المرأة في الرواية الفلسطينية 1965-1985 - د.حسان رشاد الشامي

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:34 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثالث السرد

تمهيد:‏

السرد هونقل الحادثة من صورتها الواقعة إلى صورة لغوية(1) ، وبمعنى أدق، إنّه عرض موجّه لمجموعة من الحوادث والشخصيات المتخيّلة، بوساطة اللغة المكتوبة. فالعرض يعني تقديم الحوادث والشخصيات متتابعة على نحو معيّن. والتوجيه، يعني إجادة تقديم الحوادث والشخصيات، بحيث تبدو مقنعة للمروى له))(2) . وهذا يعني أنّ السرد هو أحد أبرز المكوّنات، وبوساطته يتم التحامها فيما بينها، لتشكل جميعاً نسيج الرواية ولحمتها.‏

وفيما يلي نتناول دراسة السرد بأنماطه المعروفة، وهي: السرد والخطاب، السرد والحوار، السرد والوصف، وعلاقة كلّ منها في تجسيد الشخصية الروائية حصراً. ومن ثم نخلص إلى دراسة دور اللغة، بمستوياتها المتنوعة، في إبراز الشخصية الروائية، وتجسيدها فنيّاً.‏

أولاً- أنماط السرد:*)‏

1- السرد والخطاب:‏

على الرغم مما بين الروائيين الفلسطينيين، من تفاوت في المهارات السردية، وإنْ لم يكن هذا التفاوت كبيراً، فهناك قواسم مشتركة، تسمح لنا بالتعّرف على أساليبهم السردّية، وتعيننا على فهمها. ولعل أبرز هذه التقنيات المشتركة: .. ابتداؤهم رواياتهم بالسرد في معظم الأحيان.... فلا نكاد نقع على عمل روائي واحد يبدأ بالعرض أو الحوار، ومن ثمَّ، تنوّع الخطاب الروائي لديهم. فهناك الخطاب الذاتي، والخطاب الموضوعي، والخطاب ذو الصيغة المتداخلة أو المتعاقبة.‏

أما الخطاب الذاتي فيسيطر على الرواية التي صيغت بأسلوب المذّكرات، كرواية "مذكرات امرأة غير واقعية" لسحر خليفة. أو التي قامت على التداعيات والمنولوجات والهذيان الشعري، كرواية"بوصلة من أجل عباد الشمس" لليانة بدر. وهناك روايات خصص مؤّلفوها قسماً منها للمذكرات أو للاعترافات، كرواية"البكاء على صدر الحبيب" لرشاد أبي شاور، و"البحث عن وليد مسعود" لجبرا إبراهيم جبرا. وفيما عدا هذه الروايات، لا نقع على الخطاب الذاتي إلا ضمن سياق الحوار، أو متداخلاً مع الخطاب الموضوعي، ذلك أنّ الحوار هوخطاب مباشر دائماً، لأنّه تعبير الشخصيات عن نفسها. ففي كل خطاب متكلم له موقف يدل عليه الكلام نفسه. وهذا هو معنى عبارة السرديين: "ذاتية الخطاب" في مقابل"موضوعية السرد" أي الكلام الذي لا يحيل إلى متكّلم محدد))(3) .‏

ويمكن تحديد العلاقة بين موضوعية السرد، وذاتية الخطاب في ضوء المقطع السردي التالي: وأحست بالغضب ينشب أظفاره في حلقها، لماذا؟ لماذا يتوجّب عليها أن تفكّر في شحادة؟ وتأملته وهو يتكلم مع عادل، ويؤشّر ويشبّر ويتفتف ويتذلّل. أهذا هو الملجأ الأخير؟.... اخص، اخص على الدنيا والناس والرملة... أنا أفكر بهذا السخل حتى أتّقي شرّهم؟ وبعدما أتقي شرهم، كيف أتقي شرّه؟... ولكن لا، لن تتورط هذه الورطة. ولتقم البلد قيامتها. اخص يا بلد. اللّه الغني عنك وعن أم صابر، وأم تحسين وشحادة... علّقيني يا بلد من شعري في باب الساحة... ولو، وقفت قدّام السجن مع الرجال .... وآخر الموّال شحادة؟... يا ويلك يا سعدية. ويل اليهود، وويل الناس وويل الليرة والدينار، وويل الشباب الدبلان قبل الأوان... ولكنّها ستشتري قطعة الأرض في الجبل المشمس...))(4) .‏

فالسرد في بداية هذا المقطع موضوعي، ينم على الخطاب غير المباشر الذي يوجهه راو عالم إلى القارئ، لكن هذا السرد لم يحافظ على صيغة واحدة، بل التفت، كما هو واضح إلى تنويع الصيغ وتعاقبها وتداخلها. وهذا يعني أنّنا في هذا المقطع السردي أمام نمطين للسرد:‏

موضوعي وذاتي. دلّ عليهما الخطاب غير المباشر، والخطاب المباشر. ونقصد بالموضوعي هو حديث الراوي عن مشاعر الغضب والقلق والحيرة التي تعاني منها الشخصية: وأحست بالغضب الشديد... لماذا يتوّجب عليها... وتأملته وهو يتكلم.. ثم ما يلبث الراوي أن يترك الشخصية تتحدث بلسانها بشكل مباشر: اخص على الدنيا والناس والرملة. أنا أفكر بهذا السخل حتى أتقيّ شرهم... فهذه العبارة سرد ذاتي تقدّمه الشخصية عن نفسها، لأنّها أقدر على التعبير عن مكنونات نفسها وقلقها.‏

ويعقب السرد الذاتي مباشرة، سرد موضوعي: لن تتورّط هذه الورطة، لتقم البلد قيامتها.. ثم سرعان ما يفسح المجال للشخصية مرة أخرى لتتحدث بلسانها: اخص يا بلد. اللّه الغني عنك... علقيني يا بلد...‏

وممّا تقدّم يمكنْ القول: إنّ الانتقال من صيغة إلى أخرى، ضمن المقطع السردي الواحد، كان ضرورياً من جهة، لأنّه يُضفي عليه حيوية وجمالاً، ويجعله أكثر انسجاماً. وله ما يبرره من جهة أخرى، لأنّ التنويع في صيغ الخطاب، يجسِّد بصورة صادقة وعميقة، الصراع الداخلي، والقلق والحيرة والحسرة، وغير ذلك من المشاعر، التي تحتدم في أعماق"سعدية"، ولكن سرعان ما تخلص إلى رأي، وتؤكد إصرارها على تحقيق حلمها.‏

*‏

وإذا كانت"عبّاد الشمس" قد قدّمت بعض المقاطع السردية المتداخلة، فإن"مذكرات امرأة غير واقعية" قد قامت بصورة شبه كلية، على السرد الذاتي الذي يدخل في بنية الرواية ككل. ولا شك أنّ طبيعة الشخصية ودورها ومضمون الرواية وطروحاتها. كل ذلك كان يتطلّب من الكاتبة اعتماد السرد الذاتي. لأنّه الأكثر صلة بالشخصية، ولأنّه الأقدر على تجسيد الرؤيا الروائية، والتعبير عنها: ها آنذا، أسمع صوت الموت، من خلال فراغ البيت، وفراغ الكون، وفراغ العمر.‏

وأحس أنّي أسير على رمل رمادي، تحت سماء شاحبة، والمساحات واسعة، لا حد لمداها. لا طريق. لا صخرة. لا ارتفاعة. ولا انخفاضة. تساو في الارتفاع والانخفاض والطول والعرض والجهات الأربع. وتحيق بي نزعة جنونية للهرب فأركض، وأحس بعضلاتي تتوتّر، وتشتد، وعروق قدمي تتشنج. وأنا مازلت أركض))(5) .‏

.... فالشخصية هنا تعاني إحساساً عارماً بالضياع والفراغ والوحشة والخواء والعجز، ولا شك أنّ تعبيرها بشكل مباشر عن هذه الأحاسيس، يعمقها لدى القارئ، وينقلها إليه بتشنجاتها وقلقها وتوتّرها. ولو اعتمدت الكاتبة طريقة السرد الموضوعي، والخطاب غير المباشر، الذي يوجّهه الراوي العالم، لما استطاعت بناء تلك الصلة المباشرة بين الشخصية والقارئ، ولما تمكّنت من المحافظة على دفق المشاعر، وزخمها وحرارتها وعمقها، كما تعيشها الشخصية، وتحسّ بها.‏

*‏

وقد يعمد الروائي إلى أسلوب السرد الذاتي حين تكون روايته قائمة على تيار الوعي، والمنولوج الداخلي، كما هو الحال في رواية"ما تبقّى لكم" لغسان كنفاني. إذ جعل لكل شخصية من شخصياته الخمس صوتها الذي يتقاطع مع الأصوات الأخرى، ويأخذ نصيباً في رسم الإيقاعات النفسية))(6) وسر هذا التقاطع يكمن في أنّ الروايةتريد أنْ تقول كل شيء دفعة واحدة، لذلك يجب إحضار كل شيء في لحظة واحدة))(7) تقول مريم: كنتُ جثّة تتوهج داخل ثيابي. وكان الوهج يبقى فيها حتى حين كنت أخلعها وأعلقّها على الجدار. وكانت السّاعة تشيّع نفسها كل صباح في نعشها الصغير أمام عيني، وأنا أبّدل ثيابي، فينبثق فجأة ثديايَ الأهوجان كأنهمّا كانا مطويين في حقيبة حامد. وتنزلق كفّاي دون أن أعي -والساعة تدق- فوق فخذيّ. لم يكن ثمة في البيت كله مرآة كبيرة واحدة، لأرى جسدي فيها مرة واحدة، كنت أرى وجهي فقط، وحين أحرّك المرآة، فتمر صورة صدري وبطني وفخذيَّ، تبدو لي قطعاً غير موصولة ببعضها، لجسد فتاة مقطّعَة، تشيّعها دقات مبحوحة، قاطعة وساخرة. تدق في الجدار بلا رحمة))(8) .‏

فالسرد في هذا المقطع ذاتي ينم على الخطاب المباشر الذي يبوح به صوت الشخصية"مريم" إلى القارئ، فيشعر القارئ بقربه من الشخصية، وصلته المباشرة بها، لأنّه يدرك أنها أكثر علماً ومعرفة بإحساسها الحاد بالتمزّق والانشطاروهو تمزّق لا يكتفي بتخوم الروح، بل هو يتعدى هذه التخوم ليغمر الجسد... وهنا نلحظ التوالج الرصين، بين ما هو روحي، وما هو جسدي. فمريم الممّزقة الروح، تسحب هذا التمزّق إلى جسدها، حتى لكأنّها لا تستطيع أنْ ترى تفككها الداخلي إلا من خلال كونه تفككاً يلحق بالجسد، أو بأعضائه التي لا تستطيع أن ترى فيها وحدة عضوية))(9) .‏

ولا شك أنّ صيغة الخطاب المباشر، قد ساعدت الشخصية، على البوح بهواجسها المعششة في داخلها حتى النخاع. كما ساعدت في الحفاظ على حريّة تدفق تداعياتها النفسية المضطربة القلقة والفاجعة، التي تعاودها بصورة مستمرة.‏

وإذا كان للسرد الذاتي مبرراته وضروراته لدى الروائي الفلسطيني -والروائي عامة- فإن السرد الموضوعي له أيضاً موقعه في الرواية. كما له مسوغاته وضروراته الفنية. وأكثر ما يعتمد الروائي على السرد الموضوعي لدى تقديمه لشخصياته، وكشفه عن بعض جوانب حياتها: ماضيها، حاضرها، تصرفاتها.. وسوى ذلك. وسنكتفي باستحضار مقطعين سرديين من روايتين مختلفتين، كشاهد على ما ذهبنا إليه: الأول من رواية "أم سعد"، والثاني من رواية" الرب لم يسترح....": كان نهارها صحراء قاحلة من التعب المضني. منذ أبكر الصبح، وهي تعتصر الملابس والمماسح، تنظف الشبابيك، وتجلو الأرض، وتنفض السجاجيد"في بيوت الآخرين"، طبعاً، فبيتها في المخيم غرفة مشطورة من النصف بحائط من التنك. كانت متعبة، وقد أخذت تعشّي ابنها الصغير، لتضعه في فراشه وتنام، حين سمعت دوي الانفجار الأول))(10)

*‏

وفجأة، وجدت زينب نفسها تعمل ممرّضة، إنّها تركض من مكان إلى مكان، من الصيدلية إلى ظهر الباخرة إلى الكابينات، والدكتور خالد، والدكتور باسم، يعطيانها الأدوية المهدئة، والمساعدة على تحمّل دوار البحر، لتقدمها للمقاتلين.))(11) .‏

فالمقطعان السرديان هنا قُدما بأسلوب إخباري -عموماً- ليبرزا جانباً من طبيعة كل من شخصيتي أم سعد، وزينب. فالأولى تعمل خارج البيت، بلا هوادة، لتأمين متطلبات العيش، وتعمل داخل البيت كأم ومربية. أما الثانية فتنشط، وهي على ظهر السفينة، لتمارس عملاً آخر إلى جانب كونها مناضلة، ومثقّفة ثورية. ولكنه، في الوقت نفسه، لا يتعارض مع طبيعة شخصيتها الإنسانية المتفتحة، فتمارس دور الممرضة، لأن الموقف الإنساني يتطلّب ذلك منها.‏

ومما تقدم يمكن القول: إن الروائي الفلسطيني لا يقتصر في رواياته على أسلوب سردي معين، في التعبير عن شخصياته النسوية وتصويرها، بل نراه يلجأ إلى أكثر من صيغة سردية انسجاماً مع رؤيته الروائية، وطروحاته الفكرية، والضرورات الفنية للعمل الروائي.‏

2- السرد والحوار:‏

الحوار جزء هام من الأسلوب التعبيري في القصة، وهو صفة من الصفات العقلية التي لا تنفصل عن الشخصية بوجه من الوجوه. ولهذا كان من أهم الوسائل التي يعتمد عليها الكاتب في رسم الشخصيات.... وبواسطته تتصل شخصيات القصة بعضها بالبعض الآخر، اتصالاً صريحاً ومباشراً... والحوار المعبّر الرشيق، سبب من أسباب حيوية السرد وتدّفقه))(12) .‏

ويلاحظ أنه، قلما نجد حواراً يخلو من السرد، وكذلك، قلما نجد الراوي العالم يبتعد عن السرد، فيورد حوار الشخصيات بنصه من غير تعديل. ويمكننا الوقوف على أكثر من شكل لهذا الحوار لدى الروائي الفلسطيني. فهناك شكل حواري خالص لا أثر فيه للسرد، وهذا الشكل، قلّما، لجأ إليه، أو اعتمده في حواراته. كما هو الحال في المثال التالي:‏

-يا أمي البلد!‏

- البلد بخير يا ابني. بكره يحلّها الحلال. ويزول الاحتلال.‏

- ومن يحلّها؟‏

- قلت لك الحلال يا ابني. ألا تؤمن بقدرة اللّه جل وعلا؟‏

- وأنا بدون وظيفة يا أمي. والقرشين اللي معي لليوم الأسود.‏

- تزوج بهم وبعدين يحلّها الحلال.‏

- دائماً يحلها الحلال يا أمي؟ ألا تفكرين بحل إلا عن طريق الحلال؟‏

- لا تكفر يا أسامة اللّه يرضى عليك. ألا تؤمن بقدرة اللّه جل وعلا؟‏

- والبلد يا أمي؟‏

- قلت لك البلد بخير..))(13) .‏

وقبل الحديث عن الشكل الحواري هنا، لابد من الإشارة إلى بساطة هذا الحوار الذي تزخر بأمثاله رواية"الصبار" وهو على بساطته، محمّل بالمعاني. فلغتهليست مجرد لغة إيصال، بل لغة دلالة كثيفة كثافة الذهنية الشعبية، لغة بعيدة عن الواقع.... ببساطتها الزائدة، وتصورها... الغيبي، ومتغلغلة فيه، لأنّها تعيشه بكيانها ومشاعرها المتدفّقة البسيطة))(14) .‏

إن هذا الشكل الحواري، هو شكل خالص إذ وضعتالشرطة) في بداية كل جملة فيه، نيابة عن فعلىقالت وقلت). ومع ذلك، فإننّا نرى الروائيين الفلسطينيين، يميلون إلى استعمال هذين الفعلين، في كثير من الأحيان، ويضمّون إليهما بعض الأفعال الأخرى، فتنمو، أحياناً، لتتحول إلى جمل سرديّة، كما في المثال التالينادته:‏

- محمود‏

توقّف نظر إليها بشيء من التحذير، كأنّما تقول العينان: هل جُننت؟ لكنّها، بصوت راعش، مليء بالفرح والدهشة والحب، قالت:‏

- انتظر‏

.....‏

مدت يدها، وفي عينيها تفجّر عشق، كأنه وجد الصوفي في الحضرة.‏

- متى خرجت؟‏

- أمس‏

...‏

- أنت حلوة يا ندى، ولكن... لماذا تلبسين الأسود؟‏

غاضت الابتسامة عن فمها، وتلاشت الفرحة، وامتلأت العينان بالحزن:‏

- والدتي ماتت.‏

قال بعد صمت، بصوت هدّجه حزن ثقيل:‏

- يرحمها اللّه))(15) .‏

من الملاحظ أن الحوار السابق لم يقتصر على الشكل الحواري البحت أو الخالص، بل تخلله فعلاًقال وقالت) من غير حذف الشرطة. مع أن أحدهما يغني عن الآخر. ولم يكتف الحوار بذلك، بل تخلله أيضاً جمل سردية كاملة: بصوت راعش مليء بالفرح والدهشة والحب قالت)). ومن الواضح أن هذه الجمل لم تأتِ حشواً، بل كانت لها وظيفتها في تقوية الحوار، بتوضيح طريقته، ووصف هيئة أحد الناطقين به، فلا شك أنّ عبارة: مدّت يدها، وفي عينيها تفجّر عشق..)) تقوّي الحوار بتوضيح هيئة الشخصية، وإظهار مدى تأثرها قبل أن تنطق، وعبارةغاضت الابتسامة عن فمها...)) توضّح التغيير الذي طرأ عليها. وجملةقال بعد صمت بصوت هدجه حزن ثقيل)9 تقوي الحوار بتوضيح هيئة الناطق، ومدى انفعاله، ونبرة صوته التي اختلفت عن ذي قبل بعد سماعه خبر موت عزيز.‏

*‏

وغالباً ما نقع في الرواية الفلسطينية على مقاطع سردية قصيرة، تتخلّل الحوار الدائر بين الشخصيات، فتخرجه عن طبيعته الموجزة. وهذه المقاطع، أو الجمل السردية، لا تأتي حشواً، وإنّما لها وظيفتها في الشروح والتفصيلات التي تضيء معالم الشخصية: ماضيها وحاضرها.‏

وتبرز وجهة نظرها أو أفكارها، وتساعد على إضاءة الكثير من مواقفها، وتعليلها حين يتطلب الأمر ذلك. من مثل الحوار الذي دار بين زينب ورشيد في"الرب لم يسترح في اليوم السابع" الذي يتناول ذكريات رشيد عن قريته، وقرية زينب في فلسطين:‏

- -إنّها قريتنا‏

- لم تكوني قد ولدت بعد.‏

- كنت سأولد لك.‏

- ......‏

- طوت زينب رأسها بين يديها ونشجت، فاحتواها رشيد، وأخذا يتمايلان مع تمايل الباخرة.‏

- أنا.... أنا رشيد.‏

- المزرعة احتلت في حزيران 67، كنت صغيرة، رأيت جنود العدو، ثم كبرت، وذهبت إلى أميركا، أقمت عند أخوتك، ودرست، أنت الآن بعيدة عن المزرعة، ولكنها ليست بعيدة عنك، إنها في روحك وعقلك.. وأنا أتذكر قريتنا التي احتلت عام 48....))(16) .‏

فالجمل السردية التي تداخلت مع الحوار لم تكن زائدة. بل لعبت دوراً هاماً في إضاءة جانب هام من الشخصية وتاريخها، وإيضاح علاقتها بوطنها وأرضها.‏

*‏

وليست الجمل السردية التي تتبع الحوار، أو تتخلّله، هي وحدها التي تسهم في إضاءة جوانب من شخصية المرأة، وتكشف أبعادها، بل نجد الحوار، أيضاً، يشكّل جزءاً هاماً من الأسلوب التعبيري في الرواية، يقوم بدور هام في كشف معالم الشخصية، وإظهار عواطفها، وإبراز سماتها النفسية، ومستوياتها الفكرية والاجتماعية والأخلاقية.‏

ففي "الرب لم يسترح في اليوم السابع"، يمكننا الوقوف على العديد من الحوارات بين زينب ورشيد، التي تكشف مشاعر كل منهما نحو الآخر، من جهة، وتظهر مدى عشقها للوطن وللأرض من جهة ثانية، كما تكشف مستواهما الفكري والسياسي من جهة ثالثة. وهذا ما ينطبق على مجمل شخصيات رشاد، ولا سيما شخصياته النسوية المثقفة الثورية.‏

وفي"المتشائل" نقع على نماذج عديدة لحوارات مدهشة متألقة عذبة، ترشح بالوعي الثوري المكثّف والبسيط في آن واحد. كالحوار الذي دار بين باقية وولدها ولاء، وبين يعاد وحبيب أمها المتشائل(17) .‏

*‏

وفي"الصبار" لسحر خليفة نجد الحوار متقناً وعفوياً، وموظفاً للكشف عن نفسيات الشخصيات المتحاورة، ومستوى تفكيرها ووعيها، كالحوار الذي دار بين نوّار وأسامة غداة لقائهما بعد عودته إلى الوطن المحتل(18) .‏

ولابد من الإشارة هنا إلى أن الروائيين الفلسطينيين، قد حرصوا على أن يجعلوا حوارهم مناسباً لطبيعة الشخصية والموقف. فحوار المرأة الثورية المقاتلة، يختلف عن حوار المثقّفة العادية، وعن المثقفة البرجوازية. وحوار المرأة الشعبية البسيطة، يختلف عن حوار المومس. ففي"البكاء على صدر الحبيب" يبدو حوار المثقفة الثورية مع رفيقها منسجماً مع طبيعتها المتحررة من قيود الأنثى التقليدية أو العادية. يقول زياد:‏

-جلسنا حول المدفأة. وضعت حقيبتها اليدوية على أحد الكراسي، أخرجت علبة تبغ ومدّتها...‏

- دخّن‏

- تركته يا عزيزتي..‏

- إرادة فولاذية، ولكن منذ متى؟‏

- قبل قليل.. ساعة من الوقت أو أقل.‏

- يا شيخ دخّن.‏

- أنا متعب وصدري مثل بوري الصوبة...‏

....‏

- سألتني:‏

- والآن ماذا تعمل؟‏

- لا شيء، أكتب أحياناً، أقرأ أحياناً... زعلان باستمرار.. أنتظر نهاية الشهر، وآخذ مخصصي، أعيش في غرفة كئيبة في مخيّم اليرموك... شاب حسن الأخلاق، طيّب القلب، ادمي.... يحتاج إلى زوجة.‏

- الله يخرب عقلك... رغم أنك حزين ومتعب، وغاضب، فأنت لا تكف عن المزح... ولكن من هي سعيدة الحظ.‏

ونفثت دخان سيكارتها في وجهي.‏

-أنت.))(19) .‏

فرشاد هنا، وفي معظم رواياته، ينطق شخصياته النسائية، والذكورية أيضاً، بلغة تتسم بالبساطة والوضوح، والبعد عن العامية المبتذلة، والفصحى الصارمة، وبما أن شخصياته النسائية الثورية يمارسن الثورة فكراً وعملاً، ويختلطن بالرجال، فمن الطبيعي أن يتأثرن بطبيعتهم وأساليبهم في الكلام، ومن الطبيعي أن يخلعن عنهن، وجل الأنثى، وبعض قيودها الاجتماعية، سواء في اللباس، أو الكلام أو التحركات... وما شابه ذلك.‏

*‏

وفي ثنائية"سحر خليفة" نقرأ عدداً من المقاطع الحوارية الوثيقة الصلة بطبيعة المرأة ومستواها الاجتماعي والفكري والأخلاقي. ومن يتابع الحوار الذي دار بين"خضرة"البغي) وبعض الرجال في أحد مقاهيتل أبيب) أو بين خضرة وسعدية، يدرك إلى أي حد، وفقّت الكاتبة في رسم ملامح هاتين الشخصيتين المتناقضتين. إذ أعطت لكل شخصية لغتها التي تناسبها. ومن الطبيعي أن تطغى على لغة الحوار بين سعدية وخضرة، اللهجة الشعبية، ببساطتها وتدفّقها.‏

كما نلمس ذلك أيضاً في الكثير من المقاطع الحوارية في"الصبار" حيث سادت اللهجة الشعبية، ولكنها لهجة شعبية خضعت للصقل، وبعض التعديل، يتحدث بها أشخاص الرواية في طواعية وتلقائية وهي تشكل مستوى لغوياً قائماً بذاته))(20) . وإذا كانت لغة الحوار بين الشخصيات في "الصبار" قد خضعت للصقل والتهذيب، فإن لغة الحوار بين خضرة وسعدية، أو خضرة وشحادة في"عباد الشمس"، كانت بمنأى، إلى حد بعيد، عن الضبط والحشمة، إذ نقلت الرواية شتائم"خضرة" نقلاً حرفيّاً، بكل ما تحمله من بذاءة وسوقية، لأنّ من كان على غرار"خضرة" من الطبيعي أن يتحدث، ويشتم على هذا النحو.‏

وهنا يمكن القول: إن غالبية الروائيين الفلسطينيين، كانوا يعمدون في حواراتهم إلى التعابير العامية، واللهجة الشعبية المحلية، وبصورة خاصة في الحوارات التي تدور بين شخصيات تقليدية، غير متعلمة(21) . كما كانوا يلجؤون إلى الحوار الفصيح البسيط حين يكون المتحاوران مثقفين، وذلك لإحياء الواقع، وتجسيده فنياً.‏

إنّ استعمال الكاتب الفلسطيني -ولا سيّما داخل الأرض المحتلة- للهجة الشعبية المحلية في رواياته، يظهر إحساسه الحميمي بأهميّة هذه اللهجة، وقيمتها ودورها في التعبير عن عالم الشخصية بتلقائية وبساطة ووضوح، إذتكتسب اللهجة الفلسطينية... أهميّة فنية لقدرتها على تصوير الأداء العفوي للإنسان الفلسطيني، وأهمية اجتماعية لكونها رابطة قوية تجمع أبناء الأرض المحتلة في نبض واحد))(22) .‏

***‏

وإن كانت الرواية الفلسطينية قد احتفلت بالحوار الخارجي، فإنها لم تهمل الحوار الداخلي، أو ما يسمى بالمنولوج الذي يفسح فيه للشخصية فرصة التحدّث عن نفسها، فتكشف بوضوح وصراحة عالمها الداخلي، وموقفها من الآخرين، والعالم المحيط بها.‏

ففي رواية "ما تبقى لكم" لغسان كنفاني، نسمع صوت"مريم" وهي تعيش حمى الغربة النفسية، والعزلة الاجتماعية، والنفي داخل الوطن المحتل، وتكابد لوعة انتظار الرجل الذي سيجعل لحياتها طعماً ومعنى. وتزداد أزمتها النفسية حدة واتساعاً، وهي ترى سني عمرها تتسرب من بين أصابعها دون جدوى، كما يزداد إحساسها بالتفاهة والتعاسة عمقاً بعد ارتباطها الجسدي -لا العاطفي- بزوجها النتن الخائن. وتأخذ شروخها الروحية بالاتساع، بعد رحيل أخيها عنها باحثاً عن الأم -الأرض، رمز الطهر والنقاء والبراءة: ما الذي كنت تعتقده يا حامد المسكين؟ أن يظل المحراث محرّماً على هذه الأرض الخصبة؟ أنْ أصرف حياتي أمام سروالك المعلّق. استوحي فيه رجلاً من يافا اسمه فتحي، كان يحضر بصمت وكبرياء مهراً يليق بابنة أبي حامد؟ لقد ضاعت يافا أيّها التعيس. ضاعت. ضاعت، وضاع كل شيء. وأنت نفسك علقت هذا النعش أمامي ليدق هذه الحقيقة الفاجعة على سمعي ليل نهار. وأنت الذي عرّفتني بزكريا. وأنت الذي جعلت أمي تتقلب إلى مجرد وهم...))(23) .‏

*‏

وفي"عبّاد الشمس" يشغل المنولوج الداخلي لدى الشخصيات، ولا سيما رفيف، حيزا غير قليل، فـ تنتصب أمامنا المشكلة الأساسية التي تقوم عليها الرواية: المرأة في مرحلة تحرر وطني، وفي مجتمع شرقي، حيث تعاني قمعاً وسلطة مزدوجين))(24) . وكذلك تضيءالمنولوجات الكثيرة في حوار رفيف الداخلي... صراعها مع ذاتها، وهي) تندب هذا الواقع، وتعيد نقد ذاتها))(25) .‏

*‏

وإذا كانت"عبّاد الشمس" قد احتفلت بالحوارات الداخلية التي سيطرت عليها لغة الفكر المنظِّر، فإن "مذكرات امرأة غير واقعية" قد بنيت على الحوار الداخلي، فهيرواية الحوار القائم بين الذات والواقع... بين متطلبات الذات الجديدة وقواعد المجتمع القديم))(26) . إنها همس شعوري رقيق، يشوبه حزن عميق دفين، وألم ممض: ودرت في شوارع مدينتي. مسحت الطرقات التي انزرعت في عمق الذاكرة وقرار الوجدان... رجعت كما كنت وأصغر. مع فارق الكآبة، وذيول السنين الذابلة تتساقط حولي... وقلت: أنا مازلت أحس الروح. والروح كانت قبل الزمن. شيء علوي في ذاتي يبغي التحليق والالتحام في عظم الألفة. والألفة بلدي وأمي، وحب قديم أبعثه حياً. أغنّيه، وأجعل منه حدّوته يتصاعد منها البخار ورائحة الجبن المشوي، ودهان الزيت...))(27) .‏

*‏

هكذا أسهم الحوار الخارجي والداخلي، في الرواية الفلسطينية التي تناولها البحث، إسهاماً واضحاً موفّقاً في الكشف عن طبيعة الشخصيات، ومستوى تفكيرها، ووعيها وسلوكها. وكان يتراوح بين جمل طويلة، وأخرى قصيرة، تأتي مكثّفة رشيقة واضحة، منسجمة مع طبيعة الموقف، ومقتضى الحال.‏

3- السرد والوصف:‏

يرتبط الوصف في الرواية بعلاقة وطيدة بالسرد، وهذا ما جعل الوصف ينضوي تحت لواء السرد رغماً عنه، ويبقى تابعاً له))(28) لأن الوصف كغيره من العناصر الروائية: الشخصية الزمان، والمكان، الحدث، لا يمكن أن يتجسد في العمل الروائي إلا من خلال السرد. وكثيراً ما يتداخل الوصف بالسرد لخدمة الشخصيةالموصوفة)، وكشف ملامحها الخارجية وتحديدها، وإظهار ما يحيط بها، وإبراز عالمها الداخلي. والمقطع التالي يوضّح ذلك:‏

وراها. ساقاها وقد شمّر الثوب من حولهما، مغروستان في الطين، وهي تنتزعهما، وتغوص بهما، متنقّلة، في بركة الطين الكبيرة، تقدّمت وحملت كيساً رشت منه التبن على وجه الطين، ثم نقلت بعض الماء من البركة التي احتفرتها، ونقلت إليها الماء من الجدول، وعادت تمزج بقدميها الطين الطري.... لم تره، كانت تعمل, في مملكتها دون أن تنظر بعيداً. عند العمل تكون أم حسن نحلة، لا، تكون ورشة، لا تكون طيناً يمزج طيناً. وجهها المخدد الأسمر القاسي الطيب، جسدها الضئيل، كومة العظام في الجلد الأسمر المحروق، قامتها المائلة إلى القصر، تنبضُ كلُّها حياة، وقوة، وأغانٍ شجيّة...))(29) .‏

فالقسم الأول من المقطع سردي. يحكي لنا عن طبيعة عمل الشخصية، والطريقة التي يتم فيها هذا العمل، والقسم الثاني وصفي، إذ يصف الملامح الخارجية للشخصية بدقّة وواقعية. وتداخل، هذان القسمان فيما بينهما، ليكشفا عالم هذه الشخصية، فقدّم لنا السرد طريقة عمل" أم حسن"، ولكنّه في الوقت نفسه، اتخذ طابع السرد الوصفي. إذ وصف ساقيها، وقد شمّر الثوب من حولهما، وهما مغروستان في الطين... والأمر واضح في القسم الثاني. إذ حددّ الوصف ملامح شخصيةأم حسن): وجهها وجلدها وقامتها، من غير السقوط في آفة الجمود، وذلك عندما جعلها تنبض قوّة وحياة وأغان شجيّة.‏

*‏

ويلاحظ أنّ الروائي الفلسطيني، قلما يحفل بوصف الملامح الخارجية لشخصياته النسوية، وهو إنْ فعل، فإنّما تأتي أوصافه دقيقة ومختصرة، تؤدي وظيفتها المحدّدة فتزيد الشخصية وضوحاً وتحديداً، وتفصح عن عالمها الداخلي. وهذا ما نقف عليه في رواية" ما تبقى لكم" إذ، يصف كنفاني ثغر مريم، وقد طلته بأحمر الشفاه ساعة عقد قرانها على زكريا الخائن كما يلي: وابتسمت فبدا فمها المُلَطّخ بالحمرة جرحاً دامياً انفتح فجأة تحت أنفها))(30) . فوصف الابتسامة، هنا، لم يأت لغاية جمالية أو تزيينية، وإنمّا أتى ليعبر عن الحالة النفسية لحامد وهو ينظر لأخته.‏

إنها ابتسامة الغدر التي وُجهت إلى كرامة حامد، واخترقت كبرياءه، يوم سلّمت أخته نفسها لبائع الشعب والقضية.‏

*‏

وفي"أم أسعد" يربط كنفاني بين صفات المرأة والأرض، وهو لا يلح على وصف ملامحها وأعضائها إلا بالقدر الذي يضيء فيه عالمها الداخلي وما ينطوي عليه من كبرياء وكرامة وعنفوان وتضحية، وألم وحزن وتعب، وحب للأرض ولأبنائها. ويمكننا الوقوف على بعض هذه المعاني من خلال الأمثلة التالية: تمشي بقامتها العالية كرمح يحمله قدر خفي))(31) .‏

كانت كفّاها مطويتين على حضنها، ورأيتهما هناك جافتين كقطعتي حطب، مشقّتتين كجذع هرم. وعبر الأخاديد التي حفرتها فيهما سنون لا تحصى من العمل الصعب، رأيت رحلتها الشقية مع سعد))(32) . تفجر البكاء من مسام جلدها كلّه. أخذت كفاها اليابستان تنشجان بصوت مسموع. كان شعرها يقطر دموعاً. شفتاها، عنقها، مزق ثوبها المنهك. جبهتها العالية، وتلك الشامة المعلّقة على ذقنها كالراية، ولكن ليس عينيها)(33) .‏

وإذا كان كنفاني، قد ركّز في وصفه لأم سعد، على ملامحها الخارجية التي تعبّر بدقة عن ارتباطها بالأرض، وتجذرها فيها، وتوحّدها معها. فإن جبرا حين يدقق في ملامح المرأة، وبتناولها بتفصيل مسهب، ويركز على مفاتن الجسد ومواطن الإثارة فيه، فإنه لا يفعل ذلك، إلا ليميط اللثام عن طبيعة شخصيتهلمى أو مريم) المنطلقة اللاهثة المتوترة، المتفجرة أنوثة، ورغبة، وهذا ما نقف عليه في وصفه لمريم الصفار"البحث عن وليد مسعود":‏

كانت جميلة، مثيرة، بقميص نيلي، وتنّورة نيلية قصيرة، تكشف عن نصف فخذيها، وجوارب نيلية،، تؤكد كلّها على نضارة بشرتها وطول ساقيها))(34) ... كانت في جلستها، والساق على الساق، شديدة الإغراء. كانت الجوارب الزرقاء الطويلة التي تشف عن فخذيها، تجتذب عينيّ، رغماً عني، وتثير فيَّ رغبة أكبحها ما استطعت))(35) . وهذا ما نقع عليه أيضاً في وصفه لـ لمى عبد الغني) وهي ترقص رقصتها الماجنة على ظهر السفينة.‏

*‏

مما تقدم، يمكن القول إنّ الروائيين الفلسطينيين لم يُعنوا كثيراً بالوصف الخارجي للشخصيات. ولكنّهم حين يصفون، فإنّهم يكتفون بالأوصاف التي تقف على الملامح الرئيسة للشخصية. فرشاد في"الرب لم يسترح في اليوم السابع" يصف"زينب" وصفا دقيقاً موجزاً، يعبّر من خلاله عن سجاياها النفسية، وما تنطوي عليه من براءة وتحفّز وحزن وعفة وقوة(36) ... أما سحر خليفة، فلا تصف شخصياتها النسائية، إلا حين تتطلب الضرورة الروائية ذلك. من مثل وصفها لملامح التغيير الذي طرأ على المظهر الخارجي لـ"سعدية" بعد انخراطها في العمل. ووصفها لملامح"خضرة" التي توحي بالمجون والسوقية. ووصفها لملامحأم صابر) التي توحي بالجهل والفوضوية، وسوء التدبير.‏

ومن الروائيين مَنْ اكتفى بالإشارة إلى صفة واحدة، أو صفتين من صفات شخصياتهم النسائية، كإميل حبيبي الذي أشار إلى ابتسامة"أم الروبابيكا" الخضراء. وأشار إلى خضرة عيني يعاد، وعيني اختها وابنتها بطريقة توحي للقارئ بأنّ الكاتب، إنما يلح على اللون الأخضر بوصفه رمزاً لربوع الوطن الخضراء. ولا شك أن هذا يدل على وعي الروائي الفلسطيني لوظيفة الوصف، وأهميّته في تجسيد رؤيته للشخصية النسوية.‏

ثانياً- اللغة:‏

يرى الباحث في اللغة الروائية لدى الروائيين الفلسطينيين، أنها لغة العقل والوجدان. لغة واقعية مشرقة، مرنة، مكثّفة موحية، وثيقة الصلة بالشخصية، مشبّعة برائحة الحياة ودفء أنفاسها. لكن هذا لا يعني أن جميع الروائيين الفلسطينيين يستعملون اللغة بالطريقة نفسها، وبالأسلوب ذاته. فلكل روائي أسلوبه وشخصيته ولغته الخاصة به. وإن التقى مع سواه في الصفات الأساسية التي تَقدّم ذكرها.‏

فلغة أبي شاور الواقعية، المستمدة من مفردات الحياة اليومية، تتقاطع، أحياناً، مع لغة مختلفة تتسم بالشفافية والشعرية، كما في المثال التالي: قالت لي صباح أمس: أنا مفتونة بهذا الولد: أعشقه، كأنني صوفية وهو المطلق، آه من الوجد، في حضرة من أهوى، يمتلئ العالم بالورد والعصافير، يدور بي زورق الحب السكران في بحر من عطر الورد وأريج الياسمين))(37) .‏

*‏

وتتميز لغة سحر خليفةبالمرونة والطواعية في استخدام الألفاظ، وفي تركيب الجملة، فتأتي ملائمة للمعنى، ومجسدة للحدث))(38) ، كما تتسم بالدقة والحيوية والذكاء والخصوصية الأنثوية، إذ تمنح الكاتبة لكل شخصية لغتها التي تناسبها، فلغة الصحفية رفيف التي يسيطر عليها الفكر، وتتسم بالرصانة، تختلف عن اللغة الانفعالية لأم تحسين، الجاهلة الثرثارة: ومرة فقعتها أم تحسين مع سعدية وردحت لها لأتفه الأسباب، قائلة لها: .... يا بنت أبو شمّر لمّي ولادك أحسن لك... ابنك السحويل رشاد صوّب المقليعة على ولادي من الشبّاك، ونقفَ عبده بحجر في صباحه راح يطلع له عينه)... ويحمّر وجه سعدية... وتصيح: ضبّي الطابق يا أم تحسين، واخزي الشيطان)) فتغمز أم تحسين بعينيها الكحيلة بكحل بلدي، وتهفهف بكفيها: وأنا عندي طوابق يا مطبّقة؟ أنا أخزي الشيطان يا مخزية يا دايرة، يا أم الليرات الحرام..))(39) .‏

*‏

وفي الروايات القائمة على المذكرات، أو المنولوجات والتداعيات، تغدو لغة النثر أقرب إلى لغة الشعر، وما فيها من شجن ووهج وأحاسيس مرهفة، وموسيقا لاهثة، تسهم في جعل الحلم بديلاً مؤقتاً وآنياً عن الواقع المثقل بالخيبة والألم، ففي"مذكرات امرأة غير واقعية" تعبّر"عفاف" عن مكنونات نفسها المرهفة، وما يعتمل في وجدانها من أفكار ورؤى بلغة جميلة مشرقة، وحساسة أشبه بالبوح الشعري الرقيق والحزين: ماذا تعرف عن دنيانا!‍ وسفاح الأيام على جثة صبري، والأيدي الممدودة من أكمام القمصان المنشورة تمتد إليّ. أحياناً تمتد حبالاً تعلو، تلتف على عنقي. أحياناً أشرعة بيضاء تناديني، أنْ أعبر مدخنة المطبخ، وأطير مع الطير الزاجل نحو القبلة، نحو القمات الزرق المرفوعة في شاشات الذاكرة القصوى، تأمر بالصمت، صمت وخشوع، إنّي أنتظر الإفراج))(40) .‏

فاللغة الروائية، هنا، لغة مرهفة، تميل إلى لغة الشعر، وتتسم بالكثافة والإيحاء والتوتّر، بما تحمله من طاقة شعورية، وجرس موسيقي حزين.‏

*‏

وفي"بوصلة من أجل عبّاد الشمس" تتداخل لغة الواقع اليومي القاسي، مع لغة الحلم والهذيان، لتعبر عن ذلك الواقع المأساوي الذي عاشته"جنان" عام 1970، وهي تسترجع تلك الذكريات المؤلمة التي كابدتها، وتستحضر بعض المشاهد الفاجعة التي شهدتها في أحد مراكز الإسعاف في جبل النزهة: كانت هناك ترقد على الخرقة الذابلة، مشبعة بالإصفرار الرمادي، غارقة في ذهول هادئ وتعب عنيف. لم تكن هي أولى الأموات في مركزنا البائس، ولكنّها بدت كمن انتظر الحياة طويلاً، فلّما وجدتها تسرّبت الحياة من ثقب في النهد الصغير.... اقتربت جيوش الذباب، وحطّت على قطعة الموت الشمعية المغرقة في الاصفرار. وكان الوجع الصاعق يهبط على دماغي، ويطرد كل إيمان بالحياة حملته بالمر والفجيعة والذهول.... ولم تكن ثمّة أنهار في العالم، أو محيطات أو بحار، تكفي لمحو ذلك الوجع الصاعق الضاري، وهو ينبت شوكاً على أطراف كل لحظة، يغرز إبراً حادة وجيعة في مسالك عروقي: لماذا لا تحيا؟.... لماذا تموت؟))(41) .‏

فاللغة هنا تبتعد عن العادي والمألوف، وتتجاوز مهمتها في التعبير لتشارك في إشاعة جو يناسب مسار الرواية، إنّها لغة حسّاسة ترشح حزناً ومرارة، وتحرّض وجدان القارئ، وتثير تعاطفه، وتحمله عبر مفردات الحلم الفاجع إلى عالم الرواية المليء بالخيبة. الزاخر بالذكريات المؤلمة. فالوجع الذي ينتاب الشخصية ليس صاعقاً وضارياً وحسب، بل هو ينبت شوكاً على أطراف كل لحظة... ولا شك أن هذه المفرداتضاري، صاعق، وجع، شوك، إبر، حادّة....) توحي بالألم والقسوة، وتسهم في إبراز قبح الواقع، وعدم منطقيته.‏

وفي موضع آخر من الرواية، ترسم ليانة بدر، بريشتها الحسّ‍اسة، الحلم الذي يعيد للنفس المتوّترة المكلومة هدوءها وتوازنها، وعافيتها بلغة معبّرة دالة: سيأتي، فيصبح وجهه قنديل طفولتي، وأذكر ثوب الأورجانزا الوردي التي كانت أمّي تلبسني إيّاه في الأعياد والأفراح، وسيأتي... فأخطف من وجهه الفواصل والنقاط وعلامات الاستفهام، لأضعها في جيبي مولهة هائمة، وسأجرؤ يوماً أنْ أفعلها. أن أركض في الشارع الطويل، راقصة أدور حول نفسي، وأتقاذف حقيبتي... وسأغّني دون هوداة، أو وجل، وأطلق صيحات الهنود الحمر، حين يستقبلون انتصارهم العظيم))(42) .‏

ومن الواضح أن الروائية استطاعت من خلال خصوصيتها النسوية، وشفافية المرأة وحساسيتها أنْ تعبّر عن حلم بطلتها"جنان" ورغباتها وتوقها إلى حياة الحرية والانطلاق، بمفردات تلائم جو الحلم والأمنية. وكان لتكرار الفعلسيأتي) الأُثر البيّن في إشاعة نوع من الإيقاع الموسيقي الذي، لا يخلو من روح الشعر، وشفافية الحلم.‏

*‏

وتتميز لغة جبرا إبراهيم جبرا من لغة غيره من الروائيين الفلسطينيين، بتنّوعها وغناها فهويوزّع ثروته اللغوية على شخصياته. لغة الثقافة للمثقّفين، بتجريداتها وصلابتها الصارمة.... ولغة الشعر للشعراء، برقّتها وشفافيتها. أما اللغة البسيطة، فهي للناس البسطاء، وهكذا تكون اللغة وسيلة للوصول إلى الشخصية، سواء كانت لغة سرد أو حوار))(43) .‏

فها هي ذي"لمى عبد الغني"، على سبيل المثال، تتحدّث في"السفينة" عن توما الأكويني، وطريقته في المنطق(44) ، وتتحدّث عن"برغسون"، وتستعيد مع عصام السلمان ذكرياتهما وأحاديثهما عن"وايتهيد" وابن رشد... وعن مسرحيات ومتاحف... كل ذلك بلغة علميّة صلبة مجردة(45) .‏

وتلك"مريم الصفّار" تسجّل في مذكرّاتها بعض الأحاديث التي دارت، في إحدى السهرات الخاصة، بينها وبين أصدقائها المثّقفين البرجوازيين، بلغة برجوازية، فيها من التأنق والفكر والثقافة بقدر ما فيها من السفسطة والاسترسال، والتصنّع الحضاري(46) .‏

وتتحدّث"وصال رؤوف" الشاعرة" النبيّة الصغيرة"، كما كان يسمّيها"وليد مسعود"، عن تعلّقها الحميمي بوليد، حبيبها الذي شكّل غيابه لغزاً محيّراً لدى أصدقائه جميعهم: قتلوك وجندلوك، وتمنّيت لو كنت ساعتئذٍ ملتفّة حول خصرك، وصدرك لأقيك من نفاذ الرصاص، وأقيك من الرضوض، إذ رحت تتدحرج من صخرة إلى صخرة، لأقي وجهك من التشوّه...))(47) .‏

فمن الطبيعي أن تتحدث شاعرة عاشقة مثل"وصال" عن حبيبها بهذه اللغة الغارقة في الرومانسية، المفرطة في حساسيتها التي-لا شك- تختلف عن لغة"مريم الصفّار" المعذّبة القلقة المريضة الضائعة في خدر العشق، ولجّة الخيانة.‏

لقد أجاد الروائيون الفلسطينيون تصوير شخصياتهم والتعبير عنها بلغة مشرقة واضحة ذكية مرنة ومطواعة، تتناسب مع طبيعة الشخصية، ومستواها الاجتماعي والثقافي والفكري.‏

***‏

وبعد، فقد استطاع الروائي الفلسطيني أن يوظّف السرد بأنماطه الثلاثة: الخطاب والحوار والوصف، بالإضافة إلى اللغة، وعلاقتهم جميعاً بالسرد، خير توظيف في التعبير عن شخصية المرأة وتصويرها. فرأينا كيف نوّع في أساليب السرد وصيغه، إيماناً منه بأنّ التنوّع ضرورة فنيّة، لابدّ منها، لتكون وسيلة للتعبير عن طروحاته الفكرية، ورؤاه الفنية.‏

ولدى الوقوف على علاقة السرد بالحوار، ودراسة الحوار بنوعيه: الخارجي والداخلي، تبيّن أن الكاتب لم يقتصر على صيغة معينة للحوار، بل نوع في تلك الصيغ من أجل إضاءة وتكثيف جوانب هامة من شخصية المرأة، وكشف أبعادها، وإماطة اللثام عن عالمها الخارجي والداخلي، وإبراز سماتها النفسية، ومستوياتها الفكرية والاجتماعية والأخلاقية، وفي ذلك ما يؤكد حرصه على جعل الحوار، مناسباً لطبيعة الشخصية والموقف.‏

ومن خلال دراستنا لعلاقة السرد بالوصف وجدنا أنهما، غالباً، ما يتداخلان فيما بينهما، ليجسدا الشخصية ويحدّداها. كذلك وجدنا أن الروائي لا يحفل كثيراً بوصف شخصياته النسوية من الخارج، إلا بقدر ما يخدم ذلك المضمون ويدعمه، ويدل هذا على وعي الروائي لوظيفة الوصف، وأهميته في تجسيد رؤيته الفكرية والفنية للشخصية النسوية. ليس ذلك فحسب، بل لمسنا وعيه، ودقته، في استمعاله لمفردات اللغة، فبدت لغته موظّفة توظيفاً دلالياً دقيقاً، عبّرت عن طبيعة الشخصية، ومستواها الاجتماعي والفكري.‏

ولا تفوتنا الإشارة أخيراً إلى الخصوصية النسوية التي لمسناها لدى الكاتبتين سحر خليفة، وليانة بدر، إذ برعتا في وصف شخصياتهما النسائية من الخارج والداخل بكثير من الدقة والأمانة، بلغة مرنة، حساسة، مشرقة، معبّرة، يتضافر فيها الإيحاء مع الإيقاع الشجي، بصورة تثير الدهشة والإعجاب.‏

(1) - إسماعيل، د. عز الدين: الأدب وفنونه. دار الفكر العربي. ط6/ 1976 ص187.‏

(2) - الفيصل، د. سمر روحي: بناء الرواية العربية السورية ص290.‏

*)- أفدت في دراستي لأنماط السرد من منهج الدكتور سمر روحي الفيصل في كتابه: بناء الرواية العربية السورية ص302- 319).‏

(3) - الفيصل: سمر روحي: بناء الرواية العربية السورية 302.‏

(4) - عباد الشمس 30- 31.‏

(5) - مذكرات امرأة غير واقعية 25.‏

(6) - خليل، إبراهيم،قراءة جديدة في رواية ما تبقى لكم)) المعرفة، دمشق عدد 159/ 1975 ص155.‏

(7) - المرجع السابق 159.‏

(8) - كنفاني، غسان: الآثار الكاملة مج1/ 176- 177.‏

(9) - اليوسف، يوسف سامي"غسان كنفاني روائياً" المعرفة، دمشق، العدد 172 عام 1976 ص59- 60.‏

(10) - كنفاني، غسان: الآثار الكاملة مج1 / 294.‏

(11) - الرب لم يسترح في اليوم السابع 122.‏

(12) - نجم، محمد يوسف: فن القصة 117- 118.‏

(13) - الصبّار 37.‏

(14) - صالح، فخري: في الرواية الفلسطينية 86.‏

(15) - العشاق 63- 65.‏

(16) - الرب لم يسترح في اليوم السابع 114.‏

(17) -ينظر الوقائع العربية في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل151- 152، و 190- 192)‏

(18) - ينظر الصبار 34- 40)، وينظر على سبيل المثال أيضاً الحوار بين زينب ورشيد في"الرب لم يسترح في اليوم السابع128- 129). والحوار بين رفيف وأعضاء المجلة في"عباد الشمس"142- 143) والحوار بين نهاد وزياد في"البكاء على صدر الحبيب" 59- 63). والحوار الذي دار بين صديقة عفاف المثقفة والنسوة الجاهلات في"مذكرات امرأة غير واقعية" 136- 138). وما تخلله من إدانة لبعض المفاهيم الاجتماعية الخاطئة.‏

(19) - البكاء على صدر الحبيب 17- 18.‏

(20) - شلش، علي: "الصبار". مجلة فصول، القاهرة، العدد 2، عام 1982 ص273.‏

(21) - ينظر على سبيل المثال: حوار أم محمود مع أولادها، وأصدقائهم، وكذلك حوار"أم حسن" مع سائر شخصيات الروائية في"العشاق" وينظر، أيضاً حوار"أم أمير" مع ابنها وضيفته في"الصورة الأخيرة في الألبوم" في أكثر من موضع.‏

(22) - حمود، د. ماجدة: النقد الأدبي الفلسطيني في الشتات، دار كنعان للدراسات والنشر. دمشق ط1/ 1992 ص255. وذلك في معرض تعليقها على رأي الدكتور"إحسان عباس" في استعمال اللهجة الشعبية الفلسطينية في الرواية الفلسطينية.‏

(23) - كنفاني، غسان: الآثار الكاملة مج1 194- 195.‏

(24) - صالح، فخري: في الرواية الفلسطينية 100.‏

(25) - المرجع السابق 102 بتصرف.‏

(26) - شعبان، د. بثينة: "سحر خليفة وامرأة غير واقعية" الموقف الأدبي العدد 212- 213، ص40.‏

(27) - مذكرات امرأة غير واقعية 123.‏

(28) - الفيصل، د. سمر روحي: بناء الرواية العربية الإسلامية 320.‏

(29) - العشاق 56- 57.‏

(30) - كنفاني، غسان: الآثار الكاملة مج1 /165.‏

(31) - المصدر السابق 245.‏

(32) - المصدر السابق 260.‏

(33) - المصدر السابق 270.‏

(34) - البحث عن وليد مسعود 133.‏

(35) - المصدر السابق 136.‏

(36) - ينظر -الرب لم يسترح في اليوم السابع 18- 19- 36.‏

(37) - البكاء على صدر الحبيب 86.‏

(38) - القاصي، إيمان: الرواية النسوية في بلاد الشام 309.‏

(39) - عباد الشمس 35- 36.‏

(40) - مذكرات امرأة غير واقعية 91.‏

(41) -بوصلة من أجل عباد الشمس 64- 65.‏

(42) -بوصلة من أجل عباد الشمس 75.‏

(43) -وادي، فاروق: ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية 182.‏

(44) -ينظر السفينة 89.‏

(45) -ينظر المصدر السابق 162.‏

(46) - ينظر البحث عن وليد مسعود 177.‏

(47) - المصدر السابق 240.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244