في رحاب الفكر والأدب - الدكتور: علي المصري

دراسة - منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:35 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثاني البحوث والدراسات القصصية

إطلالةٌ جديدة على الحبِّ والوحل.‏

الحبُّ والوحلُ، رواية رومانسية تعالج قصة إنسانيةً اجتماعية بطريقة إبداعيّة مغرقة في جمال أسلوبها، وبراعة تصويرها، وتغلغُلها عبر سراديب النفس البشريّة، والكشف عن مكنوناتها.... أبدعتْها موهبةُ القاصَّة الدكتورة إنعام المسالمة في فترةٍ مبكِّرة من خمسينيات هذا القرن، في فضاءات درعا المترامية بسهولها وهضابها ووديانها السحيقة المطرِّزة بالخُضرة، حيث الماء يرشح من كلِّ جانب، هناكَ في أقصى الجنوب من سورية، متاخمة للحدود اللبنانية، الفلسطينيّة، الأردنية.... "رواية ممتعة جداً يقرؤها الإنسان فيتمنى أن يعيدَها.. وفي كلِّ مرةٍ يستطيع أن يستخرج منها معاني مخبوءةً.. إنّها قصَّة الجنس البشري بأكمله.... قصة كل واحد منا في محاولته لتغيير العالمَ، وخلّقِ عالمِهِ الخاص المنسجم مع تربيتّهِ وأوهامه.... إنّها قصّةُ المثالية والمبدأ والأخلاق، في حربها البائسةِ ضدَّ عالمٍ يغمرُه الشرُّ والفساد والتعصُّبُ.... ولكنَّنا وللأسف -كل منا خادع لنفسه، مخدوعٌ بنفسه، إلاَّ من رحم ربُّكَ وقليل ماهم".‏

وتعدُّ الكاتبةُ من رائدات فنِّ القصَّة الأوائل في محافظة درعا، ولو تحرينا الدقَّة أكثر لقلنا إنها الرائدة الأولى لهذا الفن أو الشكل الأدبي في منطقتنا، وقد نالت هذه الرواية جائزة دولة الوحدة- سوريا ومصر- التقديرية كأفضل روايةٍ في ذلك الحين.‏

تقع الرواية في مئة وثمان وأربعين صفحةً، تتتابع خلالها أحداثُ الرواية هذه الملتحمة فيما بينها بوشائج متينةٍ لا انفصام لعراها خلال تطوُّرِ الحدث وتساوقه وإيغاله في الكشف عن خبايا النفس الإنسانية في ليلها الطويل في أحضان مجتمعٍ لا يسرُّ عدواً ولا يرضي صديقاً، مجتمع من الذكورة، لا تحظى فيه الأنثى بشيء من الاحترام، أو من المساواة والعدل.... وتستمرُّ الروائية إنعام مسيطرةً على خيوط اللُّعبة الفنيّة في روايتها. وتحرِّكها ببراعةٍ ودقَّةٍ متناهيتين، دون أن تفقد زِمامَ الحدثَ من يدها مما جعلنا نشعر أنَّها تلوي عُنق أبطالها، وترغمُهم على قبول ما ترضاه هي لهم من القيم التي ربَّما هي نَفسُها آمنت بها، وتريدُ أن تثبِّتَها في مجتمعها وبناتِ جيلها وشبابه، حيثُ تتساوق الأحداثُ جميعُها لتصبَّ في المجرى الرئيسي للرواية، الذي يري لنا قصَّة كفاح "إيناس" و "أحمد" الجامعيَّين.... إنَّها قصةٌ إنسانيةٌ بالمعنى الشامل "ولكنَّها أيضاً اجتماعيةٌ بمعنى أنَّها تتعرَّض لقيمٍ اجتماعيةٍ معيَّنة، وتُهاجمها.... ولعلَّ الخيط الذي يشدُّ خيوط الرواية بعضها إلى بعض - هو العلاقة القائمةُ على التناقض بين الوهم المثالي، وتجربة الحياة اليوميَّة".‏

أ- إيناس... تلك الفتاة المتمرِّدةُ على العادات والتقاليد الفاسدتين في مجتمعنا، والمقولات السقيمة المسبقّة الصنع، التي يتناقلُها الأغبياءُ، جاهلاً عن جاهل، فتضرب بهاعرض الحائط لتختطَّ لنفسها طريقاً وسطَ ا‎لأشواك والعُقد الاجتماعية، والنفسيَّة التي كانت هي المحركُ الرئيس لخطِّ صعودها المستمر المتفاعل مع الحدث الذي كان انعكاساً لردودِ أفعالِ الآخرين وأفعالها، فقيَّدْت حياتَها، وربطتْ مصيرها بأصفاد وأغلال قاسية، داخل أسوارٍ عاليةٍ من الأوهام المريضة، أخرجتْها عن مجراها الطبيعيّ، وأوقعتها في مأزقَ ومزالق عكَّرْت تساوُق تسلسل حياتها النفسيّة، وبعثرتها وذرتها في مهبِّ الريح، وأغرقتْها في أوهامٍ وعقد نفسية جديدة أشدَّ هولاً، وزجَّتْها في إرباكات اجتماعية أسوأ بكثيرٍ مّما ثارتْ من أجله وتمرَّدت عليه، وليْتهالم تثُرْ، ولم تتمردْ وعاشت كبقية القطيع لو فرت على نفسها الكثير من المعاناةِ والألم، وماكان أغناها (عن وجَعِ القلب وشتات الفكر، والتعلُّق بمقولات لانصيب لها على ساحة الواقع، وأرضيّة التطبيق لدينا وجود.‏

فالحرُّيةُ مطلب إنساني مشروع، يساوي وجودَ الإنسان أصلاً على هذا الكوكب. والحرّيةُ في نظر جيلنا الغارب، كانت مشروعاً نهضوياُ وللأسف غير مضمون، وغير مأمون عبر المتغيّرات الاجتماعيَّة التي عصفت بنا منذُ الثلاثينات من هذا القرن... لا بل منذُ أقدم العصور أيامَ السومريين والبابليين والكنعانيين العرب قبل خمسة آلاف سنة حتى يومنا هذا...‏

نحنٌ عبيد، أقنانٌ للسلطتين الدينيَّة والمدنيةِ، تتعاونان منذُ فجر التاريخ منذ ذلك الحين على ركوبنا، وتسخيرنا لمصالحهما وأغراضهما الدنيوية غير المتعارضة مبشريننا بآخرةٍ تغمرُها الجنّةُ الموعودة التي أعدت لنا للمتقين...مكتفين هم بنعيم هذه الدنيا... وربما حجزَ بعضهم قصوراً في ذلك الحلم الممطول... أمّا الحرّيةُ في لغتنا في حياتنا فبلا مدلول لها وحتى لو أتيحت لنا، لا سمحَ الله، لَحِرْنا بها، ولما عمِلْنا بها لأنَّ الحريَّة مسؤوليةٌ ضخمة، تضع على عاتق الإنسان الحر مسؤولية وجوده، مسؤولية خياراته ونحن ما اعتدنا على الحريَّة، فماذا نصنعُ بها، إنّها عبء يثقل كواهِلنا ولا نقوى على حمله، وهذا ما صنعته إيناس بنفسها بحياتها، سمَّمتها، وأتعست نفسها ومن حولها، لقد ناضلت من أجل الحريَّة حريتها هي، ولمّا ملكتهما ضاعتْ وضلَّت عبر سراديب النفس المظلمة... حقُّ أن نحلمَ بالحرّية ونثور من أجلها، ونفكر فيها ولكنَّنا لا نستطيع أن نمارسهَا، لأنهامسؤوليَّة صعبةٌ، تحتاج إلى فهم عميق، وإرادة صلبة، وثمنٍ باهظ لا نستطيع دفعَه، ولم ندفعه، على امتداد مجرى التاريخ، لأنَّنا مجتمعٌ أبويٌ، بطريركي، نصنعُ كلٌ في أسرته مايشاء، فهو الربُّ والأبُّ... وهكذا ضلَّت إيناسُ، وضاعت على دروب الحرية، وشقيت وأشقت كلَّ مَنْ حولها من أصدقاء وأعداء.‏

قصة إيناس... صحيح من الناحية النظريَّة إنَّها قصَّةُ فتاةٍ متمرِّدة على مجتمعها، على حياتها المكبَّلة بالقيود، تثقبُ بأظافر تمرُّدها وجه السماء، وتلغي كل مقولات الفكر السقيم، وتكسِرُ قمقمَ الجنس والخوف والخرافة، لصالح مقولات مثالية حُبلى بمواسم لا تثمر، ولا تسمن، ولا تغني من جوع... بل تتكشَّفُ ثورتُّها عن أوجه حياةٍ سوادءَ قاتمة عبر دهاليز نفس إنسانية مريضة ومعتلَّة... فخسرت نفسها، وروحَها، وجسدَها، وحرَّيتها لصالح أوهام وقيم مثاليَّة لا توجد إلاّ في عقول حفنةٍ من المهووسين الحالمين ببناء المدينة الفاضلة، وبلوغ النرفانا التي لابلوغ إليها، ولا طريق... لصالح قيم عصر النهضة الأوروبية الذي تصرَّم منذ قرون متعددة.‏

ربَّما كانت حياةُ إيناس، قصةُ إيناس، أوراقاً حقيقية ممهورةً بأحداث عمرها المندثر، وأنامل جسدها الفاني... أقول ربَّما... فالإنسان هو أفكارهُ، ودواتهُ، ورحلةُ أصابعه على الورق... وعقدةُ إيناس، شكوَى إيناس هي أنَّها أنثى، ولم يخلَّف أبوها غيرها، سمعتها مراراً ومن أكثر من فم: ليتَها كانت ولداً، لما خفنا عليها... وَسمتْ هذه المقولةُ، فكرها بميسم من نار، وأشعلتْ بداخلها آلاف الحرائق... وليس جديداً أن تحترق امرأة في هذا الشرق العجيب "فنصف تراب صحارينا معجون برماد الضفائر الطويلة والنحور المطعونة... ,ليس جديداً في منطق السكين والفأس أن تذبحَ امرأةُ على سرير ولادتها -كإيناس- أو على سرير زفافها- كغيرها من الأخريات..‏

فنحنُ ندحرج رؤوس النساء، كما ندحرج أحجارَ النرد في مقاهينا.. وكما نصطادُ العصافيرَ على روابينا.. قبلَ شهريار، وبعدَ شهريار، ونحن نغتالُ العصافير المؤنَّثة... نسلخها، ونأكلُها، ونمسحُ بدمائها شواربنا المهتزَّة كأذيال النسانيس..‏

الجديد - في قصَّة إيناس- هو أن يرفضَ الميَّتُ موتَه، وأنْ يعضَّ الجرحُ على نصل الخنجر" وهذا مافعلته إيناس، أرغموها على الزواج من ابن عمها، من ثروة عمِّها لتُضَمَّ إلى ثروة أبيها... فرفضَتّ، ورضيت أن تحملَ صليبها على كتفيها، إنّها إحدى المصلوبات على جدار التاريخ والخرافة... وهكذا تمرَّدتْ، وثارت... ولكنها تبدو وهي على خشبة الصلب، أكبرَ من قيدها، ومن مساميرها، وأقوى من جميع صالبيها.‏

الموتُ الصامتُ هو وحدَهُ الموتُّ، وأمّا الذين يثقبون بأظافرِهم رخامات قبورهم، وينقشُون على خشب توابيتهم سيرة ذواتهم، خطَّ حياتهم، فلا أحد يستطيع أن يهزمَهم" ... وهذا ما فعلته إيناسُ، فثارت على قبرها وعلى حافِره، ورفضت قرار إعدامها... ولكنَّها وللأسف تمادتْ بثورتها، ولجَّت في تمرُّدها، وأغرقت في عنادها، وتشبَّثت بمقولات منطقها المغلوط، ولم تدرك الفرق بين النظريَّة والتطبيق، فالنظرية أياً كانت، هي أفقرُ من الواقع... النظريَّةُ جامدة ميِّتةٌ والواقع حيٌّ يُعطي في كل لحظةٍ احتمالات جديدةً، ويفرزُ كلَّ ماهو جديد... لذلك انسحقَ قلبُها، وضاع عمرُها، وضلَّت في متاهات قيم اختارتها من عصر غير عصرها، ومن مجتمعٍ غير مجتمعها... وأرادتْ أن تلوي عنقُها، وتسوِّدها في حياتها، وتغلّبتها على غيرها.. فحطّمتْ... وتحطَّمت.‏

ثارت على أنوثتها... ولكنَّها ظلَّت أنثى‍!‏

حصلَتْ على حريتها... ولكنَّها رزحت تحت نير تعنُّتها وعبوديَّة أفكارها!‏

رفضت الزيفَ والكذبَ... ولكنَّها كذبَتْ على نفسِها وصدَّقت زيف مالَّفقت!‏

ولنفترض أنّها اكتسبت الدنيا وماعليها... ولكن ما الفائدة وقد خسرت نفسها؟‏

ب- وأمّا المحور الثاني، أو الشخص الثاني من قطبي الرواية فهو المهندسُ "أحمد". وهو الذي يروي لنا أحداث الرواية، تفاصيل الرواية بأدقَّ دقائقها وتفاصيلها، وأحمدُ رجل جادٌ رصين، يستغرقه عملُه ويغرق حياته في لُجّةِ العمل والهندسة والمصورات ليهرب من ضياعه... من غُربته اللتين تمزِّقانه... ليتخلَّص من وحدته القاتلة التي تلفُّه في غياباتها... يبحثُ عن صديقٍ حميمٍ يفضي إليه بمكنوناتِ قلبه، ودَخيلةِ نفسه، ومايمزِّقه وينهشه من الداخل، وقد عزَّ الصديقُ... وبعدَ طول اغترابٍ، ومعاناة وحدةٍ قاسيةٍ، وصبر مرير طال، يجدُ هذا الصديق الصدوق... يجدُه على أضواءِ حبٍّ سحري يكشف له عن أسرار حياته... ومن هنا تبدأ أحداثُ الرواية في الاشتباك والتفاعل، بين أحمد الجديد، وأحمد القديم، فتتوتَّر حيناً، وتسلُسُ أحياناً أخرى، تدفعُ الحدثُ الروائي بعصاً سحرية تحت أروقة أسلوب روائي فذٍ متمكِّن، من خلال حوارٍ ذكيٍّ بين "الأحمدين" بلغةٍ مصقولةٍ برَّاقة، تحملُ درجات عالية من طاقات التفجير في التعبير الموائم لمقتضيات الحدث، وهذه نقطةُ تفوقٍ تحسَبُ لصالح الرواية في امتلاكها لناصِية اللغة الروائية، التي تتكاثف وتتكاثفُ لرسمِ المشاهدِ والصورِ واللوحات البارعة التي تخطفُ إعجابَكَ ببريقها... أحمدُ القديم الذي صارع أمواجَ الفراغ والوَحدة والشتات والتمزُّق... وأحمدُ الجديد الذي نفضَ عن عباءةِ حياته، الصورَ القديمَة القاتمةَ، وطردَ أشباحَ الغُربة التي كانت تتسربلُه بالضباب.. فأضاءَ نورُ الحبِّ عُمْقَ أعماق روحه المتعطِّشة للحياة والنور، ومنذُ آنئذٍ، انقلبَ إنساناً جديداً، ويخاطبُ أحمدَ القديمَ قائلاً: "لم تعدْ حياتي مملوءةً بالصور القاتمة، بل دخلها شيءٌ مرّمري مُشرق، وأضاءَها نورُ الحبِّ، فأصبحتْ أفكاري تموجُ بالحياة والحركة، وبُعثتُ في يومها إنساناً جديداً".‏

ويتابعُ "أمّا صديقُك - أحمد القديم- فقد اهترأ، واندثرت بقاياهُ يوم ولد -أحمد الجديد- وأصبحَ سعيداً بمشاكله وأمانيه، بأحاسيسه وآماله..." ويدورُ بينهما حوارٌ ذكي جميل، يُنبي عن سعَة أفق وثقافة عميقة.‏

وأحمدُ الجديد هذا الذي لمسَ الحبُّ قلبَه بأصابعه السحريَّة، وأضاءَ قناديلَ حياته بأقباس نورانيَّة... شابٌ جدِّي من بيئة محافظة في حيٍ من أحياء مُدننا التي يؤمُّها طلابُ العلم للدِّراسة في معاهدها وكلِّياتها من كل حدبٍ وصوب، ليتزوَّد بسلاح المعرفة ليعينهم على تذليل مصاعب العيش.. يدرسُ أحمدُ الهندسة، ويتفوق، ويحصل على منحةٍ دراسية في الخارج، ليعودَ بعد انقضاء مدَّة دراسته سالماً غانماً... ويعملُ بجدٍونشاط، ويَسَّتغرقُه العملُ... وهاهو ذا يحدَّثُ أحمد القديم قائلاً: "لعلّك تسخر مني لو قلتُ لك إنّ أمل مراهقٍ في قوته وعنفوانه، في اندفاعه وحيويته، قد استيقظ في أعماقي رغم كلّ العواصف التي هبَّتْ وتهبُّ على أيامي...‏

أمّا رأسي، صندوق أفكاري، فامتلأ بالأفكار بعد أن كان خاوياً، ومع ذلك لن ينفجرَ كما كنّا نتوهّم قبلاً... وعينايَ مملوءتان بالدموع، ومع ذلك تُبصران... وقلبي مملوء بالحب وينبض بالحياة، وأحسُّ أنَّه يستطيع أن يحتوي العالم أجمع، وكلَّ مافي هذا العالم الكبير من بؤسٍ وألم، من تعاسة وشقاء، من محبِّةٍ وصفاء..‏

وا أسفاً يا صديقي! على الأيام التي مرَّت يوم كنَّا نعيش كقطعٍ جليديةٍ دون أحاسيس، أمّا الآن أصبحتُ أحسُّ الحياة في إيماءةِ كلِّ طير، وأستنشقُ عبيرَها في كلِّ عطرٍ، وأتملّى جمالَها في كل ابتسامة خجلى، أو نظرةٍ حَييَّة، وحتى في كلِّ معنى هادئٍ حزين.‏

وأصبح للابتسامة والدمعة ألفُ معنىً ومعنى! أما ابتسامتُها -هي- فأصبحت تعني لديِّ ربيعاً لا يعرف القحط! وطيفُها مازال يمدُّ حياتي بكلِّ معنىً خالدٍ جميل لا يعرف الفناء! وحديثها ...و... فللحبِّ أثر في تغير شخصية الفرد ويُجمل الحياة.‏

ونتساءل مَنْ -هي- هذه التي غيرَّت حياة أحمد وبدلت، ماشاء لها التغيير والتبديل؟ والجوابُ: إنَّها إيناس!!‏

ومن هي إيناس؟ وما قصَّتُها؟ وكيف تمَّ ذلك؟ فهذا مَسْردُ الرواية.‏

جـ- لمنزل أحمد شرفة تطلُّ على شارعٍ رئيسي في المدينة، يتأمّل من خلالها حركة الحياة... وفي ليلٍ أسود كئيب، جلس يتأمل ماحوله، وأمامه في الجهة الأخرى نافذةٌ تطلُّ على الشارع، وعبرَها ضوء ساطع في الجوِّ القاتم... رآها -هي- مُكبَّةً على شيء تقرؤهُ، غير عابئةٍ بالأعين التي تخترق الظلام إليها... فتحرّك الفضول في أعماقه، ليتمادى عنقُه في تطاوله...، ورأى بيدها ورقةً، فقال في سرّه لعلّها رسالةٌ، وهي مُنصرفة إليها تطويها تارةً، وتنشرها أخرى، ثم تضمّها من جديد، وتُكبُّ على منضدتها حيث تسندُ رأسها وغدت لا ترفعه، وخالها تبكي.‏

أنهى دراسة الهندسة، ونأى عن بلده إلى أوربَّا لاستكمال اختصاصه، وافتقدته الشرفة، وافتقد صورتها... ومرَّت الأيامُ في أوربا ولياليها كحلمٍ جميلٍ، نهل منها كلَّ ماكان بحاجةٍ إليه، فقد كان جائعاً ظامئاً، فلم يدع شيئاً إلاّ وتذوقه... وعاد لوطنه بعد انتهاء اختصاصه ولا يدري كيف تذكَّرها -هي- وقد رأى النافذة مغلقةً... وتساءل: أتَراهاعادت إلى أهلها؟ إلى أحضان بلدتها؟ ولكنْ من أي بلدةٍ هي؟ ..‏

ولم تمضِ سوى أيامٍ قليلةٍ حتّى غرق في خضمِ الحياة المفعم بالعمل والمتاعب، فقد التهم الحياة كوحشٍ جائع، وأقبل بشرهٍ كبير على العمل، إلى أن وجد نفسه صريعَ الإرهاق... ونصحه الطبيبُ أن يستجمَّ ويستريح في مكانٍ هادئٍ، يُريح أعصابه من ضوضاء المدينة.‏

اتجه بسيارةٍ صغيرة وبيده حقيبةُ ثيابه، وراح ينتقل من مَصيف لآخر، ينعم بالراحة والهدوء، إلى أنّ وصلَ قريةٍ يهرولُ الناس إليها للاستجمام والمعالجة، وهناك لا يدري كيف ساقه القدر إلى مشفاها الشهير، رغم أنَّه ليس بحاجة إلى ذلك، وبعدَ الفحص أحالوه إليها -هي- كان وجهها مألوفاً لديْه، وإن كان لا يذكرُ من أين ومتى عرفَ صاحبته!‏

تأمَّلته ملياً، وهزَّت رأسها ببطءٍ، وكأنَّها تتذكر شيئاً، ثم سألته إن كان من مدينة... فأومأ لها بالإيجاب... فقالت له: ألست المهندس أحمد صاحب الشرفة؟!‏

ردّته عبارتُها إلى الماضي ... وتذكَّرها وهي تقرأُ وتبكي... وتطلَّع إلى يدها اليمنى يبحثُ عن خاتمٍ يطوِّقُ إصبعَها، وارتدَّ بصرُه خائباً، وبحث عن إصبع اليد الأخرى التي كانت مدسوسةً في جيب ردائها الأبيض، محدِّثاً نفسه: لعلّها تزوَّجت؟!‏

ثم مالبث أن رأى ملامحها تكتسي بنقاب من الجدِّ والصلابة، وأنهت المقابلة بالنداء على المريض التالي... خرجَ، بينما ظلّت أفكاره تحومُ حولها... وتساءل عن سبب اهتمامه بها؟ ... وبعد محاولات متعددة أقنع نفسه؛ لأنَّه لا يعرف غيرَها في هذه المنطقة.‏

وتكرَّرت زياراتُه لها... ونبتْت الأُلفة بينهما، ونمتْ بهدوء، وأعجبَ بوداعتها، وأتيحَ له أن يرى يدها اليسرى فكانت خاويةً بلا طوق... وظلَّ ستارُ مخملي أسود يغلف حياتها... ودفعه الفضولُ لإزاحة هذا الستار، محاولاً أن يصلَ إلى الأسباب،ولكنَّها كانت تعرف كيف تصدُّه برفقٍ، وتحوِّل مجرى الحديث وجهةً أخرى.‏

وسألها مرّة لم لا تتزوجين؟ وأردف بسؤال آخر...‏

فاربَّد وجهُها، ولم تجب، واكتفت بأن هزّت رأسها ببطء... وبعد لأيٍ تحدَّثت حديثاً فلسفياً نفسياً عميقاً غيرُ مقنع، حيث لم تتمكن هي من إقناع نفسها، لأنَّها بدت أسيرةً لخيالها المعتلِّ، الملجأ الوحيد الباقي الذي تفيء إليه، وحكَت وقالت الشيء الكثير...وأخيراً، تمتمت معتذرةً عما كشفته له من أحزانها.‏

وهكذا التقى المريضان؛ هو مريض الجسد، وهي مريضة الروح "وماأتعس الإنسان الذي لا يستطيع أن يتحرّر من قيود ذاته!!"‏

وقبيل أن يودعها وعدته بالسؤال عن صحته إذا ماهبطت إلى مدينته... وعادَ واستغرقته عملُه... وهي في صمتها غارقة...‏

وانساق مع تيار الحياة، فالعمل يجتذبه بسحره الغامض، والمغامرةُ تحفِزهُ لاقتحامها، والمغامرة والعمل متوافران في ذلك البلد الغني المجاور، فلم لا يقفزُ إليه؟!‏

حزمَ حقائبه وانطلق وراءَ العمل والمال... واستغرقه العمل في ذاك البلد من جديد، إلى أن وقع متعباً فريسةً للإرهاق... وعثر على طبيب شاب، دفعته المغامرة مثله، ومن بلده ذاتها... فعالجه، ودعاه إلى منزله، وقدَّم له زوجته، صبيةً، جميلةً، رشيقة.‏

فعرفَ بعض أقاربها الذين كانوا زملاءه في الدراسة... وتذكّر طبيبته إيناس، وبدأت تداعيات الذاكرة بها، وأظنُّها لن تنتهي إلاّ إليها...،ولكن الذي يفصلُ بينهما خشيتهُ من ماضيها، وإن لم يكن متأكداً من ذلك الماضي، فهو لن يحتمل ذلك الماضي لو كان!!‏

وأقلق صديقه الطبيب وضعُه كعازبٍٍ... فعرض له أنّ لزوجته شقيقةً اسمها هيفاء تليقُ به، وأنَّها ستأتي لزيارتهما..‏

وراحت الأمواج من الأفكار والصراعات تتقاذفه... فماذا لوكان لهيفاء ماضٍ كماضي إيناس؟ لابد أن سيسرق منه شيئاً منها، من أفكارها، كما سلبَ ماضيها، وحتّى حاضرها... هذه هي العقدةُ التي ظلَّت مسيطرةً على أفكاره وظلّت ملازمةً له مدى الحياة، وتقف حائلاً بينه وبين أيَّةِ امرأةٍ أخرى تُرشَّحُ للزواج منها، ولم يستطع بُرءاً منها، وهو ابن المدينة، وخريج جامعات أوربا.‏

وبقع أحمد في صراعٍ طويلٍ ومرير على امتداد صفحات الرواية، تعذِّبُه وتشويه هذه الظاهرة التي استحكمت فيه... فهو لايريدُ غير إيناس، ولكنَّ ماضيها ينهش روحه، يعذِّبه، يُضنيه، ويصلبُه، ويحرمُه كلَّ طيبات الحياة.‏

ويحاول مراسلتها، مرة، وثانيةً، وو... فلا تجيب... ويكررُ المحاولة بعد حين، فلا أمل، يعودُ في إجازة إلى بلده، إلى داره حيثُ الشرفةُ، والحديقةُ، يتمسَّحُ في جنباتها وبه ولهٌ شديدٌ لرؤية كلِّ زاويةٍ من زواياها، ويتذكَّرها، فتعصفُ به ذكراها، ويتلاعبُ به طيفُها، فيحولُ دون إصغائه لعرضِ شقيقته، عن فتاةٍ جميلةٍ رائعةٍ تسكُن تلك الدار... هرباً من الذكرى.‏

وينطلق إلى لبنان الدافئ اللذيذ المريح -لبنان القمر والسحر والجمال... وهناك يلتقي بزميلٍ قديمٍ رآه بين حسناوتين... فيعرفُه من بعيدٍ فجاء مهرولاً إليه، ولعلّه بحاجةٍ إلى رجلٍ آخر يُريحه من الثانية... واستقبل كلٌ منهما الآخر بحرارة بالغة، واقتسما الصيد، كانت إحداهما خطيبتهُ، والأخرى شقيقةُ زميله، فتاة رائعة رشيقة، مثله تبحث عن المُتعة البريئة، ولم تكن تبحثُ عن زوج، وإلاّ لفر منها... وكاد أن يطمئن إليها للطافتها ورَّقتها وبراءتها، لولا خوفه المزمن العاتي من أن يكون لها ماض...‏

وفجأة تبرز إيناس دون توقع، لمحها من الخلف جالسةً ترتدي ثياب الحداد، مولِّية لهما ظهرهَا... ورغماً عنه، وبعد محاولات يائسة، ينتصر شوقهُ إليها على لباقته، فينسى التي معه ويسيرُ إليها، فتعرفهُ، وتقف لتحييه: أحمد!! أهلاً بك يا أحمد... يجلسُّ قبالَتها، تسأله عن سبب مجيئه إلى لبنان؟ وكيف ترك البلدَ الذي يعمل فيه؟ أفي إجازة، أم نهائياً؟ ... فلا يجيب،لأنَّه كان غارقاً بآلاف الأسئلة بينه وبين نفسه... والهواجسُ تتلاعبُ به، والشكوكُ تعزوه من كلِّ حدبٍ وصوبٍ عن ماضيها، هذا السدُّ الهائل الذي يقفُ بينهما... "فالرجلُ الحقُّ لا يعيبُ على الفتاة ماضيها، وهي الأضعف كما يفترِضُ فيها، ولكنّ الرجل من يعيب على نفسه، أن يستغلّ ثقة الفتاة؛ ويجعلَ لهاماضياً، منفصلاً عن مستقبلها.." وأنهيا حديثهما ورجتهُ أن يهب إلى رفيقته التي تركها لوحدها..‏

ربابُ الرقيقةُ الرائعة المتحضرة، أخت زميله، خفّفت عنه الكثير ولولاها لانفجر، أو ربّما انسحق تحت مطارق أفكارِه السوداء التي لا ترحم، ولا يقرُّ لها قرار...فأشفق عليها، واحترمها، فهي لا تسعى للزواج، بل إلى المتعة المبّرأة عن أي غرض... أمّا إيناسُ فهي التي سمّمتْ حياته، وشوشت أفكاره، ونصبت حاجزاً عالياً بينه، وبين أيّة امرأة أخرى... لا، لا ،لا دخل لها، بل شعورهُ نحوها هو الذي أقام تلك السدود.‏

وبعد صراع عنيف حزَم أمرهُ وذهب إلى فندقها علّه يحصلُ على جوابٍ شافٍ منها، فأقبلت بشحوبها وقد ازداد وضوحاً، وضعفها الذي تحاول إخفاءه، وسألها: إيناس هل أنت مريضة؟ ... فأجابته،ودار بينهما حوار طويل ثم لفهما الصمت، عزّاها بوفاة والدها... وانتهت إجازة إيناس، وعادت إلى بلدها... أمّا هو فعاد أيضاً إلى بلده، لأنَّه ماعاد يستطيعُ أن يظلَّ في لبنان، وطيفُها يلاحقه، ويقضُّ مضجعَه، ويضخِّم أحزانه، ويضيِّقُ الخنّاقَ حوله.‏

لم يستطع المكوث في مدينته... فقد وجد نفسه وقد شدَّ الرحال واتّجه إلى قريتها ونزل في بيت أهلها، لتعود من عملها فتجده هناك بانتظارها، ففوجئت برؤيته، ولمحَ في عينيها أكثر من الألم وأقتم من اليأس.‏

يقولُ: وأسرَّت لي أُمُّها أن إيناس مريضةٌ، وأن في حياتها شيئاً تجهله، ولا تسمح لأحدٍ أن يُشاركها مابِها، وبكت معتذرةً... ثم طلب من إيناس الانفراد بها، فانتفضت كعصفور اكتسحته برودةُ الطقس، فأدخلتها أمُّها لغرفتها... وطلب من الأم يد ابنتها بحضورِ صورة الوالد الراحل.‏

فأجابت الأم قائلةً: إيناس مريضةٌ، وهذا لا يليقُ بك!‏

إذن لابدَّ من الانتظار حتّى تشفى... وغادر بلدتها بعد انتهاء إجازته، وعادَ إلى مدينته، ليحزمَ حقائبه، ويسافرَ إلى البلدَ الغريب حيث يعمل.‏

وحزَّ في قلبه أنّه ترك إيناس على فراش المرض، وعيونُ أمِّها لا تنقطع عن البكاء، وذكرى زوجها الراحل مازالت ماثلةً أمام عينيها... وكم تمنَّتْ هذه العجوز أن أكونَ أخاً لإيناس لأَرعاها... وقلتُ لإيناس قبل مغادرتي، إنّي راحل غداً يا إيناس، وقبل أن أودعك، اطلبُ منك أن تحيطي نفسك بعناية أكثر لتتحسن صحتُك سريعاً، فآتي لآخذك معي... عِديني بذلك، لأنَّ صحتك تهمُّني، كما تهمُّك تماماً بل أكثر ... ورغم ذلك كانت تتجاهل كلَّ ما يصدرُ من العيون، وإن كانت إيناس المرأة تستطيع أن تحسَّ بماهو أعمق من أن يقال، وأقدس من أن يحكى.‏

وبانَ الفرحُ على وجهِ الأم وهي تستمع لحديثي، وتابعتُ: إيناس سيكونُ مستقبلنا مليئاً، سنحسُّ دفءَ الحياةَ معاً.. فتمتمتْ إيناسُ: لا، لا ياأحمد، لا تقلْ ذلك، لا تقُلْه أبداً... فأنا لا أستحقُّ منك كلَّ ذلك... وظلَّت تحكي حتى شرقت بدموعها، وهربت من مجلسنا، فسكتُّ رغماً عنّي، وانصرفت.‏

حاولت أن أُبقي على صِلتي معها بكل الوسائل، بالهاتف، بالرسائل، بالذكريات، إلى إنْ كانت ذاتُ رسالةٍ، حكتْ لي القصّة بأكملها، بل كان في الأمر أكثر من قصّة:‏

قصّة فتاة قضت طفولتها وشبابها في مجتمع ظالمٍ، رفضتْ الزواج من ابن عمها، ودرست عناداً لإهلها، لأنّ الدراسة للذكور، فبزّت أقاربها ذكوراً وإناثاً، وتخرّجت طبيبةً بجدارةٍ، لتُثبِت عكس مقولاتهم، وتعزز أنوثتها... ولم تترك مجالاً لمتحَدِّثٍ، أو فرصةً لمتخرصٍ حسود، كمالاً وخُلقاً، وسلوكاً... وصارحته أنّها ماعرفت الحب الحقيقي إلاّ منذ عَرَفتْهُ... أماتجربتُها الأولى، فكانت أبعد ما تكون عن الحبِّ وعبيره... وهي لم تقدِّم شيئاً، ولم تخسر شيئاً في تلك التجربة... إلاّ أنّها ترفض أن تتزوّجه كيلا تعكر حياته... وتتابع: لقد اقتحم ذاك أسوارَ حياتها العالية، حياتها الخالية من أية تجربة... مع ذلك لم تستسلم، ولم ترمِ سلاحها، لأنَّها كانت تخشى الخديعة وتكره الكذب ... ذاك أحبّها بصدقٍ وحرارةٍ، دون أن يلجأ إلى تلك الكلمات، بل كان ينفِّذُ ماتريدُه منه، فتصنعَهُ على عينها، دون أن يتذمَّر أو يعترض... لأنه كان في خيالها السجين صورةً لفتى الأحلام، وكان حريصا على الفوز بقلبها.‏

أنهى دراسته وجاء يستشيرُها في التقدم إلى أهلها لخطبتها، لكنَّها اعترضت، لأنَّها مازالت طالبةً، وتحتاجُ لثلاث سنوات، وعليه هو أن يذهب لدراسة الاختصاص الذي أرادته له... وبعد عودته سيتمُّ كل شيء.‏

وذهب لأوربا للحصول على الدكتوراه في الطبِّ، وبدأت تسمعُ عنه، مالا تستسيغهُ، ومايُسيء إليها...، وأخذ يتنكَّرُ للقيم التي زرَعتْها فيه... فهوى عن عرشه بعد أن تصدَّع... فتجاوزته، وعزفت عن أخلاق الذئاب... فما وجدتْ بغير الكُتاب ملاذاً، فنجحت بتفوقٍ، وعملت ونجحت بعملها... وهاهي ذي تدفع ثمن غلطةِ حبها غدراً، وصمتاً ودموعاً لا تنهمر، وأناتٍ لا تُسمع... وعادَ إليها نادماً متأسفاً، تقول: عاد إليِّ باكياً مُعتذراً... لم أحْنقْ... فقد كانت العاصفةُ قد انجلت وحلَّ محلّها الوداعةَ والصفاء... لكنّني شعرتُ باحتقارٍ شديدٍ له، وبرثاءٍ مشوبٍ بالألم... وكأنِّي متفرجةٌ على هذه المأساة، فقد طردّته من حياتي، وأصبح خارج عالمي... لأنَّني لا أجمعُ نِفايات العالم وأقذارَه... ولم أقبلْ توبتهُ، وذهب، ولم أشعر بالأسف لا نصرافِه الذليلِ، وتقيَّأت فعلاً... وشققْت طريقي وأنا أذكر ماقالوه يومَ رفضتُّ الزواج من ابن عمي: تُرى ماذا ستكونُ عليه نهايةُ هذه المجنونة؟ ...وظلْلتُ وحيدةً، وبنيتُ حياتي على هذا الأساس... ولو أنّي قبلتُ أمراً مسلّماً به في ذلك الحين، كما تفعلُ معظمُ الفتياتِ لجنَّبْتُ نفسي مشقة الطريق وقساوة الصراع، ولأرحتُها من مرارة التجربة".‏

لقد غفرت إيناسُ للناس جميعاً، وبدأت نفسُها تصفو، ولكنَّها لاتريدُ أن تضيفَ إلى الماضي الذي مَرّ مستقبلاً، أو حاضراً مُرَّاً مثله، ولن تسمحَ لنفسها أن تتزوَّج رجلاً مهما أحبَّتْه، مادام رجلٌ قد مرّ في حياتها، لأنَّها لن تسمحَ لنفسها باحتقار نفسها.‏

وطلبت منهُ أن يبحث عن امرأةٍ يتزوجها، فهي لا تريدُ أن تعذِّبَه أوتشقيه لأنَّها تحبُّه، وكل ماتخشاه من الرجل هو أن يعيِّرَها لأنَّها شربت كأساً غير كأسه قبله... مسكينةٌ إيناس مظلومةٌ وظالمةٌ، ظلمَت نفسها، وظلمها هو... كلُّ ذنبها أنَّها عاشت في بيئةٍ ذات أفكارٍ معينة وتأثرت بها، وكان ردُّ فعلها عنيفاً عليها، وأحاطت بها ظروفٌ قاسيةٌ عدا تجربتها المُخفقة في عالم الحب الجميل... ولو أنَّ من أخفقوا بتجربة حُبِّهم أغلقوا على أنفسهم -كإيناس- لمابقي من مظاهر الحياة والأحياء شيء.‏

المرأةُ دائماً تملك مايُغيِّرُنا، تملكُ مايقلبُ ثورتنا هدوءاً، ونزقنا حِلماً، وطيشاً وتعقلاً، أو تعقلنا جنوناً.‏

وتتصل بأحمد زوجةُ صديقه الطبيب طالبةً منه الحضور إليها، ويذهبُ أحمدُ وفي رأسه ألفُ احتمالٍ... وصلَ ليرى الفاجعة بعينيها الدامعتين، فصديقهُ الطبيب مشلول وفي غيبوبة نتيجة حقنهِ بالمسكِّنات... وهي تبكي وتنتحب وتشرقُ بالدموع... ويضيعُ أحمدُ في لجةٍ من الأفكار الهوج، والحيرة القاتلة، ويتوهُ في عوالم لا تحدُّ، ويستغرقه صمت عميق، لايستفيقُ منه إلاّ على صوتها يُردِّدُ كالببغاء: أنا وحدي وغريبة لا أستطيع.... ويستدعي طبيباً، يفحص صديقه، ويكتبُ وصفةً، ويذهب باحثاً عن الدواء، ويعودُ به، والطبيبُ مازال يتأمَّل المريضَ وعلائم الأسى والحزن باديةٌ على محيَّاهُ، والزوجة مازالت تنشجُ وتشهقُّ بالبكاء وتكادُ تمزّق ثيابَها...‏

انصرف الطبيب، وبقي أحمد يصارعُ آلاف الأفكار والاحتمالات... ويغرقُ في صمت رهيب... ويأتي طفلها الوحيدُ من مدرسته، فيذهلُه، ماهمْ فيه من حيرة وحُزن وألمٍ وأسى... ويرى والده فلا يقوى على احتمال مايراه، وينظرُ إلى أمه "كومةٌ من الفزع. كتلٌ من الأسى... لم تجدْ شفتاهُ بسؤال، بل تبلور السؤال الخائف، السؤال المرتجف في نظرات العزيز الصغير... اختلج الخوفُ على الشِّفاه الصغيرة... ومافتئت صحراءُ العالم وكآبةُ العالم، ووحشةُ العالم أنْ أغرقتْ السؤال في وحشيتها وكآبتها وصمتِها الحزين... وضاع السؤال المترنِّح في حدقتي الصغير في صمت الكآبة والوحشة...‏

في سكون الفزع وارتجاجات الرعب... ضاعَ كما يضيعُ نجمٌ صغيرٌ ضعيفٌ في سماء سوداء واسعة مملوءة بالعواصف والرعود... لم يجبُهُ أحدٌ، وتمثَّل فزعُ أُمِّه في عينيها... وانتقلت عدوى الرعب إلى عيني الصغير، فتمثّل الفزعُ فيهما... في حدقتيْهما البريئتين بدا عالم الخوف يرسل أشرعتَه...." يتابع أحمد الجديد لأحمد القديم:‏

"لو كان لك قلبٌ أيُّها الألم لما فعلت ذلك... ولكنَّك أعمى دون قلب... وما أكثر من لا يُبصرون بقلوبهم، فيفقدون أروعَ وأبدعَ خلجات الحياة... خدرٌ بدأ ينقرُ من أعماقي، وشيء ما يتحرّك فيها... بدأ بدبيبٍ بطيءٍ ثم استيقظَ العملاقِ، فتحركت إنسانيَّتي، وبدأت أشعر بأني أستعيدُها..."‏

لستُ مشلولاً - كما خُيّل إليّ- لم أعد مشلولاً!!‏

(إنَّني أتحرَّكُ، أُحسُّ وأشعرُ أملكِ إنسانيتي... فإنسانيتي قد عادت لي... أعادها لي طفلٌ في عينيه ألم يمزِّقُه، وحزنٌ يكويه، وغاباتُ ضياعٍ تبتلعُهُ...‏

كانّ الطفل نبيي ... وطبيبي ... حبيبي ...ومخلِّصي.‏

كان الطفل مسيحي المنتظر... مسيحي المنقد...‏

للطفل الصغير أهمية في تغيير الحالة النفسية للشخص من قلقه ومضطربه إلى إنسانيةٍ متفائلة.‏

... محظوظٌ أنا... أنا الذي عادت له إنسانيته... منَحها لي من جديد طفلٌ بعينيه دموع وفي فؤاده جُرحٌ مدمَّى... وفي حُزنِهِ، ومن دمِ جُرحه، غمَّس الإلهُ لي عشائي المقدَّس... وأعاد لي سرَّ الحياة...لابل سرق الصغير لي سر الحياة ودفع ألمه ودموعه، كما سرق بروميثيوس النار للإنسان... المنقذان "الطفل وبروميثيوس".‏

وهكذا عادت لأحمد إنسانيَّته وحريَّته ... فودَّع بيتَ صديقه المُسجَّى، بعد أن قدَّم مالديه من بضاعةٍ تعينُ على الصبر والاحتمال والتجلُّد.‏

وعاد... عاد للتفكير بإيناس، إيناس المنعطف الأوَّل في حياته... وكتبَ لها عن كل شيء، عن اللحظة التي كاد أن يفقد فيها عقله وقلبه، لولا أن أعادهما إليه ذلك الطفلُ الصغيرُ، طفل في عينيه ألم، وتحت جفونهِ دموعٌ... أعادَ له سرَّالحياة، جوهرَ الحياة... فكيف بها هيَ تعيشُ بلا أمومةٍ، بلا أنوثةٍ، بلا أبناءَ، بلا زوج.؟!‏

وطلبَ منها أن تعتني بالزوجةِ المحزونة التي قال عنها يوماً أنها جميلة يانعة... ورحلت الزوجةُ والابن والزوج عائدين لأرض الوطن... وأخيراً، أراح الله الزوج من تعبِه ومرضه وتوفاهُ الله تاركاً خلفه هذا الطفل يواجهُ أعاصيرَ الحياة... هكذا قضي الأمر.‏

وأخيراً وبعد طول انتظارٍ أحرّ من الجمر، وصلته رسالة من إيناس تفاجئه فيها بأنها قد باعت المنزل، والأملاك الأخرى، ورحلت مع أمّها إلى بلادٍ جديدة، إلى أرضٍ مجهولة، وقالت: " إنّها تبعثُ برسالتها من البحرِ، من مرفأ رست سفينتها فيه لتستأنف المسير إلى ميناءٍ آخر لم تذكر اسمَهُ، لأنها تريدُ أن ترسو بأحزانها لوحدها"، إنّها تهرب من الجميع، بعد أنْ ارتكبتْ جريمة قتلٍ كما أسمتهْا... ولكن من قتلتْ؟‏

كتبتْ تشرح الأمر قائلةً: "لقد قتلتُ صديقكَ الطبيب.... قتلتهُ دونَ قصدٍ" ودون أن تقترب منه طبعاً... وكدتُ أظنُّ بها الجنون، لولا ما فسَّرت به قولها: فقد كان هو... هو فتاها الأول.... ورغم أنّه مات لديها قبل أن يموت تحت وطأةِ المرض فإنَّها تعتقد أنّهاهي القاتلة... قتلتهُ إذ رفضت عودَته إليها‍‍!...‏

" مسكينةٌ إيناس، الشعورُ بالذنبِ، الشعورُ بالإثمِ يلاحقانها، وهي لم ترتكِبْ أيَّة إساءةً في حقِّ أيِّ إنسان... وهي لم تؤذِ أحداً..."‏

كيف أقنعت أمَّها بالذهاب؟! سأعرف أين ستستقر وسأجبرها على العودة إلى الوطن؟ وأنا لماذا أبقى مشتتاً ضائعاً، لابُدَّ لي من العودة إلى أهلي، إلى شُرفتي لأبدأ من جَديد...‏

وقفل عائداً إلى مدينته... وهناك أخذَ يحسُّ بالصمت المقيت... لا رساله، لاحركة، لاشيء مطلقاً... وراح يُعلِّل نفسَه بعودتها، فهو لم يقطع الأمل، وهي أمله ورجاؤه، وأخذ يتساءل: من يدريني كيف ذهبت تلك العجوز معها؟‏

مالذي سيحل بهما لو أصاب أحدهما مكروه؟‏

أمُّها امرأة ضعيفة عجوز، وهي نقطة الضعف في فرار إيناس، ولابُدَّ أنَّني سأنفذُ من نقطةِ الضعف هذه... لأنَّ الأمَّ لنْ تستطيع العيش في الغربة... وهي تحبُّ أمها، فلابُد أن تعودَ بها يوماً...‏

وسافر إلى قرية إيناس، ليقف أمام سكِنها يندُبها، ويُناجي حديقتها وظلالها كما وقف الجاهليون على الرسوم والأطلال يناجونها ويستنطِقونها... لا يكاد يفارقها حتى يعود إليها... وبعد زمنٍ انطلق إلى لبنان، لكنَّه لم يستمرئ الإقامة فيه.... لذلك عادَ إلى بلده إلى أهله على هودجٍ من الأسى والوجع والضيق... وأغرق نفسه بآلاف من الأسئلة المحيرة تتعلق بأملٍ ممطولٍ وعودةٍ لن تتحقَّق... وظلَّ ينتظرها، وينتظرها مادام كوكُبنا يدور، وشمسُنا تتدلى عناقيد نور... وسيظلُّ ينتظرها إلى أن يرث الله الأرض وماعليها.‏

هذا هو مجمل رواية "الحب والوحل" للدكتورة إنعام المسالمة التي تختلف في تقنيتها فتخرج عن الخطِّ الكلاسيكي لمعظم القَصص والروايات العربية"، "معرفة، فاستلطاف، فحبٌّ، فزواج" ... إنَّها مأساة اجتماعية ذات أبعادٍ إنسانيةٍ ونفسيةٍ وفلسفيةٍ، تفسِّر شكل رؤية الروائية إنعام للحياة التي تتلخص بالصِّدق، والوفاء والحب القاتل، والثورة على القديم الرثِّ لصالح قيمٍ جديدةٍ تتبنَّاها وتسعى لتثبيتها.‏

لذلك يظل القارئ لهذه الرواية يلهثُ وراء الحدث والعرض الروائي المشوّق، وبلهفة بالغةٍ للوصول إلى ميناء يرسو معها فيه، وإراحةِ نفسه المضطرمة اللاّهثة من تتابع الأحداث في حوارٍ حيٍ وساخنٍ، ولغةٍ متمكنةٍ من استكناه أبعد الحركات النفسية غوراً في داخل الإنسان، فلا النهايةُ تأتي، ولا الحدث يتوقف حتى السطور الأخيرة من الرواية، حيث يجدُ المرء نفسه على تخومِ نهايةٍ تتوالد منها بداياتٌ واحتمالاتٌ لها أوَّل وليس لها آخر... يصلُ إلى خاتمةٍ إنّ صحّت التسميةُ إلى لا نهايةٍ حُبْلى بآلاف الاحتمالات والتوقّعات... وهذه نقطة التفوق في هذه الرواية، لأنها تترك للقارئ دوراً يشارِكُ فيه في صنعِ النهاية التي يريدُ.‏

نقطة أخرى لم توفق بها "رواية الحب والوحل" وهو اسمُها غير اللاَّئق للرواية، إذا لم يحالف الحظُّ الروائية إنعام في هذه التسمية، إذ كان حقُّها أن تسمى الحبُّ والغمام أو الحبُّ والسماء أو الحب والطهر... لأنَّ شخوصَ الرواية عيِّناتٌ نظيفةٌ جداً من البشر، لاتتلاعبُ بهم عواطفُ هوجاء تخرجهم عن وقارهم ونظافتهم، حتى حين يختلطون في أجواء تستدرج البشرَ للوقوع في الآثام... يظلُّون طاهرين أنقياءَ من الداخل والخارجِ لا تتسرَّبُ إليهم الشُّبهاتُ أو الظنون.‏

تدخلهم إلى مخبرِها الروائي فتكسوهم لحماً وخلقاً سوّياً، وخُلقاً نقياً... وترسمُهم، من الخارج كما ترسمُهم من الداخل... إنَّها تكتبِ في عالمٍ نظيفٍ عالمٍ معقَّم، ربَّما تسرَّبتْ للروائية هذه النظافةُ من مهنتها كطبيبة أسنان، أو لأنَّها أحاطت نفسها بسياجٍ عالٍ من القيمِ التي ورثَتْها نتيجةً لتربيتها البيئية الرفيعة.‏

إلاّ أن مأخذاً واحداً يؤخذُ على شخوص رواية "الحب والوحل" هو الصرامةُ الحادة التي تفرضُها عليهم المؤلفة فتلوي أعناقهم وتُخضِعهم لصالح هدفٍ مرسومٍ، وتوظِفُهم لخدمة ذلك الهدف.‏

وأمّا اللُّغة التي كُتبت بها الرواية، فلغةٌ جميلةٌ، ترقُّ في مواقف الرقِّة، وتقسو في مواقف القسوة، وتعنفُ في محاسبة الذات، وأزمة الضمير.. فإنعامُ في روايتها متمكِّنة من عِنان اللغة، فهي بين يديها ليَّنةٌ، طيِّعة، عجينةٌ تصنع منها ما تشاء، تُكوِّرها، تدوِّرُها، تمدُّها، وتقصرُها بحذقٍ ومهارةٍ، وقلما نبتْ كلمةٌ هنا، أو خرجت عن مألوفِ استعمالها هناكَ... تراكيبٌ عربيةٌ سليمةٌ، لاهُجنةَ ولا إغراب.. وتصوير فنيٌ رائعٌ يتكاثف أحياناً كثيرة ليشكل لوحاتٍ بارعةٍ لا تقلُّ عن اللوحات الشعرية رقَّة وخيالاً وجمالاً.‏

قد لا أشارك إنعام في صرامتها هذه، وقسوتها تلك، بل قد أزعُم أنّها تفتعِلُ الحدث وتسوقه أمامَها بقوة لا ترحمَ، وإرهابٍ يصلُ إلى حدِّ القمع تمارسُه على شخوصِ روايتها... فهي تظلُّ تحرِّك خيوطهم وتُتابع مصائرهم وفق خطّةٍ مرسومة...‏

ترتفعُ هذه الرواية رغم بعض المثالب التي مسَّتْها بأطرافها مسَّاً دقيقاً، إلى أفقٍ سامٍ، لا أظنُّه دون مستوى مرتفعات وذرنج، للقاصَّة إميلي برونتي التي ماتت ولم تسمع تقريظاً لروايتها، حتى جاء بعد موتِها من أزاح الغبار عنها وأطلَقها في عالم الأحياء، تطبُع مِنْ جديد، وتُمثِّلُ، وتُصوَّرُ على شاشاتِ السينما والتلفاز.. وأرجو أن لا أكون كذاك....‏

ولعلّ إدراك الدكتورة إنعام لحركة مجتمعنا، هذا المجتمع الذي يحكمه النِّفاقُ والجهلُ والمظاهرُ المخادعة، والذي لايمكن أن يتقبَّلَ النُبْل والمثاليةِ، هو الذي أوقفَ تدفق هذه الموهبة الثرة التي أنتجت "الحب والوحل" فتفيضُ علينا برواياتٍ أخرى.. ومن هُنا كان العنصرُ المأساوي يتَّضحُ في الرواية كلَّما قاربت نهايتها على الرغم من محاولات إنعام التخفيف من وطأة الحدث وكسرِ مأساويته.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244