الجهود اللغوية في المصطلح العلمّي الحديث - الدكتور محمد علي الزركان

دراســة - منشورات اتحاد الكتاب العرب1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:43 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثالث) : المصطلح العلمي ونقل العلوم الحديثة بين الشام ومصر والعراق.

تمهيد :

هذا الفصل مشترك بين الفصلين السابقين وتتمة لهما فالدكتور يعقوب صروف الذي قدم الكثير من المصطلحات العلمية والحضارية وشارك في وضعها منذ نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين على صفحات مجلة المقتطف بين الشام ومصر. فقد كان من خريجي الكلية السورية الانجيلية في بيروت ومن الذين تتلمذوا على أيدي أساتذتها الكبار وفي مقدمتهم الدكتور فانديك الذي أشار عليه - كما قيل - بتأسيس مجلة المقتطف في بيروت سنة 1876 م والتي استمرت في الصدور هناك نحو عشر سنين، ثم انتقلت بعد ذلك إلى القاهرة لتتابع نشاطها الثقافي العلمي على مستوى المشرق العربي عامة.

قلنا أن الدكتور صروف كان يتخذ من مجلة المقتطف منبراً لنشر آرائه ومبادئه في وضع المصطلح العلمي العربي، كما كانت منبراً لغيره من العلماء والباحثين من مصر والشام.

لذلك جعلنا هذا الفصل بمثابة همزة وصل ونقطة التقاء بين هذين القطرين والأقطار العربية الأخرى.

ثم ختمناه بنبذه صغيرة عن الجهود القليلة في وضع المصطلح العلمي ونقل العلوم الحديثة في العراق، ولم نفرد لها فصلاً خاصاً بسبب قلة الجهود في نقل العلوم الحديثة ووضع المصطلحات العلمية إلا ما كان من بعض أفراد قلائل، إذا كان يعتمد على ما يقدمه المصريون والسوريون في هذا المجال.

1) جهود الدكتور يعقوب صروف 1852- 1927).

" ومن الذين ساهموا في وضع أو تحقيق المصطلحات العلمية ونشرها على نطاق واسع في مجلة المقتطف) منذ انشائها في بيروت 1876 م ثم انتقالها إلى القاهرة 1886، الدكتور يعقوب صروف الذي كان من أبرع الكتاب العرب في تبسيط العلوم الحديثة، ومن أعرفهم بألفاظها العلمية. وقد وضع كثيراً من المصطلحات في حياة المقتطف الطويلة، فسرت على الألسنة واستعملها الكتاب فقد كانت المقتطف) معرضاً يعرض فيه العلماء نتاج بحوثهم في مختلف العلوم وفي المصطلحات العلمية " (1) ولقد أغنى يعقوب صروف اللغة العربية المعاصرة بألفاظ ومصطلحات كثيرة، وذلك بمقالاته في المقتطف : كالغواصة والدبابة والرشاشه والنواة والكهرب... إلخ. فكان إذا ذكر لفظة غربية أول مرة شرحها شرحاً وافياً على أصول العلم الحديث، وكان لا يفرغ اللفظة إلا في قالب عربي أو يكاد، بحيث يسهل حفظها واستعمالها. فكلمة فصفور) مثلاً ذكرها منذ السنة الأولى في المقتطف وحافظ عليها بهذه الصورة (2) . أما الآخرون فذكروها على مناح متعددة منها : فسفور، فوسفور وفوصفور، وفصفر، وفسفر... إلخ . لكن لفظة فصفور) بصورتها هذه قد غلبت على سائر الصور، فكتب لها البقاء على مايبدو. (3)

مع أن المعلم بطرس البستاني ذكرها في معجمه " محيط المحيط " في مادة: ف س ف ر : أي الفسفور ". (4)

وهناك ألفاظ اصطلاحية عربها يعقوب في فروع العلم المختلفة في المقتطف كما أنه أحيا ألفاظاً عربية قديمة كانت مهملة أو مدفونة فجلاها. وهذه الألفاظ لايخلو منها مجلد من المقتطف.

ومما يلاحظ أن يعقوب صروف كان من المخضرمين بين القرنين التاسع عشر والعشرين، فقد أدرك الربع الأخير من القرن الماضي والربع الأول من القرن الحالي، وهو مكب على الكتابة العلمية ونشر المصطلحات فلا يمكننا والحالة هذه الفصل بين أعماله الكتابية فصلاً دقيقاً فيما كتبه قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها. ولكننا نلاحظ من خلال عرض ما كتب في المصطلح العلمي خلال فترة تقارب نصف القرن التطور الواضح بين ما كتبه في المقتطف في أواخر القرن الماضي وما كتبه في أوائل القرن الحالي.

وهذا بلا شك أمر طبيعي، إذ لا يعقل أن يقف باحث مثل يعقوب صروف لايتطور خلال مدة نصف قرن في هذا الزمن المتسارع بمخترعاته العلمية الجديدة، والتي تحتاج إلى مصطلحات تتناسب والعصر.

منهجه في وضع المصطلح العلمي :

وقد اعتمد في وضع المصطلح أربع قواعد، وهو بطبيعته يميل إلى التعريب أكثر من الترجمة والاشتقاق.

قال في القاعدة الأولى : " ومن هذا القبيل أي من قبيل الكلمات الأعجمية التي نفضل استعمالها أحياناً على استعمال الكلمات العربية أو المعربة قديماً، كلمة داء المفاصل) فإننا قد نستعمل كلمة روماتزم) بدلاً منها، وكلمة توتياء) فإننا قد نستعمل كلمة زنك) بدلاً منها. وكلمة نشادر) فإننا قد نستعمل كلمة آمونيا) بدلاً منها، مراعين في ذلك كله مقامات الكلام من التخصيص والتعميم، وما نتوقعه من فهم السامع أوالقارئ. مثال ذلك أنك تجد في الأخبار العلمية في الجزء الثاني من المقتطف) كلمة روماتزم بدل داء المفاصل، لأن المفهوم من داء المفاصل أنه يقع في مفاصل اليدين أو الرجلين، وقلما يخطر على بال غير الأطباء أنه يصيب الظهر، وقد صارت مألوفة عند الجمهور.

وقال في القاعدة الثانية : الكلمة التي لا نعرف لها مرادفاً في العربية، ولكننا نرجح أو نظن أن لها فيها مرادفاً، نفتش عن مرادفاتها فيما عندنا من المظان ونسأل عنه ونبحث حتى إذا ظفرنا به، ووجدنا أنه يؤدي المعنى المراد تماماً استعملناه دون غيره. من ذلك كلمة mercemaries فإن معناها الجنود المستأجرة من بلاد أخرى، على ما كانت جارية العادة به في الأزمنة القديمة، فلما أردنا تعريب هذه الكلمة قلنا لابد من أن يكون العرب استعملوا كلمة تدل على هذا المعنى. فوجدنا في بعض المظان كلمة مسترزقة) مستعملة للجنود المستأجرين. ومعناها الاشتقاقي يدل على معناها الاستعاري فاعتمدناها (5)

القاعدة الثالثة : تتعلق في كيفية كتابة الأعلام الأعجمية وكيفية لفظها، والتي لها أصل عربي والتي ليس لها أصل عربي. فما كان له أصل عربي رده إلى أصله إذا أمن اللبس - كما يقول - وإذا لم يكن له أصل حاول أن ينطقه كما ينطق به أهله.... إلخ ولم أر حاجة إلى ادراج هذه القاعدة مع أخواتها لأنه يبدو لي أنه لا علاقة لها بالبحث.

وقال في القاعدة الرابعة: في تعريب الكلمات الجديدة التي لا مرادف لها في العربية : إذا رأينا أن الكتاب عربوها قبلنا، وشاعت الألفاظ التي وضعوها لها، فالغالب أننا نجاريهم ولا نحاول وضع ألفاظ أخرى لها. ولذلك تابعنا أساتذة المدرسة الكلية السورية في تعريب الأكسجين والهدروجين والنتروجين والفصفور وهلم جرا. وجاريناهم في مثل مغنط فعلاً من المعنطيس، وكهرب فعلاً من الكهرباء، وترفن فعلاً يراد به كسر جانب من عظم الجمجمة بعملية جراحية، وجارينا جمهور الناس في استعمال التلغراف والوابور والسيمافور والفرقاطة... وإذا لم نر أن الكتاب سبقونا إلى تعريبها، عنينا باستعمال الكلمة التي نقدر لها طول البقاء (6)

واحتج الدكتور صروف لمذهبه في وضع المصطلح، فأورد على ذلك مثالاً كلمة تلفون) التي بدأت تشيع بين الناس، كما شاعت كلمات غيرها مثل تلغراف) و ميكرفون)، وقال إنه يؤيد استعمالها باللفظ الذي وضعه لها مخترعها.

ولكن بعض الباحثين اعترض عليه داعياً إلى استعمال كلمات عربية تنوب عن الأعجمية ولابد من تأسيس مجمع لغوي يتولى هذا الشأن.(7)

ثم يتابع صروف كلامه عن أسماء بعض مستحدثات الحضارة مثل البيسكل) والتريسكل) وأنه أطلق كلمة دراجة) العربية على الآلتين فالدراجة كلمة عربية تؤدي المعنى المراد بسهولة. والافرنج أنفسهم الذين وضعوا كلمة بيسكل) لذات العجلتين و التريسكل) لذات العجلات الثلاثة، يعدلون عن الكلمتين أحياناً كثيرة ويبدلونها بكلمة سيكل) أي عجلة، ولذلك فالسعاة في مصر يسمونها عجلة) أحكم منا ومنهم...

ويؤكد صروف منهجه في وضع المصطلح العلمي بقوله :

" وغني عن البيان أننا التزمنا أن نجاري العلماء في وضع المصطلحات العلمية التي تفقد دلالتها بتعريبها كالحامض الكبريتوس والكبرينيك والمناكريتيك والهيبوكبريتوس والهيبوكبريتيك، لأن لكل من هذه الملحقات والزوائد معنى خاصاً يدل على تركيب المادة السماة به، كما يعلم دراسو الكيمياء. فمن يسمى الحامض الكبريتيك بالحامض الكبريتي كمن يسمي الفرس حماراً، لأن لكل منهما رأساً وذنباً.

وأن نجاريهم أيضاً في الأسماء العلمية كلها سواء كانت حيوانية أو نباتية أو تشريحية.. جارين بذلك كله مجرى المسعودي وابن سينا وابن البيطار ونحوهم من الأعلام الذين كتبوا في العلوم الطبيعية على أنواعها. والذين خالفونا في ذلك كله خطؤهم أكثر من صوابهم. مثال ذلك أن الأطباء كلهم يسمون الشريان الكبير الخارج من القلب باسم الأرطي)، وقد سماه ابن سينا كذلك وقال أن أرسطا طاليس يسميه بهذا الاسم، إلا أنك ترى الشيخ ابراهيم اليازجي لم يعجبه هذا الاسم، فقال يجب أن يترجم بالأبهر... ولكن الأبهر حسب كتب اللغة هو اسم وريد لاشريان كما قال اليازجي (8) .

رده على مخالفي منهجه :

وهنا نجد صروف يرد على الذين خالفوا منهجه وعابوا عليه كثرة استعمال المعرب دون المترجم الذي وضعوه ونادوا به، فقال :

" بقي أن البعض لامونا لأننا لم نستعمل بعض الأسماء التي وضعها غيرنا لبعض المسميات الجديدة، كالمجهر للمكرسكوب، والمنطاد للبلون.. إلخ. وكان جوابنا عن ذلك أن لفظة ميكرو) اليونانية دخلت في كلمات كثيرة مثل مكروب ومكروبولوجي ومكرومتر ومكروفون، وقد شاعت بعض الكلمات الداخلة في تركيبها في كل اللغات الحية، مثل كلمة مكروسكوب) والآلة المسماة بها كثيرة الشيوع أيضاً، يستعملها الأطباء وباعة المنسوجات وكل علماء الطبيعة. والذين يستعملونها لايخطر على بالهم إلا اسمها العلمي. وقد شاع هذا الاسم عندنا واستعملناه مراراً كثيرة نحن وغيرنا قبلما وضعت كلمة مجهر). ثم لما وضعت كلمة مجهر رأينا أنها لا تدل على المعنى المراد، بل قد تدل على ضده، لأن الشائع من مشتقات جهر، أجهر صفة مشبهة، وجاهر فعلاً، وكلمة أجهر أكثر شيوعاً يستعملها الخاصة والعامة. وأما كلمة جاهر فقلما يستعملها غير الخاصة. ومعنى الأجهر : الضعيف البصر الذي لا يرى في الشمس.

فإذا سمع الجمهور كلمة مجهر) فالمرجع أنهم يعلقونها بضعف البصر لا بقوته على تكبير المرئيات، أو على رؤية الشيء الصغير الذي لا يرى بالعين لصغره، ولو عرب المكروسكوب بكلمة مُظهر) أو مظهر) أو مُكبّر) لكانت أدل على معناه ".

ثم يناقش صروف استعمال كلمة منطاد) بدل بلون) فيقول :

" وكلمة منطاد وضعت بعد أن شاعت كلمة بلون) أيضاً، والشائع من مادتها إنما هو كلمة طود). وإذا ذكرت كلمة طود، انصرف الذهن إلى أن المراد جبل عظيم راسخ. نعم إنك تجد في كتب اللغة أن معنى انطاد) ذهب في الهواء صعداً، ولكن هذا الفعل لا يخطر بالبال، ولم نره في كتاب غير القواميس. ولما رأينا كلمة منطاد أول مرة ظننا دالها راء، ومن المرجع عندنا أن أصل الدال في طود وانطاد راء، أخطأ النساخ أوالقراء في كتابتها أو قراءاتها . فإن الطور الجبل في العربية وغيرها، وما يزال علماً لجبال معروفة مثل طور سينا وطور طابور...

ومع كل هذا فلو وضعت هاتان اللفظتان للمكروسكوب والبلون قبل شيوع كلمتيهما عندنا أو لو كانت الدلالة من لفظيهما على المعنى المراد واضحة تمام الوضوح لما استصعبنا استعمالهما إلى أن يقضي الناموس الطبيعي ببقاء الأصلح" (9)

ثم يناقش صروف كلمة بنك)وهل تقابلها كلمة مصرف) فيقول :

" إن كلمة بنك) صقلتها الألسنة منذ أكثر من خمسين سنة..... والبنوك منتشرة في مصر والشام والعراق، وكل الذين يتعاملون مع هذه البنوك يستعملون كلمة بنك) كتابة وتكلماً ولا يستعملون سواها. ولا نرى علة من العلل تنافي استعمال هذه الكلمة فإنها خفيفة لطيفة جارية على الأوزان العربية في مفردها ومثناها وجمعها. وإذا أردنا أن ننفي من العربية كل كلمة معربة فقدنا كلمات كثيرة لايسهل الاستغناء عنها، وبعضها معرب من قبل الهجرة.

أما كلمة مصرف) فسكان مصر 14 مليونا، تسعة أعشارهم فلاحون أو مشتغلون بالفلاحة وعندهم أكثر من خمسة ملايين فدان، ولكل فدان منها ترعة يروي منها، وترعة أخرى ينصرف إليها الماء الزائد عن ريه أو المتحلب منها. واسم هذه الترعة مصرف جمعها مصارف....

ولو لم تشع كلمة بنك)، وطلب منا أن نضع له كلمة عربية تدل على معناه، لوضعنا له كلمة مأمن) أي مكان وضع الأمانات، أو كلمة مودع) أي مكان وضع الودائع.

أما وقد شاعت كلمة بنك) فيستحيل أن نقنع أصحاب البنوك لكي يحرقوا رخصها الرسمية وسنداتها وسجلاتها ويبدلوها كلها بغيرها لوضع كلمة مصرف) أو أي كلمة أخرى.

ولا ندري ما فائدة عبدة اللغة من الوقوف في سبيل اتساعها ومجاراتها للغات الذين سبقونا في كل شيء، فإن هذا الوقوف مناقض على خط مستقيم لسير العربية في كل عصورها السالفة "(10) .

ويبدو لي أن حجة الدكتور صروف في صلاحية كلمة بنك) وعدم صلاحية مصرف) في التعبير عن الشيء ذاته لهي حجة ضعيفة غير مقنعة، فإن ما رآه الدكتور صروف لم يلق القبول، وجرى الاستعمال بالكلمات التي عارضها ولم يقبل بها. وقال الدكتور صروف حول مصطلح مكروب):

" هذا ومما يحسن ذكره هنا أننا أطلقنا كلمة مكروب) على كل الأحياء المكروسكوبية قبل أن أطلقها عليها علماء أوربا وأمريكا. فكنا نعرب المقالة من مقالاتهم وفيها كلمة باشلس) فنضع بدلاً منها كلمة مكروب)، وفيها كلمة بكتيريا) فنترجمها بكلمة مكروب) لكي لا نشوش أذهان القراء بذكر ألفاظ غريبة، إنما يراد بها تخصصيص هذه الأنواع.

ثم جعل الكتاب الأوربيون يجرون هذا المجرى أيضاً، فشاعت كلمة مكروب) في كتاباتهم كما شاعت عندنا، ولا ندعي أنهم فعلوا ذلك اقتداء بنا، كلاً وإنما الحاجة إلى الاقتصار على كلمة واحدة دعتهم إلى ذلك كما دعتنا "(11)

وقد كتب الدكتور يعقوب صروف إلى مجلة المجمع العلمي العربي مؤاخذاً بعض زملائه من أعضاء المجمع الذين يميلون إلى ترجمة المصطلح العلمي دون تعريبه فقال : "..... إلا أنني غير راض عن اهتمام بعض الأعضاء بالترجمة حيث لا موجب لها، أي ترجمة بعض الأسماء الافرنجية التي لا مرادف لها عندنا. بالله ما فائدة اللغة من ترك كلمة افرنجية شاعت بيننا والتفتيش عن كلمة حوشية قديمة يحتمل أن لا يؤدي معناها معنى اللفظة الأفرنجية ولو بعد المط.

ثم هل في الامكان أن نترجم أو نجد مرادفات لكل الكلمات الجديدة. عددت بالأمس الكلمات الطبية في قاموس طبي أتاني حديثاً فوجدتها نحو 42 ألف كلمة، ونحو أربعة أخماسها جديد لا مرادف له في العربية، فهل في طاقة صديقنا الاستاذ عيسى اسكندر المعلوف أو غيره أن يجد مايترجم به عشرها في عشر سنوات. لقد حاولت الترجمة منذ خمسين سنة إلى الآن ووجدت أخيراً أن لا بد لي من أن أعرب دفتيريا وتيفوئيد وتيفوس وبلهارسيا، كما أكتب كلمة سل وصداع ويرقان.

والأحسن أن ندع الترجمة والتعريب في كل علم إلى الذين يعلمونه ويعملون به. واللغة لاتقوم بما فيها من الأسماء بل بما فيها من الحروف والتصاريف، فاللغة التركية بقيت تركية مع أن نصف الأسماء والأفعال فيها عربي " (12)

وقد رد الأستاذ أنيس سلوم عضو المجمع العلمي العربي على كلمة الدكتور صروف، وأنكر عليه الاسراف في التعريب لأنه يضر باللغة العربية وكيانها فقال :

" ولامشاحة في أنه ليس في اللغة العربية مرادفات للألفاظ الأعجمية الدالة على الأشياء الحديثة كالمكتشفات الطبيعية والمخترعات العلمية والمصنوعات الغربية، لأنها لم تخطر على بال أحد من واضعي لغتنا، إذ لم يتنبؤوا بما سيحدث بعدهم من المسميات حتى يضعوا لها أسماء قبل وجودها فإن اتبعنا رأى الدكتور صروف واستعملنا كل كلمة جديدة لامرادف لها عندنا بلفظها الموضوع لها في لسان واضعيها أصبحت لغتنا خليطاً من العربية واللغات الغربية، فتشوشت محاسنها البديعة وانحطت منزلتها الرفيعة. وإذا دام النقل بهذه الطريقة ازدادت فيها الكلمات الأعجمية بازدياد المكتشفات العلمية والمصطلحات الفنية والتجارية والصناعية والسياسية وغيرها على توالي الأيام والسنين حتى تغلبت عليها.... " ثم قال في شروط التعريب :

" وليس الأحسن أن يترك التعريب في كل علم إلى الذين يعلمونه ويعملون به، لأن كثيراً منهم لا يعرفون أصول اللغة ولا اشتقاقها ولا أساليب الفصاحة فيها لتلقيهم العلوم باللغات الأجنبية وعدم عنايتهم بلغتهم، فكيف يمكنهم أن يحسنوا الترجمة ويضعوا الألفاظ المناسبة للمعاني التي ينقلونها.. والذي نراه أن أرباب العلوم العصرية لايستغنون في الترجمة عن معاونة علماء اللغة ليكونوا على بينة من صحة الألفاظ التي يستعملونها، كما أن علماء اللغة لايستغنون في وضع الألفاظ الجديدة في علم من العلوم عن معاونة أربابه ليكونوا على بينة من تحقيق المعاني التي يضعون لها تلك الألفاظ....".

" كفى بذلك برهاناً على أن أرباب العلوم لايستطيعون وحدهم الترجمة الصحيحة بدون معاونة علماء اللغة إلا إذا كانوا هم أنفسهم عالمين بأوضاع اللغة واشتقاقاتها وطرق المجاز فيها، وهذا نارد " (13) .

وهنا يخاطب صروف أهل الاختصاص ويدعوهم إلى وضع مصطلحات علومهم وفنونهم وكتابتها بأنفسهم لأنهم أعلم بها من غيرهم قائلاً :

"..... وأساليب التعريب - وضع المصطلح - لا يعرفها ولا يقوم بها إلا أصحاب كل فن في فنهم، فالجراح الذي قرن العلم بالعمل والتعلم بالتعليم يعلم ما تحتاج إليه صناعته من المصطلحات. وقس على ذلك الفكلي والفسيولوجي والبيولوجي والجيولوجي والنباتي والرياضي.. إلخ أما أن تقيم نحوياً أو منطقياً أو مؤرخاً أو منشئاً، لوضع مصطلحات في علم الفلك وعلم الهندسة وعلم النبات وعلم الحيوان والعلوم الطبية والطبيعية والرياضية، مثل تخويلك قاضياً تطبيب الأبدان وطبيبا تصوير الألوان. ثم أنه لا بد من الاستعانة بعلماء اللغة الذين يحفظون متونها، ويسهل عليهم استحضار ألفاظها، ولكن يستحيل الاستغناء بهم عن العلماء الاختصاصين أوالذين لهم إلمام واسع بمختلف العلوم والفنون، وقد قرنوا العلم بالعمل زماناً طويلاً "(14)

ثم نجد الكاتب يدعو إلى نمو اللغة واكثارها بالمعرب فيقول :

" واللغة جسم حي نام، وشأن من يحاول منعها من النمو، شأن الصينين الذين ربطوا أقدام بناتهم لكي لا تنمو وتبلغ حدها الطبيعي، ولكن إذا كان النمو مشوها فلا بد من تقييده وتهذيبه... ولو استطاع أحد أن يحصي كم دخل العربية من العبرانية والسريانية والقبطية والرومية من الألفاظ والتراكيب حتى قبل انصرام القرن الثالث لوجد أن العربية كانت حينئذ لغة حية نامية كالانكليزية والفرنسوية والألمانية الآن.

وإن الذين يريدون الرجوع بها إلى الصدر الأول واقفال أبوابها دون الجديد يعملون على موتها وتضييق سبل المنشئين والمعرّبين وناشري لواء العلوم والفنون " (15)

" وخلاصة المقال أننا نبذل جهدنا في اجتناب الكلمات والأساليب التي ليست عربية، فنفتش عن مرادفاتها أو نترجمها بما يؤدي معناها، إلا إذا وجدنا أنها قد شاعت وصارت مفهومة، أو أنها ستشيع حتماً وتتغلب على غيرها، أو أنها أعلام لا تترجم. ولا نجهل أننا قصرنا مراراً فاستعملنا ألفاظاً واستعارات غير عربية، ولها ألفاظ واستعارات عربية، ولكننا لم نفعل ذلك عن قصد إلا حيث وجدنا غير العربي اصلح من العربي " (16) .

ولكن قول صروف هذا يحتاج إلى مراجعة ونظر وذلك لأنه يفتح باب اللغة على مصراعيه ليدخل منه كل غث وسمين، الأمر الذي يقلل من شأن هذه اللغة وضعفها.

ولقد وضع يعقوب صروف في المقتطف) مصطلحات علمية كثيرة، مثل مقدار لكلمة quantum ، والكهرب لكلمة électron ، بعضها شاع كثيراً ، وبعضها الآخر قليل الاستعمال، كما اعترف هو بذلك.(17)

وقد ترجم بعض المصطلحات رداً على أحد الذين سألوه عن مرادفاتها في العربية مثل : 1- cleavage 2- blastula 3- glastrula 4- commensalism 5- symbiosis 6- scale - insecte

وكان جواب يعقوب صروف كما يلي :

" الكلمة الأولى تترجم بكلمة انشقاق). والأخيرة بكلمة الحشرات القشرية. والثانية مصغر بالاستيوس اليونانية التي معناها جرثومة). ونحن نفضل تعريبها، أي يحسن بنا أن نستعير الكلمة اليونانية كما استعارها الافرنج، ولا عار علينا، لأن أسلافنا من علماء الطب استعاروا كلمة جرثومة من اللاتينية. والثالثة من غستر اليونانية أي المعدة) ويراد بها هنا الجنين حينما يكون مؤلفاً من طبقتين خلويتين كالكأس ويحسن تعريبها كما هي. والرابعة معناها الحرفي المواكلة) أي الأكل معاً، أو على مائدة واحدة. هذا هو المعنى الوضعي، ولها في علمي النبات والحيوان معنى مجازي يراد به أن يعيش حيان في تربة واحدة، أوعلى غذاء واحد، وليس أحدهما فضولياً أو حلمياً على الآخر. والخامسة مثلها تقريباً. ولما وضع دى بارى) هذه الكلمة أراد بها التعبير عن حيين من نوعين مختلفين يعيشان في بيئة واحدة، أو معيشة حيين مختلفين في بيئة واحدة، ولا تستعمل هذه الكلمات إلا علمياً، فتعريبها أولى من ترجمتها "(18)

وهناك ألفاظ عربها يعقوب صورف في فروع العلم المختلفة، وهذه متوفرة في أعداد مجلة المقتطف، كما أنه أحيا ألفاظاً كانت مهملة أو مدفونة، فجلاها لنا، وهذه الألفاظ كثيرة لايخلو منها مجلد، مثل :

1- علم النفس psyChologie

2- علم الوجدان بالانكليزية conscousens

3- المثال الأعلى idéal

4- السكيت بعوض البرداء) واسمه العلمي anopheles

5- تنازع البقاء struggle for life

6- مذهب النشوء والارتقاء Transformismes

7- مذهب التطور evolutioisme

8- الدارونية Darwinisme

9- التعضية assin milation

10- علم الأحياء biologie

11- علم الأحداث الجوية météoreologie

12- الكحول(19) alcool

ولقد دافع يعقوب صروف عن لفظة الكحول) هذه مرات عديدة، وتمسك بهذه الصورة دون غيرها من جميع الصور التي أدرجها العصريون في مصطلحاتهم.

فقد قال أحدهم بتسمية هذه بـ الغول)وقال آخرون الكؤول) وغيرهم قالوا الالكول) وجماعة الكحل). أما صروف فقد تمسك بلفظة الكحول) ثم قال : " ليس من السهل إلغاء كلمة كثر استعمالها، ووضع كلمة بدلاً منها... ومن الأقوال المأثورة : الخطأ المشهور خير من الصواب المهجور. ثم أن لكلمة الكحول) مزية على غيرها، إنها شائعة في كل اللغات الأوربية التي يقرأ أبناؤنا كتبها العلمية والصناعية. ومصلحتنا تقضي علينا أن نسير في الطريق الأقرب والأسهل لاقتباس العلوم والصنائع من الأوربيين، وإلا بقينا منحطين عنهم، وقضي علينا، ومن ذلك اقتباسنا كلماتهم كما فعلوا هم لما كانوا دون العرب في الفلك والكيمياء، فاقتبسوا منهم كثيراً من الكلمات اليونانية " (20)

ونلاحظ مما سبق من كلام يعقوب صروف أنه يميل إلى الأخذ بمبدأ التعريب أكثر من الأخذ بمبدأ الترجمة، على الرغم من أنه يدعو إليها ولكن بشروط... وكأننا كذلك أمام نزاعات شديدة حول اختيار المصطلح العلمي المناسب، والاختلاف فيه بين باحث وآخر. وهذه مشكلة عانى منها المصطلح العلمي في بدء النهضة ومازال يعاني منها حتى يومنا هذا. ولذلك سنرى الدعوات تتعالى من هنا ومن هناك إلى توحيد المصطلح العلمي العربي بين أبناء اللغة العربية، وسنرى كذلك الندوات والمؤتمرات التي عقدت والتي ستعقد من قبل المجالس اللغوية والعلمية والمنظمات المهتمة بهذا الشأن، والتي تمخض عنها تأسيس المجامع اللغوية والعلمية والمنظمات المناسبة أولاً والتي كان تأسيسها في أوقات مختلفة، وللتنسيق فيما بينها لتوحيد المصطلحات ثانياً، فكان اتحاد المجالس اللغوية ومكتب تنسيق التعريب فيما بعد.

ويتابع صروف منهجه في الدعوة إلى توحيد المصطلح العلمي والأخذ بمبدأ التعريب ما أمكن ويحث العلماء والباحثين عليه فيقول :

"... هذا ولما كانت اللغة حية تنمو من الداخل ومن الخارج ولا مجامع لغوية تمنع نموها، ونحن الآن أمام واقع في هذه النهضة الحديثة التي نشأت منذ أيام محمد علي.

وهذا الأمر لا يتعرض لقواعد اللغة من حيث وضع العوامل والمعمولات، ولا لتصاريف الأفعال والأسماء ولا لحروف والعطف والاستفهام ونحوها من حروف المعاني ولا لقواعد الإعراب والبناء، أي أنه لا يتعرض لجوهر اللغة(21) " وغاية ما فيه ادخال كلمات جديدة لمعان جديدة، والاتفاق على ترجمة بعض المصطلحات العلمية الجديدة، أي السير بالعربية كما سير بها في القرن الثاني والثالث والرابع والخامس بعد الهجرة. بل كما سير بها قبل الهجرة من اتصال العرب بمصر والشام... فإن العربية تناولت من هؤلاء كلمات كثيرة، حسبت بعدئذ من صميم العربية.

ولعلنا أشد الكتاب شعوراً بهذا الأمر الذي نشير إليه، أي الاتفاق على ترجمة المصطلحات الجديدة أو تعريبها، فإننا من حين شرعنا في انشاء المقتطف) رأينا أن لابد لنا من الترجمة والتعريب، فنظرنا أولاً في المصطلحات العلمية التي جرى عليها الأقدمون كابن الهيثم في الحساب والجبر، وابن سينا في الطب والطبيعة، وابن البيطار في العقاقير الطبية، والبتاني في علم الفلك، و التي جرى عليها أساتذتنا في الجامعة الأمريكية ومدرسة قصر العيني الطبية.

نعم رأينا أنه لا بد لنا من استعمال كثيرمن المصطلحات العلمية، وهذه أما أن نجدها فيما لدينا من الكتب القديمة، كما ذكرنا قبل قليل، أو فيما طبع من الكتب المترجمة في مدرسة قصر العيني وجامعة بيروت الأمريكية، وأما أن نضطر إلى ترجمتها أوتعريبها، فجارينا الذين سبقونا فيما ترجموه أوعربوه، وحذونا حذوهم في ترجمة ما جد بعدهم أو تعريبه. فجارينا الدكتور فانديك في كل ما ترجمه وعربه في الطب والجبر والهندسة والأنساب والمثلثات و المساحة وسلك الأبحر والفلك والكيمياء. والدكتور ورتبات في الفسيولوجيا والتشريح. والدكتور بوست في النبات والحيوان والجراحة. ورأينا أنهم هم تابعوا أساتذة قصر العيني في كثير مما ترجموه أو عربوه.

ثم حذونا حذو هؤلاء الأعلام في ترجمة ماجد وتعريبه. لكن الكتب العلمية المترجمة حديثاً في القطر المصري لايجري مترجموها مجرانا فيما يترجمه واضعوها.

فنحن مثلاً نترجم كلمة Atom) بكلمة جوهر) أو جوهر فرد، لأن العرب ترجموها كذلك وقالوا : إن الجوهر هو الجزء الذي لا يتجزأ. وأما المترجمون في مصر فيترجمونها بكلمة ذرة). ونحن ترجمنا الكلمة quantum) بكلمة مقدار) والجمع quanta) مقادير. وتلامذة المدرسة المصرية ترجموها بكلمة كم)، أما نحن ففضلنا كلمة مقدار) - لأنه يسهل جمعها - على كلمة كم) التي لا تجمع.(22)

وبعض الكلمات التي ترجمناها شاع كثيراً ومن ذلك كلمة : غواصة ودبابة ورشاشة ونواة، ولكن بعضها قليل الاستعمال مثل كهرب) لكلمة électron).(23)

" ونرى الآن أن الاتفاق على ترجمة الأسماء العلمية الجديدة في مصر والشام والعراق وتونس والجزائر والمغرب الأقصى يكاد يكون ضرباً من المحال، ولا تجن منه فائدة كبيرة. وخير منه تعريب هذه الأسماء على ماهي، لأنها :

أولاً : عديدة جداً تزيد على خمسمئة ألف اسم في الحيوان والنبات والجماد.

فترجمتها كلها تقتضي السنين الطوال. ولو توخاه جماعة من العلماء، وقبل أن يتفقوا على ترجمة ألف اسم من هذه الأسماء، يكون العلماء قد اكتشفوا أكثر من ألف اسم جديد، فيزيد بعدنا عن الغاية المطلوبة، فمحاولة ترجمتها ضرب من المحال.

أما التعريب فلا يكلف إلا كتابتها بحروف عربية.

ثانياً : لأن الذين سبقونا مثل ابن سينا وابن البيطار جروا على هذه الخطة في كل الأسماء العلمية التي دخلت فيما كتبوه، فإن كل اسم ليس له مرادف في العربية عربوه بلفظه اليوناني أو الفارسي.

ثالثاً : مايقال عن الأسماء المجردة يقال عن مشتقاتها. أما في المشتقات فتتبع القواعد العربية في المثنى والجمع والنسبة ووزن الفعل أن أمكن.

والتعريب إنما يكون متى كان اللفظ ليس له مرادف في العربية، أما ماله مراداف فتجب ترجمته بمرادفه، ولو كان المرادف غير عربي الأصل.

ثم أن الكلمات العلمية قد لا تكون واحدة في الانكليزية والفرنسوية والإيطالية، مثال ذلك كلمة Nitrogen) الانكليزية، فإنها في الفرنسوية Azote). وأكثر الذين ترجموا عن الانكليزية عربوها بكلمة نتروجين)، والذين ترجموا عن الفرنسوية عربوها بكلمة آزوت). ولكن هؤلاء إذا ذكروا حوامض هذا العنصر وأملاحه قالوا حامض نتريك )ونترات الصودا) فإذا اختلف اسم المادة الواحدة في لغتين مختلفتين من لغات أوربة، فالأولى اتباع أكثر اللغات استعمالاً، لأن الفوز سيكون لها أخيراً ". (24)

وهنا يبدو لنا الدكتور يعقوب صورف من خلال ما كتبه قبل ستين عاماً، وكأنه يعاني المشكلة نفسها والتي يعاني منها الباحث العربي الآن، ألا وهي التذبذب بين الترجمة والتعريب للمصطلح العلمي الحديث من جهة، وحول الدعوة إلى ضرورة توحيد المصطلح العلمي العربي بين الباحثين العرب من جهة آخرى. فما أشبه اليوم بالأمس ؟ فضلاً عن أنه قد جدّت في السنين الأخيرة عشرات الآلاف من المصطلحات العلمية الجديدة التي لم يكن لها ذكر في عهد صروف وزملائه. فما عساه يقول لو كان حياً في عصرنا هذا ؟

2) مجلة المقتطف) ودورها في وضع المصطلحات العلمية ومناقشاتها 1876 - 1952)

تأسست في بيروت 1876 م بتشجيع من الدكتور فانديك استاذ صروف وقيل أنه اختار اسمها بنفسه ثم انتقلت إلى مصر 1886 م واحتجبت عن الصدور 1952 ) م.

إذن كانت مجلة المقتطف) معرضاً يعرض فيه علماؤنا وأدباؤنا نتاج بحوثهم في مختلف العلوم وفي المصطلحات العلمية. وقد تتبعت الألفاظ العلمية في عدة مجلدات قديمة من هذه المجلة، فاستوى لدي منها شيء كثير يدل على ما كان لها من شأن في هذا الموضوع (25)

ومن الذين كتبوا في المتقطف) بحوثاً ومناقشات في المصطلحات العلمية الطبية الدكتور أمين المعلوف والدكتور محمد عبد الحميد (26) . وسأورد هنا شيئاً من هذه البحوث والمناقشات التي دارت حولها، لأعطي فكرة عن مدى أهمية المصطلحات العلمية.

لقد كتب الدكتور محمد عبد الحميد في المقتطف بعنوان اللغة العربية والطب) تحدث فيه عن المصطلحات العلمية الحديثة في زمنه فقال :

" يقرأ الطبيب الكتب والمجلات الطبية الافرنجية، فيصادف اصطلاحات لايجد لها مثيلاً في اللغة العربية، ويمر اللغوي بكلمات في لغتنا لايكاد يفقه لها المعنى الحقيقي لعدم معرفته الأصول الطبية، وبذلك تضيع فائدة هذه الكلمات، وتوصم اللغة بالعجز.

وقد عثرت أثناء مطالعاتي على كلمات كثيرة يجوز أن يصطلح عليها، فتؤدي المعاني التي ننشدها، ورأيت أن أنشر هذه الكلمات، واشرح الأحوال الطبية التي أريد اطلاق الكلمات عليها، حتى إذا صادفت من أهل اللغة قبولاً عم استعمالها وبعثت كلمات مندثرة نحن في أشد الحاجة إليها. ومن هذه الكلمات ما يأتي :

الحُصر) : يقال حُصر ذو البطن ، على المجهول إذا احتبس فهو محصور، والحصر : احتباس ذي البطن واعتقاله. وتقابل هذه الكلمة في الانكليزية Retention of urine ، وهو ما سمي بالاحتباس البولي، الذي هو تجمع البول في المثانة البولية لاعاقة في مجرى البول (27)

وهناك كلمة أخرى وهي أسر) يأسَر أسْراً، أو أسِر أسْرا ، بالبناء للمجهول والأسر هو الاحتباس البولي " (28)

و الازرئمام) آزرأم بوله أي انقطع، يقابل ذلك ما يدعى بالانكليزية في الاصطلاح الطبي Suppression of urine . وهي تطلق على حالة مرضية تتعطل فيها الكليتان عن افراز البول لمرض فيهما كالالتهاب الكلوى.

وتختلف هذه الحالة عن الأولى بأنه في الحالة الأولى تفرز الكليتان البول وينزل بواسطة الحالبين إلى المثانة حيث يتجمع فيها، وينقطع نزوله لاعاقة في مجرى البول. أما في الثانية فلا يوجد بول في المثانة لانقطاع إفرازه. وقد عرب بعضهم كلمة suppression باحتباس بولي وهي خطأ " (29)

ثم أورد كلمات لمصطلحات طبية كثيرة مثل : الرّثية، والأبهر، والهدام، والسمادير، والشّغية، والكباد، والطّحل، والمثن، والبخق، والقولنج، والخشم، والارتكاض، والسّبل، والشّتر، والبرطمة، والهيام ... إلخ.

ولكن ما كتبه الدكتور محمد عبد الحميد لم يسلم من النقد، فانبرى له الدكتور أمين المعلوف موضحاً مصححاً ، فجرت بينهما مجادلات ومناقشات كثيرة، وكان مما قاله المعلوف :

" قرأت ما كتبه زميلي الفاضل الدكتور محمد عبد الحميد عن اللغة العربية والطب) وما ذكر من اللغة العربية التي أشار باستعمالها... وقد أصاب في كثير من الألفاظ التي ذكرها مثل : السمادير) أي مايتراءى للعين من أشباه الذباب وقد ذكرها أساتذة مدرسة بيروت الأميركية في كتبهم. و الهدام) أي دوار البحر، وقد ذكرها بادجر في معجمه. و ارتكاض الجنين) أي تحركه، وهي مذكورة في الانجيل. على أنه بقي ألفاظ ذكرها لاتخلو من مواضع للنظر، أستأذنه في إبداء رأيي فيها.

الحصر) : أي احتباس البول : سبق إلى استعمالها بنفس المعنى الذي يريده، فقد ذكرها الدكتور عيسى حمدي في كتاب تشخيص الأمراض الباطنية)، ولا أرى وجها للاعتراض على تسمية هذه العلة باحتباس البول أيضاً، كما قال أطباء العرب من زمن ابن سينا إلى أيامنا وهي بمعنى retention تماماً.

الأسر) : Suppression ، ذكرها الدكتور فانديك في كتاب الباثالوجيا) وبادجر في معجمه، وهي أفضل من لفظة مهجورة كالازرئمام. ولا أنكر أن الأسر والحصر مترادفان في كتب اللغة، لكن أطباءنا خصوا كل واحدة منهما بمعنى وشاع استعمالها كذلك، ولا يخفى أن للسابق حقوقاً لا تنكر.

وما المانع من قولنا انقطاع البول) عوضاً عن الازرئمام) (30) " ؟ !

وتابع المعلوف كلامه في الرد على زميله محمد عبد الحميد في استعماله كلمات الشّغية) و الرّثية) و البخق) الذي أطلقه على الغلوكوما) وليست هي الداء الوحيد الذي يذهب البصر والعين منفتحة، فضلاً عن البخق في بعض كتب اللغة : العور أو أقبحه، و القولنج) ولا أدرى لماذا نفضل كلمة يونانية الأصل على التسمية العربية الشائعة وهي الانسداد المعوى)، وهي تؤدي المعنى تماما. ولو سلمنا باستعمال القولنج وهو مرض مبهم كان يريد به أطباء العرب واليونان مايصيب البطن أوالقولون من الأوجاع)، فماذا نسمي انسداد القناة الدمعية، وانسداد القناة الصفراوية ؟ ولا أفضل من ترجمة Obstruction بالانسداد، Rentention بالاحتباس، و Suppression بالانقطاع.(31)

و الخَشَم) أطلقها على التهاب الأنف، على أن وصفها في كتب اللغة أقرب إلى وصف العلة المسماة Ozoena) ، وترجمها الدكتور خير الدين كذلك في معجمه. وقد وردت بهذا المعنى في كثير من المؤلفات الحديثة.

ولا يخفى أن اللغات ترتقي بارتقاء العلوم، وقد أخذ أطباء العرب كثيراً من الألفاظ اليونانية والفارسية وعربوها فأحسنوا التعريب أحياناً، وأساؤوا أخرى كما نفعل في أيامنا. ومعرباتهم معروفة ومشهورة، وهي أكثر من أن تحصى، ولم يأنف من استعمالها الشيخ ابن سينا ولا ابن البيطار ولا غيرهما من كبار الكتاب والمؤلفين.

ولا بد من ملاحظة أمور كثيرة في استعمال الألفاظ الطبية وتعريبها ، منها: معرفة أصل اللفظة فنقول : تريخينا مثلاً لا تريكينا أوتريشين، نقلاً عن الانكليزية أو الفرنسوية، وهذا الخطأ في التعريب كثير في الكتب الحديثة، فقد رأيت في بعضها : أنورى وبوليورى وأوليجورى، عوضاً عن : أنوريا وبولوريا وآليغوريا. مع أن المؤلف نفسه قال: اسفكسيا وأنيميا، ولم يقل اسفكسي وأنيمي. ومثلها بوق أستاش، فيجب أن يقال : بوق أستاخيوس أوأستاكيوس.

ومنها الوحدة والمطابقة في التسمية، والسير على نظام علمي، كما ذكرت في الكلام عن ذات الرئة) فإنها كلمة عربية قديمة استعملها أطباء العراق والشام، لكن أطباء مصر يفضلون تسمية هذا الدواء بـ الالتهاب الرئوي)، وهي أصلح من تسميته بذات الرئة. ومثلها Tensillitis باللغة الانكليزية، فلها مترادفات كثيرة عند الانكليز لكنهم يفضلون هذه اللفظة على غيرها. وكانوا يسمون حصر البول أو أسره inschuria فلما وجدوا أنها لاتفي بالمعنى المقصود أهملوها وقالوا : supperssion and Retention ليفرقوا بين انقطاع البول واحتباسه " (32)

ونلاحظ هنا أن الدكتور أمين المعلوف يدعو إلى الجديد المأنوس من الألفاظ عوضاً عن المهجور المبهم فيقول : " ومن العبث رجوعنا إلى ألفاظ مهجورة لاتؤدي المعنى المطلوب، وربما أضلتنا كثيراً، ولا أظن أن أطباء العرب كانوا يجهلون الكباد والطحل والقلاب والمثن والمعد والقود وغيرها من الألفاظ التي لا يجوز استعمالها علمياً لأنها مبهمة لاتدل على حالة مرضية خاصة. وقد ذكر منها المرحوم أحمد فارس الشدياق ما يزيد على اثنتي عشرة صفحة في كتاب الساق على الساق فيما هو الفارياق) وفسرها، فبعضها مبهم غامض والبعض الآخر واضح المعنى. ولم يخف على أصحاب النهضة العلمية في مصر والشام في القرن الماضي شيء من هذه الألفاظ، كالدكتور فانديك وغيره، فذكروها في مؤلفاتهم كالجهر والقمر والعشا والحسر والكمنة والغَرب والخَوض والخَشم والخفش والأطام والأسر والحصر والشّفيف والغثيث والسّبل والسّلاق والشّتر والحفر والفحجَ والكشع وكثير غيرها. فأخذوا ما كان صالحاً منها، وأهملوا الألفاظ التي لا صفة لها إلا وجودها في كتب اللغة.

على أنه ينكر على بعض أطبائنا تعريب كلمات لها ألفاظ معروفة ومشهورة، كما تجد في بعض المؤلفات الحديثة مثل الرشتيزم) أي الكساح) و الكوما) أي السبات) و المكونيوم) أي العقي) و الكولوستروم) أي اللباء) وهو أول اللبن (33) ..."

ثم يجيب الدكتور محمد عبد الحميد على ملاحظات المعلوف محاولاً توضيح وجهة نظره قائلاً : " إن الذي حدا بي لذكر هذه الكلمات ونشرها هو وجود عدد عظيم منها في اللغة العربية وجوداً لا فائدة منه، لأنك إذا بحثت عن معانيها في أهم المعاجم العربية وجدت تطويلاً مملا، وتخبطاً غريباً، واختلافاً عظيماً، ياليتك بعد ذلك تقف على معنى الكلمة حتى تستطيع استعمالها. أريد بذلك أن الكلمات مبهمة ابهاماً شديداً يتعذر على الإنسان استعمالها بهذه الحالة، وليس الأمر قاصراً على الإبهام، بل كثيراً ما توجد أغلاط فنية مع هذا الابهام.راجع ما كتب تحت مادة أبهر) مثلاً في المعاجم، ومثلها مادة الوتين) وغيرهما كثير...

فلماذا نحترم القديم إلى هذه الدرجة ونغلو في احترامه مع احتوائه على الخطأ ؟ اللغة لا بد أن تتقدم بتقدم العلوم والآراء، فإن كانوا في الزمن السالف قد استعملوا كلمة كباد) بمعنى وجع الكبد، فما ذلك إلا لأنهم لم يعلموا الأمراض التي تعترى الكبد بالتفصيل، كما نعلم نحن الآن. وماذا يضرنا - وقد تعددت أمراض الكبد، وعرفنا أنواعها، وتولدها وأسبابها - أن نخصص كلمة كباد) لمرض منها، على شرط أن يكون هناك علاقة بين المعنى الذي استعملت له سابقاً، وبين المعنى الذي نريد أن نصطلح عليه الآن، كذا الطحل والمثن(34) ....."

وما يضر اللغة لو نهضنا واصطلحنا على كلمة أبهر) لما يسمى في الطب الأورطي) وعلى كلمة الوتين) لما يسمى الشريان الرئوي مرتكزين على هذا الاصطلاح بعلاقة ولو بعيدة، حتى إذا تداولتها الألسن وشاع استعمالها. ثم قام لغوي مثل بطرس البستاني وطبع معجماً كمحيط المحيط، وذكر هذه الكلمات بالمعاني التي اصطلح عليها، يكون هذا المعجم أشبه بالمعاجم الافرنجية من حيث أنها توصل إلى معاني الكلمات بطريقة غير مبهمة.... فالى متى يبقى جمودنا ونسميه محافظة على اللغة ؟ إلى متى نتمسك بالقديم وإن كان خطأ؟(35) . لم لا نقول مع المعلم بطرس البستاني :

قل لمن لا يرى الأواخر شيئاً

 

ويرى للأوائل التقديما

إن ذاك القديم كان حديثاً

 

وسيبقى هذا الحديث قديماً (36)

وأنا - مع احترامي لرأيه - فإني أخالفه فيه، ذلك لأنني أظن أن النهضة العلمية في مصر والشام قد استعملت شيئاً من التوسع والتجوز على نحو ما أريد، وإلا ما كنا نراهم يطلقون كلمة الفالج) على ابهامها في كتب اللغة - على الشلل المسمى عندنا Hemiplegia) فقد ورد في لسان العرب) : والفالج ريح يأخذ الإنسان فيذهب بشقه، وقد فلج فالجاً فهو مفلوج. قال ابن دريد : لأنه ذهب نصفه... ويرد على قول المعلوف : " إن النهضة قد أهملت الألفاظ التي لا صفة لها إلا وجودها في كتب اللغة " بقوله : " وأنا أرى أن الألفاظ التي أهملت لاصفة لها أيضاً في كتب اللغة إذا لم تصطلح عليها النهضة الحالية لتؤدي أغراضاً مخصوصة لأن وجودها في كتب اللغة على نحو ما هي عليه بدون أن يصطلح عليها عيب كبير، وخطأ فاحش يشين المعاجم اللغوية العربية ويحط من قدرها وكمالها، بينما أن الطب في حاجة كبيرة إلى هذه الكلمات"(37)

أما الدكتور أمين المعلوف فقد رد على زميله قائلاً : أن الخلاف بينهما ليس على لفظة أو لفظتين بل على المبدأ كله، وأنه يصعب كثيراً اتفاق اثنين على مبدأ في رأى واحد (38)

ولا مجال هنا لنقل كل هذه المناقشات والمجادلات حول المصطلح العلمي وصلاحيته في تأدية المعنى. فاكتفينا بما سبق دليلاً على ما كان من مناقشات حامية حول وضع المصطلحات العلمية الجديدة وأهميتها، وأن أمر المصطلح وتعيينه وتثبيته ما كان سهلاً وأن الأمور ما كانت تسير بشكل عفوي أواعتباطي. بل كان هناك حرص دقيق من جانب العلماء واللغويين على ايجاد المصطلح العلمي العربي المناسب والأكثر ارتباطاً بالمعنى الجديد.

3) خاتمة بوضع المصطلح العلمي ونقل العلوم الحديثة في العراق :

أما الجهود اللغوية المبذولة في وضع المصطلح العلمي أو ترجمته في العراق، فلم يكن لها من وجود بالقدر الذي كانت عليه في مصر والشام، إن لم نقل أنها تكاد تكون نادرة بل معدومة. وهذا ما يوضحه أستاذنا الدكتور مصطفى جواد في محاضراته التي ألقاها على طلبة معهد الدراسات العربية العالية بالقاهرة إذ يقول :

"... وإذا كان الاصطلاح العلمي والاصطلاح الفني معتمدين على المعرفة بلغات الحضارة الجديدة كالانكليزية والفرنسية والألمانية واتقان اللغة العربية الفصيحة لم يكن من العراقيين في أول النهضة اللغوية الحديثة من اختص بالمصطلحات المذكورة ولا من ألم بها، لأن العناية كانت مصروفة إلى اللغة التركية لغة المسيطرين على العراق مستعملة في مخاطباتهم ورسمياتهم ومصطلحاتهم التي هي مزيج من التركية والعربية على النحو الذي يتخذونه ويفهمونه (39) ... "

" هذا وأول من تكلم على المصطلحات العلمية بالعراق أيام النهضة اللغوية الحديثة أحد الرهبان وهوالأب أنستاس ماري الكرملي، فقد أصدر ببغداد في رجب سنة 1329 هـ تموز سنة 1911 م) مجلة عربية سماها لغة العرب) عالج فيها.اللغة والأدب والمصطلحات والتاريخ العراقي، قال في أول جزء منها:

ثم اننا لا ندع ديواناً من دواوين هذه المجلة إلاونورد فيه شيئاً من المصطلحات الحديثة، والأوضاع العربية الطريفة، مما يوسع لغتنا الشريفة، ويحدونا على مجاراة الأقوام المتقدمة في الحضارة المنيفة بما يستحدث فيها من الموضوعات العصرية، والمدلولات العقلية والأدوات الفنية أو الصناعية، والأفكار العلمية التي لا مقابل لها ولا مرادف في لساننا في هذا العهد لانقطاع نظام العقد بكثرة ما انتاب هذه الربوع من النوائب والرزايا، وانقطاع ديارنا عن معالم الحضارة ومعاهدها الغربية التي مازالت في سير حثيث سديد وتقدم وتجدد وتوسع وتولد ، ونحن لا نزال في ريث وئيد ووقوف وجمود وخمود وركود(40)

وقد جعل الأب أنستاس لكل مجموعة سنوية من مجلته المذكورة معجماً فرنسياً للمترجمات ألحقه بالفهرست، فما ورد في المجلد الأول :

تنحس قطاعة) : Abstinence - قائد المجنبة: Ajudan major فوضوية : Anarchie حكومة الوجهاء والأعيان أرستقراطية : Aristocratia حكومة الشعب أو الجمهور ديمقراطية) Democratic - ميلاط : Ciment ... " (41)

وقد ذكر الكرملي في المجلد الأول من مجلته / 75 / مصطلحاً عربياً مع ما يقابلها في الفرنسية.

" وسار على أثر الأب المذكور من كتاب مجلته المعلم الباحث رزوق عيسى، فمن كلامه على الألفاظ الدخيلة قوله :

" أما سبب تهافت أقوامنا على ادخال تلك الألفاظ الغربية في لغتنا العربية،فهو افتقار هذه اللغة إليها، ولا سيما في الأمور المستحدثة أو المستنبطة في هذه العصور الأخيرة، وقسم من هذه الألفاظ أدمج في كلامنا العامي لعدم وقوفنا التام على ألفاظ لغتنا الشريفة، وكثير منها فشا قسراً بين أظهرنا، وعلى أنه يوجد في العربية ألفاظ تكفينا مؤونة الاستعارة من غيرها من اللغات الأجنبية، وإنما استعملها كبار حملة الأقلام على الرغم منها لشيوعها الفاحش بين العوام، ألفاظ التقطوها من أفواه غرباء اللسان، وحافظوا عليها محافظتهم على انسان عينهم... من ذلك مثلاً كلمة شمندفير) الفرنسية للسكة الحديد " .

" وبدأ الأب أنستاس بإصدار المجموعة السنوية الثانية من مجلته في رجب سنة 1320 هـ حزيران 1912 م) وسار فيها على طريقته السابقة وذكر فيها قرابة 145 مصطلحاً.." وهي على الأكثر ليست مصطلحات علمية بقدر ما هي حضارية.

" وشرع الكرملي في طبع المجموعة السنوية الثالثة من مجلته في رجب سنة 1313 هـ وفي هذا المجلد زاد عدد المصطلحات مقابلة باللغة الفرنسية، إن صح أن نسميها مصطلحات، وأخذ الأب في نشر المجموعة السنوية الرابعة من مجلته، ولم يتهيأ له اتمامها بسبب اعلان الحرب العظمى الأولى.... ففي سنة 1914 وقفت مجلة لغة العرب.

وبعد استيلاء الانكليز على العراق أصدر الكرملي مجلة دار السلام) وكان ذلك سنة 1335 هـ 1917 م وقد كتب عليها : وضيعة نصف شهرية تبحث في الأدب والعلم).

استمرت مجلة دار السلام) على الصدور أكثر من ثلاث سنوات. ثم استأنف الكرملي اصدار مجلته لغة العرب) على عهد الحكم الفيصلي بالعراق، فخرج الجزء الأول من المجموعة السنوية الرابعة في تموز سنة 1926. وقد تكلم في هذه المجموعة على كثير من المسائل اللغوية. قال في مقالة عنوانها أوضاع خالدة) :

"والناطقون بالضاد من أرباب العلم والقلم هم اليوم على ثلاثة أقسام: قسم يريد اتخاذ الألفاظ الأعجمية الجديدة وأساليب سبكها وادخالها في لغتنا... وقسم لايريد شيئاً من ثروة الأعاجم ولو كان زهيداً.. وقسم ثالث يقول بأن خير الأمور أوساطها، فعلينا أن نأخذ من لغة الأجانب مالايمكن أن نحققه في لغتنا ولا نجد فيها ما يؤدي معناه ، أوأن مقابله في اللغة الضادية هواليوم مجهول. فيتخذ للعرب من كلام الأغراب ريثما نعرف ما يعرض عنه في لغتنا ....."(42)

الكرملي ينقد المعاجم ويتهمها بالتقصير :

وانتقد الكرملي في مجلته دار السلام) المعاجم القديمة والحديثة، واتهمها بعدم وفائها بالقصد، وتقصيرها في أداء المعنى العلمي للكلمة التي توردها فقال :

"... اتضح لك مما تقدم بسطه أن معاجمنا اللغوية لا تحوى جميع ألفاظ هذا اللسان الشريف كما صرح به اللغويون أنفسهم في مقدمات دواوينهم، وقصورهم أبين وأظهر في الألفاظ العلمية، أذ قليلاً ما يدققون النظر فيها لاسيما إلى معجم يفي بهذا الغرض وأن لا يتبع في ما يتعلق بعلم المواليد وعلم المعادن والطبيعيات - فنحن إذن في حاجة ماسة فيه - تعريف الكلمة العلمية على الطريقة القديمة التي أصبحت عاجزة عن تصوير الشيء المعرف تصويراً صادقاً ينطبق على المدلول عليه. ولهذا نأمل أن يقوم بعض المبرزين في اللغة ويؤلف لنا معجماً يسد هذه الثلمة " وقال بعد ذلك : " إن كنا نرى بعض العجز في المعاجم العربية فالعجز أعظم في الدواوين الافرنجية العربية، والعربية الافرنجية، فإنك إذا نقبت فيها عن كلمة افرنجية لتعرف ما يقابلها عند العرب ذكر لك المؤلف عدة ألفاظ ربما كانت متقاربة بل ربما كانت متضاربة، فتصبح في حيرة من اختيار الكلمة المطلوبة، ولهذا فكثيراً ما تكون المعاجم لطالب اللغة الأعجمية سدا منيعاً في وجهه، مما يثبط عزمه ويفل غربه، ولا علاج لهذا الداء الفاشي في مثل تلك الأسفار إلا تضافر علماء متخصصين ليجلوا غوامض تلك الشبهات ويحلّوا معقد تلك المعضلات ". (43)

لا حظنا من خلال ما استعرضناه من كلام الكرملي أنه كان يقع في هفوات لغوية كثيرة في الصيغ والأوزان والاشتقاق والجموع ما كان يفطن لها، إلى جانب أخطائه الأسلوبية مما حمل أستاذنا الدكتور مصطفى جواد على تصحيح هذه الأخطاء وتعديلها في حواشي كتابه المباحث اللغوية...) حتى أنه لا تكاد تخلو صفحة من صفحاته وردت فيها أقوال للكرملي إلا وفيها أكثر من تصحيح أوتعديل. وهذه ظاهرة تلفت نظر القارئ إلى أن لغة الكرملي وأسلوبه فيهما ضعف وركاكة، على الرغم من أنه كان عضواً في ثلاثة مجامع علمية لغوية عربية. وهو صاحب المقالات المطولة والردود اللغوية التي انتشرت في دوريات العراق والبلاد العربية الأخرى. وربما كان سبب هذه الهفوات أو السقطات يرجع إلى أن لغة الكرملي كانت متأثره باستعمالات وأساليب اللغة التركية العثمانية التي كانت سائدة في عصره.

فلو رجعنا إلى الصفحتين 54 و55 مثلاً من كتاب المباحث اللغوية...) لوجدنا فيهما ست حواشٍ تشير إلى تصحيحات أوردها جواد على الكرملي، ومثلها كثير.

(1) الشهابي ، مصطفى / المصطلحات العلمية / 57-58 وزيدان ، جرجي / تاريخ آداب اللغة العربية 4/62 .

(2) وهذا ما جرى عليه استاذه فانديك ) الذي التزم هذه الصورة الكتابية في مؤلفاته .

(3) كشلي ، حكمت / المعجم العربي في لبنان / 301- 302.

(4) البستاني ، المعلم بطرس / محيط المحيط / مج 2، 1605

(5) صروف ، يعقوب / أسلوبنا في التعريب / المقتطف مج 33 ج7 ، 559 / 1908

(6) صروف ، يعقوب / أسلوبنا في التعريب / المقتطف مج 33 ، 562 / 1908

(7) الخضري ، محمود / تعريب الأسماء الأعجمية / المقتطف مج 33 جـ 3 / 225 /1908 .

(8) صروف ، يعقوب / أسلوبنا في التعريب / المقتطف ، مج 33 جـ 7 ، 563 /1908

(9) صروف ، يعقوب / أسلوبنا في التعريب / المقتطف ، مج 33 ، جـ 7 ، 564- 565 1908 .

(10) صروف يعقوب / اللغة العربية والتعريب والتزمت فيه / المقتطف ، مج 74 ، جـ 5 ، 1/ 1929

(11) صروف ، يعقوب / أسلوبنا في التعريب / المقتطف ، مج 33 جـ 7 ، 565 / 1908

(12) صروف ، يعقوب / آراء الأعضاء / مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق ، مج 2 جـ 8 ص 250 .

(13) سلوم أنيس / التعريب / مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق مج 2 جـ 9/ 83

(14) صروف ، يعقوب / أساليب العرب في التعريب / المقتطف ، مج 37 ، جـ 7 ، 568 / 1908 والمقتطف مج 74 ج1، 1/1929.

(15) صروف / يعقوب / أسلوبنا في التعريب / المقتطف ، مج 33 ، ج7ـ 569 / 1908

(16) صروف ، يعقوب / أسلوبنا في التعريب / المقتطف ، ، مج 33 ، جـ 7 ، 564 / 1908 .

(17) صروف ، يعقوب / اللغة العربية والمصطلحات العلمية / المقتطف ، مج 74 ، جـ 1 ص 8/1929 .

(18) صروف ، يعقوب / ترجمة المصطلحات العلمية / المقتطف ، مج 70 ، جـ 1 ، ص 106 / 1927

(19) صروف ، يعقوب / منع الأمراض ومرض الموز / المقتطف مج 66 ، جـ 1 ص52- 104 / 1925 .

(20) صروف ، ، يعقوب / باب المراسلة والمناظرة / المقتطف مج 66 / جـ 2 / 209- 1925 .

(21) صروف ،يعقوب / اللغة العربية والمصطلحات العلمية / المقتطف مج 74 / 1/ 6-7 1929

(22) صروف ، يعقوب / اللغة العربية والمصطلحات العلمية / المقتطف مج 74 جـ 1ص 6-7 1929.

(23) صروف ، يعقوب / اللغة العربية والمصطلحات العلمية / مج 74 جـ 1 ص8

(24) صروف ، يعقوب / اللغة العربية والمصطلحات العلمية / المقتطف مج 74 جـ 1 ص 8 / 1929.

(25) زيدان ، جرجي / تاريخ آداب اللغة العربية جـ 4 / 62 . والزركلي / الأعلام جـ 9 / 266 الذي أشار إلى أنها انتقلت إلى مصر 1885 ، والعمر ، عبد الله ،/ المقتطف رائدة العلم العربي الحديث / مجلة تاريخ العرب والعالم / العددان 93 ، 94 / 14 السنة الثانية 1986 .

(26) الشهابي ، مصطفى / المصطلحات العلمية في اللغة العربية / 58 .

(27) وللدكتور محمد عبد الحميد عدد من المؤلفات الطبية منها : " الاسعاف الأولي " والعلاج بعد العمليات " و " تعليل النوع " و " العلاج الجراحي " و " التشريح الجراحي " و " الحمل خارج الرحم " وغيرها . انظر : جرجي زيدان / تاريخ آداب اللغة / جـ 4 / 201 .

(28) لكن كلمة الحقب ) وهي تعسر خروج البول كما في القاموس ، أولى من كلمة الحصر ) في ظني ، وذلك لأن الأخيرة عامة في هذا المعنى والأولى خاصة ، فقد استعملها الفقهاء والأصوليون كذلك أما الحصر فهو احتباس البطن من الدبر لامن القبل1هـ .

(29) عبد الحميد ، محمد / اللغة العربية والطب / المقتطف مج 36 جـ 4 / 375 / 1910

(30) عبد الحميد ، محمد اللغة العربية والطب / المقتطف مج 36 جـ 4 / 375 / 1910

(31) المعلوف ، أمين / رد على مقال اللغة العربية والطب ) / المقتطف مج 36 جـ 6 / 583- 1910

(32) المعلوف ، أمين / رد على مقال اللغة العربية والطب ) المقتطف مج 36 جـ 6 / 583 -1910

(33) المعلوف ، أمين / رد على مقالة اللغة العربية والطب ) / المقطتف مج 36 جـ 6 585 - 586 1910

(34) المرجع السابق نفسه ص 586

(35) عبد الحميد ، محمد / يرد على أمين المعلوف / المقتطف مج 37 جـ 2 / 789 / 791 1910

(36) عبد الحميد ، محمد / المرجع السابق نفسه / 789 / 790 1910

(37) هذان البيتان لعبد الله بن سلامة المؤذن / تاج العروس جـ 1 / 93 طبع الكويت .

(38) المقتطف / مج 73 جـ / ص 791

(39) المقتطف / المرجع السابق نفسه / 793 - 794

(40) جواد ، مصطفى / المباحث اللغوية في العراق / معهد الدراسات العربية العالية / 54

(41) جواد ،مصطفى / المرجع السابق نفسه / 54 نقلاً عن مجلة لغة العرب مج1 ص 3).

(42) المرجع السابق نفسه / 54 نقلاً عن فهرست الجزء الأول لمجلة لغة العرب ).

(43) جواد ، مصطفى / المباحث اللغوية في العراق / 55 - 75 /

(44) جواد ، مصطفى / المباحث اللغوية في العراق / 72 نقلاً عن مجلة دار السلام ) ج2/162.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244