|
|||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:42 AM | |||||||
|
حميدا المسيردي الطيب:(1)
عنوان هذه القصة، هو أيضاً اسم لقصة الشخصية الرئيسية فيها. ونحاول فيما يلي أن نحدد الأحداث المتعلقة بهذه الشخصية كما وردت مرتبة في النص، مع تأجيل الحديث عن بقية الأحداث إلى ما بعد.
السادر
1-- حميدا يتألم بسبب جرح في ظهره 11 انت هـو
م ق(2)
2-- دفعوا بك إلى هذه القاعة 10
م ق
3-- اتصل به ابن خالتهالخابزا) 1
م ق
4-- كان مستلقياً داخل السيارة 6
م ق
5-- هروب السيارة من الشرطة 7
واصطدامها بالسكة
م ق هامش
خبر موته
6-- حضور المهربين لأخذه أول ليلة 2
م ق
7-- ودع زوجته رحمة و ودعته أمه 3
م ق
8-- انزلق داخل السيارة 4
م ق
9-- ترك المقعد الأمامي ليستلقي في الخلف 5
م ق
10-- السجان لا يسمعه وهو يتألم لحاله 12
م ق
11-- يقول إني مجروح وابن خالته يطمئنه 8
م ق
12-- عثروا عليه وقادوه إلى سيارتهم 9
م ق
13-- يتألم ويتذكر أهله ويلفظ أنفاسه 13
البعد الأول:
يمكن إحصاء ثلاثة عشر حدثاً على الأكثر، من الأحداث المتصلة مباشرة بشخصيةحميدا المسيردي الطيب)، والملاحظ أن الترتيب الزمني للأحداث في النص يختلف عن ترتيبها في واقع الحكاية.
الأرقام الأولى على الجهة اليمنى تشير إلى الترتيب الزمني في النص، بينما الأرقام الموجودة على اليسار تشير إلى الترتيب الواقعي للحكاية. ومن الموازنة بين الترتيبين يتضح التداخل الحاضر بين الزمنين إلى درجة يظهر فيها زمن الحكاية معكوساً، يبدأ من النهاية وهي وجوده في السجن. ولقد تبين في الأعمال القصصية السابقة أن هذا الاستعمال، أخذ يتسرب إلى الكتابة القصصية الجديدة.
أصبحت هذه الكتابة تتخلى تدريجياً عن الترتيب التقليدي الوفي للترتيب الزمني في الواقع.
البعد الثاني:
ويتمثل في ظاهرة المناوبة بين المقطوعات القصصية. إذ بين كل حدث وآخر من الأحداث التي سبق أن أحصيناها أعلاه، تندرج مقطوعة قصصية أو مشهد وصفي.
من خلال هذه المقطوعات القصصية نتعرف على جوانب أخرى من ماضيحميدا المسيردي)، أنه تعلم في الحرب أشياء كثيرة، كان بناءً فاشلا، مات أبوه على قارب عتيق، انتحر جده معلقاً في شجرة. سواء أتعلق الأمر بالمقطوعات القصصية أم بالمشاهد الوصفية، فإنها في واقع النص تؤدي وظيفة واحدة ذات طبيعة مزدوجة، فهي من جهة تؤجل اكتمال قصة الشخصية الرئيسة، ومن جهة ثانية تشكل إضاءات إضافية لحياة هذه الشخصية.
البعد الثالث:
المكان المحدد والقار، هو السجن. لا نعرف إلا القاعة التي دفعوه إليها بعدما قبضوا عليه.
تتميز قاعة السجن بالعزلة والوحدة. وهذا المكان المغلق أنسب لتجسيد حالة الخلو إلى النفس والتذكر والتداعي.
وظيفة المكان الذي هو السجن/ القاعة المغلقة، حيث لا أحد يسمعه، وهو لا يسمع إلا شخير الحارس، تتحقق في أنها دعامة شرطية لإجراء الحوار الداخلي من طرف السارد.
البعد الرابع:
يستعمل الضمير"أنت" على طول النص إلا في جملة ترد في الأخير بضمير المتكلم.
يا عباد الله، الدم يملأ فمي على غير العادة، أنا أنزف..))
وظيفة ضمير المخاطبأنت)، هي بالنسبة للسارد أداة تساعد على خلق مسافة بينه وبين الشخصية الرئيسة، وكأنه بذلك يدعو القارئ أيضاً -لأنه سيكون في موقع السارد حتماً- أن ينظر إلى النص ومنه إلى الواقع نظرة موضوعية فيضمن مخاطبته الشخصية نوعاً من التأنيب يحملها المسؤولية على أفعالها.
فكأنه يقول لـ"حميدا المسيردي": اخترت طريق المغامرة وهذه عاقبتها)).
البعد الخامس:
زمن القصة لا ينحصر في السجن، ولكنه يعود إلى الماضي باعتماد الأسلوب الارتدادي فإذا كان الضمير المخاطب يتضمن نبرة تحملالطيب المسيردي) مسؤولية ما أقدم عليه، فإن الاسترجاع يذهب في الاتجاه المعاكس، من حيث هو دعوة إلى الموازنة بين الماضي والحاضر.
فالماضي -رغم قساوته وحروبه- لم يحكم فيه علىالطيب المسيردي) بمثل هذا الحكم زيادة على أنه محروم من سلالة فقيرة محرومة. والاستقلال لم يحسن ظروفه بل أكثر من ذلك، زاده فقراً وحرماناً وأجبره على التفكير في ممارسة التهريب فوقع في قبضة الشرطة ودخل السجن أول مرة، ولم يدخله ولا مرة زمن الاستعمار.
فأما الهامش الأخير الذي يحمل خبر الموت، فقد انفصل لغوياً عما قبله، أسلوب خبري في سرد بضمير الغائب واستعمال الماضي.
وكأن الهامش يلتقي مع الارتداد إلى الماضي في نوع من التنبيه إلى تحديد المسؤول الحقيقي.
فإذا كان لـالطيب المسيردي) مسؤوليته، فإن وضعيته البئيسة التي دفعت به إلى هذا الموقف، خارجه عن قدرته، والذي صنع وضعيته هذه أقسى ممن صنع له ماضيه، أي الاستعمار.
ففي الوقت الذي نؤنبه فيه على مغامرته، نشفق عليه ونرثي لحاله، خاصة وأنه يرمى في قاعة فسيحة للأوساخ والروائح الكريهة والأوجاع، ولا يستفيد من أي علاج وهو المجروح في ظهره برصاصة.
فالتفاوت الطبقي هو الموضوع الذي تتمحور حوله قصص هذه المجموعة، باستثناء قصةسقطوا والحرب لم تنته) التي تدور أحداثها حول حرب التحرير. ففيالماريجا) القوال يحكي قصة"قويدر" الذي صعد ليعلق صورة الملك لولا أن ذاكرته تنجذب نحو عمله في الغربة ونحو فقدان أسرته آماله.. وفيزمن السقوط والحلم الذي لا يهزم)، يدور الحديث بين مجموعة من الفقراء. وكان أحدهم قد مات وترك عشرة أطفال وامرأة عاملة ونقابية، ويحركهم وضعهم في المصنع إلى تأميمه لأنه ملكية خاصة.
ويتكرر الموضوع نفسه في قصةالشفاه اليابسة). وما يشبهه أيضاً في قصةمتاعب اليوم الأخير... فاقوا يا الميلود)، هذا الميلود الذي انتقل من القرية ليعمل عند أحد السادة في المدينة.
كذلك الحال تقريباً بالنسبة للشاعر الذي يشنق لأنه يغضب الملك. وفي قصةالملك والشاعر وطابور الجياع).
وتنفرد قصةكائنات حشرية)، في أنها تتعرض لحرية التعبير في العالم الرأسمالي.
ويمكن تصنيف قصص المجموعة بناء على الأداة الفنية الغالبة فيها كما يلي:
- ثلاث قصص تنطلق فيها القصة من السجن.
- قصتان تنطلقان من المقهى إلى غاية محددة.
- قصة في شكل سيرة ذاتية تسرد الماضي.
- قصة في شكل حوار ثنائي ثم حوار داخلي.
- قصة تحكى على لسان القوال.
ومن بين ثماني قصص، ست منها تتم فيها العودة إلى الماضي. مما يؤكد أنه يحضر دوماً بوصفه شاهداً ومتكأ للموازنة والتفسير والإقناع بتردي الحاضر.
استنتاجات:
-تكرار السجن، الغرض منه تجسيد القمع، والتأكيد على أن ممارسات المستعمر مازالت مستمرة، بل ربما كان قمع اليوم أقسى وأشد.
- السجن أيضاً يحضر كمطية لتمرير الحوار الداخلي.
- الحوار الداخلي يبدو ملجأً وحيداً وسط القمع، وحيث لا تتوفر وسيلة أخرى للمقاومة، وهو المتنفس الذي يتسلح به البطل من أجل التحدي وهو يقف دليلاً على استحالة قمع التفكير، وأن الإنسان قادر على التفكير وعلى ممارسة حريته بطريقة ما ولو داخل السجن.
- الحوار الداخلي يتحول إلى ضرب من المعرفة الباطنية التي تمتلك الحقيقة على عكس المعرفة الظاهرية الباطلة.
- عندما يغيب الأسلوب الارتدادي من النص، وينعدم التداخل الزمني، يلجأ القاص إلى التعبير عن فكرته بطريقة مباشرة، فيسقط في التسجيلية وفي التقريرية والنبرة الخطابية المؤسسة على قاموس الجوع والفقر والحرمان والقمع والدم والتعذيب والاستغلال...
- كأن القاص يشعر بثقل هذا الأسلوب فيحاول أن ينتشله منه بواسطة تغيير الضمائر، وبالصور الشعرية والإنشائية، حتى أن الطابع الشعاري يطغى على بعض النصوص، فلا تتمايز فيما بينها.
مرة أخرى إذن، بعد"الطاهر وطار" يحضر أسلوب"التوازي" في كتابات"واسيني الأعرج"، لأنه -هو الآخر- ينطلق في تحليله للمجتمع من فكرة الصراع الطبقي.
قصة؟):(3)
هذه القصة التي جاء عنوانها عبارة عن علامة استفهام، لا تختلف من حيث الموضوع عن أكثر الموضوعات التي عالجتها قصصواسيني الأعرج السابقة). فهي تتعرض لظاهرة التفاوت الطبقي، الهوة الموجودة بين الفقير والغني رغم استقلال البلاد.
تبدأ القصة بتصويرموح رابح) الذي ينتظر الحافلة من أجل الذهاب إلى عمله في المصنع. ولكن يطول انتظاره. وبينما هو كذلك تمر عليه سيارة مرسيدس خضراء ترشه بالماء، وإذا هي سيارة مدير المصنع الذي يعمل به. إنه يقضي حياته على هذه الوتيرة الروتينية. لكنه في هذا اليوم يصل متأخراً، مما يجعل المدير يأمر بتكوين ملف خاص به.
والتقنيات الأساسية التي يستند إليها النسيج القصصي تتوزع كالتالي:
1- الأسلوب الارتدادي:
تبدأ القصة بوصف هذا العامل وهو ينتظر الحافلة، لكنه يسرح كثيراً. ويتبين تدريجياً أنه ترك القرية وقدم يبحث عن عمل في المدينة. وكان قبل ذلك قد ساهم في حرب التحرير وشارك إلى جانب المجاهدين فأصيب أثناءها في رجله اليسرى. ولولا شهادة المشاركة في الثورة لما استطاع أن يحصل على عمل.
فهناك في الواقع قصةموح رابح) في الحاضر، وهي تبدأ من انطلاقه صباحاً نحو المعمل حتى وصوله متأخراً.
وهناك قصته في الماضي منذ مشاركته في حرب التحرير إلى أن غادر القرية. صورة الماضي واحدة دائمة. فهو يستحضر كشاهد يثير النقمة على الحاضر.
لأنه حاضر انحرف عن المسار الذي رسمته المبادئ المشتركة في الماضي، لولا شهادة المشاركة في حرب التحرير لما استطاع أن يحصل على عمل ومع ذلك فهو لا يحظى بالتقدير الذي يستحقه أمثاله. فما أكثر الذين يكتفون بتسميتهالأعرج)، وإذا تأخر لأسباب قاهرة فهي فرصة ليكون له ملف خاص، وربما انتهى إلى طرده.
وبالموازاة من قصة هذا العامل التي تقع في الحاضر وتطل على الماضي، توجد قصة صاحب المرسيدس الخضراء، مدير المصنع.
فهو في طريقه إلى المصنع ينفث الدخان ويطل على الآخرين من زجاج سيارته الفخمة في جو بارد ممطر.
وعندما يصل إلى المصنع يقابل بالتحيات المتتالية ثم يتوجه مباشرة إلى مكتبه وبالضبط إلى الهاتف يتصل بباريس ويحصل على قطعة أرض لبناء مصنع.
استطاع بواسطة الآلات والتجهيزات التي يشتريها من الخارج، باسم شركة الدولة التي يشرف عليها أن يؤسس شركة خاصة ازدهرت في وقت قصير على العكس من الشركة الأخرى التي تتجه نحو الإفلاس....) ثلاث فيلات وأربع سيارات في أسوأ الأحوال وشركة... والبقية تأتي..))(4) .
وبمقابل هذه الفيلات الأربع التي يتنعم فيه المدير، يضطرموح رابح) إلى أن يصرف ما وفره ليبني جداراً يسمح بالتفريق بين أولاده وبناته عند النوم، ويضطر ثانية إلى صرف مبلغ آخر لتحويل"البالكون" إلى غرفة لتزويج ابنه الأكبر.
وكلما تقدمنا في قراءة القصة، كلما اتسعت الهوة بين العامل والمدير. وفي الوقت الذي تنتهي فيه القصة بفتح آفاق رحبة أمام المدير، تسد فيه كل الأبواب في وجه العامل، بل الباب الوحيد الذي كان يكسب منه عيشه، صار مهدداً بالإغلاق.
هكذا تكتب القصة بطريقة التناوب بين حاضر العامل وماضيه وحاضر المدير.
2- الضمير:
هنا يستعمل ضميران: المخاطب والمتكلم.
المخاطب يخلق مسافة بين السارد وبين الشخصية موضوع السرد، والمتكلم يجعل السارد/ القارئ يندمج في النص ويتقمص الشخصية.
لكن في كثير من المواقف يبدو الانتقال من المخاطب إلى المتكلم أو العكس غير مبرر فنياً. خاصة وأن كليهما يؤديان وظيفة مشتركة أساسها تجسيد الحوار الداخلي.
3- الحوار الثنائي:
يضطر إلى استعمال الحوار الثنائي، عندما يتكلم المدير في الهاتف. على الرغم من لجوء الكاتب إلى أدوات فنية متنوعة إلى حد ما، إلا أن الذي غلب على النص، هو الخطاب السياسي المباشر، مما جعل القصة تحيل إلى واقع خارجي لا إلى واقع فني.
أما بقية القصص فتدور موضوعاتها حول الزواج المبكر، والزواج الذي غالباً ما يتم في القرية بلا رابطة حب. وقد تجبر الفتاة على التزوج من شيخ مسن فلا تجد حلاً أمامها غير الهرب. يرد ذلك في قصتين: من وحي زمن الاغتراب) والناي والكأس وأسرار النهر).
وتنفرد قصةالامتحان) بمعالجة العلاقة الأخلاقية بين الأستاذ والتلميذة وقصةالشاعر) بمعالجة الفروق الكبيرة بين واقع القرية والعالم الجديد. بينماحكاية عبده والجماجم والجبل)، تعود بنا إلى البحث عن الشهداء من خلال"عبده" الذي يصعد الجبل العالي بصعوبة، وأثناء صعوده يتذكر أيام حرب التحرير. يبحث عن الجماجم ويجمعها ويكلمها ويتوسل إليها أن ترافقه إلى سفح الجبل عند الوفد الذي حضر لإقامة حفل لهم.
من الواضح أن هذا الموضوع، لا تخلو منه مجموعة سواء أجاء مستقلاً كما هي الحال في هذه القصة- أم جاء في ثنايا القصة في شكل ارتداد. والوظيفة واحدة لا داعي إلى تكرارها.
لكن الذي يميز هذه القصة بالذات هو عدم الاكتفاء بالتذكر على المستوى الذهني الخالص، بل تجسيد حالة التذكر في الصعود إلى الجبل. والجبل رمز المقاومة وحضن الثورة.
استنتاجات:
- ثلاث قصص يغلب فيها السرد باستعمال ضمير الغائب.
- أربع قصص يستعمل فيها ضمير المخاطب للسرد والحوار الداخلي.
- الحوار الثنائي رافد أساسي، بينما يندر استخدام ضمير المتكلم.
في النوع السردي المعتمد على ضمير الغائب، يظهر الحدث على أنه وقع وانتهى في زمن مضى وأن القصة قد تشكلت سلفاً وليس وقت الكتابة. هذا النوع أقرب من الطريقة الكلاسيكية بوحداتها الثلاث: مقدمة ووسط ونهاية، وهو يحاول أن ينتشل القصة أحياناً، من هذا المستوى بخلق معادل رمزي.
حيث يضع الإطار العام ليتحرك داخله، ومع ذلك تبقى القصة أميل إلى التصريح منها إلى التلميح.
النوع الذي يغلب فيه استخدام المخاطب يحقق ما يلي:
1- القصة لا تبقى في حدود الزمن الماضي بل تصبح ماضية/ حاضرة.
2- القصة لا تتشكل سلفاً كالطفل المولود. وما يتشكل منها سلفاً يقتصر على الملامح العامة، الخطوط العريضة للقصة، وما عداها يتشكل أثناء عملية الولادة أي لحظة الكتابة.
3- تجنب ضمير الغائب ينقل القصة إلى الحالية، بينما تجنب ضمير المتكلم يخلق مسافة بين الكاتب والشخصية التي يصورها، مما يمكنه من رصدها ومتابعتها، وهي المسافة نفسها التي تمنح للمتلقي ليلعب دور المتتبع المراقب الراصد لتحركات الشخصية، هي مسافة تساعد على القراءة بوعي.
4- تنشأ الحركة في كتابات مصطفى فاسي من مصدرين:
الأول: التوتر المستمر المتصاعد الذي يخلقه ضمير المخاطب.
الثاني: الانتقال من صورة إلى صورة أخرى تناقضها. ويتنوع تجسيد التناقض على النحو التالي:
أ- التناقض بين واقعين تعيشهما شخصية واحدة، بين ماضيها وحاضرها مثلاً قصةشاعر).
ب- بتصوير شخصيتين يتناقض انتماؤهما الطبقي. قصة؟).
ج- التناقض بين الماضي والحاضر في إطار أشمل من الحالة؟) بين الأمل وخيبة الأملحكاية عبده والجماجم والجبل).
وأنجح القصص هي التي تجسد الحركة عبر ضمير المخاطبأنت)"، والتواتر والتناقض بأنواعه والتي تسعى إلى خلق معادل رمزي.
- الارتداد في السرد بضمير الغائب يتم عادة باستخدام الفعل"تذكر".
- حالات الأسلوب الارتدادي هذه تجعلنا ننساق مع البطل ذهنياً إلى ماضيه ونحن متأكدون من العودة إلى نقطة الانطلاق، انطلاق القفزة الذهنية. تبقى هناك مسافة معينة بين المتلقي وما يروى.
- في حالةعبده والجماجم والجبل)، لا ننساق مع البطل، بل نتحول إلى راوي يسوق البطل ذهنياً وحسياً، ولسنا متأكدين من العودة، لأن نقطة الانطلاق لا تشترط العودة. الذهاب لا يشترط الإياب.
- عند توظيف ضمير المخاطبأنت)، تضيق المسافة ذهنياً بين الماضي والحاضر بفعل دمجهما في نسيج واحد. ويكون المتلقي أمام احتمالين:
1- إما أن يأخذ مكان الكاتب/ الراوي الذي يحرك الأحداث والشخصيات.
2- وإما أن يعتبر الخطاب موجهاً إليه فيندمج ذاتياً في تجسيد الأحداث.
كيف عبر طائر فينيقس البحر المتوسط:(5)
في هذه القصة التي أختيرت عنواناً للمجموعة، يعالج أمين الزاوي ظاهرة الهجرة إلى أوربا وبالتحديد إلى فرنسا بحثاً عن العمل.
وهو لا يصور العامل في فرنسا، ولكنه في الوقت نفسه لا يبخل برسم صورة عن البركان الذي خصصته له المعامل الفرنسية هنالك، فيستغل لحظة السفر وما يجول بخاطره وهو على متن الباخرة.
ارتداد سبق زمني
الميناء
القريية الباخرة مناجم الفحم
موح الطيب السواح موت العمال
رابا والطفولة ارسال الجثة
الدائرة الوسطى التي نشير بها إلى ذاكرة هذا المهاجر. وهي- كما يتضح في الرسم أعلاه- تسير في اتجاهين: اتجاه إلى الوراء والثاني إلى الأمام. في الاتجاه الأول يتم استحضار الماضي القريب المتمثل في الاصطفاف عند الميناء، والماضي البعيد الذي يسترجع فيه ذكرياته في القرية، يتذكر فتاته"رابا" وشخصية"موح الطيب" التي تبدو صورة مؤثرة لا تفارقه. لكن هذا الارتداد إلى الوراء يحيل في حقيقة الأمر إلى بعدين:
الأول: يثير الحنين إلى الطفولة البريئة وينمي في النفس الشعور بضرورة التعلق بالتربة الأصلية. والثاني: يحيل إلى واقع قاس لا يطاق فيثير فكرة الهجرة.
ذلك ما يفسر أن البطل يتنازعه هاجسان على مستوى النص القصصي. ويتصور لنا بوصفه شخصية منشطرة بين رغبتين، ولا بد أن نتوقع انتصار إحداهما على الأخرى.
وبما أنه ينتقلأي المهاجر) من وضعية سيئة ولكن معروفة يمكن الاطمئنان إليها، نحو غاية مجهولة، فإن ذلك يخلق لديه نوعاً من القلق والتوتر النفسيين، ويأتي الحوار الداخلي أداة مناسبة لتجسيد هذه الحالة النفسية باستخدام ضمير المتكلم تارة وضمير المخاطب تارة أخرى.
وبحكم التناقض الطبيعي بين الواقع المتعدد وبين اللغة الخطية الأحادية، يستحيل أن تحضر في النص كل الأحداث وأن ترتسم كل الصور معاً ودفعة واحدة، فيضطر القصاص إلى طريقة المناوبة بين المقطوعات القصصية أما وجوده على ظهر الباخرة، فإن له وظيفة مكانية تحقق نوعاً من العزلة والوحدة. وما تواجد المسافرين السواح إلا أمر عارض بالنسبة له، بل أن وجودهم يزيد في تعميق الهوة بينه وبينهم، يؤكد عزلته وغربته لأن سفر المهاجر بحثاً عن لقمة العيش يختلف أصلاً -إذا لم يكن يتناقض- مع سفر السائح بحثاً عن المزيد من الراحة والمتعة.
ثم إن هذه العزلة هي على المستوى الفني مبرر لجعله يسرح في نبش الذاكرة فيقدم صوراً من الماضي القريب ومن الماضي البعيد.
فالذاكرة تسير في اتجاه معاكس لاتجاه الباخرة، هي مشدودة إلى الماضي، إلى التربة الأصلية/ الوطن، حيث تتجه الباخرة نحو غاية أخرى، يعلن عنها لاحقاً.
مناجم الفحم القاتلة في الشمال الفرنسي، تعصر العمال المهاجرين، تمتص جهودهم وقواهم، ومن سافر منهم حياً قوياً يعود جثة هامدة إلى بلده.
هناك إذن تناقض ذو أبعاد ثلاثة:
تناقض بين الماضي والواقع الذي يعيشه البطل في بلده، تناقض بين هذا الواقع القاسي وبين واقع مستقبلي أقسى، وتناقض ثالث -حتماً- بين الماضي وواقع الهجرة.
هكذا يتبين أن الحل الذي اختاره، وهو الهجرة ليس سوى وهم، وإن كانت الهجرة حقيقية فهي أكثر مرارة من الواقع الذي هرب منه المهاجر. ويتأكد في الأخير أن التربة الأصلية أكثر جاذبية وأن المدينة الفرنسية ليست سوى مقصلة.
كانت مرسيليا تقابلني... تقترب من جسدي كالمقصلة... و"رابا" والوطن صارا في القلب))(6) .
تنطلق الحركة من الحاضر، فوق الباخرة لتتجه صوب الماضي، ثم لتتجه صوب المستقبل، ولكنه يسكت عن الواقع الذي دفع بهذا المواطن إلى اختيار الهجرة.
تحاول القصة أن تقنعنا بأن اختيار الهجرة كحل بديل، اختيار خاطئ أصلاً، بتصوير الحنين إلى الطفولة في القرية في مقابل جحيم المناجم الفرنسية. ولكن الماضي من حيث هو فترة لا تعود بالتأكيد، يصبح مبرراً ضعيفاً للعدول عن فكرة الهجرة.
هذا الواقع الذي يغيب في هذه القصة، يحضر بشكل صارخ في القصة التي تليها وهيبلخير الكارو). فالسرد يتركز على الشخصية المحورية، يرسم صورة من حاضرها.
"بلخير الكارو" يختار ركناً في شارع خميستي، يفترش الكارطون، يتناول الكحول وقد يجلس في ساحة الأسلحةبلاص دارم) أو يقف ليبول أمام تمثال"الأمير عبد القادر".
ولكن هذا الحاضر البئيس يثير في نفسه شجوناً وخواطر ولا يجد من ملجأ سوى أن يعود إلى الماضي فيتذكر أيام التسابق على القمامات ويتذكر أمه وأخته و"طوطو" الذي يتاجر بالفتيات وأشياء أخرى.
ولما يحضر رجال البوليس، تنتهي القصة بتقديم مجموعة من التأويلات عن مصيره، اعتماداً على صيغة المبنى للمجهول المعروفة: قيل، وقيل...) في هذه القصة تتحرك الذاكرة في اتجاهين: اتجاه يخضع للترتيب الزمني الواقعي العادي، واتجاه يعود إلى الخلف يسترجع الماضي.
وصورة الماضي لا تقل سوءاً عن صورة الحاضر، دلالة على أن الظروف لم تتغير بالنسبة لهذا الإنسان، وفي ذلك إدانة للخطاب السياسي السائد. وبالرغم من أن الكاتب لا يعمد إلى إعطاء صورة عن حياة البرجوازي كنقيض لحياة هذا الرجل -كما رأينا ذلك بشكل واضح في قصةمصطفى فاسي) مثلاً- إلا أن المتلقي بإمكانه أن يدرك وجود الطرف النقيض ضمنياً ودون حاجة إلى تصويره.
في هذه الحالة، حاضر الشخصية القصصية هو نفسه حاضر المتلقي كمجتمع واحد مشترك، لذلك لا يصعب على هذا الأخير أن يدرك الطرف النقيض لوضعية قائمة .
أشرنا سابقاً إلى صيغة المبني للمجهول في نهاية القصة، وليست هي الصيغة الواردة حرفياً، لأنه إذا أخذنا الاستعمال اللغوي كما هو، لوجدنا أن الكاتب استعمل المبني للمعلوم.
البعض في المدينة قال))(7) والبعض الآخر قال:))(8)
هذه الصيغة لا تختلف في دلالتها عن الاستعمال: قيل وقيل..) خاصة وأنها تورد خبراً غامضاً وغير مؤكد.
إن بلخير وجد ميتاً يابساً كالطير من البرد... فمه على فم القنينة ويده على جيبه الأيسر.. وإن البوليس رشوا جسده...) بالكحول المتبقي من قنينته ثم أحرقوه بدعوى مكافحة الأمراض التي يجلبها هذا النوع من البشر))(9) .
دهمه القطار العظيم السريع القادم من العاصمة))(10) .
أما أنا وبعض العيان....) فقد شاهدناه يخرج مع عمال شركة "سونلغاز"..) صافحني وأعطاني منشوراً))(11) .
يحتمل أن يموت بالبرد، والقصة تبرر هذه النهاية لأنها تصور عشية مأساوية يعيشها هذا الإنسان الذي تعذب في ماضيه وبقي في حاضره فريسة للشوارع والكحول.
ولا غرابة في أن يدوسه قطار أو سيارة فهو بحكم حياته تلك معرض لهذا النوع من المخاطر.
ولكن الكاتب في الواقع لا يطمئن إلى شيء من ذلك، إنه يراه ويريد للمتلقي أن يراه عاملاً في شركة، ويراه فوق ذلك واعياً منظماً يوزع المناشير.
لا فرق بين أن يكون"بلخير الكارو" هو الذي أصبح عاملاً من هذا الطراز، وبين أن يكون عمال الشركات أشبه حالاً بـ"بلخير الكارو". فالقصة تحاول أن تقنعنا بأن وضعية العامل في الشركة لا تقل سوءاً عن وضعية من لا سكن له، وأن لا مخرج لهم من تلك الوضعية البئيسة إلا بتنظيم أنفسهم من أجل مكافحة البؤس.
هكذا يفصح الخطاب السياسي/ الأيديولوجي عن نفسه، ويعلن بصفة مباشرة عن انتمائه الطبقي إلى العمال الكادحين لأنه يغترف من نفس المصدر الذي اغترف منه كل منالطاهر وطار وواسيني الأعرج) ممن بحثنا سابقاً، وهو الفكر الماركسي.
غير أن الفكر الماركسي ليس مصدراً وحيداً ولا أصلياً في توجه هؤلاء الكتاب وغيرهم لأن كثيرين منهم نشأوا بدوا فقراء محرومين، ولعلهم كانوا ينحتون قوتهم من صخر للوصول -على الرغم من ذلك- إلى مستوى ثقافي/ أدبي يسمح لهم بممارسة الكتابة.
فلم يأت الفكر الماركسي إلا كدعامة تالية مكملة، وكأداة منهجية تبرر الموقع الاجتماعي والانتماء السياسي وتساعد على تعميق الوعي وتحقيق الإقناع.
تتميز القصة الأولى عن الثانية بالموضوع. أما التقنيات المتبعة فلا تختلف سواء من حيث الارتداد إلى الماضي كمتكأ أو من حيث التنويع بين ضميرين هما في القصة الثانيةالمخاطب والغائب) أو اعتماد الحوار الداخلي.
استنتاجات:
- في المجموعة أربع قصص من ست تستند إلى الأسلوب الارتدادي. فهو -إذن - مرتكز أساسي في البناء القصصي، وقد يأخذ نصف القصة أو ثلثيها أو القصة كلها- الأسلوب الارتدادي يرتكز- بدوره- على الحوار الداخلي، ويتحققان بواسطة حيل مختلفة منها:
- تصوير البطل وحيداً
- أو سارحاً
- أو حالماً
- أو مخموراً
- أو مسجوناً
لماذا اختيار الأسلوب الارتدادي؟
1- لأنه تقنية جديدة تنتشل القصة من السرد الكلاسيكي الممل.
2- لأنه يوفر فرصة للموازنة بين أكثر من واقع.
بما أن الأسلوب الارتدادي وحده ليس كافياً لاكتمال البناء القصصي، وبما أنه إذا تكرر بطريقة واحدة يصبح ثقيلاً مملاً، لذلك يلجأ الكاتب إلى تنويعه من خلال مواقف مختلفةالعزلة، الحلم، السكر، السجن..).
ثم كأن الكاتب يشعر بأن ذلك كله لم يكن كافياً فيعمد لإنقاذ القصة من رتابتها - إلى حيل أخرى كتنويع استخدام الضمائر وتوظيف الأسطورة والمثل الشعبي، والأغنية.
ولكنها تظل في بعض الحالات جسداً غريباً عن لحمة النسيج القصصي.
وظائف الأسلوب الارتدادي:
1- تصوير الماضي على أنه يشبه الحاضر، وهما يقعان على خط واحد.
2- تصوير الماضي على أنه زمن قاس والحاضر أقسى والمستقبل أكثر قساوة.
3- قد تقلب الصورة فيصبح الماضي أجمل وأقل قساوة بقصد إدانة الحاضر.
4- العودة إلى الماضي ترد للذكرى والعبرة ولمزيد من شحذ الوعي.
5- الارتداد بهذا الشكل هو في جوهره رد فعل ضد خطاب سياسي يقول بسواد صفحة الماضي لتبييض صفحة الحاضر، خطاب يقوم على اتهام الماضي لإثبات براءة الحاضر لأنه مسؤول عنه، ففي تزيين الحاضر تبرير لشرعيته وتكريس وجوده.
6- الرد على خطاب سياسي/ أيديولوجي، يقتضي في الكتابة القصصية إبداع بناء فني والعجز عن إبداع بناء يلمّح ولا يصرّح، يوقع القصة في تنويع يوهم بالبناء ولا يبني، ويحضر الخطاب السياسي/ الأيديولوجي أحياناً بشكل صارخ ليبرر هذا العجز. ذلك ما يفسر طبيعة القاموس اللغوي السائد والمرتكز على الفقر والجوع والاستغلال والعري والحرمان واليمين واليسار والحمرة.... الخ.
الصعود نحو الأسفل):(12)
عرفت فترة السبعينيات بوضوح الخط السياسي للسلطة متمثلاً في التأكيد على الاختيار الاشتراكي.
واتخذت سلسلة من الإجراءات والإصلاحات أصطلح على تسميتها بالمكاسب الوطنية وهي الثورة الزراعية والطب للمجاني وديمقراطية التعليم والثورة الصناعية وغيرها.
وكانت المنظمات الجماهيرية المتعددة مجالاً لممارسة النشاط السياسي، ومنها الاتحاد العام للعمال الجزائريين واتحاد الفلاحين والاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية والاتحاد الوطني للنساء الجزائريات.
فكثيرون من الذين لم يكونوا مقتنعين بالانخراط في حزب جبهة التحرير الحاكم أو كانوا معارضين للسلطة، وجدوا ضالتهم في هذه المنظمات ليعبروا عن قناعاتهم فكراً وممارسة. وفي الجامعة التي يمكن اعتبارها قمة التدرج التعليمي والثقافي بالنسبة للشاب الطالب ظهر الفرز واضحاً بين تيارين متناقضين وهما:
التيار المساند للاختيار الاشتراكي وللإصلاحات وتجسد- على وجه الخصوص- في حركة التطوع لصالح الثورة الزراعية يدعمها وينشطها حزب الطليعة الاشتراكية بطريقة شبه علنية- والتيار المعادي لهذا التوجه بصفة جذرية وكان يغذيه الإسلاميون على اختلاف مشاربهم وإن كان الأخوان المسلمون يمثلون الجناح القيادي فيه، وكان نشاطهم شبه علني أيضاً.
وإن النسبة الكبيرة من كتابات الشباب في هذه الفترة يمكن أن تقرأ في ضوء هذا الصراع الفكري الاجتماعي.
الصعود نحو الأسفل) هي المجموعة القصصية الثانية، للحبيب السائح، وهي تنحدر بشكل واضح إلى صفوف العمال الكادحين.
في عرائس الكراكوز)، يسعى بعض المسؤولين من أجل طرد أربعة عمال متهمين بالشيوعية و بالتشويش، القصة عبارة عن حوار يجري داخل قاعة وتنتهي بانقسامهم قسمين: لكن صورة "عيسات ايدير" المعلقة تبقى تنتظر ملحمة أخرى.
وفي الدفن قبل الموت)، يخلد قصة العمال الأربعة الذي انتهوا نهاية مفجعة في وهران، يوم كانوا داخل ترعة يصلحون مجاري المياه المتسربة التي أصبحت تشكل خطراً عل سكان العمارة، فهوت عليهم الأتربة وكانوا قبل ذلك بقليل يحكون عن مشاريعهم وآمالهم.
وهكذا تستمر بقية القصص تعزف على الوتر نفسه تصفية)، حفل رسمي)، ناس في الميناء)، شجرة العليق)، الصعود نحو الأسفل)، إلا قصة على السرير ليلاً) التي تبدو محاولة يراجع فيها الكاتب هذا الالتزام المتصلب الذي قد يتم في أحيان كثيرة على حساب المرحلة الزاهية من عمر الشباب. وكأن هذه القصة نوع من التهذيب لخطاب سياسي/ ايديولوجي جاف، لا يراعي البعد الإنساني في الإنسان، ولا ينظر إليه إلا من زاوية شعارية استعمالية، يتخذه مطية لتحقيق الغاية السياسية لا أكثر.
وكأن الكاتب يستدرك انحرافاً ما عندما يقول:
أعظم لحظة نعيشها، هي إدراكنا بأننا جزء من الآخرين. نتعب ويتعبون. نحلم ويحلمون. نحب ويحبون))(13) .
نتناول-فيما يلي- قصة "الصعود نحو الأسفل" نموذجاً لأنها تتميز نوعاً ما في موضوعها عن القصص التي سبق أن درسناها من جهة، ومن جهة أخرى، تعتمد طريقة متقدمة في البناء القصصي تؤهلها لا لأن تكون نموذج المجموعة فقط، بل نموذجاً يجسد كثيراً من جوانب التجديد.
في الجامعة
"أ" (4) شفيقة متطوعة وأخوها "الأخواني" يضايقها)
"د" (3) اللقاء في المقهى
"ج" (2) في الشارع نحو المقهى
"ب" (1) في البيت المكتب)
يستحضر أحداث يومه
ويتلقى رسالة شفيقة
يشير الرسم أعلاه بصفة تقريبية إلى اللحظات الأساسية في تكوين القصة. وهي تبعاً لوجودها في النص تتسلسل حسب الأرقام. بينما تحدد الحروف ترتيب الزمن الواقعي للحكاية.
ومن ذلك يتضح أن الزمن الأول في واقع الحكاية هو الرابع في الخطاب القصصي.
وهذا الارتداد الذي صار ظاهرة في الكتابة القصصية لم يكن وليد حرص على توظيف التقنيات الجديدة فحسب، ولكنه- أيضاً- من نتائج النظرة الواقعية للمجتمع وللحياة.
فبداية القصة هي بداية واقعية تنطلق من حاضر الشخصية. عندما يعود إلى بيته يستحضر ما جرى وهو في المكتب. قالت الكاتبة:
السيد البشير.. جئت لأخبرك بأن السيد المدير يطلب منك موافاته بمحضر جلسة الجمعية العامة وملفات الميلود وسالم وقدور والناصر))(14) .
ثم تأتي رسالة شفيقة حافزاً ينتشله من ذكر ما جرى في المكتب ليتوجه نحو المقهى، موعد اللقاء عابراً شارع المدينة.
من البيت إلى الشارع إلى المقهى، يتساوى الترتيب الزمني للحكاية مع الترتيب الزمني للخطاب القصصي، ويلعب المكان دوراً حاسماً في الحفاظ على واقعية هذا الترتيب.
هذا التساوي يقتضي في الواقع ثلاث أمكنة هي البيت والشارع والمقهى.
لكن الارتداد ينقل المتلقي إلى أمكنة أخرى هي المكتب والجامعة والريف. فهناك نوع من التركيب المكاني إن صح التعبير. المكتب يحضر في البيت/ في الذاكرة، والجامعة والريف يحضران في المقهى/ في الذاكرة أيضاً. وإذا ما علمنا أن الذاكرة هي مكان بمعنى من المعاني، تبين أن "الحلولية" هي قوام الارتداد، بحيث مكان أول يحل في مكان ثان يحل في مكان ثالث مثلاً: المكتب في الذاكرة، الذاكرة في البيت. الثالث يحضن الأول والثاني. ذاكرتا شفيقة والبشير في المقهى والجامعة والريف في الذاكرتين. المكتب والبيت مكانان ينتسبان إلى البشير وهو ينتسب إليهما في حاضره، في حين لا مكان تعرف به شفيقة سوى المقهى.
فالمكان بالنسبة للبشير يمثل معلماً تعريفياً، يساعد على تصنيفه في خانة الناس العاديين الطبيعيين، استمر يواصل نشاطه بانسجام بين ماضيه وحاضره. بينما اللامكان بالنسبة لـ "شفيقة" يوحي بالضياع وأنها في أحسن الأحوال التي ترتبط فيها بمكان، تظهر فريسة الشوارع والمقاهي. يوفر الارتداد فرصة للموازنة بين ماضي شفيقة وحاضرها، ولكن بالنسبة لها يتجسد الماضي أمامها في شخص البشير.
وإذا كانت رسالتها إليه هي المثير الذي يحركه نحوها، فإنه يتحول هو ذاته إلى مشير بالنسبة لها، يجعلها تسترجع الماضي والذكريات.
كانت من أفواج المتطوعين لصالح الثورة الزراعية، وكان أخوها ينتمي إلى التيار الأخواني فيضايقها، ويحاول أن يرغمها على التخلي عن كتب الكفر والإلحاد لتقرأ بدلها ما يراه أصلح.
أيتها الفاسقة.. كتب الكفر والإلحاد هذه.. يجب أن تحرقيها، أو ترميها في البحر.. وكفري عن كل ما جنيت بـ "المنقذ من الضلال، وجاهلية القَرن العشرين، والرسائل الثلاث" هي بمكتبي تحت تصرفك. وإلا..)) (15) .
أما أسلوب الارتداد ذاته، فإنه لا يتحقق بطريقة ضمنية غير مباشرة. إذ لابد ويبدأ الكاتب بعبارات تدل عليه مثل:
أحداث اليوم برأسه تمر شريطاً)). تتظاهر الذكرى موجاً صاخباً في عرس ذاكرته))، فتح في ذاكرتها ثغرة)). لتنتفض في ذاكرته بعض كلمات تلك الرسائل)). الخ:
وكأن الكاتب يشك في قدرة القارئ على التمييز بين حالة التذكير والحالة الحاضرة فيأبى إلا أن يصرخ بفعل التذكير ومعانيه الفرعية بتنويع الصيغ اللغوية، بحيث كل حالة ارتداد على مستوى النص تتصدرها صيغة مفتاحية.
من أبرز البصمات التي تركها الفكر الماركسي على الكتاب والكتابة القصصية هذه الرؤية الجدلية إلى الواقع، محكومة بالصراع الطبقي. والكاتب لا يخفي انحيازه إلى الطبقة العاملة وإلى الفقراء بصفة عامة.
وكان لهذه الرؤية الجدلية أثرها على فنيات الكتابة. لذلك نجد مجموعة الصعود نحو الأسفل) بصفة عامة، ومنها هذه القصة الدفن قبل الموت) و على السرير ليلاً) على وجه الخصوص تقطع مع الطريقة التقليدية في القص.
فبالإضافة إلى وظيفة المكان ووظيفة الوصف الذي لا يحضر في النص كفراغ زمني أو توقف، بل يحضر ليزيد الحدث تدرجاً ونمواً- هناك الحوار الداخلي الذي يستخدم وقت الخلوة للتفكير والاسترجاع.
والعنوان نفسه يجسد هذه الجدلية. فهو يحمل تناقضاً لا تستسيغهُ إلا ذهنية تتقبل الجدلية أصلاً، أو لا يمكن تبينه إلا بعد إدراك مضمون القصة. فقد كان وعي الطالبة "شفيقة" يتدرج صعوداً عندما فهمت فآمنت فالتزمت، لكن سرعان ما تراجع هذا الوعي منحدراً عندما هانت عليها بكارتها واعتادت السهرات والتدخين. وإذا ما افترضنا أن مثل هذا السلوك سقوط بالنسبة لطالبة- حتى بعد المرحلة الجامعية-تركها صديقها ليذهب إلى الخدمة الوطنية- فإن هذا الذي صورته القصة يعد نتيجة.
لكنها نتيجة غير مبررة بشكل مقنع على مستوى الخطاب القصصي، وتبقى الدلالة الأعمق كامنة في العنوان ذاته.
الماضي المشترك |
حاضر البشير حاضر شفيقة |
والمضمون الحقيقي للقصة كما يجسده العنوان، هو زمن شفيقة الذي لا نتصوره زمناً تتابعياً، على أساس صعود يتلوه انحدار، فترة أعقبتها فترة أخرى مختلفة، بل يبدو أن الانحدار متضمن في الصعود نفسه أو كان الصعود من حيث هو ينطوي على مسببات السقوط، ليس سوى وهم. تماماً كقولنا أن الإنسان في لحظة ما هو حي ميت ونحن نقصد أن اللحظة التي تموت فيها خلايا من جسمه، تبعث فيها خلايا أخرى حية. وإذا ما أخذنا بالنتيجة التي يؤول إليها كل إنسان، فهي الموت لا محالة.
وفي الوقت الذي يعبر فيه العنوان عن موقف رثاء لحال هذه الطالبة. فهو أيضاً موقف ساخر من نموذج طلابي يرقى إلى أعلى الهرم التعليمي شفيقة تدرس الطب) لينزل إلى الحضيض بسبب غياب وعي صحي سليم. كما يرد ذلك في البلاغة العربية في باب "الهزء في معرض المدح"، استشهاداً بقول الشاعر:
"يا
له من عمل صالح |
رفعة
الله إلى أسفل |
وأخيراً من مميزات الكتابة عند الحبيب السائح)، حرصه على احترام قواعد اللغة العربية، وإذا هو تصرف في التركيب، فإنما يقوم بذلك بقصد وعن وعي.
أصبحت دائرة الموضوعات معروفة مألوفة، حتى أن الأعمال القصصية لا تتمايز فيما بينها إلا من خلال البناء الفني والتفاوت في استيعاب الايديولوجيا التي هي في السبعينيات ايديولوجيا اشتراكية.
ففي حرائق أصابعها)(16) يصور القاص ظاهرة العطش الجنسي باستغلاله فرصة الركوب في حافلة نقل، انطلاقاً من تأمله فتاة جميلة وقد فرض الزحام أن يلتحم بها ويلامس أصابعها.
وتقود التداعيات إلى التفكير فيمن يتمتعون بجمال هذه الفتاة من الأغنياء والمسؤولين في حين يضطر هو للجوء إلى المواخير.
ولكن ما كل فتاة جميلة قادرة على أن تبلغ مرادها، فها هي فتاة أخرى في الطفلة والهمج)(17) ، أمام المرآة تتفنن في التجميل ومترددة في اختيار ما تلبسه لإبراز مفاتنها للسيد المدير الذي ستقابله لعله يرضى عنها.
لكن بمجرد وصولها تجده قد سافر إلى العاصمة، فتكتفي بالمشي في الشارع والمطر يغسلها.
في قصص "عمار بلحسن" نجول أيضاً في عالم الصراع الطبقي، وإن دخلناه من أبواب مختلفة. فهذا شخص يسرح في عالم القلعة التي استولى عليها الأغنياء والوصوليون ويحلم بمحاصرتها وفتحها من جديد، وذاك طفل في الحانة يبيع الكاوكاو، ويتذكر كيف كانت أمه تَدفعه إلى اللعب لتخلو برجل.
قصة الأصوات):
قبل أن نخلص إلى بعض الاستنتاجات العامة، نتعرض فيما يلي إلى قصة الأصوات) بشكل مستقل، لا لأنها أحسن قصص المجموعة ولا لأن الكاتب اختارها عنواناً للمجموعة كلها، بل لأنها تجسد بعداً فنياً سيفرض حضوره في الكتابة القصصية بصفة عامة، ونقصد به توظيف التاريخ الوطني.
حقاً لم يكن التاريخ/ الماضي غائباً في النماذج المدروسة سابقاً، لكنه أخذ مساراً تعميمياً لا يهتم كثيراً بإقامة الفرز داخل شرائح الحركة الوطنية وتنظيماتها.
أما في قصة الأصوات) ففن التاريخ يحضر أو يوظف بوصفه رمزاً يجسد تضحية لها دلالاتها السياسية والايديولوجية المتميزة.
وتتسلسل أحداث القصة كالتالي:
هـ) 1- "علي بوسدرة" واقف مغمض العينين بعدما ألقى عليه القبض.
2-الناس يتناقلون خبر القبض عليه من طرف المستعمرين.
3-هجوم أولاد "نهار" على الثكنة واستيلاؤهم على الأسلحة.
4-اجتماع مناضلين بحضور "بادسي وبوشامة".
أ) 6- سنة 1942، كان "بوسدرة" عريفاً في الجبهة ضد النازية واكتسب تجربة غنية بفضل احتكاكه بالرفاق الشيوعيين.
ب) 7- آخر اجتماع حضره "بادسي وبوشامة" عن وضعية الحركة الوطنية وآفاقها.
ج) 8- انتفاضة عمال المزارع والعملية التي قام بها أولاد "نهار".
و) 9- الأطفال في مدرسة علي بوسدرة).
تشير الأرقام إلى تسلسل الأحداث في النص، بينما تشير الحروف إلى تسلسلها في الواقع التاريخي. وبناء على ذلك يتأكد أن التداخل الزمني أصبح قاعدة عامة في الكتابة القصصية في السبعينيات.
ولم يعد التداخل في هذه القصة من النوع البسيط الذي ينطلق من النهاية، فلو كان الأمر كذلك لبدأت القصة بالأطفال وهم في المدرسة، لكن يبدو أن اختيار الكاتب وقع على لحظة أخرى ليجعلها أقوى تأثيراً.
لحظة وقوف "علي بوسدرة" أمام الموت، وما في الموت شك لواقف))(18) .
يستحضر سيرته الذاتية/ الموضوعية، تاريخه وتاريخ العالم.
وهو مجبر على أن يتخذ أحد موقفين: إما الركوع فالإهانة فالذل، وإما الصمود فالبطولة والمجد.
حضور التاريخ يأتي بوصفه مبرراً موضوعياً للموقف الذي يقفه البطل، وموقفه نتيجة حتمية لذلك التاريخ. كل منهما يحيل إلى الثاني. وبذلك يدرج الكاتب نضال الشيوعيين الجزائريين في المسار العام للحركة الوطنية.
وكأنه يرد بطريقته الفنية الواقعية على الأصوات التي تستثنيهم منها وتقصيهم من ساحة النضال الوطني.
وهو يؤكد حقيقة أخرى تعرض لها قصة اللاز) للطاهر وطار، وهي أن الفكر الاشتراكي/ الشيوعي وافد دخيل، تأثر به الجزائريون خارج الوطن من جراء احتكاكهم بالأجانب الذين تشعيوا بهذا الفكر وروجوا له. في هذه اللحظة التي يقف فيها البطل أمام الموت يختار الكاتب ضمير المخاطب ليناجيه فيضعه أمام التحدي: هل تقاوم الرصاص وتقدم نفسك في موكب القرابين للتراب والسهوب وروائح الوبر وتكون هذا وفياً للأرواح الغابرة التي ماتت بالجوع.. وصوت عبد القادر يأتيها من وراء بحار الغربة...))(19) .
["فهل تموت صلباً، وتغرز صدق نورك في عيونهم أم تبيع شرفك وتاريخك.."](20) انها فرصته الأخيرة، فإما أن يخلد مجيداً وإما أن يموت ذليلاً.
إختار "علي بوسدرة" أن يسقي الأرض الغالية بدمه فكانت المدرسة.
التجربة الغنية التضحية المدرسة
تجربته أقنعته بضرورة التضحية وتضحيته أنبتت مدرسة للعلم والمعرفة. يقول له:
ثم.... تتفتح.. تحت زخات المطر السماوي وتخرق وجه الأرض الصلب.. تتفتق عنه التربة.. نبتة خضراء واعدة.. عريشة تظلل الوديان.. أو زيتونة خضراء في الفيافي...))(21) .
إذن ما يميز هذه القصة أن التاريخ لا يحضر فيها بشكل عام، لا يحضر من موقف الانفعال بالماضي لتفسير الحاضر أو التأثير فيه، بل يحضر من موقف التفاعل المؤسس على قراءة واعية للتاريخ تقيم الفرز ليس داخل الكتلة الوطنية فحسب، وإنما تنفذ إلى نقد التفاوت الموجود داخل التيار الواحد.
حضور التاريخ في مثل هذه القصة ليس اندماجاً أعمى ولا توحداً تصوفياً تضببه الرؤيا الغبية ولا إقحاماً تعسفياً يسعى إلى تحقيق ما كان تحققه وظيفة الرقعة الأرجوانية". في الأدب الإنجليزي، حيث كان بعض الأدباء يحرصون على تنميق مواضع في النص بهدف التأثير على القارئ.
إن حضور التاريخ هنا يحقق ما يسميه "محمد عابد الجابري" الوَصلُ والفصل)(22) بحيث يمكننا الوصل بين الاندماج في التاريخ والتزود منه معرفياً، ويمكننا الفصل من خلق مسافة ذهنية بيننا فتساعد على نقده". يميل "عمار بلحسن" في قصص هذه المجموعة إلى التركيز على التداعي باستخدام ضمائر محدودة: التحكم والمخاطب والغائب).
كما يستخدم الأسلوب الارتدادي، بالاتكاء على الفعل "تذكر" ومشتقاته عادة. لكن الذي يلفت النظر أكثر، لغته الشاعرية وتوظيف الجنس في أكثر قصصه. إن حضور التاريخ في الكتابة القصصية يشكل وحده موضوعاً مستقلاً جديراً بالبحث. لأنه يوظف بتفاوت بين القصاصين.
فقد يوظف لغرض معلوماتي لا يتمفصل فنياً مع النص وبنيته، وقد يقحم جسماً غريباً على هيكل النص بدافع مسايرة الموضة الأدبية)، وقد يوظف بنجاح يصعب معه التمييز بين العفوية والتخطيط في هذا التوظيف.
يبقى الكاتب من أولئك الذي أحسوا بثقل الايديولوجيا وحضورها الصارخ في النصوص الأدبية في فترة السبعينيات، ولذلك حاول أن ينتشل قصته من هذا الخطاب الذي كثيراً ما تسبب في تغييب الفن.
(1) - الأعرجواسيني): حميدا المسيردي الطيب، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق
*)- م ق: مقطوعة قصصية.
(2) فاسيمصطفى): حكاية عبده والجماجم والجبل- الدار التونسية للنشر -تونس- المؤسسة الوطنية للكتاب- الجزائر- 1985 .
(3) المصدر السابق، ص 37 .
(4) - الزاويمحمد الأمين): كيف عبر طائر فينيقس البحر المتوسط، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق- سوريا 1983 .
(5) - المجموعة: ص28 .
(6) - المجموعة: ص56 .
(7) - المجموعة: ص56 .
(8) - نفسه - ص 57 .
(9) - نفسه - ص 57 .
(10) - نفسه - ص 57 .
(11) السائح الحبيب): الصعود نحو الأسفل- المؤسسة الجزائرية للطباعة -مطبعة بن بولعيد-الجزائر.
(12) -المجموعة: ص 132
(13) -المجموعة: ص 80.
(14) -المجموعة: ص 93
(15) -بلحسن عمار): الأصوات، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر. 1985
(16) -نفسه.
(17) -من قول المتنبي:
وقفت وما في الموت شك لواقفٍ كأن في جفن الردى وهو نائم)
(18) -المجموعة، ص 30.
19 - نفسه ص30
(20) -نفسه ص 31.
(21) -راجع: الجابري محمد عابد)- نحن والتراث- المركز الثقافي العربي -الدار البيضاء -المغرب- دار الطليعة -بيروت- لبنان -ط2- ص 12 بتصرف).
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |