الجهود اللغوية في المصطلح العلمّي الحديث - الدكتور محمد علي الزركان

دراســة - منشورات اتحاد الكتاب العرب1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:45 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

5) الدكتور محمد شرف(1) : 1890-1949)

لقد اختار الدكتور محمد شرف لمعجمه العنوان التالي معجم انكليزي عربي في العلوم الطبية والطبيعية )" مبني على المعارف الحديثة" ثم أدرج تحت هذا العنوان أسماء العلوم التي احتواها معجمه قائلاً:" معجم للاصطلاحات والمفردات المستعملة في الطب ، التشريح ، علم وظائف الأعضاء، الجراحة، القبالة، المادة الطبية، أمراض النساء، الأطفال، العيون، الأعصاب، الجلد، الطب الشرعي ، علوم النبات، الحيوان، الكيمياء، الطبيعيات، الكهربائية، علم حفظ الصحة ، الصيدلة الخ".‏

الغرض من تأليف المعجم : قال المؤلف في مقدمة الطبعة الثانية موضحاً ذلك بالنقط التالية:‏

أولاً: تعريف الناطقين بالعربية بالمفردات القديمة والمستحدثة والاصطلاحات الحديثة في الطب والطبيعيات وما اتصل إليها من فنون وعلوم.‏

ثانياً: نقل الأوضاع التي يكون لساننا خلوا منها أولا مقابل ولا مرادف لها فيه لافتقارنا إليها ، وايراد أوضاع عربية طريفة تؤديها، أو الباسها حلة عربية فتتسع بذلك اللغة وتتوفر فيها الوسائل التي تتمشى بها ما تتطلبه سرعة التقدم في هذا العصر، ويسهل علينا الاحتذاء بالأمم الغربية ومجاراتها في التقدم والحضارة.‏

ثالثا: استيعاب أكثر الألفاظ العلمية ، واستجلاء غوامضها وكشف حقائقها في كتاب واحد ، يكون سراجاً يهتدي بنوره الطلاب ، ودليلاً يركن اليه العلماء ، وسفرا جامعاً لما يخفف به عنهم مايلاقونه من العيّ في التعبير إما لعدم وقوفهم على الأفاظ العربية، واما لقعود اللغة الفصحى عن متابعتهم على مجاراة العصر الحاضر بالتأدية الحسنة والتمييز الدقيق...‏

رابعاً: اصلاح النطق البين في معاجم العربية ودواوينها، لأنها لاتحتوي إلا الألفاظ الفصحى القديمة دون المستحدثة أو التي عربت منذ وضع هذه المعاجم ، ولأن فيها ألفاظا كثيرة مبهمة أو غير صريحة التأدية، وألفاظا مصحفة أغلق معناها،وألفاظاً مهجورة أو ميتة وما هي كذلك بل يجدر بنا بعثها واذاعتها ، وأخرى تغيرت معانيها المشروحة بتغير الزمن أو الأصقاع أو ضاقت بالمعاني الحديثة بفعل الحضارة ، ولأن فيها أسماء كأسماء الحيوان والنبات لم تعين ولم تحل واكتفي بوصفها هذا نبات وهذا حيوان وهذه دويبة. ولأن الألفاظ العلمية في العربية تفتقر إلى التحرير والتخليص وتحديد ما يقابلها الآن في اللغات الفرنجية لما أصابها من تغير المدلول والمراد منها بتوالي العصور حتى يهتدي الكاتب المدقق إلى استيعابها في مواطنها الصحيحة بدون خلط أو لبس ،وتتم الفائدة من التأليف والتعريب الحديث.(2)

أسلوب المعجم في التعريب:‏

قال المؤلف تحت عنوان " الطرق التي عولنا عليها ورأيناها جديرة بالاتباع":‏

أما واختلاف أساليب الكتاب في الترجمة والتعريب وقصورها قصورا فاحشا عن تأدية المعاني يقف عقبة في سبيل نشر العلوم والفنون بلغتنا ، فإننا لم نجد بدا من تخير أسلوب نجرى عليه ويرجع إلى القواعد الآتية:‏

القاعدة الأولى) :‏

الألفاظ الفرنجية أو الأعجمية التي عرفنا لها مايقابلها أو يرادفها بالعربية ويؤدي معناها تأدية صحيحة مميزة أثبتناها بمرادفاتها هذه، مجتنبين الألفاظ الوحشية والحوشية بشرط التحقق من ورود هذه الألفاظ في معاجم العربية ودواوينها، أو كتب اللغة والأدب وغيرها، أو تواتر سماعها وان لم تذكرها هذه المصادر المؤلفة من عهد بعيد.... ولم ننقض هذا المنهاج إلا إذا عرض عارض اضطرنا للشذوذ ، نذكر من ذلك:‏

1- لم نستعمل فعلا فرنجيا إلا إذا لم نجد له فعلا عر بيا يقابله ، فقلنا : بستر ومغنط وترفن في تعريب: Pasteurize,magnetize,terphine كما قالوا من قبل كهرب ودرهم الخ.‏

2- لم نستعمل حرفا فرنجيا إلا بما يقابله في العربية ، إلا في بعض الأحوال القليلة مثل دى ) الفرنسية de sade دى صاد ) أو أف الانكليزية تركناها على حالها...‏

3- واذا شاع استعمال أحد الأسماء الفرنجية أو الأعجمية المألوفة ، وكان أدل على المعنى المراد من الكلمة العربية المبعوثة ، تخيرنا الفرنجي وفضلنا استعماله مع ذكر اللفظ العربي للاستئناس مثال ذلك: تلفون مسرة) وتلغراف هاتف)(3) وتلسكوب مرصد ومرقب) الخ... كما فضلنا استعمال كلمة الأنتيمون) antimony على الاثمد) وكلمة الزنك) على التوتياء) وكلمة سلفات ) على كبريتات) ....‏

القاعدة الثانية):‏

الألفاظ والمفردات التي لم نقع على مرادفات لها في العربية، ولكننا رجحنا وجود مرادفات لها فيها كنا نفرغ كل جهد للبحث والتنقيب عنها في مختلف المظان التي نظن وجودها فيها. أما الألفاظ والأسماء التي لم يعرف لها مرادفات في العربية فقد تخيرنا لها ألفاظا من العربية الفصحى اعتقدنا أنها تؤديها تأدية حسنة ، أو اشتققنا لها من أصولها مقابلاً ، أو جعلنا ألفاظاً مأخوذة من مفاد المعنى. وإذا تعسر ذلك رجعنا إلى معاني الألفاظ وأصول اشتقاقها وترجمناها ترجمة دقيقة بما يعيد ذلك مع المحافظة التامة على أصول المعاني. ومن أمثال ذلك:_ مخروط الوجه أو مسنونه leptoporosopie) وذنن الرحم metrostaxis) والعصفور خاطف الذباب mucicarpa) الخ.‏

القاعدة الثالثة ):‏

الأعلام الفرنجية التي شاع استعمالها في العربية حافظنا على تصويرها بالرسم الذي رسمت فيه من قديم.... أما ماعدا ذلك فقد صورناه كما يلفظه أهله أو بأقرب مايكون من لفظه الأصلي، وتوخينا حسن التطبيق والصدق في النقل وراعينا قوام العربية.(4)

القاعدة الرابعة):‏

النكرات الحديثة العهد بالوضع ، والتي لاوجود لمرادفات لها في العربية ، وعربت من قبل، ، وشاع استعمال الألفاظ المعربة بصورة معينة أثبتناها كما هي... مثال ذلك: أوكسجين وايدروجين وهدروجين ونتروجين وآزوت وفصفور وفوسفور وكلور.... الخ.‏

القاعدة الخامسة) :‏

كذلك تابعنا علماء الغرب في تصوير تعريب) المفردات العلمية الأخرى التي لم يعرف لها مرادف عربي، سواء أكانت أسماء حيوانات أم نبات أم حشرات أم أعضاء من أجسامها، وذلك حرصا على الوحدة العلمية التي لم تخالفها أمم الغرب المتقدمة علينا في العلوم ، ولعدم الابتعاد عن أصول هذه المصطلحات العلمية التي صارت بمثابة أسماء دولية تأخذ بها سائر الأمم ، ولأنه لاضرر من ذلك إذا قيس بالضرر الناشيء من تعدد المناهج في التعريب، أو مسخ الألفاظ وعدم الإبقاء على أصولها .. فقلنا في : brassica براسيكة) ومن صنوفها الكرنب والخردل واللفت والقنّبيط والسلجم والفجّيلة..... الخ، كما قلنا في althea ألثيا) - الخطمي- الخبازي- شحم المروج.‏

القاعدة السادسة):‏

أما المعاني سواء أكانت حقيقية أم مجازية فلم نجد أدنى صعوبة في ايجاد أوضاع تؤديها لاتساع العربية في الوضع لكل معنى ولانقيادها للكاتب.‏

القاعدة السابعة):‏

الألفاظ الفرنجية المأخوذة من أصل عربي أو فارسي وتغير رسمها أرجعناها إلى أصولها القديمة مثال ذلك : الأنبيق alenbec) والكحول alcohl) والسكر sugar) والشراب sirop) (5) الخ.‏

ثم تناول المؤلف حروف العلة في اللغات الفرنجية وكيفية رسمها بالعربية. كما تناول رسم الحروف الفرنجية السالمة بالعربية. وأشار إلى كيفية تعريب الكلمات الفرنجية بساكن، والانتهاء في كتابة الكلمة المعربة بألف أو تاء مربوطة. كما تكلم عن الاشتقاق في اللغة العربية ومنهج العرب في التوسع في اللغة والاصطلاح، والألفاظ المأخوذة بالقياس مثل صيغتي فعال وفعل الدالين على المرض.‏

والمؤلف لايدعي الكمال لمعجمه بل يقول إنه علامة على الطريق الصحيح في وضع المعجم العلمي للمصطلحات ويدعو إلى تأسيس مجمع علمي لغوي يتولى وضع المعجم الأمثل لمصطلحات العلوم والفنون حين قال:" ونعتقد أن المعجم الذي وضعناه ، وهو أبسط المعاجم الانكليزية العربية وأوسعها، قد ألقى نورا ساطعاً أمام الناهضين بالعربية والراغبين في تحرير ألفاظها المتعلقة بالعلوم الطبيعية والطبية وان لم يكن ذلل لهم أكثر العقبات فقد كشف لهم عن الثغر التي تقف في طريقهم .(6)

وقد اعتمدت وزارة المعارف المصرية الاصطلاحات التي جاء بها فخطونا به خطى واسعة في سبيل توحد الأوضاع العربية المتعلقة بهذه العلوم ، ودفع الفوضى اللفظية التي كنا نعانيها.‏

وليس لي في هذا المقام متسع للافاضة في شرح أسلوبنا في التعريب والقواعد التي عولنا عليها في صوغ الأوضاع الحديثة ورأيناها جديرة بالاتباع، لذلك نرى أنه لامندوحة عن انشاء مجمع لغوي علمي يضم خيرة أهل الفضل من العلماء، ويتصل اتصالاً وثيقاً بمنتديات اللغة في الشام والعر اق والمغرب(7) .......".‏

وقد تناول عدد من الباحثين والأطباء الذين شاركوا في المؤتمر الطبي السنوي الثالث الذي عقد بالقاهرة بتاريخ 1/3/ 1930 معجم شرف بالدراسة والنقد، فقال الشيخ أحمد السكندري: ان مسألة توحيد الاصطلاحات مسألة لغوية لايملك جماعة الأطباء البت فيها وحدهم فيجب أن يشترك معهم أئمة اللغة أو المشتغلين بها، وبعد أن أطرى معجم شرف قال: انه على كل جهد فردى ، ولابد من مجمع لغوي حكومي لتنقيح ذلك والتوسع فيه.‏

وختم المناقشة الدكتور زكي أبو شادي فقال: ان الغرض من الاجتماع خدمة البلاد واللغة العلمية لاخدمة فقه اللغة، وان معجم شرف أكبر من نواة ، وأتحدى من يدلني على أصلح منه في أية لغة . وقال: ان طريقة شرف ليست طريقة فردية بل هي طريقة توحيد لمذاهبب السلف من غير أن تتعارض مع المنهج الحديث. وذكر أن الاختصاصيين هم أصحاب الكلمة الأولى والأخيرة في هذا الموضوع، ولا شأن للمجامع اللغوية الصرف بذلك. وأن الاصطلاحات اما تقليدية واما وضعية ، ولا خير لنا في الاصطلاحات التقليدية القديمة ، ولا في الاصطلاحات الوضعية الفردية الصرف. والمنهج الوحيد السديد هو اتباع النسق الدولي المألوف من ذلك ، وان اللاتينية واليونانية ليستا ملكا لأوروبا بل أصبحتا ملكا للعالم الأدبي والعلمي على السواء.(8)

وقال الدكتور عبد الرحمن الشهبندر مشيدا بمعجم شرف ومعقبا على أقوال بعض المؤتمرين :" واعذروني أيها السادة اذا ذكرت لكم ما انطبع في نفسي من الأثر الناشئ عن الموازنة بين عمل الفرد وعمل الجماعة في مثل هذه الموضوعات: ان ما رأيته بعيني يحملني على الاعتقاد بالفرد أكثر من الجماعة . وقد شكا قبلنا هربرت سبنسر) من الأكاديميات في أوربا، فحمل عليها حملة منكرة، وقال عن أكاديمية باريز:" أنها عجزت حتى عن عمل معجم نجح في تأليفه الأفراد ، وان سلطانها على تطور اللغة لايؤبه له".‏

فإذا كان هذا حال المؤسسات المنظمة في أوربا، فماذا عسى أن يكون حالنا نحن معاشر الناطقين بالعربية ؟... لذلك لاتعجبوا أبدا من أن تكون ثقتي بالعمل الفردي في هذا الموضوع أكثر من ثقتي بعمل الجماعة.... وأقترح أن تخاطب الكليات الطبية الشرقية في أن تضيف امتحانا في المصطلحات الطبية العربية إلى امتحاناتها العلمية(9) .‏

نقد وتعليق:‏

وتناول مصطفى الشهابي معجم شرف معلقا وناقدا فقال:‏

".... ولكن معرفة المصطلحات العربية كثيراً ما تكون أشق من معرفة الموضوعات العلمية نفسها. فالذي يتقن لغة أجنبية كبيرة يستطيع بطريقة ما فهم موضوع علمي، ولكنه لايستطيع نقله إلى لساننا مالم يجد له مصطلحات عربية يركن إليها. وكثيراً ما يعن على باله وضع مصطلحات جديدة دون أن يكون أهلا لهذا العمل فيخبط خبط عشواء، اما لجهله دقائق الموضوع، واما لقلة بضاعته من المفردات العربية المتعلقة به، واما لعدم معرفته بالوسائل الواجب اتخاذها في وضع المصطلحات العلمية بلغتنا الضادية.‏

ولهذه الأسباب كثرت الأغلاط في المعاجم العربية الأجنبية الشاملة التي صنفت في عصرنا هذا، على مالأصحابها من فضل ومن ثقافة واسعة.‏

فمعجم العلوم الطبية والطبيعية للدكتور محمد شرف همو مثال للمعاجم التي تضمنت ألفاظ علوم مختلفة، فلم يسلم أصحابها من العثار. ففي هذا المعجم الانكليزي العربي الكبير ألفاظ في مختلف العلوم الطبية، وفي الكيمياء والطبيعية والمواليد الثلاثة حتى بعض العلوم الزراعية. فليس من الغريب أن يصيب صاحبه في الكثير من ألفاظ معجمه، وأن يخطئ في الكثير منها.‏

ولو تجاوزت حدود اختصاصي، وعملت عمله لما قلّت أغلاطي عن أغلاطه. أقول هذا لأنني عارف بفضل الدكتور محمد شرف رحمه الله. وقد تساجلنا غير مرة في بعض المصطلحات. ولكن لبعض علمائنا رايا خاصا في صنع المعاجم، فهم يظنون أن المعجم الكبير هو الذي يدل على فضل صانعه، على حين أن الأدل على الفضل انما هو تصنيف معجم صغير تكون ألفاظه العربية العلمية كلها أو جلها ألفاظا صحيحة أو راجحة. (10)

ويقال مثل ذلك في معجم للأستاذ الشيخ عبد الله العلايلي سماه المرجع) صدر جزؤه الأول في بيروت سنة 1963 وهو معجم وسيط ، علمي ، لغوي ، فني مرتب وفق المفرد بحسب لفظه) وقد ذكر المؤلف فيه ألفاظا علمية افرنسية وانكليزية نقلا عن معجمات أعجمية- عر بية في العلوم كمعجم الألفاظ الزراعية مثلا، وعن مجموعات مجمع القاهرة وغيرها، فأصاب في النقل كثيرا، ولكنه لم يسلم أيضا من خطأ النقل والطبع على مالاحظته . وهذا العمل شاق لايستطيع الفرد أيا كان أن يضطلع به مالم تزل قدمه مراراً.(11)

ويبدو أن الدكتور شرف قد أكثر من الاقتراض اللفظي التعريب) في اختيار مصطلحات معجمه على الرغم من وجود ألفاظ عر بية أصيلة مناسبة ، وقد بينا ذلك في اجراء موازنة بين ثلاثة معاجم متخصصة هي معجم شرف الطبي ومعجم حتي الطبي والمعجم الطبي الموحد، سنثبتها على شكل ملحق في نهاية الباب ان شاء الله.‏

6) مصطفى الشهابي 1893-1968):‏

كان الشهابي من أوائل العاملين في تحقيق المصطلح العلمي والداعين إلى توحيده في مطلع هذا القرن وذلك من خلال الأبحاث والدراسات المنشورة في الكتب والدوريات المختلفة ، إلى جانب المؤتمرات والندوات العلمية التي كانت تعقد في عواصم البلاد العربية من أجل تحقيق المصطلحات العلمية وتوحيدها في معاجم متخصصة والتي كان الشهابي يساهم فيها مساهمة فعالة بجهوده اللغوية والعلمية في ارساء دعائم المصطلح العلمي الحديث في علوم وفنون مختلفة، وخاصة في العلوم الزراعية والحراجية. فلقد نشر مقالاته وأبحاثه في المجلات العربية الجادة الرصينة التي تهتم بمثل هذه البحوث اللغوية المصطلحية ، مثل مجلة المقتطف ) ومجلة المجمع العلمي العربي بدمشق) التي سميت بعد ذلك مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق) بالاضافة إلى مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة). وقد كان عضوا عاملا في هذين المجمعين، كما أنه رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق قرابة ربع القرن.‏

وقد كتب مقالا مطولا في المقتطف ) بعنوان" المصطلحات العلمية وألفاظها العربية" بيّن فيه رأيه في وضع المصطلح العلمي، ومن الذي يحق له أن يضع هذا المصطلح، والصفات التي يجب أن تتوفر في ناقل هذا المصطلح فقال:‏

" كلما تناول أحدنا معجما علميا بإحدى اللغات الأوربية الكبيرة، وأخذ يقلب صفحاته التي لاتحصى ، يهوله ما تحويه تلك الصفحات في طياتها من آلاف الألفاظ في العلوم والمخترعات الحديثة، ويروعه أن تكون لغتنا العربية خلوا منها أو من بعضها.....‏

واذا ما تحدث في هذا الأمر مع الذين درسوا العلوم الحديثة بلغة أجنبية، أجابك جمهورهم بأنهم يائسون من صلاح لغتنا للأغراض العلمية في عصر الناس هذا، فهي إذن على مايرون مقضي عليها ان عاجلا وان آجلا. لكنك إذا استقصيت بواعث هذا الاعتقاد القائم فيهم رأيتها تنحصر في شيئين:‏

الأول: جهلهم أسرار اللغة العربية ومكامن الحياة فيها.‏

والثاني: قلة ثقتهم بكفاءة من جعلوا أنفسهم قوامين على هذه اللغة أفرادا كانوا أو جماعات.‏

ويتضح من ذلك أن السر في جمود لساننا ليس منبعثاً عن قصور هذا اللسان، بل عن تقصير أبنائه وعن اهمال الحكومات التي تتكلم به....‏

فخلاصة ما تحتاج اليه العربية هو ايجاد ألفاظ عربية أو معربة لأبحاث العلوم العصرية وللمخترعات والمصنوعات والأدوات الحديثة، وهي آلاف مؤلفة من الألفاظ".(12)

من يضع المصطلح؟: ولابد لمن يتصدون لوضع هذه الألفاظ من أن يجمعوا بين أمور ثلاثة وهي:‏

أولاً: الاختصاص بعلم أو بفن وممارسته نظريا وعمليا‏

ثانياً: التغلغل في سرائر اللغة العربية، ولاسيما فيما يتعلق بذلك العلم أو الفن.‏

ثالثا : اتقان لغة واحدة على الأقل من لغات أوربا الغنية بالعلوم والفنون.....‏

ولهذا لابد لمن يجشم نفسه وضع الألفاظ بالعربية من أن يقتصر في عمله على الألفاظ المتعلقة بعلم اختص به واطلع على دقائقه.......(13)

ونجد الشهابي يلح في مكان آخر على فكرة معينة وهي أن المختص وحده الذي يضع المصطلح العلمي دون غيره فيقول:‏

" وعندما بدت حاجتنا الملحة إلى وضع الألفاظ العلمية الجديدة منذ أوائل القرن الماضي إلى اليوم ، لم ينبر لها، أو لم يبرز فيها سوى من جمعوا بين العلم واللغة كأحمد ندى، وعلي رياض، وأحمد حمدي الجراح وفانديك ويوحنا ورتبات وجورج بوست وبطرس البستاني وبشارة زلزل، ويعقوب صروف، ونفر من المستشرقين مثل: فريتاغ ولين ودوزى وغير هؤلاء.‏

والخلاصة ان حاجة اللغة إلى المصطلحات العلمية لايسدها سوى الذين أشرت اليهم قبل قليل . أما أن تعهد إلى النحويين واللغويين بوضع ألفاظ في الطب والزراعة والرياضيات والفلك والحيوان والنبات والحشرات وأشباهها، فمعناه كما قال الدكتور يقوب صروف تخويلك قاضياً تطبيب الأبدان وطبيباً تصوير الألوان...) فعلماء اللغة يستعان بهم في مراجعة بعض الألفاظ وفي ضبط بعضها ، ونفعهم في هذا الباب لاينكر ، لكنه ليس من الصواب تحميلهم فوق طاقتهم، وندبهم لغير ما اختصوا به ".(14)

ولعله يريد بكلمته هذه من جمع بين العلم واللغة فهو القادر على وضع المصطلح ...فاذا لم يوجد من يجمع بين العلم واللغة فلا بد من التقاء العالم الكبير باللغوي الكبير ثم ذكر في بحثه كيف اهتدى العلماءالأوربيون إلى الكلمات التي أضافوها إلى لغاتهم، والطرق التي سلكوها بغية الوصول إلى هذا الهدف. كما وضح السبل الواجب سلوكها في وضع المصطلحات أو نقلها إلى العربية. مبينا في ذلك منهجه الذي اختطه في مشروعه المعجمي فقال:" أما وقد عرفنا كيف وضع العلماء الأوروبيون أسماء لذلك العدد العظيم من النباتات ، أصبح من السهل علينا استنتاج السبيل التي يجب أن نسلكها في وضع ألفاظ عربية أو معربة لها. وإذا أنعمنا النظر في قائمة أجناس النباتات نجد منها عددا عرفه أجدادنا ، ووضعوا له أسماء عربية، أو عربوا أسماءه اليونانية ، كما نجد عددا لم يعرفوه.‏

فالقسم الأول ندع ألفاظه العربية أو المعربة على حالها ونستعملها كما وردت في كتب العشابين والأطباء كابن البيطار وغيره بعد التثبت من صحة اللفظة.(15) وقد أوجدت بهذه الطريقة بضع مئات من الأسماء والأفعال في معجم الألفاظ الزراعية) مما لم يرد في المعاجم الأعجمية العربية،ونشرت قسما منها في مجلة مجمعنا الدمشقي بعنوان: " ألفاظ عربية لمعان زراعية " و" واصطلاحات النباتات الدنيا".(16)

أما القسم الثاني فهو ألأهم ، بل هو بيت القصيد ، لأن ما جهله أجدادنا من النباتات يبلغ أضعاف ماعرفوه منها. ففي هذا القسم أرى أن نسير في وضع الأسماء للمسميات على الطريقة الآتية وهي:‏

أولا: أسماء الأجناس النباتية المنسوبة إلى أفراد من الناس علماء وملوك وحكام) أو إلى آلهة القدماء ، فهذه يجب أن تعرب ، اما بأن تترك على حالها ، واما بأن تجعل بصيغة النسبة، مثال ذلك شجرة " مكلورا maclura " فهي منسوبة إلى المواليدي الأمريكي مكلور) ، ولذلك نسميها "مكلورة" كما هي اللفظة العلمية أو "مكلورية" بصيغة النسبة . (17)

لكنه من البديهي إذا كان يوجد بلساننا لفظة عربية فصيحة تدل على نبات لفظته العلمية منسوبة إلى أحد العلماء، فمن واجبنا ترجيح اللفظة العربية، مثل بقلة "العكّوب" فان اسمها العلمي " غوند الينا gundalina " وهي محرفة عن اسم الطبيب الألماني غوند لشيمر فنحن هنا لسنا بحاجة إلى تعريب اللفظة العلمية المذكورة مادام يوجد لدينا لفظة عربية صحيحة ترادفها.‏

ثانيا: أسماء الأجناس النباتية المنسوبة إلى مدينة أو كورة أو اقليم ، فهذه أيضاً لابد من استبقائها على حالها، أو جعلها على صيغة النسبة، على أن يرسم الاسم كما يرسمه العرب فنقول "عدنية " لا " أدنية" للنبات الذي يسمونه " أدينيا adenia" وهكذا ....‏

ثالثاً: أسماء الأجناس النباتية الموضوعة بلسان سكان البلاد التي عثروا على تلك النباتات ، فهذه أيضا يجب أن نعربها، ولنا أسوة في اللسان العلمي وفي جميع الألسنة الأوربية الكبيرة، فنقول مثلاً " أناناس ananas " و" كاكاوcacaoyer" وكلها من لغات قبائل أمريكية قديمة.‏

رابعاً: أسماء الأجناس النباتية الدالة على صفة بارزة من صفات النباتات، فهذه الأسماء وعددها هو الأكبر تترجم إلى العربية بمدلولات معانيها كلما أمكن ذلك، فيقال " أذن الدب " للنبات المسمى " أركتوتيس arctotis " ورملية أو زهرة الرمال للنبتة المسماة " أريناريا arenaria".(18)

وليس من رأيي تعريب هذه الألفاظ العلمية، خلافا لما شاهدت في بعض الكتب والمعاجم العلمية العربية، لأن تعريبها يدل على أن الناقل يجهل معناها الأصلي أو الاشتقاقي، أو انه لم يجشم نفسه تحرى هذا المعنى أثناء النقل. وقد ذكرت أن قدماء النقلة ترجموا مثل هذه الأسماء فقالوا : لسان الثور ، وآذان الفار، وآذان العنز، وكثير الأرجل وعين البقر الخ. وكلها مترجمة . ومع هذا فاليوم يرجح تعريب الاسم العلمي لجنس النبات كلما تعذر ترجمة معناه بكلمة عربية واحدة سائغة. وهذا ما اتبعته في الطبعة الثانية لمعجم الألفاظ الزراعية.(19)

ورد الدكتور محمد كامل حسين على الشهابي في بحث عنوانه" القواعد العامة لوضع المصطلح "بمجلة مجمع اللغة بالقاهرة جـ11/139 بقوله :"ولزميلنا العلامة الأمير مصطفى الشهابي في رسالته العظيمة عن المصطلحات العلمية رأي يخالف هذا، والمثل الذي ضربه لنا هو العكوب) والغندولينا) فهو يرى أن العكوب اسم عربي يطابق تماما الغندولينا ، فلا داعي لتسميتها الاسم العلمي المنسوب إلى عالم غربي.‏

وعندي: أن هذا صحيح في اللغة العادية، أما في اللغة العلمية فلا أرى فضلا للعكوب على الغندولينا، كلاهما غريب، وأحدهما يتسق مع التصنيف العلمي ومعروف للعلماء كلهم، والآخر شاذ يقف وحده وسط أسماء كلها متسقة على نظام واحد. وتحقيق المطابقة بين العكوب والغندولينا أمر واجب ومفيد جدا، ولكنه لايدعو إلى نبذ الكلمة الثانية وتفضيل الأولى في اللغة العلمية. ومن المفيد تحقيق النبات المسمى لسان الثور، ولكن هذا التحقيق يجب أن لايكون له أثر في الاسم العلمي. ولا أرى داعيا لترجمة الأسماء العلمية التي من هذا الطراز، ولو أدى ذلك إلى سهولة فهمها. مثال ذلك النبات المسمى campanu la barbata ، فلا داعي لترجمة كلمة بارباتا بالملتحي ان كان المراد جعلها مفهومة فذلك يكون بتدريس الأصول اللاتينية للطالب العربي كما تدرس للطالب الأوروبي. والانكليزي لايسمى هذا bearded campaniola ، بل يبقى على اللفظ اللاتيني. والبارباتا يجب أن تشرح للانكليزي، ولا داعي لتغييرها بجعلها أسهل فهما على العربي".‏

تركيب الاسم العلمي للنبات:‏

" وهنا أصل إلى مسألة لم أتعرض لها وهي أن اسم النبات العلمي يكون في العادة مركبا من لفظتين الأولى تدل على الجنس genre) والثانية تدل على النوع espece) فكل ما أوردته إلى الآن يتعلق باللفظة الدالة على الجنس وهي المهمة. أما اللفظة الدالة على النوع فإنه يكون لها معنى في معظم النباتات ،وهي تترجم ترجمة بكل اللغات الحية، ولهذا يجب علينا أن نترجم هذا المعنى إلى العربية، لا أن نفعل كما فعل بعض أصحاب المعاجم العلمية الذين اكتفوا بتعريب لفظة النوع جهلا منهم بمعناها الأصلي.‏

مثال ذلك: كمبانولا برباتا campanula barbata ومعناها الجريس الملتحي، فلفظة كمبانولا ) تدل على الجنس وقد ترجمناها بمدلولها في كلمة واحدة سائغة وفاقا لما نعربها، بل ينبغي أن نترجمها بلفظة الملتحي . وهكذا في كل الألفاظ الدالة على الأنواع، اذ نقول : الجريس النبيل C. nobilis) والجريس الهرمي C.pyramidalis) والجريس العريض الورق C.latitolia والجريس الخذروفي C.turbinata)... الخ واللغة العربية تتسع لكل ألفاظ الأنواع التي لها معان من هذا القبيل . والدليل على ذلك أنني أوجدت في "معجم الألفاظ الزراعية " نحو ألفي لفظة عربية تدل على نباتات زراعية ما كان يعرفها أجدادنا وليس لها أسماء بلغتنا ".(20)

" أما الأسسماء الدالة على الصنف أي الضرب النباتي Variete) فعددها كبير جدا ويندر وجودها في المعاجم ، بل توجد في كتب الأزهار والأشجار والكتب الزراعية والنباتية المهمة. فاذا كان للفظة التي تعبر عن الصنف معنى من المعاني القابلة للترجمة ترجمناها بالعربية، وإلا تركناها على حالها ، أي عربناها اضطرارا كما يفعل الأجانب عندما ينقلون إلى لغاتهم أصناف بلادنا ، فهم يقولون مثلا: قطن أشموني ومعرض وكرنك، وقمح حوراني وبلدي، وعنب داراني وزيني، تاركين ألفاظ الصنف على حالها.(21)

وسنتحدث في الصفحات القليلة القادمة عن الجهود المعجمية في المصطلحات العلمية لدى الشهابي. ويبدو أن هذه الجهود كانت مبكرة اذ كتب في مطلع الربع الثاني من هذا القرن يقول:" رغب الي بعض خريجي المدارس الزراعية أن استخرج لهم من المعاجم العربية أو من كتب السلف الفنية ألفاظا زراعية صحيحة يمكن الرجوع اليها اما في ترجمة ألفاظ أعجمية واما في الدلالة على معان زراعية ، فنزلت عند رغبتهم واستخلصت إلى اليوم بضع مئات من كلمات لاتخرج في معناها عن أغراض الفنون الزراعية، وعقدت النية متى تمت على صوغها رسالة مرتبة علىحروف المعجم. غير أنه لما كان اتمامها متوقفا على مرور زمن لا أعرف مقداره لاح لي أن أنشر بعضها في مجلة المجمع العلمي الموقر بدمشق الشام".(22)

فأصبحت هذه المئات من الصمطلحات بعد سنين طويلة من البحث بضعة آلاف ضمتها معاجم الشهابي فيما بعد. وها نحن أولاء نتحدث عنها.‏

1- معجم الألفاظ الزراعية بالفرنسية والعربية :‏

وصفه الشهابي بقوله:"... فهو مطبوع بدمشق عام 1943 طبعته الأولى ، فهذا المعجم الذي لم أذكر فيه سوى المهم من ألفاظ العلوم الزراعية، لبثت نحو عشرين سنة في تحقيق ألفاظه المذكورة البالغة نحو تسعة آلاف لفظة ، وراجعت في تصنيفه عشرات من المراجع ، بغية التثبت من صحة اسم عين من أعيان المواليد الثلاثة .(23) أو بغية معرفة الاسم العربي القديم، ووضعه إلى جانب الاسم الفرنسي والاسم العلمي ، أو بغية ايجاد مصطلحات جديدة سائغة أو راجحة في الموضوعات العلمية التي لم يعرفها أجدادنا العرب.‏

ومع ذلك لم يخل المعجم من شوائب استدركت أهمها في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق جـ 25/499). وقد نقحت نسخة من نسخه وأضفت إليها نحو ألف مادة جديدة وهيأتها للطبع... وفعلاً أمكنني طبع هذا المعجم عام 1957 في القاهرة طبعة ثانية مزيدة ومنقحة ، وكتبت له مقدمة واسعة " (24)

".... وذكرت أصول عدد كبير من الأسماء العلمية والأجنبية ، وأوضاع عدد كبير منها من الكلمات العربية، كأن تكون الكلمة عربية أو معربة قديماً أو حديثاً، وكأن تكون واردة في الأمهات من المعاجم أو في كتب المفردات ، أو في كتب علمية قديمة ، وكأن تكون مصطلحاً قديماً أو حديثاً أو كلمة عامية يفيد اقرارها لأنها سائغة شائعة.(25)

" والغرض من تأليف المعجم أن يجد فيه العلماء والأدباء والكتاب والمترجمون وأساتذة الجامعات ، أصلح الكلمات العربية أو المعربة التي يمكن استعمالها في زبدة العلوم الزراعية الحديثة ، وفي زبدة علوم المواليد من نبات وحيوان وجماد.‏

وربما لاحظ المراجع الكريم أنني جعلت أحيانا أكثر من مصطلح عربي واحد أمام الكلمة الأعجمية الواحدة، فالحقيقة أنني قد فعلت ذلك عن عمد ، لأنني لا أملك حق ترجيح مصطلح ما على آخر اذا تساويا أو تقاربا في أداء معنى الكلمة الأجنبية، فصاحب هذا الحق هو مجمع اللغة العربية ".(26)

وقال كذلك:" وعمدت في تحرى أصلح الألفاظ العربية إلى الأمهات من كتب اللغة العربية، ولاسيما المخصص لابن سيده والقاموس المحيط للفيروز أبادى ، وكتاب الفلاحة النبطية لابن وحشية ، وكتاب الفلاحة الأندلسية لابن العوام الاشبيلي، وغيرها.(27)

ومن المؤلفين المعاصرين الذين اقتبست منهم ألفاظا وضعوها أو حققوها قبلي الدكتور أمين المعلوف، وماكس مايرهوف وغيرهما.‏

ونخلت أسماء النباتات الطبية العديدة التي ذكرها الدكتور أحمد عيسى في معجم أسماء النبات ) ومعجم العلوم الطبية والطبيعية) للدكتور محمد شرف.‏

ولم أنس مراجعة المصطلحات التي جاءت في مجلة المجمع العلمي العربي ومجلة المعهد الطبي العربي في دمشق، ومجلة مجمع اللغة العربية ، ومجلة المقتطف في القاهرة.(28)

منهجه في وضع المصطلحات العلمية أو تحقيقها :‏

قال الشهابي:" والطريقة التي اتبعتها في وضع الكلمات العربية أمام الكلمات الفرنسية ، أو أمام الأسماء العلمية طويلة لايمكن شرحها إلا في عدة صفحات.(29)

ولابد لي قبل تلخيصها من القول بأنني سرت في الجملة على النهج الذي سار عليه قدماء النقلة والمؤلفين العرب في نقل علوم يونان وفارس وغيرهما إلى العربية.‏

وخلاصة القواعد التي التزموها في النقل هي على التتابع:‏

1- تحرى لفظ عربي يؤدي معنى الأعجمي.‏

2- اذا كان اللفظ العلمي الأعجمي جديدا ، أي ليس له مقابل في لساننا ، ترجم بمعناه كلما كان قابلا للترجمة ، أو اشتق له لفظ عربي مقارب بوسائل الاشتقاق والمجاز والنحت والتركيب المزجي.‏

3- واذا تعذر وضع لفظ عربي بالوسائل المذكورة عمد إلى التعريب مع مراعاة قواعده على قدر المسستطاع.(30)

وهذه الشروط يعمل بها في نقل مختلف العلوم الحديثة إلى العربية ، ومن الضروري أن تضاف إليها القواعد التي وضعها مجمع القاهرة منها : تفضيل العربي على المعرب القديم إلا إذا اشتهر ، وتفضيل الاصطلاحات العربية القديمة على الجديدة، إلا إذا شاعت ، وتفضل الكلمة الواحدة على كلمتين أو أكثر، اذا أمكن ذلك ، والاقتصار على اسم واحد للمعنى العلمي الواحد .(31) ولكن الشهابي يستدرك على هذه الشروط قائلا: " من السهل معرفة هذه الشروط وهذه القواعد الحسنة ، ولكن ليس من السهل العمل بها. ففي كل علم مصطلحات متنوعة، وكل لفظ علمي يحتاج إلى دراسة خاصة لمعرفة أصلح لفظ عربي أو معرب يقابله. وفي هذا المجال الوعر تتعارض آراء علمائنا ، وفيه تعرف كفاية العالم الثبت ودقة نظره وسلامة ذوقه جميعا.(32)

وهاهو ذا الشهابي يلخص لنا طريقته التي سلكها في وضع معجمه فيقول:‏

آ- كلما وجدت في المعجمات العربية القديمة أو في كتب الزراعية والنبات والحيوان القديمة الموثوق بها كلمة صحيحة ، عربية أو معربة، أو كلمة مولدة سائغة ، لها معنى موافق أو مقارب لمعنى الكلمة الفرنسية أو العلمية، رجحت تلك الكلمة الصحيحة أو المولدة السائغة على غيرها من الكلم....‏

ب- لقد جهل أجدادنا العرب عددا كبيرا من النباتات الزراعية وغير الزراعية، فلم يذكروها في كتبهم ، ولمعظم هذه النباتات أسماء علمية من أصل يوناني أو لاتيني تطلق على أجناسها، وتدل على صفة بارزة من صفاتها . وقد ترجمت أسماء كثير من هذه الأجناس بمعانيها خلافا لرأى العلماء الذين يرون وجوب تعريبها كلها مثلما تعرب أسماء الأعلام والأسماءء المنسوبة إلى أعلام)، ولم أقتصر على التعريب الا في الأسماء التي يصعب ترجمتها بكلمة عربية واحدة سائغة ، فقلت مثلا جريس ) ولم أقل كمبانولا) campanulaو رملية ) لا آريناريا) Arenaria، وقبس) لا افلوكس) phlox وهكذا. ومع هذا فقد وضعت عددا كبيرا من أسماء الأجناس النباتية المعربة إلى جانب الأسماء المترجمة، ريثما ينظر فيها مجمع اللغة العربية، ويرجح هذه أو تلك من الكلم.‏

أما الأجناس النباتية المسماة بأسماء أعلام ، فقد عربت أسماءها العلمية اضطرارا لأن هذه الأسماء قد تكون أسماء علماء النبات الذين كشفوا النقاب عنها، أو أسماء علماء آخرين ، أو أسماء ملوك..... الخ ، مثال الزهرة المسماة دهلية Dahlia أضاليا في الشام) فقد وضع اسمها على اسم نباتي سويدي اسمه دهل )...... فلا يجوز لنا الا تعريب كلمة دهلية بتركها على حالها ، وعلى هذا المنوال سار الأوروبيون في لغاهم، فلنا فيهم أسوة.‏

هذا في الأسماء العلمية الدالة على الأجناس النباتية. أما الألفاظ العلمية الدالة على الأنواع النباتية فمعظمها نعوت وصفات قابلة للترجمة، وكلها تترجم ترجمة في اللغات الأوروبية ، فلا يجوز أبدا تعريبها ، والعربية تتسع لها جميعا. فالعلماء الفرنسيون عندما يذكرون أنواع جنس الورد مثلا يقولون بلسانهم Rosier brilliant لا Rosa nilida، وهو بالعربية الورد اللامع. ويقولون Rosier de damas لا Rosa damascena وهو الورد الدمشقي... الخ ولم أذكر في هذا المعجم سوى الألفاظ الدالة على الأجناس النباتية والحيوانية والألفاظ الدالة على أنواعها . أما الألفاظ الدالة على الضروب الأصناف) والسلالات فقد أهملتها لأنها كثيرة جدا تختلف باختلاف البلاد، ولو ذكرتها لتضاعف حجم المعجم من دون فائدة تذكر.....(33)

ج- لم أتبع في وضع أسماء الحشرات الزراعية التي جهلتها العرب الطريقة التي اتبعتها في وضع أسماء النباتات التي جهلوها ، أي أنني لم أرجع إلى أصول الأسماء العلمية لتلك الحشرات إلا في الندرة، لأن عدد مايهمنا منها قليل ، ولذلك رجحت الطريقة السهلة التي يعرفها الزراعيون والفلاحون في البلاد العربية على السواء ، وهي اضافة اسم الحشرة أو شكلها إلى اسم النبات أو اسم الحيوان الذي تضربه ، فقلت مثلا: سوسة العدس وسوسة الفول وسوسة الحمص، وذبابة الحنطة وذبابة الزيتون وقملة التفاح وقملة البقر... وهكذا ، وليست هذه الطريقة علمية، ولكنها تتبع في تسمية كثير من الحشرات باللغات الأوربية.‏

د- عربت أسماء الأجسام الكيمياوية، بسيطة كانت أو مركبة الا التي لها أسماء عربية كالذهب والكبريت والحديد والنحاس الخ) وذلك جريا مع الكثرة من علمائنا في تفضيلهم تعريبها، فهم يرون أنه من المتعذر ترجمة الصدور والكواسع العديدة التي تضاف إلى أول الاسم الفرنسي أو إلى آخره فتقلب مدلوله مادة جديدة... وبناء على ذلك جنحت إلى تعريب جميع الأسماء الفرنسية للأجسام الكيمياوية المركبة ، حتى الأسماء السهلة التي عالجت الجامعة السورية وغيرها ترجمة بعض مافيها من صدور أو كواسع، فقلت مثلا: حامض كبريتيك Acide Sulfurique ولم أقل حمض الكبريت على رأى بعضهم ، ولا حامض كبريتي على رأي آخرين. وقلت: كلور والصوديوم chlorure de Sodium لاكلور الصوديوم .... الخ.‏

ورأيي في التعريب الشامل للصدور والكواسع الكيمياوية مبني على أن ما أمكن ترجمته منها قليل بالنسبة إلى ما مست الحاجة إلى تعريبه مثل الكاسعة آت Ate) في كلورات و ايتite) في كلوريت و آن ane) في ميثان وايثان واين ine) في دكسترين وغليسرين الخ ، فهي كلها تعرب حتى في الجامعة السورية، ولذلك رجحت تعريب الصدور والكواسع الكيمياوية كافة حتى تكون لغتنا الكيمياوية شبيهة بأمثالها اللغات الحية الكبيرة.(34)

هـ وضعت بالاشتقاق والمجاز كلمات عديدة، وبالنحت كلمات قليلة تعد على الأصابع. وسرت في كل ذلك وفقا للقرارات أو قل للقواعد القياسية التي اتخذها مجمع اللغة العربية في مصر، وأجملتها في عشر صفحات من كتاب" المصطلحات العلمية في اللغة العربية " الملمع اليه.(35)

وحين بدأت دائرة المعاجم في مكتبة لبنان الاعداد لاخراج معجم زراعي موسع يشتمل على المصطلحات الزراعية كافة، اجرت مسحا دراسيا لمختلف المعاجم الزراعية المشهورة، فوقع الاختيار على معجم الشهابي) لاستخدام مادته العربية، من مصطلحات محققة وشروح دقيقة. وقد اقترح بعض العلماء على الدائرة اضافة مواد معجم المصطلحات الحراجية) إليه فلاقى هذا الاقتراح استحسانا.‏

وقد أجرى محققه ألأستاذ أحمد شفيق الخطيب كثيرا من التغيرات فيي المصطلحات والشروح ألأصلية ، وذلك تمشيا مع تطور العلم وتغير المفاهيم ، والتعديلات المستجدة على أصناف الفصائل والأجناس، وتصنيفاتها. فكان اسم المعجم الجديد:‏

" معجم الشهابي في مصطلحات العلوم الزراعية" باللغتين الانكليزية والعربية.‏

وقد اعتمد محققه في تلافي الفجوات الواسعة لدى مقارنة المداخل الفرنسية بما تجمّع لديه من المقابلات الانكليزية على عدد من المراجع أهمها " مصطلحات الزراعة والعلوم المتصلة به" الذي أصدرته جامعة ميشيغان) بالولايات المتحدة الأمريكية.‏

ونتيجة لذلك أدخل من للمصطلحات الخاصة بالزراعة والعلوم الزراعية ما ضاعف المداخل الأصلية، أوزاد على ذلك قليلا.وبعد جهد تسع سنوات تم اصدار هذا المعجم ، وقد ألحق به مسرد ألفبائي عربي،وآخر فرنسي للمصطلحات الواردة فيه مع مرادفاتها الانكليزية.(36)

(1) طبيب مصري من أعضاء مجمع اللغة العربية، كان يحسن الانكليزية واللاتينية واليونانية له: 1- معجم العلوم الطبية والطبيعية 2- كتاب أسماء الحيوان) وقد رد به على معجم الحيوان لأمين المعلوف 3- رسالة في مصطلحات النبات، في نقد معجم النبات للدكتور أحمد عيسى. انظر : الأعلام مج 7/28.‏

(2) معجم شرف الطبي / المقدمة /5.‏

(3) والمعروف أن كلمة هاتف ) أطلقت على التلفون) كما أطلقت عليه كلمة مسرة) أما تلغراف) فقد أطلقت عليها كلمة برق).‏

(4) معجم شرف الطبي / المقدمة /20-22.‏

(5) معجم شرف الطبي / المقدمة /22-23.‏

(6) شرف، محمد/ اللغة العربية والمصطلحات العلمية / المقتطف مج 74 ج3 ص281-282-1929.‏

(7) شرف، محمد/ المقتطف مج 74جـ 3/282.‏

(8) باب الأخبار العلمية / المقتطف / مج 76 جـ 4 ص473. وجـ 5 ص518/ 1930.‏

(9) شهبندر ، عبد الرحمن / توحيد المصطلحات الطبية العربية/ المقتطف مج 76 جـ 5 ص 518/1930.‏

(10) الشهابي، مصطفى/ المصطلحات العلمية في اللغة العربية/ 54.‏

(11) المرجع السابق نفسه/ الحاشية رقم 1/55.‏

(12) الشهابي، مصطفى/ المصطلحات العلمية وألفاظها العربية/ المقتطف مج 84جـ 1 ص134،1934.‏

(13) الشهابي، مصطفى/ المرجع السابق نفسه، ص134.‏

(14) الشهابي/ المصطلحات العلمية والفاظها العربية / المقتطف مج 84 جـ1،ص141.‏

(15) مجلة المقتطف مج 84جـ 1/137، وكتاب المصطلحات العلمية في اللغة العربية) للشهابي /78.‏

(16) المقتطف مج 84 جـ 1/140 طرائق النقل إلى العربية).‏

(17) الشهابي / المصطلحات العلمية /88.‏

(18) الشهابي، مصطفى/ المصطلحات العلمية وألفاظها العربية/ المقتتطف مج 84 جـ1 ص138، وكتاب المصطلحات العلمية في اللغة العربية للشهابي /88-89.‏

(19) الشهابي، مصطفى/ المصطلحات العلمية في اللغة العربية /89 و90.‏

(20) نشر الشهابي نحو 700 لفظة لاتينية مع ترجمتها بالعربية تحت عنوان ألفاظ الأنواع النباتية ) بمجلة المجمع العلمي بدمشق مج 36 جـ1.‏

(21) الشهابي، مصطفى/ المصطلحات العلمية في اللغة العربية /89 و90.‏

(22) مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق /مج 5/ 558، 1925.‏

(23) وهي عند الحكماء القدماء: المعدن والنبات والحيوان/ الشهابي/ المصطلحات العلمية /55 الحاشية (1) .‏

(24) الشهابي ، مصطفى / المصطلحات العلمية في اللغة العربية /57.‏

(25) الشهابي ، مصطفى / معجم الألفاظ الزراعية ، الطبعة الثانية ، المقدمة ص أ وب.‏

(26) الشهابي مصطفى/ معجم الألفاظ الزراعية ط2 /ص ب، ج، د.‏

(27) أجملت الطرائق التي تتبع في وضع المصطلحات العربية في كتابي المصطلحات العلمية في اللغة العربية).‏

(28) الشهابي مصطفى/ معجم الألفاظ الزراعية ط2/‏

(29) أجملت الطرائق التي تتبع في وضع المصطلحات العربية في كتابي المصطلحات العلمية في اللغة العربية).‏

(30) الشهابي/ معجم الألفاظ الزراعية ط2 / المقدمة ص: هـ . ومجلة المقتطف مج 84 جـ 1/140-141 وكتاب المصطلحات العلمية في اللغة العربية للشهابي /93.‏

(31) الشهابي/ المصطلحات العلمية وألفاظها العربية/ المقتطف مج 84 جـ 1 /141.‏

(32) الشهابي/ المصطلحات العلمية في اللغة العربية / 94 الحاشية رقم 1).‏

(33) الشهابي ، مصطفى ، معجم الألفاظ الزراعية ط2/ص. ب، ج، د.‏

(34) ذكر في كتاب المصطلحات العلمية.....) الطريقة الوسط بين الترجمة والتعريب التي تتبعها الجامعة السورية في تسمية الأجسام الكيمياوية .‏

(35) الشهابي، مصطفى/ معجم الألفاظ الزراعية ط2 / المقدمة ص ز، ح.‏

(36) الخطيب ، أحمد شفيق / معجم الشهابي في مصطلحات العلوم الزراعية / المقدمة ص IX XI.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244