في رحاب الفكر والأدب - الدكتور: علي المصري

دراسة - منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:35 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الشاعر سليم عياش

فضاءت "ملكِ الغابات " همس حول القصيدة‏

نحنُ أمام نص أدبي متميزٍ ،عميق الغور، يتغلغل إلى عمق أعماق النفس الإنسانية في انسحاقها تحت كُعوبِ المهمازية السلطوية الغاشمةِ، ليكشفَ لنا عما يتلاطم فيها من صراعاتٍ نفسيةٍ لقلق مُسافرٍ يُريدُ أن يتمردَ حتى على السماء، ذلك كلهُ من خلالِ حُلمٍ بشريٍ، يطمحُ لاختراقِ حُجبِ الغيبِ، علهُ يوصلُهُ إلى مَحجّتَهِ التي لا وصول إليها.‏

والشاعر سليمُ عياشٍ. في حُلمهِ هذا - أو لنقل في حُلمِ القصيدة المحددةِ بين أيدينا- جنازةٌ لقلقِ الإنسان الذي اغتالته الحيرةُ، وافترسته الكُعوبُ الحديديةُ على بَوّاباتِ القلق الذي يُدَمِّرُ كلَّ مُرتكزاتِ العقل الباطن، في فيضٍ من اندفاعاتِ الفكرِ الإنسانيِّ المُتسامي على شكل فقاعات غير هوائية، هذا إذا أبقتِ الحياةُ الآبقةُ شيئاً منَ العقلِ المتأينِ في الأعماقِ القصيةِ منهُ- يظل مستيقظاً.‏

وينحو النصُّ "ملكُ الغابات" الذي نُعالجهُ منحىً رمزياً، بل رُبما مُغرقاً في رمزيته، بسبب افتقار أبجديتنا المادية المنشأ إلى أبجدية تتحدثُ عن العمليات النفسية الموغلة في ما يمكنُ أن نسميهُ حافة الحُلمِ، أو حُلْمَ الهاوية الفاغر الشدقينِ لالتهام كل ما يمكن أنْ يُسافِرَ في تراكماتِ الذَّات الإنسانيةِ الواعيهِ من جزازاتِ اللاوعي المتكاثفِ في دُروب مقاماتِ الوصول إلى أشواقِ اللاوصول لحقيقةِ هذا الكون المُلْغِزِ.‏

لمْ يجدْ سليمُ سُلَّماً يَرْقَى عَلَيه ، أو بهِ ، إلى شُرفاتِ جحيمه أوْ "نرفانته" الَّلتين لا يريد أن يرقي إليهما إلا ليبدأ مسرحية القلقِ منْ فصلها الأوَّل ، لحظة انطفاءِ الكواكبِ الغاربة قُبيلَ رفع الستارةِ عن بدءِ الفصلِ الأوَّل من لعبةِ القلق في الحياة، أوْ لِنقلْ عبثيةِ الحياة، وإشكالاتها . وهل يجدُ سليم كهذا السلم غيرَ الحُلْمِ مطيةً يَرقي بها أوْ عليها، أوْ أنْ ينْزَلِقَ فيه؟! يقول:‏

مَلِكُ الغابات...وَالزَّوابِعِ‏

يتشهَّى تاجَهُ.‏

كالريح يجيءُ‏

مُثقلاً بضباب المفازات والقُبَلِ.‏

وَوداعاً مُحْرِقاً ،‏

عابراً.,.. كتيهِ الغروبِ،‏

نافذةً للّرُؤى...والبنفسج.‏

مُفعماً بالرُّخام المعَتَّق،‏

قصيدةً:‏

مَداراتُها، نُصولاً،‏

أَثْخَنَتها الكلماتُ الجريحة.‏

غزا نُسْغها طحلبُ هُلامي‏

ليَزُفّ للخليفة أحوال‏

بُحيراتِ الحزن.‏

وكيف تُّسكبُ الأحلامُ‏

في جُمم الريحان..‏

أبداً ..أبداً الحلمُ هو الزورقُ والشراعُ اللذان سينقُلانه من بؤرة القلق وحُمياها، إلىواحة مُثقلةٍ بأوجاع السؤالاتِ التي تتوالدُ بعضها من بعض ، دون أن تُفكرَ في دفاترِ الإجابات عن جواب.‏

فملك الغابات الذي تاه في فجاج آفاق انعدام الرؤية والزوابع ، ينزف شهوةً ، ويتقطرُ رغبة أن يبلغ مُرتقاهُ حاملاً على كتفيه كل أعباء القبل والمفازاتِ المغلفةِ بضباب الرياح السافية لآمال الخلائق التواقة للخلاص...أوْ أنْ يُودِّعَ قلقهُ وحيرتهُ على شرفاتِ غروبٍ مُشتعِلِ الأطرافِ الموغِلَةِ في التيهِ...لتنفتح للرؤى البنفسجية احتمالات في أقصى إمكانات غايات الوصول، إذ الوصول مستحيل، لانغلاقه بنوافد معتقةٍ بالرخام المتداعي تحت مطارقِ قصيدةٍ تفتح جراحات النفس المعذبة، التي تتجاوزُ حدود الطعنة النجلاءِ في رَحمِ الكلماتِ الجريحة، التي تنهالُ على نُسْغ الحروف ارتشافاً لأهوال المآسي، وتُمزِّقُ غلالةَ التوقِ لبلوغ الحُلمِ المُشتهَّى طحلباً مُضمخاً بغُبار بحيراتِ الحُزنِ الذي أغرق الخلائق بطوفانه العقيم الكانع في موانئ القلق، ينتظرُ كالآخرين، على رصيف الأمل، بُشرى الخلاصِ في عبقِ الريحان الحلم:‏

كالطوفان...تجتاحكَ اصداءُ العُصورْ‏

كيْ لا تصيرَ جَراحُكَ،‏

مَواكبَ بجع.‏

وفضاءاتك مقاصلَ،‏

تغتسلُ براياتِ دَمِكَ...‏

رفقاً...أيا ملكَ الغابات والزَّوابع!‏

لمَ كُنْتَ جمر السُّؤالِ المفزع؟‏

يُوْمَ أنْزلُوك الجُبَّ‏

أو السجنَ‏

أو القبرَ...سيانَ.‏

فقدْ طوَّقتْ عيناكَ‏

أعناقَ مستقبلك الدامي.‏

وغابتْ عن أعينِ الحراسِ‏

خُطى أماسيكَ الواعدهْ،‏

وعبثاً حاوَلوا؛‏

إسقاط ميلادك...‏

من دفاتر الأحلامْ...‏

ولكي يبقى سليم ممسكاً بخيوط اللعبة- بعد أن أُسْدلَ الستارُ على نهاية الفصل الأول من حُلْمه النازفِ شُقْرةً في بلقع العلقِ- يمتطي صهوةَ الرؤى مخاطباً الحلمَ الواعدَ نفسه ، الذي همى عليه أشتات أحلام اندلقت كالطوفان لا تُبقي ولا نذرُ؛ ويُبشرهُ بنهاية الفصل الأول الذي انتهى منْ حُلْم قصيدته؛ عن الهزيمة الساحقةِ التي مُنِيتْ بها أسرابُ الجراد الغازية للتجسس والرِّيبة ، عبر نوافد الرخام البارد للرؤى البنفسجية في مدارات قصيدةٍ أثخنتها الكلمات المطعونة بنصال الطحلب الهُلامي الذي تسرب من خلال شرايينها حاملاً رسالة الدمار النهائي الطافي على سطوح بُحيرات الحزن في نفوس الحزانى، إلى جلالةِ العُهْرِ السُّلْطاني، عن سرقةِ أحلامهْ الوردية، وتحطيم مُقوِّماتِ حُلمها حتى في الأحلام ذاتها، المطلة على أشباح قصيدته الحالمة في حُلمه.‏

وها هو ذا في مطلع الفصل الثاني منْ مأساته يحذره من اجتياحهِ بطوفانِ أصداءِ أعمارٍ، يظْنُّ أنها ما زالتْ باقيةً، قبل نفاذ الزمن الغافي على ضفاف الجراحات، أوْ أهدابِ الرؤى ، مواكب للفَرح الراقصِ في مُؤقِ حُلْمه الذي رُبما استحالت أهدابه إلى مقاصل تغتالُ نسمة الفرح، وتغتسل في بحر دمه المسفوح بمهرجانٍ جنائري ، تخفقُ في فضاءاته راياتُ التشفي والانسحاق معاً.‏

فرفقاً...ايها النزيفُ المتدفقُ من شُرفاتِ مأساة ملكِ الغابات والزوابع...‏

رفقاً بنفسك أيها الحلم الحالم المزروع في رحم العذابِ ، في خاصرة السؤال المقلقِ المفزع في ذاكرة الأيام..‏

لا تُلقِ أسرابَ أمانيكَ ، بقاياكَ في أَتون القلق المتأجج بنارِ الحيرة في السؤال. وتمرّد على السِّجن ، على القبرِ . وسطرْ ملحمةَ البقاء ، محلمة انتصار الذات على الذات. ولا تقبل بأقلَّ من انتصار سيزيفَ على آلهة الأولمبْ.‏

ولتبقَ عالياً مُحلقاً في آفاق آمال الحلم المطرزة بخضاب المستقبل الدامي في غابة الجواسيس وأعُينِ النواميس...وخُضْ لُجَّةَ الانتصار ِ الواعدةَ بانتصاراتِ آتيةٍ ، رغم المحاولات العقيمة لمحوكَ وطمسِ معالمك....‏

ولكن ، لن يستطيع الزمان إيقافها، ولا فرسانه من اقتحامها، لأنَّ عينيْكَ الباصرتين اخترقتا أسداف مستقبلِ أيامكَ القادماتِ ، وطوقتا خصر الزمن المتداعي كما صاغوهُ ، وأرادوه ...وعبثاً حاولوا ويحاولون ، لأن زمنك عزمكَ تأبيا على الزوال، تحت مطارقِ مُطارداتهم المتوالية، وغاراتهم المتعاقبة على تخوم ميلاد عقائدكَ، قصائدكَ الممطرةِ على دفاتر الحلمِ في سفر النضال.‏

رسائلكَ منافٍ.‏

أنَّاتك ظلالٌ‏

وارفُ لونُ دَمِكَ.‏

تجتركَ السياطُ.‏

وتمضغكَ الآلامُ.‏

والسُّرادِقُ يتسعُ،‏

وتتراكمُ في الرُّدهِ،‏

-المنسوجةِ مِنْ أنين-‏

بقاياكَ‏

وبقايا قوس قُزَحْ...‏

فيا أيها المسيح المهاجر !! الذي صلبَ جلاديه على جُدرانِ الزمن، وظلتْ رسائلهُ منافي واغتراب رُؤى في ضمير الأدعياء المنافقين، الذين يُتاجرون برسالاتك، ويرقُصون كالقرود على إيقاعات أنّاتِكَ... ويستحمون في برك دمائك التي أنارتْ بوهجها ،للمخلصينَ، دروبَ الحياةِ، وعلمتهم كيف ينتصرُ الجَسدُ على السوطِ . وكيف يتعمدُ الجرحُ نبياً على مسامير الصليب. وكيف تنفتح ضفافُ الجراحات في نهر الآلام المتطاولة على قهر مواقيتِ البشرومفكرةِ الزمان، سُرادقَ يتسع لكلِّ المعذبين في الأرض، الذين استطاعوا أنْ يقهروا السياطَ، وينتصروا على كلِّ الجلادين، على الموتِ، ويكتبوا على خشب توابيتهم سيرة الحياة الباقية ، قصة الحياة التي لا تفنى ،بل وتتحدى الفناءْ...‏

فيا ملكَ الغابات والزوابع ‍‍!! ويا أيها الحلمُ المُتمردُ على اليقظة في رُدُهاتِ مجدكَ المنسوجة من خيوط الضياء في شمسكَ المتشظية على أطيافِ ألوان قوسِ قُزَحٍ؛ عُدْ...يقول:‏

نيلجية...كالصباح المسافر‏

تأتينا أغانيك‏

وأَنَّاتُكَ‏

مملوءةً بالجراح العارية..‏

فتشعل فينا اليراع والمواسم‏

حصاداً راعفاً لخطاكَ،‏

تاجاً متأججاً لجوجاً،‏

لملكِ الغابات والزوابع...‏

يومها:‏

تَلَبَّسكَ الأرجوانُ.‏

وكنتَ وحدكَ وحشياً‏

تحتضنُ نعشكَ..‏

والسؤالَ‏

عنْ معنى الحقيقة والغبارِ...‏

في دغشة الصباح القادم. من سفر متهارب مع ضباب الأضواءِ المنطفئة على شواطئ الحلم: تأتينا أغانيكَ المعطرةُ بنزف الجراحات المتمردة على الطين والصلصال عاريةً، تلعقُ دم السامريِ الجديد، المصلوب على ظهرهِ، فوق خشبات صليبهِ المتهاوي تحت قدميه ليمنحنا الحياة والأمل رغمَ مجاهل حقولِ الخوف والتخويف، حصاداً راعفاً عبر مسيرة الأيام القاسية تحت ضغوط الأعقاب الحديدية ، مُكللاً بتاجٍ تتأجج فيه رؤىَ لجوجة تنشدُ بزهوٍ أغاني الرُّعاةِ في حُلمكَ الأمَميِّ يا ملكَ الغابات والزوابع.‏

يومها فقط ؛ انتصر الحلمُ على اليقظة ، والجرحُ على حد السكين، تماماً كما انتصر القبرُ على حافره، والميتُ على موتهِ ، والكفنُ على صانعه، والقيدُ على واضعهِ...فكان الحلمُ حقيقةً ، وكان النصر وحشاً يجتاحُ صحراء السؤالِ تلوَ السؤالِ، ويُبَدد عتمة الوحدة القاتلة التي تحتضنُ معنى الحقيقة، أو جوهر الحقيقة، المجللة بسربال الغبار المستثار على نعشِ السُّؤال ، حيث الحقيقةُ الوحيدةُ القائمةُ فقط ، في فحوى السُّؤالْ ...يقول :‏

يالذي أقدارُهُ ..أقدارْ!!‏

ذاكرتي‏

مدى لانكساراتك‏

رداءً عاوياً لأقْداركَ.‏

جناحاها متاهةُ‏

تتقرى رُؤاكَ،‏

فاتحةً للمساء والسنابلِ‏

..تُراوِدُكَ عارياً،‏

كالشمس والترابِ‏

متوجاً.... كالريح تجيءُ.‏

مُثقَلاً:‏

بضباب المفازات والقُبَلِ‏

والسؤال ، عن معنى؛‏

الحقيقة والغبار...‏

في هذه المقطع الأخير من مأساة ملك الغابات والزوابع ، أو لنقلْ في المشهد الأخير من تراجيديا ملكِ الغابات والزوابع، وقبل إسدالِ الستارة على ملحمة ِ الحلم الذي يتشهى أنْ يتوجَ ملكاً للنواميس على مدارج الأقدارِ، دروب النضالْ؛ ناقوساً يتشظى في فضاءات الوجودْ، قدراً يتكسر على شطآن الذاكرة المثقلة بصدى تشظيه وانكساراته العارية توقاً يفضحُ خيمة الجورِ والعسفِ تحت خيمة الأقدار الهمجية، التي تتهجى أبجدية الرؤى التائهة في انفتاح أجفان السنابل الغضة على زرقة السماء، وغربة التراب الصاعد في نسغ العطاءِ والحياة، حيث يراودُ رغبة الترابِ والشمس في الإنجاب والخلفة لمدارج الأجيال، بوضوح وبراءةٍ وجلالْ.‏

فبالرفاِه والبنين يا نيلج الحلم المتنامي في ضمير ملكِ الغاباتِ والزوابع.‏

هَلُمَّ... هَلُمَّ... أقْبلْ كالريح كالإعصار ، أيها الملكُ المتوَّجُ بالعذاب... ومزِّقْ حُجُبَ القُبَلِ المَزْروعةِ في ضبابِ المفازات حيث ينتصبُ السُّؤالُ حقيقةً واحدةً لا قبلها ولا بعدها من مجد السؤال، لتجدِّدَ فحوى السُّؤالِ، معنى الحياة، سر الحقيقة والغُبار...‏

إنَّنا نقفُ مبهورين عند خواتيم قصيدة سليم عياش، لاهِثين تعباً، وتوقاً لمعرفةِ أسرار لُعْبتهِ الشعرية التي عبثت بوعينا وإدراكاتنا على امتداد معانيها المتساوقة بنفس عالي النبرة، وجرسٍ لا يتوقفُ عن الجلجلة الحزينة في صدورنا ...."لأنَّ الشعرَ عندَ - سليم - الشاعرالواعي، قيمة معرفية تتزودُ بالوعي التاريخي لأشكالِ القصيدة. فتمارسها لكونها مفهوماً تغييرياً، وشحنة من الخيال تتمازج، مع الوعي، وقد تخرج عليه ، لكنها تظلُّ منضبطةً بشكلها، دُونما فوضى ، وبعثرةٍ ،لحلمهِ ، وتفتيتٍ لمعرفتهِ.‏

فإينَ نجدُ هذا الانضباط؟‏

وكيف يتوازنُ دقيقاً مع جموح المُخيلة؟"‏

سؤالان نطرحُهُما، ولا بُدَّ من إجابةٍ عنهما.‏

"والجوابُ يكمنُ في موسيقى اللغةِ، الراسمة صُوراً، هيئاتٍ . مشاهد صاخبة حيناً، وخافتةَ حيناً آخرَ.‏

تصخب إذْ تلهبها التفعيلة ، فتعلو وتعلو ، كذارع قائد الأوركسترا المتوتر. المؤشر بعصاهُ ..ثم ما يلبثُ أن يهدأ ، لتنسابَ الموسقى هادئةً ، نابعة من روحه، ومن أرواح فرقة العزفِ ، الناسين آلاتهمْ العازفةِ...لتعزفَ أوراحُهمُ موسيقى صُورٍ يتخيلونها.‏

لقد صارتْ آلاتهم في دواخلهمْ ، وصاروا همُ الموسيقى جسداً وآلاتٍ.‏

وتحولت عصا القائد الأورْكِسْترالي موجاتٍ أثيريةٍ ، مثل طيفٍ، يرققُ الحياة، يُغْني الكونَ"...هكذا استطاعَ سليمُ أنْ يعزفَ ألحانهُ لترتسمَ في أخيلتنا وترتفع بها في ضبابٍ سديميٍ ، وإنْ لم يحجبِ الرؤية، لكنه جعلها صعبةً في كثير من الأحيان.‏

ومجموعة قصائده التي بين يدي:‏

-رمادُ الهذيانِ.‏

-طقوسُ متزمتةُ.‏

-النقيضُ.‏

- الشريدُ.‏

كلها تغْرِفُ مِنْ بئرٍ واحدةٍ...ونُصنِّفُها كَــ "شعرِ مُلاقحةٍ لا ملاحقةْ؛ وَزْنُ، ونثرْ ...صخبُ ذُروةٍ ،وسكون قاع...تقاربُ وتباعدُ....من حُزنٍ شفيفٍ ، إلى فرح عارم...منْ غضبٍ عاصفٍ إلى يأسٍ وإحباطٍ ...تتجسدُ الألفاظ المختارة أفعالاً تُحركنا، ننفعل معها" وتفعلُ فينا بقدر ما هو مرسومُ لها أنْ تفعلَ.‏

وأخيراً ، وليس آخراً، إذا كان لا بد لي من تعقيبٍ على هذا النص وغيره من النصوص المشار إليها للشاعر سليم عياش، فإني أشير إلى أنه "إذا كان على الفن خلقُ المجازات، وبث الرموز، فعلى عاتق النقد يقعُ عبءُ فكِّ الشفرات، وحل الرموزِ، وقراءة ما بين السطور.‏

على أنه في ظروف الحظر الثقافي، تختلُّ مهمة النقد أيما اختلال،‏

إذْ إنه إذا كان الكاتبُ الإبداعي يلجا إلى الرمز ضارباً بذلك عُصفوري:‏

-الإجادة الفنيةِ.‏

والسلامة الشخصيةِ...بحجر واحد.‏

- فإنه يترك رفيقه الناقدَ في وضع جدَّ سيءٍ..‏

إذْ يتعينُ عليهِ- أي الناقدِ- أنْ يفُكَّ الرموز مُفصحاً عن المحظور:‏

أ-وهو إنْ فعل ذلك في سياق الإعجاب والإطراءِ، عُدَّ مُتواطئاً مع الكاتبِ في الفكر المحظورِ، وجرَّ على نفسه، وعلى الكاتب أو الشاعر الذي كشف أسرارهُ متاعب جمةً.‏

ب - وإنْ فعلهُ في سياقِ محايدٍ ، فقدْ يؤخذْ بعدُ بالشبهات.‏

جـ- وإنْ فعلهُ في سياق التنديد، فهو غانمُ لسلامته لدى الحاظرين)،ولكنه عميلُ خائنُ للقضيةِ ، بائع للضمير لدى المثابرين في الكفاح من أجل حُريةِ القول،‏

أَكُل السُّبُل خاسره إذن؟‏

ليس تماماً!!‏

فثمةَ سبيلان آخران بعدُ ، لدى الناقدِ المحاصر:‏

أ‌. سبيل الصمتِ...بمعنى ألا يكتبَ الناقدُ عن الأعمال الملغومة بالمحظور.‏

أوْ أنْ يكتب عنها شاقاً لنفسه مسالك آمنة حول الألغامِ، فيتناولُ كلًّ شيءٍ في العمل الفنيِّ، خلا ما كان منه مورداً للمهالك.‏

ب‌. أما السبيل الثاني..فيتمثل في التخلي عن المهمة التقليدية للنقد، والتي هي كما قلنا: الإفصاحُ عن المستور وتسميةُ الأشياء بأسمائها، واللجوء إلى صيغةٍ مخففةٍ من أساليب الفن، باستخدام تسميات التعمية وبدائل الواقع ، إلى جانب الاكتفاء بالتحويم حول الموضوع، ومسهِ مساً رفيقاً يتحاشى لفت الأنظار، وتفجير الألغام.‏

وبعد؛...ترى أي سبُلِ الحيطة والاتقاءِ اتخذتُ في نقدي للنصِّ؟‏

ليس منْ شأني الإجابةُ عن هذا السؤال!!‏

لكنني لا أعصمُ نفسي ،ولا أعصمُ غيري ممن يقدِّسون حرية الفكر، وحرية القول، ويحاولون الخوض في حقولِ الألغام ، من شبهة الاحتياط، وفرضِ الرقابة على الذات طوراُ عن وعي ، وطوراً عن غير وعيٍ.‏

وهل يلامُ في عصر الظلام، منْ يمشي متحسساً الجدران؟!".‏

اكتب يا سليم ، فما زال في العمر متسع للاحتمال!!‏

الشعر النبطي في حوران‏

الشعر النبطي - نبط الماء نبعَ، ونبطَ البئرَ إذا حفرها وابتدعها ، والاستنباط الاستخراج(1) - او الشعر العامي، أو البّداوي نسبة إلى البدواة، كما يحلو لبعضهم أن يُسميه، كلُّها أسماء لمسمى واحدٍ . إذْ لا يوجد أحدُ منَّا لا يعرفهُ في الريف والقُرى والبوادي والصحاري على امتداد الوطن العربي في آسيا، من جبال طوروس والأناضول شمالاً ، إلى اليمن وعمان جنوباً، ومن ساحل البحر الأبيض والبحر الأحمر غرباً إلى شرقي الخليج العربي وجبال زاغروس وكردستان شرقاً.‏

هذا اللونُ من الشعر موجود كحقيقةٍ واقعة ، شِئنا أم أبيْنا، بلهجتهِ ولغته وبحوره ومقاصده ومعانيه وأغراضه، يعرفنا ونعرفه إلى الحد الذي يهدمُ حدودَ الكلفة ما بيننا.؟‏

نُنشدُه في جلساتنا وحركاتنا، ونُغنيهِ على إيقاع الربابة في مجالسنا وسهراتنا . نحمله شيئاً من همومنا ومقاصدنا وحاجاتنا، ونضمِّنُه فروسيتنا وصَبانا، مفاخرنا وأمجادنا، عِشقنا وهوانا، وكلَّ ما يُثقلُ أعماقنا من آمال ورغاب.‏

ظلَّ هذا اللونُ من الشعرِ ، على كثرته وغزارتهِ، على حاله دونَ أن تمسه يد العناية كغيره من الأشكال الأدبيةالأخرى. منذ أقدم العصور الجاهلية حتى اليوم. إلاّ ما جاء عفو الخاطر. ظلَّ مستوحشاً جافياً على نفوس بعض الناس محافظاً على بداوته من حيثُ اللغةُ والصورُ والأوصافُ ،وهذا ما حدا بعضهم على تسميته بالشعر البدَّاوي.‏

ولا نستطيع ُ أنْ نُنكر شيئاً بسيطاً من التطور الذي لحق بهذا الشعر نتيجةَ تحضُّرِ بعضِ شُعرائه، وسُكناهم في الحواضر، فأسلس قيادَهِ، ورقت حواشيه، واستؤنستْ لغتُه، واخضرَّتْ صوره، وابتلتْ جوانحه ، فأخذ من ريح الحضارة روحاً ساعدته على الاستمرار، ومواكبة الحياة الاجتماعية.‏

هذه الأسباب وغيرها دعتنا للتنادي لعقد ندوةٍ تجمعُ بعض المهتميِّن بالأدب عامةً وبالشعر خاصةً، وبهذا اللونِ على وجهِ الخصوص ،للبحث عن أسباب للنهوض بهذا الشعر ، وتنهيجه، واستئناسهِ ليحمل همومَ العصر ومُشكلاتهِ، ويحظى بالاهتمام كغيره من الأشكال الأدبية الأخرى. وقد قيض الله لهذه الندوة أن تنعقد في مطلع آذار عام 1995م في منزول الشاعرالرقيق محمود الزعبي في اليادودة غربي درعا، ضمت كلاًّ من الأدباء والشعراء: محمود مفلح الزعبي، وعازر غنيم بشارة، ويوسف عويد الصياصنة، وعبد الكريم الحمصي، ومحمد إبراهيم عياش، وأحمد قداح، وهاجم عيازره، وعبد الإله مفعلاني، ومنصور الزعبي، وعبد السلام محاميد ، وآخرين برعاية راعي الندوة علي المصري الذي قدم في هذه الندوة ورقة عمل تم بحثها نقطة نقطة، واتخذت توصيات للنهوض بهذا الفن من فنون القول ، أرسلتْ بعد التداول إلى رئاسة اتحاد الكتاب العرب بدمشق ، نرجو أن ننشرها في الجزء الثاني من هذا الكتاب، إذا قدر لنا أن ننجز إصدار الجزء الثاني.‏

ولا نزعم لأنفسنا الريادة في هذا الموضوع، فقد سبقتْنا محاولاتُ باءت للأسف بالإخفاق والخذلان، لأنَّ القائمين عليها ليسوا من أهل الأدب المختصين، فجمعوا أكثر الشعر في حوران من هذا اللون في ديوانين، وبدلاً من توثيقهما لأصحابهما ونشرهما، قاموا ببيعهما لمشايخ الخليج بعد أن نحلوها لأنفسهم وقبضوا ثمنها بخساً لا يُسمن ولا يُغني من جوع، نقولُ ذلك للانتباه إلى مثل هؤلاء العواسج على الأدب والأدباء الذين باعوا ويبيعون هذه الأمة وتراثها في أسواق النخاسة وبأبخس الأثمان. فهناك وبحدود علمي محاولات شبيهة بتلك المحاولة البغيضة، وإنْ كانت بأساليب مغايرة ، تجري فصولُ مهزلتها على الساحة هذه الأيام.‏

طرائقه، وأساليبه معروفة وتكاد تكون مُقننةً..‏

1) يبدأ هذا الفن من فنون الشعر بالتحية والسلام على الحاضرين، لأنه ما قيل ليُدون ويكتب ، بل ليقال ويُنشد . ثم يتجه الخطابُ للرفيق أو الصديق أو النديم الذي قلما تخلو قصيدة منه. وقد يكون هذا النديمُ المخاطبُ إنساناً، أو حيواناً، أو جماداً على أساليب التشخيص ، للبث والنجوى،وليُسري بهذا عن نفسه وما يعتلجُ في خاطره، فيشكو إليه النصبَ والهجر والنوى، وما يشغلُ باله ويعني قلبهُ من حبِّ ، وما يعتملُ في نفسه من أشجان ، وما يدور في فكره من أحلام. وربما يكون ذلك جسراً ينتقلُ عليه إلى الحكمة وغيرها.‏

2) ثم يقتحم باب الحكمة والموعظةِ ، فيُلخِّصُ الشاعرُ لنا تجربته الحياتية، ويرسم لنا صورة عن عالمه الداخلي، وما يمورُ به خياله الخصبُ من صور وتلاوين لمجريات الحياة. وما يحملهُ من تصورٍ لقيم يؤمنُ بها ويتبنَّاها، ويتمنى أنْ تظل ثابتةً في المجتمع حوله، ماثلةً للعيان، تتعاورُها الأجيال.‏

3) ثم يُعرِّجُ الشاعر على موضوعه الأصلي من القصيدة - بعد أن يكون مهَّدلة ببيتٍ أو بيتين من الشعر ينتقل عليهما- كالمديح والفخر والرثاء والهجاء والغزل وغيرها من الفنون والأغراضِ التي تُشكلُ هاجس الشاعر ..وكثيراً ما يُطيلُ الحديث في هذا الموضوع، فيُقلِّبُه الشاعرُ يميناً وشمالاً، ويُفتِّقُ أبوابَ القول حوله ، حتى يوضحهُ ويجلوَ معانيهِ، ويزيل اللُّبسَ عنه، هذا إذا كان الموضوع مُناسباً والريحُ مُواتيةً... وقدْ يقتصرُ القول ويختصر الكلامَ أحياناً، ويُعمِّي طريقة العرضِ ويورّي، ويُكنِّي، ويغمزُ، ويهمزُ إذا كان العرضُ أو الموضوع يتناول عيباً أو مثلباً أو خصلةً غير مستحبة لا يُريدُ الشاعرُ أن يفتضحها ويفضَّ استارها، إذْ يربأ الشاعرُ بنفسه أن ينطقَ بها أو أن يصر‍ِّح بها، كيلا يُسجِّلَ على نفسه مَيْناً أو شيئاً لا يريدُه ويترفعُ عنه.‏

وقد حفظ لنا هذا الباب من القول صوراً خالدةً من تاريخ أهله وغزواتهم وحروبهم، كما حفظ لنا صوراً من خفق أفئدتهم، وذوب قلوبهم التي "أبتعثها فيهم الحبُّ ، وما يؤدِّي إليه من وصلٍ أو هجرٍ ، ومن سعادةٍ أو شقاءٍ، ومن لذةٍ او غصة". وكأن الشاعرَ سِجل لحياة قبيلتهِ، ومجمعُ لمآثرها، ولسانُ حالها الذي يُعبرُ باسمها، ويذب عنها، وينشر محامدها وفضائلها وقيمها وممادحها على الناس، ويجلو أيامها ومواقعها وانتصاراتها على الملأ.‏

4)وربما سلى الشاعر نفسه عن همومه بعد ذلك - إذا ارتاب بعدم تحققِ مسعاه- بجسرةٍ ذمولٍ تقطعُ الفيافي وتختصرُ البوادي ، يُطربُه وقع مناسمها على رمال الكثبانِ وهي تطوي المسافات طياً.. وربما عَنَّ على باله الصيدُ والقنصُ، فيعرضُ علينا آنئذٍ صوراً لقطعانِ الظباءِ السوانح، يُطيلُ الحديث في وصفها ويخصُّ العنودَ منها ، وكثيرا ما يعقدُ الصلة ما بينها وبين محبوبته التي خلفها بعده على نار الجوى...وربما ...وربما..وربما...‏

5) ثم ينهي قصيدته بأبيات من الحكمة تخصُّ موضوعهُ، يُضمنها عُصارة تجربتهِ وخلاصة القول الفصل فيها.. ولا بد في كلّ الأحوال بعد ذلك من بيتٍ أو بيتين أخيرين من الشعر يختمُ بهما قصيدته يتركُ بهما انطباعاً حسناً في نفوس سامعيه، وأثراً لا ينمحي وصولاً إلى غرضه، يُعرِّجُ بهما على حمدِ الله وشكرهِ خالقِ الأكوان ومدبر الحياة، ومن ثم الصلاةُ والسلامُ على نبيه المصطفى العدنان . وإلاّ اعتبرتِ القصيدة دونهما ناقصة مرذولة . مهما يكن دين القائل ومذهبه وعقيدته.‏

هذا هو ذا المخطط العام لعمود هذا الفنِّ من فنونِ القول، مع بعض التفاوت بين قصيدةٍ وأخرى في بعض الأحيان. تزيدُ أو تنقصُ تبعاً للنفسِ الشعريِّ ورغبةِ الشاعر.‏

لغةُ الشِّعر هذا‏

إذا قرأنا هذا الشعر نُحسُّ للوهلةِ الأولى بجسوته وقسوته "وقد ننكر منه بعض ألفاظه التي لا نألفها..غير أننا لا نكادُ نجاوز عدم الإلفِ هذا، ولا نكادُ نُخلي بيننا وبين حاضرنا الذي نعيش فيه، ولا نكادُ نخالطُ شعراءَه ونتعرفُ إلى ألفاظهم ومعانيهم.. لا نكادُ نفعل ذلك حتى يبدو لنا هذا الشعرُ جميلاً يجتذبُنا إليه بعد أنْ كنا ننفرُ منه، ونقتربُ إليه بعد أنْ كنا نبتعدُ عنه... ونحسُّ أنَّ النفوسَ التي صدر عنها نفوسُ رقيقة دقيقة ، تمتلك قدراً غير يسيرٍ من رهافةِ الإحساس وجمالِ الطبع ، كما تمتلِكُ مثلَ هذه القُدرةِ في حُسن البيان وجمال الأداء"(2)

ولغة هذا اللون من الشعر هينة لينة طيعة ليستْ قصيدةً ولا مقننة، لا تحكمها قواعدُ ولا يضبطها صرفُ في كل الأحوال. ويختارُ الشاعرُ من الألفاظ والتراكيب العامية، وما يقاربُ الفصحى حيناً وما يجافيها ويجانِفُها في كثيرٍ من الأحيان ، دونَ أن يُكلِّفَ نفسه عناءَ البحثِ والتنقيبِ ومساءلة معاجم اللغة. فهي- أي اللغةُ- لينة مطواعة بين يديه كالصلصال أو العجين يصنع منها ما يشاء، ويصوغ بها كلَّ ما يخطرُ على باله من بال، دونَ أنْ يرهقَ نفسهُ أو يعني ذاكرته بنحوٍ أوصرف.‏

ويأخذُ من الصيغ، ويستعمل من التراكيب ما يراه هو مناسباً ، وما يفكرُ فيه ويريده، دون حذْوٍ يحذوه أو قاعدةٍ يتقفاها... وكثيراً ما يبتدعُ من المعاني والألفاظ والتراكيب الجديدة كل الجدة حسب مُبتغاه ، بل وربما عبر عن المعنى بلفظةٍ شبيهةٍ باللفظة الأصلية بطرفٍ قريبٍ أو بعيد ، مع بقاءِ قرينةٍ تدلّ على المعنى الأصلي.‏

وربما كان هذا اللونُ من الشعر أقدرَ الفنون الأدبية الأخرى على التعبير عن ما يختلجُ في النفوس ويعتملُ من الأفكار ، ويواجه من مسائل حياتيةٍ ، لسبب مهمٍ جداً ،وهو أنهُ يُكتبُ باللغة التي نتكلمها ذاتها، ونتخاطبُ بها، وهذه نقطة تفوقٍ تسجَّلُ له.‏

فالكُتَّابُ والشعراءُ العربُ يُعانونَ من انفصامِ شخصية اللغة التي يستعملونها، فهم يكتبون بلغةٍ، ويفكرون ويخاطبون أباءهم ونساءهم وأبناءهم وحبيباتهم بلغة أخرى . هذه الأزدواجية بين اللغة الدارجة المحكية اليومية، واللغة التي يكتبون بها، تشطرهم إلى نصفين، وتشوهُ كثيراً من المعاني التي تتحرك في خواطرهم وتتماوجُ في أخيلتهم عند محاولاتهم لتدوينها على الورق.‏

إملاؤه وتدوينه..‏

هنا تكمنُ المشكلة الرئيسة في هذا الفنِّ من فنون الأدبِ بالذات ، وإليها يرجعُ سبب تخلفِه وجمودهِ وعدم تطوُّرِه ، ولحاقه بمختلف الأشكال الأدبية الأخرى. ألا وهي الحيرةُ أو الصعوبةُ في كتابة هذا اللون من الوانِ القولِ وتدوينه.‏

ومجملُ القضية يكمنُ في أنَّ هذا الشعر نشأ في الزمن السحيق من الجاهلية الأولى قبل عصور التدوين، حيث كانت المشافهةُ هي الوسيلة الوحيدةُ لنقلِ المعارفِ الإنسانية وتدوالها ، وهذا ماجعل تدوينه فيما بعد صعباً، لأن هذا التدوين يحتاج إلى قواعد وأصول غير متيسرة، وغير تلك المتعارف عليها في تدوين الفُصحى، التي أتيح لهاعلى يد علماء اللغة طرائق صقلها مع الزمن... ولولا القرآنُ الكريمُ لما دُوَّنت اللغة العربية نفسها بالأصل، وَلَمَا استُنبط لها من قواعد النحو والصرف الإملاء ما هو متعارفُ عليه اليوم ومتداولُ، بل ولظلت اللهجاتُ الكثيرةُ سائدةً على ما فيها من اختلافٍ بين الناس حتى يوم الناس هذا... ولكن الله قيضَ لهذه اللغة ان ينزل القرآن الكريم بها، ليحفظها من العبثِ، وليمنحها قدرةً فائقةً على الاستمرار والنماء وسخر لها من يخدمها ويرعاها حتى اليوم.‏

وجد‍َ هذا الشعر أوِّلَ ما وُجِدَ ليحملَ همومَ الناس ويسجلَ حياتهم بخيرها وشرها، وذلك لسهولة حفظ الكلام الموزون وتناقلهِ... وكل الباحثين مجمعون على أنَّ لغة الشعر سابقة للغةِ النثر بعصور متطاولةٍ نظراً لسهولةِ تنقلهِ مشافهةً. وهذا ما حدا بسادة قريش وأعيان العرب على أن يقفوا مبهوتين أمام لغة القرآن، فلا هو بالشعر، ولا هو بالنثر، ولا هو بسجع الكهَّانِ. فما هو إذن ؟‏

فكيفَ نُدوِّنُ اليوم هذا الشعر ونُمليه؟‏

الخليلُ بن أحمد الفراهيدي ،واجهَ المشلكةَ ذاتها، عندما حاولَ ان يُدوِّنَ الشعر العربي وبحورهُ. فقد وجدَ أنَّ هناكَ فرقاً كبيراً بين الإملاء الذي تواضعَ عليه اهلُ هذه اللغة قبله للغتهم وبين لفظها أو أصواتها التي ما زالتْ على حالها قبل التدوين وبعدهُ، وهو بحاجةً إلى رسم هذا الأصوات ، فماذا عليه أنْ يفعل؟‏

رأى أن عليه أن يبدأ من الصفر. وبالعفل بدأ بفهم أسرارِ الأصوات في هذه اللغة، فألف معجم العين، لأنه اكتشف أنَّ اللغة مجموعةُ أصواتٍ مختلفةٍ تمام الاختلاف ، تؤلِّفُ باجتماعها أو بترابط أصواتها مدرجاً موسيقياً يبدأ بحروف الحلقِ وينتهي بالحروفِ الهوائية، فبدأ بتصنيف هذه الأصوات أو الحروف، فكانت على الشكل التالي:‏

-الحروف الحلقية..العين والهاء،والحاء ، الخاء، والغين،‏

- الحروف اللهوية... القاف، والكاف.‏

- الحروف الشجريةُ.... الجيم ، والشين. والضادوالشجر مفرجُ الفم).‏

-الحروف الأسليةُ... الصاد، والسين ، والزايلأنَّ مبدأها من أسلةِ اللسان وهي طرفهُ المستدقُّ).‏

- الحروف النطعيةُ ..الطاء ،والذال، التاءلأن مبدأها نطعُ الغارِ الأعلى).‏

- الحروف اللثويةُ...الظاء،والدال، والثاءلأن مبدأها من اللثة).‏

- الحروف الذلقيةُ...الراء واللام،والنون.‏

- الحروف الشفوية...الفاء، والباء،والميم.‏

- الحروف الهوائية..الواو، والألف ،والياء.‏

ولأنه ابتدأ مدرج الحروفِ أو الأصواتِ بالعين وهو أبعدها داخل الحلق سمى كتابهُ معجم العين.‏

ورتبه علىهذا الأساس .فلم يُسبقْ إلى ذلكَ ، ولا لحقَ .فظلَّ السابقَ والمصلي.‏

إذنْ، فهو لم يبدأ من الصفرِ، بل مما دونهُ ، لانهُ وجدَ أمامهُ لغةً كاملةً مكملةً مدونةً، ليس هذا فحسب، بل وجدَ أمامهَ جداراً عالياً يصعبُ اجتيازه وتجاوزه من القوانين والقواعد المقدسة، عليه والحالةُ هذه أنْ يبدأ مما دون الصفر، أن يجد أبجديةً تتناسب ُ مع الموسيقى الصوتية التي تُشكِّلُ العمود الفقري للنغم، لأساسِ الوزنِ من جهة، وبحجم حناجرنا من جهةٍ أخرى.‏

لنْ أطيل البحث...فقدْ اخترعَ الخليلُ بنُ أحمد الغراهيدي أبجديةً داخل الأبجدية تتناسبُ كتابَتُها وإملاؤها وفقاً لما يصاحبُها من أصواتٍ على المدرج الموسيقي الذي رسمه لهذه الأبجدية. وخلاصة ذلكَ، أن لا يكتبَ إلاّ الأصواتَ التي تشكلُ المنطوق والمسموع ، بصرف النظر عن قواعد الإملاء ،وهو ما نُسميه بالكتابةِ العروضية حينما نحاول أن نقطع بيتاً من الشعر لمعرفة وزنه وبحره.‏

والآن..هل ندونُ هذا الشعر بلغة أو برسم على طريقة الفراهيدي الخليل؟‏

أم نُدوِّنُه برسم اللغة الفصحى، وهو أمر لا يستقيم معنا؟‍‍!‏

ومرةً أخرى أيضاً ، لن نقف عاجزين عن الإجابة عن هذين السؤالين. وسنجتهدُ ، فإنْ أصبنا فهذا توفيقُ من العزيز القدير... وإنْ أخطأنا فعذرُنا أننا حاولنا بكلِّ الوسائل المتاحةٍ، وأنَّ هذه هي مقدرتنا المعارفية، وهذا جهد المقلِّ.‏

سنُدوِّن هذا اللونَ من الشعرِ بطريقة، هي وسط بين الطريقتين السابقتين.‏

سنكتبه بحروفٍ تحافظ علىاللهجة الصوتية لأداء هذا الشعر ، مع مراعاة عدم الابتعاد عن طريقة رسم اللغة الفصحى ما أمكنَ ذلكَ ، وستمر بكَ شواهد كثيرة على ذلك. وبناءً عليه رأينا أن يُرسمَ الديوانُ على أعيننا ، فجاءَ بخط اليدِ... هذا ما استقر عليه رأينا بعد أن كلفنا البحثُ وقتاً ليس باليسير، ولا يقاس بالشهور بل بالسنين.‏

وهكذا أرجو لهذا اللونِ من الشعر بأنواعه المختلفة- النبطي . الشروقي،البدّاوي، المربع، الفنّ، الهجيني،الحدادي، الجوفية، العامي، شعر الربابه.... أن يجد بعد الآن طريقه إلىالتدوين.‏

أقولُ هذا لأنني أشعر أنِّ السوادَ الأعظم مِنا مازالوا ينامون على الجليد داخلَ المغاورِ والكهوفِ في حقول التخلفِ والاستسلام، فتجمدت عقولهم ويبستْ ألسنتهم، وبالتالي جفّ نُطقُهم، وتحجرت لغتهم، وماتوا قهراً وغماً... فقدْ آنَ الأوانُ لأنْ يخرجوا إلى أشعة الشمس يتدفأون بنارها.‏

أرجو أن أنبه إلى ان اهتمامنا بهذا الشكل الأدبي بلغتهِ العامية، ليس البديل بأية حالٍ من الأحوال للشعر باللغة الفصحى، وليس على حسابه أبدأ، ولا نُشجعُ على سيرورته ، ولا نريدُ أن نُسوّدَ العامية على اللغة الفُصحى. فنحنُ نعدّ أيَّ شكلٍ من الأشكالِ الأدبية لا يكتبُ باللغة الفُصحى، شكلاً خارجاً عن نطاقِ اهتماماتنا واختصاصاتنا، فلا ندرسه لا في مدارسنا ولا في جامعاتنا.. وإنما انطلقنا من موقع أن هذا الشعرَ موجودٌ على أرض الواقع منذ القدم، في بلادنا الأسيوية قاطبةً، وربما الأفريقية، وأنه ظل على حاله، وما محاولتنا هذه إلاّ لتقريبه من اللغة الفُصحى، وتوظيفهِ ليحمل همومَ زمننا ومُعاناتنا. وبعد:‏

أنا قاصرُ عن بلوغ كل فردٍ من الشعراءٍ والفنانين في مواقعهم، لأنني بطيء المسعى وئيدُ الخطى، لذا أتوجه إلى حاملي لواءِ الكلمة الصادقة المعبرة الحرة، والمهتمين بقضية الشعر والأدب والتراث والمحافظة عليه من الضياع، ممن لم يصلْ صوتنا إليهم، إلى أن يُبادروا إلينا ونقول لهم: هَلُمُّوا نتحاورْ، نتشاورْ ، نتعلم ْ بعضنا من بعضنا ، ننهض معاً. ونخرج من أصدافنا إلى ملاعبِ الشموس والرياح. فقدْ تكلَّست مفاصلنا، وجفَّ ماء الحياة في عروقنا، هلموا نصنع مستقبلنا بأيدينا.‏

أقول: بعد أن اجتمع لدي هذا الكم من القصائد المختارة،لكوكبةٍ من شعراءِ حوران ممنْ التقيتُ بهم، عكفتُ على دراستها مجدداً ، واصطفيت منها ما اصطفيتُ ، وأكثرت من تلك الحوارياتِ التي أدَرْنَاها بين الشعراءِ ،لقربِ زمانها مِنا.‏

وقبل البدء بتدوينها، وجدتُ أمامي طريقتين:‏

الأولى ... أنْ أقدمَ بشرح الكلماتِ ذاتِ المعاني الصعبة في كل قصيدة على حدة ، تسهيلاً للفهم.‏

الثانية:...أو أنْ أقدّم لمُعاً لكلِّ قصيدةٍ من هذه القصائد، تُلقي بعض الضوء على معانيها.‏

وبعد التداولِ، ومجادلةِ الرأي، اخترتُ الطريقة الثانية، فقدمتُ لهذه القصائد بإضاءات تطولُ أو تقصرُ تبعاً لجوِّ القصيدة العام، وما تثيره من لواعجَ في النفس. وهذا ما فعلت؛وربما ثنيت بشرح بعض الكلمات.‏

واخترت قصيدتين اثنتين ،أحداهما ردُّ على الأخرى ، لأنهما تُمثلان نموذجاً واضحاً لعمود القصيد في هذا اللون من الفن الشعري ،مستوفيتين لمعظم الشروط الفنية التي تحدثتُ عنها في المقدمه. ودرستهما دراسة فنية كلاسيكية مدرسية للاحتذاء بها، والاستئناس بطرائقها للدارسين من بعدي. ركزت في القصيدة الاولى على ظاهرةٍ أسلوبية عند الشاعر الغصين وهي اهتمامه برسم أدقِّ التفاصيل الجمالية لدى موصوفاته، في حين ركزتُ في قصيدة الزعبي محمود على ظاهرةٍ أسلوبية مُغايرة، وهي قدرتهُ على التحكم بأساليب البلاغة العربية في الصياغة ، ولا أدعي أنني أحرزت قصبَ السبقِ، إنما جهدُ بذلته، وخدمة قدمتها.‏

فإنْ شاقتكَ هذه الدراسة، ونالتْ رضاك، ووجدتَ فيها منفعة وجديداً،وأنها أضاءتْ جانباً من جوانب حياتنا الثقافية والفكرية المهملتين، فهذه غايتي.‏

وإنْ كانت الأخرى ، فهذه طاقتي ومقدرتي ،وحسبي أنني حاولتُ. ‏

والسلام عليكم ورحمةُ الله‏

(1) مادة نبط في لسان العر ب جـ7/ ص410. والصحاح للإمام الرازي مادة نبط ص641.‏

(2) انظر كتاب تطور الغزل للدكتور فيصل صفحة 19 مطبعة دار الحياة 1965.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244