في رحاب الفكر والأدب - الدكتور: علي المصري

دراسة - منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:35 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

دراسةٌ تحليلةٌ للمجموعة القصصية "الاغتيال"

نحن على أبواب مجموعةٍ قصصيةٍ، للقاص الأستاذ ميلاد قندلفت(1) وقد أطلق عليها اسم "الاغتيال" وهو اسمُ أوّل أقصوصةٍ فيها.‏

وها نحن أولاء نفتح أبوابَها، لنفكّ طلاسِمها واحدةً واحدةً، ونلج رِحابها،ونتجوّل في رياضها: نُفسِّر هذه، ونلقي الأضواء على تلك، حتى تصبح واضحةً بمعانيهاومقاصِدها ووظائفها، ثم نتحدث بعد ذلك عن فنِ القاص، وأسلوبه، ولغته.‏

نبدأ بالقصة الأولى، فالثانية، إلى آخر الشوط:‏

1- الاغتيال:‏

محمدٌ أبوالليل بطلُ قصة الاغتيال، يتأبّى على الموت، ويقهرُ الاغتيال، لأنّه يؤمنُ بالوطنُ والحبّ، فهو صاحب قضيّةٍ، وأصحاب القضايا لا يموتون، يكبرُ بالوطن، والوطنُ يكبرُ فيه، يمتزِجان ويشتبكانِ، لافكاك لارتباطهما وتوحُّدِهما.‏

وتختلطُ الحقيقةُ في هذه القصة بالحلم، والواقع بالمستقبل المأمول، معبرةً بذلك عن الصلة الوثيقة بين ثوارِ فلسطين، والأرض الفلسطينية، مفصحةً عن انتصار الإنسان القضية على زعازع الفناء... ولكن حين لم يجدوا فلسطين على ساعده الأيمن، وقلب الحب ليس على ساعده الأيسر، عندها فقط شعر بالموت يتسلّل إلى نفسه.‏

2- عقد الزواج:‏

فعلاً لم يكن يربطها به إلا ورقةُ عقد الزواج، إنّها حواءُ، حواءُ التي أغوت آدم قبله، وهبطت به إلى مستنقع الشقاء.... هو تبدأ حياته عندما يتزوج لأنّه يبدأ ببناء الأسرة، وهي تنتهي حياتها عندما تتزوّج، لأنها تكون قد ألقت القبض على الرجل الذي ستعكر صفو حياته، وتعبث في عيشه، وتنفث سمومها فيه، هذه هي سيرة حواء منذ سقوطها، وهذه هي قصة بطلةِ عقد الزواج، فإن كان في الواقع ماقد يُخالف ذلك، فهذا شأن آخر.‏

3- بصيصُ أملٍ منطفئ:‏

يمثلُ الطالب باسمٌ بكلية الهندسة بجامعة دمشق، جيلاً من الشاب المعاصر، الذين تصفعُهم الحياةُ بأعز أمانيهم، وتُخيب آمالهم، وتبعثر جهودَهم.. فآمالُهم الطموحة أكبر من أن يحتملها الواقع الآسن أويحققها لهم، فيستكينون للإخفاق، ويستسلمون للعنة الواقع المتردي، والحالة السيئة التي آلت إليها تطبيقات القوانين الناظمة لحياتهم.‏

فبدلاً من أن تحلَّ لهم عقبات العمل، وتسهِّل أمامهم الحياة، تسوِّدُها في وجوههم، وتُشعرهم بالظلم والحيف اللذين يسحقان كرامة الإنسان ويحطمان آمالَه... حقوقهم تهضم في وضح النهار ليتمتعَ بها زيدٌ من الناس، بلا سبب، أو مؤهل، أو تفوُّق، إنّما فقط لأنّه ابن عبيدٍ من الذوات... وهكذا تنهار القيم، وتسقطُ حُرمة القانون تحت نعال ذوي النفوذ، ويتراكم الظلم في نفوس الأجيال، فتفقدُ حتى الشعور بالأمل، ويصبحُ الوطن سجناً كبيراً يُطفئ نورالحياة في النفوس، ويصبحُ عبئاً ثقيلاً لا يُحتملُ، يسُدُّ أيّة بارقة أملٍ محتملة، ويغلقُ كل بوابات الخير في حيواتهم.‏

أمّا أم هاشم فتمثّل حُثالة المجتمع الحديث المشوّه، الذي نما على هامش الثورة، فتفسخت قيمهُ، وفقد أخلاقه، وتأثر بساستِه، فتحول بجشعهم وطمعهم إلى ذئابٍ تنهشُ لحوم الناس، يُنشبون أظافرهم في أجسادهم، والمهمُّ هو الكسبُ، الربحُ.‏

وأمّا الراسبون الذين يظلُّون محتلِّين للسكن الجامعي، فيمثلون تلك الشريحة الظالمة المستهترة التي تدوس على كل القوانين والتشريعات والأنظمة، ويخضعونها لرغباتهم ونزواتهم ومصالحهم، فتُمثل شريحةً ظالمةً من شرائح الفساد التي استشرت في صفوف هذه الأمّة البائسة، فحوّلتها إلى قطعان بشريةٍ تائهة حائرة لا راعي لها، لا ماضي لها، ولا حاضر، ولا مستقبل لا شيء لها في هذا الوطن السجن غيرالقهر والذل والعسف والجور.‏

4- الهاجس:‏

يمثل الأستاذ غالب مسؤول نقابة المعلمين جيلاً ثُقِّفَ حسب المنهج الرسمي، لا يفهمُ، لا يسمعُ، لا يرى إلاّ ماتدسُّه السلطة له من معلومات، فهو مبرمج وفق رغبات السلطة، ومُسوقٌ لبضاعتِها، أياً كانت هذه البضاعة، يُدافع عنها بكلِّ مافي دواليب سيارته من هواء، يدفعه ماتراكم في نفسه من غشٍ وخسةٍ وتهالكٍ على المنصب ومكتسباته.‏

أما نقابة المعلمين أو أي نقابة أخرى في بلادِ العالمِ الثالث والديمقراطيات الشعبية المسبقة الصنع، فهي مخفر شرطةٍ للسلطة ضدّ أعضائها، وعصاً تلوَّحُ بها السلطةُ وتضربُ بها كلَّ من يُحاول أن يفكر بشكلٍ يُخالف توليفها.‏

5- انتبه المصعد مُعطّل:‏

قصة تحدثُ وأمثالُها يومياً آلاف المرات، وتفضحُ التسيُّبَ الذي آلت إليه الأمور العامة، وتسلِّطُ الأضواء على أكثر من خلل اجتماعي، انحدرت إليه الحياة العامة، فحوّلها إلى جحيمٍ يصطلى الناس بنارِه، ويحترقون بلظاهُ، بل وربّما دفع الناس حيواتهم ثمناً لهذا التسيُّب كما حصل للدكتور علي.‏

6- تظاهرة من أجل خديجة:‏

التظاهرُ من أجل خديجة قصةٌ رمزيةٌ تعلم الناس معنى النضال من أجل تحقيق الذات. وجميل النوري بطلُ هذه القصة مثلٌ رفيع جداً لنموذج من المناضلين الشرفاء، الذين انتصروا على خوفهم، وتغلّبوا على فقرهم وضعفهم، وقهروا جلاّديهم، فتطاولوا، وتعملقوا حتى أصبحوا منائر يأتمُّ بهم الصالحون... أمّا الناس من بقية القطيع، المسجونون داخل خوفهم، والمختبئون داخل قوقعتهم، فإنّ انتصار جميل يرعبهم، يجمدُ الدم في عروقهم، إن كان ما بعروقهم دمٌ؟! ويصيبُهم بالكساح، فلا يقدرون على المسير، فيزحفون على بطونهم.‏

7- الدائرة الضيقة:‏

تعالج قصة الدائرة الضيقة حال المرأة التي ترفض حقائق الحياة دائماً، ترفضُ الصدق، لأنها تريد أن تعيش داخل أوهامها، لو سألتها عن أولادها الستة، وأمكنها أن تضلِّلك، لقالت على الأقل إنهم أبناء زوجها.‏

باسمة تغرق في رومانسية العلاقة المرتسمة بذهنها فقط مع كمال، وترفضُ أن تعترف بالواقع المعاش والمحسوس... في حين أن سها أكثر وعياً، وأعمق نضوجاً وواقعية، فرأت بالعودة إلى زوجها وأولادها الحلّ الصحيح والوحيد، بعد تغليب الرأي ووجهات النظر طوال ليالي السهد والعذاب.‏

8- قصاصة حب:‏

إنها مشاعر إنسانية طبيعية صادقة، تحدثُ في كلِّ عام مئات المرات في المدارس الإعدادية والثانوية والجامعات... وفاطمة كأية فتاةٍ بلغت تبحثُ عن فارس الأحلام، ولأسبابٍ شخصيةٍ ونفسيةٍ واجتماعية، وجدت عليا فارسَ أحلامها المنشود، إنه أستاذها فأحبته دون أن يعلم شيئاً عن هذا الحب.‏

وحين عرف الأستاذُ علي بهذا الموضوع، عالجه بصورة تتفق مع الأصول التربوية السليمة، كما أراد السيد القاص ميلاد قندلفت، الذي غلب العقل على العاطفة، ونصر الأخلاق على الانحلال... فالأستاذ عليٌ لم ينكر على الفتاة حبها، بل حاول أن يرتفع به إلى حبٍ أخوي أسمى من أغراض الجسد... وحين تمادت فاطمةُ وطلبت تذكاراً منه، لم يغير موقفه، وظل صلباً، مدرعاً بأصول التربية والأخلاق، ومن أجل ذلك شعر أن حملاً ثقيلاً انزاح عن كاهله، حين علم أن الجنازة المارة أمامه لفتاة اسمها فاطمة العبد الله، هي ليست فاطمته التي لابُد أن تكون جراحُها قد اندملت بعد مضي أسبوع على فراقها.‏

9- المعلمة والمدفأة:‏

قصة رائعة اختلطت فيها الحقيقةُ بالرمز، فاستحقت أن تكون بجدارة مسك الختام، فهي من نوع فذ من الأدب الرفيع الذي يحلِّل أعمق المشاعر الإنسانية، ويرتقي بالحياة ويسمو بها، ويجعلُها أكثر سعادةً وبساطةً وتستحق أن تعاش، رغم الفقر المدقع الذي يُلون هذه الحياة، ولم يستطع لا اليمين ولا اليسارُ أن يخفف من غلوائه، وذلك حين أخرج أطفالُه قماشَ جيبية... ورغم ذلك لم يستطع أن يُعكر صفو الحياة الزوجية، أو أن يعكس ظلاله القاتمة عليها.‏

فالسعادة تتبعُ من داخل النفوس النقية، والأرواح الصافية الهنية، لا من داخل الجيوب الغنية.‏

***‏

الأستاذ القاص ميلاد قندلفت، صوتٌ أدبي مألوف على المنابر الثقافية في درعا، فلكم حضرنا له أمسيات قصصية أتحفنا بمضموناتها ومتعنا بمعانيها الحلوة، وأغرقنا في تحليلها وفك رموزها... وأطلعنا من خلال قصصه على طعوم ثقافته المتعددة الجوانب، وعلى قُدرته الفنية العالية في استخدامه لأدواته الفنية القصصية.‏

تحسّ وأنت تقرأ هذه المجموعة القصصية وغيرها من نتاجه الأدبي، أنك أمام أسلوب علمي رصين، يُعبر عمّا يريد بلغةٍ بسيطةٍ واضحةٍ لا لُبْس فيها، تستعمل فيه الكلمات للمعاني التي وجدت من أجلها في الأصل، دون زخرف أو أي ترهلات بلاغية.‏

ولا أستطيع أن أصف الأسلوب الذي كُتبت به هذه القصص بأنّه أسلوب أدبي رفيع... فالقاص لايريد هذا، ولا أظنه يُعجزه، إنما يريد أن يعبر عن الفكرة بأوضح عبارة وأدق تعبير، ومتى استطاع أن يوصل لك ما يُريد بمنتهى الوضوح، تنتهي مهمة اللغة، لأنّها أوعية للمعاني التي يريد، لا يتلاعبُ بها، ولا يستعملها استعمالات مجازية يخرجها عما وضعت من أجله، ولا يقسرها ولا يلوي عنقها ليخضعها لما ليس من استعمالاتها... وأما التراكيب فكلها متينة سوية بعربية سليمة لا تخالف قاعدة، ولا تخرج على أساليب العرب.‏

الأفكار في القصص جميعها واضحةٌ دقيقةٌ محددة، وظفها الأستاذ ميلاد لتؤدي كامل دورها الذي اختاره لها، فمعانيها هادفة ملتزمةٌ رغم تعدّدها.‏

فمرةً يسلط الأضواء الكاشفة على بعض قضايا التسيُّب المنتشرة في المجتمع، فيفضحُها ويُعريها ليعتبر الآخرون، ومرةُ ينحو منحى الرمز كما في قصة الاغتيال حيث يتأبى أصحابُ القضايا على الموت والاغتيال ماداموا مؤمنين بقضاياهم.. ومرة ثالثة يستبطن أعماق المرأة ويحللها من الداخل، ويحكم بأنها تجهل حتى مصلحتها ومصلحة من حولها إلا من رحمها الله كـ سها).‏

وقلما يلجأ القاص إلى استعمال الخيال، فما حاجته للخيال؟ مادام الواقع بين يديه بكل أوجاعه وأوحاله وعاهاته!! فهل انتهينا من معالجة كل قضايا الواقع ومشاكل الحياة، ولم يبق شيء نعالجه، حتى نلجأ إلى الخيال؟! ربما جاء الخيال مسربلاً بالرمز عن غير قصد، كما في قصة الاغتيال، وفيما عدا ذلك فما للقاص من حاجةٍ إلى الخيال.‏

وهو في حلوله المطروحة من خلال قصصه، لا يلجأ إلى الحلول التلفيقية، بل يُعالج الأمور بصورةٍ جذريةٍ لا لُبس فيها، ولا غموض كموقف الأستاذ علي من تلميذته، فاطمة، أو كما فعل بطل قصة عقد الزواج.‏

(1) مدرس في مادة اللغة لأنكليزية في ثانويات درعا ومعاهدها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244