فلسطين عام 1936. وفلسطين الواقع الروائي عام 1967.‏

ويجيء المشهد الأول في الرواية ليمّثل الخلفيّة المكانية التي تضفي على الشخصية حضوراً متميزاً كثيفاً وذا معنى. يقول الراوي: وفجأة رأيتها قادمة من رأس الطريق المحاط بأشجار الزيتون. وبدت أمام تلك الخلفية من الفراغ والصمت.... مثل شيء ينبثق من رحم الأرض))(5) .‏

ومن خلال تتابع بعض المقاطع الوصفية لفضاء المكانالمخيم)، وما يشمله من أماكن فرعية، كوصف الدروب الضيقة، وبيوت الصفيح والطين الواطئة، وكذلك وصف بيت"أم سعد" الذي يتألف منغرفة مشطورة من النصف بحائط من التنك))(6) ، يتضح الواقع الاجتماعي البائس، والظروف الصعبة التي تعيشها تلك المرأة مع أبناء شعبها، وهذا ما يدفعها إلى بذل المزيد من الجهد والتضحية لتجاوز هذا الواقع. ولا تلبث تلك الصورة البائسة لفضاء المخيّم أنْ تتبدّد بفعل الحركة الناهضة لأم سعد، ولأبناء المخيّم، عقب النكسة، إذ تحوّلت مخيمات اللجوء والتشّرد إلى معسكرات للتدريب وقواعد للفدائيين، تمثّلت في تلك الخيمة الجديدة، التي تعقد"أم سعد" عليها كل الآمال، والرجاء، وتنظر إليها بإعجاب وإجلال، بعد أن انتظرت عشرين عاماً، وبذلت الكثير، وأعطت بسخاء، لترفع بنيانها، وترسّخ دعائمها في نفوس أبنائها، وأبناء الوطن.‏

*‏

وإذا كان كنفاني قد رسم صورة للمخيم في مرحلة نهوضه وتحوّله، وأثر ذلك على نفوس شخصياته، ولا سيما"أم سعد". فإن يحيى يخلف في"نشيد الحياة" يسلّط الضوء، أيضاً، على فضاء"مخيم الدامور" الذي تجري فيه أحداث الرواية، فيبدأ برسم الخطوط العريضة لفضاء المخيم، ليصور حالة القلق والانتظار التي يعيشها مجتمع الرواية، قبيل الغزو الصهيوني للبنان، وأثناءه، ومن ثم يسلط الضوء على وصف مكان محدد، هو منزل سنيورة، ليبرز من وراء ذلك، أثر التحوّل الإيجابي الذي طرأ على نفسيتها بعد أن أحبّت الفدائي"أحمد شرقاوي" وقد انعكس ذلك على صورة المكان المرتبط بالشخصية، إذ عمد الكاتب إلى تقديم صورتين متقابلتين متناقضتين لغرفة سنيورة، استطاع توظيفهما فنياً بصورة موحية ومعبرة. فجاءت الأولى لتعبر عن الشعور بالضياع والخواء والعطالة: أضاءت الغرفة. سطع الضوء كاشفاً عن فوضى في السرير، وفوق الطاولة. كانت الثياب والأغطية تتكوم هنا وهناك))(7) . وجاءت الصورة الثانية لتبرز أثر التحّول الإيجابي في سلوك سنيورة ونفسيتها وتصرفاتها.‏

دخل"أحمد شرقاوي" إلى الغرفة التي بدت اليوم نظيفة وأنيقة، وشديدة الترتيب... ثمة تغييرات حدثت على الجدران. خارطة فلسطين مطرّزة باليد، وصورة قديمة ذات إطار قديم، لابّد أنها كانت تحتفظ بها داخل الخزانة... ولابد أنه أبوها... وصورة أخرى لزرافة طويلة العنق، وفراشات تفرد أجنحتها، وزهور النرجس والقرنفل... وفوق الوسائد كانت تنشر مطرّزاتها. وفوق السرير كانت تنشر شرشف حرير. وعلى الطاولة الصغيرة كانت تنشر شغل سنارتها... ها هي السنيورة مفعمة بالطيبة، وتفوح منها رائحة الإنسان))(8) .‏

من الواضح أن الكاتب قد جعل التغيير الذي لحق بالمكان، وما طرأ عليه من تحسينات ولمسات إنسانية، يأتي انعكاساً مباشراً للتغيير الإيجابي الذي أصاب الشخصية من الداخل.‏

فجاء الوصف التفصيلي لملامح المكان، وهو وصف موضوعي، جاء على لسان الراوي، ليفّسر هذا التحوّل، ويكشف عن جانب إنساني غامض من جوانب شخصية سنيورة، وليمنح القارئ انطباعاً عن أثر ذلك التطّور اللافت في سلوكها وطباعها، ويوحي في الوقت نفسه، بما سيكون له من تأثير على مسار حياتها في الأيام القادمة.‏

وإذا كانتقديم الأمكنة في الرواية يأتي مرتبطاً بتقديم الشخصيّات، فإنّ هذه الأخيرة لا تخضع كليّاً للمكان بل العكس هو الذي سيحصل. إذ أنّ الأماكن في هذه الحالة هي التي سيوكل إليها مساعدتنا على"فهم" الشخصية))(9) .‏

*‏

وهذا ما يمكن أنْ نتمثله في تقديم"سحر خليفة" لبيت "أم صابر" في "عبّاد الشمس" إذ تُسهم صورة البيت في الكشف عن طباع هذه الشخصية الشعبية البسيطة، ومستوى تفكيرها، وطبيعة سلوكها. نقرأ ما جاء على لسان الراوي، وهو يرصد صفات هذا البيت، وما تنم عنه من فوضى وقذارة: دفع الباب الخشبي بيده. صرّ الباب بنزق. ودخلوا باحة صغيرة مبلّطة بالحجارة القديمة. أمام الأدراج أقعى سطل زبالة، يسيل منه ماء أسود بلون القزحة. وإلى يمين السطل جلست طفلة في الرابعة على الأرض القذرة، ممسكة بخرقة لا لون لها. تعمر الخرقة في قناة يركد فيها الماء. ماءٌ قذر على وجهه قشطة صابون.... ارتقوا الأدراج، ووقفوا أمام الباب المعلق في أعلى الدرج... وهناك بين ضروب العفش المختلفة. كان يتمددُ أبو صابر على سرير من الصاج. كان غارقاً تحت تلال من الأغطية))(10) .‏

لا شك أنّ وصف الراوي لهذا البيت الشعبي، الذي تخترقه الشخصياتعادل، وباسل وزهدي) بصورة تدريجية، دلت على ذلك الجمل:دفع الباب، دخلوا باحة صغيرة، ... ارتقوا الأدراج. وقفوا أمام الباب...) لم يكن مقصوداً لذاته، ولم يكن من أجل غاية تزيينية أو جمالية، وإنمّا جاء الوصف ليكشف بصورة غير مباشرة بعض جوانب شخصية ربة البيتأم صابر). فوصف البيت هنا يحيل إلى ساكنيه، وإلى الوضع الاجتماعي البائس الذي تعيشهُ الأسرة.‏

وقد كشفت صورة البيت عن مدى جهل"أم صابر" وإهمالها، بوصفها المسؤولة المباشرة عن العناية بشؤون بيتها، وترتيبه ونظافته، ورعاية أولادها وزوجها. وجاء وصف الطفلة على تلك الهيئة الزرية، مكملاً لصورة البيت... وقد اكتفت الكاتبة بما توحيه هذه الصورة، من جوانب دالة على حياة هذه الشخصيةأم صابر) وطباعها.‏

*‏

وغالباً ما تتعدّد الأمكنة التي تتنقل الشخصية فيما بينها في الرواية، ويكون ذلك مترافقاً مع تطور حركة الأحداث، ومؤشّراً، أيضاً، على حيوية الشخصية وفاعليتها. ومن الطبيعي أن يتبع هذا التنقل تنوع في الدلالات المكانية تبعاً لتنوع تلك الأحداث.‏

وهذا ما نقف عليه في رواية"بوصلة من أجل عبّاد الشمس". إذ تتعدد الأمكنة التي تتحرّك فيها"جنان"، فنجدها تتنقل في عمان، من جبل الحسين، إلى جبل النزهة، فالأحراش، فمراكز الإسعاف. ثم تنتقل من عمّان إلى بيروت، فمخيم صبرا وشاتيلا، فمراكز الرعاية الصحيّة، وبعض الجمعيات الاجتماعية النسوية، كل ذلك مرتبط بطبيعة عملها النضالي، وتعدد نشاطاتها الاجتماعية والتعليمية والصحية.‏

وننتهي إلى القول، إنّ للمكان أهمية كبرى في الكشف عن الكثير من جوانب الشخصية التي تقيم فيه. لأنّ هناك تأثيراً متبادلاً بين الطرفين، فكل ما في البيت يكتسب دلالته ومعناه من خلال ارتباطه بالإنسان الذي يقيم فيه. وهذا يعني أنظهور الشخصيات، ونمو الأحداث التي تساهم فيها، هو ما يساعد على تشكيل البناء المكاني في النص. فالمكان لا يتشكل إلا باختراق الأبطال له، وليس هناك بالنتيجة أي مكان محدد مسبقاً، وإنما تتشكل الأمكنة من خلال الأحداث التي يقوم بها الأبطال، ومن المميزات التي تخصهم))(11) . وبذلك يمكن الوقوف على طبيعة العلاقة التي تربط الإنسان بالمكان الذي يقيم فيه، ومقدار ذلك الانسجام أو التنافر بين صورة المكان وساكنه، لأن الإنسان هو الذي يحدد سمات هذا المكان، تبعاً لظروفه المعيشية، ولطبيعة تكوينه النفسي والاجتماعي والفكري.‏

ثانياً: أهمية الزمان في بناء الشخصية:‏

وإذا كان"المكان" من خصائص الأبعاد المادية للحياة الإنسانية في العمل الأدبيالروائي) فإن الزمان هو الحياة نفسها، أو هو الوعي بالحياة. ومن ثمة أمكن أن يقال: إن المكان هو"عالم الثوابت" بينما يندرج الزمان في عالم المتغيرات))(12) . ويتمثل الزمن في العمل الروائي، بوعي الشخصيات به، وبحركة الأحداث وتطورها، كما يتمثل أيضاً، بالسرد الذي يجسّد تلك الأحداث.‏

إن بناء الرواية يقوم من الناحية الزمنية على مفارقة تؤكّد طبيعة الزمن الروائي التخييلية. فمنذ كتابة أول كلمة يكون كل شيء قد انقضى. ويعلم القاص نهاية القصة. فالراوي يحكي أحداثاً انقضت، ولكن بالرغم من هذا الانقضاء، فإنّ الماضي يمثّل الحاضر الروائي. أي أن الماضي الروائياستخدام الفعل الماضي في القص) له حقيقة الحضور... ولا شك أن هذا الاهتمام بالحاضر جاء نتيجة لاهتمام الروائي بحياة الشخصية الروائية النفسية، أكثر من حياتها الخارجية... ولمّا كان لابد للرواية من نقطة انطلاق تبدأ منها، فإن الروائي يختار نقطة البداية التي تحدد حاضره، وتضع بقية الأحداث على خط الزمن من ماضي ومستقبل، وبعدها يستطرد النص في اتجاه واحد في الكتابة غير أنه يتذبذب، ويتأرجح في الزمن بين الحاضر والماضي والمستقبل))(13) .‏

ولقد وعى الروائيون الفلسطينيون الأهمية الكبيرة للزمن، ولدوره في العمل الروائي، وفي بناء الشخصية الروائية، وتأثيره في حياتها، وفي حركة الأحداث. فانطلقوا في تعاملهم معه من خصوصية الواقع الفلسطيني الحافل بالأحداث والتطورات والتحولات، فجسدوا ذلك برؤية فنية تتسم بالصدق والواقعية. وحرصوا على تحديد الزمن الخارجي للحدث الروائي الذي يُراد تجسيده في رواياتهم أو اتخاذه إطاراً لها، لارتباطه الوثيق بالزمن التاريخي للقضية. هذا، الزمن الذي يمثّل المقابل الخارجي الذي يسقطون عليه عالمهم التخييلي))(14) .‏

واستعملوا في تحديد الزمن المقاييس الموضوعية المعروفة، كالسنة والشهر واليوم والساعة والصباح والمساء... وكثيراً ما حرصوا على وضع علامات، أو قرائن تشير إلى تواريخ محددة، أو أحداث معروفة، سواء في بداية الرواية، أو في سياقها، لتدل على بداية الحدث الروائي وزمنه التاريخي بوضوح. وغالباً ما يصرّح الروائي بالزمن الذي ينطلق منه الحدث الروائي في بداية الرواية، كما فعل كنفاني في"أم سعد"، ورشاد أبو ساور في"الرب لم يسترح في اليوم السابع".‏

وقد يشير إلى ذلك بصورة ضمنية، فيبث بعض المعلومات أو الإشارات الزمنية في سياق الرواية، تمكّن القارئ من معرفة الحاضر الروائي كما هو الحال في"الصبّار"، إذ يبدأ الحدث الروائي بعودة أسامة الكرمي، بعد غياب دام خمس سنين عن الضفة، منذ أن احتلت عام 1967. وكما هو الحال أيضاً في رواية"نشيد الحياة" وغيرهما من الروايات التي تمّت الإشارة في الفصول السابقة، إلى زمن الحدث، الذي تنطلق منه غالبية تلك الروايات التي شملها البحث.‏

إنّ الهدف الجمالي، من التحديد الدقيق للزمن الطبيعي داخل الرواية، هو تحديد اتجاه القراءة لدى القارئ، ليفهم الحوادث، ويفسّر الرموز، والدلالات في ضوء هذا الاتجاه))(15) .‏

ويمكن للباحث أنْ يميّز نوعين للزمن في الرواية:‏

الأول: الزمن النفسي، ويسمّى أيضاً الزمن الداخلي أو الشخصي أو الذاتي. وهذا الزمن يرتبط بالشخصيات ارتباطاً وثيقاً، ويدخل في نسيج حياتها الداخلية، ويتلوّن بتلوّن حالتها النفسية والشعورية، فيطول أو يقصر تبعاً لتلك الحالة(16) . ويتجلى الزمن النفسي في تداعيات الشخصية، وذكرياتها ومنولوجاتها الداخلية، وتيارات وعيها، وربّما برز في أحاديثها المباشرة أحياناً. وليس لهذا الزمن مقاييس ثابتة أو محدّدة منطقياً، ولكن يمكن للباحث أن يتبيّن طبيعته من خلال اللغة التي تجسّد العالم الداخلي للشخصية، حينيحلّل حركتي الزمن السردي في علاقتهما بنظام توالي الحوادث))(17) .‏

أمّا الثاني: فهو الزمن الطبيعي، أو الزمن الخارجي الذي يشكل الدعائم الأساسية أو الخطوط العريضة التي تبنى عليها الرواية. ومقاييس هذا الزمنمستمدة من الزمن الطبيعي الخارجي، ولكنّها غير متطابقة معها على الرغم من أنها تحمل أسماءها))(18) .‏

وللوقوف على العلاقة التي تربط الزمن بالشخصية الروائية، والطريقة التي جسّد فيها الروائي إحساس الشخصية بمرور الزمن، لابدّ من دراسة الزمن النفسي الذي يرتبط مباشرة بالشخصية التي تعطيه صفاته ومعناه ودلالته. ومن ثم الانتقال إلى تحليل حركتي الزمن السردي، المتمثلين في تقنيتي الاسترجاع والاستشراف، انطلاقاً من أن السرد هو المجسّد للزمن وللشخصيات وللحوادث.‏

1- الزمن النفسي:‏

للتعبير عن هذا البعد الزمنيالذاتي) المرتبط أشد الارتباط بالحياة الداخلية للشخصيات، استحدث الروائيونأساليب جديدة في تجسيد الزمن في التجربة أو الخبرة، هذا الزمن الذاتي.. الذي لا يخضع لمعايير خارجية، أو لمقاييس موضوعية، فلجؤوا إلى المنولوج الداخلي، وتداخل عناصر الصور، والرموز والاستعارة لتصوير الذات في تفاعلها مع الزمن.. وهذا البعد الزمني مرتبط في الحقيقة بالشخصية لا بالزمن))(19) .‏

يلعب الزمن في رواية"ماتبقى لكم" دوراً هاماً وأساسياً فيها، فهو يمثّل إحدى الشخصيات الرئيسية، وتشير إليه أداته، ساعة الحائط التي ترصد دقاتها الرتيبة القاسية، حياة أولئك الذين يعيشون، في مستنقع العجز والانتظار الذي دام ستة عشر عاماً بعد النكبة. فالزمن التاريخي بالنسبة للشخصياتمريم، حامد، زكريا) واحد. على حين نجد الزمن النفسي ليس كذلك، إذ يبلغ الإحساس بالزمن الثقيل ذروته لدى"مريم". فتتحوّل دقات الساعة في حالة الضياع والقلق والانتظار الممض، إلى دقات مخنوقة تدق في رأسها باعثة فيها الشعور باليأس والمرارة، معلنة عن موتها البطيء، وهي تتحوّل مع دقاتها إلى عانس، وقد بلغت من العمر خمسة وثلاثين عاماً.‏

مؤذنة في الوقت نفسه عن سقوطها وتخبّطها في مستنقع زكرياالنتن)، مع كلّ دقّة من دقاتها الباردة الميتة. ولا يلبث هذا الزمن المقيت أن يؤذن بالمغيب، بعد أو وضع الإنسان الفلسطينيحامد، ومريم) حداً لكساحه وعجزه، وقطع صلته بالماضي الذليل، واستطاع أن يواجه عدّوه وجهاً لوجه.‏

*‏

وإذا كان الإحساس بتسّرب سني العمر، قد دفع مريم إلى السقوط في أحضان أول رجل دقّ بابها خلسة، فإن"نوار" و"رفيف" في"عبّاد الشمس" يساورهما الشعور بالقلق والخوف، أيضاً، من مرور الزمن، بعد أن بدأ يترك بصماته على كل منهما. فها هي"نوار" تتراجع عن وعدها الذي قطعته على نفسها بانتظار حبيب العمرصالح)، وتشعر أن الزمان بات خصماً عنيداً لها، وقد تجاوزت الخامسة والعشرين. تمعّنت نّوار في وجه محدثتهاسعدية) الذي مازال شاباً رغم همومه، لكن أثار الزمن بدأت تترك بصماتها عليه. وفكّرت بخوف. بعد عشرة أعوام يصبح وجهي كهذا، وسأنتظر بدل العشرة عشرات.. يا إلهي..))(20) ، وهاهي تصرّح: ما عدت أحتمل هذا الجو. أريد الهرب. وعد قطعته على نفسي أن أنتظر. كان للانتظار معنى. وكان صالح أمنية. أصبح الانتظار سجناً، والسجين قيداً، وبت أحلم بالهرب))(21) .‏

ويتكثّف هذا الشعور بالزمن، وقد أطل العام الثلاثون على رفيف، وهي ما زالت عازبة، تلهث وراء أحلامها وتطلعاتها. أحسُّ بالشيخوخة منذ الآن. على أبواب الثلاثين، وما زلت ألهث، سيسبقني القطار، وما زلت ألهث. وأصبح امرأة بشيب وتجاعيد، وعضد مترهل.... اللعنة))(22) .‏

*‏

وإذا كان الانتظار، على اختلاف أنواعه، قاسماً مشتركاً بين الشخصيات النسوية الفلسطينية، وهاجساً يعشنه كل لحظة من لحظات العمر. فتبدو الأيام بطيئة الحركة، وثقيلة الوقع، تحمل معها تهديداً بانقضاء الشباب، وضياع العمر دون جدوى، كما هو الحال لدى، مريم ونوّار ورفيف، وكذلك لدى سنيورة وزليخة في "نشيد الحياة"، وأم الروبابيكا في"السداسية" وندى في "العشّاق" وغيرهن. فإن انتظار"أم سعد"، وإحساسها بمرور الزمن، يبدو من نوع خاص. إنّه الانتظار الذي يصحبه العمل، ويحدوه الأمل، بحياة أفضل، في ضوء النهوض الفلسطيني وتنامي وتيرة العمل الفدائي، عقب نكسة حزيران 1967، بعد أن تجرّعت مع جماهير شعبها كؤوس البؤس والشقاء، طوال عشرين سنة مضت. تقول: أنا متعبة يا ابن عمي. اهترأ عمري في ذلك المخيم. كل مساء أقول يا رب! وكل صباح أقول يا رب!. وها قد مرت عشرون سنة. وإذا لم يذهب سعد فمن سيذهب؟))(23) .‏

هكذا تجّسد"أم سعد" هذا الإحساس العميق والحاد بمرور الزمن، فيتضح بذلك الدور الذي يؤديه الزمن في حياة هذه الشخصية، من خلال سياق معناه الدلالي الذي يمثل سياق الرواية كلها. فالرواية هي رواية الزمن الفلسطيني الناهض الذي تمثّله"أم سعد". وها هي تعيش فضاء ذلك الزمن الفسيح والجديد الذي ترافق مع المكان الجديدالخيمة الأخرى)، بعد أن أسهمت في صنعهما. وقد عبّرت الرواية عن هذا الزمن الجديد، وأثره في"أم سعد": مثل دقات الساعة جاءت. هذه المرأة تجيء دائماً تصعد من قلب الأرض))(24) . إنّها تعيش زمن النهوض، المتمثّل في الثورة الشعبية المسلّحة. هذا الزمن أنعش روحها المعذّبة، وفتح شهيتها للحياة، وأضاء الطريق للأجيال، وأصبح الحلم قابلاً للتحقق.‏

وللوقوف على طبيعة العلاقة التي تربط الشخصية الروائية بعناصر الزمن، وأثر تلك العلاقة في تجسيد الشخصية. لابد من دراسة حركتي الزمن السردي بالنسبة للشخصية النسوية حصراً.‏

2- حركتا الزمن السردي:‏

أ- الاسترجاع:‏

وهوتقنية زمنية، تعني سرد حوادث أو أقوال أو أعمال، وقعت في الماضي الروائي. ومعيار الماضي هنا هو الحاضر الروائي الذي انطلق السرد منه))(25) . ولا نكاد نعثر على رواية واحدة، من هذه التقنية التي تُبث في مقاطع متفرقة داخل النص الروائي، وتشغل حيزاً هاماً فيه.‏

ويلجأ الروائي عادة إلى الاسترجاع لغايات فنية وجمالية. فهو يملأ الفجوات التي يخلفها الحاضر الروائي وراءه، حين يقدّم معلومات عن ماضي الشخصيات، أو يستدرك حوادث ماضية، أو يذكّر بحوادث مرّت ليكررها، أو يغيّر دلالة بعضها أو يطرح تفسيراً جديداً لها))(26) .‏

*‏

ففي رواية"عبّاد الشمس" تكثر المقاطع الاسترجاعية التي تتداخل فيها الذكريات مع المنولوجات الداخلية لبعض الشخصيات الروائية مثل: رفيف، سعدية، خضرة، نوار.... إذ تلجأ سحر خليفة للاسترجاع لتوضّح بعض الجوانب أو القضايا الغامضة، أو الخافية من حياتهن، أو طبيعتهن النفسية، ولتضيء عالمهن الداخلي، وتفسّر ما آلت إليه كل منهن في ضوء تلك المعطيات، التي جاء بها الاسترجاع. فتساعد بذلك القارئ على فهم الشخصية، وإدراك أبعادها النفسية والاجتماعية والفكرية.‏

تكشف رواية"عبّاد الشمس" النقاب عن شخصية"سعدية" وقد أصبحت امرأة عاملة مجرّبة، نضجت شخصيتها، وتفتح وعيها. ولكي تفسر الكاتبة هذه التحولات الكبيرة في شخصيتها، لتبدو مقنعة للقارئ، لجأت إلى استرجاع تلك المرحلة الصعبة من حياتها التي أعقبت استشهاد زوجهازهدي)، بعد أن تم القفز عنها وتجاوزها، فاستدركت الرواية ذلك، واسترجعت تلك المرحلة في صفحات عديدة لتلقي الضوء على حياة سعدية، عبر استعراضها لشريط ذكرياتها المرة.‏

فتتضح قصة كفاحها مع الأيام، وانخراطها في العمل(27) . وبذلك تتكشّف جوانب كثيرة من شخصيتها، وتتضح سماتها النفسية، ويقف القارئ على تأثير الزمن في حياتها، ويقتنع بما يلمسه من معالم التغيير والتحول، في سلوكها وتصرفاتها ومظهرها، وطريقة تفكيرها.‏

ويلاحظ أنّ الروائي، غالباً، ما يعمد إلى الاسترجاع عبر انفتاح ذاكرة الشخصية، مستعملاً لذلك بعض الألفاظ الدالة على القول أو التذكر أو التفكير، وهذا ما نقف عليه لدى غالبية الشخصيات قبل بدء الاسترجاع، مثل: تمايلت سعدية وأنت، وتذكّرت الكويت، وطوز الكويت))(28) . و: قالت خضرة، وابتسامة طفلة على وجهها: -وأنا صغيرة كان اللّه مسلّطني على بيّاع موز في آخر المخيم))(29) . و: أخذت أم سعد تتذكر...))(30) .‏

وكثيراً، ما يرتبط الاسترجاع بعلاقة عكسيّة مع الزمن الروائي، من حيث اتساعه أو ضيقه. بمعنى أنهكلّما ضاق الزمن الروائي شغل"الاسترجاع الخارجي" حيزاً أكبر))(31) في الرواية.‏

فعندما اختار رشاد أبو شاور لروايته"الرب لم يسترح في اليوم السابع" سبعة أيام، هي الزمن الروائي لجأ إلى تخصيص حيّز هام من الرواية لاستحضار ذكريات الماضي القريب والبعيد، لكل من رشيد وزينب، ليضيء عالميهما، ولا سيما عالم"زينب". فركّزت الرواية على ماضيها قبل النكسة عام 1967، وبعدها، وعرضت سيرتها الحياتية، لتضيء بذلك جوانب كثيرة من شخصيتها، مما ساعد القارئ على فهم طبيعة تكوينها النفسي والفكري والاجتماعي، وأسهم أيضاً في فهم علاقاتها مع الآخرين، وعلاقتها، أيضاً، بالوطن الذي تهفو إليه، وتناضل في سبيل العودة إلى ربوعه.‏

فتراكم الزمن، لم ينسها ما اختزنته الذاكرة عن الأرض والوطن، مهما قل شأنه. فها هي تشم رائحة الميرمية، فتذكرها بطبيعة فلسطين وأرضها وجبالها ووديانها.‏

وقد يرغب الروائي، في بعض المواقف الروائية، في العودة إلى الماضي البعيد ليستعيد حادثة سابقة ذات علاقة وثيقة بالشخصية، وما يجري في الحاضر الروائي، ليقارن بين الماضي والحاضر، أو ليربط بينهما، بغية الإفادة من دروس الماضي، فيعمد إلى تقديم حدث ما في الحاضر، يمت بصلة ما إلى الماضي، أو أحد رموزه، مما يفجّر الذاكرة لدى الشخصية، فيأتي الاسترجاع طبيعياً ومنسجماً مع"مستوى القص الأول"(32) الذي يمثّل الحاضر الروائي، وهذا ما نجده لدى كنفاني، حين جعل"أم سعد" تتذكر قصة فضل، وعبد المولى، في اللوحة السادسة المعنونة بـ "الرسالة التي وصلت بعد 32سنة"، وكان الدافع لاستعادة تلك الذكريات، رسالة سعد إلى أمه، بخصوص صديقه"ليث" الذي وقع في الأسر. وقد دلّ هذا الربط بين الماضي والحاضر على وعي"أم سعد" بحركة الزمن، وقدرتها على تمثّل دروس الماضي، والاستفادة منها. منطلقة في ذلك، من قناعتها بأنّ الحاضر ليس لحظة متقطّعة الجذور، منعزلة. كجزيرة موحشة وسط بحر متلاطم، بل هي وجود في حركة تاريخ، لها جذور في الماضي، وحركة تتوجه للغد))(33) .‏

ومثل هذا النوع من الاسترجاع الذي يعمد فيه الروائي إلى عقد المشابهة بين حادثتين، أو بين أمرين يذكّر ثانيهما بأولهما، على سبيل الشيء بالشيء يذكر. نجده يتكرر في الرواية الفلسطينية. إذ يأتي الاسترجاع ملتحماً مع سياق النص الروائي، من غير أن يشعر القارئ، بهذا الانعطاف المفاجئ، كما هو الحال بالنسبة إلى تداعيات خضرة التي تمتزج مع ذكرياتها في"عباد الشمس"، فالحديث عن الطعام، وذكر الزلابية أو الكباب أو الموز... يستثير الذكريات لدى خضرة، فتسترجع بعض الأحداث التي وقعت معها أيام طفولتها وصباها(34) . ورؤية"جنان" لبقعة الدم في"بوصلة من أجل عبّاد الشمس" تستثير ذكرياتها الأليمة والفاجعة، عن أحداث أيلول عام 1970، حين كانت تعمل ممرضة ومقاتلة في صفوف المقاومة، في"جبل النزهة" في عمان. فيكر شريط الذكريات، بكل ما يحفل به من أحداث مأساوية عاصفة، وتتعاقب مشاهد العنف التي شهدتها في تلك الأحداث، فيخيم ذلك الزمن المقيت المتدفق، بكل ثقله على أجواء الرواية، ويهيمن على نفسية"جنان" وبعض شخصيات الرواية، ولا سيما"شهد الصمدي":‏

إنّها صبرا في الصباح... دم! والتفتُّ بمباغتة ودهشة إلى المصدر الذي تنزلق منه البقعة الحمراء. رأيتُ الجّزار منشغلاً بتعليق الذبيحة... فأشحت بوجهي عنه. دم يتداخل في الرمادي والأزرق والأبيض، وينبع بين شقوق الذاكرة))(35) .‏

هكذا تبدأ الرواية من واقع الحرب اللبنانية، وتؤسس بنيتها على اللحظة الحاضرة التي تستثير مكامن الهذيان الشعري، ومكامن الاسترجاع))(36) لدى الشخصية المحورية"جنان".‏

فتكشف الرواية بذلك عن ماضيها، وماضي بعض الشخصيات من خلال ذكرياتها، وتيار وعيها المتدفّق. فتتضح معاناتها، وهي تواجه مصيرها بشجاعة وإباء مع بعض الشخصيات، مثل شهد، وسليمة الحاجة... وتخلص الرواية إلى المقارنة بين الماضي المأساوي، والحاضر المقيت، بغية إدانة هذا الحاضر، وكشف مآسي الماضي.‏

وقد يستعمل الروائي أسلوب الاسترجاع، حين يعود إلى شخصيات ظهرت بإيجاز في بداية الرواية، أو تمت الإشارة إليها، ولكن المجال لم يتسع لعرض خلفيتها أو تقديمها، فيلجأ الكاتب إلى أسلوب المذكّرات أو الاعترافات، لإضاءة جوانب هامة من حياة الشخصية، ومن ثم لإعادة النظر في تفسير سلوكها ومواقفها والأحداث التي قامت بها، في ضوء المعطيات الجديدة التي حصلت في الحاضر الروائي. ومثل هذا النوع من الاسترجاع، نجده في الروايات التي تعتمد أسلوب الاعترافات أو المذّكرات، سواء بصورة جزئية أو كلية، وينطلق هذا النوع من الاسترجاع من رؤية الشخصية لذاتها، مما يضفي عليها طابعاً خاصاً، يتسم بالصدق والواقعية. ومثل ذلك نجده في مذكرات"وصال رؤوف" وهي تكشف أوراقها، وتفصح عن عواطفها المتدّفقة، وخلفيتها الفكرية والاجتماعية، وطبيعة تكوينها النفسي وعلاقتها الحميمة بوليد مسعود الذي أحبته بشغف، فسمّاها"شهد" وعلّمها عشق الروح والجسد(37) . وكذلك نلمس هذا النوع من الاسترجاع في مذكرات"مريم الصفّار" التي تكشف عن ماضيها الحافل بالمغامرات، وتفصح عن أزمتها النفسية في رواية "البحث عن وليد مسعود"، ومثل ذلك نجده، أيضاً، في مذكرات عفاف في"مذكرات امرأة غير واقعية".‏

مما تقدم يتضح الدور الهام الذي يقوم به"الاسترجاع" على اختلاف أنواعه، في بناء الشخصية الروائية وإضاءة جوانب كثيرة من ماضيها وعالمها الداخلي، وأبعادها النفسية والاجتماعية... إضافة إلى أهميته في تفسير بعض الأحداث السابقة في ضوء المعطيات الجديدة التي تأتي في سياق الحاضر الروائي. وإذا كان"الاسترجاع" يعود بحركة السرد إلى الوراء، فإنّ "الاستشراف" أو "الاستباق" كما تسميه"سيزا قاسم"(38) يستبق الحاضر السردي للنص الروائي، ليطال المستقبل، وهذا ما سنتبينه في الفقرة التالية.‏

ب- الاستشراف:‏

وهو تقنية زمنية تخبر صراحة أو ضمناً، عن أحداث أو أقوال أو أعمال، سيشهدها السرد الروائي في وقت لاحق))(39) . وأما الغاية التي يؤديها الاستشراف في الرواية، فهيحمل القارئ على توقّع حادث ما، أو التكهّن بمستقبل إحدى الشخصيات.. ولعل أبرز خصيصة للسرد الاستشرافي هي كون المعلومات التي يقدمها لا تتصف باليقينية، فما لم يتم قيام الحدث بالفعل، فليس هناك ما يؤكد حصوله، وهذا ما جعل الاستشراف حسب"فينريخ" شكلاً من أشكال الانتظار))(40) .‏

ويلاحظ أن الروائي الفلسطيني لم يحفل بهذه التقنية، احتفاله بتقنية الاسترجاع، انطلاقاً من موقفه الواقعي، وحرصه على عدم استباق الأحداثفهذه التقنية تتنافى مع فكرة التشويق التي تكون العمود الفقري للنصوص القصصية التقليدية.... وأيضاً مع مفهوم الراوي الذي يكتشف أحداث الرواية في نفس الوقت الذي يرويها فيه، ويفاجأ مع قارئه بالتطورات غير المنتظرة))(41) ، وإذا حاول الروائي الفلسطيني الاستشراف، فإن استشرافه يبقى في دائرة التطلعات أو التوقعات المشروعة، المبنية على وعي حركة الواقع ومعطياته، وما يستشف من ذلك.‏

ومن هنا فإننا نجد استعمال هذه التقنية في الرواية الفلسطينية قليلاً، بل يكاد يكون نادراً، لولا بعض الاستشرافات، أو التطلّعات المبثوثة في عدد قليل من الروايات التي شملها البحث. ومن الأمثلة البارزة على ذلك، نقف عند الاستشراف الذي يتخذ صفة التطلعات التي تراود الشخصية، وهي تفكر بمستقبلها، كما هو الحال لدى"سعدية" في رواية "عبّاد الشمس". فبعد أن انطلقت"سعدية" في عملها، وحققت بعض المكاسب المادية، نمت لديها بعض التطلعات الطموحة، فبدأت تحلم بشراء قطعة أرض في جبل نابلس، لتبني عليها بيتاً، وتهجر الحارة وأهلها. يقول الراوي، في الفصل الخامس: لكنّها ستشتري الأرض في الجبل المشمس، ستحصل على قطعة بجوار صبيحة المدرّسة، وستبنيها غرفة غرفة، وحين يكبر الأولاد ويزّودوها بالمال، ستبني طابقاً علوياً له فراندة زجاجية، تجلس فيها صباحاً، تشرب القهوة، وترى المدينة بساطاً ممدوداً تحت قدميها..))(42) .‏

وتتحول بعض تطلعات سعدية وأحلامها إلى حقيقة حين تفلح في شراء الأرض، ويتحقق جانب من الاستشراف الذي مهّد إليه الراوي، وألح عليه في أكثر من موضع في الرواية. ولكن القارئ مازال ينتظر الجانب الآخر من ذلك الاستشراف الذي يشير إليه الراوي مرة أخرى: ستبني الدار هناك، بجانب دار الشاويش، وسترى مداخل المدينة الغربية))(43) . ولا يلبث هذا الاستشراف أن يتقّوض في نهاية الرواية، فينهار الحلم، بمصادرة قوات الاحتلال للأرض، فيضيع كل شيء في لحظة واحدة، في الفصل الرابع والثلاثين من الرواية.‏

وهذا يعني أن الاستشراف في وضع كوضع الإنسان الفلسطيني- المقيم تحت الاحتلال- لا يمكن أن يتحقق بالصورة التي مهّد إليها الراوي، أو الشخصية نفسها، فكثيراً ما يجيء الاستشراف مخيّباً للآمال، كما حصل مع سعدية.‏

*‏

وفي رواية"أيام الحب والموت" نقع على مثال آخر للاستشراف، يتخذ صفة النبوءة وتجيء تلك النبوءة في بداية الرواية، بوساطة الراوي العالم بكل شيء، الذي يتحدّث عن مريمأم محمود)، حين كانت وحيدة في دارها، ترضع طفلها، فـسمعت نواحاً يقطع نياط القلب، ينسكب من السماء إلى الأرض. كانت طريق التبّانة واضحة، شاحبة... رأت"بنات نعش*) "- يسرن في السماء بتؤدة، ويلطمن خدودهن بحركات بطيئة، ويندبن بأصوات تجعل الصغار يشيبون في بطون أمهاتهم... لطفك يا رب، أي رجل عظيم سيموت، قالت أم محمود لنفسها))(44) .‏

ويبدأ القارئ، انطلاقاً من تلك النبوءة بالتفكير، أي الرجلين سيموت، أهو"محمد المرابع" أو"عبد اللّه سلمان- أبو محمود". وتتحقق النبوءة في منتصف الرواية باستشهاد"محمد المرابع" قائد المناضلين في البلدة. وتتأكد النبوءة مرة ثانية باستشهاد"عبد اللّه سلمان" في نهاية الرواية، وتنتهي الرواية بنبوءة أخرى، تجسدها تلك الصورة الرامزة، إذ يحمل الطفل محمود المفتاح، ويخبط به على بندقية والده الشهيد، وبذلك ترسم الروايةميلاد الثورة التي سيفجّرها الجيل القادم الذي يعي دروس الماضي جيداً، ويتطلع إلى المستقبل..))(45)

*‏

وفي رواية"السفينة" نجد استشرافاً واضحاً وصريحاً، يدور حول" لمى عبد الغني" وعلاقتها مع زوجها، جاء ليدل على ما سيقع من أحداث في الصفحات القادمة. ويأتي هذا الاستشراف من خلال حديث"فرنند وغومز الإسباني" عن لمى عبد الغني، بعد أن رأى جمالها وفتنتها. يقول: العرب والإسبان يقتلون من أجل المرأة، ويقتلون المرأة، عشقاً وغيرة وشرفاً. والعرب والإسبان وحدهم، يعرفون عبادة الجمال في المرأة: في استطاعتهم وحدهم أن يعيشوا فيها، ويموتوا فيها، ويتركوا كل ما هو ليس منها لغيرهم. فضيلة ورذيلة معاً، يا سنيور عصام. أما السنوريتا لمى فلن يكون لجمالها من نهاية إلا المأساة...))(46) .‏

هذا الاستشراف الصريح الذي أكد النهاية المأساوية لجمال"لمى" يدفع القارئ إلى الانتظار والترّقب، وقد جعل الكاتب هذا الانتظار يطول، ليزيد تلهّف القارئ. لمعرفة تلك النهاية، وبذلك تتحقق المتعة المرجوة، فكل تصرّف من تصرفات"لمى" على ظهر السفينة يجدد هذا الانتظار إلى أن يتحقق ماتم استشرافه في بداية الرواية، ويكتشف القارئ، في الفصل الأخير من الرواية، وتحديداً في الصفحة 208، هذه المأساة، ذلك عندما تدخل لمى مقصورتها، فتجد زوجها جثة هامدة، وقد انتحر يأساً، وغيرة واستنكاراً لتصرفاتها. وترك رسالة، جاء فيها: رقصتك الليلة الماضية كانت الحكم عليَّ بالموت. ساعدتني في الوصول إلى قراري النهائي. كان بإمكاني أن أقتلك البارحة. كيف تحمّلت وأحجمت و"عقلت"، لست أدري))(47) .‏

مما تقدم يمكن القول إن الروائي الفلسطيني لم يكن ميالاً إلى القفز على حاضر النص الروائي لاستباق الأحداث، وارتياد آفاق شخصياته الروائية، ومستقبل الأحداث، لأن ذلك يتعارض مع اتجاهه الواقعي ومنطق الأحداث وتسلسلها -كما سبقت الإشارة إلى ذلك- ليس ذلك فحسب، بل لأن الواقع الفلسطيني، بكل ما يحفل به من متناقضات ومتغيرات، ومفاجآت جعل الاستشراف أمراً غير مؤكد بالنسبة للروائي. ولذا وجدنا أن هذه التقنية لم تشغل حيّزاً يذكر في الرواية الفلسطينية، وهي إن جاءت، فإنّما لتؤدي وظيفة فنية أو جمالية، أو تأتي لتكشف مستقبل إحدى الشخصيات، ولتميط اللثام عمّا ستفعله لاحقاً، ليتمكّن القارئ من فهمها ومتابعتها، وتحليل تصرفاتها الحالية، انطلاقاً من التصورات والتوقعات المعطاة حولها. على حين نجد أن الروائي الفلسطيني ألح على استعمال تقنية الاسترجاع، وبرع في توظيفها لخدمة الشخصيات، وكشف بعواطف الشخصية ومشاعرها، إذ ينتقل القارئ بين الحاضر والماضي بيسر، من غير أن يشعر بالانفصال بينهما، أو بعسر الانتقال.‏

ثالثاً- المرأة والتراث الشعبي:‏

فرضت تجربة الاقتلاع والنفي القسري للفلسطيني عن أرضه، نوعاً من الخصوصية في علاقته مع الزمان والمكان. فمهما تعدّدت الأمكنة في المنافي، فإن الحلم يظل يشد الفلسطيني إلى مكانه، ومهما تراكم عليه الزمن، فإنه يظل يشد أوتار الذاكرة نحو الزمن المفقود، وهو يطمح في استعادتهما معاً: المكان المفقود والزمن المفقود))(48) .‏

ومن هنا، يلمس المتتبع للرواية الفلسطينية حرص الروائي على التراث الشعبي الفلسطيني، والعمل على إحيائه، وتأكيد وجوده، بوصفه يمثّل أحد الركائز الأساسية في ربط الفلسطيني بهويته، وبماضيه، وأرضه، انطلاقاً من إيمانه بأنكل إحياء وإثراء ونشر وتعميق وتحليل للتراث الشعبي الفلسطيني، بكافة أشكاله وألوانه، هو دعم للثورة وتكريس لها. كما أنه إضاءة للمنافي الفلسطينية، ولحمة لها))(49) .‏

ونعني بالتراث هنا جملة العادات والمعتقدات والحكايا الخرافية والأهازيج والزغاريد والأعراس التي تحمل نفحة شعبية، وترتبط بخصوصية المجتمع الفلسطيني، وطبقاته وتاريخه وأرضه. أي بزمانه ومكانه المفقودين.‏

وقد تجلى حرص بعض الروائيين في المحافظة على تراثهم الشعبي عبر بعض شخصياتهم النسوية التقليدية التي يشكل التراث الشعبي أحد أبرز مكونات شخصيتها. سواء تجلى ذلك في ملامحها الخارجية أو الداخلية. فمن خلال المرأة التقليدية انتقل الكثير من التراث الشعبي إلى الأجيال المتتابعة التي نشأت بعيدة عن أرضها. ذلك أن المرأة التقليدية هي أكثر تعلّقاً بماضيها، وحنيناً إليه. وبحكم خصوصيتها الأنثوية، وما تتميز به من سمات نفسية وعاطفية ووجدانية، كانت أكثر قدرة من الرجل على حفظ العادات والحكايا والأمثال والأغاني الشعبية.‏

***‏

ففي"العشّاق" يقف رشاد أبو شاور على لون من ألوان التراث الشعبي، يتمثل في الزغرودة التي كانت الأمهات الفلسطينيات، يطلقنها تعبيراً عفوياً عن فرحهن العارم بزواج أبنائهن، أو انتصار رجالهن وثوّارهن في معاركهم مع الأعداء. فها هي"أم محمود" تعبّر عن فرحتها الكبيرة عندما التقت ابنها إثر خروجه من"السجن" :‏

أيّو ... شقحنا بطيخة‏

أيّو ... طلعت حمرا ومليحة‏

أيّو ... ما نابك يللي وشيت بمحمود غير الفضيحة.. لو لو لو.. لي))(50) .‏

وما لبث أن تطور معنى الزغرودة أكثر فأكثر مع تقدّم الزمن، وكثرة الجراح، وتعاقب المآسي والمحن. فلم تعد مشاعر الفرح والسعادة تشكّل نسيج الزغرودة، ولحمتها، بل تخللتها معان أخرى جديدة، كالفخر والاعتزاز والتحدّي والإصرار على مواصلة النضال، وذلك عندما يستشهد الأبناء، أو الآباء، أو الأخوة، أو أحد الأعزاء في معارك البطولة والفداء والشرف.‏

وفي"عبّاد الشمس" تنقل سحر خليفة عبر إحدى شخصياتها الشعبية"سعدية" صورة معبّرة عن حنين المرأة الفلسطينية للماضي البهيج، من خلال استحضارها لبعض العادات الشعبية"الاحتفالية" التي كانت تمارسها النسوة فيما مضى، وكانت تلك العادات أقرب إلى أجواء الطقوس الاحتفالية، حيث تعمُّ الفرحة والمودة بين الناس، وينتفي التباين فيما بينهم. تقول سعدية في أحد تداعياتها" كانت للحمام أيام وليال.. كان الناس يؤمّونه من كل الطبقات والعائلات، وكانت السيدات المترفات يجعلن من الحمام مشهداً يذكّر بقصص ألف ليلة. عطور وحناء ومناشف مقصّبة يفوح منها المسك والطيب والبخور... زفّات عرائس.... نفسات يحتفلن بمواليد ذكور...))(51) .‏

وتقف"سحر خليفة" وقفة مطوّلة عند الجلسات الحميمة التي تعقدها النساء الشعبيات في حمام البلد، إذ تلغى المسافة بينهن، فيشتركن في الطعام، والرقص، والهم، والحزن، والآلام، والأهازيج الشجية التي تنضح بعبير المقاومة الباسلة، وتمجيد البطولة والتضحية، فتزرع في النفس بذور الأمل، والإرادة القوية. وها هي أصوات النساء تدّوي في فراغ الحمام الكبير‏

أمّه يا أمّه، يخليه لأمّه‏

فتحي بالحطّة راجع لأمّه‏

مرّوا عليَّ وأنا بتحنّا‏

بدّلوا الحنّا بدّمه وبهمّه‏

صرت أنادي الليل‏

والغربة والناس‏

وأحسب الأيام، وأحلم بضمّه))(52) .‏

*‏

وتزخر"بوصلة من أجل عباد الشمس" بالعديد من الإشارات إلى بعض العادات الشعبية والحكايا الخرافية، ومراسيم العرس الفلسطيني. تسوقها الكاتبة بأسلوب عاطفي حزين، عبر بعض شخصياتها النسائية التقليدية. كأم محمود، وسليمة الحاجة.‏

فها هي ذي أم محمود التي تعيش في مخيم شاتيلا في لبنان تعود بذكرياتها الحميمية إلى أرضها ووطنها، حيث جذورها وتاريخها وأحلامها وذكرياتها، وهي تتحدث إلى ابنة جيرانها بشوق مشوب بالحسرة والأسى: هل عرفتِ بحر يافا؟ كنت أذهب إليه ونساء الحي في الليالي المقمرة، لا يجرؤ إنسان على الدنو منّا، ونحن نسبح بثيابنا، ثم نخرج إلى الرمل مصطحبات الدفوف والعود والطبلة، ونحيي سهرات طويلة على شاطئه. بياراتنا المبسوطة على كف الأرض. كانت خيرات لا تنتهي، يلعب فيها الأطفال براحة ويسر.... يتسلقون على الشجيرات ويأكلون اللوز الأخضر والمشمش... أعراسنا كانت حقيقية فيها البهجة والسرور ولم تكن مصطنعة وملأى بالنكد والمرارة كما هي عليه اليوم))(53) .‏

وتقص"سليمة الحاجة" إحدى عجائز المخيّم على الأطفال بعض الحكايا الخرافية. تحكي عن العامورة التي كفّت عن الظهور بين القناطر الحجرية في أزقّة الخليل، بعد أن دخلت الكهرباء. فقد أخاف الضوء الجنية أم العيون المستطيلة، وجعلها تمتنع عن المشي الليلي تحت الشبابيك....))(54) . وكانت تقص غير ذلك من الحكايا التي تحمل معها المتعة والفائدة والعبرة، وترسّخ في النفس حب الوطن والأرض.‏

وهنا لابد من الإشارة إلى أن المرأة الفلسطينية، ولا سيما التقليديةالأم، الجدة) قد لعبت دوراً هاماً في ربط الأجيال الفلسطينية الصاعدة بتراثها الشعبي، وبماضيها وتاريخها المجيد، وبأرضها ووطنها، من خلال قيامها، في بعض الأحيان، بدور الراويالحكواتي) في محيطها الاجتماعي الجديدالمخيم) الذي انتقلت إليه عقب النكبة عام 1948، والخروج الثاني 1967، فنقلت بعض التراث الشعبي إلى هذه الأجيال، وشحذت فكرها، وأغنت مخيلتها الشعبية، وعلمّتها وعوّضتها عن وسائل الترفيه والتثقيف التي حُرمت منها، وأهم من ذلك كله ربطت هذه الأجيال بأرضها، وغرست حب الوطن والأرض في وجدانها وفكرها، وجعلتها أشد انتماء للوطن، بعد أن طورته في داخلها، فاندفعت للنضال في سبيله بكل الوسائل(55) .‏

ومن الحكايا والقصص إلى الأعراس القروية المليئة بالبهجة، حيث النساء يدرن في حلقة العرس، ويرقصن بالمنديل المطّرز بالخرزات، ويغنين"عالا دلعونا"(56) أما في الأيام العادية، فكن يرتدينالأثواب الفلاحية المشّعة بألوان الفرح الزاهية على الأرضية التي تكون قماشة سوداء))(57) .‏

وننتهي إلى القول إن الروائي الفلسطيني حين يستوحي، في بعض أعماله الروائية، جانباً من التراث الشعبي، ويضفيه على بعض شخصياته، ولا سيما النسائية، لا يهدف من وراء ذلك إلى توظيفه فنياً، كما فعل رشاد أبو شاور لدى توظيفه للنبوءة في خدمة البناء الملحمي في روايته"أيام الحب والموت" أو كما فعل إميل حبيبي حين استلهم بعض ملامح شخصية جحا ووظّفها في المتشائل...." وإنما يهدف من وراء تلك الإشارات البسيطة والمتنّوعة التي جسدتها بعض الشخصيات النسائية، سواء في أقوالها أو أفعالها أو تصرفاتها وسلوكها، أو في مظهرها الخارجي، إلى تأكيد الطابع الشعبي لهذه الشخصيات، وترسيخ جانب من ثقافتها الشعبية إلى جانب الثقافة الرسمية السائدة في المجتمع الفلسطيني.‏

(1) - بحراوي، حسن: بنية الشكل الروائي 26.‏

(2) - المرجع السابق119.‏

(3) - بحراوي، حسن: بنية الشكل الروائي30.‏

(4) - قاسم، سيزا أحمد: بناء الرواية، دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ. الهيئة المصرية العامة للكتاب 1984 ص84- 85 وينظر أيضاً: بحراوي، حسن: بنية الشكل الروائي ص30- 31.‏

(5) - كنفاني، غسّان: الآثار الكاملة مج1 / 245.‏

(6) - كنفاني، غسّان: الآثار الكاملة مج1 / 294.‏

(7) - نشيد الحياة ص92.‏

(8) - المصدر السابق 124.‏

(9) - بحراوي، حسن: بنية الشكل الروائي 30 .‏

(10) - الصبّار: 90- 91.‏

(11) - بحراوي، حسن: بنية الشكل الروائي.‏

(12) - عثمان، د. بدري: بناء الشخصية الرئيسية في روايات نجيب محفوظ، دار الحداثة. بيورت ط1/ 1986 ص154- 155.‏

(13) - قاسم، سيزا: بناء الرواية. دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ 28-29.‏

(14) - المرجع السابق 46.‏

(15) -الفيصل، د. سمر روحي: بناء الرواية العربية السورية 180.‏

(16) - ينظر: قاسم، سيزا: بناء الرواية ص44- 45. وكذلك الفيصل، سمر روحي: بناء الرواية السورية/ 161.‏

(17) -الفيصل، سمر روحي: بناء الرواية العربية السورية 164.‏

(18) - المرجع السابق 160.‏

(19) - قاسم، سيزا: بناء الرواية ص52.‏

(20) - عباد الشمس: 28- 29.‏

(21) - عباد الشمس: 39.‏

(22) - عباد الشمس: 108- 109.‏

(23) - كنفاني، غسان: الآثار الكاملة مج1 / 263.‏

(24) - المصدر السابق 245.‏

(25) - الفيصل، د. سمر روحي: بناء الرواية العربية السورية 167- 168.‏

(26) - المرجع السابق ص168. وللمزيد ، أيضاً، ينظر القاسم، سيزا: بناء الرواية ص40- 42، وينظر أيضاً بحراوي، حسن: بنية الشكل الروائي ص121- 122 وهو يستعمل مصطلح"السرد الاستذكاري".‏

(27) - ينظر: عباد الشمس23- 24)، 28- 30).‏

(28) - المصدر السابق 85.‏

(29) -المصدر السابق 88.‏

(30) - كنفاني، غسان: الآثار الكاملة مج1 / 303.‏

(31) - قاسم، د. سيرا: بناء الرواية 40.‏

يقصد بالاسترجاع الخارجي. العودة بالزمن إلى ماقبل بداية الرواية. للمزيد ينظر المرجع السابق ص 40.‏

(32) - أفدت في استعمال هذا المصطلح من كتاب"بناء الرواية، دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ، لسيزا قاسم ص40.‏

(33) - عاشور، د. رضوى: الطريق إلى الخيمة الأخرى. ص135.‏

(34) - ينظر عباد الشمس ص 88-89.‏

(35) - بوصلة من أجل عباد الشمس ص5- 6.‏

(36) - صالح، فخري: في الرواية الفلسطينية 114.‏

(37) - ينظر: البحث عن وليد مسعود ص221 وما بعدها.‏

(38) - ينظر: قاسم، سيزا، بناء الرواية ص43.‏

(39) -الفيصل، د. سمر روحي: بناء الرواية العربية السورية 169.‏

(40) - بحراوي، حسن: بنية الشكل الروائي 132- 133.‏

(41) - قاسم، د. سيزا: بناء الرواية.. 44.‏

(42) - عباد الشمس 34.‏

(43) - عباد الشمس 178- 197.‏

*)- بنات نعش: مجموعة من النجوم السيارة.. يرتبط ظهورها في المعتقد الشعبي الفلسطيني بنبوءة الموت، موت رجل عظيم..." لمزيد من الاطلاع، ينظر بسيسو، عبد الرحمن: استلهام الينبوع ص94- 95.‏

(44) - أيام الحب والموت 7- 8 .‏

(45) - بسيسو، عبد الرحمن: استلهام ا لينبوع 103.‏

(46) - السفينة 27.‏

(47) - السفينة 218.‏

(48) - وادي، فاروق: ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية 56.‏

(49) - الخليلي، علي: التراث الفلسطيني والطبقات. دار الآداب، بيروت ط1 / 1977 ص6.‏

(50) - العشاق 43.‏

(51) - عباد الشمس 155.‏

(52) - عباد الشمس 160.‏

(53) - بوصلة من أجل عباد الشمس 95- 96.‏

(54) - المصدر السابق 24.‏

(55) - ينظر: بسيسو، عبد الرحمن: استلهام الينبوع 28.‏

(56) - ينظر: بوصلة من أجل عباد الشمس 107.‏

(57) - بوصلة من أجل عباد الشمس 47.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244