مظاهر التجديد في القصة القصيرة بالجزائر - مخلوف عامر

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:42 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثالث نماذج تطبيقية

النموذج الأول:‏

استمرت حرب التحرير تمد ظلالها على كل الكتابات الأدبية بصفة عامة وعلى الكتابة القصصية بصفة خاصة، حتى أنك لا تقرأ مجموعة قصصية وإلا وقد أفردت بعض قصصها لحرب التحرير مباشرة أو ربط فيها بين الواقع الجديد للقصة وواقع حرب التحرير بخيط رهيف. وهاهي مجموعة الأشعة السبعة) تحتوي على ثلاث عشرة قصة، عشر منها تدور حول الحرب وتدين ممارسات الاستعمار الفرنسي إما في الجزائر أو في تونس.‏

فالفتى الذي يتجول مع فتاته الجميلة المحبوبة، ويرغب في أن يتزوجها، لمايخرج معها يتفسحان، تفسد عليهما الطائرات جولتهما، بل تفجع الفتى في محبوبته، فالحرب تفسد العرس، إنها تقف ضد الحرية والفرح. ومواطن يبعث بطرد ملغم إلى قائد فرنسي ليقتله، ثم لا يلبث أن يذهب هو -بدوره- ضحية انفجار قنبلة وضعت في طريق قطار كان يركبه.‏

وآخر يكره الواقع الاستعماري المر الذي حرمه حتى من الحصول على مهر الزواج، فقرر أن يهاجر للحصول عليه في ديار الغربة، ولكن هيهات أن يعود، فقد مات دون أن يتوصل إلى تحقيق غايته، ذلك هو ثمن المهر ولكنه أيضاً ثمن التفكير في الحلول خارج الوطن.‏

وتحضر المرأة الفرنسية بوصفها رمزاً لفرنسا. فهي ترتبط بالمواطن الجزائري أو الفرنسي برباط الزواج، لكن سرعان مايفترقان أو تحاول الاستيلاء على بيت صديقتها "دنيا" فتضع لغماً ينفجر عليها.‏

تحضر الحرب في أغلب القصص باستغلالها ودمارها ويحضر نقيض الحرب ممثلاً بالثوار أو بالعمل الفدائي. وصورة الحرب في قصص المجموعة، هي صورة الصراع الكتلوي، الكتلة الوطنية ضد الكتلة الاستعمارية. ومايمكن أن يعد جديداً في الموضوع لا يتعدى قصتين:‏

الأولى حلم الصيف):‏

وفيها هذه الزوجة الحريصة على السفر إلى الخارج، لكن زوجها يقنعها -بعد جهد كبير- بالعدول عن فكرتها وتعويضها بالسفر إلى "تونس" وبالرغم من القلق الناشئ من التفكير في اجتياز الحدود وممارسات رجال الجمارك، إلا أنهما يفاجأان بأن لا أحد يوقفهما عند العودة، إذ أعلنت الوحدة بين تونس والجزائر.‏

والثانية الوصية):‏

تصور أباً في المستشفى يتغذى بالسيروم وأبناؤه من حوله يتحاورون حول التركة، إلى أن يقول لهم في الأخير: بأنه لم يترك لهم سوى أم، فهل تقسم الأمهات؟‍‏

فالكاتب إذن يدلي برأيه صريحاً يما يتعلق بالتفكير في تقسيم البلاد، فهو يستنكر الفكرة أصلاً، لأن الجزائر أمنا جميعاً، والأم إذا تقسمت ضاعت.‏

إلا أن الذي يلفت النظر ليس قدم الموضوع أو جدته. وإنما هي الطريقة التي أخذ الكاتب "عبد الحميد بن هدوقة" يهتدي إليها ويجربها، وتتعلق بالتقنيات المستحدثة في قصته "الأشعة السبعة" على وجه الخصوص، والتي نعتبرها مظهراً من مظاهر التجديد في الكتابة القصصية، ولذلك نرى من الضروري أن نتعرض إليها بالتحليل -فيما يلي- بشكل مستقل.‏

الأشعة السبعة:‏

1- تبتدئ القصة بمقدمة وصفية نتعرف من خلالها على الطفل الأبكم الأصم له أم لا يراها وبجوارهم بركة يخشاها سكان القرية جميعاً لأن فيها عملاقاً يختطف العذارى.‏

2- يأتي إلى البركة فيرمي سبع حجرات الواحدة تلو الأخرى، فتشكل سبع دوائر.‏

ب- فتخرج شمس ذات سبعة أشعة وهو يسمع صوتاً يقول "إني عائدة".‏

3- استمر يتردد على البركة، ثم اهتدى إلى أن يحضر سطلاً، يملأه ماء فيسقي‏

ج- جفاف البركة الجرداء.‏

4- كانت الأم -فيما سبق- قد حضرت مع ابنها هذا إلى البركة لتستحم وتأخذ‏

أ- الماء فغاصت في البركة وابتلعت.‏

5- في يوم كان الطفل جالساً عند البركة يرمي الحجرات كعادته، وإذا بسرب‏

د- من الطائرات يمر فوقه متبوعاً بسرب من الغربان.‏

هـ 6- سقطت قنبلة في البركة ودوى انفجارها، وإذا بالحسناء الجميلة تخرج منها‏

7- فينطق الطفل قائلاً "أمي".‏

موضوع القصة الذي هو الحرب ليس جديداً، لكن الجديد هو طريقة التناول. فالكاتب لم يتعرض للحرب بشكل مباشر أو تقريري كما عهد ذلك من قبل.‏

فالعنصر الجديد يظهر في التعامل مع الزمن.‏

زمن الخطاب القصصي أي ترتيب السارد للأحداث في النص القصصي، قد أشير إليه بالأرقام، بينما زمن الحكاية نفسها أشير إليه بالحرف.‏

وبموازنة بسيطة نلحظ التداخل بين الزمنين أومايدعى بالتواتر. المقطوعة القصصية الثالثة في زمن الخطاب هي الأولى في واقع الحكاية.‏

فلو أن القصة من النوع التقليدي المعهود لكانت هذه المقطوعة هي بداية النص القصصي لأنها هي البداية في الواقع.‏

والمقدمة وظيفته توفير المعطيات التي هي العناصر النووية القاعدية في نمو الأحداث وبالتالي بناء القصة. إنها بمثابة احتياطي يمنع من أن تبقى الأحداث فريسة للصدفة.‏

العملاق إمكانية الاختطاف.‏

البكم إمكانية النطق.‏

ماء البركة إمكانية السقي/ الحياة.‏

اللحظة الحاضرة في الواقع وواقع القصة أيضاً هي تمكن الطفل من النطق. واسترجاع النطق الذي فقده هو استرجاع الأم المفقودة أيضاً. والاسترجاع يقع على ما مضى.‏

الحرب مضت ولكنها قائمة في الذاكرة تمارس حضورها دائماً. لم يعمد الكاتب إلى النقل الحرفي للواقع، وإنما خلق معادلاً آخر يختلف تماماً حيث لعبت الخرافة دوراً خيالياً يجعل هذا المعادل المكتوب في الخطاب القصصي يتجرد من المكان والزمان، ليسبح في مساحة فنية لا تحيل إلى واقع الحرب بشكل مباشر فج.‏

وكان للعدد "سبعة" دوره المتميز، خاصة وأنه تكرر فأضفى هالة أسطورية على النسيج القصصي، لما فيه من السحرية ولما يوحي به رمي الحجرات من بعد ديني: رجم الشيطان.. سبع حجرات، سبع دوائر، سبعة أشعة، السقي سبع مرات أيام سبعة.‏

يكفي لهذا العدد أن يقرع الذهن بشكل متكرر ليستحضر القارئ السنوات السبع وهو عمر الحرب التي انتهت الأرض الجرداء فأصبحت معشوشبة. السارد يلعب دور الملاحظ والشاهد، ولذلك يعتمد على الوصف، وهو يؤدي وظيفة التبليغ والتعبير.‏

ثم إن أجزاء القصة ذاتها تتكون من سبع مقطوعات قصصية مما يكون قد تم بقصد أو بغير قصد.‏

ونحن نضيف إلى أسلوب التقابل الذي اهتدى إليه الأستاذ عبد الله بن حلي)(1) . في كتابات ابن هدوقة) ظاهرة التناقض أيضاً.‏

فالفرنسية التي تبيت الخديعة لصديقتها "دنيا" في قصة "الصداقة"(2) ينفجر عليها اللغم الذي وضعته بيدها، والبركة التي تبتلع الأم هي المصدر الذي تسقى فيه الأرض الجرداء، والغربان نذير شؤم، لكن عودة الأم فأل وانفجار القنبلة يخلف الدمار أصلاً، ولكن بعدما هوت القنبلة خرجت الأم.. ومرد هذه الفكرة إلى أن الكاتب يؤمن بأن الظالم يحمل موته في ظلمه. إن الاستعمار في الوقت الذي يقدم فيه على السيطرة، يكون قد خطا خطوة نحو القبر.‏

يبدو من خلال هذه المجموعة أن رؤيا الكاتب لم تأخذ -بعد- حظها من العمق الفكري والفلسفي.‏

فبالإضافة إلى تصوره الصراع في الحرب التحريرية بين كتلتين متجانستين، فإن تصوره للوحدة الوطنية ينحو نحو المثالية إلى حد ما، وتصوره للوحدة مع تونس- وربما مع بقية البلدان العربية- انحصرت في الجمارك والحدود في تفاؤل زائد.‏

إن الجديد في "الأشعة السبعة" يتمثل خصوصاً في هذا النهج الذي أخذ يرتسم في قصص "ابن هدوقة" والذي سعى من خلاله إلى انتشال النص الأدبي من التسجيلية والتقريرية.‏

وإن جاز القول، فإن استرجاع الأم في هذه القصة كان في الوقت نفسه استرجاعاً للقدرة على النطق واسترجاعاً لأدبية النص.‏

على أن هذه المجموعة التي تمثل الأشعة السبعة) قمتها، تتنوع فيها الأدوات الفنية المستخدمة بين السرد بضمير الغائب الذي يضع السارد في موقف الملاحظ والمشاهد ويجعل القصصية تنجذب أكثر نحو طابعها التقليدي وبين الاسترجاع واستخدام المونولوج من حين لآخر، في حين بقيت بعض القصص ومنها قصة البطل) أسيرة النبرة الخطابية الوعظية.‏

ونشير في الأخير إلى ظاهرة أخرى في المسار الأدبي لـ عبد الرحمن بن هدوقة)، وهي أنه جنح إلى الواقعية الحرفية أثناء حرب التحرير، وكأن الواقع كان أقوى من أن يلفه في ثوب من الخيال، فلما وقف على عتبة الاستقلال جعل من "الأشعة السبعة" استراحة يعيد فيها للنص الأدبي ميزته.‏

ثم عاد يجنح نحو الواقعية التقريرية مرة أخرى في رواياته التي كتبت لاحقاً، ريح الجنوب)، نهاية الأمس، بان الصبح)، وكأن واقع الخطاب السياسي الجديد كان أقوى من أن يقاوم كواقع حرب التحرير.‏

ثم لما وقف على عتبة الثمانينات، عاد مرة أخرى يستغل الخرافة والأسطورة والتقاليد في الجازية والدراويش)، وكأنه في ذلك يستحضر الأشعة السبعة) ويعيد كتابتها بنفس جديد.‏

هل معنى ذلك أن الكاتب وقف عاجزاً -أدبياً- أمام خطاب الحرب وأمام خطاب السبعينات فيما بعد، فانقاد إلى الخطاب السياسي لعجزه عن خلق بنية أدبية تخرق الخطاب السائد؟!‏

أم أنه وقف غداة الاستقلال أمام خطاب لم يتبين هويته ومصيره وتكرر معه الموقف نفسه في بداية الثمانينات فاضطر إلى أن يأخذ موقعاً يمكنه من استقراء الخطاب الجديد عن مسافة؟! إن هذه الإشكالية تقتضي بحثاً متأنياً، ليس هذا مجاله.‏

ولكن فضل الكاتب، لا يقتصر على نجاحه في توظيف الخرافة واستثمار التراث، بل يعود أيضاً في الجازية والدروايش)، إلى أنه تفطن إلى أن القرية / الجزائر، يتنازعها مشروعان.‏

ولعل الصراع بين مشروعين هو العمود الفقري في قصص "الطاهر وطار" كما سنرى .‏

النموذج الثاني‏

تتميز كتابات"الطاهر وطار" بوضوح الخط السياسي/ الأيديولوجي الذي يتحرك فيه. فالمجتمع بالنسبة له: يتقاسمه مشروعان: مشروع تمثله الطبقة الكادحة الفقيرة، ومشروع تمثله الطبقة البرجوازية المترفة. ويندر جداً أن تخلو قصصه من استرجاع الماضي.‏

ففيرقصات الأسى)، يصور هذا الشاب القروي الذي يحضر الحفل ويلاحق الراقصة، والقصاب يسرح مع الأنغام نحو ماضيه فنعرف أنه كان معلم قرآن وتزوج فتاة كانت تطلب منه أن يغني لها، إلى أن ماتت على يديه. وفي قصةالزنجية والضابط)، يعالج قضية السلطة في العالم الثالث من خلال الدور الذي يلعبه الضابط رمز الجيش، والصحفي رمز النخبة المثقفة والحزبي رمز جهاز الحزب.‏

يستغل جولة هذا الوفد إلى الصحراء مع المرأة الزنجية لتعرية السلطة، والأدوار التي تتبادلها هذه الفئات من يمين إلى يسار إلى وسط.‏

وفيالحوت لا يأكل)، يستعرض الواقع السياسي العربي المتأرجح بين انكاره الصراع الطبقي وتأكيده على اختيار الطريق الثالث تحت شعار: "لا شرقية ولا غربية" ظل الصياد يراقب صنارته حتى الساعة السادسة ولم تهتز، إلى أن جاءه طفل يخبره أن الحوت مصروع فقد جاءوا صباحاً وصبوا عليه سائلاً.‏

ويريد بالحوت المصروع وضعية الشعب المخدر المغلوب على أمره.‏

وفياشتراكي حتى الموت)، ينتهج أسلوباً استهزائياً بنمذجته شخصية الانتهازي الذي يحمل خطاباً اشتراكياً ولكن ممارساته تتناقض مع ادعاءاته تماماً.‏

فهو يسكن فيلا، ويملك سيارة فخمة، وله طفل سماه"غيفارا" ويتمتع وهو في سيارته بجولة في"الشريعة"، يصب غضبه على البرجوازية، غير أن كل ممارساته غارقة في البرجوازية.‏

وفيزوجة الشاعر)، تتباهى المرأة كثيراً بوضعها، تفضل الفنادق الفخمة، ولا تتردد في التفاخر أمام كل من تراها، لكن زوجها مصر على البقاء في المركز لأن نفقاته أقل ولو هو من الدرجة الأخيرة.‏

وفيالشاعرة الناشئة والرسام الكبير)، يتعرض الكاتب إلى موقف الفنان ودور المخرجين والرسامين والقصاصين والنقاد.‏

وحجر الأساس في قصص المجموعة، وفي كل كتابات"الطاهر وطار" هو انطلاقه من فهم المجتمع من منظور الصراع الطبقي، وعليه يترتب اتخاذ موقف من هذا الصراع، إذ لا يمكن للفنان والأديب أن يكتفي بالمشاهدة والوصف، بل لابد له من أن يتخذ موقفاً من الواقع ومن الحياة، أي من الصراع الدائر في المجتمع. والكاتب لا يخفي انحيازه للفقراء والمضطهدين، أي للطبقة الكادحة إذا ما أردنا الدقة بمصطلحها الماركسي المعروف.‏

إن الجديد الذي يمكن أن ينسب إلى"الطاهر وطار" في الكتابة القصصية ذات اللسان العربي، هو تبنيه الفكر الماركسي ومحاولة ترجمته إلى أعمال أدبية. فالجدة نابعة عنده -أصلاً- من الخطاب السياسي/ الأيديولوجي الجديد، ولكن كان لهذا الخطاب أثره الواضح أيضاً في طريقة الكتابة حيث سعى الكاتب مبكراً إلى القطع مع الطريقة التقليدية وإلى معانقة تقنيات جديدة في الكتابة، نحاول أن نتبين بعضها من خلال قصةالشهداء يعودون هذا الأسبوع).‏

الشهداء يعودون هذا الأسبوع: (3)

ب 1 ج2 أ3‏

1 -صاحب الخمَّارة موقفه من العودة قصة ماضيه‏

2 -شيخ البلدية موقفه من العودة قصة ماضيه‏

3 -منسق القسمة موقفه من العودة قصة ماضيه‏

4 -منسق المجاهدين موقفه من العودة قصة ماضيه‏

5 -رئيس الدرك موقفه من العودة قصة ماضيه‏

6 -رئيس القباضة موقفه من العودة‏

7 -الكومنيست موقفه من العودة قصة ماضيه‏

8 -الإمام موقفه من العودة ‏

9 -ابنه موقفه من العودة ‏

يشكل خبر وصول الرسالة إلى الشيخ العابد، والد الشيهد"مصطفى"، المثير الأول والمركزي الذي تترتب عنه بقية الأحداث. مضمون الخبر أن ابنه"مصطفى" سيعود قريباً.‏

وبعد حيرة مصحوبة بجملة من التساؤلات، يفكر في التوجه إلى مجموعة من الناس المعروفين في القرية، لعلهم يساعدونه في فك هذا اللغز المحير.‏

هذا المثير الذي هو خبر العودة، ليس عودة ابنه"مصطفى" فقط، ولكن ربما عودة كل الشهداء، يجعل الشيخ العابد يتحرك في اتجاهين:‏

الأول نحو ذاته، يفكر، يتساءل، يتمتم، يقلق، يتذكر.... ولم يكن هناك ما هو أنسب من"المنولوج" لتجسيد هذه الحالة.‏

والثاني يتمثل في تحركه نحو مجموعة من الأشخاص، وعددهم تسعة، إذا ما أضفنا ابنه على سبيل الحصر. وبالإضافة إلى أن مسار الشيخ العابد، والحوار الداخلي أو الثنائيمع غيره) اللَّذين يرافقانه طيلة القصة، هذا المسار نفسه يتشكل من لحظات قصصية أو مجموعة من المقطوعات القصصية، بالإضافة إلى ذلك فإن تحركه في اتجاه كل شخص يتولد عنه ثلاث مقطوعات قصصية على الأقل.‏

ففي حواره مع صاحب الخمارة مقطوعة قصصية أولى، وفي تعبير هذا الأخير من موقفه من عودة الشهداء مقطوعة قصصية ثانية، وفي استحضاره قصة ماضية مقطوعة قصصية ثالثة. وكذلك الأمر بالنسبة لشيخ البلدية الذي نعرف أن أباه كان خائناً وقتله"مصطفى"، ومنسق القسمة الذي وشى بمصطفى مرة ولم تنجح وشايته، ورئيس فرقة الدرك الذي تخلى عن رفاقه في المعركة مع أنه كان مكلفاً بحمايتهم.‏

أما منسق قسمة المجاهدين فقد أدى واجبه خلال حرب التحرير ولم يكن بعد الاستقلال ممن تهافتوا على مصالحهم الدنيوية، والكومينيست- وإن كان موقفه غامضاً أو مهتزاً- إلا أن الشيخ العابد يشهد له بمساهمته في الثورة ويذكر ما أصابه من عذاب.‏

صاحب الخمارة يدعى أنه كان مع"مصطفى" حين انفجر عليه لغم، ولم ينصرف إلا بعدما دفنه، ولكنه في الحقيقة لاذ بالهرب بمجرد ما عرف أن رفيقه قد وضع رجله فوق لغم. وهذا ما يثير في نفسه الشك لأنه لا يستطيع أن يتبين ما إذا كان "مصطفى" قد مات فعلاً أم أنه نجا بعد علاج طويل.‏

المقطوعة القصصية الثالثة بالنسبة لكل من صاحب الخمارة وشيخ البلدية ومنسق قسمه الحزب ورئيس فرقة الدرك، تأتي في شكل"مونولوج"، لأن قصة الماضي المشبوه، من الأسرار التي لا يعرفها إلا صاحبها أو من كان معه ومات، فلا يصلح شاهداً إلا على لسان هؤلاء.‏

ونلاحظ أن البناء القصصي ينطلق من الحاضر ليعود إلى الماضي، ولكن في علاقة جدلية يمكن معها أيضاً للانطلاق من الماضي للوصول إلى الحاضر.‏

صاحب الخمارة تحصل على هذه الملكية باسم الجهاد والشرعية التاريخية، فهو في حقيقة أمره من أولئك الذين استغلوا الفرص بطريقة مفضوحة غداة الاستقلال، فمن الطبيعي ومن مصلحته أن ينكر عودة الشهداء ويرفضها وهو الذي له ماض مشبوه.‏

ويمكن القول بطريقة عكسية، لأن ماضيه مشبوه، فقد سطا على خمارة، واتخذ موقف المستنكر لعودة الشهداء.‏

فحاضر كل شخصية يحيل إلى ماضيها، كما أن ماضي كل شخصية يفسر حاضرها. إذن هناك مجموعة من الشخصيات تقع على نفس الخط من الماضي إلى الحاضر.‏

وشخصيات أخرى تقع على خط نقيض من الماضي إلى الحاضر أيضاً.‏

خط يتميز بالخيانة والتردد في الماضي، والطمع والسبق إلى مراكز القرار في الحاضر وخط يتميز بالشجاعة والنقاوة والنبل في الماضي، وبقي شريفاً محروماً وفياً في الحاضر.‏

الأول بامتداد للتضحية والوفاء والمقاومة وهو الخط الوطني، والنتيجة الحتمية هي أن الوطن في أيد غير أمينة وغير وطنية، في أيد أجهضت المشروع الوطني هذا ما دعا الأستاذ"عبد الله بن حلي" إلى تسميته أسلوب التوازي)(4) وهي تسمية تصدق إلى حد كبير على كتابات"الطاهر وطار" لولا أنها تخلو نوعاً ما من تعيين مضمون محدد.‏

فالتوازي يعني استحالة الالتقاء، ولكن الدلالة الرياضية قد لا تكفي عندما يتعلق الأمر بالحياة الاجتماعية للإنسان.‏

إنهما حقاً مشروعان لا يلتقيان، لكنهما يتماسان يومياً على أرض الواقع، ومن شرارة احتكاكهما تستمر الحياة في المجتمع إما بخطوة إلى الأمام أو بخطوتين إلى الوراء.‏

لذلك نفضل إضافة التناقض إلى التوازي، إذا لم يكن مصطلح التناقض وحده كافياً.‏

وإن ما يفسر ظاهرة استرجاع الماضي، هو أن الخطاب السياسي السائد منذ الاستقلال هو نفسه يسترجع الماضي من زاويته الخاصة ليكون وجوده بتأكيد الشرعية التاريخية.‏

ولكن الخطاب النقيض يجد في الماضي نفسه ما ينقض ادعاء الخطاب السائد، خطاب السلطة الذي يعمد إلى تشويه الماضي.‏

زد على ذلك أن حياة الكاتب نفسها منشطرة بين ماض عاشه في الحرب، وحاضر تنكر لكل المبادئ التي قامت من أجلها هذه الحرب. وليس هناك أصلح وأنفع من الماضي لإدانة الحاضر الموبوء. إنه شاهد على حاضر منحرف، على عربة انفصلت نهائياً.‏

الموازنة بين زمن الواقع وزمن النص القصصي، تبين الطريقة الجديدة في التعامل مع زمن الكتابة.‏

الزمن الواقعي يبدأ بممارسة موقف خلال حرب التحرير، ثم ممارسة أخرى بعد الاستقلال، ثم موقف يمليه الموقع الاجتماعي الحاضر، بينما زمن النص يبدأ من حاضر الموقع الاجتماعي ليعود إلى الماضي.‏

وهكذا نتبين من خلال التصنيف السابق، أن هناك ترقيماً عمودياً، يشير إلى تتابع المقطوعات القصصية تبعاً للأشخاص الذين وجه إليهم الشيخ العابد، وهناك ترقيم أفقي بالأرقام لتعيين زمن الخطاب القصصي، ومعه ترقيم بالحروف يراد به الزمن الواقعي للحكاية.‏

فيتضح أن الزمن الأول في واقع الحكاية هو الثالث في الترتيب الزمني للنص، والثاني منها هو الثالث، والثالث هو الثاني.‏

توظيف الزمن بهذا التركيب المدرج، قصة تتضمن قصة أخرى وتستبطنها، لم يكن معهوداً في الكتابة القصصية التي كانت تخضع لترتيب واقعي عادة، يأتي فيه زمن الحكاية مساوياً في ترتيبه لزمن النص.‏

في هذا النوع من الكتابة، لم تعد وظيفة السارد تعبيرية فقط، على نحو ما مر بنا في"الأشعة السبعة". لكنها تتعدى التعبير إلى السعي من أجل التأثير، لأن الكاتب يريد أن يقنع القارئ في نهاية الأمر، بأن البلاد صارت لقمة يتقاسمها الخونة، وأن الماضي المجيد الذي عرف بتضحيات خيرة أبناء الوطن، أصبح سلعة يتاجر بها الوصوليون والانتهازيون . فلابد من إدانة هذا الواقع ولابد من الثورة عليه.‏

الكاتب، إذن يتبنى خطاباً واضحاً، ويفهم عملية الكتابة على أنها رسالة تؤدى وإلا فقدت مبرر وجودها وضاعت مصداقيتها.‏

الماضي يحضر في النص بوصفه مفسراً أيضاً، يضيء مواقف الشخصيات ويعلل لها، ويبدو أن هذا الربط الآلي بين المواقف المشبوهة في الماضي والمواقف المترتبة عنها في الحاضر، يفتقر إلى شيء من الدقة والموضوعية.‏

فما أكثر المجاهدين الأنقياء الذين انغمسوا في حمأة الرداءة منذ الاستقلال، وما أكثر الخونة الذين بقوا في صفوف الفقراء والمحرومين وضحكوا ممن أصابهم الزيف.‏

الكاتب يلعب دور السارد، ولكن"المنولوج" يساعده على تقمص كل شخصية في القصة. فكأنه يقسم جسمه في جسوم كثيرة، ليتشكل من مجموع البناء موقفه الصريح الذي يجسد خطاباً سياسياً / أيديولوجياً صريحاً أيضاً.‏

على أن ظاهرة أخرى بدأت تلوح في قصص"الطاهر وطار" وفي رواياته -فيما بعد- وهي عنايته بانتقاء الأسماء وإعطائها دلالات تتناسب مع مسمارها في النص.‏

من ذلك -مثلاً- "المانع" في قصةالشهداء يعودون هذا الأسبوع)، إشارة إلى أنه خان وتعامل مع الاستعمار يوم وشى بمصطفى، وكانت نهاية العميل أن يعاقب بالقتل، أما هو"منسق القسمة" فقد منع وعاش.‏

ومثله أيضاً اختيار"عبد المجيد بو الأرواح" في الزلزال)، والتقديم والتأخير في تسمية"الشيخ حسن البنا" الذي يرد فيعرس بغل) باسم: "حسن الشيخ"....‏

النموذج الثالث:‏

في مجموعتهالمومس والبحر)(5) ، أول قصة فيها يعود تاريخ كتابتها إلى سنة 1966 يصور أسرة تترقب موت الجدة، وطالت حيرتهم إلى أن انتقلت الجدة إلى غرفة أخرى ثم إلى فناء الدار، ولما أعادوها إلى الفراش كانت قد أسلمت الروح، وعنوان هذه القصة"موت الجدة".‏

وفي قصتهنقوش على الموجة الثانية)، يصور شخصاً يبيع الغرابيل، وتكتب القصة اعتماداً على هواجس يحركها بوار مصنوعاته، ويحركها تفكيره في البحث عن صناعة أخرى، وكان معجباً بعجوز تفتل الحبال.‏

الشرطة تطارده ورجال الدرك لا يقولون شيئاً. وقد قضى حياته يعيش من الأموات، لأنه يجلس بجوار مقبرة تزورها النساء ويشترين منه الغرابيل.‏

وفي قصةالمطلق)، البطل يكفر بالفقر، وينتهي إلى أن الفقر كفر وهذا هو المطلق وهذه هي الثورة ويخاطب أمه قائلاً:‏

وإذا كان الحكم النهائي دون رحمة فقولي لمن يأتي بعدي: "لقد آثر العيش في المطلق فلا تنتظروه"))(6) .‏

وفي قصةالحب والخفاش والبيضة)، شاب يحب فتاة ولكنها لا تبادله نفس الشعور، فاقترح عليه صديقه أن يرشها بدم خفاش، ولما فشلت المحاولة أشار عليه أن يكتب اسمها على بيضة ويضعها على الجمر، فإن هي تشققت من الجهة التي كتب عليها الاسم كان ذلك دليلاً على حبها له.‏

فلما حدث ذلك كما كان ينتظر ويفضل، فرح وراح يعاكس الفتاة بكل ثقة، لأن البيضة تشققت من الجهة التي كتب عليها الاسم، غير أن الفتاة بصقت على الأرض وانصرفت غاضبة.‏

وفي قصةالفراشة) صورة هذا الطفل الذي يطارد فراشه، ويترقب الجرذون غير مبال بنداءات أمه الملحة على ضرورة عودته إلى البيت، وبينما هو يلاحق الفراشة يصل إلى وسط الطريق فيصطدم بسيارة، أخذ السائق يبكي ويسأل عن والديه، ولكن هيهات أن يجيبه أحد، كانت أمه في الجبل تجمع الخروب وأبوه في الهجرة، ولم يعد بعد.‏

وقصةحانة في الطرف الغربي)، تصوير للجو في الحانة والحديث عن المخدرات. تعمدنا الإشارة إلى الموضوعات التي تتعرض لها قصص"مرزاق بقطاش" لنتبين كيف أن موضوع حرب التحرير أخذت تخف وطأته تدريجياً، وأخذ الاهتمام ينصب أكثر فأكثر وبصفة مباشرة على الناحية الاجتماعية مباشرة.‏

على أنه حتى في الكتابات التي كان موضوعها الحرب لم تخل من البعد الاجتماعي إذ قد تحضر الحرب/ الماضي، كشاهد على سوء الحال التي آل إليها وضع البلاد، وتنكر الحاضر للماضي المجيد.‏

وهذا أمر طبيعي بالنسبة لهذه المجموعة القصصية، فباستثناء قصةموت الجدة) التي كتبت سنة 1960، فإن بقية القصص كلها بين سنتي: 1978 و 1980، وقصةالنباح الأخير) كتبت سنة 1974، وهي تعود إلى فترة الكفاح المسلح.‏

إن لهذا التوجه ما يبرره في الواقع، فلم يعد الخطاب المتكئ على الشرعية التاريخية وتمجيد"الثورة" يقنع الأعداد الكبيرة من الشباب البطالين، ولا الفقراء المحرومين ولا حتى أولئك الذين عاشوا ظروفاً قاسية أثناء حرب التحرير، وتجندوا تحت أصوات خطاب يعد بالعدالة والمساواة والغد الجميل، وإذا هم يفتحون أعينهم على أوضاع وممارسات لا تمت بصلة إلى ذلك الخطاب، والأدهى أن الممارسات المشبوهة قد تصدر من أولئك الذين تبنوا الخطاب القديم أكثر من غيرهم. وبإيجاز لم يعد الخطاب الذي يستند إلى الشرعية التاريخية مقنعاً.‏

قصةالمومس والبحر):‏

الأسلوب الذي اعتمده الكاتب يميز هذه القصة عن سائر قصص المجموعة.‏

ويمكن القول أنها تقاطع قصتين أو أنها قصة تكتب قصة أخرى. أو هي قصة الصحفي والمومس بدل المومس والبحر.‏

تمتد قصة الصحفي بشكل أفقي، انطلاقاً من عزمه على إجراء حديث صحفي، وبما أن حديثاً صحفياً مع مومس يخالف الأعراف، ينشأ في نفسه قلق على نشره.‏

ولكنه مصر على تحقيق رغبته، إلا أنه عندما يطل على البيت يرى مجموعة من الناس، كانوا أربعة يتكئون على السور ويطلون على بيت المومس، مما يخلق في نفسه قلقاً آخر.‏

يواصل سيره واصفاً الممر، وضعية الممر السيئة -هي بدورها- تثير في نفسه قلقاً وشكوكاً. هيئة المرأة التي فتحت له الباب تزيده استغراباً. يبدأ في اكتشاف البيت لكن بمجرد ما ينتبه إلى السكير النائم يتضاعف قلقه وندمه على المجيئ أصلاً. ثم إن ما نغص عليه وجوده منذ دخوله بيت المومس هو ركونها إلى الصمت وكلما طال سكوتها ازدادت وساوسه وقلقه وانشغالاته. ولا يجرؤ على أن يسألها إلا في وقت متأخر جداً.‏

والذي يحيره أنها لا تجيب وإن أجابت فبجمل مختصرة على الأكثر.‏

ولذلك فإن الجمل التي نبست بها طيلة اللقاء هي جمل معدودة، فهي تقول:‏

لقد شرب الكحول))(7) ، كره الحياة))(8) ، تقصد السكير الموجود في البيت وتقول للصحفي: أنك لا تفهم في الدنيا شيئاً))(9) ، وهل هي حياة هذه التي نعيشها))(10) .‏

الصيادون لم يخرجوا هذا اليوم))(11) ، البحر متوحش هذا اليوم.... والصيادون لن يأتوا))(12)

لم أعيش هكذا))(13) ، يجب أن تعلم أن هذا السكير كان يعيش عالة علي كان صديقاً لزوجي))(14) .‏

لا تعتقد أني كنت مكرهة على إعالته. كنت أفعل ذلك بمحض إرادتي. كنت أريد الوفاء بالعهد لزوجي))(15) .‏

كان هذا السكير صديقاً لزوجي منذ الصغر))(16) .‏

ما الذي يجبرني على أن أقص عليك تاريخ حياتي؟))(17) .‏

اسمع لقد مات زوجي سنة 1962، ونحن على أبواب عالم جديد))(18) .‏

لقد قتل))(19) . في البداية تبنيت ابن شهيد غير أني لم أستطيع الاعتناء به))(20) .‏

كنت أنتظر المنحة كل ثلاثة أشهر))(21) .‏

لقد انتهى المسكين))(22) مشيرة إلى السكير الذي لفظ أنفاسه.‏

أرجوك أخبر رجال الشرطة))(23) .‏

تعمدنا إيراد كل الجمل التي وردت على لسان المرأة / المومس، ليظهر العدد المحدود جداً للكلام الذي تفوهت به طيلة القصة التي تعتبر قصة طويلة بالنظر إلى حجمها فهي تمتد من الصفحة 14 إلى 47، من جهة، ومن جهة أخرى إنها لم تتكلم إلا ابتداء من الصفحة 33.‏

بإمكاننا أن نتصور تقاطع القصتين أفقياً وعمودياً بالشكل التالي:‏

التفكير في المقابلة- المرور بالسور- بالممر- الدخول - رجل نائم- السؤال‏

مسار الصحفي موت السكير ‏

1- كان عالة علي‏

2- زوجي قتل الجواب‏

3- تبنيت ابن شهيد‏

يتبين من خلال هذا الرسم التبسيطي للمسار القصصي، أن قصة الصحفي هي التي أخذت الحجم الأكبر، بينما لم تنل قصة المومس إلا لحظات قليلة في الصفحات الأخيرة من القصة كلها.‏

على مستوى المقياس الكمي للمادة اللغوية، لاشك أن القصة أنسب إلى أن تكون قصة الصحفي المتردد، يختار موضوعه ولا يختاره، يقدم على العمل وهو مرتاب فيما أقدم عليه يضع الرقابة في الحسبان دوماً، وكأنها أصبحت سيفاً مسلطاً عليه، ولكن ما أهون الرقابة الخارجية التي قد يتسبب فيها مدير الجريدة أو رئيس التحرير أو السلطة بصفة عامة، وما أقسى الرقابة الذاتية التي ترسخت فيه ولم تعد تفارقه، لقد صارت شبحاً يلاحق كل همساته وغمزاته، كل حركاته وسكناته.‏

الأشخاص الواقفون على جانب السور، يراهم يترقبونه، ويفسر كل حركة من حركاتهم وكل نظرة من نظراتهم على أنها موجهة إليه وتتابع خطواته.‏

حتى أرضية الممر قد تتسبب في انزلاقه. فأما وجود السكير النائم في البيت فيشير فيه نفسه قلقاً لا يهدأ، ولما يتبين أنه مات، فإنه يجد في ذلك تهديداً لحياته ووجوده.‏

من هنا ينشأ الندم وتقلقه الحسابات ويتضخم التردد وينتهي بلا حديث صحفي.‏

مسار الصحفي، مسار تتابعي غائي، ينطلق من مكان قاصداً مكاناً محدداً وهو بيت المومس الواقع على حافة البحر.‏

ولذلك جاء الترتيب الزمني للأحداث تابعاً لطبيعة حركة التنقل. إنه ترتيب عادي واعتمد القص في مسار الصحفي أو في قصة الصحفي إذا أردنا الدقة على تقنيتين:‏

الأولى: وتتمثل في المونولوج، إذ على امتداد القصة كلها باستثناء الجمل المحدودة التي ترد على لسان المومس، يتحدث الصحفي إلى نفسه، يعبر عن قلقه ووساوسه وانشغالاته.‏

جاء الحوار الداخلي كأنسب أداة فنية تجسد حالة التردد التي تسيطر عليه.‏

الثانية: وتتمثل في الوصف. فهو لا يمر بمكان، ولا يلحظ شيئاً إلا وصفه. لكن الوصف ليس مشهداً ساكناً ولا جسداً غريباً عن زمن القصة. لا يأتي الوصف إلا من حيث هو مثير للحوار الداخلي، ولا يتجدد الوصف إلا ليتجدد معه مستوى الحوار.‏

وبقدر ما يطول صمت المرأة، يكون أدعى للتساؤل والتفكير والتداعي.‏

يلتقي الحوار الداخلي والوصف على طول المسار الذي يسلكه الصحفي، في علاقة جدلية، بحيث كلاهما يفضي إلى الآخر، ويعمل على تنشيطه. ولكن هل هي قصة الصحفي أم قصة المومس أم قصة السكير الذي يموت بشرب الكحول؟؟‏

المومس هذه المرأة الغريبة الأطوار، اندهش الصحفي بمجرد أن رآها، وأدهشه صمتها أكثر. وهو لا يعرف من تاريخها إلا شذرات لا تسمن ولا تغني من جوع.‏

وكل ما يذكره أن السكير الميت قال له عنها يوماً محذراً:‏

لقد حذرني خلال لقائنا: قال لي أن هذه المرأة، ذات تاريخ طويل جداً، ومتشعب في كل الاتجاهات))(24) .‏

وهي امرأة تلخص مراحل حياتها في ثلاث:‏

ب 1- قتل زوجها‏

ج 2- تبنت ابن الشهيد ولم تعتن به‏

أ 3- صديق زوجها صار عالة عليها بحكم إرادتها.‏

لم ترد هذه الجمل على لسانها بهذا الترتيب الواقعي لزمن الحكاية، بل جاءت في النص خاضعة لترتيب آخر هو الذي أشرنا إليه بالحروف.‏

هذا التداخل الزمني بسيط جداً إذا ما ووزن بالتداخل الذي سبق أن رأينا فيالشهداء يعودون هذا الأسبوع)، ولكنه ذو طبيعة جديدة متميزة فيها يتعلق بتداخل قصتي الصحفي والمومس، وتضمنهما لقصتين أخريين هما: قصة السكير الذي يموت بسبب شربه الكحول، وقصة الشاب الذي صادفه الصحفي ذات يوم بالقرب من هذا البيت البحري. كان في الثلاثين من عمره وكان قد لخص حياته في جملة قصيرة قائلاً:‏

لا أريد أن أخضع لأحد منهم. عندما كنت في الولاية الرابعة تعاركت مع مسؤول عني لأنه غسل رجليه في جفنة متخصصة لإعداد الطعام))(25) .‏

لنا أن نتصورها امرأة عاهرة احترفت استقبال الزبائن من كل نوع في هذا البيت المتآكل ولنا أن نتصورها مدينة قابعة على شط البحر كمدينة الجزائر أو وهران. ولنا أن نتصورها بلداً أوسع يجثم على شاطئ البحر الأبيض المتوسط.‏

المثير في حكايتها أن الذي تزوجها قتل سنة 1962، في سنة الاستقلال. ومن كان قبل ذلك زوجاً للجزائر في الاستعمار الفرنسي؟ ومن الذي أصبح عالة عليها غير صديق زوجها؟ صديق الاستعمار والذي لا يختلف عمن لم يتورع أن يغسل رجليه في جفنة الطعام.‏

لم تعد المومس تحتضن ابن الشهيد، وعانقت السكير بمحض إرادتها. أم الصحفي رمز النخبة المثقفة. فهو متردد، في حيرة منها ومن أمره، لا يقدم على فعل إلا وندم بعده. ولكنه رغم كل ذلك يغشاها ويخشاها، يندهش لعظمتها، ويكبر فيها هذه العظمة.‏

لا تتحدث إليه إلا نادراً، وإذا هي تحدثت لا تنطق عن الهوى. وكان في معظم الحالات حديثها إشارات.‏

الصحفي لا يكتب حديثه الصحفي، ولكنه يعيش تجربة لم يعهدها. وكأنه عندما يدير ظهره للرقابة يكتشف الحياة الحقيقية، الحياة التي هي أكبر وأغنى من حديث صحفي.‏

غير أن ذلك لا يتأتى إلا بموت السكير/ العالة لذلك نقطة تقاطع القصتين هي موته.‏

إذا كانت المومس قد جادت عليه بتلك الجمل بعد صمت طويل، فمعنى ذلك أنه بلغ قمة النشوة والانتصار، ولعله تخلص من الحقد الذي زرع في النفوس.‏

فمنذ أن خرجنا من الصراع مع الذين سيطروا علينا عشرات السنين، خرج الحقد من أصلابنا ليتخذ مكاناً آخر له. غير أن خروجه ذاك لم يدم طويلاً. بل عاد وعشش في نفوسنا))(26) .‏

لم يكتب الصحفي وقائع مقابلته، لكن الكاتب ألف قصته، ولم يبق له في الأخير إلا أن يعترف على لسان السارد بأن المومسفيلسوفة ورائعة جداً))(27) .‏

(1) ابن حلي عبد الله): القصة العربية الحديثة في الشمال الإفريقي - ص 200، ومابعدها.‏

(2) ابن هدوقة عبد الحميد) الأشعة السبعة- الشركة الوطنية للنشر والتوزيع- الجزائر- ط2- 1981.‏

(3) - وطارالطاهر): الشهداء يعودون هذا الأسبوع- المؤسسة الوطنية للكتاب- الجزائر- ط3- 1984 .‏

(4) - بن حليعبد الله): القصة العربية الحديثة في الشمال الإفريقي، ص 216 وما بعدها.‏

(5) - بقطاشمرزاق): المومس والبحر- المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر- 1986.‏

(6) - نفسه: ص 64 .‏

(7) - المصدر السابق ، ص33 .‏

(8) - نفسه، س34 .‏

(9) - نفسه، س34 .‏

(10) - نفسه، س34 .‏

(11) - نفسه، س42 .‏

(12) - نفسه، س42 .‏

(13) - نفسه، س43 .‏

(14) - نفسه، س44 .‏

(15) - نفسه، س44 .‏

(16) - نفسه، س44 .‏

(17) - نفسه، س45 .‏

(18) - نفسه، س45 .‏

(19) - نفسه، س45 .‏

(20) - نفسه، ص45 .‏

(21) - نفسه، س46 .‏

(22) - نفسه، س46 .‏

(23) - المرجع السابق نفسه، س46 .‏

(24) - المصدر السابق، ص 37 .‏

(25) - المصدر السابق، ص 46 .‏

(26) - المصدر السابق، ص36 ، 37 .‏

(27) - المصدر السابق نفسه، 47 .‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244