في رحاب الفكر والأدب - الدكتور: علي المصري

دراسة - منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:35 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

رائدة أدب الأطفال في محافظة درعا.

"الأفعى والراعي" مجموعة قصصية في أدب الأطفال صادرة ضمن مطبوعات اتحاد الكتاب العرب عام 1982، طرَّزتها ريشة الأديبة المبدعة نظمية أكراد، التي تعدُّ بحق الرائدة الأولى لهذا اللون من القصِّ، على امتداد سهول حوران وروابيها، بل وأجرؤ على القول بأنَّها المجموعة القصصية الأولى التي وضعت حجر الأساس في بناء هرم هذا الفن القصصي المستحدث في محافظتنا، وفتحت الباب على مصراعيه أمام المبدعين والمبدعات من الكتّاب ليلجوا عالم هذا النص الذي غزانا حديثاً من الأدب الغربي، وإن كانت له جذورٌ موغلةٌ في التاريخ في صدر العصر العباسي الأول إلى حدٍ ما، حتى في العصور الجاهلية وانطلقت به نظمية دون عثراتٍ أو انزلاقاتٍ، فمهدت الطريق لغيرها، وذلَّلت الصعاب، ووطَّأت لهم سبل الكتابة والإبداع.‏

تقعُ المجموعة القصصيَّة "الأفعى والراعي" في مئةٍ وأربعٍ وأربعين صفحةً من القطع الصغير، على أوراقٍ بيضاء وصفراء ملوَّنة وصقيلة، تبهجُ النفس وتسرُّ الخاطر بمُنَمنمات أطَّرت صفحاته بأوراقٍ ملونةٍ زاهيّة، بناءً على خِطَّةٍ مدروسةٍ مُسبقةٍ، لمعرفةِ الأديبة المؤلِّفةِ العميقة بتأثير الألوان في عقول الأطفال ونفوسهم، كيف لا!! وهِي الأُستاذةُ القديرة، المربِّية الكبيرةُ، والدارسة الخبيرةُ، التي خبرت ذلك، فهدْتها دراساتُها الجامعية في كلِّية الحقوق واجتهاداتها في الدراسات العليا، ونيلُها درجة الماجستير في هذا الجانب العلمي الوظيفي، الذي لوى لها عُنق أصول التربية فخضع لها طائعاً، وفتح لها الباب للتغلغُل في عُمق أعماق نفسيَّة الطفل، ومايسرحُ فيها من خيالاتٍ خصبة، ويرتعُ فيهامن أحلامٍ ملونة مبدعة -سواء في الجانب التدريسي العملي، أو الجانب النظري العلمي- فوظَّفت هذا وذاك لإبداع هذا العمل الفني الرائع لبناء أجيال تتمتَّعُ بالذوق، والصحَّة النفسية، التي تفتح كوى مواهبهم على مدارج الإبداع والتفوُّق في ميادين الحياة، تشاركُ بجهدها هذا كوكبةٌ من الزملاء المبدعين في هذا الفنِّ الجديد المستحدث، فأغنوا مكتبتنا العربيَّة، بفيضِ قرائحهم وثمارِ قراءاتهم، وزبدة ثقافاتهم ذات الطعوم الغربيَّة التي ابتدعت هذاالفنَّ القصصي التربوي النافع، وأخضعوهُ لما يتناسبُ مع عاداتنا وتقاليدنا وتربيتنا.‏

كلُّ ذلك، صاغتْه الأديبة بأسلوبٍ عربي مبين، يتناسبُ مع القدرات اللغوية للأطفال النابهين، فتخيّرت الألفاظ العربية السهلة المنتقاة، محافِظةً على نظافةِ اللغة وخُلوِّها من المعقِّد والدخيل، دون الهبوط بها إلى مستنقع العاميِّة والعُجمة.‏

كذلك جاءت التراكيبُ متينةً سهلةً بعيدةً عن الهلهلة "والانفلاش" مفصّلةً على قدر المعاني دون نُبوٍ أو زوائد وترهُّلات، بل ظلَّت رشيقةً، حيَّةً، مترابطةً فيما بينها لتؤلف تناسقاً مُوائماً للمعنى، وأحياناً لموسيقى الايقاع اللفظي.‏

وقد وُفِقت في اختيار العنوانات المناسبة المشوِّقة لقصصها التي تتلاءم مع خيالات الطفولة ورؤاها من مثل "النخلة الشامخة، المطار الصغير"، وكذلك حالفَها التوفيق في اختيارالأسماء المحبَّبةِ لمن يشغلون دورَ البطولةَ في قصصها من مثل "العصفورُ دودي"، التينةُ الحمقاء، الغراب والبلبلُ، ماهر بطل قصة المطار الصغير، سميرةُ بطلة قصة البحر الأزرق.‏

وأمّا الحوار الذكيُّ الذي كانت تديره بين شخوص قصصها، فقد كان يرتفعُ ليحظى برضا القرّاء الكبار، ناهيك عن الأطفال، انظر معي إلى هذا الحور الجميل والمعبِّر بين الغراب والبلبل: انظر إليِّ يا صديق البلبل، ألستُ جميلاً مثلك؟‏

وعندما ألحَّ الغراب لاستماع الجواب: غرَّد البلبلُ وأجاب الغرابَ قائلاً:‏

- لا أريد أن أزعجك.... أنت أعرف بنفسك منّي... لو كنتَ تعرفُ أنَّك جميلٌ لما احْتجتَ إلى سؤالي، ولأغنتك ثقتُك بنفسك عن رأيي فيك!!‏

- هل تعني أنَّني قبيحٌ وغيرُ محبوب؟‏

- لم أقل هذا!؟‏

فدار الغرابُ حولَ نفسه بخُيلاءَ وقد لوَّن ريشه وزيَّن مظهرهُ، وقال: جميلٌ! ألا تراني؟‏

ضحكَ البلبلُ وقال: -إذا زيَّنْتَ مظهرَكَ الخارجي يا عزيزي، فكيفَ تستطيع أن تُغيرِّ صوتَكَ وما بداخلكَ؟! إنَّ داخلَك أقبحُ من منظركَ الخارجي.‏

- وأمَّا العِظة والنصح فخيرُما نمثِّلُ له في الخطاب الذي وجَّهه النهرُ إلى الجبل المغرور الذي يشمخ عالياً، مُتعالياً على الآخرين، فقال: "أيُّها الجبلُ العظيم، أيُّها الجارُ المنتفخُ، إنك تبالغُ كثيراً، انظر إلى تلك السهول إنَّ تُربتَها أكثر خصوبةً من تربتك، ولكنَّها عطشى، ولا يوجد فيها الماء الذي يرويها لتنتج أحلى الثمار، وأوفرَ الغلات، وأجمل الأزهار والأشجار.‏

إنَّك أيُّها الجارُ الكبير عظيمٌ وغنيٌ بأمورٍ كثيرة، ولكنْ لا يحقُّ لك أن تحرمَ غيرك ممايملك.‏

ولا أن تدعيَ لنفسكَ الفضلَ في كلِّ شيء، وتزعمَ أنَّكَ لا تحتاجُ إلى سواكَ... فأنا أروي أشجاركَ، وهي تزيِّنك وتجعلُك مقصدَ الناس، وتجلبُ لك العصافير، وتلطِّف الأجواء فيكَ وتشدُّ إليك السحبَ التي تُكلِّلُكَ بالثلوج وتمدني بالماءِ لأبقى، إنّك يا صديقي أكبر وأضخم مِنَّا جميعاً، وقد يجدُ الناس في جوفك الصخور التي يبنون بها البيوت، ولكن لا تنسى أنَّك لولانا نحنُ؛ النهر، والأشجار، والعصافيرُ والسحابُ، وكلُّ النباتات، والحيواناتُ الصغيرةُ المتنوِّعةُ، لماقصدك أحدٌ، ولمااهتمَ بك أحدٌ، إن الطبيعة يا صديقي متكاملةٌ، كلُّ مافيها يُعطيها قيمةً، فامنح عطاءَكَ بصمتٍ وتواضعٍ، وتعلَّمْ من أمِّنا الشمس التي تمنَحُنا الكثير، دونَ مِنَّةٍ ودون حساب".‏

هذه هي المجموعة القصصية الأولى للكاتبة نظمية أكراد، إذ راعت فيها الاعتبارات التربوية في مخاطبة المرحلة العمريَّة الثانية للأطفال، وكانت حريصةً على القيم الاجتماعيةِ وبثِّ محبةِ الناس، وعملَتْ على تعزيز محبَّةِ الأهل والتمسُّك بالأرض والوطن.‏

تحتوي هذه المجموعة القصصية الجميلة على ستِّ عشرةَ قصةً، لا تقِلُّ كلُّ واحدة منها عن أربع صفحات، ولا تزيدُ على ثمانٍ إلاّ واحدةً منها هي أمُّّ الكتاب، القصة الثامنةُ "عصفورٌ في مملكة الغربان"، التي تُمثِّلُ تراجيديا الوجود البشري في هذا العالم.‏

تندرجُ هذه المجوعة القصصَّيةُ تحت عِدَّةِ محاور تتقاسمُها كلُّ بمقدار، هادفة إلى بناء جيلٍ من النشء، الجديد، يتمتَّع بالصحَّة النفسيِّة، والعافية البدنيَّة، وصفاء الذهنية، ذلك كلُّه لاستنبات بذورٍ اجتماعية خيِّرةٍ، وقيم إنسانية بنَّاءةٍ، ومناقب أخلاقية رفيعة، تُؤتي أكلَها ثماراً يانعة، لتغذية مجتمع المستقبل الأفضل، وتطعيمهِ بمعارف جديدة، وحياة نظيفة، لخلق مُناخٍ اجتماعي مُتناسقٍ يُساعده على تفجرِ المواهب ورعايتها، ضمنَ قيم آمنّا بها، ونسعى إليها.‏

قيم تخيّرتها الكاتبة بعين الخبير الدقيقة، وتجربتها العملية والعلمية الناضجة، وحكمتها البالغة، لتثِّبتها في نفسِ الطفولة الغضَّة، ولتسوِّدها على غيرها من القيم القديمة الصالحة، والمستحدثة المستطرفة، وفقاً لنظريات التربية الحديثة التي ارتأتها مناسبةً لمجتمع متخلِّف كمجتمعنا -إنَّها نظرةُ الخبيرة الفاحصة المتأنية التي قلَّما تخطئُ... وأهم هذه المحاور:‏

1. تربية نفس الطفل تربيةً صحيَّةً سليمةً من العقد والآفات.‏

2. غرسُ قيم الفضيلة والأخلاق الحميدة في أرضها الخصبة.‏

3. تنمية حبِّ الطبيعة والإلحاح على نظافة البيئة وعدم تخريبها.‏

4. الاهتمامُ بالصحَّة البدنية والابتعاد عن كل مايسيء إليها.‏

5. تثوير حبِّ الوطن والدفاع عنه، وعن وسائل دفاعه وثرواته.‏

* أما القصة الأولى : "الأفعى والراعي":‏

التي وسمت المجموعة باسمها، فهي قصة أبي إبراهيم الراعي ونايه الذي يسحر ماحوله من طبيعةٍ وحيوانٍ بأنغامه الشجيَّة وابنه إبراهيم فيما بعد - والأفعى التي كانت تطرب لصوت نايه، فتخرجُ من تحت الصخرةِ التي كان يجلس عليها لترقص بسرورٍ وغبطةٍ، ثم تنقده عند انتهاء العزف بقطعةٍ ذهبية لحُسن ألحانه.. هكذا كانت تفعل كلِّ يومٍ بعهدٍ عقداهُ بينهما .‏

قرر أبو إبراهيم السفر لأداء فريضة الحجِّ بعد أن أصبح ميسرَ الحال، وأسرِّ لابنه إبراهيم قصَّة الأفعى والقطعة الذهبية، وأوكله برعاء أغنامِه، ودلَّه على الصخرة التي سيجلسُ عليها ليعزِفَ ألحانه، فتخرجُ الأفعى تتلوى طرباً، وعند انتهاء العزف تنقدُه قطعة ذهبية وتمضي.‏

وأوصاه ألاّ يُزعج هذه الأفعى وألاّ يغضبها أبداً مهما تكن الظروف...‏

وهكذا استمرت الحالة اليومية، إلى أن داخل الطمع عقل إبراهيم، وقِلَّةُ صبره للتآمر على الأفعى وقتلها للحصول على الكَنْز دفعةً واحدة... وكادَ الأمرُ أن يتمَّ لولا أنه أخطأ قتلها، فلدغته فمات... وعاد أبو إبراهيم الذي ماعاد بإمكانه لا الحصول على القطعةِ النقدية، ولا الثأر لابنه.‏

هذه القصة قديمةٌ في تراثِ الشعوب، منذُ عهد دبشليم ملك الهند، إلى قصيدة ذات الصفا للنابغة الذبياني في العصر الجاهلي الذي سبق الإسلام، وحتى يوم الناس هذا....‏

إنَّما الجديد في هذه القصة -بالإضافة إلى أهدافها القديمة المتمثلة في التنديد بالطمع والحضِّ على الوفاء بالوعد، والابتعادِ عن الغدر والخديعة - هو أنْ وظَّفتها الأديبةُ القاصة لخدمة أغراضٍ تربويةٍ جديدة، ماكانت لتحتويها في كلِّ صياغاتها وترجماتها القديمة، ولا من أغراضها، هي:‏

- ضرورةُ إطاعة الأطفال لتوصيات أوليائهم، فهم أكثر تجربةً ومعرفةً منهم.‏

- إن مخالفتهم لتلك الوصايا توقعُهم في أخطاء قد تودي بحيواتهم كما حصل لإبراهيمَ.‏

- المحافظةُ على الودِّ، وعدم خدشِ بناءِ الثقة، لأنَّ كسرها لا يجبَرُ.‏

*القصَّةُ الثانية "التينة العطوف" :‏

تتلخص هذه القصَّة في حدبِ شجرة التين على الطفل الرضيع، وهدهدتها له مدَّة غياب أمه التي استغرقها عملُها، والترويح عنهُ، ومحاولتها إمداده بالغذاء، وتنبيه الأم كي تسمعَ بكاءَ ابنها فتهبَّ لنجدته، بعد أن أعيتها الحيلُ.‏

لقد استغلَّت الأدبية القاصة قصَّتها هذه:‏

- لتزرع في القلوب تقديس الطفولة واحترامها.‏

- ولتظهِر تعاطف الطبيعة مع الإنسان، واستجابتها لنداءِ الطفولة ومساعدتها.‏

- للتركيز على تحبيب الطبيعة للأطفال، للمحافظة عليها، وعدم إلحاق الأذى بها.‏

* القصة الثالثة "النخلة الشامخة":‏

هي قصةٌ رمزيةٌ ذات مضمونات اجتماعية، قصدتْ إليها الأديبةُ بأسلوبٍ قصصي جميلٍ شائق، بعيداً عن المباشرة والوعظ المُمِل، حاكت بأسلوبها هذا ابن المقفع الذي ترجم رائعة الفيلسوف الهندي بيدبا "كليلة ودمنة"، في جعل الحوار فيها على ألسنة الطير والحيوان والنبات، مبتعدةً بذلك عن السرديَّة والركود في مستنقع المباشرة، وقد وظفتها لخدمة أغراضٍ مرسومة في مقدمتها:‏

-التعاطف مع الطبيعة وغرس محبَّتها في نفوس الأطفال.‏

- الاهتمام بالأرض وكنوزِها الطبيعية الدفينة.‏

- فتح بصائر الأطفال على ماهو أعمق من المرئي والسطحي.‏

- عدم الاكتفاء بالنظرة العجلى لماحولنا، وتعمُّق الأشياء.‏

* القصة الرابعة "الكنز":‏

هي قصَّة الطفل اليتيم أحمد، الذي فقد والديه، ولم يجدْ مَنْ يؤويه، فأخذ يجوب الشوارع متعرضاً للأذى والعذاب من أترابه.... ثم يحتضنُه شيخٌ طاعن في السن يعيشُ وحيداً في بيتٍ يقعُ بأكنافِ القرية، يشتمل علىغرف كثيرة.‏

يسلِّمه مفاتيح الغُرف ليتعرَّفَ عليها جميعها، إلاّ واحدة منها ينهاه عن فتحها حتى يكبر ويشتدَّ عودُه، وسمحَ له أن يأكل من الثمار التي يريد، على أن يجمعَ بذورها في كيس سيحتاجه عندما يفتحُ الغرفة الأخيرة، وكان قد سأله عمَّ في هذه الغرفة؟ فأجابه إن لك فيها كنزاً عظيماً.‏

أخذ يفتح الغرف يوماً بعد يوم يتمتعُ بما فيها من لعبٍ ومسلِّيات كثيرة، ووجد في إحداها مسبحاً نعم به زمناً طويلاً، حتى ملَّ من اللعب مع مرور الزمن... فانصرف إلى الحديقة يعتني بأشجارها ونباتاتها، حتى تبدلَّت وأزهرت وأينعت ثماراً دانية، واستغرقه العمل زمناً.‏

مرض الشيخُ وماتَ... ثم كبر الفتى واشتدَّ عوده، وأحسَّ بنفسه القوة ففتح الغرفةَ، ودُهش حين لم يجدْ فيها غير حصانٍ مربوطٍ... خاطبه الحصان بأنَّه موك‍لٌ بأن يحمله بعيداً إلى الكنز الذي وعدَه به الشيخ... اعتلى ظهر الحصان، ووضع أمامه كيس البذور، وانطلق به إلى مكانٍ بعيدٍ.. وعند أرضٍ بورٍ،لا شجر فيها ولا نبات، وعند جدولِ ماءٍ عذبٍ أنزله الحصان وأنزل كيس البذور، وقال له: هُنا كنزُكَ... ستجدُه، وأنا معكَ.‏

صنع محراثاًً من الخشب وشقَّ به التربة، ونثر البذور، وجعل الماء في سواقٍ يسقي الأرض بها، وبنى كوخاً، ولم تمضِ مدَّةُ، حتى اخضرَّت الأرض، ونمت المحاصيل وشغله جناها، حتى غمرتهُ، وتكدَّست عنده.‏

قال للحصانِ يوماً: رافقني إلى قمِّة ذلك الجبل، لأبحثَ عن الكنزِ الذي وعدني به الشيخُ.‏

فقال الحصان : إنَّ الكنز هو ماتراه بين يديكَ من غِلال! وهل هناك كنزٌ أكبر من هذا؟‏

- فحمد الشاب اللّه، ودعا لراحةِ نفس الشيخِ الذي علَّمه قيمة العمل في صياغةِ الحياة.‏

- وعلَّمه أنَّ العمل هو الكنز الذي لايفني ولا ينضب.‏

- وهذه أهم المعاني التي رمت إليها القصَّةُ، وزادت عليها القاصة:‏

- تنمية حبِّ التعلق بالأرض لدى الأطفال، وأنَّها مصدر الرزق والخيرات.‏

- ولتثبت قيمة العمل الذي يُعطي الحياةَ طعمتها، ونكهتها، ويُعيدُ للأرض بركتها.‏

* القصة الخامسة "النحلةُ والذبابة":‏

قصة إرشادية موجّهَهٌ إلى الأطفال، تحثُّهم على المحافظة على البيئة لتظلَّ نظيفةً، بعيداً عن التلوث والقاذورات، بصورة غير منفرِّة، غير خطابية، لأنَّها تديرُ الفكرة بمقارنة بارعةٍ بين الشيء ونقيضه، بين النحلة والذبابة.. النحلة التي لا تحطُّ إلاّ على الأزهار تجتني منها الرحيق فتحوِّلُه إلى عسل مغذٍ فيه منافعُ للناس... وبين الذبابة التي لا تقعُ إلاّ على عُلَبِ القُّمامة والقاذروات فتحمل بخرطومها وأطرافها الجراثيم، والأمراضَ، والسمّ الزعاف الذي يضرُّ الناس ويُميتُّهم... وتُغلِّبُ نتيجةُ الحوارِ النحلةَ على الذبابةِ، وتؤكِّد مجدّداً على :‏

- ضرورة المحافظة على نظافة البيئة، والمتنزهات والحدائق العامة.‏

- الابتعاد عن القاذورات وأماكن التلوث.‏

- ضرورة اتِّقاء الذباب ومكافحته لأنّه الناقل للأمراض والسموم.‏

* القصة السادسة "مابداخلك أقبحُ":‏

إنها قصة الغرور والشعور بالنقص، وتقليد الآخرين... جرت حوادثها في حواريَّة ذكية بين غراب قبيحٍ مغرورٍ... وبين بلبلٍ عاقل وجميل، مفادُها أنَّ الغراب أراد أن يُقلد البلابل بجمال شكلها وألوانها وعذوبة صوتها، فأخفق في خِداع البلابل والحمائم، بمخبره ومظهره، حتى ولو حاول الخَديعة بتغيير شكله ولونه، إلاّ أنَِّ الحقيقة انكشفت حين واجهه البلبلُ بقوله: إنَّ داخلَكَ أقبح من منظركَ الخارجي.‏

تهدفُ هذه القصة إلى تهذيب نفس الطفل في الأعماق الجوانية، وتنقيتها من الشوائب والمناقص والعقد، فتعمل على :‏

- الابتعاد كل الابتعاد عن الغرور والادّعاء والخُيلاء، والتزُّين بالتواضع والأُلفة.‏

- الإلحاح على أنّ المظهرَ لايُغني مهما تطاول الزمن، فلابُدَّ للحقيقة أن تظهر.‏

- التحلي بالفضيلة والابتعاد عن الرذيلة والنميمة والمِكر والخداع والسعايات.‏

* القصَّة السابعة "المطارُ الصغير":‏

إنَّها قصَّة فتح مواهب الطفولة على مدارج الإبداع والتفوُّق، عن طريق أُلهيةُ ماهرِ التي حوَّلت قاعة البيت مطاراً صغيراً زاهي الألوان، ساطع الأنوار لأسراب الطائرات التي صنعها بنفسه وزّيَّنها بالأعلام الوطنية، وكتب على باب القاعة "ممنوع الدخول لغير الفنيّين" وعلى لافتة أخرى "خطر... ممنوع التدخين".‏

- إنَّها قصة إيقاظ الطفولة بوقت مبكرِّ لدعم عملية الخلق والإبداع يضاف إلى ذلك.‏

- التفتُّح المبكر للطفولة على الملاحظات الدقيقة، "ممنوع الدخول لغير المختصين، خطر ممنوع التدخين".‏

- توجيه الأطفال توجيهاً وطنياً رصيناً، للحفاظ على مؤسَّساته وأسرارِه العسكريَّة.‏

- إنِّها تزرعُ الطموحَ وصورة المستقبل الزاهي في تُربة الطفولة البكر، وتحبب الأطفال امتطاء صهوات الريح لحماية سماء الوطن.‏

* القصة الثامنة "عصفورٌ في مملكة الغربان":‏

هي أطولُ قصص المجموعة التي نحنُ بصدد عرضها ودراستها.. إنَّها قصةُ تراجيديا الحياة البشرية في هذا الوجود.. قصةُ نضالِ الفرد للحصول على حرِّيته واستقلال اختياره.‏

وبالتالي فإنَّها قصةٌ سياسيةٌ اجتماعيةٌ تنتظمُ بين تضاعيفها عمليَّة الخِطاب السياسي الموجه والملتزم وتوجيهه الوجهة الديمقراطية السليمة، تحت ستارٍ شفيف من "المُقَفَّعِيَّة" لأن القصة وتجري على لِسان العُصفور "ديدي" العاشق الذي دفعتْهُ عاطفة حبِّه إلى العماءِ وتجاهلِ حقوق الجِنس الآخر، ومصادَرةِ حريَّة اختياره، ورفض قبول سماع الرأي الآخر... إنَّها أمُّ الكتاب.... وبين طيور أخرى كالغراب والحمامة.‏

هي برأيي أقدرُ قصص هذه المجموعة على تشخيص الداءِ، ووضع إصبعها على الدواء الناجِع الشافي الكافي ألا وهو الحريَّة، باحترام حريَّة الرأي، وقبول مبدأ الحوار لسماع الصوت الآخر، وعدم مصادرة خياره... بأسلوبٍ هادئ ورصين بعيداً عن جلجلة الخطاب السياسي، ومقامات السياسيين الجوفاء، والمقولات العمياء التي يصل فيها الغباء إلى حد تطبيق الديمقراطية بالعصا والاعتداء، ويقصد تقديس الكاتب للحرية.‏

تعرض القصَّة هذه لمطلب الحريَّة والديمقراطية، الهَمين الوحيدين اللذين يشغلان كلَّ إنسان على هذا الكوكب بأسلوب رقيق شفّاف يختفي وراءَ غِلالة حبٍ شفَّافة للعصفور "ديدي" الأناني، الذي يُصادر حريَّة عصفورة "مايا" ويريدُ أن يحرمَها حقَّ اختيارها لشريك حياتها، وقسرِها رغم إرادتها على حبِّه والزواج منه.‏

صحيحٌ أنَّها تمسُّ الموضوع مساً رقيقاً، ولكنها ليست خافيةً على أحد فكُّلنا نقف في صف العصفورة "مايا" ونَدينُ العصفورَ "ديدي" وتصرُّفه المستبد الأشر...‏

فالحريَّةُ المتنازع عليها في هذه القصة، ليست شعاراً يُرفع، ولا مطلباً طوباوياً غائماً لن يتحقق... إنَّها ممارسةٌ وفِعلٌ خلاَّق يُعيد لمايا الجميلة حريتها، ومشروعية اختيارها بنفسها، وبالتالي احترامها لنفسها ولإنسانيتها.‏

إن "العصفور ساري" لم يجنِ شيئاً حتى يوجَّه إليه كل هذا الحقد والكراهية، فهو قد مارسَ حقَّه الطبيعي في أن يُحب، ولم يعتدِ على حقِّ الآخر... وأمّا العصفور "ديدي" فتدفعه نزواتُه الشخصية وغروره بجماله وأناقته وألوانه، إلى الرغبة في اغتِصاب مواطنّته العصفورة "مايا" الجميلة إجبارها على حبِّه... ولكنَّها اختارت ساري بحريِّة وتشبَّثت بحريَّتها وحقِّها في احترامِ اختيارها الذي يساوي وجودها في هذه الحياة، وإنّ تعلُّقها بحبيبها "ساري" يمثل قمة مشروعها النهضوي لمستقبلها، وعندها الاستعداد لأن تناضل نضالاً مشروعاً وفق كل الأعراف والشرائع... وستظلُّ كذلك بالصبر والتصميم حتى تُحقِّق ماتُريد.‏

وأمّا مواقف "ديدي" فتمثل ردودَ الفعلِ المريضة للمهزومين، وانهيار عجرفتهم وخيلائهم أمام أضواء الحقيقة الساطعة، وما الاستسلام إلى اليأس والفشل والخيبة، والسقوط في هوة السوداوية القاتلة، إلاّ لأنهم اعتادوا على فرض آرائهم هم فقط، وتنفيذ إرادتهم في كلِّ الظروف وظنهم أنهم يقولون للشيء كُنْ فيكون.... أمّا أن يتمرَّدَ أحدٌ ويُصرَّ على الوصول إلى حقِّه المشروع، فهذا مخالف لرغبتهم وغير مشروع في عرفهم... فالآخرون ليسوا إلاّ دُمى يحرِّكونها كيفما يشاؤون، وهل للدّمى حق في تقرير المصير؟!‏

لاحظ أصدقاءُ "دودي" هذا الانقلاب في حياته، وأقلقَهم يأسُه وقنوطُه وعزلته، فحاولوا نُصحه وتنبيهه.. وللأسف كان يثورُ ويغضب، ويطلق ألسنَةَ ثورته في تسفيهِ تصرٌّفاتِ "مايا" وحبيبها "ساري" الذي لا يُساويه جمالاً ولا مكانةً، ويصبُّ جامَ غضبه على "مايا" التي فضَّلتْ "ساري" عليه، تعبيراًعن حقها في الحرية، واختيار مصيرها وشريك حياتها... يظهرُ عليه كلُّ ذلك بصورة فجَّةٍ غير مقنعة تفقده احترام الآخرين له وتحملهم على السخرية من ثورته التي لا لزوم لها.‏

انهزم "دودي" عند أوَّل تجربة مستهجنةٍ لديه، هي حصول الآخرين على حريَّة اختيارهم. وأشدُّ ما يؤلمه أنَّ الآخر أنثى، فليس من حقِّها أن ترفضه... لذلك ابتعد مغلوباً على أمره مقهوراً يحرق الإرم، ويود أن ينتحر أو يحرق نفسَه ويزهقها... سخرت منه الطبيعةُ، والأشياءُ وجمع المعارف والأصدقاء... وراح يرزحُ تحت أوهام ظلامٍ دامس، وكآبةٍ لا حدَّ لبؤسها، فوهَنَ، وضعفَ وفقد الرغبة في الحياة، كلُّ حُججه المزعومة أنَّ "مايا" فضَّلت عليه آخر... أمرٌ لا يستطيع احتماله... فهو الذي يحبُّ ويكرهُ، يحكم ويرسمُ، ويفعل ببقية العصافير مايريد، يقهرهم، يمعسهم، ويحرمهم من حرياتهم، ويجردُهم من أبسط حقوقهم ويُميتُهم ويُحييهم، كالربِّ في السماء يفعل بالعباد مايشاء.... والويلُ كلُّ الويل لمن تسوِّل له نفسه الخروج على طاعته أو التمرُّد على رغباتِه ونزواته ومشيئته!... وإلاّ فلا تستحقُّ الحياة أن تُّعاش!!‏

"دودي" العصفورُ المدلل لا يريد الحياة، ويرفض كلَّ الوساطات في إقناعه أنَّ الحياة تستحقُّ أن تُعاش... ويصر على عناده وعنجهيته، مادامت هذه الحياة لا تخضع لنزواته ورغائبه.... وتتكرَّرُ دعواتُ الأصدقاءِ لتثنيه عن عناده... ويتكرَّرُ معها تعسُّفه وقسوته لنفسه ولغيره... وأخيراً يواجهه أحدُ أصدقائه القدامى بُجبنْه وخيبته وغطرسته، ويُقنعه بأنَّ للحياة وجوهاً كثيرة غير التي يراها، حتَّى حصل منه على وعدٍ أن يظلَّ على قيد الحياة... وليفعل بعدها مايريدُ.‏

حزم "دودي" أمره وفضل أن يختار المنفى محلاً لإقامته بين الأغربة في مملكتها السوداء.. وبعد مداولاتٍ ومفاوضات، قبلته لاجئاً بشروط أملتها عليه: كأن يكون رصيناً، حزيناً، أسودَ الوجه، صامتاً... دخل مملكتها، وأخذ ينفِّذُ كلَّ مايطلب منه، ويقتلُ الوقتَ بالقراءة والتأمُّل ... ونسي مجتمع العصافير وصديقته "مايا" وشفي من جرحه الذي خلَّفته له.‏

ورويداً رويداً أخذ يملُّ عيشةَ الغربان، والوجوه العابسة، التي تصادفه في كلِّ حين، والأجسام الهزيلة، واللون الأسود... وأحسَّ شيئاً فشيئاً أنَّه يفقدُ حرَّيته التي حاول أن يحرم منها الآخرين، وأحسَّ كذلك أنَّه فقد اختياره وعاد قِناً كما أراده للآخر... وأحسَّ قيمة الحرية واختيار المصير... وفقد القدرة على البسمة، والمتعة والحياة الجميلة، وحُرِم من العندلة والأصوات الجميلة، فتسرب الحزن واليأس إلى نفسه، وتمنى أن يتخلَّص من هذه الحياة المقيتة الرتيبة بأيَّة وسيلةٍ، وأنْ يعود إلى عالم العصافير الذي هو عالمه الحقيقي، وهو لايحتاج إلاّ لمن يشجّعه ويدفعُه في هذا الطريق... لأنّ أثرته وغطرسته مازالتا عالقتين في زوايا نفسه المريضة.‏

ويُقَيَّضُ له الفرج ذات يومٍ ربيعي رائق، برؤيّته حمامةً بيضاء رشيقة تعبرُ السماء مسرعةً مارَّة بأجواء مملكة الغربان، فينشرح صدره لها، ويحسُّ بدبيب الحياة يجري في أوصاله، والشباب يسري في دمه.. نادى عليها، وشكا غربته إليها، وبسط تعاسته بين يديها، فأشفقت عليه، وقالت: هيا معي..‏

أمسك بيدها وطارا حتى وصلا غديراً تتلألأ صفحةُ مائه كالمرآة، طلبت منه الحمامة أن ينظرَ إلى الماء، ثم سألته عمَّ رأى، فأجاب رأيتُ نفسي، وكأنَّها لاحظت الفرحة تغمره، قطفت وردةً وزيَّنت بها رأسهُ، ثم طلبت منه أن ينظر في الماء، فنظر، فوجد نفسه كملكٍ متوج والبسمةُ تضيءُ وجهه، فقالت له ما معناه: كن جميلا تر الوجود جميلاً، فالحياة لا تعكسُ إلاّ صورتك... فأنت الذي ترى الحياة وتجعلُها مرحةً، وأنت الذي تملؤها قتامةً وحزناً.‏

شكر العصفور "دودي" صديقته الحمامة من كلِّ قلبه، ووعدها أن يعمل بنصيحتها، عاد العصفور"دودي" إلى مملكة الغربان فرحاً مسروراً بزِّيه الجديد... فأُنْذِرَ إمّا بالعودة إلى شروطهم السابقة أو بالمغادرة... وفي صبيحة يومٍ ربيعي أنيق فتح عينيه على مدارج الزهور في الحقول الخضراء، وأخذ يزقزق بصوته الجميل، فانتقلت بهجتُه ومرحُه إلى بعض الغربان "واجتمعت حولَه معجبةً بغنائه ومرحه، وبدأ بعضها يُقلِّدُه، فيثير سُخرية الآخرين ويضحكون منه.‏

ذُعر ملك الغربان، وقلق أشدَّ القلق، وطلب من العصفور الشاب المرِح مغادرة مملكته فوراً، فغادر والابتسامةُ تعلو وجهه وتضيءُ محيَّاهُ، بعد أن ودَّع الغربان ومملكتهم... وانطلق بعيداً، حتى وصل خميلةً جميلةً، وأطلق لصوتِه العنان، حتى اجتمعت عصافير الغابة لتنظر ماجرى... وظلَّ في مرحه وعندليّه ليُعوِّض مافاته، معبِّراً عن سعادته بعودته إلى سابقِ عهده بين صحبه وذويه، تلفُّه السعادةُ والهناء:‏

- أرأيت معي كيف تمَّ بناءُ هذه القصة، فتمحورتْ حول هدفها الرئيسي، وهو مطلب الحرية، والدِّفاع عنه بكل ماهو متاح.‏

- ضرورة احترام الرأي الآخر، وإتّاحة الفرصة لحريَّة التعبير.‏

- احترامُ حريِّة الجنسِ الآخر في اختيار شريك الحياة، وشكل الحياة.‏

- الكفُّ عن العناد وقبول مبدأ الحوارِ، دون اللجوء إلى الأفعال غير المشروعة.‏

- عدم التسرع في اتخاذ القرارات، خشية الوقوع في الخطأ.‏

- أن تظلَّ روح التفاؤل في الحياة هي السائدة كي لا يقعَ المرء في وهدة التعاسة والحزن.‏

- ضرورة التلاؤم مع المحيط الاجتماعي والطبيعي وأفراد جنسه.‏

- عدمُ التعالي على الآخرين كما فعل "دودي" مع "ساري".‏

* القصة التاسعة: "البحرُ الأزرق":‏

"البحرُ الأزرق"، قصَّةٌ رمزيةٌ لعبَ خيالُ الطفلةِ "سميرة" دوراً رئيسياً في رسم ملامحها العامة، التي تتلخَّص برحلةٍ بحريةٍ خيالية، ترسو فيها على شاطئ مدينة من مدننا الساحلية التي ترزح تحت كابوس الاحتلال البغيض، الذي نشر الدمار، وزرع الموت في كل مكان.... أحسَّت "سميرةُ" منذ اللحظة الأولى بالحزن والأسى لما حلّ في أطفال مدينتها، ورثْت لأثوابهم الحائلة الألوان، ووجوههم المغبرَّة القاتمة.... وخالطها شعورٌ بالضيق يُنذرُ بالثورة، فيعلُو أزيزُ الرصاص، وترتفعُ أغاني الفدائيين، وتنتشرُ جثَثُ القتلى في كلِّ مكان، وتلوِّنُ الدماءُ رمالَ الشاطئ، وترفِدُ البحرَ بلونِها الأحمر القاني... وهنا استيقظت من حُلمها الذي رسمته بطبشورة زرقاء، فأخذت قطعة قماش مبلولة ومسحت بها سفينة الحلم والبحر الأزرق... وقالت في اليقظة وبإصرار: "سنعودُ... سنجعلُ الشمسُ تشرقُ، والسماء صافية كما هي هنا.... سنجعلُ البسمةَ معطَّرةً، سنجمعُ شهداءَنا من كل مكان، وسنكونُ نحن الأطفالَ نلبسْ الثياب الجديدة الجميلةَ، وننصبُ تمثالاً كبيراً في الساحة الواسعةِ على البحر لشهداء بلدي تمثالاً دائم التوهج، يرسلُ ضياءً إلى كلَّ اتجاه".‏

- إنَّها قصَّةُ تسعى إلى تربية الروح الوطنية، وزرع الأمل لتحرير الأرض في قلوب الأطفال.‏

- تعملُ على ترسيخ حبِّ الوطن في ضمير الطفولة وعقلِها الباطن، وربط ذلك بخيطٍ رائعٍ ذكي وهو تبديلُ الثياب البالية بالثياب الجديدة.‏

- ترفعُ عالياً دورَ البطولة، ومكانة الشهداء، وأهميَّتها في تحرير الوطن واستعادة الأرض.‏

- التركيزُ على أهمية دور الأطفال اليوم، الذين هم رجالُ الغدِ.‏

- تبشّرُ على هيئة نبوءةٍ بعودةِ اللاجئين إلى أرضهم بفلسطين، وإن لم تذكر بالاسم.... لتظلَّ فكرة العودة راسخةً في الضمير، متمكنةً من العقل الباطن.‏

* القصة العاشرة "البومةُ وغصنُ الشوك":‏

خلاصتُها ملاحظاتُ حمامة بيضاء، لما تزرعُه البومة يومياً من تعكير صفوِ حياةِ مجتمع الطيور في الغابة، بما تبثُّه من فرقةٍ، ونميمةٍ، ونشرٍ للذعر، والموتِ، فيستفحلُ الشرُّ في مجتمع الغابة، لتنفِّذ مآرِبها، على مبدأ فرِّق تسُدْ.‏

ساءَ الحمامة مااكتشفَتْهُ، فاستفرت بقيَّة الحمائم ليُصلِحنَ ما أفسدتْهُ البومةُ، ويرتُقْنَ الفتقَ الذي أحدثَتْهُ في حياة المجتمع، لتعودَ الأمورُ إلى سابق عهدها، فحملنَ أغصان شجرة الزيتون رمزاً للمحبَّة والسلام.... إلى أن أدرك الجميعُ دورَ البومةِ في نشر الفسادِ والشرور.‏

شعرَتْ البومةُ بُعزْلتها بعد أن تحامتْها بقيَّةُ الطيور، وبالكُرهِ يحيطُ بها من كلِّ جانب... فخلعت ريشَها، وتنكَّرتْ بريش حمامةٍ بيضاء، وأخذت تطوفُ بين طيور الغابة، بِزَعم أنَّها تنشرُ الأمن والوئام، بطريقةٍ كانت تزيدُ نارَ الشحناء اشتعالاً.... وأحسَّت الحمائم بسلوكِ هذه الحمامة الجديدة، فوضَعْنَها تحت المراقبة وشيئاً فشيئاً بدأ ريشُها الذي تنكَّرت به، يتساقطُ، إلى أن ظهرَتْ على حقيقتها... فطردْنَها، ومن يومها عاشت وحيدةً منبوذةً في الخرائب، وغَدتْ رمزاً للتشاؤم، تنعبُ للدمار.‏

- فالقصَّةُ ذاتُ دلالات اجتماعية لتمييز الغثِّ من السمين، والصلاح من الفساد.‏

- تشخيصُ الداء، ومعرفةُ الدواء، قبل استفحال المرض وتمكُّنه.‏

- التنبيه على ضرورة يقظة المجتمع إلى الذين ينشرون الفرقة والفساد.‏

- وتكشف للأطفال في وقتٍ، مبكرٍّ عن ضرورة التعاون، ورصِّ الصفوف لدى الشعور بأيِّ خلل في بناء المجتمع وسيرة الحياة، لبناء المجتمع السليم المعافى.‏

* القصة الحادية عشرة : "الغيمة الصغيرة":‏

قصةٌ طريفةٌ تجري أحداثها من خلال حوار ذكي بارع بين الصغير سامر والغيمة الزرقاء التي مرّت فوق حديقة منزله.... وظّفتها الأديبة الكاتبة العظيمة ببراعةٍ محكمةٍ لتزرعَ في أرض الطفولة الغضّة ماتراه صالحاً من القيم، كأن يكون:‏

- الهدف من هذه الحياة هوأن تجعلها سهلةً وأكثر سعادةً، لترى البسمة على كل الشفاه، والفرح يضيء كل الوجوه، والرضا يلف الجميع.‏

- الاتحاد منعةٌ، والتعاون قوة، يخلقان مجتمعاً أفضل، وحياةً أمتع.‏

- غرس بذور القدرة على العطاء قيمة أخلاقية، في أرض الطفولة البكر.‏

- إبراز قيمة الإنسان من خلال قدرته على إجادة مايعمل، قيمة ما يُنتج.‏

- التوكيد أن العمل يمنحُ الإنسان الشعور بقيمة وجوده، والثقة بنفسه بين الناس.‏

* القصة الثانية عشرة : "ماردُ البحر والمدينة المترفة":‏

إنّها حكايةٌ من مردّداتٍ شعبيّة أسطوريّة، وظّفتها القاصة بعد تحوير بسيطٍ لتخدم أغراضاً اجتماعيةً وإنسانيةً خيرةً.... وأبرزَتْها بحلْتها الجديدة للعبرة والموعظة، تفضحُ من خلالها غطرسَة بعض المترفين وإثرتهم.... وتحاول بذلك وضع اللبنة الأولى في بناء طفولةٍ صحيحةٍ معافاةٍ تؤمن بمجتمعٍ نظيفٍ مُدركٍ بمسؤوليته تجاه العالم الفسيح والإنسانية التي ينتمي إليها.‏

وهي تهدف بالتالي إلى خلق التوازُن في توزيع الثروة بين الفقراء والأغنياء، وتسعى للتوفيق بين البلاد الغنية والبلاد الفقيرة ليعمّ الأمن والسلام، وتسود المحبة والوئام.‏

* القصَّة الثالثة عشرة "الصغيرة والعملُ":‏

إنّها أيضاً مردَّدةٌ شعبيّةٌ من التراث استثمرتْها القاصّةُ، وأخضعتْها ببراعةٍ لتحملها مضموناً اجتماعياً يبين قيمة الجهد والعمل، وأنّه مامن شيء إلا وله ثمن، إضافة إلى مضمونات أخرى تتواءم مع المنهج الذي اختطّته لمجموعتها القصصية هذه في تربية الطفولة ودفعها على الطريق السليمة، والأخلاق الحميدة،، والسيرة القويمة.‏

وخلاصته تمنيات ثلاث فتيات لمستقبلهن، وقد صادف ذلك تفقد ملك البلاد لرعيته، فحقق لهن دون أن يعلمن أمنياتهن، كل كما طلبت.‏

- وتأتي الوظيفة الرئيسةُ لهذه القصة من أنّ الأماني يمكنُ أن تتحقّق أحياناً، ولكن لابد من السعي والعمل لبلوغ المُنى والمراد، وإلا ستسودُ روح الكسل والتواكل، ويُسيطر الخمول على العباد.‏

- وتفيدُ أن الحياة لا تكتسبُ معناها إلا ببذْل الجهد، والعمل المثمر، إذ على الفرد أن يسعى ويكدح، فلا تنال اللذة إلا بعد التعب، وهذا مافعله الملك بالطفلة الصغيرة، بعد أن حقق لها أمنيتها فراح يدفعها إلى التعلم والارتقاء، فأجادت العمل.‏

* القصة الرابعة عشرة "النَسرُ":‏

تروي لنا هذه القصة قِصة نسرٍ عاش في قمة السماء، مسيطراً على أجوائه وما يحيط به وماتحته من سهولٍ ووديانٍ وأرضين.... ومع مرور الأيام هَرِمَ النسر وشاخ، فضعفَ جسمه، وخارت قواه، ولم يعد قادراً على الصيد.‏

وفي يوم ربيعي جميل، تناثرت الطيور مغردةً في كل مكان، وانتشرت الحيوانات الصغيرة تتراكض باحثةً عن رزِقها، خرج النسر بدورهِ من عشه، وكان جائعاً، فضرب الهواء بجناحيه، وارتفع قليلاً، فلم يقو على الطيران بعيداً، فسقط على الأرض منهوكاً.‏

اقتربت منه الطيورُ، ورثت لحاله، وحزنت لمصيره التعس، فحز ذلك في نفسه وأحس بالهوان.... نظر إلى الطيور بشممٍ وكبرياء، فتراجعت جموعُ الطيور، وتحامَل على نفسه واستجمع قواه، وضرب الهواء بجناحيه بأقصى مايمكن من طاقةٍ إلى أو وصل الذروة الشاهقة وسقط على عُشّه جثة هامدة.... فعاش نسراً ومات نسراً.‏

- إنها قصة ترمزُ إلى الاعتداد بالنفس، والحفاظ على الكبرياء، ورفض مواقف الذل والهوان، ولو أدى الأمر إلى أن يقف المرء على عظام كبريائه.‏

* القصة الخامسة عشرة "غباء حمار":‏

هي قصة هادفة موجهة تدعو إلى أخذ العلم باليقين، لا بالظن والتخمين.... وأن يتأنى الفرد في استنتاج مايخطر بباله، مادام بإمكانه تحري الحقيقة والوصول إليها... كذلك تدعو إلى عدم التسرع في نقل الإشاعة، ونشر الأقاويل الكاذبة، قبل التأكد منها.‏

فهي تروي لنا قصة الحمار الذي فسر حالة انشغال الكبش الأبيض بما حلا لهُ أن يفسر، وراح يهرِفُ بما لايعرف حتى اجتمعت الدواب كلُّها وجلب الحصان الأربطة والعقاقير معه للإسعافات الأولية، قال: أفسحوا لي الطريق لأرى الجرحى وأسعفهم، هيا كلٌّ إلى عمله.‏

قال له الكبش: أيُّ جرحى تقصد أيها الحصان؟‏

فأخبره بما نقله الحمار من أن زوجته النعجة ولدت خروفاً بعينين كعيني الكلب، وذنب طويل جميل كذنب الذئب... فقال الكبش لا تكمل، فقد قصُّوا علي ماقاله الحمار... وشكر الجميع على نخوتهم ولهفتهم ومبادرتهم... واحتارت الحيوانات بما تفسِّر ماقام به الحمار إلى أن قالت العنزة: "إنَّه غبي فقط، لا يعرف نتائج مايقول ومايفعل... واستدعوا الحمار ليكرموه، فلماجاء، هجموا عليه، وأوسعوه ضرباً ورفساً وعَضاً... وقال الكبش للحمار: "يالغبائك الذي ليس له دواءٌ أو حلٌ، إني أعذرك".‏

ووجّه كلامه بعد ذلك للجميع "كل عامٍ وأنتم بخير، غداً عيد الأضحى أستودعكم الله، أنا على استعدادٍ للذبح، فالذبح أهون وأكرم من العيش مع هذا الحمار المفتري، الذي يجعل من الحبَّة قُبَّة".‏

وأخيراً، فإنها إن دلّت على شيءٍ تدلُّ على الغباء، وسوءِ التقدير اللذين اتّصف بهما الحمار.‏

* القصة السادسة عشرة "الجوزةُ والجبل":‏

إنَّها حواريةٌ لطيفةٌ بين الجبل المغرور الذي يشمخ تيَّاهاً، فتأخذه العزةُ بالإثم، ويغتر بفضله على الآخرين، ويتبجح بقدرته وادعائه بالرفعة، وينسبُ لنفسه كل فضلٍ، ويدلُّ على الآخرين بفضله وخيره... وبين شجرة الجوزِالضعيفة التي لم تستطِع مُحاجَته، إلى أن تصدى له النهر الذي عرّاه أمام الجميع، وجرّده من مزاعمه كلّها، وادّعاءاته الباطلة التي لا محلّ لها "تزعم أنَّك لا تحتاج إلى سواك، فأنا أروي أشجارك، وهي تزينك وتجعلك مقصدَ الناس، وتجلبُ لك العصافير، وتلطِّف الأجواء فيك، وتشدُّ إليك السحب التي تكلك بالثلوج... إنّ الطبيعة ياصديقي متكاملةٌ، كلُّ مافيها يعطيها قيمة، فامنح عطاءك بصمت وتواضعٍ، وتعلَّم من أمِّنا الشمس التي تمنحنا دون منَّةِ ودون حساب.‏

راحت شجرة الجوز ترفعُ رأسها... والعصافيرُ، والصخورُ، والتلالُ كلُّها تستمعُ إلى كلام النهر وترفع رؤوسها معتزّةً بدورها، وبمكانتها، خجل الجبل من نفسه وطأطأ رأسه خجلاً، وانفجر بالبكاء، فتدفَّق دمعُه نبعَ ماءٍ رقراقاً، ركض بين الصخور والأشجار منحدراً إلى النهر العذب، فعانقهَ واتحدا معاً في مسيرة عطاءٍ للحياة لا تنتهي، فصفق له الجميعُ... فسكن الجبلُ من يومها مطمئناً متواضعاً راضياً بمايقدمه" ترمي هذه القصّةُ إلى :‏

- بثِّ روح التواضع، ونشر قيم المؤاخاة بين الجميع.‏

- كبح روح الغرور، والتعالي على الآخرين.‏

- تبيان أنّ لكلّ فردٍ دورَهُ في هذه الحياة.‏

- أن يتحلّى المرء بروح العطاء، وخدمة الآخرين.‏

- أن يفتح قلبه للناس والحيوان، ويحترم الطبيعة.‏

وهكذا نأتي على أخر دراسة هذه المجموعة التي تضمنت "قصصاً تُراعي الاعتبارات التربوية في مخاطبة المرحلة العمرية الثانية للأطفال، وتدعو للحرص على القيم، ومحبَّة الناس، وعدم خداعهم، وإلى العمل والتمسُّك بالأهل والوطن، بأسلوب مبسط ينسجم مع خيال الطفولة وينميه" .*)‏

الأمل الكبير‏

بين مضارب الأهل من بني طيءٍ في سهول حوران الفسيح، نصبتُ خيمتي لأستريح، بعد سفرٍ طالْ، قُرابة أربعين عاماً، تناثرت خلالها أجزائي وكلماتي على امتداد ثلاث قارتٍ -آسيا، وأوربا، وأفريقيا- وعدتُ لأنعمَ بحرارة اللقيا، ودفء العلاقات، وصدق الوداد.‏

صحيح أنَّني اغتربت، وأسرفتُ في الغُربةِ، وتمثَّلْتُ "بروتوكولات" الحضارة كلها، ولكن أوتاد الخيمة ظلَّت مغروسةً في صدري، وقامات بنات القبيلة المشرَّعة كالرماح الردينية ظلت تسكنني وتتحركُ في خاطري، وأمسيات الربع تستبي خيالي وتخلبُ لُبي، ورائحة الشيح والقيصوم تشرشُ في رئتي.‏

شيء واحد ظل يلازمني من بقايا رحلتي الطويلة والاغتراب، هو "الإحساسُ بالزمن" هذا الإحساسُ الذي يُطاردني مع عقارب الساعة، ويدعوني لاهتبال دقائقه وثوانيه، فيُقلقني ولكنني راضٍ به، أوزّعُه بين عملي اليومي في الكتابة الجادة، وبين قراءة مايصلُني من رسائل الأخوان والأصدقاء ونتاجهم الأدبي والفكري والعلمي، ومايستجدُّ من كتب في مجال الاختصاص.‏

وبالأمس حمل البريدُ إلي "الأمل الكبير" ... والأمل الكبير قصةٌ أنيقةُ المظهر وربما المخبر، غِلافُها برَّاقٌ، ساحرُ الخطوط، يعلو جبهته اسمُ "محمود نجيب الفلاح" ... أقرأُ الاسم، فيشرق في فكري تاريخ، ويسطع في قلبي قبسُ حكايا، سمعتُها منذُ زمنٍ بعيدٍ - عندما كنتُ مدرساً لمادة اللغة العربية في ثانوية الصنمين، على بُعد خمسين كيلومتراً جنوب دمشق - عن تاريخ هذه الأسرة، منذ اليوم الذي استضافت به الملك فيصلاً في مطلع العشرينات من هذا القرن وهو في طريقه إلى دمشق لاعتلاء عرشها، حيث كانت مضافة عميدِ أُسرة الفلاح ندوةً للمشورةِ والرأي، ومآباً للثوَّار العرب إبّان مقارعة الاستعمار، وماقدّمت من شُهداء في ذلك الزمن، وماتلاه من أعصر، وكم عانى بعض أفرادها من ظلم وجورٍ وسجن وتشريد في مختلف العهود.‏

تذكرتُ كلُّ هذا وذاك، ولم أنسى طعم الديوك اللذيذ على مائدة هذه الأسرة إذ ذاك يوم كنتُ أُدْعى إليها في ذلك الزمن السحيق.‏

"والأمل الكبيرُ" عنوان قصةٍ متوسطةٍ الحجم تقع في مئةٍ واثنتين و ثلاثين صفحةً على ورقٍ أبيض صقيل، ولفت نظري ناشره(1) وأما المؤلف، فتربطني به وشائج صداقة لا انفصام لعُراها، وقرابةُ فكرٍ وحّدتْ أهدافنا، ومهدتْ سبلنا للوصول إليها.‏

بدأت ألتهم صفحات الكتاب، وصورةُ أبي بشار محمود تتكئُ على مسندِ كلّ حرفٍ من حروف كلماته، ونبرةُُ صوتِه تخترِقُ الأذنَ لتصل إلى القلب، وإشارةُ يده تلوحُ لي مع كل فاصلةٍ، ووراءَ كل إشارةِ استفهام... ورويداً رويداً نسيت أني أقرأ كتاباً، وإنما أنا مُشتبكٌ في حوارٍ مع أبي بشار، بكل مافي الحوار من حرارة، وصدق في الأداء، وعمق في التجربة... يرتفع صوتُه حيناً، ويخفِتُ أحياناً أخرى، يبتسم هُنا، ويعبس هناك، وأما قهقتهُ فأسمعُ صداها يتجاوبُ في أنحاء صدري، فتنعكس على قسمات وجهي وامتداد شفتيّ.‏

***‏

قرأت "الأملُ الكبيرَ" فقرأتُ فيها قِصَّة حياة محمود الفلاح، بشحمه ولحمه منذ أن اكتحلت عيناه بنور الحياة، في الهزيع الأخير من الثلاثينات، حتى عرفته رجلاً ولا كلُّ الرجال... رأيتُه يرسم حياةّ ذلك الطفل الذي ولد قبيل شبوب الحرب الكونية الثانية "في قرية بسيطةٍ، ضمن عائلةٍ متوسطة الحال مادياً، لكنّها معروفةً بشهامتها وكرمِها" كما دوَّنها... ولا ينسى ذكرَ أدقِ التفاصيل، وكأنَّه ركَّب على سنان قلمه آلة تصويرٍ، تلتقطُ كلَّ مايُعرض أمامها، وتُصوِّرُ بضوءِ القلب لا العين، وفي أحيانٍ أخرى تراهُ يُسلِّط الأضواء الكاشفة على بعض القضايا، فيجسِّمُها لك وكأنَّك أمام شاشةِ عرض للصورِ المجسَّمة "البانوراما" فترى الحدث، بحجم الشاشة واتساع الزمن، وتتصَّببُ عرقاً انفعالاً مع وقع الحدث، وتُهِمُّ أن تتحرَّك لنصرتهِ، حيناً، أو للدفاعِ عنه أحياناً أخرى.... وينجح محمودٌ أيّما نجاحٍ في عملية التوصيل حتى لَيجعلُكَ تشتبِكُ مع دفقاتِ الحدث، لاتدري، أأنت الفاعلُ، أم المُنفعل!!..‏

يجرَي كلّ ذلك تحت سمعِكَ وبصرِكَ ببساطةٍ وعفويّة دون تصيد لعناصر القصة، وشروطها الفنية، أو الإغراق في تقنية السرد والحوار، أو التلاعُب في تغيير أحجار اللُّعبة، ومهارة تنقيلها، بين الخطف خلفاً، أو اصطناع الحدث وتحريكه قسراً، أو افتعال التأزيّم للَفتِ النظر وشدِّ الانتباه... ويستعملُ لُغةً، إن لم تكن هي الدارجة اليوميَّة، فإنّها ليست العاميّة على أي حال، ولكنّها ليستْ المعجمية المقعرة أيضاً، ولا تخلوُ في كثيرٍ من الأحيان من لمساتٍ فنيةِ هُنا، وإشراقياتٍ بيانيةٍ هُناك.‏

محمودٌ، لاتهمُّه اللغةُ إلاّ بقدرِ ما تحملُ من طاقاتٍ تعبيرية قادرةٍ على تفريغ كلّ الشحنات الفكرية والعاطفية التي يمورُ بها خياله الرشيق، وإن وجدت كلمةٌ أنيقةٌ هُنا، أو جملةٌ رشيقةٌ هناك، فلأن محموداً شاعرٌ بالدرجة الأولى، وكاتبٌ من الدرجة الثانية.‏

الشتاءُ في المدينة درعا عند محمود، لا تُميزه عن الشتاء في قريته الصنمين نبوةٌ.‏

فالمطرٌ غزيرٌ، والبردٌ قارصٌ، والجوعُ يعضُّ المعدة الخاوية ويلتهم الأمعاء الفارغة... آه لو تقرأ معي جوع محمود!! وهو يصف الشاب محمودَ وزميلهُ في ليل المدينة الغريب. في زمهرير الشتاء، وقد عضُّهما الجوعُ بأنيابه العُصل ِ وقد خلا وفاضُهما من أيِّ عقدٍ على نقدٍ... "أمطارٌ شديدةٌ، وبرد وثلجٌ ويشعر الأطفالُ بدوارٍ وخورٍ، وألم في الرؤوس، وعشوةٍ في العيون... وأصبحوا لا يقدرون على المشي إلاّ قليلاً... غذاؤهم الماء فقط في أيامهم الثلاثة الماضية".‏

أرأيت؟! إنه الجوع... ولكنّه جوعٌ مغمس بالكبرياء، يحرسُه الحياءُ، ويصونهُ الإباءُ، وتنيرُ دروبَه أخلاق الحيِّ وتربيةُ البيتِ، وتقفُ أمامه سمعةُ الأهل والعشيرة، إنّه الجوع الإيجابي المتمنع، المتأبّي على الاستسلام، وليس الجوع السلبي المذل، الذي تنهدِمُ معه القيمُ، وتزلُّ به القدم في مهاوي التسوّلِ وإراقةِ ماء الوجه، وتسوِّغُ له المبُررات للانحراف، وماقد يحطُّ من قيمة الإنسان السوي، والمجتمع القويم المعافى.‏

هذا الموقف الإيجابي الرائع من محمود، أمام جحافِل الجوع الزاحف على البطون، ليس الموقف الإيجابي الوحيد في قصته "الأمل الكبير" بل يكادُ يندرجُ على المواقف كلها في هذه القصة، إن جاز لنا أن نسميها قصةً، لأنّني أرى أنها تندرجُ تحت عنوان مايُسمى بالسيرة الذاتية، أو البوح.‏

محمود، لا يريدُ أن يكتب قصةً فنيةً، أو أن يتقيد بشروطها الكلاسيكية المعروفة، إنما يريد أن يُسجل حياةً حيّةً نابِضةً، عاشها، ولازال يتحرك فيها، أو تحرِّكه خيوط اللعبة الكبيرة فيها... أجل يُسجل حياةً، ولكنها ليست الحياة الملطخة بسخام الواقع المتردي، إنّما الحياةُ الجميلةُ التي يريدُها الفردُ المناضلُ الشريف لنفسه، ولغيره من الناس، إنّه يريدُ للحياة أن تكون هكذا سمواً وارتفاعاً، حتى وإن لم تكن، والأمر بسيطٌ جداً لدى محمود، لا يحتاج إلى كبير فلسفةٍ، يوجزُه قوله التالي: "أن أكون فاضلاً أو لا أكون" هو يريد أن يصنع مجتمعاً عاشهُ حلُماً، ومارسه فكراً وعملاً، ويرفضُ أن يعيش كبعضهِم في ظلال التاريخ مطلولٍ بالفجيعةِ، مُرعدٍ بالهول، والذُلِّ -فهذه مسيرةُ كلِّ الأفراد المتفوقين النابهين في تاريخ الإنسانية الذين يصنعون تاريخاً لشعوبهم... فلربَّما تشبَّه محمود بهم، وانتهج سبُلهم.‏

وسط معمعة الجوع والبرد، وفي قمة التحدي الإيجابي لإشكالية الجوع، والإباء الشامخ لإنسان ريفنا السوري الذي يصوغُ جوهر الحياة، وتكسو العِزة أخلاقه، لم يُسئ محمودٌ إلى المدينة، ولا لإنسان المدينة، بل جعلنا نحسُّ معه دوافع الخير عندَها، وعلى حالها كما هي في الريف، بعيداً عن زَنخة الصراع الطبقي وهرتقة حقد البروليتاريا.‏

وهكذا تسندُ قيم القرية في وطننا خاصِرة المدينة، وتمدُّها بكل ماهو خير وجميل، لتشكلان معاً مسيرةَ صادقةً، على دروب الشيم العربية الأصيلة، وسنن الدين الحنيف.‏

والشيء الجميل الذي يُبهج النفس في "الأمل الكبير" هو ذلك الوعي المتنامي على امتداد الحدث، عند أبطال قصة الأمل الكبير، بدءاً من المدرسة الابتدائية، ومروراً بكل المراحل المتعاقبة، هذا التنامي الواعي الذي يُضيءُ الجوانب الجوانية التي تنعكس بالتالي على كل ما يحيطُ بالبطل، داخل هذا الكون الفسيح، فيفسِّرهُ، ويُفلسفُه، وينشرُ خيرهُ ومناقبه على كل ما يحيط به، ومن يتعامل معه بصدق، وأمانة وإخلاص، ويُحدد شكل رؤيته للحياة، ومايتوجَّب أن تكون عليه.‏

ولا يتوانى في رَتق جوانب الخلل في سلوكيات أبطاله، بل وإصلاحها، إذا كان في هذا الرتق وذاك الإصلاح يزيدُ شخوصه وعياً وتنامياً، وكأن محموداً كان يكتب ونصب عينيه أبطال ثلاثية نجيب محفوظ، الذين كان من أهم ما يميزهم، تنامي الوعي عندهم على امتداد الحدث والسرد الروائي.‏

وأبطال محمود ليسوا بالعمالقة الذين يصنعون المستحيل ويتجاوزون المدركات، ولا هُمُ الأقزام الخائبون الذين لا يلوون على شيءٍ أبداً، إنهم من عامة الشعب، أبناء عمال وفلاحين، من الذين تدفعُ الحياة مسيرة مواكبهم، فمنهم من ينجح، ومنهم من يخفق، ولكن الاثنين يظلان أسوياء، في نجاحهما وفي إخفاقهما، لا.تتعتهما الأحداثُ، ولا تقذفُ بهما هوج الرياح، فالخطُّ البياني للحياة عند محمودٍ هو هذا الخطُّ السويُّ الصاعدُ، وليس للهبوط عندَه حظٌ ولا نصيب.‏

أبطالُ محمودٍ من أبناء الطبقة المتوسطة، التي ارتقت بالعمل، تحت رقابة الأخلاق الصارِمة، والعرف والعادة، ولم تغزهم سمومُ الثقافة الفجَّة وتسطو عليه شطحات أنصاف المتعلمين الذين يظنُّون العلم ثورة على القيم الاجتماعية الجيدة، وتعهرُّاً في سوق المبادئ المستوردة، العلم لديهم ليست معلومات تدرس، ولكنه تطبيق وانسجامٌ مع قيم الحياة الخيرة يُضيئها، ويجعلُها ذات طعومٍ مُميزةٍ، يُغني الحياة ويُثريها، ويجعلُها تستحقُّ أن تعاش.‏

ومحمود، لا يقسِرُ أبطاله على هذا ولا على ذاك، بل يجعلُها سجيةً من سجاياهم، وهو لا يُنطقُهم، إلا بما يتلاءم مع تنامي وعيهم ومعارِفهم وتراكم تجارِبهم اليومية وخبرات حيواتهم المتساحبة على امتداد القص، وأخص بذلك أولئك الذين عاندتهم عجلة الحظوظ في الحياة وسننها، أو أولئك الذين كان ارتقاؤهم عسيراً على سلِّمِ الحياة، حتَّى ذلك الحارسُ الذي كانت تتبدّى لنا إيجابيات تجاربه، من خلال أحاديثه التي يُضمِّنها عصارة فكره.‏

الأحداث لا تغير طبيعة شخوص قصة "الأمل الكبير" تراجعاً، بل تدفعها إلى الأمام، وتزيدُها تصميماً على مواصلة الارتقاء، وهذالا يعني أن الكوارث التي تحلُّ بهم مفتعلة أوسطحيّةٌ، أبداً، بل لأن هؤلاء الأبطال أسوياء حقاً وغير معقدين، وهُم لايعرفون الحياةَ إلاّ صعوداً أو ارتقاءً... فالبطلُ الذي يُفصَلُ من المدرسة من الصف الثالث الإعدادي ، هو على الرغم من فقره وضيق ذات يده، لم ييأس بل ظلّ يُكافح بصدقٍ، وهبط إلى العاصمة، وعمل وتابع دراسته، وماشعرَ أنّ الحياة تنكرت له، ولا كانت سوداء متجهمة في وجهه، لأنّه كان مُقتنعاً بكلِّ خطوةٍ يخطوها.‏

وأوّل ما غزا قلبه مآذنُ المدينة وتسبيحُ الإله فيها، ثم مياهُها العذبة الباردة التي تقنعُك بنعم الله العميمة، ثم رائحة خبزها التي تذكرك بريح الجنّة، وأما صوت جرس القطار الكهربائي، الذي كان جزءاً من الفلكلور الدمشقي، فكان يُشجيه... ويمعن محمودٌ في رسم جزئياتٍ غابت عن شوارع دمشق اليوم وحواريها، يذكرُ باعة عرق السوس المتجولين ورنين طاساتهم، والسقائين بقربهم المعلقة على أكتافهم، يرشون شوارع المدينة، وباعة الصبار على الأرصفة بزركشاتهم وأصواتهم، وباعة الشوندر و"الحبوب" وغيرها من نمنمات الصُّور في صناديق الدنيا على ظهور المتجولين في كل مكان، هذه التشكيلة الرائعة من اللوحات التي تُغريك في الحياة، وتزيد المدينة بهجةً وعذوبةً، وتقربك منها فتحبُّها وتحبكَ.‏

يقول: "ما أجملك أيتها العاصمة!! ماأجمل حدائقك وأشجارك وأزاهيرك وأورادكِ!!" وليس عجيباً من محمودٍ أن يحب الطبيعة الحية الصاخبة في العاصمة الطربة الندية وأنهرها المنسابة شرايين حياة وعطاء، فهو ابن الريف الهادئ الظمئ المستكين، ليس ذلك فحسب بل لأن محموداً وأبطاله لا يُضمرون إلا الحب، ولا يوجد في قلوبهم مُتسع لغير الخير والجمال... حتى أن ذلك انعكس على حياة محمود بعد ذلك، فأفنى سني عمره، يحبُّ حتى الذين سبَّبوا له المتاعب وناصبوه العداء... وكل ماكان يؤرقه، هو كيف يتسع هذا الإهاب الإنساني الذي خلقه الله في أحسن تقويم، لغير الحبِّ وقيم الخير والجمال!؟‏

ومع ذلك محمودٌ لا يستنكر شرورَ الحياة، ولا تأفُّفه مِنها، لأنه يعتبرُها قضاءً مقدراً لابُدّ من نفادِه، وماعلى المرء إلاّ أن يتلقى قضاء الله بصبرٍ لا ينفذ، وإيمان لا يتزعزع، وإنما يستلهم اللطف فيه.‏

ومادُمنا بصدد الحب الذي يحمله القاص تضاعيف قصته -هذا المعنى المجرد المظلومُ، الذي يواجهُ كلاً منا في ربيع شبابه على حينِ غرَّةٍ لانفهمهُ، ولا نستبطنُ أنفسنا عن كنهه، فنضلُّ طريقه، ونتعثر على دروبه في كثيرٍ من الأحيان، فينحدِرُ بالكثيرين منا، وقد يشفى البعضُ الآخر منهُ، تاركاً وراءَهُ جراحاتٍ تظلُّ بين داميةٍ ونازفةٍ، أمداً طويلاً، وربما على امتداد مسيرة حياته -وحين يقعٌ محمودٌ أو أحد أبطاله في بؤرة الحب فجأةً فيتعلق بزميلةٍ له على مقعد الدراسة، فهي وإن كانت كمايصفُها "جميلة لطيفة ذكية، فأحبها حباً عذرياً عميقاً نقياً طاهراً صافياً..." فإنّه يظل متزناً، عاقلاً، لا يعصف به الحبُّ، ولا يُتعتِعُه العشق، ولا يهونُ به الهوى، بل يتلقاه بنفسٍ مطمئنة، ويُباركه بقلبٍ منيبٍ، بعيداً عن العقد والنرجسيات، وكأنه أمرٌ طبيعي جداً لا ريبَ فيه، هوكذلك في الحقيقة والواقع، والخطأُ ألاّ يحبُّ الإنسان، إن لم يُحبب فلعلَّةٍ أو لمرضٍ أو لعقدةٍ ما... وقد أحبّ محمودٌ أو بطل محمود الحب الصحيح المعافى، الذي يرتقي بصاحبه إلى مستوى الخلق السوي القويم، فيدفعُه إلى الطُّهر والتعفُّف والنجاح، وحتى حين تعرض عليه فتاته الزواج منه إبَّان تقديمها فحص الشهادة الثانوية، حين حلَّ على أهلها ضيفاً لدى نزوله من الريف، يأبى شرفُه ومروءته أن يخدعها أو يغرِّر بها... ولكنه أيضاً لم يجرح كبرياءها، أو يستهين بعواطفها، يقول: "ولكن الشاب اعتذر عن الزواج حالياً، لوجود مهام وواجباتٍ أمامه، فظروفه صعبةٌ، وطلب تأجيل بحث الموضوع لما بعد الانتهاء من الدراسة الجامعية"، ويمضي كلُّ منهما في طريقه، فتتزوج الفتاة، ويتابع هو مسيرته الموزّعة بين انتمائه السياسي ودراسته، حتّى يُنهي دراسته الجامعية، التي فرضت اتجاهاتها عليه، ظروفه المادية، فكانت كليةُ التجارة نصيبُه، ويُقاسي بطلُه آلاماً جسيمةً لاكتساب لقمة عيشهِ، وينال مساعدة الجامعة، وهنا يستغلُّ هذا الموقف ليحدِّثنا عمَّا جرى معه في منطقته أثناء إنجاز إجراءات معاملة فقر الحال، ليُبين لنا سوء الإدارة، وفساد القضاء، وتفسُّخ أخلاق الطبقة الحاكمة في ذلك الزمن.‏

ويظلُّ بطلُ "الأمل الكبير" ملازماً لحركة التحرُّر الوطنية وللعمل القومي، ويدفعُ الثمن غالياً في كل مناسبةٍ من المناسبات الوطنية والقومية، ولكنَّها لا تفُتُّ في عضده، ولا تذهب هدراً، بل تضيف شيئاً جديداً إلى مخزونه النضالي، وتعمقُ تجربته التي ستُشكل الهيكل المستقبلي لشخصية البطل الذي يكتشفُ زيفَ الشعارات التي ضحى من أجلها، والإفلاس الفكري للحركة السياسية التي انضوى تحت لوائها، وضيع نصف عمرِه يُعانق طواحين الهواء، ويتبين له خلُّوها من أي مضمون نضالي، على المستوى الوطني، وعلى المستوى القومي، وتصل الأزمة إلى ذروتها، حين يُلقى به في غيابة السجن حينذاك، ليذوق أقسى درجات العذاب والهوان، ويكشف لنا ذلك من خلال رسالةٍ بعث بها إلى صديقته، سراً، تستحق أن يقف الناقد عندها طويلاً، يتملّى فيها ملامح مرحلةٍ مُظلمةٍ تلتها مراحلُّ أشد ظلاماً وأقسى عنتاً، رسّخت في نفوس الواعين من أبناء هذه الأمة عُقمَ كل المقولات السقيمة التي قادت إلى الهزيمة تلو الهزيمة ، فلا الوحدة تحقّقت، ولا العدالة الاجتماعية انتصبت، ولا الفقر زال، ولا العلم تقدّم، ولا المساواة ترسَّختْ، ولا الحريةّ أُطلقت.‏

وينكبُّ البطل في هذه المرحلة وما تلاها على المطالعة الغزيرة، لتظهر آثار الثقافة على تفكير البطل وسلوكه، وبخاصةٍ فيما جرى في محاورات أفلاطون وجمهوريّته الخالدة، ومن سبقه من عمالقة الفكر اليوناني كسقراط وأرسطو وغيرهما من علماء الحضارة الفرعونية والعربية ومن جاء بعدهم من أنبياء وقدِّيسين، مروراً بثقافة العصر الحديث، وما انتشر فيه من آراء الفلاسفة المثاليين والماديين والوجوديين والبرغماتيين وغيرهم.‏

وتتركز مطالعات البطل في موضوع التربية حول الجذور والأصالة، فيجدُها مجسّمةً في النبي العربي العظيم محمدٍ، ودينه القويم، وصحابته المرضيين، ويقفُ بإجلالٍ أمام شخصية عمر بن الخطاب، الصورة المثالية السامية للحاكم العربي المسلم، فيقول لنا واصفاً إياه: "حقاً إن الشاب كان يرى في ابن الخطاب الصورة المثالية للحاكم العربي، وكانت هذه الصورة مطابقة لماقرأه في التاريخ، ولحديثه آنف الذكر مع رفاقه، وإن على الحكام أن يسكنوا الخيام خارج المدينة، وأن يعيشوا عيش العوز والتقتير، ليكونوا كلاب حراسةٍ لا ذئاباً فاتكةً".‏

ويُتابع لنا تصوُّر بطلهِ للحياة ونقده للواقع قائلاً: "ولكنّه كان يشعر دائماً أن هناك تناقضات كثيرةً، داخل صفوف التقدميين، وأمراضاً يجبُ التخلص منها، وكاد يقتنع بأن هذه التنظيمات يجب أن يعادَ النظر فيها".‏

ثم يعرضُ علينا سيرة بطله، وموقفه من بعض القضايا القومية، فيحدِّثنا عن الثورة الجزائرية، وماأصابها من تشرذُمٍ، ثم عن الثورة الفلسطينية، وكيف أن البطل تنادى مع مجموعةِ من الشباب للكفاحِ داخل الأرض المحتلة، وكيف شكلوا تنظيماً سرياً، متدرج القيادات نفّذوا من خلاله عِدّة عمليات فدائية ميدانيّةٍ، ثم سَعوا إلى توحيد جميع التنظيمات في جبهةٍ وطنيةٍ واحدةٍ من أجل خدمة الهدف الكبير على الوجه الأمثل... وفي إحدى العمليات الفدائية داخل الأرض المحتلة يُقتل البعض، ويكونُ من نصيب صديقه حسن الوقوع في الأسر... ثم يروي لنا البطلُ تفاصيل كثيرةً ورائعةً عن أسره داخل زنزانات العدوِّ، وعن المحاكمات الصورية التي كانت تُعقدُ لإدانتهم مُسبقاً،ويذكرُ لنا طرفاً من الحوار الذي كان يدور في قاعات تلك المحاكم، بينَ القضاة والأسرى.... كما أراد.‏

وفي غمرةِ من حياته الوظيفية التي كان راتبُها مصدرَ رزقهِ الوحيد، يتعلّقُ بحبِّ زميلةٍ له في العمل تشاركه الفقر والفاقة، ويطلب الزواج منها، ولكنّها تصدُّه برفقٍ، معللة أسباب رفضها، فقر الطرفين، وهي تحلمُ بحياةٍ رافهةٍ وتحبُّ الثراء... ويفترقان، على أن يظلاّ صديقين.... وينفتح في قلب بطل محمود في "الأمل الكبير" جرحٌ جديدٌ أعمق من مساحة صدره، ليصبح هذا الجرح فيما بعد مصدراً لنبعةٍ شعريّةٍ حزينةٍ النأمةِ، ستورقِ في مقيلات الأيام لتنعقد ثماراً دانيات.‏

ثم تتوالى النكبات على بطل "الأمل الكبير"، فيرسب في نهاية امتحان السنة الجامعية الثالثة... ثم يمرضُ أبوه ويقضي نحبه "تاركاً وراءَه زوجةً وأحد عشر ولداً"... ليصبح هو المعيل الوحيد لهم ... ثم ينقسمُ التنظيمُ الذي ضيَّع عمره من أجله.. إلى يمينٍ ويسارٍ، وشيعٍ وأفكار، وهو الذي كان السبب في فشله في سنته الدراسية الثالثة، وما أصابه من ويلاتْ... إزاء ذلك كله يقرّرُ البطل اعتزال العمل السياسي، ويكرّس جهدَهُ لإطعام إخوته وتربيتهم بمساعدة أمه وأخواله.... ومن أجل ذلك، ناصبته عناصر تنظيمه العداء، ومارست عليه الضغوط، والإرهاب، ولكنه لم يرضخ ولم يستسلم، ويتابع دراسته بعد حرمانه من المساعدة الجامعيّة لرسوبه، ويتخرّج من الجامعة، ليعمل في مؤسسات الدولة، وتتحسنُ حالُه قليلاً ويظلُّ على صفاته وحبِّه لكلِّ أصدقائه من أحسن منهم ومن أساءَ... ثم ينهجُ كبقيةِ خلق الله فيتزوج من ابنة عم لأبيه، فتُسعده، وكأنّ القدر أرادَ أن يبتسم له ويعوِّضَهُ عن كلِّ ما أصابه من نكباتٍ وأخفاقات....‏

فتغدو هذه الزوجة له أماً وأختاً، وأباً، وصديقاً، تتسعُ أخلاقها لتستوعب البطل ومن لفّ لفهُ، مقدرةً لمسؤولياته الجسام، فتشاركه حلوَ الحياة ومرها، بنفسٍ مطمئنةٍ راضيةٍ، وقلبٍ كبيرٍ يتسع لحبِّ الجميع.‏

دون أن تغفلّ عن نفسها وبيتها الذي أصبح جامعةً يتخرجُ منهُ الواحدُ بعدَ الآخر، حتّى أنجبت، وربَّتْ، وعلمتْ، ومازالت تستقبلُ وتودِّعُ، دونُ كلل أو ملال، تتجدّد مع الزّمن وتشبُّ مع الأطفال والشباب.‏

إثر كلّ تلك الأحداث المروِّعة، وماأفاءَهُ الله على البطل القصصي لمحمود، تتعمق المشاعر الدينية لديه، وكأن القاص اتخذها وسيلةً ينقلُ من خلالها آراءه ورؤاهُ، فيحيا حياةً نظيفةً المظهرِ والمخبرِ... ويُعيدنا بلمسةٍ ناعمةٍ إلى سيرةِ بطله الذي يُصادق رجلاً يلقّبُ بأبي الهول، لطيف المعشر، حلو الحديث، نقيَّ السريرة، يروي على مسامعه رؤيةً أرمضته، تتصل بسبب أو بآخر بالكوميديا الألهية، لدانتي، أو برسالة الغفران للمعري، يخلصُ منه إلى أن الصدق سيكون الدستور الذي ينهجهُ الصديقان، ويخوضُ مع البطل في مناقشاتٍ، نطلّعُ منها على ثقافةِالمؤلف أو البطل، وسعةِ اطلاعِه... ويصبحُ المنهجُ الديني هوالناظم الرئيسُ لأفكارِه ومسلكِه، ويتمنّى على أصدقائه لو يُتابعونه طريقهُ، وينسجوَن على مِنواله.‏

ينتقلُ بعد ذلك ليحدِّثنا بطل "الأمل الكبير" بأسىً عن الخامس من حزيران وماجرَّهُ على الأمة من فَشلٍ وخيبةٍ وخُسران، ثم يردف ذلك بحرب السادس من تشرين ويشتركُ البطل فيها وقد أصبح ضابطاً مجنّداً، يُسهم في الدفاع عن حياض الوطن، وتنتهي الحرب ويعود إلى عمله مديراً عاماً لإحدى مؤسَّسات الدولة، حيثُ يتاحُ له خلالها زيارة كثير من بلاد العالم الغربي والتعرُّف على مافيه من جشعٍ للربح، وبلاد العالم الشرقي ومافيه من ظلم وجورٍ وانتهاكٍ للحرية، والتعرّفَ على كثير من طباع البشر في الشمال والجنوب، ولمس كثيراً من الجوانب المشتركة بين الشعوب، واستهوته الحريّةُ والصدقُ اللتان تمثّلان ذروة قيم الخير لدى المجتمعات البشرية، وزاد إيمانه عُمقاً بأن الخلافة الإسلامية الراشدة وحدَها القادرةُ على أن تحلّ كل قضايا الإنسان على هذا الكوكب.‏

وأما بيت الحارس البائس أحد الأمكنة التي غدت مسرحاً في القصة، فيخصُّه بصورة قاتمة من صور البؤس الذي يلتهم ذوي الدّخل المحدود في مجتمعِ المتناقِضات... فهو عبارة عن دارٍ استأجرها المديرُ العام "البطل" لا تتجاوزُ مساحتهاستة عشر متراً مربعاً، بارتفاع ستة أمتار" ركبت غرفتاه على غرفتين كأنّهما علبٌ من الكبريت، يُصعد للعلويتين بدرج من فسحةِ الدار الصغيرة، التي تشتِملُ على المنافع كالمطبخِ والحمام.... وكانت تستخدم فيما مضى بيتاً لحارس محطةِ سكة حديد الخط الحجازي أيام العثمانيين، وأُلغيت فيما ألغي من مرافق عامة في العهد الجديد، فاستأجرها "بطل الأمل الكبير" بعد أن قام بإصلاحها، وكان حفياً بها ينعمُ بالرضا وهدوء البال وضآلةِ الأجرةِ.. ولم يعكر عليه صفو حياتِهِ هذه إلا تلبيّه لدعوةٍ من أحد أصدقائه القدامى حديثي النعمة، الذين امتلكوا بين عشيةٍ وضُحاها، القصور الفخمة، والخدمَ والحشم- بملابسهم السوداء وقمصانهم البيضاء وأربطة العنق العرضانية "بابيون"... وتتجلّى هنا ثورةُ البطل، إذ لم يستطع أن يحتمل هذا الزيف وهو الذي يعرف ماضي صديقه وأسرته التي كانت دون خطِّ الفقر، فيخرجُ عن طورهِ، ويبصقُ في وجه هذا الصديق القذر، الذي يمثل قمّة التقدمية، والزنا في الفكر، والعهر في المبادئ، ويقودُ زوجته، ويغادر قصر الزيف، والبهتان، ويقطع أية صلةٍ تصله بصاحبه وإلى الأبد... وهوراضٍ كل الرضى عن نفسه، مقتنعاً بتصرفه.‏

ثم تتجّه أحداثُ قصة الأمل الكبير اتجاهاً مغايراً حتى نهاية الكتابِ، حيث يجتمع أصدقاء البطل حولهَ وفي بيتهِ، وتتكرّر هذه الجلسات بين الفينة والفينة.‏

منهم الاقتصادي الذي تخرج من أكاديميات أوربا، والآخر ضابطٌ من الجيش، وثالثٌ أستاذٌ في كلية الفلسفة، ورابعٌ صحفيٌ، والخامس أديب يساري، والسادس مُربٍ، والسابع محامٍ، والثامن طبيبٌ وأستاذٌ في كلية الطب، والتاسع عاملٌ في أحد المصانع، والعاشرُ فلاحٌ هجر الزراعة نتيجة القحط ونزح إلى المدينة طلباً للرزق فاشتغل حارساً في أحد المستودعات لِكبر سنه، وأخيراً زوجة البطل التي تمثل العنصر النسائي في هذا المزيج الغريب.‏

هؤلاء المجتمعون يجدون أنفسهم منساقين في أبحاث وطنيةٍ وقوميةٍ، تبحث أوضاع هذه الأمة المتدهورة، وكلُّ يُدلي برأيه، حسب درجة ثقافته، ووعيه، وفق منظورٍ اختصاصِه،ووجهةِ نظرهِ... بطريقةٍ حوارّيةٍ تقريريَّة متخصِّصة، ففي جلسةٍ مثلاً يتحدَّثون عن الشيخوخة ووجوب ضمانِها... وعن الضمان الجماعي لحمايتها من الفقر والعوز... ثم يتناولون في جلسةٍ أخرى نشوء الأمم وتشكُّلها، وهموم الأمة العربية... ومسؤولية الدولة تجاهَها بعمقٍ وإسهابٍ... وفي جلسة ثالثة، يُفصِّلون في مفهوم الحرية، والعدالة الاجتماعية، والديمقراطية، بما يُمتّعُ النفسَ ويرضي العقل، وهكذا تستمرُّ الجلساتُ والمداولات، فتستغرق محاوراتُهم هذه حوالي ثلثَ القصة "زهاء خمسٍ وأربعين صفحةً".‏

يتخلّلُ هذا القسم وصفٌ رومانسيٌّ رقيقٌ للطبيعة بسمائها ونجومها، صفائها وغيومها، بأورادِها وثمارِها، مما يجعلُكَ تنعمُ بظلالِ القمر وعبقِ الياسمين، ورقةِ الهواء العليل، مِمَّا افتقدناه في القصة قبل هذا القِسِم.‏

أما بعدُ:‏

فهل باستطاعتي بعد هذا العرض أن أنقدَ الكتاب؟‏

أو أن أكونَ موضوعياً في نقدي، وفي قلبي هذا الحبُّ الكبير لمحمود؟‏

وهل أبرئ نفسي من الانحياز إلى مصلحة صاحبِ الكتاب؟‏

لست أدري!‏

لقد كتبت فإن أصبتُ فهذه غايتي‏

وإلاّ فحسبي من حب محمودٍ ما يكفيني .‏

*) قرئت في أكثر من أمسية في محترف المؤلف بدرعا.‏

(1) "دار الأهالي للنشر والتوزيع بدمشق" وهي دارٌ معروفةُ بجدِّيتهاواتزانهامن خلال ماقدمته من منشورات حتى الآن.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244