|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:38 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
لقد كان صعباً بما فيه الكفاية، أن أقيم البرهان في هذه الدراسة على أن معاني المصادر الجذور قد تأثرت بالخصائص الصوتية (إيحاء)، أو النطقية (إيماء وتمثيلا) للحروف التي تقع في أولها أو في آخرها بنسب راوحت بين (50-92) في المئة. وكانت قفزة في المجهول أن أحاول البرهان على أن كل حرف من الحروف العربية ينتمي إلى طبقة هرمية حسية محددة أو إلى حالة معينة من المشاعر الإنسانية: ولقد كان أن التزمت معاني المصادر بالطبقات الهرمية للحروف التي تقع في أولها أو في آخرها بنسب عالية راوحت بين (95-99) في المئة. وعلى الرغم من كل هذه المكتشفات اللغوية الصوتية الشائقة فإنها تظل حتى في نظر الذين يسلِّمون بها، مجرد العاب ذهنية، إذا هي لم تقدنا فعلاً إلى المعنى الأصل لكل لفظة من لفظاتنا. وهذا هو الامتحان الأصعب فهل سأوفق في اجتيازه؟ أولاً- في تحديد معاني بعض الأحداث المحسوسة: التزاماً بما جاء في الفصل السابق حول الطرق الأربع لاستخلاص معاني الجذور للكشف عن المعاني الفطرية للأمثلة المضروبة، وحذر الإطالة سأكتفي غالباً بإثبات ما هو ألصق منها بالمعنى الفطري. وقد أتبسط شيئاً ما مع بعضها بعضاً كما في المثال الأول، وذلك لإعطاء القارئ فكرة عامة عن النهج الذي اتّبعته في التقصي عن المعاني الفطرية للمصادر الجذور. من قطع الثمر (جزّه) قطع الشيء (فصل بعضه وأبانه) قطع النهر (اجتازه والصديق تركه وهجره...). في أسرتها: (أقطع، قاطع، اقتطع، انقطع، تقاطع، استقطع، الاقطاع، الأقطوعة، القطيع، القطعة، القُطعاء، القواطع، المقطع...) ومعانيها جميعاً تنطوي على حدس الجزّ والفصل والاجتياز. في مقاطعها : قط- من قطّ الشيء قطّا (قطعه عرضاً). قطّ الشعرُ قططا وقطاطة (كان قصيرا جعدا) الأقط (الذي انسحقت أسنانه حتى ظهرت أدرادها). القِطاط (حرف الجبل والمثال الذي يحذي عليه الحاذي ويقطع النعل). القِطّ (الهرّ، النصيب، الصك، الكتاب مطلقا). القَطّة (الشقيقة يقال هاتِ قَطّة من البطيخ). قع- من قعّة (اجترأ عليه بالكلام). أقعّ القوم (حفروا، فهجموا على ماء قعاع). القُعاع (ماء شديد الملوحة يحرق جوف الإبل)، طع -من طعّ لا معنى له- والمقطع الجذر لهذه اللفظة هو (قط) والحرف الملحق هو (العين) للوضوح والعيانية. في حروفها: القاف (للقوة والمقاومة والانفجار الصوتي). والطاء (للمطاوعة والطراوة والفلطحة) والعين (للعيانية والوضوح والفعالية) والحرف الأصل هو (القاف). وهكذا يبدأ حادث القطع بحسب أصوات حروفها، بصدمة قوية تحدث صوتاً انفجارياً (للقاف) ثم يطرى موضع الصدمة ويلين (للطاء) مما يؤدي إلى فصل بعضه عنه بوضوح وعيانية (للعين). وذلك "سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد". وهكذا فالتعريف بالقطع بأنه مجرد عملية (جزّ) هو قاصر لانعدام الصدمة القوية والانفجار الصوتي في الجزّ. فالجزّ هو أصلح ما يكون للتعبير عن قطع الصوف. كما أن استعمال لفظة قطع للثمر جاء في غير محله لانتفاء الصدمة والانفجار الصوتي. ومنه يتضح أن لفظة (قطع) قد أبدعت أصلاً للتعبير عن حادث قطع الأشياء الصلبة بأدوات غليظة كالغصن بالفأس. ولذلك أبدع العربي الألفاظ التالية: الجز للصوف، والجني للثمار، والقطاف للبلح والعنب، والفصل للتفريق بين الأشياء دونما صدمة أو انفجار صوتي مع المحافظة على صلة ما بينها. لقد جاء في التعريف السابق قطع الشيء (فصله وأبانه) فما الفرق بين قطع وفصل. لغة من فصل بين الشيئين (فرَّق) فصل الشيء (قطعه). من أسرتها: الفصيل (ولد الناقة بعد فطامه) افتصلت المرأة رضيعها (فطمته). المفصل (ملتقى كل عظمين في الجسد). من مقاطعها: فص- من فصّ الشيء (فصله وانتزعه من غيره).الفُص (ملتقى كل عظمين والفلقة من الليمونة، ومن الشيء مفصله ومحزّه)، فل: من فلّ السيف فلاّ (ثلمه وكسره في حدّه) صل من صلّ الشيء (صوت برنين) والمقطع الجذر هو (فص)، و(اللام) الملحقة للالتصاق. في حروفها: الفاء (للانفراج والفصل والقطع والتباعد) والصاد (للصلابة والشدة) واللام (للالتصاق والتعلق) بما يفيد المماطلة. وهكذا فإن المعنى الأصل للفظة (فصل) هو التبعيد بين أجزاء الشيء (للفاء) بلا شدَّة و(للصاد) بلا قساوة، مع إبقاء علاقة مادية أو معنوية بين الأجزاء المفصولة عن بعضها بعضاً (للاّم). وذلك كما في الرابطة الحسية في (المفصل) بين كل عظمين يلتقيان في الجسد، أو الرابطة الروحية بين الأم وطفلها في (افتصال) المرأة رضيعها. أما ما جاء في معاني (الفصل) من التفريق والقطع، فهو لاحق بالمعنى الأصل لهذه اللفظة. من فلقت النخلة (تشقق طلعها عن الحب المنضود) وفلق الشيء (شقه). من أسرتها: الفالق (الطريق المنخفض بين الربوتين). الفلق الصبح ينشق من ظلمة الليل). من مقاطعها: فل- من فلّ السيف فلاّ (ثلمه وكسره في حدّة) فق- من فقّ الشيء (انفتح) لق- من لقّ عينه (ضربها بيده). اللق (الشق في الأرض). وكل من هذه المقاطع يصلح أن يكون الجذر الأصل للفظة (فلق) على أن المقطع (فق) هو الأصلح، وألحقت اللام في الوسط للالتصاق والتعلق والمماطلة. وذلك للدلالة على تماسك الشقين المشقوقين وعدم انفصالهما عن بعضهما البعض، فالشق لا يتضمن القطع أصلاً، ولا البتر أو التفريق. في حروفها: (الفاء) للانفراج والتباعد. (واللام) للالتصاق والتماسك والمماطلة (والقاف) للقوة والمقاومة والانفجار الصوتي. وبذلك يكون المعنى الأصل للفظة (فلق) هو إحداث انفراج بين شقي الشيء مع بقاء الاتصال بينهما مصحوباً بصوت انفجاري: (سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد). وهكذا فإن المعاني المستخلصة من أسرة هذه اللفظة ومقاطعها تتوافق مع الحدس المستخلص من معاني حروفها. أما الفصل فهو يتم بلا صوت انفجاري، فصحَّ استخدامه لمعنى الفطام. من سمع الصوت (أحسته أذنه) سمع الدعاء (أطاع واستجاب). من أسرتها: سمّع به (شهره وفضحه). المسمع (الأذن) السمع- (الإحساس بالصوت). من مقاطعها: سم- من سمّ الإبرة (جعل لها سماً، أي ثقباً). الأسمّ (الأنف الضيق المنخرين) السُّم (لنفاذه في الأحشاء) سع- من سعّ لا معنى له. مع -من معّ الشحم ونحوه (ذاب). والمقطع الجذر هو (سم). و(العين) الملحقة للوضوح والعيانية، ومن هذه المقاطع نحصل على المعنى الأصل للسمع، هو (دخول صوت في ثقب الأذن يكون واضحاً بفعل حاسة السمع). في حروفها: السين في أول اللفظة (للانزلاق والمسير). والميم (للانجماع والانضمام). والعين (للعيانية والوضوح). ومنه يكون السمع، موجات صوتية (س) تتجمع في تجاويف الأذن (م)، تكون واضحة بفعل حاسة السمع (ع). وهذا التعريف أبلغ مما جاء في أسرة اللفظة ومقاطعها مما ذكرناه منها وما لم نذكره. من بصق (لفظ ما في فمه) بصق الشاة (حلبها وفي بطنها ولد، لكراهة هذا الفعل، وقذارة الحليب الناتج). ولا تخرج أسرتها عن هذه المعاني. من مقاطعها : بص- من بصّ الماء (رشح) بصّت العين (نظرت بتحديق). بقْ من بقْت السماء (أمطرت). بقْ الخبر (أذاعه). صق- من صقّ لا معنى له. والمقطع الجذر هو (بق) والصاد الملحقة في الوسط للشدّة على شيء من الامتلاء. في حروفها : (الباء) للحفر يضاهي صوتها بداية الحدث في تجميع الريق وما في جوف الفم، وصوت (الصاد) المفخم يملأ جوف الفم بما يضاهي واقعة امتلائه بالبصاق والضغط عليه بشدّة (والقاف). للقوة والمقاومة والانفجار الصوتي، مما يضاهي نهاية الحدث بقذف البصاق في قوة تحدث انفجاراً صوتياً شديداً وذلك (سوقاً للحروف على سمت المعنى...) ثم ما الفرق بين بصق ولفظ؟ من لفظ بالكلام (نطق به) ولفظ الشيء من فيه وبه (رماه وطرحه). ولا تخرج أسرتها عن هذه المعاني من مقاطعها: لف- من لفّ الشيء بالشيء لفا (ضمّه إليه ووصله به). لفّت المرأة لففا (تدانى فخذاها سمناً). لظْ- من لَظّ به لَظّا (لزمه ولم يفارقه). فظ -من فظّ فظظا وفظاظة (قسا وأساء). المصدر الجذر هو (لف) يضاهي بداية الحدث باشتمال اللسان على المادة الملفوظة كلاماً أو شيئاً ما. والحقت به (الظاء) الملثوغة لمضاهاة نهاية الحدث عندما يخرج الملفوظ مدفوعاً بطرف اللسان برفق على شيء من الفخامة. في حروفها: (اللام) للالتصاق والتعلق والمماطلة. تضاهي هنا تلاعب اللسان بأصوات حروف الكلمة أو بالشيء الملفوظ (والفاء) للتوسع والوهن، تضاهي واقعة انفراج الفم أو الشفتين أثناء اللفظ بتأن (والظاء) الملثوغة لإضفاء معاني الرقة والعذوبة والفخامة على اللفظ، وذلك دونما شدّة أو قوة أو انفجار صوت. وهذا بعض من الفوارق بين معنى بصق (لفظ ما في فمه) وبين لفظ الكلام (نطق به). ثم ما الفرق بين اللفظ والنطق؟ من نطق نطقاً ومنطقاً (تكلم) نطق الطائر والعود (صوّت). من أسرتها: أنطقه، ناطقه، استنطقه، الناطق للكلام، نطقه (شد وسطه بالنطاق). من مقاطعها : نط من نطّ (وثب) النطاط (المهذار الكثير الكلام). نق -من نقت الدجاجة (صوتت) طق -من طقّ طقا (صوت). وكل من المقاطع الثلاثة يصح أن يكون جذراً لكلمة (نطق) مع أفضلية مقطع (نق)، والحقت- (الطاء) في الوسط للمطاوعة والتلطيف من حدّة النقيق بفصل (النون) الرنانة عن (القاف) الانفجارية، في حروفها : (النون) للانبثاق والرنين. و(الطاء) للمطاوعة والفخامة والطراوة و(القاف) للانفجار الصوتي. ومحصلة هذه المعاني يكون النطق هو: إخراج الكلام بشيء من الطراوة والفخامة والقوة. ثم ما الفرق بين النطق والكلام. هو: (الأصوات المفيدة). وعند المتكلمين (المعنى القائم بالنفس الذي يعبر عنه بألفاظ: يقال في نفسي كلام). من أسرتها: كلمهُ كلما (جرحه) كلّمه تكليما (وجّه الحديث إليه). من مقاطعها: كل -من كلّ فلان (تعب) تكلل الشيء بالشيء (استدار به وأحدق). كم -من كمّ الشيء (غطاه وستره) لم- من لمّ الشيء (جمعه جمعاً شديداً) اللمّة بضم اللام (الرفقة). وعلى الرغم من بعد معاني هذه المقاطع الثلاثة عن معنى الكلام، فإن مقطع (كم) هو الأصلح، لخاصية الاجتماع والستر في معناه (واللام) الملحقة هي هنا لتمثيل واقعة تلاعب اللسان بالكلام، ولو في لجلجة خفية. في حروفها: (الكاف) للاحتكاك، تضاهي واقعة اعتمال الفكر بالمعنى الذي يجول في الخاطر. (اللام) لتمثيل واقعة تلاعب اللسان باللفظ المعبر عن المعنى، و(الميم) للانجماع والتماسك وهي تمثل هنا مطابقة اللفظ للمعنى. ويستخلص من معاني مقاطع هذه اللفظة وحروفها، أن الكلام يمكن أن يكون حبيساً في النفس، خلافاً لمفهومي النطق واللفظ. وإذن فالله تعالى يكلم أنبياءه إيحاء بالمعاني دون أصوات مسموعة، كما يكون الكلام في أحلام اليقظة وفي المنام. وهكذا فإن تعريف الكلام عند (المتكلمين) هو أكثر تطابقاً مع المعنى المستفاض من موحيات حروف هذه اللفظة، ومع المعاني المستفادة من مقاطعها. من ذبح الشاة (نحرها في عنقها، والشيء شقه وثقبه). من أسرتها: أذبحه. الذبيح، الذبح... ومعانيها جميعاً تدور حول النحر. من مقاطعها :ذب- من ذبّ (لم يستقر في مكان واحد) ذح- من ذحّ الشيء (دقه وشقّه) بح- من بحّ الرجل (غلظ صوته وخشن). وواضح أن المقطع الجذر هو (ذح)، وألحقت (الباء) في الوسط للحفر. في حروفها : (الذال) للاهتزاز والذبذبة يضاهي صوته بداية النحر بتكرار حزّ السكين في العنق. و(الباء) لمضاهاة واقعة الحفر في العنق. و(الحاء) للبحة الصوتية والحشرجة والمطاوعة. وهكذا قد توافقت معاني أسرة اللفظة ومقاطعها وحروفها في تمثيل ومحاكاة واقعة الذبح، من حز وشق وتخبط وبُحّة في الصوت. ثانياً- في تحديد معاني بعض القيم الإنسانية والاجتماعية: لقد عرضت أكثر من مرة أن اللفظة العربية بحكم نشأتها الفطرية قد أبدعت أصلاً للتعبير عن معنى حسي معين، ولذلك فإن العربي عندما كان يعوزه التعبير عن معنى غير حسي في مراحله الثقافية المتطورة كثيراً ما كان يلجأ إلى استخدام لفظة معينة تتوافر بين معناها الحسي وبين المعنى المستحدث رابطة ذهنية ما. ولذلك فإن من طبيعة الأمور أن يختار اللفظة التي تكون موحيات أصوات حروفها أكثر توافقاً مع المعنى الجديد وسياقه. ولهذا السبب بالذات قد اختار لفظة (عقل الأشياء) بمعنى أدركها على حقيقتها، ولم يختر لفظة (ربط الأشياء) لهذا الغرض. وكثيراً ما كان العربي يوفق في اختيار اللفظة المناسبة للمعنى الجديد إلى الحد الذي يغيب معه معناها الحسي، فلا يفطن له إلا كل ضليع. مما يجعل العودة إلى مقاطع مثل هذه اللفظة وحروفها مفيداً في الكشف عن معناها غير الحسي بمقدار ما هو مفيد في الكشف عن معناها الحسي الأصل، كما في (عقل الأشياء، وعقل البعير)، كما سوف نرى. هي الأنفة: والأنفة معناها (العزّة والحميّة). والعزّة معناها (الحميّة والأنفة والقوة والغلبة). من أسرتها: حمت الشمس (اشتد حرها) حامى عنه (دافع) حِمى الله (محارمه) ومنه يكون مفهوم الحمية: هو (تأجج المشاعر لحماية المحرمات)، أي المقدسات. من مقاطعها : حم- من حمّ النار (أوقدها). حمّه الأمر (أهمّه). حي حيّ يحي (فهو حيّ). مي- من ميّ، لا معنى له. والمقطع الجذر هو (حم)، والمقطع الثانوي هو (حي) ليصبح معنى الحمية (توقد الحياة). في حروفها: الحاء (للعاطفة والحرارة). الميم (للانضمام والانجماع) (الياء) لتثبيت هذه الخصائص في نفس صاحبها. وهذه المعاني تتوافق مع المعاني المستخلصة من أسرتها ومقاطعها. 2-الأنفة لغة- (العزّة والحمية) من أسرتها: الأنف (عضو التنفس والشم) أنِف (استنكف واستكبر). وهو مستمد من الصورة البصرية لرفع الرأس عالياً وفي مقدمته الأنف، في حالة ترفع النفس عن الصغائر أو المذلّة. من مقاطعها :أن- من أنّ (تأوه) أف- من أفّ تضجر، نف - من نفّ الأرض (بذرها) والمقطع الجذر هو (أف) والنون الملحقة (للصميمية) ليصبح معنى الأنفة هو: التضجر الذاتي من المستكرهات). في حروفها: الهمزة (للبروز). والنون (للصميمية والبطون).والفاء في نهاية اللفظة (للرقة) ليصبح معنى الأنفة (موقف تعال نابع من الصميم بلا عنف). هي الحمية والأنفة كما سبق. من أسرتها: عزّ (قوي وبرئ من الذل) تعزَّز لحمه (اشتد وصلب) ليصبح مفهوم العزّة (الترفع بقوة عن الذل). في حروفها: العين (للعلو والفعالية والوضوح) الزاي (للفعالية والشدّة) ليصبح معنى العزّة (المنعة والترفع بصلابة). فما كان أوهى الروابط بين معاني هذه المفاهيم الثلاثة: (الحمية والأنفة والعزّة) التي جعلوها مترادفات وهكذا تتحول ألفاظنا إلى مصطلحات، ليس في نظر المستشرقين فحسب، وإنما في نظرنا نحن أيضاً، وذلك بفعل أصحاب المعاجم اللغوية أنفسهم. هي: (عزة النفس وحرصها على مباشرة أمور عظيمة تستتبع الذكر الجميل). من أسرتها: شهمه (نشطه، وزجره). الشهم (الذكي، السيد السديد الرأي). من مقاطعها: شه- من شهّ (لا معنى له)، شم - من شمّ الرجل (ترفع وتكبر). الشمم (الارتفاع) هم من همّ بالأمر (عزم عليه ولم يفعل)، همّ الأمر فلاناً (أقلقه وأحزنه). وهكذا فالشهامة هي: مزيج من الترفع والكبر والاهتمام وعلو الهمة. في حروفها: الشين (للتفشي والانتشار). والهاء (للانفعالات النفسية) الميم (للانجماع والحرارة). وهكذا مفهوم الشهامة بحسب معاني (أسرتها ومقاطعها وحروفها) هي أقرب إلى الكبرياء، التي في (الأنفة) وإلى الحرارة الوجدانية التي في (الحمية) وإلى ما في (العزّة) من ترفع ومنعة وفعالية. لتصبح الشهامة ضرباً من: (الاهتمام العام بالقيم الإنسانية)، أو ضرباً من (الالتزام بالقيم الاجتماعية) وهو أصدق مما جاء في المعاجم حول تعريف الشهامة. هو (مطابقة الكلام للواقع بحسب اعتقاد المتكلم). وهو (الصلابة والشدة). من أسرتها : صدق في الحديث (أخبر بالواقع)، الصديق (الصاحب الصادق الود). الصَّدْقُ بفتح الصاد (الكامل من كل شيء) رجل صَدْق في القتال (ثَبْتٌ فيه). تصدّق عليه (أعطاه)، أي فعل معه فعل الأصدقاء. من مقاطعها: صد- من صدّ (اعترض، منع، صرف). دق- من دقّ (كسر) دقّ الأمر (كان خفياً لا يدركه إلا الأذكياء). صق- من صقّ (لا معنى له). في حروفها: الصاد (للصفاء والصلابة). الدال (للشدة والقوة). القاف (للقوة والمقاومة). وهكذا فإن مفهوم الصدق بحسب المعاني المستخلصة من أفراد أسرتها ومقاطعها وحروفها يتجاوز (الإخبار بالواقع). إلى (صفاء الطوية وصد الإنحراف والشطط). ليصدق بذلك القول المأثور: (الصديق من صدَقَك، لا من صدّقك). هو النبالة، وهي (الذكاء والنجابة والشرف). من أسرتها: نُبل (عظم وشرف). النَّبل (السهام) لتتردد معانيها بين (الشرف والنبال). من مقاطعها: نب- من نبّ التيس (صاح). نل- من نلّ (لا معنى له). بل من بلّ بالأمر (ظفر به) بلله الماء (ندّاه): وهكذا يبدو كأن معاني هذه المقاطع لا علاقة لها بمعاني النبالة والشرف. في حروفها: النون (للصميمية والانبثاق). والباء هنا من معانيها (البيان). واللام (للتعلق والالتصاق). ليصبح معنى النبل بحسب حروفها هو: (التعلق الواضح بصميم الذات). وهذه هي الأصالة في الإنسان)لذلك فإنَّ اسناد (الذّكاء والنجابة) للنبل لا محل له. كما أن اسناد (العِظم) إلى فعل النبل، لا محلَّ له أيضاً. ليبقى لنا من كل ما اسندوا إلى مفهوم النبل من معان هو حدس (الشرف). على أن ظاهرة -(التعالي) في الشرف، هي أبرز من ظاهرة (الانبثاق) من صميم الذات في النبل الذي هو ألصق ما يكون بمفهوم الأصالة ولكن ماذا عن الشرف؟ هو (الموضع العالي يشرف على ما حوله، والعلو والمجد). من أسرتها: شرُف المكان (ارتفع، والرجل علت منزلته)، أشراف الوجه ( الأذنان والأنف). الشرفة (أعلى الشيء). من مقاطعها: شر- من شرّ شرّاً وشِرَّة (مال إلى الشرّ، وتعوده)، الشّرار والشرر (أجسام صغيرة متوهجة تنفصل عن جسم يحترق). شَف- من شفّ الثوّب (رقَّ حتى يُرى ما خلفه). رف من رفّ الطير (رفرف). رفّ له وإليه (هشّ واهتز وارتاح). الرّف (السّرب من الطير) والمقطع الجذر (رف) للتحليق. وعلى الرغم من أن مفهوم الشرف المعنوي قد جاء مجازاً من معنى الشرف الحسي للمكان العالي، فإن كلاً من هذه المقاطع الثلاثة يكشف عن جانب معين من مفهوم الشرف فمن (شر)، التوهج. ومن شف الشفافية والرقّة. ومن المقطع الجذر (رف) للتحرك والعلو برفق، بما يماثل تحليق الطير. وقد الحقت (الشين) لإضفاء معاني الشمول على مفهوم الشرف. في حروفها: الشين (للانتشار والتفشي) الراء (للتحرك)، الفاء في نهاية اللفظة (للرقة) لتضفي معاني هذه الحروف على مفهوم الشرف: الشمول، والحيوية، والرقة. هي: قوة القلب، وشدّة البأس. من أسرتها: شجع شجاعة (قوي قلبه واشتد عند البأس) رجل شجاع وشجيع (جريء مقدام). من مقاطعها : شج- من شجّه (شق جلدة رأسه أو وجهه). شع- من شعّ الشيء شَعَّاً (تفرق وانتشر). الشَّعاع بفتح الشين (المتفرق المنتشر). الشُّعاع بضم الشين (الضوء الذي يُرى كأنه خيوط). جع من جعّ فلانا (رماه بالطين). ومقاطعها الثلاثة تصلح أن تكون جذراً أصلاً لها. في حروفها: الشين (للتفشي والانتشار). والجيم (للغلظة) والعين (للفعالية والعيانية). وهكذا فإن مفهوم الشجاعة ينطوي على (مواجهة) جميع التحديات علانية). الشجاعة. من أسرتها: بطل الشيء بطلا وبطولاً وبطلانا (ذهب ضياعاً)، بطل في حديثه (هزل) بطُل بطولة (شجُع) ومعانيها تتردد بين: البطولة والبطلان. من مقاطعها: بط من بّط الدّمّل ونحوه (شقه). بل من بلّ بالأمر (ظفر به). طل- من طلّ دم القتيل (ذهب هدراً). طلّ طلاًّ (حسن وأعجب). أطل (أشرف). والمقطع الجذر (للبطولة) هو (بط) للشق، واللام (للتعلق) ليقتصر معنى البطولة على أعمال القتال والحروب وهذا المفهوم أضيق من مفهوم الشجاعة. أما المقطع الجذر (للبطلان) فهو (طل) للهدر، والباء (للظهور) ليكون معنى البطلان(الأمر الظاهر الهدر). في حروفها :الباء (للحفر والظهور) والطاء (للمطاوعة والفخامة) واللام (للتعلق). وهكذا ينطوي حدس البطولة بحسب معاني أسرتها ومقاطعها وحروفها على (الفتك والتعالي). هو: العطاء بسهولة والجود. من أسرتها: كرمه وكارمه، واستكرم، والتكرمة، وهي تدور حول (الجود والعطاء). الكرْم (العنب). من مقاطعها: كرّ- من كرّ الفارس كرّاً (عاد مرة بعد أخرى)، كرّرّ الشيء (أعاده مرة بعد أخرى) كمْ من كمّ الناس (اجتمعوا). رم- من رمّ الشيء. رمّا وَمَرمَّةً (أصلحه وقد فسد بعضه). والمقطع الجذر هو (كر) للتكرار والإقدام، والمقطع الثانوي هو (رم) للإصلاح. ومحصلة معنييهما هي :(تكرار إصلاح ما فسد من حال الناس بالعطاء). في حروفها : الكاف (للاحتكاك). والراء (للتحرك والتكرار) والميم (للانضمام والانجماع) بما يفيد الترميم والاصلاح. ومن معاني أسرة هذه اللفظة ومقاطعها وحروفها يتضح أن مفهوم الكرم يتناقض مع الإسراف والتبذير والسفه، ببذل المال فيما لا يغني ولا يرمم. ثالثاً- في تحديد معاني بعض النقائص الإنسانية والاجتماعية: ولنبدأ بتحديد مفهوم النقيصة.
هي (الخصلة الدنيئة). من أسرتها: نقص الشيء (قلّ وخس). النقص (الضعف). من مقاطعها: نق- من نقت الدجاجة أو الضفدع (صوتت). النقوق (الصائح) نص- من نص الشواء (صوت على النار). نصّ الشيء (أظهره ورفعه) قص- من قصّه (قطعة بالمقص). القصاص (العقوبة). تقصّص أثره (تتبعه). والمقطع الجذر هو (قّص) والنون الملحقة (للصميمية) وبذلك يكون صاحب (النقيصة هو (المقطوع في صميمه) أي (الأبتر). في حروفها: النون (للصميمية)، والقاف (للقوة والانفجار الصوتي) والصاد (للوضوح) والياء لترسيخ هذه الخاصية في نفس صاحبها. وبالتأليف بين المعاني المستخلصة من أسرتها ومقاطعها وحروفها يصبح معنى النقيصة (خسة راسخة في النفس). هو خلاف الصدق. من أسرتها: كذب (أخبر عن الشيء خلاف الواقع) كذب الظن والسمع (أخطأ). من مقاطعها: كذ- من كذّ (خشن وصلب). كب- من كبّه على وجهه (قلبه وألقاه). أكب على وجهه (انقلب) ذب -من ذبّ (لم يستقر في مكان واحد) ذبّ لسانه (جفَّ) والذباب (نحَّاه وطرده). والمقطع الجذر هو (كب) للانقلاب والذال الملحقة (للذبذبة والاهتزاز). في حروفها: الكاف (للخشونة والاحتكاك) الذال للاهتزاز والاضطراب. الباء هنا (للحفر والبعج). وهكذا، فإن الصورة المحسوسة لمقطع (كب) تشير إلى قلب الواقع وعكسه في حفرة نفسية، وليس (مجرد ذكر خلافه)، كما أن الخشونة والصلابة في مقطع (كذ) تشير إلى الصفاقة وفقدان ماء الحياء في الوجه والضمير. أما الصورة المحسوسة في مقطع (ذب) فهي تشير إلى الاضطراب والتفاهة في الكذب والكذاب، وكل منها يصلح أن يكون المقطع الجذر لها. كما أن معاني حروفها تزيد في توضيح معنى الكذب، فالكاف للاحتكاك توحي (بالصراع الداخلي) والذال للاهتزاز توحي (بالاضطراب النفسي) والباء هنا (للحفر). ولذلك كثيراً ما يفضح الكذاب نفسه بنفسه لما يعانيه من اضطراب في النفس والذهن. ولقد أفاد علم النفس الجنائي من هذه الظاهرة في اختراع جهاز كشف الكذب. هو (إظهار المرء خلاف ما يبطن). من أسرتها: نفق الشيء (نفد) المنافق (من يخفي الكفر ويظهر الإيمان) النفق (سرب في الأرض أو الجبل له مدخل ومخرج) النافقاء (إحدى حجرتي اليربوع يكتمها ويظهر غيرها). من مقاطعها: نف- من نفّ الأرض (بذرها) نق- من (نقيق الدجاج والضفدع) فق- من فقّ الشيء (انفرج والباب فتحه) النقاق (الكثير الكلام القليل الغناء). والمقطع الجذر هنا يختلف باختلاف المعنى المقصود من هذه اللفظة. آ-فالمقطع (نف) للمعاني التي تدل على الإنفاق. ب-والمقطع (نق) للمعاني التي تدل علىالنفاق. جـ-والمقطع (فق) لما يدل على النفق والنافقاء. في حروفها: النون (للصميمية والنفاذ والانبثاق) والفاء (للانفراج والاتساع والضعف) والقاف (للقوة والمقاومة والانفجار الصوتي). ومعاني هذه الحروف هي أصلح ما تكون للتعبير عن (النفق). فالنون هنا (للنفاذ في الأشياء) والفاء (للانفراج) والقاف (للقوة والمقاومة والانفجار الصوتي). وحكاية النفق ليست إلا نفاذاً في أرض أو جبل بشيء من الاتساع وبكثير من القوة والمقاومة، وذلك (سوقاً للحروف على...) وهكذا يمكن تعريف مفهوم النفاق بالرجوع إلى مقاطعها وحروفها، بأنه (نثر للكلام في سمع الآخرين، من (نفّ، ونقّ، وفقّ) بشيء من اللطف والليونة (للفاء) وبما يتعارض مع الصميم (للقاف) كما يمكن تعريف المنافق بالرجوع إلى أفراد أسرتها، بأنه : (هو الذي يتخذ الأنفاق في تعامله مع الآخرين). فيظهر بذلك خلاف ما يبطنه في دهاليز نواياه. هي الغدر والنقصان. من أسرتها: خان الشيء خونا وخيانة (نقصه). خان الأمانة (لم يردها). خان صديقه (غدر به) من مقاطعها: خو- من الخوّ (الجوع، والعسل). الخوَّة (الأرض الخالية). خن -من خُنّ بضم الخاء (جُنّ). استخنت البئر (أنتنت). الخن، لغة في الخُم (محبس الدجاج). ون - من الوّن (للضعف). والمقطع الجذر فيها هو (خن) للخنخنة والنتانة والقذارة. وقد ألحقت (الياء) بها لاستقرار هذه الخاصية في صاحبها. في حروفها: الخاء هنا (للقذارة والعيوب النفسية والأخلاقية). والياء (للاستقرار) والنون في نهاية الألفاظ (للخفاء والضعف). وهكذا، فإن مفهوم الخيانة بحسب أسرتها ومقاطعها وحروفها ينطوي على النقاصة والغدر والنتانة وفساد النفس المستقر في الذات، مما يجعل الإعدام المادي أو الأدبي عقوبة عادلة للخيانة. هو الفساد والرداءة. خبُث الشيء (صار فاسداً رديئاً مكروهاً)، الخِبثة (الحرام). المخبثة (المفسدة). خب- من خبّ خِبّا (خدع وغش فهو خبّ) خببّه (خدعه وأفسده). خث- الخُثّ (غثاء السيل بعد أن يجف ماؤه، بث بثّ (فرق، والسّر أفشاه). والمقطع الجذر هو (خب) للخداع والغش والثانوي (خث) للحثالات والقذارات والتوافه. في حروفها: الخاء (للرخاوة والتشويه والتقزز) والباء هنا (للحفر والبقر). والثاء (للرقة والدماثة والبعثرة). وهكذا تبدأ ظاهرة الخبث بطوية مجبولة على الفساد والغش وعلى ما هو خسيس وحقير (للخاء) ثم يتم الانتقال إلى الحفر ونصب الفخاخ حول الضحية (للباء) لتنتهي هذه الظاهرة بكل ما هو دمث من معسول الكلام والوعود (للثاء) وذلك (سوقاً للحروف على..). هو (القبيح الشنيع من قول أو فعل). فحش القول فحشا (اشتد قبحه) فحش الأمر (جاوز حدّه). فحَّش وتفاحش وتفحش والفاحشة، والفحشاء، (للشناعة والقبح قولاً أو عملاً). من مقاطعها: فح- من فحّت الأفعى (صوتت) وفُحّة الفلفل (حدّته). فش من فشّ (نفخ قليلاً). الفش (الأحمق). الفشوش (المفتخر بالباطل) حش - من حشّ الشيء. (جف ويبس). حشّ الحرب (اضرم نارها). الحشيش (ما يبس من الكلأ). وهكذا فالمقطع الجذر هو (فح) لما يماثل فحيح الأفعى من القول قبحاً وشناعة والمقطع الجذر الثانوي هو (فش) لما ينتج عن الحمق والبطلان من الأعمال الشنيعة والقبيحة. في حروفها: الفاء (للانفراج والاتساع). والحاء (للعاطفة) وهي هنا سلبية. والشين في نهاية اللفظة (للتفاهة والتفشي). وهكذا ينطوي مفهوم الفحش على انفراج العواطف السلبية عن الشناعة والقبح والتفاهة والجفاء، بأكثر ما يكون من الانتشار. من أسرتها: خدع فلان خدعاً (تخلق بغير خلقه). خدع الظبي (دخل كناسه). خدع الطعامُ (أنتن) خدع الشيء (كتمه وأخفاه). الخادعة (الباب الصغير في الباب الكبير، والبيت في جوف البيت)- المخدع (البيت الصغير داخل البيت الكبير). من مقاطعها: خد- من خدّ الأرض (حفرها)، الأخدود (الشق المستطيل في الأرض) الخُدّة (الحفرة). خع -من خعّ الفهد (صاح من حلقه إذا انبهر في عدوه) دع -من دعّه (دفعه دفعاً عنيفاً بجفوة). وهكذا تكون محصلة معاني مقطعي (خد +دع): أن يحفر أحدهم حفرة. ثم يدفع شخصاً آخر بقوة وجفوة ليوقعه فيها. وهذا المعنى هو أكثر توافقاً مع المفهوم الحقوقي والأخلاقي للخداع مما جاء في أسرتها. فمجرد أن يتخلق إنسان ما بغير خلقه، إذا لم يكن لغرض معين من إيقاع الأذى بالآخرين، لا تتوافر فيه شروط مفهوم الخداع فالناس إذا عمدوا إلى إخفاء عيوبهم الجسدية أو النفسية، وعملوا على الظهور بأحسن المزايا، لا يُعد في حد ذاته خداعاً ولهذا السبب عرّض الشاعر العربي بهذه الظاهرة الإنسانية دون أن يدينها أخلاقياً فقال:
في حروفها: الخاء (للعيوب النفسية والأخلاقية) والدال (للشدة) والعين (للفعالية)، وهكذا فإن المعاني السابقة تضفي على الخداع شيئاً من الشدة والفعالية. مما يؤكد أن المخادع يتحلى بقدرات ذهنية متميزة، وهمة وعزيمة، وأنه ليس مجرد خائن خسيس أو منافق ضعيف أو خبيث يتزلف ولهذا السبب قيل (الحرب خدعة). هو -نقض العهد وترك الوفاء به. من أسرتها :غدَر الرجل (نقض العهد، وشرب ماء الغدير). غدر الشيء (خلّفه وجاوزه). الغدير (القطعة من الماء يغادرها السيل). في مقاطعها: غد- من غدّ البعير (صار ذا غدّة، وهو طاعون الإبل)، ولا علاقة له. غر - من غرّ الرجل غرّا أو غُروراً (جهل ، وفلانا، خدعه وأطمعه بالباطل، غرّه الشيطان وغرته الدنيا). غرّر به (عرّضه للتهلكة) در- من درّ الماء أو الحليب (كثر وجرى وسال). يمكن اعتماد مقطع (غر) للتغرير جذراً للفظة الغدر، وألحقت الدال به للقساوة والعنف. كما يمكن اعتماد (در) لكثرة المياه وجريانها جذراً للفظة الغدير، وألحقت الغين في أوله (للغؤور والغموض). في حروفها: الغين (للغؤور والغموض) والدال (للشدة) والراء (للتحرك والتكرار). ومعاني هذه الحروف تكشف عن المعنى الأصل لكل من أفراد أسرة هذه اللفظة ومقاطعها، وإن تنوعت معانيها، واختلفت بين معاني الغدر والغدير. من أسرتها : حسده (تمنى أن تتحول إليه نعمته، أو أن يسلبها). من مقاطعها : حس- من حسّ الشيء حسّا (استأصله). انحسّ (انقطع)، حد- من حدّ السيف حِدّةً (-صار قاطعاً)، أمر حَدَد (ممتنع باطل) سد- من سدّ الشيء سّدا (أغلق خلله وردم ثلمه)، تسدَّد- واستدّ (استقام وانتظم)، السد (ما يسد مياه الوادي من حجارة). يمكن اعتماد (حس) للاستئصال والقطع مصدراً جذراً للحسد بمعنى سلب المحسود والدال للشدة. كما يمكن اعتماد مقطع (سد) جذراً لها بمعنى تحويل النعمة من المحسود إلى الحاسد، وألحقت الحاء (العاطفية للمشاعر السلبية). في حروفها : الحاء (للعاطفة السلبية) والإحاطة والسين (للمسير والخفاء). والدال (للشدّة). وهكذا تضفي حروف ومقاطع هذه اللفظة على مفهوم (الحسد) مشاعر إنسانية سلبية، لا تقف عند حدود التمني بل تتعداه إلى السعي الخفي، لاستئصال النعمة من المحسود (حس)، أو لتحويل النعمة عن صاحبها إليه (سد). هي- (أخذ مال معين المقدار غير مملوك للآخذ من حرز مثله خفية). من أسرتها سرقه (أخذ ماله خفية). سرق صوته (بُحّ). سُرق (خفي). من مقاطعها: سر- من سرّه سروراً ومسرة (أفرحه).سرَّ الشيء سِرَّاً (كتمه). السريرة (ما يكتم ويسرّ) سق- من سقَّ (لا معنى له). السقق (المغتابون للناس). رق- من رقه (جعله رقيقاً)- رقّ له (رحمه وخضع وذلّ. واستحيا والحُرُّصار رقيقاً). والمقطع الجذر هو (سر) للخفاء، وألحقت القاف به للقوة والمقاومة. بمعنى أن السرقة وإن كانت تعتمد التلصص والتستر والخفاء ابتداء، فإنها تعتمد القوة انتهاء، في الكسر والخلع وربما القتل على العكس من الاختلاس كما سيأتي. في حروفها: السين (للمسير). تضاهي سعي اللص تصيداً للفرص والراء (للتحرك والتأود ذات اليمين وذات اليسار والتكرار)، تضاهي واقعة التلصص والمراقبة تمهيداً للجرم، والقاف (للقوة والمقاومة) تضاهي نهاية الحدث بالإقدام على انتزاع المال من حرزه بقوة وذلك (سوقاً للحروف). لغة: الاستلاب مخاتلة وانتهازاً. ولا تخرج أسرتها عن هذه المعاني. من مقاطعها: خل- من خلّ خلولا (صار فيه خلل). خلّ الشيء (ثقبه ونفذه) الخلل والخلال (منفرج بين شيئين) خس- من خسّ الرجل (فعل الخسيس)، خسّ النصيب (قلّ) الخسيس (القليل التافه) لس -من لسّ الشيء لسّا (أكله ولحسه). وهكذا فالمقطع الجذر هو (خل) للخلل والانفراج، بما يضاهي بداية حادث الاختلاس، في انتهاز فرصة مواتية من غفلة في الذهن وفسحة في الزمان أو المكان. وقد ألحقت السين في نهاية اللفظة للخفاء بما يضاهي نهاية الحدث بالاستيلاء على المسلوب خفية ودونما شدة، على العكس مما لحظناه في مفهوم السرقة. في حروفها : الخاء (للاضطراب والرخاوة والخسّة). اللام (للالتصاق). السين في نهاية اللفظة (للخفاء). وهكذا تضيف (الخاء) إلى مفهوم الاختلاس معاني الخسة، كما تحدد (اللام) شروط الاختلاس، من تواجد المختلس والمختلس منه والشيء المختلس في مكان واحد، وذلك لخاصية الالتصاق فيه وإلاّ كانت الفعلة سرقة لا اختلاساً.أما (السين) في نهاية اللفظة فهي للخفاء): ولذلك أطلقوا على سرقة أموال الدولة من المؤتمن عليها مصطلح (الاختلاس) للخسة والخفاء. هذا كما يمكن اعتماد (لس) جذراً للأكل واللحس و(الخاء) للرداءة. من أسرتها : بخُل بكسر الخاء وضمها (ضنَّ بما عنده ولم يَجُد). من مقاطعها : بخ- من بخّ (لا معنى له). بل -من بلّ من مرضه (برأ وصحّ) بلّ بالأمر (ظفر به) خل- من خلّ الشيء (صار فيه خلل)، خلّ فلان (افتقر واحتاج). والمقطع الجذر هو (خل) للافتقار والاحتياج والحقت الباء في أوله وهي هنا (للبيان والظهور) وهكذا فإن إعلان الفقر والاحتياج، هو الشرط اللازم والكافي لمفهوم البخل، بمعنى أن مجرد تظاهر الإنسان بالفقر والاحتياج، كاف لاتهامه بالبخل. كما أن من يمنع الحاجة عن سائلها، إذا لم يعلن فقره واحتياجه لا يقال له بخيل، وإنما مقتر، أو شحيح، أو ضنين. في حروفها: الباء (للظهور والبيان) الخاء (للخسة والرخاوة). اللام (للتعلق والالتصاق)- وهكذا تكشف معاني هذه الحروف عن حقيقة مفهوم البخل، من العلنية (للباء) ، والخسة (للخاء)، وإمساك اليد والتعلق بالحاجة موضوع المسألة (للاّم). من أسرتها: شحّ الماء (قلّ وعسر) شحّ فلان بالشيء (بخل به). الشح (البخل والحرص). وهكذا فالشح هو البخل مع الحرص، ولا يشترط فيه التظاهر بالفقر والحاجة، لا بل يشترط في الشحيح اليسر والسعة. في حروفها : الشين (للتفشي والجفاف) والحاء (مسيبة المعاني، هي هنا للعواطف السلبية). لتضفي الشين على مفهوم (الشح) الشمول والإطلاق، يشمل الشحيح ذاته وأهله. من أسرتها: ضنّ عليه (بخل بخلاً شديداً) الضنين (الشديد البخل، أو البخيل بالشيء النفيس). وهكذا فالضن يغلب على مفهومه: البخل بما هو نفيس، أو أثير على النفس عزيز، ليرقى بذلك أحياناً إلى مرتبة الفضيلة. وذلك كمن يضن بمحبة آخر أو صداقته، أو سمعة قومه وشرف أمته، (لا يفرّط بهما) وما إلى ذلك، مما لا يصح فيه استعمال البخل أو الشح. في حروفها :الضاد (للفخامة والنضارة ومشاعر النخوة). النون في نهاية اللفظة (للرقة والأناقة والاستقرار). وهذه المعاني تتعارض أصلاً مع معيبات البخل والشح والتقتير وتتوافق مع مفهوم الضن بما هو أثير وعزيز على النفس وهو المعنى الأصل. رابعاً -في تحديد معاني بعض المفاهيم الاجتماعية والفلسفية: لقد لاحظ القارئ ولا شك سهولة استنباط المعاني الفطرية الحسية للأمثلة من الأحداث التي استعرضناها آنفاً بالرجوع إلى أسرها ومقاطعها وحروفها، كما في قطع (فصل...). أما استنباط الروابط الذهنية بين المعاني الحسية والمجردة للقيم والنقائض، كما في (الحميَّة -النفاق -الخداع...) فقد اقتضاني شيئاً من الجهد والمشقة. ولكن استنباط الروابط الذهنية بين الحسي والمجرد في هذه الفئة من المفاهيم (الاجتماعية والفلسفية) قد اقتضاني المزيد من الجهد والمشقة، كما سيرى القارئ وذلك لعلة التجريد في بعضها وغلبة استعماله للمعاني المجردة، كما في (العقل- العقيدة- الحق) كما سيأتي. هو لغة (ما يقابل الغريزة التي لا اختيار لها. وما يكون به التفكير والاستدلال وتركيب التصورات والتصديقات، وما به يتميز الحسن من القبيح، والخير من الشر، والحق من الباطل). من أسرتها: عقل الأشياء عقلا (أدركها على حقيقتها) عقل البعير (ضم رسغ يده إلى عضده وربطهما بالعُقال ليبقى باركاً). عقل فلاناً عن حاجته (حبسه عنها). عقل البعير (التوت رجله). العُقال (الحبل الذي يُعقل به البعير) المعقِل (الملجأ والحصن). ونظراً لغلبة معاني الربط والحبس على المشتقات السابقة، فإن العربي كما يبدو قد استعار هذه اللفظة الرعوية للتعبير عن مفهوم (العقل المجرد) في مرحلة ثقافية متطورة، وذلك لرابطة ذهنية مشتركة بين الصورة الحسية (لعقل البعير) والصورة الذهنية (لعقل الأشياء). فما هي هذه الرابطة بين المعنيين؟ إنها واقعة الربط ذاتها: فالعقال يربط حسياً (رسغ يد البعير إلى عضده)، والعقل يربط ذهنياً (العلة بالمعلول) كما في العلاقة بين الاحتكاك والحرارة، فالاحتكاك (علة) والحرارة (معلول) فإذا صح الربط بين العلّة والمعلول توصل الذهن إلى حقيقة معينة ومن خصائص الحقائق (الثبات) بما يماثل ثبات البعير بعد عقله. والثبات يقوم أصلاً على التوازن) بين المقادير (1+1=2). وخاصية الربط بين العلّة والمعلول وما يستتبع ذلك من التوازن بين المقادير أو القيم وما إليهما، يمارسهما العقل في شتى المجالات الرياضية والفيزيائية والاجتماعية والفلسفية والجمالية والروحية واللغوية أيضاً. وهكذا يدرك العقل حقائق الأشياء أي عللها ومعلولاتها. وما أحسب أن المفهوم الفلسفي الحديث للعقل يتجاوز حدود حدس العربي فيه. في مقاطعها:عق- من عقّت انثى الحيوان (حملت) عقّ ثوبّه (شقّه) عقّ أباه (عصاه) العقّة (حفرة عميقة في الأرض). عل- من علّ (شرب ثانية ومرض) قل - من قلّ الشيء (نقص) - استقل الطائر (ارتفع). ومعاني هذه المقاطع بعيدة عن مفهوم الربط والعقل وإن كان في مقطع (عق) لحمل انثى الحيوان ما يتصل بمعنى الربط لواقعة اللقاح فماذا عن حروفها؟ في حروفها- العين هنا (للفتل والدوران كما مر معنا في دراستها) بما يضاهي واقعة لف العقال على رسغ يد البعير وعضده والقاف (للقوة والمقاومة) بما يضاهي الشّدة والمقاومة في الربط. واللام- (للالتصاق والتعلق) بما يضاهي ضم رسغ اليد إلى العضد والتصاقهما، وذلك (سوقاً للحروف على...). ويطيب لي أن أتساءل هنا: لماذا اختار العربي لفظه (عقل البعير) الحسية للتعبير عن (عقل الأشياء) الذهنية، ولم يختر لفظه (ربط) وهي في إطلاقها أعم من (عقل)؟ ذلك أن (العيانية والوضوح) للعين في عقل هما من أخص الخصائص العقلية. كما أن (القوة والمقاومة) في القاف تضاهي واقعة المشقة الذهنية في الكشف عن حقائق الأشياء وعللها. أما اللام- (للالتصاق) فهي تمثل واقعة ارتباط العلّة بالمعلول التصاقاً سرمديا. أما في (ربط الدابة)، فالراء (للحركة والتكرار) تضاهي واقعة التفاف الحبل حول عنقها أو رسغها، والباء (للحفر والبقر) تضاهي ربطها بوتد يشق الأرض من (بطّ الدّمّل، شقها) والطاء- (للمطاوعة والفلطحة) تضاهي واقعة استكانتها لفعل الربط). وواضح أن المعاني الحسية في (ربط) تقصِّر عما في (عقل البعير) من الضبط والربط والإحكام، كما أن أصوات حروفها تفتقر إلى ما في موحيات صوت العين من إشراق وعيانية ووضوح، لا يضاهيه في ذلك إلا إشراق الذهن في تأملاته العقلية. هو إعمال العقل في المعلوم للوصول إلى معرفة المجهول. من أسرتها: فكّر في الأمر (أعمل العقل فيه ورتب بعض مايعلم ليصل به إلى مجهول). أفكر في الأمر (فكّر فيه) افتكر الأمر (خطر بباله). الفكرة (الصورة الذهنية لأمر ما). من مقاطعها: فك- من فكّ الشيء (فصل أجزاءه) وفكّ العقدة (حلّها). فر- من فرّ الأمر وعنه (بحثه ليكشفه). فرّ الدابة (كشف عن أسنانها لينظر ما سِنُّها). كر- من كرّ الليل والنهار (عادا مرة بعد أخرى). وهكذا فالمقطع الجذر هو (فك) لمضاهاة ما يقوم به الذهن من تجزئة المشكلة موضع النظر إلى عناصرها الأولية، مادية كانت أم ذهنية، و(الراء) الملحقة به للدلالة على التحرك والتكرار والترجيع في الذهن أثناء التفكير. أما المقطع الثانوي فهو (كر) للترجيع والتكرار، و(الفاء) الملحقة به للتوسع والانفتاح في الذهن وللقارئ. إذا رغب أن يعتبر المقطع الثانوي (فر) للبحث والاختبار والانفتاح و(الكاف) الملحقة به (لاحتكاك الذهن بما لديه من معطيات). في حروفها :الفاء (للشق والفصل والانفراج والانفتاح)، مما يضاهي تجزئة موضع التأمل إلى عناصره الأولية، والكاف (للاحتكاك) مما يضاهي إعمال العقل في المطابقة بين المعطيات المعلومة وبين المجاهيل المطلوب معرفتها، كما في الفكر الهندسي والرياضي أو الفلسفي والراء (للتكرار والترجيع)-بما يضاهي إمعان النظر وتقليب الأمر على مختلف وجوهه. الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده وفي الدين هو: ما يُقصد به الاعتقاد دون العمل، كعقيدة وجود الله وبعثه الرسل. من أسرتها: عقد الزهر (تضامت أجزاؤه فصار ثمرا) عقد الحبل ونحوه (جعل فيه عقدة). عقد قلبه على الشيء (لزمه)، أعتقد الشيء (صلب واشتد). (العِقد (قلادة من خرز ونحوه تُحيط بالعنق). والعقيدة بحسب أسرتها، هي ما انعقدت النفس عليه من معنى معين، فتتكون به تكويناً جديداً على مثال ما ينعقد الزهر في الثمر. من مقاطعها: عق- من عقّت انثى الحيوان (حملت). عد- من أعدّ الشيء (هيأه وجهزّه). قد- من القدّ (المقدار، والقامة والقوام). والمقطع الجذر هو (عق) لحمل الأنثى، مما يضاهي لقاح النفس بمعتقد معين. والدال (للشدّة). في حروفها: العين (للسمو والعيانية والوضوح والفعالية والعقد والربط). لتجمع العين بذلك كامل المضمون الروحي للعقيدة الإنسانية النبيلة. والقاف (للقوة والمقاومة) مما يضاهي قوة التمسك بالعقيدة والياء في الوسط (لاستقرار المعنى في الصميم. والدال (للشدة المادية)، مما يضاهي واقع شدة التمسك بالعقيدة بكل ما لدى صاحبها من قوى. وهكذا قد جمعت (لفظة) العقيدة إلى نفسها أقوى ما في أصوات الحروف من موحيات القوى الروحية والمادية، وذلك على مثال ما جمع (مفهوم العقيدة إلى ذاته أقوى ما في أغوار النفس من أسباب التفتح والنماء جيلاً بعد جيل، وعقيدة بعد عقيدة، وألف مأساة وكارثة بعد ألف، منذ فجر الحضارة الإنسانية إلى نهاية الحياة، إن كان للحياة نهاية. هو الإنصاف، وهو إعطاء المرء ماله وأخذ ما عليه. من أسرتها: عدل عدلاً وعدولاً (مال، وإليه رجع، وفي أمره استقام). اعتدل (توسط بين حالين من كم وكيف). العِدل (المثيل والنظير ونصف الحمل يكون على أحد جنبي البعير). وهكذا فالمعنى المحسوس لمفهوم العَدل هو نصف الحمل وزناً لا نوعاً. من مقاطعها: عل- من علّ (شرب ثانية، ومرض). عد- من عدّ الدراهم (حسبها وأحصاها)- العديد (النِّدّ والقرن والنظير). دل -من دلّه عليه (أرشده وهداه). وهكذا، فالمقطع الجذر لهذه اللفظة هو (عد) للقرن والند والنظير، أما المقطع الثانوي فهو (دل) للهداية والرشاد. في حروفها: العين (للعيانية والوضوح والسمو). الدال (للشدة). اللام (للتعلق والالتصاق). والعدل بحسب هذه المعاني يتصف بالعيانية والظهور والوضوح (للعين). وبالشدّة (للدال)، وبالالتزام- (للام). وهكذا يتلخص مفهوم العدل في الموازنة العلنية بين الحقوق، والموازنة هي أحد عناصر الجمال. على أن ظاهرة العطاء في العدل هي الأصل كما في قوله تعالى: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة). (سورة/ النساء- 3)- فعندما يقضي العدل أن يأخذ من أحد شيئاً فذلك ليعطيه إلى صاحب حق آخر فيأخذه بالحق. وفي ذلك قوله تعالى: (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) سورة (الأعراف /159). هو ضد الباطل، والأمر المقضي، والعدل، والمال، والملك، والوجود الثابت، والصدق والحزم، والواجب، وما أكثر الخلط في هذا التعريف. وهو من الأسماء الحسنى. من أسرتها: حق الأمر (أوجبه) استحق الشيء (استوجبه واستأهله) الحُق (النقّرة في رأس الكتف، أو رأس الورك الذي فيه عظم الفخذ). حُقّ الطيب (وعاؤه). والمعنى الحسي الأصل لهذه اللفظة هو الحُق (للنقرة في رأس الكتف أو رأس الورك) وهذه النقرة هي الحيّز الطبيعي اللازم والكافي للنتوء في عظم العضد أو عظم الفخذ، كيما يقوم بوظائفه الطبيعية فلا تضيّق في النقرة يحول دون تحرك النتوء، ولا توسع فيها يؤدي به إلى الانخلاع من مقره. وهذا ما يتوافق مع مفهوم الحّق الطبيعي للإنسان. في حروفها: الحاء (للعاطفة والحرارة والإحاطة) والقاف المشددة (للمزيد من القوة والمقاومة) وهذان الحرفان اللذان يجمعان بين العاطفة والقوة دونما فاصل بينهما يحكيان قصة الحق عبر التاريخ فحقُّ التملك، وهو أصل الحقوق جميعاً، يبدأ برغبة ما (للحاء)، فتعمل القوة فوراً على تحقيقها (للقاف المشددة). وذلك (سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد). على أن مفهوم الحق بحسب أسرة هذه اللفظة وحرفيها هو أن يأخذ الإنسان الحيز اللازم والكافي لممارسة وظائفه الطبيعية دون زيادة أو نقصان في مختلف مجالات الحياة الأسروية والدينية والسياسية وما إليها. وإذن فإن ظاهرة الأخذ في مفهوم الحق هي الأصل على النقيض من مفهوم العدالة وإن كان كل منهما يكمل الآخر ويتممه. وهكذا يُضفي حرف الحاء على مفهوم الحق حرارة التعلق العاطفي بمواضيعه والإحاطة بها. أما حرف القاف، فيكشف عمّا يقتضي الإنسان من قوة للحصول على حقوقه بمواجهة ما يلقاه في سبيل ذلك من مقاومة جميع الكائنات وقوانين الطبيعة والأنظمة الاجتماعية على حد سواء. ومفهوم الحق بحسب اللغة العربية يختلف عن مفهوم العدالة في أمور كثيرة، منها: العدالة موضوعية عيانية، والحق ذاتي صميمي. العدالة ظاهرة اجتماعية والحق ظاهرة أصالة حياتية. العدالة توازن، والحق تكامل. العدالة عطاء، والحق أخذ. رِقة القلب وانعطاف يقتضي التفضل والإحسان والمغفرة. من أسرتها: رحِمه (رقّ له وغفر وتعطف). الرِّحم، والرَّحِم (بيت منبت الولد ووعاؤه، والقرابة وأصلها وأسبابها)، الرحمن، الرحيم (من أسماء الله الحسنى). من مقاطعها: رم- من رمّ الشيء رما ومرمة (أصلحه وقد فسد بعضه). حم -من حمّ التنور (أوقده) الحميم بالحاجة (الكلف بها). رح- من رحَّ الفرسُ (اتسع حافره). الرَّحَح (الجِفان الواسعة). الجفنة هي القصعة العظيمة تشبع أكثر من عشرة. والمقطع الجذر هو (رح) بمعنى الاتساع والجفنة الواسعة للطعام. وألحقت به (الميم) للانجماع والانضمام. وهكذا فإن الجفنة الواسعة المفتوحة المعدّة للطعام في (رح) تنقلب (بميم) الأمومة المضافة إلى وعاء واسع مغلق معد لاستيعاب الجنين وما يحتاجه من الطعام في (الرَّحِم). أما المقطع الثانوي فهو (حم) للحرارة والإحاطة والتعلق وخاصية الأهل والولد. في حروفها: الراء (للتحرك والتأود) الحاء هنا (للإحاطة وعاطفة المحبة والحرارة). الميم (للانضمام والانجماع والحرارة). وهكذا تتوافق معاني هذه الحروف إلى أقصى الحدود مع معنى (الرحم)، ومع مفهوم (الرحمة) في كل ما يكتنفهما من مظاهر الحركة والتحرك والحرارة والإحاطة والانضمام، حسيها ومعنويها على حد سواء. ولما كان أصل المعاني في اللفظة العربية هو الحسي، فإن مفهوم (الرحمة) قد اشتق من (الرحِم) كوعاء للولد، وذلك لما تقتضيه هذه الصلة بين الأم وجنينها من دواعي العطف والحدب والرقة والحنان. وهكذا يتجاوز مفهوم الرحمة مفاهيم العدالة (تعادل واعتدال)، والحق (واجب) والكرم والصدقة (عطاء) إلى ما هو أمس بصميم الإنسانية، فكما أن عاطفة الأمومة تنبعث أصلاً من علاقة الأم بمعناها (الجنين)، فإن الرحمة تنبعث أيضاً من علاقة الإنسان بمعناه الملقى على الآخرين، في فيض ذاتي يلتزم به وجدانياً تجاههم عفو فطرته السوية، في وعاء من الرحمة، لا أوسع رحاباً ولا أضمّ آصرة، ولاأكثر دفئاً. وجاء في كتابه العزيز (ورحمتي وسعت كل شيء). فكان الرحمن الرحيم من أسماء الله الحسنى. هو الإدراك بلا دليل. الإحساس. وفي علم النفس، يطلق الشعور على العلم بما في النفس أو بما في البيئة، وعلى ما يشتمل عليه العقل من إدراكات ووجدانيات ونزعات، ولذا قالوا أن للشعور ثلاثة مظاهر هي: الإدراك والوجدان، والنزوع. وهذا التعريف لا يخلو من غموض واضطراب. من أسرتها: شعر به شعوراً (أحسّ به وعلم). الشّعر (ما ينبت على الجسم مما ليس بصوف ولا وبر للإنسان وغيره). الشِّعْر (كلام موزون مقفى قصداً). الشعيرة (ما ندب الشرع إليه وأمر بالقيام به). وهكذا تتوزع هذه المعاني بين الشعور وشعر البدن، فأيهما هو الأصل؟ من مقاطعها : شع- من شعّ الشيء شعّاً (تفرق وانتشر). أشعّت الشمس. شر- من شرّ فلان (مال إلى الشر). الشّرار والشرر (أجزاء صغيرة متوهجة تنفصل من جسم يحترق). عر- من عرّ الظليم عِراراً (صاح). العَرّة (الشدة والخلة القبيحة). العُرَّة (الجرب). والمقطع الجذر هو (شع) للانتشار والاشعاع و(الراء) الملحقة به، للتحرك والترجيع. أما المقطع الثانوي، فهو (شر)، للبسط وتناثر الشرار والشرر و(العين) الملحقة به للعيانية والوضوح. أن مقطع (عر) لا علاقة له. ولذلك إذا اعتمدنا مقطع (شع) للانتشار والتفرق كانت (الراء) الملحقة به للتحرك والتأود، وكان المعنى أقرب إلى شعر البدن. أما إذا اعتمدنا مقطع (شر) لبسط الأشياء وتناثر الشرار والشرر من الأجسام المتوهجة كانت (العين) الملحقة به للسمو والعيانية والوضوح كان المعنى الصق بالشعور الإنساني. في حروفها: الشين (للتفشي والانتشار). والعين (للعلو والعيانية والوضوح)، والراء (للتحرك والترجيع والتأود والتكرار). وهذه المعاني تتوافق مع الصورة البصرية لشعر رأس الإنسان عندما تتلاعب الأنسام بذوائبه ذات اليمين وذات الشمال. كما أنها تتوافق مع المفهوم الفلسفي للشعور (فالشعور هو تيار نفسي مستمر معبأ بالمعاني والتصورات الذهنية). وهذا التعريف يتضمن خصائص الشعور الأربع التي قال بها الفيلسوف الفرنسي (هانري برغسون) وهي: (الديمومة، والتغير، والتكامل، والاصطفاء). فالشين (للتفشي والانتشار)، مما يحاكي الانفعال النفسي مع بداية كل حالة شعورية. والعين (للعيانية والوضوح والصفاء والفعالية)، مما يحاكي انتقال الشعور من الانفعال إلى حالة نفسية واضحة (حب. كره. عطف. حزن. حقد) والراء (للتحرك والترجيع والتكرار)، مما يحاكي حركة الشعور ضمن الحالة النفسية الواحدة، من تصور إلى تصور، في حركة واصطفاء. وذلك سعياً من الشعور لتحقيق المثل الأعلى في تحفة فنية (تمثال، لوحة، قصيدة، معزوفة...) أو في قيمة أخلاقية (بطولة،كرم، نجدة..). فهل يُعقل أن يكون العربي قد عنى بالشعور هذا المفهوم الفلسفي البرغسوني الحديث؟. أعتقد أن نعم، إن لم يكن فلسفياً فعلى واقع نظرته الفنية إلى الحياة المعاشة، فما الشعر العربي إلا حصيلة معاناة الشاعر مع مشاعره الإنسانية على وجه ما سبق بيانه، في موقف حب، أو بطولة، أو نخوة أو فخار. وكان مَثل العربي الأعلى، أن يصبح بطلاً أو شاعراً. هو: استعداد نفسي لإدراك الخبيث من الطيب من الأعمال والأقوال والأفعال من أسرتها: ضمُر ضموراً (هزل وقلّ لحمه). أضمرت المرأة (حملت، والشيء أخفاه). رجل ضمر (ضامر البطن). من مقاطعها: ضم- من ضمّ الشيء (قبضه إليه وجمعه). ضر- من ضّره (الحق به مكروهاً أو أذى) الضّراء (الشدة). مر- من مرّ الرجل مروراً (جاء وذهب). مرّ الشيء مرارة (صار ذا طعم مرّ). ولا علاقة له. فالمقطع الجذر هو (ضم) للانضمام، مما يتوافق مع دخيلة الخاطر في النفس و(الراء) الملحقة به للحركة تعطي دخيلة الخاطر التي تضمها النفس قدرة على التحرك للتحقق خارج الذات في فعل أو قول. وخاصية الحركة في الضمير هي التي تضفي عليه معناه الأخلاقي، مما هو ألصق بالمفهوم الفلسفي للضمير الإنساني، فالضمير الذي لا يتحرك إنما هو مجرد سِرّ متحجر لا حياة فيه. أما المقطع الثانوي فهو (ضر) للضرر، والميم الملحقة في وسطه تتوافق مع ألحاق الضرر بالجوف وهو الهزال الذي يصيب البطن أصلاً، فعمم العربي هذه الحالة على كل ضمور يصيب الإنسان أو الحيوان أو الأشياء. في حروفها: الضاد (للفخامة والنضارة)، والميم (للانضمام والانجماع)، والراء (للحركة والترجيع). معاني هذه الحروف هي أكثر توافقاً مع مفهوم الضمير الفلسفي، من الضمور الحسي. هي معاونة الله للإنسان على نيل الخير. من أسرتها: سعد (نقيض شقي، أي كان في راحة نفسية). ساعده في الأمر (عاونه). ومعاني هذه اللفظة وأسرتها تتردد بين نيل الخير والراحة النفسية، وبين المساعدة. من مقاطعها : سع- من سعّ لا معنى له. سد من سدّ الشيء سداداً وسدوداً (استقام). السدّ (الحاجز بين الشيئين). عد - من عدّ الدراهم (حسبها وأحصاها). أعدّ الشيء (هيأه وجهزه). والمقطع الجذر هو (سد) للاستقامة، والعين الملحقة به للصفاء والعيانية والوضوح والفعالية. في حروفها: السين (للحركة والطلب) العين (للصفاء والوضوح والفعالية). الدال (للشدّة والقوة). وهكذا فإن مفهوم السعادة، يتردد بين نيل الخير والراحة النفسية والمساعدة والاستقامة بوعي وفعالية. وإذن فالسعادة كراحة نفسية تتحقق، إما في (مساعدة الآخرين بعزيمة واعية)، وإما في (السعي باستقامة ووعي وفعالية). ومنه نرى أن مفهوم السعادة قد انقلب من (معاونة الله للإنسان على نيل الخير) إلى (معاونة الإنسان للآخرين على نيل الخير). كما انقلب أيضاً من مجرد (راحة واستمتاع بخيرات الحياة) وفقاً لما يراه أصحاب نظرية اللذة، إلى (السعي الجاد والمجهد باستقامة ووعي)، وهو الأصح والأصدق. هي سوء الحظ والحال والهلاك والنحس. من أسرتها: تعس تعسا (عثر فسقط وأكبّ على وجهه، وهلك) والتُّعس (الشرّ). من مقاطعها: تع- من تعّ الرجل تعّا وتعّة (استرخى وتقيأ). تس - من الّتسَسُ (الأحوال الرديئة) عس -من عسّ فلان (طاف ليلاً). والمقطع الجذر هو (تع) للتقيؤ والاسترخاء. والسين الملحقة في آخر اللفظة للاستقرار والاستكانة. في حروفها: التاء ( للضعف والتفاهة). العين (للوضوح والعيانية). السين (للاستقرار والخفاء). وهكذا فإن مفهوم التعاسة ينطوي على النكسة من (تعس)، وعلى الاسترخاء من (تع) وعلى الرداءة من (تس) وعلى الاستقرار والاستكانة من حرف (السين) في آخر اللفظة، وبذلك تكون التعاسة ضرباً من النكسة والاستكانة، على النقيض من السعادة، كسعي باستقامة ووعي وفعالية. كما أن التناقض بين التعاسة والسعادة يمكن استخلاصه من حروفهما: فالسين في أول السعادة (للحركة والطلب). والسين في آخر التعاسة (للاستكانة والخفاء). والتاء في أول التعاسة (للضعف وتوافه الأمور)، والدال في آخر السعادة (للشدّة والقوة). أما العين في الوسط، فهي حيادية بينهما لمجرد العيانية والظهور. هو السرور والابتهاج. من أسرتها: فِرح فرحاً (رضي) فرِح بكذا (سُرّ وابتهج). من مقاطعها: فر- من فرّ فرّا وفراراً (هرب). فرّ الأمر وعنه (بحث ليكشفه). افتر البرق (تلألأ). الفّراء من النساء (الحسناء الثغر). فرّ الدابة (كشف عن أسنانها لينظر ما سنها). فح- من فحّت الأفعى (صوتت من فيها). فُحّة الفلفل (حرارته). رح- من رحّ الفرس (اتسع حافره). الرحراح (الواسع المنبسط). وهذه المقاطع تضفي على مفهوم الفرح معاني الانفتاح والانكشاف (فر) والحرارة (فح) والسعة والانبساط (رح)، بما يتوافق مع المعنى اللغوي للفرح. في حروفها : الفاء (للانفتاح) والراء (للتحرك)، والحاء هنا (للعواطف الإيجابية والإحاطة). والفرح بحسب معاني هذه الحروف، هو حالة نفسية منفتحة (للفاء)، متحركة (للراء). تكتنفها حرارة العواطف الإيجابية (للحاء)، مما يتوافق مع المعنى النفسي للفرح. وهكذا، ما من لفظة في الدنيا تضاهيها في التعبير عن حالة الضياع النفسي التي يحياها الإنسان الفَرِحُ: انفتاح مشاعر بلا حدود (للفاء) وحركة في النفس بلا قيود (للراء)، وحرارة تؤجج العواطف بلا ضوابط (للحاء). ولذلك غالباً ما يختم الذين يقعون فيها بالدعاء: (اللهم أعطنا خير هذه الساعة..) وكما أدانت اللغة العربية حالة الفرح، فقد أدانها القرآن في (32) أية بكل ما يتعلق بأمور الدنيا، كما في قوله تعالى (إن الله لا يحب الفرحين) القصص (76) لتقتصر براءتها على ما يتعلق منها بالإيمان في (3) آيات فقط: "فرحين بما أتاهم الله". آل عمران (170). هو ضد الحسن، ويكون في القول والفعل والصورة. من أسرتها: قبح البيضة (كسرها والبثرة، فضخها حتى يخرج قيحها). القبيح (ذو القبح، وقيل هو ما يكون متعلق الذم في العاجل والعقاب في الآجل). من مقاطعها: قب -من قّب يد فلان (قطعها) قّب الشيء عن موضعه (ارتفع) ومنها القبّة. قح- من قح (صار قُحا). القُحّ (الخالص من اللؤم أو الكرم وكل شيء. ويقال لئيم قُحّ، وعبد قُحّ) بح- من بحّ الرجل (أخذته خشونة وغلظة في صوته). والمقطع الجذر في هذه اللفظة هو (قب) لما في معانيه من التشويه النظري (القطب، ارتفاع الشيء عن موضعه، أي عن أصله). والمقطع الثانوي هو(بح)، لما في معانيه من التشويه في الصوت. في حروفها: القاف (للقوة والمقاومة، والأصوات الانفجارية). الباء (للقطع والبقر والبعج). الحاء هنا للعواطف السلبية. وهكذا ينطوي مفهوم القبح على التشويه البصري والسمعي. كما ينطوي أيضاً على التنافر الذوقي، لما في صوتي (القاف والباء) من عنف وغلظة، وما في صوت (الحاء) من رقة وجمال، فكان هذا التنافر الذوقي في أصوات الحروف هو الرابطة بين القبح المحسوس في البصريات والسمعيات، وبين مفهوم القبح فيما هو غير محسوس من الأفعال والأفكار والمعاني. هو الجمال، وكل مبهج مرغوب فيه. من أسرتها : أحسن (فعل ما هو خير). أحسن الشيء (أجاد صنعه). حاسنه (عامله بالحسنى). من مقاطعها: حس- من حسّ الشيء وبه حسيساً (أدركه بإحدى حواسه). أحسّ الشيء وبه (علم به). حن من حنّ حنيناً (صوت) حنّ إليه (اشتاق). سن -من سنّ الحجر ونحوه (صقله). سنّ الشيء (صوّره وملسه، والطريق مهده)، سنّن كلامه (حسّنه وهذّبه). وظاهر أن كلاً من هذه المقاطع الثلاثة يصلح أن يكون جذراً لمفهوم (الحُسن). ليكون هو نفسه محصلة معانيها: فمقطع (حس) للإحساس بالشيء والعلم به، يُدخل الحسن في نطاق المحسوسات ومقطع (حن) يكشف عما يثيره الحسن في النفس من عواطف الشوق والحنين، ليتجاوز الحسن بذلك نطاق المحسوسات إلى ما هو غير محسوس من العواطف والمشاعر والمعاني، أما مقطع (سن) فيضفي على الحسن شيئاً من الصقل والملاسة، تخليصاً له من كل ما هو ناب أو متنافر. في حروفها: الحاء هنا (للعاطفة الجميلة والحرارة). والسين (للحركة والرشاقة والملاسة). والنون (للرقة والأناقة). وهكذا، جمع الحسن إلى نفسه أجمل الأصوات وأعذبها جرساً، وأوحاها بمشاعر الحب والحنين، وأكثرها دفئاً ورشاقة ورقة وأناقة، في تناغم صوتي وتوافق معنوي، مما لم يتوافر في أي لفظة أخرى، ليشع الحسن بذلك إشعاعاً من هذه اللفظة دونما حاجة إلى أي تفسير أو تأويل، وقد وردت هذه اللفظة ومشتقاتها في مئة وثمانية وثمانين آية في القرآن الكريم قد اختصت المرأة بواحدة منها فقط في صورة (الأحزاب)/52). (لا يحل لك النساء من بعد... ولو أعجبك حسنهن.....). هو: الحسن في الخَلْقٍ والخُلق. من أسرتها: جمل الشيء (جمعه). جامله (أحسن عشرته). الجمل (واحد من الإبل). الجملاء (الجميلة). تجمّل الرجل (تكلف الجمال وتحسن وتزين وتلطف في الكلام). من مقاطعها: جم- من جمّ الماء (كثر واجتمع)، الجِمام (الراحة). الجميم (الكثير من كل شيء) جل- من جلّ الرجل جلالة (تمّ)، جلّ جلالا (عظم قدراً وشأناً)، مل- من ملّ الشيء في الجمر (أدخله فيه)، ولا علاقة له. والمقطع الجذر هو (جل)، للتمام والكمال ورفعة المقام، والميم الملحقة في وسطه للانجماع والانضمام مما يفيد التناسق والانسجام. في حروفها: الجيم (للضخامة والامتلاء)، والميم (للانجماع) واللام (للتعلق والتماسك، وهذه المعاني هي أكثر توافقاً مع معنى الجمل، كواحد من الإبل. ومن المعاني المستخلصة من أسرة هذه اللفظة ومقاطعها وحروفها يتبين أن مفهوم الجمال في الذهن العربي ينطوي على التكامل والتناسق، على العكس مما في القبح من نشاز وتشويه وتنافر واضطراب، ليكون القبح بذلك هو نقيض الجمال، وبفارق أيضاً بين الحسن والجمال: إن طابع الإشراق والصقل والملاسة يغلب على مفهوم الحسن، أما مفهوم الجمال فيغلب عليه طابع الجلال والعظم، ولذلك قيل (الله جميل ويحب الجمال). ولم يسند الجمال للمرأة في أي من آيات القرآن الكريم. حبّ الأمرُ (صار محبوباً). وحبّ فلانا (أحبّه). من أسرتها :حبّب الزرع (بدا حبّه)- تحبب إليه (تردد). الحُباب (طرائق تظهر على وجه الماء تصنعها الريح). في حروفها : الحاء هنا (للعاطفة الإنسانية الجيدة والإحاطة والحرارة). الباء (للشق والبقر والحفر). وهكذا فالحب بحسب هذه المعاني، هو شُحنة عاطفية جميلة تغزو قلب الإنسان، فتشق شغافه وتحفر فيه عميقاً إلى سويدائه. بمعنى أن الحب يأتي من العالم الخارجي غازياً على جناح صورة جميلة أو في سهام من نظرات آثرة. وذلك (سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد)، لتلتقي بذلك وجهة نظر العربي في الحب بوجهة نظر اليونان، عندما مثلوا الحب بسهام يطلقها طفل جميل فيشك بها قلوب الناس. على أن العربي قد اكتفى بإعطاء مفهوم الحب معاني الود والوداد، ليضفي عليه بحرف (الحاء) ما يلزمه من العاطفة والحرارة والجمال، وليمنحه بحرف (الباء) معاني العمق والتغلغل في الأحشاء دونما أي تصور جنسي، خلافاً لما يرى بعض مفكرينا. ولكن، أين هذا المفهوم مما يكابده المحب من قلق وأرق وشوق وتعلق وولع ووله، مما يقرِّح الجفون ويضني الجسم ويذهب بالعقل؟ لقد أحال العربي هذه الحالات العاطفية إلى ألفاظ أخرى، قد اختص كل منها بالكشف عن لون ما من ألوان الحب وعن درجة ما من درجاته. وهكذا احتفظ العربي لمفهوم الحب بصفائه ونقائه وبراءته وحرارته وعمقه وعفته وكياسته وجماله، مما يجعل هذه العاطفة صالحة للتداول بين الأصدقاء أيضاً، وبين الآباء والأبناء، وبين الناس والطبيعة، وبين الله والناس. ولقد تردد ذكر الحب ومشتقاته في خمسٍ وسبعين آية من القرآن الكريم، ولم يرد الحب بمعنى العشق إلا في آية واحدة ولكن مقترناً بالشغف: (وقال نسوة في المدينة، امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه، قد شغفها حباً...) (سورة يوسف- 30). مما يثبت ابتعاد مفهوم (الحب) الصّرف عن التصور الجنسي. هو: التعلق بالشيء تعلقاً لا يُستطاع التخلص منه، والعذاب الدائم الملازم. من أسرتها: أُغرم بالشيء (أولع به) الغرامة (الخسارة) المغرم (المولع بالشيء لا يصبر على فراقه). ومعانيها تتردد بين الولع والغرامة. من مقاطعها: (غر- من غرّ الرجل غرارة وغِرّة (جهل وغفل عنها فهو غُرّ). غرّ فلاناً غرّاً وغروراً (خدعه وأطمعه بالباطل) الغّرر (الخطر)، غم- من غمّ اليوم (اشتد حرّه، حتى كاد يأخذ بالنفس) غمّ الشيء (غطاه وستره). الغمّ (الكرب، أو الحزن يحصل للقلب بسبب ما). رم- من رمّ العظم (بلي) ورمَّ الشيء رما ومرمَّةً (أصلحه وقد فسد بعضه) الرُّم- (الهمّ). في حروفها: الغين (للغيبوبة النفسية والغؤور والظلام). الراء (التحرك والحرارة). الميم (للانضمام والانجماع والحرارة). وهكذا ليس لعاطفة الحب مما ورد آنفاً سوى ما جاء فيها من الولع بالشيء والتعلق به، كما يمكن صرفها أيضاً إلى التعلق ببعض العادات والهوايات والملذات وما إليها، بمعرض المدح والذم على حد سواء. ولئن كانت المعاني المستخلصة من مقاطعها خلواً من كل ما يمت إلى الحب بصلة، فإن من شأنها أن تصور لنا الحالة النفسية للمغرم بعد أن يقع في الحب ويتمكن من نفسه (فيتعلق به تعلقاً لا يستطيع التخلص منه). فللغرام من المقطع الجذر (غر)، الجهل والغفلة والخدعة والخطر، والتعرض للهلاك. وله من مقطع (غم) الكرب والحزن وشدة الحرارة والظلمة، وله من مقطع (رم) البلى والهم. وما أحسب أن ثمة محللاً نفسياً يستطيع تصوير الحالات التي يمر بها المغرم بأبلغ وأدق مما جاء في معاني هذه المقاطع. على أن مفهوم الغرام وفق ما جاء في مقاطع هذه اللفظة، إنما هو مدين في معانيه إلى حرف الغين (للغيبوية النفسية والغؤور والظلام) ولحرف الراء (للقلق والهيجان)، ولحرف الميم في آخر اللفظة (للحرارة والانضمام). وهكذا فالغرام ليس إلا حالة مرضية من حالات الحب. هو عُجب المحبوب بمحبوبه، أو إفراط الحب، ويكون في عفاف ودعارة، أو عمى المحب عن إدراك عيوب المعشوق، وقال أبقراط (العشق نصف الأمراض). من أسرتها: عشقه (أحبّه أشدّ الحبّ).عِشق بالشيء (لِصق به ولزمه). من مقاطعها: عش- من عشّ بدنه (نحل وضمر) عشّش الكلأ (يبس). عق -من عقّ الثوب (شقه). شق- من شقّ الشيء (صدعه وفرقه). شقّ عليه الأمر (صعب). في حروفها: العين (للعقد والربط والعيانية والفعالية والإحاطة). الشين (للتفشي والانتشار). القاف (للقوة والمقاومة والانفجار الصوتي). ومفهوم العشق بحسب معاني أسرة هذه اللفظة يتضمن التلازم والالتصاق وهما من أخص خصائص العشق ولئن كانت معاني مقاطعها لا تمت إلى عاطفة الحب بأي صلة، فإنها تكشف عما يكابده العاشق من: نحول وضمور، ومن يباس ومشقة، ومن تصدع في النفس يعمى له العاشق عن إدراك ما في المعشوق من عيوب (وعين الرضى عن كل عيب كليلة...) أما مفهوم العشق بحسب حروف هذه اللفظة، فهو يتضمن العقد والربط (للعين)، كما يشمل مختلف النزعات النفسية (للشين)، في صراع بين القلب والعقل (للقاف) من قوة ومقاومة وإذن فالعشق يبدأ بإحاطة عاطفة الحب بمشاعر الإنسان، لينتهي إلى صراع مدمر بين مشاعره وقواه العقلية. وهكذا يتضمن مفهوم العشق، العلانية والشدة والتعلق والمشقة والقلق والضنى والوساوس، وكل ما يعانيه المحب من حالات وأعراض تصل به إلى حد الهوس والجنون. ومما سبق يتضح أن العشق ليس (حباً)، وإنما هو حالة مرضية مستعصية من حالات مرض الحب كما قال أبقراط. ولكن ماذا عن بقية الالفاظ التي استخدمها العربي للتعبير مجازاً عن حالات خاصة من حالات الحب وأمراضه؟ باختصار شديد أجيب. الهوى: يمثل حالة الحصار والتخبط في الحب. كمن يسقط في هاوية. والهيام بمعنى (العطش الشديد)، لمحاكاة من يحرق الحب قلبه (والهاء) للاضطرابات النفسية. والوجد بمعنى (الحزن تارة، والغضب تارة أخرى)، يمثل تقلب المحب بين هذه المشاعر بصدد علاقته بالحبيب. والولع، للتعلق الشديد بالحبيب. وذلك لخاصية اللام في (الالتصاق) وخاصية العين (في العيانية والظهور والفعالية والإحاطة والربط). والوله بمعنى (شدّة الحزن حتى ذهاب العقل)، لمضاهاة ضياع الرشد بعد أن يتمكن الحب من نفس صاحبه لتخصص (الهاء) بالاضطرابات النفسية. والدّله بمعنى (ذهاب الدم هدراً)، لمضاهاة من يقع في (حيرة ودهشة من الحب والعشق)، فيذهب عقله هدراً ، من دلَه (ذهب دمه هدراً) ودلِه (ذهب فؤاده من هم وعشق)، للهاء. ونحن لو عمدنا إلى استخراج معاني أسر هذه الألفاظ ومقاطعها وحروفها، لرأيناها خلواً مما يتصل مباشرة بعاطفة الحب فكل واحدة منها كما لحظنا آنفاً، تكشف عن حالة معينة من حالات الإنسان المرضية بعد أن يغزو الحب قلبه، على مثال ما لحظنا ذلك في لفظتي الغرام والعشق. فعاطفة الحب في اللغة العربية كما هي في الطبيعة الإنسانية، إنما هي وقف على حرفين اثنين: عاطفة جميلة يحتضنها قوس من (الحاء)، مشدودة إلى سهم من (الباء) يشكها المحبوب في سويداء القلب . وهكذا، قد خلت الألفاظ الدالة على حالات الحب ومقاطعها مما يشير إلى أي لذة أو مسرة. وكأني بالحب لدى الإنسان العربي ليس إلا مدخلاً لصنوف الهموم والأوهام وضروب العناء والمعاناة، وألوان الشقاء والضياع، فلم أعثر على أي لفظة لحالات الحب وضروبه فيها مسرة أو سعادة أو لذة، مما جعل الشكوك تحوم حوله في تهم من الجنون. فالحب على رأي اللغة العربية بين فتى وفتاة ليس مجرد نداء غريزي خفي، وإنما هو قبل ذلك اختبار حساسية مشاعر وتجربة حياة، وامتحان وجود. فمن لم يغز الحب النقي قلبه أنّى كان مصدره ومحله، تظل أعماقه النفسية مغلّقة الأبواب لا يتسرب إليها نور، وخامدة لا تحركها أنسام، وهكذا يمضي صاحب هذا القلب المتحجر أو العاصي عمره، وفي نفسه ضمور، وفي عواطفه شلل، هيهات أن يعرف للجمال طعماً وللإيثار معنى. بحيادية قاض نزيه، ودرءاً لكل شبهة تحيز أو محاباة، قد اخترت هذه الفئة من المفاهيم الاجتماعية والفلسفية التي يغلب على معانيها بالضرورة طابع التجريد، وقد أبدعت مصادرها أصلاً لمعان محسوسة. لقد وقع اختياري عليها متحملاً مشقة البحث عن الرابطة الذهنية بين معانيها الحسية وغير الحسية وذلك للأغراض التالية: 1-لاختبار هذه الدراسة عن خصائص الحروف ومعانيها في أعصى استعمالاتها، وأدق دلالاتها. 2-للاهتداء إلى حقيقة مضامين هذه المفاهيم إزالة لكل التباس معجمي حول معانيها. 3-للكشف عن عمق نظر الإنسان العربي فيما تناولته هذه المفاهيم من الشؤون الثقافية، وعن صِدق حدسه فيها. فهل وفقت في ذلك كله؟ |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |