|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:42 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
النموذج التاسع تمثل الكتابة القصصية عند محمد الصالح حرز الله) شكلاً متميزاً، لا لأنها قصص قصيرة جداً، بل لأنها- وهذا أهم- تخضع في بنائها لتقنيات لم نعهدها في قصص أخرى من المجموعات التي تمكنا من الاطلاع عليها. سنحاول تبيان طريقة البناء هذه من خلال ثلاثة نماذج من مجموعته التحديق من خارج الرقعة)(1) . 1-الصورة المركزية: يعمد الكاتب إلى إنشاء صورة تكون بمثابة الإطار العام الذي يحتضن بقية الأحداث والصور المتفرعة عنها. ففي قصة البركة)، يعطي لهذه الشخصية هالة أسطورية تجسد إخلاصه للوطن وتفانيه في الجهاد. ولا نعرفه إلا من خلال أهل القرية الذين يتناقلون أخباره بتقدير وإعجاب. و"البركة" ليس سوى رمز لا يوجد في مكان بعينه لأنه في كل مكان، ولا يعيش في زمان محدد لأنه يعلو على الزمان. -وقد شوهد محلقاً في السماء ببعد المعركة. -بحثوا على جثث ولم يعثروا عليها. -انتقل ليحارب في المشرق العربي. -مر أمام العسكر ولم يتفطن أحد لوجوده. -إنه يصعد مداخن الحجار وبسمات الأطفال. هذا هو "البركة" الرمز الذي يؤطر القصة من بدايتها إلى نهايتها، ليكون نموذجاً يتحذى من قبل أهل القرية، وليكون هذه الامتدادات المحتملة "البركة" لايمكن اختزاله في واحد من هذه الامتدادات لأنه يتكون منها جميعاً ليتميز منها جميعاً في الوقت ذاته. 2- الصور الفرعية: داخل الصورة المركزية/ الإطار، تنشأ صور أخرى، منها قصة "البركة" صورة العجوز وهي تدير الرحى، صورة "عويشة" تعاني مخاض الولادة، صورة "صويلح" يترقب "البركة" ويترقب أخاه "اسماعيل" الذي التحق بالجنود في المعركة. إن هذه الصور لا تأتي دفعة واحدة وبصفة مكتملة نهائية، وإنما تحضر في القصة متلاحقة متنامية، مما يجعل القصة تتجدد من صورة إلى أخرى. المعركة/البركة اسماعيل الجنود البركة/الحجار الرحى/العجوز المخاض صويلح المولود / البسمة 3-التقابل: بالإضافة إلى الصور التي تأتي متنامية. هناك التقابل كما بينها الرسم أعلاه. إذ يمكن أن نقرأ أفقياً دلالة التواصل بين البركة واسماعيل والجنود والحجار ونقرأ عمودياً دلالة التطابق المبنية على معادل رمزي بين الحركة والرحى والبركة والعجوز والبركة والمولود والحجار والبسمة.. التقابل هنا لايعني التناقض. وإنما المقصود به أن لكل صورة-تقريباً-معادلاً رمزياً تحيل إليه ويدل عليها. ثم تصبح القصة كلها معادلاً رمزياً يحيل إلى واقع ما. قد يكون محلياً الجزائر)، وقد يكون عربياً فلسطين). ولكنه في كل الحالات لايحيل إلى واقع حرفي مبسط، ولا إلى خطاب إيديولوجي/ سياسي صارخ. 4-السارد: "صويلح" في قصة البركة) يلعب دور المترقب والمراقب. فهو يعيش المعركة ويترقب "البركة" من جهة ويطمح إلى الالتحاق بالجنود من جهة أخرى. إنه يمثل الخيط الواصل بين ثلاثة أزمنة: الماضي والحاضر والمستقبل. لذلك يكون هو السارد في القصة وأحياناً ينتقل السرد إلى الكاتب نفسه، ولكن تحتفظ شخصية "صويلح" بدورها الأساسي المتمثل في تحقيق الصلة بين الأحداث والتواصل الزمني. وفي قصة التحديق من خارج الرقعة)، تواجهنا صورة الأم المريضة كصورة مركزية تتفرع عنها الصور كالتالي: -الاتفاق على عقد اجتماع لإنقاذها. -الأخ الأصغر أخو سميح) مرتاب في أمر المجتمعين. -رجل غريب يقاسمهم البيت ويقاسم أمهم سريرها. -صورة المتنافسين على الأم وقد كانت من نصيب أكثرهم دهاء. -داخل الرقعة لاعبون متفرجون. -أخو سميح) يقرر الخروج من الرقعة. الأم/الأرض/ الوطن المغتصب، مريضة. رجل غريب يقاسمها سريرها مما يجعل الطفل الأصغر يحتار ويراقبه بحقد، في حين يغرق الآخرون في اجتماعاتهم الفاشلة. وإذا كانت قصة البركة) يحكمها منطق التواصل بين "صويلح" وما يجري داخل رقعة المعركة، فإن منطق الاختلاف هو الذي يميز الأخ الأصغر عما يجري داخل الرقعة حيث جثة الأم المطوقة. لذلك يقرر الخروج والتحديق من خارج الرقعة. بعدما وعى قواعد اللعبة. آه.. ماذا لو مات الحمار؟ سيعوض بحمار آخر وتبقى اللعبة مستمرة. ...) هذه العملية معقدة وستستمر اللعبة بشكل آخر.. تلك هي المسألة، فالبيادق بيادق وإن اختلفت الأشكال، والمتفرجون هم المتفرجون، واللاعبون هم المسيرون. أنا خارج من الرقعة يا رفاقي، يا أعمامي، يا إخوتي. فطريق الخلاص يسده اللاعبون))(2) . وفي قصة "الأبواب الموصدة" يستغل الكاتب قاعة الانتظار ليجعلها إطاراً مركزياً تتحرك داخله أحداث. -طال الانتظار فصار يبحث عما يتلهى به لقتل الوقت. -عقربا الساعة متوقفان. -محكوم عليه بالوقوف ومحظور عليه الكلام. -وراء الأبواب الموصدة حركة أخرى. -طلاء الغرفة أخذ يؤلم العيون: الحاجة إلى تغيير الديكور. -الهجوم على الأبواب الموصدة- عقربا الساعة يتحركان. يمكن القول أن جثة الأم المطوقة هي نفسها قاعة الانتظار في هذه القصة وكلتاهما تمثلان معادلاً رمزياً لواقع ما. وبينما كانت الصور تتعاقب في القصتين السابقتين، فهي هنا تتوالد، تنبعث تدريجياً من رحم الصورة المؤطرة التي هي قاعة الانتظار. التقابل المكاني في هذه القصة يأخذ طابع التناقض، تناقض بين الذين هم ينتظرن وبين الذين خلف الأبواب الموصدة. والديكور يؤلم العيون لأنه ديكور مزيف، ويجب تغييره. ومن خلال هذه النماذج يمكن أن نخلص إلى الاستنتاجات التالية: -انطلاق القصة من صورة مركزية رمزية تتفرع عنها صور أخرى. -الرمز لا يقدم جاهزاً منذ البداية، بل ينمو ويتشكل تدريجياً. -الصور القصصية الجزئية هي التي تساهم في بلورته وتشكيله. -اعتماد التقابل والتواصل كما في قصة البركة) أو التتابع والتوالد كما في قصتي الأبواب الموصدة) و التحديق من خارج الرقعة). -واسطات التواصل تتنوع، فمنها: الخبر، وجه الشبه/ الرمز، علاقة الزواج، رابطة الدم، رابطة النضال، المكان...). -قد يكون الرمز المركزي جاهزاً معروفاً منذ البداية مثلما هي الحال في صورة الأم التحديق من خارج الرقعة). ويتم التغيير بإضافة عنصر جديد أو أكثر إلى الرمز المركزي مع الاحتفاظ بالعنصر البديل النامي. -العنصر المضاف لا يفك اللغز بل يزيده تعقيداً مثلا: وجود رجل غريب يقاسمهم البيت ويقاسم الأم سريرها). إن هذه الطريقة في الكتابة القصصية تختلف إلى حد بعيد عما عهدناه في قصة السبعينيات. ويكمن سر نجاحها في إعطاء استقلالية نسبية للظاهرة الفنية بعدم اقحام الخطاب السياسي/ الايديولوجي بشكل مباشر. والظاهر أن القاص يعتني ببناء القصة واختيار الصور الشاعرية أكثر مما يراعي الحجم ولذلك جاءت بعض "قصصه" أقرب إلى الخواطر منها إلى القصص الناضجة. ومهما يكن فإن محمد الصالح حرز الله) يعد في تقديرنا من الكتاب القلائل الذين نجحوا فنياً في كتابة القصة القصيرة. النموذج العاشر: البصمات:(3) تعود بنا بعض قصص هذه المجموعة إلى أجواء حرب التحرير وتصوير التعذيب الذي يتعرض له المواطن على أيدي العسكر. وتظل حقيقة هذا المناضل غير معروفة إلى أن يكشف عنها أحد أصدقائه فنعرف أنه كان ينتمي إلى الحركة الوطنية ثم إلى حرب الشعب ثم إلى الحزب الشيوعي وأنه كان شديد الوفاق مع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. وتنقلنا قصص، إلى الحياة الجامعية فنتتبع مسار الطالب منذ أن يبدأ بعقد صلات مختلفة ويحتك باتجاهات مختلفة ويميل إلى العمل السياسي، بالإضافة إلى علاقته بالفتيات.. بينما تصور قصص أخرى المضايقات التي يتعرض لها بعض المواطنين عندما يتهمون بالتشويش والمساس بأمن الدولة، ويحاكمون محاكمات صورية مفضوحة، وتخلص قصص أخرى إلى معالجة ما ينشأ بين المراهقين من علاقات حب. هذه الموضوعات وغيرها ليست جديدة في الكتابة القصصية، إنما الذي يلفت الانتباه في قصص عمار يزلي)، هو ميله إلى تطعيم كتاباته بالأسلوب الساخر، وهو ما حملنا على اتخاذه نموذجاً متميزاً. ونحاول فيما يلي أن نتلمس هذه الظاهرة من خلال إحدى قصص المجموعة وهي: ولد حسيبة): تصل برقية إلى هذا الشاب تشعره بتاريخ الالتحاق بالخدمة الوطنية، وإذا أمه تتظاهر بالبكاء والندب حرصاً منها على تأكيد شرعية هذا الابن في أعين الناس لأنهم ينظرون إليه على أنه لقيط. أما جهيدة) بنت حسيبة فقد تزوجت من شاب كان مغترباً وعاد بسيارة من نوع 404). لكنه طلقها بعد أشهر، فتظاهرت أمها بالمرض وافتعلت الموت وبعدما دفنوها وانصرفوا خرجت من القبر، فاندهش صهرها ومات على التو فدفنوه مكانها. أما هي فصارت أسطورة تنسج من حولها الأساطير، عرافة تدعى "لالة نجمة" وأخذ الرزق يأتيها من كل الأبواب وتزوجت شاباً وتزوج ابنها فتاة نادرة الجمال تحاك حولها الشبهات وتكثر الأقاويل فيرغم على تطليقها ويتزوج أخرى ذميمة شديدة القبح. هذه القصة مركبة من مقطوعات قصصية تربط بينها شخصية "حسيبة" المحورية ربطاً ضعيف الإحكام إلى حد ما، ويتسم مضمونها بدلالة سطحية وكأن القصة كتبت بغرض السخرية والتنكيت لا غير. والأحداث مرتبة ترتيباً عادياً لا تداخل فيه. تسرد من بداية إلى نهاية تقليديتين. ولعل هذه الرتابة هي التي جعلت القاص يفكر في انتشال القصة بواسطة التشبيهات الساخرة وتوظيف النكتة. كان لأم "ولد حسيبة" ذقن عجيب وخصب.. أفرطت في حلقه حتى غدا كأحراش "بوسدرة" ))(4) . ""تطلق زغرودة توحي أكثر ما توحي بصوت جحش قد بدأ على التو يتعلم النهيق))(5) . وبالإضافة إلى مثل هذه التشبيهات المضحكة وإلى بعض الصور الأخرى الساخرة التي تتخلل القصة، تنتهي القصة بنكتة شعبية معروفة يوردها الكاتب كتعليق على وضعيتين متناقضتين عاشهما "ولد حسيبة" حينما تزوج فتاة جميلة ثم طلقها ليتزوج أخرى ذميمة. يوم كان عندي العسل.. كنت أغمس إصبعي أنا وأبناء أعمامي... واليوم لما أنا آكل الخرا.... فأنا آكله وحدي))(6) . ويمكن- من خلال قصص المجموعة- أن نخلص إلى الاستنتاجات التالية: -عشر قصص يتم فيها السرد بالاعتماد علي ضمير الغائب، ويعني ذلك أن البنية القصصية عند عمار يزلي) يغلب عليها الطابع التقليدي البسيط. -ثلاث قصص تعتمد على الأسلوب الارتدادي. وقد سبق أن أشرنا إلى أن الارتداد صار تقنية مألوفة. -قصتان، إحداهما يستخدم فيها ضمير المتكلم والثانية يوظف فيها الحوار الداخلي. -قصة تعتمد بنية ساخرة وهي المثلث القلوب). -يلجأ الكاتب إلى التنويع بين ضمير الغائب والمتكلم و إدراج الحوار الثنائي القصير . -السخرية مرتكز أساسي لتوفير المتعة. وهي تتسم بواسطة التشبيهات الكاريكاتورية الهزيلة وبتوظيف النكتة، وهذه السخرية قد تبنى عليها القصة منذ البداية، وقد تكون نهاية القصة نكتة كما يلي: ولد حسيبة) و المحاكمة) و القط الأكحل). -الأسلوب الارتدادي يتم بواسطة أشكال مختلفة منها: قراءة مذكرة، تذكر بسيط) هذه هي الملامح الأساسية للكتابة القصصية لدى عمار يزلي)، ولولا تفرده بالطريقة الهزيلة التي أشرنا إليها، لما كانت قصصه تختلف عن النماذج السابقة. ولكن في الوقت الذي يسعى فيه الكاتب إلى تطعيم قصصه بالصور الهزيلة الكاريكاتورية لانتشالها من رتابة السرد التقليدي، كثيراً ما تضيع الدلالة الفكرية إلى حد تظهر فيه السخرية غاية في ذاتها أحياناً. وأخيراً يتضح أن معظم ما كتب في القصة الجزائرية القصيرة يرتكز على الوحدات الثلاث التقليدية المقدمة والعقدة والحل). ويندرج تحت هذا النوع ما يكتبه أبو العيد دودو، وعمر بن قينة، ومحمد دحو، وزهور ونيسي ومحمد مرتاض وجميلة زنير والطاهر بلحيا وأحمد منور وعبد العزيز بوشفيرات والعيد بن عروس وعبد الحفيظ بوالطين وعثمان سعدي وجروة علاوة وهبي ومحمد مفلاح وغيرهم...) بينما تميل مجموعة أخرى من الكتاب إلى تحديث الفنيات القصصية ومنهم- بالإضافة إلى أصحاب النماذج المدروسة في هذا البحث- الأدرع شريف ومصطفى نطور وعبد الحميد بورايو وجيلالي خلاص..). هؤلاء يتفاوتون في كتاباتهم في تجريب التداعي وأسلوب الارتداد وتنويع الضمائر وتوظيف التراث والرمزية الشفافة واستغلال الإثارة النفسية. على أن هناك ظاهرة تسود في الأدب الجزائري المكتوب بالعربية وهي البدء بكتابة القصة القصيرة لاستسهالها إما في الكتابة أو القراءة أو النشر. والظاهرة الأخرى أن استسهالها تحول لدى بعض الكتاب إلى استصغار لهذا الفن فانتقلوا إلى كتابة الرواية بدعوى أن هذه الأخيرة مجال أوسع وأرحب، يوفر للكاتب من الحرية ما لا تستطيعه القصة بحجمها الضيق. والواقع أكثرهم مدفوعون بالمكان التي تحظى بها الرواية وبالشعور بالنقص لدى الكاتب ما لم يقدم على كتابة رواية. وكأنها هي التي تمنحه شرعية وجوده ككاتب أو هي التي قد تكون جوازه للعبور إلى عالم الشهرة. والعزوف عن كتابة القصة القصيرة -بعد فترة معينة -لا يعود إلى استصغار شأنها فقط، بل يعود أيضاً إلى الإخفاق في اختيار الأهم من بين ما يعرضه الواقع والحياة، والعجز عن امتلاك اللحظة المناسبة وعن تطويع الأداة اللغوية لإبداع بناء قصصي متميز. لأن المجال إن ضاق في قصة قصيرة واحدة فبإمكان الفنان أن يجعل منه أفقاً أرحب من خلال إبداعه قصصاً كثيراً، تؤلف في مجموعها نسيجاً متكاملاً يصلح لأن يكون خير تعليق على حياة الكاتب إن كانت حياته-حقاً- خير تبرير لما يكتب. في دائرة الكتابة القصصية الكلاسيكية- وهي النوع الغالب- تتشابه أعمال الأديب الواحد وتتشابه أعمال مجموعة كبيرة من الأدباء، وفي دائرة الكتابة التي تمنح الأولوية للخطاب السياسي/ الايديولوجي-وهذا النوع طغى في السبعينيات- تتشابه الأعمال ولكن على مستوى آخر أكثر تقدماً. وفي كلتا الحالتين، كثيراً ما يصعب التمييز بين الأعمال القصصية انطلاقاً من بنياتها، لذلك غالباً ما يعرف الأديب باسمه لا بأسلوبه، وهي ظاهرة لا تدل إلا على قلة الإبداع. (1) -حرز الله محمد الصالح) -التحديق من خارج الرقعة- دار الشهاب للطباعة والنشر- باتنة- الجزائر. (2) -المجموعة: ص 36. (3) -يزلي عمار) البصمات-المؤسسة الوطنية للكتاب-الجزائر 1986. (4) -المجموعة: ص 16. (5) -نفسه: ص18. (6) -المجموعة: ص 24. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |