في رحاب الفكر والأدب - الدكتور: علي المصري

دراسة - منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:35 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

نظرة فاحصة في ديوان عِطر اللوز

عِطرُ اللوزِ..ديوانٌ شعري قشيب متميز ، له خصوصيته، وطابَعُه، ونكهتُه، وطعومُه، التي لا تبلى على الدهر، وتجعله في منأىً عن التأثُّر بأية تجربةٍ شعرية أخرى.‏

نحن أمام صوتٍ شعريٍ قويِّ النبرة، واثقِ الخطوة، واسع العارضة. يدقُّ أبوابَ الكلمات، ليغتصب بكر المعاني، بجُرأةٍ وقوةٍ عظيمتين. لا يهابُ مِقصَّ الرقيب، لأنه يؤمن بوطن، والرقيبُ يؤمن بنظام. لا يخشى بياطرة الكلام، والنقيق في الظلام.‏

نحن أمام إبداعٍ شعري له طرافته الخاصة، وجرسهُ المتميِّز، وإيقاعاتهُ العذبةُ التي تأسُر القلبَ، مما يميزه عن أي إبداعٍ شعري آخر على روابي درعا الطافحة بالندى، المغمسة بالرغاب ، رغم كثرة العنادل، وترجيع الحمائم، وشدو البلابل والحساسين.‏

يتميزُ ديوان عطرِ اللوز بمفرداتهِ المعبِّرة: الوِحام، التشهي، دبيب، مرقى، بشمنا، المريدون، الفيض".‏

وتراكيبه المبتكرة، كقوله:"في بال عود، دبيب المليحات، تفترش الذوبَ، وتُقرئ غمَّازَتَيْها السلام، نعبرُ رعشة الأنسام، ترويدة الرُعيان، وأورق آيُ الكتاب، وأمطرتْ الفاتحةُ".‏

وبصوره ولوحاته البكر المبتدعة، كقوله: "مخطئٌ من قال إني مدرك فحوى السؤال، سطوةُ البدء تزيحُ الستر عن عُقم المحال، الجوابُ الفدُّ ما يُخصب في العقل سؤال، صيحة النورس للشاطئ للبحر انتماء، كانتماء القتلِ للمقتول عشق وانتهاء، السنديانةُ تنتهي لكنها تبقى مزار، نتوه ببحر اليقين المعلب في العنعنات، نُباع بطلسم حرفٍ أتانا من الغيب مثل السحاب".‏

تحس أيها القارئ العزيز، وأنت تقرأ قصائد هذا الديوان ،مياسم الفكر القومي الواعي الحصيف، الملتزم بوجدان هذه الأمة وطموحاتها، حيث يدفع الشاعر يوسفُ صياصنة تيَّاره الشعريَّ ليمسَّ أدقَّ التفاصيل ويلمسَ أخطرَ مفاصل الوجع في أساها. ويتغلغلُ الشاعر إلى أعمقِ مكامنِ الوعي بأهداف الأمَّة العربيَّة في الحريَّة والوَحدة...وتنفتحُ نوافدُ فكركَ بشغفٍ لتلحظَ سعة مناهلٍ المعرفة التي استقى منها الشاعر معارفه، وتلمس غزارة الثقافة التي يرود باسقاتِها، وكثافة المخزون المعرفيَّ بتاريخ هذه الأمة، والأحداث التي عصفتْ بها، حيث شكلَ منها الشاعرُ مادَّته الشعرية.‏

وعطرُ اللوز.. معرض فني باذخُ من معارض البلاغة، تتألَّقُ فيه موهبةُ يوسف صياصنة الشعرية في سماء اللغة التي تُشرِقُ في الضمائر . ويتأنقُ الشاعُر في اقتناص الصور الغارقة باللون والحركة والظلال. ويبدعُ في اصطياد أجمل اللوحات الفنية المزركشة ، فينثرُ في جنباتها أغماراً مكدَّسةً من الأفكار، والمشاعر، والعواطف التي قلما يتاحُ لنا قراءة مَثلها في ديوان شعري آخر.‏

يفجؤُكَ المعنى منذُ الصدمةِ الأولى، ويزدهيكَ كلما تأملته ، وهو يسافرُ فيكَ ، فينمو ويكبر بداخلك، وتكبرُ أنت فيه، فيتعانقُ كبرا كما إكليلاً من الغار ينضفر على حوافي الصور الساحرة، وعلى شفاه الحروف الغافيات على دنان النبيذ المعتقِ في معانيها، فتسكر ويتعتعُها عِطر المشاعر الصادقة في مفاصلها ، وروعة العواصف الساجية في مجاليها ، وتستبيها لوعة النقاط، ولهفة الفواصل الحافيات سعياً للوصول إلى المشاركة في تفقد شلالات مواكب المعاني والأفكار والمشاعر الراعفات في بحار القصائد.‏

القصيدة في ديوان عطر اللوز قلعةٌ حصينة ذاتُ أسوارٍ منيعةٍ ، لا تستطيعُ أن تنفذَ إلى كنوزها إلا بسلطان... لا تنفذ إلى مقالع العنبرِ والمرجان في معانيها، إلا إذا أعملت قدحَ زنادِ الفكر للإحاطة بأساطين بنائها، وأسريت عبر مسارب الزمرَّد والياقوت في مغاور رموزها المحيرة، إلاّ إذا تمثَّلْت الظلال والأفياء في صورها، واستوعبت زخارف فسيفساء أرضية اللوحات المنمقة...إذا أدركتَ سِرَّ أساطين بنيانها، وحللت الرموز القابعات في مغاورها وفككت أجزاءَها، إذا أضأت ظلال الصور، ونثرت كُنوزَ اللوحاتِ على مدى مساحة الرؤيا..فعندئذٍ فقط تَنْعتقُ المعاني أمامكَ من إسارها وتنهمرُ على اصابعكَ خيراً وبركةً ، فتغْمِزُأنفكَ وقَلبكَ وخيالك، وتُغرقُكَ بديمةٍ من الأنغام والموسيقى الهائمة، والعواطفِ الدافئة، ولا عاصم لك يومئذٍ من طوفانها إلاَّ الالتجاء إلى زوارق حروفها. فهي التي تنقلك إلى موانئ الشمس والضياء والنعيم.‏

القصيدة في ديوان عطر اللوز ليست هرماً موسيقياً صاخباً، عالي البنيان، متماسكَ الحلقات، تقرعُكَ موسيقاه الداخلية، وقوافيه الخارجية بسياطِ من نحاسيَّات الربابة، وعذابات نقرة الوتر الواحد... أبداً ، أبداً؛ الموسيقى في قصيدة عِطر اللوز مجموعة سواقٍ تتشكلُ هنا وهناك، لتنسابَ أنغاماً هادئةً، وأنساماً رقراقةً، وروحاً خفَّاقةً، وحفيفَ أوراقِ وردٍ تتراقصُ على شِفاه الحروف، وتختالُ بدّلٍّ على شُرفات الكلمات.‏

الموسيقى في القصيدة اليوسفية روح داخلية نشطة، تتمايل على سحبات الرصد، وتوجَّع الصَّبا والنهوندِ، بين مقاصير الحروف العائمات ، وغاباتِ الكلمات الساجية، حيثُ التفعيلة تسندُ خاصرة التفعيلة الأخرى بشوقٍ وحنيّه، تُغرقُكَ أيُّها القارئُ العزيز في دفَقْةٍ من الأنغامِ والضياء والظلالِ والصورِ والرطوبة الربيعية.‏

***‏

أغراضُ الديوان ومقاصده، تتشابكُ في القصيدة الواحدة، أيةِ قصيدة من قصائد الديوان ،فتحسُّ وكأنك في بستان داني القطوف يانع الثمر، تمدُّ يدكَ لتجني ما تشاءُ من رخصِ المعاني، ولطيفِ الصور.‏

1ً- فتتداخلُ القضايا الوطنية والقومية، بأبعادهما السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في العديد من قصائد الديوان، ويتماسك سداها بلحمتها، لتقدم لك نسيجاً متجانساً تسكنهُ روحُ واحدةُ، وتدفعه آمال وطموحاتُ واحدة، وتتلاعبُ فيه مقاديرُ شتى، كما في قصيدة "يا أمَّة أحبها" و"الموت بالمجان" و"مهلهل في زمان النفط".‏

يُحاصرنا زمانُ المَحْلِ.‏

واسترختْ على اجفانهِ الأفعالُ‏

والكلماتْ..‏

..نعافُ الريَّ من فنجانهِ المسكون‏

بالآلامِ والنكباتْ...‏

نرتدُّ ؛نُداري الجرحَ بالأوجاعِ‏

نستدعي هموم الأمسِ‏

نَغْسلُها من الأدرانِ‏

نُطلِقُها خَفافا...‏

نُحضِرُ المعشوقَ من أوراقه‏

الصفراءَ‏

نجلوهُ- كَما كُنَّا على الأيَّام..‏

تَوقاً وأنعطافا..‏

***‏

...مَن يُذيبُ السرَّ في الإبريق‏

وَالكاساتْ؟‏

يُعيدُ المجد للكلماتْ؟...‏

للأحزانِ تعبُرنا بلا آهاتْ...‏

ورغم مرارة الذكرى،‏

ورغم المحل يُخصبُنا،‏

حُضوراً بَيِّنَ القسماتْ..‏

يرشُّ العِطر للغاباتْ...‏

والشَّاماتْ للخدَّينْ،‏

جُنْحَ الليلِ للجفَنَيْن،‏

والألحان للناياتْ..‏

***‏

يُذوِّبُ عطرَهُ فينا‏

فيملَؤنا،‏

بماضٍ صارَ- في صحرائنا الجرداء-‏

بعضاً من أمانينا....‏

وحينَ نصارِعُ الأقدارَ‏

يزرع عشقَهُ فينا...‏

فينمو واحةً خضراء.‏

ينمو في مآقينا...‏

فنصحُو نجبهُ الأقدار‏

نصحو نُسرِجُ الأمهارَ‏

نصحو نُشْعِلُ الاقمارَ‏

نصحو نَشْكُمُ الظلماتْ...‏

***‏

الشعور الوطني ، والشعور القومي، هاجسا الشاعر، يسكنانه، ولا خلاص له من إسارِهما، منهما يبدأ ، وإليهما يُغنِّي وينشدُ.‏

والوطنُ عندَ الشاعر أُلفَةُ الناس، وانتماء إلى الأرض وذوبانُ فيها، لا مجموعة ولاءات يوزِّعُها بين زيدٍ وعبيدٍ من البشر.‏

الأرضُ عند يوسف تبدأ من درعا، منها ينطلقْ وإلى صدرِها يعود. الطريقُ إلى دمشقَ يبدأ من درعا، والطريقُ إلى مصرَ يبدأ من درعا، والطريق إلى المغرب العربي وبقية العالم يبدأ من دَرعا..الطريق إلى "بابلو نيرودا" و"عِزْراباوْند" و"إلزا أراغون"و"ناظم حكمت" يبدأ من درعا. كما في قصيدة ياأمةً أحبها، وعطر اللوز، وفي الشك منجى.‏

...أهلي ، وعشاقي‏

وعطرُ اللوزِ- في أردانِكُم-‏

بُرْئي...‏

فمنْ يأتي بقُمعِ الطيبِ‏

- من ذرعاتَ-‏

يُشفْيني؟‏

فأعيطه اللآليءَ‏

والعقيقَةَ ،والصبيّْ‏

***‏

ما حارتِْ الأبصارُ.‏

ما انكشفتْ لغيرِ الطيبِ‏

في "الزيدي"‏

وموج القمح في "الخمان"‏

والأطلال في" الشلبي"‏

وفي "المنشيَّة" ابتردت‏

بريح الغرب، والزيتون،‏

والرمان، والعنب،‏

مشت في "تلةِ السلطان"‏

فامتد الطواف بها‏

إلىالأردنِّ‏

مارتاحتْ‏

ولا من حولها النُسَّاكُ‏

قد وهنوا، من التَّعبِ(1)

***‏

وها هو الشاعر يوسف يردُّ على الذين يلومون انتسابه للأرض، لدرعا ويعجب من نقدهم هذا، ويرد عليهم بأسً ولوعةً، مستهجناً تنكُّرَهمُ لمسقط رؤوسهم كما في قصيدة لمن أغني.‏

يلومونَ انتسابي‏

للْحمى،‏

للتربةِ الحنَّاءِ،‏

للإنسانِ‏

تَرْبطُني به الغصاتُ‏

والنُعمى.‏

فأمِسِكُ معوَلَ الفلاّحِ‏

من شوقٍ‏

يُلاقيني.‏

فنخرجُ قبل أنْ تصحو‏

ديوكُ الحي‏

والقطعان.‏

أواسيه، يُواسيني‏

فأغويه ، ويُغويني‏

فنفتح سرةَّ الدنيا‏

-نزيلُ بكارة البستان-‏

نلمَسُ نهدَها في عشقِ‏

بستانيِّ للتفاح.‏

نُثلِّمها- كجرحِ الوردِ-‏

نفتحُ خصرَها للريح،‏

نمشط شعرها المشلوحَ‏

أغماراً.‏

ونخصبُ رحمها‏

تستعجلُ الميلادَ‏

تنهضً جنةً خضراءْ.‏

تسمعنا حديثَ البوْحِ‏

تسحُرنا‏

بكلِّ مفاتن الأُنثى‏

بكل نضارةِ العذراء‏

بالمشقوقِ..بالمفلوقِ‏

بالريان للعشاق‏

- في حقلٍ فسيح تاه-‏

في الأطياب والألوان‏

***‏

يتصدى الشاعر بعد ذلك وبأسلوب مريرٍ ساخرٍ، لقضايا الفكرِ القوميّ، التي ماعَت، وشطَّتْ واختلطتْ ببعْضِها ، فما عُدْتَ تُمَّيزُ الرؤْيا، ولا تعرفُ ما الصوابِ. ..تلكَ القضايا الضروريةِ والملحة، والتي تتركزُ وللأسفِ فيما لا يُمكنُ تحقيقُّه على أرض العرب في الزَّمن الحاضر أبداً، أنها الحريةُ والوحدةُ ، مؤرَّقتا كلِّ نظامٍ من الأنظمةِ العربية القائمة، أو النائمهْ .‏

غنية؛‏

تميتها التخمةُ،‏

مثلمات يُميتُها السغَبْ..‏

قويةُ؛‏

تطيرُ الصاروخ باتجاه صدرها.‏

وتغرز السكين في الركبْ..‏

وفي الدفاع والهجوم‏

سيفُها خشبْ...‏

تجزَّأتْ أوصالُها‏

كما يُجزَّأُ البطيخُ‏

أو يُفرطُ الرُّطَبْ...‏

تشرنقتْ‏

-على حوافي الموت-‏

ضرعُها سبيل للتجارِ‏

- في موانئ الحيتانِ-‏

قمحُها جَلَبْ..‏

ورُمْحُها جلَبْ‏

وكُحلُ حورِ العين- في جَنَّاتِها‏

جَلَبْ..‏

دَجاجةُ تُقلِّبَ الرمالَ‏

لليمين والشمال‏

لا يطالُها تعَبْ..‏

..بأن يكونَ زيتُها وقطنُها‏

معادلَ الدولارِ والذهبُ...‏

وصاحبُ السُموِّ‏

مثلُ صاحب القرار‏

-من أقرانِه العشرين-‏

مثلُ ناقة البسوسِ‏

في مصارِفِ اليهودِ تُحْتَلَبْ..‏

ويأكل"الكافيارَ"‏

قبل نومهِ، وبعدهُ‏

-ويلحسُ الزلوعَ طولَ يومهِ-‏

ويلبسُ الديباجً...والحرير..والقصبْ‏

ويشفُط الحَبب...‏

***‏

حتى هذه الحريةُ ، وتلك الوحدةُ ، يبدأ بهما الشاعرُ من درعا.. هذا الانتماءُ الأصيلُ للأرضِ، لمسقطِ الرأس، للإنسان، يُعطي الشاعر يوسفَ صياصنة بُعْداً وطنياً وإنسانياً قلَّ نظيرهما، لأنَّ التجارب الإنسانية الحقة، والمعاناةَ الإنسانية الصادقة، واحدة على هذا الكوكب، وكلَّما كان الأديبُ أو الشاعر صادقاً أميناً في نقل تجربته المحليةِ، كان أقربَ إلى الإنسانية آنئذٍ من أيَّة لحظةٍ أخرى .عُدْ إلى معظم القصائد تجدها طافحة بمثل هذه المشاعر. من مثل قوله:‏

فقولي :وقولي، وقولي‏

فعاشق أرضٍ‏

يزور العشيات..‏

دوما..يُوافي‏

"نبوخذَ" أَسْرجَ فيه فتيلاً‏

ليشرحَ للخلقِ‏

سِفَر الرُّعاةِ...‏

البوادي‏

الذين أضاؤوا شموساً‏

وأعلو بناءَ الهدايةِ والعلمِ‏

بينَ الشعوب.‏

طويلاً...‏

وفي كلِّ سَفح ظليلٍ ووادي‏

وأسْرَج للرفضِ خيلاً‏

تقيِّدُ كُلَّ الطيور.‏

وتمضي إلى الفتح‏

تُعلي قباب الشهادة‏

حتى عنان السماء‏

وتمضي‏

ولا شيءَ يوقفُها عن سبيل الجهادِ‏

سوى النصرِ‏

إرجاع كلِّ البلاد السبايا‏

وتوحيد كلِّ الجهات الحبالى‏

بمجد يعود‏

منَ الماءِ للماءِ..‏

ويفتح كُلَّ السجونِ ،السواليلِ‏

يُخرجُ كلَّ القيودِ‏

الحدودِ المنافي..‏

***‏

2ً- يلجأ الشاعرُ في أغلب الأحيانِ إلىالرمز ، يُخفي وراءهُ ما يشاءُ ، فيقوده ذلك إلى حلباتِ الفكر الصوفي ومجاليهِ..فتعال نصْطَلي معاً في جحيم البحثِ عن الحقيقيةِ المطلقة، التي شغَلتْ الإنسانَ منذُ أنْ درجَ على دروب هذا الكوكب الحائر...تعالَ ندخلُ مجالي الفكر في قصيدة "العومُ في بحرِ ليلى"لترى كيفَ يذوبُ السؤالُ على أبواب البحث، ولترى كيف يسبُرُ الشاعر كبد الحقيقة ليصلَ إلى "النرفانا" حيث السعادةُ الأبدية، وانظر كيف ينبعُ صِدقُ الشاعرِ في حدسهِ، لأنه ينبعُ من عمقِ إيمانه فيما يعتقدهُ، وما يقوله معتبراً عن هذا الاعتقادِ... تعال نلمَسُ الحيرة للوصول، تمزُّقَ قلبَ الشاعرِ، وعقله في قصيدةِ "كيف " وهي تدقُّ أبوابَ الذاكرة على تُخومِ الضياع:‏

من يُرينا؟‏

كيفَ يَطوينا،‏

الوجودْ؟‏

مَنّ يُرينا؟‏

كيفَ صارَ الطينُ‏

دودْ؟‏

منْ يُرينا؟‏

كيفَ بَعدَ الموتِ‏

نبقى؟‏

مِثلَ لحنٍ،‏

خالدٍ،‏

في بالِ‏

عُودْ؟‏

في الديوان كما سترى يا قارئي العزيز، نأمةُ صوفيةُ مغرقة في دروب البحث المضني عن مقامات الوصولِ إلى المحجةِ الأبدية.. ولكنها ليستْ الصوفيةَ الضبابية المتشحةَ بالهلوسة واللاوعي،التائهة ما بين أقطار السماوات والأرض..بل هيَ الصوفيةُ المعافاةُ ،التي تقوم على الوعْي، والنشاطِ الذِهني، في البحث عن الحقيقةِ الكونية المطلقة، فإليكَ نسوقُ هذا الشاهدَ من قصيدةِ "تراتيل غير صوفية"‏

بِبِرِّكَ يا ربٌّ!!‏

كيفَ الوصولُ إليكَ؟‏

لنمضي..‏

ونلعبَ بالنارِ.‏

نقرعُ كلَّ النواقيسِ...‏

نَعفي جميعَ النواميس..‏

من وزرها والنظامْ...‏

ونُشعلُ كلُّ المآذنِ بالذكرِ‏

نرقبُ إبداعَ عرشِ جديدٍ‏

و"كرسيَّ" آخر‏

أكبرَ‏

أجملَ‏

أكملَ للسرِّ‏

أَلْيَق بالواصلين إليكَ!!‏

وللعشقِ نتلوا،‏

مواجيدَ آدمَ‏

سراً وجهراً‏

فأيُّ المواجيدِ أليقُ فيكَ؟‏

3ً- أما الغزلُ في ديوان الشاعر يوسف صياصنة، فهو متداخلُ مع غرض الوصف، ومشتبكُ فيه...ونستيطعُ أن نحكمَ أنَّ غزَلَ الشاعر ليس ذلك الغزلَ الرقيقَ الرطب المتشهى الذي يرشحُ عاطفةً ورياً وصبابةً... ولا هو ذلك الغزل العُذريّ الذي يترفع عن أوصاف الجسدِ المادية، والإيغال في نقلِ تفاصيلها..ولا هو ذلك الغزل العُمرَيّ المسافر في تفاصيل الجسد وأغراضه، ووصف جمر اللقاءات في الليالي المقمرات.‏

لا هذا ، ولا ذاك..إنه مزيج متجانسُ من كلِّ هذا وذاكَ، وأهمُّ ما يميزُه ذاك المنحى العقلي، الذي يظلُّ فيه الذهنُ رقيباً وضابطا لخفقات القلبِ، وراتعاشات الفؤاد. ومن جراء ذلك قد نحسُّ بعضَ اليبس والجفاف في عاطفة الشاعر في بعض الأحيان، على عكس ما شاهدناهُ في شِعره الوطنيّ والقوميّ والاجتماعيّ، حيث تتدفقُ العواطفُ مشتعلةَ لاهبةً، وتنثالُ المشاعر جياشةً حارةً، ويتفجرُ الصدقُ على شفاهِ الحروف...ومع ذلك، فإننا لا نستطيعُ أن نجورَ في وصفنا لعواطف الشاعر ومصداقيتها وحرارتها في كلِّ الأحيان.‏

والشاعر يوسف لا يفتعِلُ الحبِّ، ولا يخُطِّطُ للمواعيد، إنما هي سوانحُ قلبٍ شفهُ الوجدُ يوماً، وساقتهُ العواطف إلى مذبح الحبِّ.‏

المحبوبةُ في ديوان الشاعر ليستْ بدوية مترفةً، ترفلُ بعباءتها فوق مبذلها..ولا هي قروية حصدتْ أشعةُ الشمس زغبَ المُخْمَلِ من وجنتيها..أبداً، إنها غادة متمدنة، يلهثُ الصيف على خيطانِ قميصها الأرجواني، وتنفلتُ عنها الثقافات مُعبرة بجملةٍ مؤنقةٍ هنا، وإيماءة رشيقة بأطراف الأنامل الصبيغةِ هناكَ، وخصلةِ شعرٍ تتناوسُ على هلالِ جبينها، وتهمس العطر في أُذنيها، كقوله:‏

يا منْ رأي!!‏

شلاّلَ طيبٍ‏

صَبَّ ذوْبَ المِسْكِ‏

- مُرتاحاً على الأكتاف..‏

يختارُ منَ الألوانِ‏

أحْلاها-‏

وَسَمَّرُ مكان؟...‏

ويظلُّ الحبُّ عندَ الشاعر عقلياً كما قُلنا. قدْ يزول . ويعفو عليه الزمن، إلاّ أنَّ الجمرَ يظلُّ يتلظّى تحتَ الرمادِ، ويبقى الصدى مُرتسماً على صفحاتِ الذاكرةِ،كقوله:‏

وستبقى القبلةُ الأولى‏

-على المقعدِ-‏

عَقدَ الفَلِّ‏

تهديه إلى الآتين‏

-للذكرى-‏

وترويه إلى النساكِ‏

-في الحضرة-‏

آلافُ النجوم...‏

***‏

هكذا مررْتُ برياضِ ديوان عِطرِ اللوز، للشاعر والأخ والصديق يوسف صياصنة...أستوقفتني وردة هنا، وتعلقتْ بأثوابي فُلَّة هناك...تعمقتهُ، سِرْتُ في أفيائه وظلاله، وحاولتُ أن أدرسهُ..‏

ولكنْ بيني وبين ذلك شأوا بعيداً ..وما نثرْتُه من سطورٍ سابقات ليس سوى صُوى على دروبِ هذا الديوان.‏

يخطئُ مَنْ يظنُّ أنَّهُ قادر على الإحاطةِ بمعاني قصيدةٍ واحدةٍ من قصائد يوسف... فكيفَ يحقُّ لي أنْ أزعُمَ لنفسي أني قادرُ على الإحاطة بديوان عِطْر اللوز كله؟ وهو الذي صاغهُ من مِزَقِ قلبه، وآهاتِ روحه، ونشرَها على حبالِ الوجدِ والضنى، غناءً حُلواً على المدى.‏

لقد اجتهدْتُ ، فإنْ أصبتُ فهذا حُبي ليوسف، وإنْ أخطأْتُ فلي من قلبه الكبير الصفحَ والغُفران.‏

والصداقةُ الخالصةُ من وراءِ القصد.‏

(1) ما بين قوسين كلها أسماء أرضين ومواقع في درعا‏

n الفصل الثالث n ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ‏

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ n البحوث والدراسات الشعرية n‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244