مُعضلات التجزئة والتأخّر وآفاق التكامل والتطـوّر - د. خلف محمّدالجراد

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:46 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الدراسة الثانية حقيقة النظام الاقتصادي العالمي الجديد

مقدمة‏

يتميز عالمنا المعاصر باتساع الطابع الكوني للحياة الاقتصادية والعلاقات التبادلية- التجارية، وبانعكاس المشكلات الدولية الكبرى على جوانب الحياة الوطنية (القطرية) وعلى الأوضاع الفردية للناس في أقاليم كثيرة من العالم. وفي سياق هذا الاندماج أو التأثير المتبادل، يهيمن على العلاقات الاقتصادية الدولية نظام أقرب ما يكون إلى التشكيلة الرأسمالية، بمستويات وأنماط متفاوتة وفق قربها أو بعدها عن مركز الرأسمالية العالمية. ويتطور هذا النظام وفق علاقة "المركز والأطراف". وكذلك انطلاقاً من منظومة نوعية من العلاقات والقوانين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، المنسجمة تماماً مع قوانين الرأسمالية ذات الأبعاد العالمية (المرحلة الامبريالية). فالمعروف أن الإمبريالية هي أعلى مراحل الرأسمالية، وهي استمرار للخصائص الأساسية للرأسمالية، وتنطبق عليها القوانين الاقتصادية للرأسمالية المعروفة، ولكن يتخذ فعل هذه القوانين في ظل الامبريالية ملامح خاصة، أهمها: تشكل مجموعة "طغمة" رأسمالية -دولية تضم تحالفاً للشركات الاحتكارية متعدّدة الجنسية مع رؤوس الأموال العائدة لحكومات ذات هيمنة استعمارية عالمية. والسمة الثانية لتلك القوانين، تتمثل بتصدير الرساميل وتوظيفها في مناطق تابعة (في العالم الثالث بصورة خاصة). وفي هذه المرحلة تتشكل اتحادات دولية احتكارية من الرٍأسماليين (شركات وأفراد) والدول الإمبريالية، تقوم إما بتقاسم العالم وإما بالعمل جنباً إلى جنب ضمن مشاريع نهبية مشتركة. وأهم سمة للإمبريالية العالمية تتجلى في انجاز الاقتسام الجغرافي -السياسي والاقتصادي للعالم بين القوى الرأسمالية الأضخم، وتركيز التوظيفات الرأسمالية -الاحتكارية على نطاق إقليمي أو قاري أو عالمي (كما يحصل اليوم). وحلول الاحتكار مكان التنافس والتصارع هو السمة الأساسية للإمبريالية في نمطها الحالي، بحيث تقوم حفنة من الدول والتصارع هو السمة الأساسية للإمبريالية في نمطها الحالي، بحيث تقوم حفنة من الدول قد لا تتعدى أصابع اليد الواحدة بالتحكم في مصير الشعوب كلها.‏

ولا بد من التأكيد بداية أن من الخطأ تماماً الفهم الأيديولوجي- السياسي المبسط للفظة "الإمبريالية"، لأن ذلك من شأنه قصر هذه الظاهرة الخطيرة على العلاقات بين البلدان الاستعمارية والبلدان التابعة المُسْتَعمَرة، في حين أن تلك العلاقات تشمل مُجمل النظام الرأسمالي القائم عالمياً، وهذه حقيقة لا يمكن التغاضي عنها.‏

والحقيقة أن الحديث عن "النظام الاقتصادي العالمي الجديد" لا بد أن يفضي إلى الحديث عن نشاطات وارتباطات الدول والمنظمات، والشركات متعددة الجنسية، والتكتلات الاقتصادية والعسكرية والسياسية- الرئيسة منها والفرعية، المكونة للعلاقات الدولية المعاصرة.‏

في سياق العلاقات الدولية المشار إليها، يتزايد الاهتمام بفهم حقيقة النظام الاقتصادي العالمي الجديد، وهو اهتمام مشروع وحتمي أيضاً. وهذا ما يستتبع بالضرورة حل إشكالية منهجية- نظرية تتمثل في تحديد معنى "النظام الاقتصادي العالمي الجديد" وجوهره، لما لهذا الأمر من انعكاس على استيعاب أزمات وتناقضات ومشكلات هذا النظام وطرق حلها من جهة، وعلى المصاعب والعراقيل، التي يفرزها هذا النظام على عملية التنمية الجارية (بتعثّر) في البلدان المتخلفة، من جهة أخرى.‏

لكننا نفضل قبل الخوض في مفهوم النظام الاقتصادي العالمي الجديد، أن نتوقف عند نوعية العلاقة القائمة بين الاستعمار الجديد والنظام الاقتصادي العالمي.‏

1-علاقة النظام الاقتصادي العالمي مع الاستعمار الجديد:‏

ما دمنا متفقين حول العلاقة غير المتكافئة بين دول العالم الثالث والدول الصناعية المتطورة، أو بمعنى آخر -الدول الرأسمالية المتقدمة في إطار النظام الاقتصادي الدولي الراهن، فلا بد لنا من أن نناقش قضية الارتباط العضوي القائم حالياً بين الاستعمار الجديد والنظام الاقتصادي الدولي، المرتبط به بتفاعل جدلي، يتبادلان من خلال جملة من القوانين والصيرورات دور "السبب والنتيجة". فإذا كان الاستعمار الجديد (النيو كولونيالية Neocolonialism) يعني بشكل جوهري لجوء الدول الامبريالية إلى أساليب اقتصادية وعسكرية -سياسية جديدة تهدف إلى إخضاع البلدان المتحررة حديثاً للسيطرة الفعلية للإمبريالية، مع احتفاظها الفعلي بالجوهر الاستعماري (النهب والسيطرة)، فإن جوهر الاستعمار الجديد يتمثل في منع سير الدول النامية على طريق التقدم الاجتماعي والعلمي- التقني والثقافي، وإبقائها داخل النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي لضمان الاستمرار في استغلالها اقتصادياً ومالياً وسياسياً واستراتيجياً. ويضفي الاستعمار الجديد طابع الشرعية على سياساته عن طريق فرض أشكال مختلفة من المعاهدات والاتفاقا التعسفية على الدول النامية. ويعدّد واضعو موسوعة "الاقتصاد السياسي" (السوفيتية) جُملة أشكال من الاستعمار الجديد، منها: إقامة الحكومات والأنظمة السياسية التابعة، إشعال ودعم النشاط التخريبي ضد الحكومات "غير الملائمة"، إثارة الصراعات المحلية من عرقية وقومية وطائفية وقبلية، وكذلك الصراعات الاقليمية وحتى الدولية، من أجل أن تتاح لها (أي للامبريالية) الفرص المناسبة للتدخل في تلك النقاط، وفرض قراراتها وهيمنتها، وإقامة القواعد العسكرية تحت غطاء الشرعية الدولية. ومن أهم أساليب الاستعمار الجديد: 1-التوسع الاقتصادي والتغلغل عن طريق توظيف رؤوس الأموال والقروض بشروط مجحفة وما يسمى بـ "المساعدات المالية" 2-إغراق الأسواق العالمية بالصادرات التقنية -3-ربط النظم النقدية للبلدان النامية ضمن تقسيمات اقتصادية مغلقة، 4-ربط البورصات والعملات التبادلية بالنقد الامبريالي... الخ(1).‏

وعموماً يرتبط النظام الاقتصادي العالمي الراهن بالاستعمار الجديد ارتباطاً مطلقاً، ولا سيما في المجالات المالية والتقنية والتجارية. وفي هذا الصدد يؤكد أغلب الخبراء المختصين: "أن النظام الاقتصادي العالمي الحالي، هو أبرز تجليات الاستعمار الجديد، بل أنّه الأساس المادي لهذا الاستعمار"(2).‏

ويتفرع من النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي كل الأنظمة العالمية الأخرى، كالنظام النقدي الدولي، والنظام التجاري الدولي، والعلاقات الاقتصادية الدولية، والنظام الإعلامي الدولي، وحتى العلاقات السياسية والقانونية الدولية. وهي جميعها أنظمة وصيغ استغلالية ترسخت وتوطدت عبر مختلف الأساليب والارتباطات، التي من شأنها تأييد تبعية العالم الثالث للدول الرأسمالية، وتعزيز هيمنة المراكز الامبريالية على العالم والتحكم المطلق بمصيره. والواقع أن النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي هو من الشمول بحيث لا توجد دولة من الدول النامية خارج نطاق هيمنة هذا النظام والوقوع خارج تأثيراته المختلفة. وإذا شبهنا الدول الرأسمالية الغربية (المتروبولات السابقة) بمركز النظام الاقتصادي الدولي، فإن دول العالم الثالث، هي أطرافه المستغلة وريفه المهمل باستثناء ما يخدم النهب والاستغلال الواسعين من طرف المصالح الاحتكارية العالمية.‏

وتمثل الشركات الاحتكارية العالمية أو الشركات المتعددة الجنسية قلب ذلك النظام الاستغلالي وشرايينه المغذية، الداعمة. فالشركات المذكورة هي أبرز آليات الاستعمار الجديد، التي تشرف على قيادة النظام الاقتصادي العالمي، وتحتكر التجارة الدولية والتقنيات الحديثة، وتتحكم في مصادر السيولة النقدية، وتسيطر على وسائل الاتصال والإعلام وتصنع الثقافة، بل أنها -كما يقول هربرت شيللر-: "تطوّع الشعوب وتتلاعب بالعقول.."(3).‏

لقد استطاعت هذه الشركات الاحتكارية العملاقة بأساليبها المختلفة أن تحول اقتصادات العالم الثالث إلى فريسة سهلة لابتزاز أقصى الأرباح حيث بلغ اجمالي ما استنزفته في الربع الأخير من عقد الثمانينات 140 ألف مليون دولار(4).‏

وتلجأ الشركات الاحتكارية الكبرى إلى اتباع كل الوسائل والحيل الشيطانية -القذرة بما فيها التزييف والافساد وتقديم الرشاوي الضخمة للزعماء ولجان التعاقد المالية -التجارية، كما أنّها تهندس الانقلابات وتموّل الحركات الانفصالية أو تشجعها، لكي تضمن لنفسها استمرار النهب الفظيع لموارد البلدان الأكثر تخلفاً (اقتصادياً وتقنياً)، وتؤمّن بهذه الأساليب المعقدة ترسيخ هيمنتها على الاقتصاد الدولي وما يتفرع عنه أو يرتبط به. إن امتلاك هذه الشركات للسيولة النقدية الجبارة، والقدرات التنظيمية العالية وللتقنيات الأكثر حداثة وإنتاجية وإغراء والخبرة بالأسواق المالية والتجارة الدولية وبالأوضاع الاجتماعية والتركيبة الاثنية والقومية والدينية والسياسية القائمة في بلدان العالم.. الخ- كل ذلك جعل منها قوة سياسية واقتصادية ودعائية -إعلامية تفوق قوة كثير من البلدان النامية، التي تعمل تلك الشركات على أراضيها ويُفْتَرض خضوعها (أي الشركات) لرقابة تلك الدول وتقيدها بأنظمتها واحترامها لسيادتها التامة على ثرواتها ومواردها. إلا أن ما يحصل يخالف ذلك تماماً، ونحن لسنا بصدد التوقف عند هذه المسألة الخطيرة فعلاً، حيث أن موضوع بحثنا هنا يدور حول مشكلة أخرى. ولكن ما نريد الإشارة إليه في هذا السياق هو الارتباط العضوي التام بين النظام الاقتصادي العالمي والاستعمار الجديد والشركات متعددة الجنسية أو عابرة القوميات. وهذا النموذج من الاتحادات الرأسمالية الدولية الاحتكارية يشكّل ظاهرة أمريكية مرتبطة تاريخياً وبنيوياً بالتنامي الهائل للقوة الأمريكية- اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً وإعلامياً وعلمياً وتقنياً ودبلوماسياً. وحول هذه المسألة يقول بول سويزي: "إنّ الشركات المتعددة الجنسية هي من النتاجات ومن الشروط الضرورية للطريقة التي تطورت بها الامبريالية في المرحلة التاريخية المعاصرة. فهذه الشركات هي في الأساس أداة أمريكية تهدف إلى تعزيز هيمنة الولايات المتحدة على الدول الرأسمالية، وكذلك على المُستَعْمَرات والمْسْتَعَمرات الجديدة التابعة والواقعة في أطراف النظام الاقتصادي العالمي(5). وتشير كل الدلائل إلى استمرار وتصاعد القوة الاحتكارية لهذه الشركات وتزايد سيطرتها على النظام الاقتصادي العالمي، فقد أصبحت من الضخامة والشمولية بحيث أنها تحتكر اليوم 50% من إجمالي الأرصدة والاستثمارات الثابتة في العالم، بالإضافة إلى 50% من مجمل الإنتاج العالمي حالياً، كما أن التجارة الدولية هي اليوم تجارة داخلية فيما بين هذه الشركات(6).‏

لهذا، فإن المطالبة بإقامة نظام اقتصادي عالمي جديد لا بدّ أن ترتبط بالكفاح الفعلي ضد أساليب وأشكال وأنظمة الاستعمار الجديد كافة. ذلك أن أغلبية بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية بلدان تابعة للاقتصاد الرأسمالية العالمية، وتعاني من الاستعمار الجديد بصورة أو بأخرى. حيث أن مشاريعها الكبيرة والقسم الأعظم من ثرواتها الوطنية تقع في أيدي الاحتكارات الأجنبية، التي تحقق عبر هذا الأسلوب الاستغلالي "المتطور" أرباحاً هائلة على حساب البلدان النامية. ولا بدّ من الإشارة في هذا السياق إلى ما يسّمى بـ "المساعدات"، التي تقدمها الدول الرأسمالية إلى البلدان الفقيرة أو المفُقرة، وهي "مساعدات" تهدف أساساً إلى فرض معاهدات واتفاقات مع تلك البلدان لإحكام تبعيتها، وحفاظ الاحتكارات الأجنبية والدول الإمبريالية على مواقعها المؤثّرة، ولا سيّما في المجالين الاقتصادي والسياسي. ومن ثم اخضاع عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتوجهات البلاد -السياسية والأيديولوجية- لسياسة تلك الاحتكارات، أي لسياسة الدول الإمبريالية الاستعمارية الجديدة، المسؤولة عن الخلل الخطير، الحاصل في مجمل العلاقات الدولية، المرتبطة مع البنية المختلة للنظام الاقتصادي العالمي، التي تكافح الشعوب لتغييرها وتعديلها، لتصبح متوازنة عادلة، متكافئة.‏

2-مفهوم النظام الاقتصادي العالمي الجديد:‏

يُطلَق اصطلاح النظام الاقتصادي العالمي الجديد على مجموعة المطالب العادلة، التي ترفعها البلاد النامية لإعادة بناء العلاقات الاقتصادية الدولية على أسس جديدة، أو "البيريسترويكا" في مجال الاقتصاد العالمي. وهذه الفكرة هي ثمرة للأوضاع المختلة في العلاقات الاقتصادية الدولية، التي أثمرت الأوضاع الاقتصادية المتدهورة والخطيرة في البلدان النامية، أو التي تتوهم أنها تنمو في ظل الخلل الهيكلي القائم في النظام الاقتصادي العالمي الحاضر. وتقوم فكرة "البيريسترويكا" في الاقتصاد الدولي على مبادئ المساواة واحترام سيادة الدول ضمن العلاقات الدولية -الاقتصادية والسياسية، وحق تقرير السيادة الوطنية التامة على موارد البلاد، والرقابة الفعالة لتلك الدول على ثرواتها ومقدراتها الاقتصادية المختلفة. ويدخل في إطار المطالب المذكورة: إلغاء ديون الدول الأكثر فقراً في العالم، وتخفيف الشروط المجحفة للقروض المقُدّمة، والفوائد الهائلة المترتبة على تلك القروض. وتطرح البلدان النامية مطلباً آخر، يتجلى في ترتيب نظام متطور لنقل التكنولوجيا المتقدّمة إليها، وضرورة تنفيذ إصلاحات جذرية في النظام النقدي الدولي وما يتفرّع عنه من مشكلات للدول النامية. ومن أهداف النظام الاقتصادي المأمول- منح البلدان النامية الحق السياسي والإداري والقانوني لفرض رقابتها التامة على جميع النشاطات، التي تمارسها الشركات متعدّدة الجنسية فوق أراضي البلدان المذكورة، بما في ذلك الحق في طرد الشركات الأجنبية- الاحتكارية وتأميمها. ومن مطالب الدول النامية في هذا المجال- ضرورة الحصول على حصة معقول من الأرباح الخيالية -الضخمة، التي تنهبها الشركات الرأسمالية نتيجة لمشاريعها المربحة للغاية، سواء بسبب رخص العمالة في البلدان النامية أو لتدني أسعار المواد الطبيعية (أو لكلا السببين عادة). وبسبب الشروط غير المتكافئة، التي تتضمنها العقود الموقّعة مع حكومات العالم الثالث، وبخاصة "الملاحق" السرية لتلك العقود(7).‏

3-كفاح البلدان النامية لإقامة النظام الجديد:‏

لا شك أن انحسار الاستعمار الأوروبي المباشر، وتزايد عدد الدول التي حصلت على استقلالها الوطني في العقود الخمسة الأخيرة من هذا القرن، وتنامي دورها في المحافل الدولية، قد حوّلها إلى كتلة شبه متفاهمة، إذ تعاني من المشكلات ذاتها ومن العدو نفسه، ولهذا التقت في كثير من المواقف والتوجهات والتطلعات إزاء القضايا الدولية وتجاه العلاقات الاقتصادية العالمية القائمة ذات السمات غير الحرّة وغير العادلة في ظل البنية الاقتصادية -العلمية والتقنية المختلة دولياً. ومن الطبيعي أن المرحلة الأولى من الاستقلال الوطني كانت مرحلة حماس شعبي ونهوض وطني عارم ترافق بجملة من الإجراءات، الهادفة لإقامة نوع من الاقتصاد الوطني المستقل نسبياً عن المتروبولات (الدول الاستعمارية) فتركزت جهود الدول حديثاً على تأميم ملكية الإدارات الاستعمارية الراحلة، وبناء مؤسسات اقتصادية وطنية بسيطة، ووضع اللبنات الأولى لملكية الدولة، وإقامة بعض أشكال الرقابة على رؤوس الأموال الأجنبية. وترافق ذلك كله بنشوء الأحزاب والمنظمات الجماهيرية، ذات الأهداف والتوجهات الوطنية التحررية والاشتراكية المعادية للإمبريالية والتبعية والاستغلال الداخلي والخارجي. وإذا كانت إجراءات التحرر الاقتصادي والثقافي والسياسي تتفاوت في جدواها ونجاحاتها من بلد إلى آخر تبعاً لظروف كفاحه الوطني ونوعية القوى التي تقوده وفق أوضاعه الاجتماعية والسياسية والثقافية، إلاّ أن تلك التحوّلات والقرارات والبرامج كانت تصب في هدف عام، يتمثل في السعي لترسيخ أسس الاستقلال الوطني لأبعد مدىً ممكن، ومحاولة تثبيت الشخصية الوطنية بأقل ما يمكن من الارتباطات بمراكز الهيمنة الرأسمالية- الاستعمارية الجديدة. وتنفيذاً لتلك المساعي استطاعت البلدان المستقلة حديثاً أن تجمع شتاتها وتؤطّر نفسها تنظيماً في مؤتمر "باندونغ" باندونيسيا في عام 1955. وقد اشتركت في هذا المؤتمر التأسيسي لدول عدم الانحياز تسع وعشرون دولة افريقيا وآسيوية، اتفقت جميعها على ضرورة التضامن والتعاون فيما بينها، لتعزيز نضالات شعوبها من أجل نيل الاستقلال وتصفية الاستعمار، والأهم من ذلك كله -من أجل تغيير طبيعة العلاقات الدولية المعاصرة(8). وكانت هذه أول مساهمة مشتركة في فكرة تغيير العلاقات الدولية القائمة والنضال الجماعي من أجل بلوغها وكان مؤتمر "باندونغ" بمثابة المؤتمر التأسيسي لمجموعة "دول السبع والسبعين"، ومنظمة التضامن الآفرو- آسيوي، ومجموعة دول عدم الانحياز، التي تضم حالياً مئة وثلاثين بلداً، توحّدها التطلعات المشروعات المشتركة لتجاوز وضعية التبعية للغرب، وعدم الانخراط في المحاور والأحلاف العسكرية، والنضال الدائم للتخلص من حالة الارتهان والتبعية والهامشية في العلاقات الاقتصادية والسياسية غير السليمة، الناتجة أساساً عن الأوضاع غير المتكافئة في النظام الرأسمالي العالمي. وقد ترافق ذلك مع حدوث اضطرابات بنيوية عميقة في النظام الاقتصادي والنقدي العالمي في عقد الستينات، مما أثّر بشكل خطير في اقتصادات البلدان النامية، فتعمقت الفجوة الكبيرة القائمة بين الدول الصناعية (الرأسمالية) وبين الدول النامية، أو المتخلفة في المجالات الصناعية والعلمية والتقنية.. الخ. وقد أعطت هذه المستجدات المصداقية والمشروعية لتقوم المجموعة المتضررة (مجموعة الدول النامية أو دول الجنوب) بعقد مؤتمر نوعي يخصص لدراسة الخلل البنيوي، الذي يعاني منه النظام الاقتصادي العالمي الحالي. ويُعَدّ مؤتمر القاهرة المنعقد في عام 1963، والذي اشتركت فيه ست وثلاثون دولة افريقية وآسيوية وأمريكية لاتينية الخطوة الرسمية الأولى في طريق العمل المنظم للكفاح من أجل إعادة النظر في العلاقات الاقتصادية الدولية المختلة، واستجابت هيئة الأمم المتحدة لهذه الدعوات الملْحة، وعُقد اللقاء الأول لمنظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (اليونكتاد) في جنيف سنة 1964. وقد تحولت هذه المنظمة الدولية ومنظمات متخصصة إلى منتديات عالمية لطرح أفكار ومفاهيم جديدة، تطالب بتطبيق المساواة التامة، وتحقيق الاستقلال الوطني الناجز وعدم الاكتفاء بالاستقلال الشكلي، المتمثل عادة في تأليف حكومة محلية ورفع العلم الوطني وحسب. لقد عملت المنظمة الدولية للتجارة والتنمية (يونكتاد) خلال العقود الثلاثة الماضية على إيجاد الحلول (أو بالأصح اقتراحها) لمشكلات التجارة والتنمية في العالم عن طريق الدراسات التحليلية والبحوث الميدانية، وعن طريق النقاش والحوار بين خبراء العالم، وكانت بالتالي منبعاً متجدداً للأفكار الجديدة، وساهمت بصورة قيّمة في إغناء الفكر الاقتصادي -السياسي بأطروحات علمية وحلول واقعية متطورة. وفي هذا السياق لا بدّ من الإشارة الخاطفة إلى مؤتمرات المنظمة الدولية للتجارة والتنمية (اليونكتاد)، التي عقدت في كل من نيودلهي 1968، وسانتياغو 1972، ونيروبي 1976، ومانيلا 1979، وبلغراد 1983، وأخيراً في جنيف سنة 1987. وقد تميزت هذه المرحلة بالتركيز على وضع برامج محددة وإقرار وثائق دولية كثيرة حول إقامة النظام الاقتصادي الدولي الجديد. كما خصصت مجموعة الدول غير المنحازة عدداً من مؤتمرات القمة لمناقشة القضايا الاقتصادية والتجارية الدولية. وكذلك ساهمت المجموعة المذكورة في دفع الأمم المتحدة كي تتبنى بصورة رسمية موضوع إقامة نظام اقتصادي دولي جديد. ولهذه الغاية عقدت الجمعية العمومية لهيئة الأمم المتحدة دورتين استثنائيتين (السادسة في عام 1974، والسابعة في عام 1975) لمناقشة مشكلات التنمية والتجارة الدولية، ولتداول المقترحات الكفيلة بإقامة النظام الاقتصادي الدولي الجديد. ويهمنا أن نشير هنا، إلى أنه قد صدر عن هاتين الدورتين ميثاق الأمم المتحدة بشأن الحقوق السياسية والاقتصادية لدول العالم، كما صدر عنهما الإعلان التالي: "التصميم الموحد على العمل من أجل إقامة نظام اقتصادي دولي جديد، قائم على الانصاف والمساواة بين جميع الدول في السياق، وعلى ترابطها واشتراكها بمصالحها، وتعاملها بصرف النظر عن نظمها الاقتصادية والاجتماعية، ويكون من شأنه تصحيح التفاوت ومعالجة مظاهر الظلم القائمة، ويجعل من الممكن تصفية الهوّة المتسعة بين البلدان المتقدمة والبلدان النامية، ويؤمّن التنمية الاقتصادية والاجتماعية العاجلة، ويحقّق السلم والعدل للأجيال الحاضرة والمقبلة"(9).‏

4-الحوار بين الشمال والجنوب لتصحيح النظام الاقتصادي العالمي:‏

لقد أقرّ إعلانُ الأمم المتحدة لعام 1974 مبدأ المساواة في النظام الاقتصادي العالمي الجديد، والذي جاء فيه: "نحن نعلن عن قرارنا بالعمل على إقامة النظام العالمي على أساس من العدالة والمساواة والتكامل والمنفعة المشتركة والتعاون بين جميع الدول..."(10) لكنّ الواقع الفعلي لعالمنا اليوم يجسّد التباينات العميقة والمتصاعدة بين الدول الصناعية الغربية (الرأسمالية) المتطورة، أي دول الشمال وبين الدول النامية، دول الجنوب. وتشمل هذه التباينات الواسعة المجالات كلها، كالاقتصادية والاجتماعية والثقافية والديموغرافية والعلمية والتقنية.. الخ، وللتدليل على صحة ذلك، يكفي أن نورد بعض إحصائيات البنك الدولي في أواسط السبعينات، والتي تُظهر أن عدد سكان العالم بلغ في ذلك الوقت حوالي 4 مليارات نسمة، وأن الناتج الاجمالي العالمي قد وصل إلى ما يعادل 6000 مليار، تتوزع على النحو التالي:‏

-مليار نسمة في 28 بلداً فقيراً كان ناتجهم القومي الاجمالي في حدود 130مليار دولار، أي بمعدل 130دولاراً للفرد الواحد سنوياً.‏

-نصف مليار نسمة في 25 بلداً غنياً كان ناتجهم القومي الاجمالي في حدود 2876 مليار دولار، أي ما يعادل 6000 دولار للفرد الواحد سنوياً.‏

-1.3 مليار نسمة في 40 بلداً كان ناتجهم القومي الاجمالي في حدود 500 مليار دولار، أي ما يعادل 375دولاراً للفرد الواحد سنوياً.‏

-576 مليون نسمة في 59بلداً كان ناتجهم القومي الاجمالي في حدود 600 مليار دولار، أي ما يعادل 1000 دولار للفرد الواحد سنوياً.‏

-650مليون نسمة في 30 بلداً كان ناتجهم القومي الاجمالي في حدود 2000 مليار دولار، أي ما يزيد عن 3000دولار للفرد الواحد سنوياً.‏

وإذا تم تقسيم العالم إلى مجموعتين اقتصاديتين بناء على المعطيات السابقة، لتبين أن الدخل الوسطي للفرد بالنسبة للمجموعة الأكبر وتّعد حوالي 3مليارات نسمة في منتصف السبعينات هو في حدود 400دولار سنوياً، وأنّ الدخل الوسطي للفرد، بالنسبة لمجموعة الدول الصناعية وتعد حوالي 1 مليار نسمة، هو في حدود 6000دولار سنوياً.‏

إن الفارق الاقتصادي بين المجموعتين هو بنسبة 1 إلى 15، وهو الفارق الذي أطلق عليه الاقتصاديون تسمية "الهوّة العالمية بين المداخيل". والواقع أن الهوة بين المداخيل تتسع باستمرار. فقد كان متوسط الدخل الفردي في البلاد الصناعية عام 1950 في حدود 2000 دولار سنوياً، فأصبح في حدود 6000دولار في عام 1975. بينما ارتفع الدخل الوسطي للفرد في البلاد النامية في الفترة نفسها من 175 دولاراً إلى 400دولار. وهذا يعني أن متوسط دخل الفرد في البلاد المتطورة كان أكثر بحوالي 11 مرة من مثيله في البلاد النامية في الخمسينات فأصبح 15 مرة أكثر منه في منتصف السبعينات(11).‏

وقد أثبت النظام الاقتصادي العالمي بأن الإعلانات والبيانات المُدبّجة لم تؤدِ إلى تضييق الهوة القائمة والمتزايدة بين المجموعتين، وأنّ العلاقات الاقتصادية الدولية هي سبب ونتيجة للظلم والاستغلال والتبعية. لأن مبادئ وقوانين وأنماط التجارة العالمية غير المتكافئة كانت وما زالت تخدم أغراض الدول الإمبريالية مصالح الاحتكارات الكبرى، التابعة لها أو المشاركة معها. فمنذ مطلع الخمسينات وحتى انعقاد المؤتمر الأولى للتجارة والتنمية تعرضت البلاد النامية إلى مشكلات اقتصادية وتجارية ونقدية لا حصر لها، مثل: انخفاض قيمة صادراتها، تصاعد الحماية والقيود الغربية على الحاصلات التي تنتجها (البلدان النامية)، انخفاض مستوردات السوق الأوروبية المشتركة من المنتجات الأساسية التي تصدّرها البلدان النامية، ارتفاع أسعار المواد الزراعية وأسعار الخامات المعدنية بصورة متعمّدة، عدم مقدرة البلدان النامية على تغيير أنماط اقتصادها وأساليبها التجارية لتتكيف مع تقلبات الطلب العالمي، المحكوم بخطط البلدان الصناعية المتطورة والشركات الاحتكارية العالمية(12).‏

وعلى الصعيد الدولي كانت الدول النامية تعمل على إثارة تلك المشكلات سعياً منها لتصحيح الاختلالات الهائلة الموجودة في النظام الاقتصادي الدولي السائد، والذي تهيمن من خلاله الدول الرأسمالية على مُقدّرات التجارة الدولية، ولكن دون أن تلقى آذاناً صاغية. ومنذ آب 1971 اتخذت الحكومة الأمريكية قراراتها الشهيرة بإلغاء إمكانية تحويل الدولار إلى ذهب، وبفرض ضريبة إضافية تقدر بحوالي 10% على المستوردات. أي أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تعد ملتزمة بالنظام النقدي الذي وضعته الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. وبعبارة أخرى فإن "الحكومة الأمريكية لم تتقيد بالقانون الدولي، أي أنها قرّرت التخلّص من التزاماتها الدولية بصورة افرادية دون الرجوع إلى الدول الأخرى، التي التزمت معها بالاتفاقيات المذكورة"(13).‏

ولهذا يمكن القول إنّ الاقتصاد العالمي يمرّ منذ آب 1971 بانهيار في نظامه النقدي. مما اضطر الدول النامية إلى تقديم مشروع إعلان للدورة الحادية عشرة لمجلس التجارة والتنمية توضح فيه موقفها من الأزمة النقدية الراهنة ومدى تأثر اقتصاداتها بها، وجاء في المشروع ما يلي: "إن البلاد النامية تشعر بقلق كبير من جراء الأزمة النقدية الراهنة ومن مظاهر البلبلة التي سادت النظام النقدي العالمي.. وقد زادت الإجراءات الفردية التي اتخذتها الولايات المتحدة الأمريكية بتاريخ 15/8/1971 من المصاعب التي تواجهها. إن إيقاف العمل بتحويل الدولار، بالإضافة إلى إجراءات تعويم عملات الدول المتطورة، خلق حالة من الفوضى والقلق بالنسبة لاحتياطات البلاد النامية وبالنسبة لأرباحها من الصادرات.. إن مصالح البلاد النامية لا تقلّ أهمية عن مصالح البلاد المتطورة في ضمان وجود نظام نقدي عالمي مستقر. ولذا لا يجوز تقرير أسس مثل هذا النظام في نطاق عدد محدود من الدول المتقدمة وبمعزل عن الدول النامية.. إنّ النظام النقدي الحالي قد وُضع في الماضي لتأمين حاجات الدول المتطورة الغنية، ويجب عند إقرار النظام الجديد، أخذ المفهوم الديناميكي الأوسع للتجارة العالمية الشاملة بعين الاعتبار، وعلى أساس تقسيم العمل بين الدول المتطورة والدول النامية..."(14).‏

وحرصاً من الدول النفطية على تقوية مركزها التفاوضي أمام الأخطار السالفة الذكر، اتفقت فيما بينها على عقد اجتماعات دورية لمتابعة تطورات الأزمة النقدية الدولية، والمسائل المرتبطة بأسعار صادراتها النفطية، وكذلك أسعار السلع والآليات والتجهيزات، المستوردة من الدول الصناعية، وكيفية المحافظة على قيمة احتياطاتها المالية في ضوء تخفيض العملات الغربية وتعويمها.‏

قد أدّت حرب تشرين التي اشتعلت في تشرين الأول من سنة 1973 إلى فرض الحظر النفطي وإلى رفع أسعار النفط الخام من 3 دولارات للبرميل الواحد إلى 11 دولاراً. وللمرة الأولى بدأت الدول الصناعية تشعر بالأزمة، أزمة ارتفاع قيمة مستورداتها النفطية من جهة، وأزمة الطاقة من جهة أخرى.‏

وأمام هذه الأخطار أسرعت الدول الصناعية إلى تلبية دعوة الرئيس الأمريكي لعقد اجتماع بتاريخ شباط 1974 لدراسة الأوضاع النفطية العالمية، ولتكتيل الدول المستهلكة للنفط ومواجهة الدول المصدرة للنفط. وكان البند الأساسي في ذلك الاجتماع يتركز حول تقييد الدول المنتجة بالكميات التي تحدّدها الدول الصناعية الكبرى، وتحديد أسعار شراء النفط وفق المصالح الغربية.‏

وقد اضطرت الدول المستهلكة، وأكثريتها من عداد الدول العظمى، إلى المطالبة بإجراء مفاوضات ثنائية أو جماعية لتأمين حاجاتها النفطية. وتوحيد وجهات نظرها وإيجاد الحلول العملية للمشكلة، ولا سيّما من حيث التموّن بالطاقة على الأمد البعيد.‏

ولا شكّ أن الشعوب على اختلاف مستويات تطوّرها الاقتصادي والعلمي والصناعي.. الخ، أدركت الحجم الكارثي للأزمة الاقتصادية الدولية وتوصلّت إلى الاستنتاج بأنّ الجهود العملية المشتركة والصادقة، هي وحدها الكفيلة بحل الأزمات الاقتصادية الدولية والسيطرة على ما يطرأ من مشكلات واضطرابات بيئية أو نقدية أو نفطية. وانطلاقاً من الخلل الحاصل في النظام الاقتصادي العالمي صرّح الأمين العام للأمم المتحدة في عام 1975 بالقول: "من الواضح أن النظام الدولي للعلاقات الاقتصادية والتجارة، الذي أُنشيء قبل ثلاثين عاماً غير ملائم اليوم لحاجات المجتمع الدولي في جملته. وكان هذا النظام مُتّهماً فيما مضى بأنه يسير سيراً حسناً لصالح الأغنياء وضدّ الفقراء. ولم يعُدْ بوسعنا الآن حتّى القول بأنه يعمل لصالح الأغنياء"(15).‏

إذاً أحدثت عملية رفع أسعار النفط وما استتبعها من أزمة في تأمين الطاقة هزّة قويّة في الدول الصناعية، التي اضطرت للموافقة على عقد مؤتمر دولي لبحث شؤون الطاقة والمواد الأولية إضافة إلى المشاكل النقدية وديون الدول النامية، والضرورة القصوى لفتح الحوار الدائم والمباشر بين مجموعة الدول الصناعية. أي دول الشمال ومجموعة الدول النامية أي دول الجنوب.‏

وعُقد الاجتماع التمهيدي بباريس في نيسان عام 1975 للتحضير "لمؤتمر التعاون الاقتصادي الدولي". وقد دعي إلى حضور المؤتمر ممثلو الدول المنتجة، وهي الجزائر والمملكة العربية السعودية وإيران وفنزويلا وممثلو الدول المستهلكة وهي الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية والبرازيل والهند بالإضافة إلى عدد من المنظمات الدولية.‏

وبغية الإبقاء على النظام الاقتصادي العالمي بالشكل والمضمون الملائمين لها أصرّت الولايات المتحدة الأمريكية على بحث مشاكل الطاقة حصراً، بينما كانت الدول النامية تطالب ببحث الأزمة الاقتصادية والنقدية برمتها. وهكذا فقد دار الخلاف حول جدول الأعمال، وانهارت في الواقع المحادثات التمهيدية بين مندوبي المجموعتين المتعارضتين، الذين لم يتفقوا على النقاط التي يتوجب بحثها في المؤتمر المنوي عقده. ويمكن القول بأن الفشل حصل بسبب إصرار الدول الصناعية وعلى رأسها الولايات المتحدة على أن يقتصر المؤتمر على البحث في المشكلات المتعلقة بالطاقة، مع أن ممثلي الطرفين أكدوا في النهاية على أن الاتصالات ستستمر (عبر القنوات الدبلوماسية).‏

ونتيجة للجهود الكبيرة التي بذلتها الحكومة الفرنسية لمواصلة الحوار بين الدول الصناعية والدول النامية انعقد "الاجتماع التمهيدي لمؤتمر التعاون الاقتصادي الدولي" في باريس بين 15و 17 تشرين الأول 1975، وأقرّ المقترحات الواردة في مذكرة الحكومة الفرنسية، وتحديد تاريخ اجتماع المؤتمر الوزاري الأول بتاريخ 16 كانون الأول 1975 بحضور 27 دولة معينّة، منها 19 دولة نامية و8 دول صناعية. كما حُدّدت موضوعات النقاش ومراحل الحوار ومستوياته والمدة التي سيستغرقها المؤتمر.‏

ونحن بصدد الحديث عن الخلل القائم في هيكلية النظام الاقتصادي العالمي، لا بد أن نشير بصورة خاصة إلى النظرتين المتعارضتين، اللتين برزتا في ورقتي العمل المقترحتين من ممثلي الدول النامية وممثلي الولايات المتحدة الأمريكية في الاجتماع التحضيري المذكور. فقد ألحت الوثيقة التي تقدّمت بها المجموعة المُمَثّلة للدول النامية على بحث المسائل التالية:‏

1-ضرورة بحث شروط العرض والطلب للطاقة وتطورهما، وكذلك حماية القوة الشرائية لموارد تصدير الطاقة.‏

2-يتوجب بحث شروط وتطور العرض والطلب للمواد الأوليّة، انطلاقاً من حاجات التنمية في البلدان غير الصناعية، والتعاون معها لحماية موادها المُصَدّرة.‏

3-لا بدّ من بحث شروط التبادل التجاري وتسريع عملية التصنيع ونقل التكنولوجيا وتطوير الزراعة والبُنى الهيكلية للتنمية ومشاكل التزوّد بالمنتجات الغذائية والأسمدة الكيماوية.‏

4-ضرورة دراسة الأوجه المختلفة للمشكلات النقدية العالمية، ودراسة أوجه التعاون والتوظيفات المالية وحركة الرساميل والاستثمارات في البلدان الصناعية، نوالعمل على حماية قيمة الموجودات والودائع المالية.‏

في حين أن ورقة العمل الأمريكية أكّدت على ضرورة دراسة اللجان المتخصصة للأمور التالية:‏

1-ضرورة البحث المفصل لأسعار النفط وعلاقتها بالعرض والطلب على المدى البعيد، وتأمين تزويد الأسواق (الصناعية بالدرجة الأولى) بالنفط ومشتقاته بشكل دائم.‏

2-بحث المشكلات الناجمة عن حالات العجز المُزمن في موازين مدفوعات البلدان النامية والمساعدات المالية، والقروض والاستثمارات الدولية والاتفاقات المتعلقة بالتكنولوجيا، وضمانات الرساميل الممكن استثمارها وتوظيفها في أسواق البلدان النامية للمساهمة في تسريع وتائر التنمية.‏

3-وجوب بحث تحسين الانتاج الزراعي والغذائي من خلال زيادة القدرة الإنتاجية، والمساعدة الغذائية، وتحسين التنمية بتوسيع إمكانات التبادل التجاري بين البلدان الصناعية والبلدان النامية.‏

4-يتوجب بحث المسائل المتعلقة بالانعكاسات المالية لأسعار الطاقة وشروط الاستثمارات الدولية، بما في ذلك استثمار الفوائض الناتجة عن مبيعات النفط، والانعكاسات المالية للاتفاقات المتعلقة بالمنتجات الأساسية واستقرار التصدير(16).‏

ورغم مناورات الحكومة الأمريكية ومراوغاتها، الهادفة لكسب الوقت وإضعاف وحدة قرار الدول النامية وخلق تناقضات في مواقفها، انعقد المؤتمر على المستوى الوزاري بين 16-19 كانون الأول لعام 1975. وقد حضر المؤتمر، كما كان مُقرّراً، ممثلو سبع وعشرين دولة من الجانبين (الشمال والجنوب). وبعد الاجتماع الافتتاحي، الذي ألقى فيه الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان كلمة ترحيبية، أكدَ المجتمعون بأن المؤتمر سيكرس قسماً من مناقشاته لمعالجة المشكلات الاقتصادية الدولية، ولمناقشة السبل الكفيلة بدعم التعاون الاقتصادي الدولي مع مراعاة مصالح جميع الشعوب. وتشكلت بقرار من المؤتمر أربع لجان عمل متخصصة لمواصلة الحوار حول القضايا الأساسية، وهي: لجنة الطاقة، لجنة المواد الأولية والتجارة، لجنة التنمية، لجنة الشؤون المالية. ويهمنا التأكيد هنا على حقيقة أن التوصيات التي اتخذتها تلك اللجان بعد مناقشات مستفيضة دامت حوالي عامين، هي توصيات عامة لا تقيّد الدول الرأسمالية المتطورة بالتزامات محددة وعملية. والملاحظ أن التعهدات التي قدمها مندوبو الدول الصناعية تنحصر في مساعدة الدول النامية لحل الآني والعادل من مشكلاتها الضخمة، دون دراسة جدية لقضايا التنمية الفعلية الشاملة فيها. فالمعروف مثلاً أن البلدن النامية تعاني من ضخامة مديونياتها للبلدان الرأسمالية، ولهذا ألّح ممثلوها (ممثلو الدول النامية) على جملة من الإجراءات العملية المطلوب تنفيذها من قبل الدول الدائنة، مثل- تأجيل سداد الديوان التجارية لمدة 25 عاماً، وتقديم التسهيلات التي تُمكّن الدول النامية من دفع ديونها بإشراف صندوق النقد الدولي، واعتبار أن إعادة النظر في الديون يجب ألاّ تتضارب وتتناقض مع استراتيجيّة الدول للتنمية ومع الأهداف الاجتماعية والاقتصادية وأولويات خطط التنمية.‏

ونظراً للدور الخطير الذي تقوم به الشركات المتعددة الجنسية في الخلل الهيكلي الحاصل في النظام الاقتصادي الدولي (نظام التابع والمتبوع)، فقد ألحت الدول النامية على ضرورة اعتماد نظام دولي للشركات المذكورة لا يتعارض مع مصالح البلدان النامية، وينسجم مع المبادئ التي أقرّتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في توصياتها الخاصة بإقامة نظام اقتصادي عالمي جديد، وباحترام حق كل دولة في ممارسة سيادتها الكاملة على ثرواتها ومواردها الطبيعة وأنشطتها الاقتصادية، وفي مراقبة نشاطات وتحركات الشركات الدولية العاملة على أرضها، واعتماد القواعد المناسبة لمكافحة الاستغلال على صعيد التجارة العالمية(17).‏

وأخيراً وبعد أن انتهت اللجان الأربع من جلساتها الطويلة والمكثفة انعقد المؤتمر الوزاري الختامي فيما بين 30 أيار و2 حزيران من عام 1977، حيث أكّد جميع الأعضاء في الاجتماع الوزاري أنّ المؤتمر قد بحث عدداً من الأمور الهامة في المجالات الاقتصادية الخاصة بالطاقة والمواد الأولية والتنمية والشؤون المالية، وأكثرها على صلة مباشرة بالبلدان النامية، ولا سيّما أكثرها فقراً. واعترف المؤتمرون بأنه "كان على المؤتمر أن يهدف إلى إعداد مقترحات ملموسة وأكثر واقعية، وذلك ضمن إطار برنامج عام للتعاون الاقتصادي الدولي، الذي يجب أن يتضمن الاتفاقيات والقرارات والتعهدات والتوصيات اللازمة".‏

كما اعترف البيان الختامي في نهاية أعمال المؤتمر بأنّ الأطراف المجتمعة لم تتوصل إلى أي اتفاق حول عدد من الأمور والإجراءات، منها، أن المؤتمر لم يتوصل إلى أي اتفاق حول عدد من الأمور الهامة في مجال الطاقة، كتحديد الأسعار وتثبيت القوة الشرائية لموارد تصدير الطاقة، والتراكمات النفطية، والمساعدات المالية المتعلقة بحل مشاكل المدفوعات الخارجية للبلاد المستوردة للنفط وحول متابعة المشاورات المتعلقة بمسائل الطاقة مستقبلاً.‏

وكذلك لم يتوصل المؤتمر في مجال المواد الأولية والتبادل التجاري إلى أي اتفاق حول عدد من الأمور التي تهم الدول النامية، مثل: 1-تثبيت القوّة الشرائية لأسعار صادراتها، 2-الإجراءات المتعلقة بالنمو التعويضي، 3-مشاكل التحويل الصناعي المحلي والتنويع، 4-زيادة الاستثمارات في مجال المواد الأوليّة، 5-الوسائل الكفيلة بحماية مصالح البلدان النامية التي قد تتأثر سلبياً من تطبيق برنامج التكامل الاقتصادي- 6-العلاقة بين هذا البرنامج والنظام الاقتصادي العالمي الجديد، 7-شروط التزوّد بالمواد الأولية وغير ذلك من الأمور والمسائل الخاصة بتنظيم العمل في مجال المواد الأولية والتبادل التجاري.‏

ولم يتوصل المؤتمر إلى أي اتفاق حول تسوية المشكلات المتعلقة بمديونية الدول النامية، وحول الدخول إلى أسواق الدول المُصنّعة وحول أوضاع الشركات المتعددة الجنسية. وكذلك حول إجراءات مكافحة التضخّم وموجودات البلدان النفطية من الأموال والاحتياطات النقدية.‏

لقد أسفرت أعمال المؤتمر التي استمرت قرابة عامين عن تعارض واضح -إنْ لم نقل عن تصادم كبير- ما بين مصالح البلدان الرأسمالية المتقدمة ومصالح البلدان النامية، وعن تمسك كل طرف منهما بمواقفه الثابتة. ولهذا اعتبرت مجموعة الـ "19" (مجموعة الدول النامية) أنّ النتائج التي توصل إليها المؤتمر بقيت بعيدة عن الأهداف التي رسمها برنامج العمل الجماعي، وهو مرحلة من المراحل الأساسية في إقامة النظام الاقتصادي العالمي الجديد.‏

وبعد هذا المؤتمر تمّ انعقاد عدد من مؤتمرات "الحوار بين الشمال والجنوب"، تحولت مع مرور الزمن إلى معارك كلامية ومناورات دبلوماسية ولجان بيروقراطية عقيمة. وأصيب هذا الحوار في فترة لاحقة بالجمود ووصل في نهاية المطاف إلى طريق مسدود. وقد ذهبت هدراً تلك الساعات الطويلة من المفاوضات المضنية، والمؤتمرات والندوات، التي شملت أربعة لقاءات على مستوى القمة واثني عشر مؤتمراً وزارياً ومثْلها من المؤتمرات التمهيدية والتحضيرية، وأكثر من 1020 اجتماعاً تضمنت أربعة عشر ألف جلسة عمل شارك فيها اثنان وخمسون ألف خبير ومفكر، بالإضافة إلى عمل يومي يقوم به عشرون ألف موظف تابعون لـ 110 منظمة وهيئة دولية، معنية بقضايا التنمية والمعونات الدولية(18).‏

أمّا من الناحية العملية، فقد تحطمت الآمال التي عُقدت على حوار الشمال والجنوب، إذْ لم يؤدّ هذا الحوار، على الرغم من أهميته التاريخية والإعلامية، إلى تحقيق أي مطلب أساسي من المطالب العادلة والكثيرة لدول العالم الثالث. كما لم يتوصل الحوار إلى أي اتفاق عملي يتصدّى لمشاكل الجوع والفقر والموت الجماعي في كثير من بلدان آسيا وافريقيا، ولم يسهم في تقديم أية مساعدة واقعية -ملموسة للشعوب الفقيرة والمفقرة. وفشل بصورة بيّنة في إقرار أية صيغة لتجاوز الخلل البنيوي، الذي يُعاني منه النظام الاقتصادي العالمي الراهن. فالحوار الذي وعَّد في فترة الرعاية له، أكبر انجاز سياسي وإنساني في عصرنا الحاضر، يبدو أنه قد انتهى، في حين أن مشاكل الدول النامية ظلت باقية كما هي، والفجوة بين الشمال والجنوب ما زالت كبيرة وعظيمة، بل يمكن القول إنّ الوضع ازداد سوءاً منذ بدء الحوار بين الشمال والجنوب لإقامة أسس واقعية لنظام اقتصادي عالمي جديد.. وبهذا الصدد يقول جان سان جور: "إنّ إقامة نظام اقتصادي عالمي جديد كان حتى هذا الوقت موضع كثير من الخُطب والمحاضرات وقليل من التنفيذ الفعلي.. أما الدول الصناعية الرئيسة والأكثر قدرة وحيوية، مثل الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا الغربية واليابان، فقد رفضت أي تساهل في المبادئ وفي الخطوط الأساسية للنظام الاقتصادي القائم. وهكذا فإن الأغلبية العظمى من الدول الصناعية لم تُدرك أنّ عليها أن تساهم قبل الدول النامية في التغييرات الحتمية الكبرى، التي لا بدّ من إجرائها في النظام الاقتصادي العالمي القائم..."(19).‏

لقد توقف الحوار بين الشمال والجنوب، دون أن يطرأ أيّ تغيير على طبيعة العلاقات غير المتكافئة بين هاتين المجموعتين، ودون أن تتقلّص الفجوة الهائلة التي تفصل بينهما في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والمعيشية والثقافية والصحيّة والعلمية والتكنولوجية. لأنّ النظام الاقتصادي العالمي الراهن ليس في حقيقته سوى الوجه الآخر للاستعمار الجديد. وإحدى السمات البارزة لهذا النظام، إنّه يضم شعوباً غنية ومتخمة بالغنى والقوة وشعوباً أخرى فقيرة بائسة أو مُفْقَرة بفعل ما تتعرض له من النهب والاستغلال والتبعية. فالفجوة الاقتصادية -التقنية والمعيشية آخذة بالاتساع والتضخم بين الدول الصناعية الرأسمالية وبين الدول النامية أو الفقيرة والمتخلفة في تلك النواحي. والأمر يرتبط بوضع مئات الملايين من البشر المهددين بالموت جوعاً، وآلاف الملايين، التي تعيش واقع الفقر والجهل والمرض في مدن العالم الثالث وقراه وأريافه. ويكفي للتدليل على صحة ما وصلنا إليه من استنتاج أن نشير إلى أن ثمانية من أصل كل عشرة من سكان الأرض لا يتمتعون مطلقاً بما حدث من تقدم مادي ومن رفاهية اجتماعية وحياتية في عالم اليوم(20). وتتضمن الأرقام المنشورة في هيئة الأمم المتحدة ذاتها وقائع رهيبة عن مظاهر التناقض والتباعد بين الدول الرأسمالية والدول النامية. حيث تشير تلك الأرقام إلى وجود ألف مليون نسمة من بينهم 300 مليون طفل يعيشون في حالة نقص تغذية ومجاعة مستديمة، كما أن 800 مليون في العالم الثالث فقراء بكل معايير الفقر التي تشمل انعدام المأوى، والرعاية الصحية، والخدمات الأولية الضرورية، والتعليم بالإضافة إلى انعدام الملّكية والمورد الاقتصادي والدخل المناسب. ولذلك فإن فقر الناس في العالم الثالث هو فقر مطلق، كما تزايد عدد الفقراء في هذا الجزء من العالم من مئتي مليون نسمة سنة 1960 إلى أربعمئة وخمسين مليون نسمة سنة 1970، ثم تضاعفت (مع استمرارية الحوار البيزنطي بين الشمال والجنوب) ليبلغ 800 مليون نسمة في عام 1980. ويتوقع المختصون أن يتجاوز عدد فقراء العالم الثالث ألف مليون نسمة في سنة 1990(21). أما إجمالي الناتج القومي لجميع الدول النامية فإنه لا يشكّل سوى 20% من إجمالي الناتج العالمي، ولا يبلغ أكثر من 50% من إجمالي الناتج القومي لدولة واحدة فقط من الدول الرأسمالية الكبرى، ألا وهي الولايات المتحدة الأمريكية. وإذا كان متوسط الدخل الفردي السنوي للمواطن الأمريكي =16185 دولاراً، فإنّ متوسط دخل الفرد السنوي في دول العالم الثالث لا يتجاوز 400دولار، بينما لا يصل هذا الدخل إلى أكثر من 50دولاراً للفرد سنوياً في الدول التي يطلق عليها اصطلاح "دول حزام البؤس"، والتي تضم حوالي 30 دولة، مثل: مالي وموزامبيق وأوغندا وتشاد والصومال وجيبوتي وأثيوبيا وغانا والنيجر وبنغلادش وكمبوديا ولاوس.. الخ. وهي أكثر دول العالم فقراً، ويعدّ فقرها مطلقاً حتّى بالنسبة لمعايير فقر العالم الثالث، ولذلك يطلق عليها في بعض الدراسات الاقتصادية اسم "دول العالم الرابع". ويجدر بالذكر أنه في العقدين الماضيين، أي في فترة الحوار بين الشمال والجنوب، لم تحقق أي دولة من هذه المجموعة (مجموعة حزام البؤس) أي نمو حقيقي، بل إنّ معظمها سجّلَ تراجعاً في المستويات السابقة المتدانّية أساساً. لدرجة أن بعض المختصين اعتبر أن متوسط دخل الفرد في هذه المجموعة الأخيرة يعادل الصفر(22).‏

وما زال 60% من سكان الجنوب (الدول النامية) يعانون من الأميّة، التي تصل في بعض المناطق إلى حوالي 90% من سكان الجنوب (الدول النامية)، بالإضافة إلى ذلك فإنّ 90% من سكان تلك الدول لا يحصلون على العناية الصحية الكافية، حيث يوجد في المعدل طبيب واحد لكل 2300 نسمة، وفي أشد المناطق تخلّفاً هناك طبيب واحد لكل 59ألف نسمة، في حين يوجد في دول الشمال طبيب واحد لكل 380نسمة. وإذا كان 97% من سكان الدول الصناعية (الشمال) يحصلون على مياه نقيّة وصالحة للشرب فإن 50% من سكان الدول المتخلفة (الجنوب)، أي بحدود ألفي مليون نسمة، يظلّون إلى الآن محرومين من نعمة الحصول على ماء صالح للشرب. ونتيجة التلوث الشديد للمياه في مناطق كثيرة من بلدان العالم الثالث فإن خمسة وعشرين مليون طفل من أطفاله يموتون سنوياً من أمراض مائية، كما يُصاب 300مليون غيرهم بمرض البلهارسيا وحده، عدا أنّ حوالي 800مليون نسمة مهددين بالملاريا. وفي حين بلغ متوسط عمر الفرد في الولايات المتحدة الأمريكية 75سنة، فإن متوسط عمر الفرد في جمهورية مالي مثلاً لا يتجاوز 40عاماً، أي أن الفرد يعيش في الولايات المتحدة وسطياً لمدة 35 سنة أكثر من الفرد في مالي. كما يتكدس 250مليون من أبناء العالم الثالث في الأكواخ وفي بيوت من الصفيح، التي يتضاعف عدد القاطنين فيها بمعدل في الزيادة تتجاوز خمسة عشر مليون نسمة لكل سنة جديدة، ومن المتوقع أن يكون عدد سكان بيوت الصفيح والتنك والخرائب قد بلغ 500مليون نسمة في نهاية العام الفائت 1990(23).‏

والحقيقة أنّه صدرت عن مؤتمرات التعاون الاقتصادي الدولي أو مؤتمرات الحوار بين الشمال والجنوب قرارات وتوصيات هامة في بعض المجالات الهادفة إلى معالجة أوضاع الدول النامية وإلى إيجاد الحلول المختلفة لمشاكلها. إلاّ أنّ هذه القرارات التي اتخذت على مختلف المستويات لم تقترن بالتنفيذ اللاّزم لتصل إلى الأهداف المرسومة لها. وبقيت بكل أسف مجرد تمنيات وأحلام.‏

وعليه، فإننا من كل ما تقدم يمكن أن نستخلص بعض الحقائق والعبّر المتعلقة بكفاح الدول النامية من أجل نظام اقتصادي عالمي جديد.‏

5-النتائج والدروس المستخلصة:‏

أولاً- كان للحوار بين الشمال والجنوب أهداف عديدة ومتداخلة، من أهمها: إقامة نظام اقتصادي دولي جديد، قائم على الإنصاف والمساواة بين جميع الدول، وهو مبدأ لم يتحقق مطلقاً. ومن أهدافه الهامة أيضاً -إيجاد حلول عملية لتضييق الفجوة الاجتماعية والاقتصادية والحضارية بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة في العالم. ورغم ذلك فإن التقديرات الأولية لبعض الاختصاصيين تشير إلى أنّ الفجوة المطلقة بين الشمال والجنوب لا تقلّ عن 60 سنة حضارية، بينما يصرّ خبراء غيرهم أنّ هذه الفجوة الحضارية هي من العمق بحيث أنّه حتى لو قُدّر للجنوب أن يُحقق معدلات هائلة وسريعة من النمو، وأصيب الشمال في المقابل بركود تنموي وحضاري شاملين، فإن الجنوب، بما في ذلك دولة الصناعية والنفطية، لن يتمكن خلال مئة سنة قادمة من تضييق الفجوة المطلقة الراهنة بين الشمال والجنوب.‏

ثانياً- إنّنا نتفق مع الباحثين والمفكرين، الذين يرون عدم جدوى الحوار الجاري بين الشمال والجنوب، لأنّ الأساس الأول للحوار الصحيح والمفيد ليس متوفراً، ونقصد به -التكافؤ والتماثل في القدرات والمساواة الكاملة في الحقوق والواجبات والالتزام التام بتنفيذ التوصيات والقرارات. فالحوار بين الدول القويّة والدول الضعيفة -كما وصفه بعض الكتّاب -هو كالحوار بين الذئب والحمل، لأنّ مراكز التحكّم بالنظام الاقتصادي العالمي الممثلة بالدول الصناعية الرأسمالية، والأطراف المتحاورة معها والمتمثلة بالدول النامية غير متعادلة القوّة والتأثير والفاعلية، خاصة وأنّ المجموعة الثانية تعاني من آلية التبعية للمجموعة الأولى، إمّا بصورة مطلقة أو نسبية.‏

ثالثاً- إنّ الوسيلة المهمة للتخلص من التخلف والتبعية لا تكمن في تقليد الخطوات والمراحل، التي قطعتها أوروبا وأمريكا أو حتى اليابان، ولا تكمن في فتح الاستثمارات للشركات الاحتكارية الكبرى والشركات متعددة الجنسية، وإنّما في فك الارتباط (بشكل مخطط ومنظّم ودقيق) مع النظام الرأسمالي العالمي، لأنه العلة الكبرى في الخلل القائم.‏

رابعاً- العمل مقابل ذلك على بناء تنمية شاملة ومستقلة، من حيث استنادها على دراسة استراتيجية لكافة الامكانات والقدرات الذاتية المتوفرة. والتي تحتاج قبل أي شيء إلى حشد وإعادة توزيع وتنظيم عقلاني وتكامل فعلي، لتتم الاستفادة المطلوبة والمثُلى من الموارد والقدرات الذاتية، لأنّ ذلك من الشروط الهامة للتخلص من التبعية الحالية للاقتصاد الرأسمالي العالمي غير العادل.‏

خامساً- لا بدّ من تكاتف وثيق وترابط عضوي عميق، وتنسيق استراتيجي واسع وشامل بين الدول والشعوب المُستضعفة المُسْتَغَلّة، أي شعوب العالم الثالث وحكوماته ومؤسساته الرسمية ومنظاته الجماهيرية وهيئاته العلمية، سواء على مستوى التجمّعات الاقليمية -الاقتصادية والثقافية والدفاعية.‏

سادساً- العمل الجدّي على استخدام البلاد النامية لطاقاتها المتوفرة والكامنة، والتعاون فيما بينها على فرض توّجهاتها لإقامة النظام الاقتصادي الدولي الجديد، وتدعيم تضامنها وتنسيق نشاطاتها ضدّ المحاولات والإجراءات العملية الامبريالية في ممارسة الضغوط وزرع الانقسامات بينها.‏

سابعاً- بغية إيجاد موقف عربي متين وفاعل في النظام الاقتصادي الدولي القائم، لا بدّ من تعبئة الموارد المالية العربية، لاستخدامها بصورة عقلانية في أغراض انتاجية تخدم تمتين البنية التحتية في الوطن العربي وذلك ضمن خطة استراتيجية بعيدة المدى والشمولية، تستهدف إجراء التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعلمية.. الخ، اعتماداً على القدرات العربية الضخمة، ولا سيّما في المجالين البشري والمالي، ناهيك عن الاحتياطي الكبير في المعادن والمواد الأولية المختلفة. ولتحقيق هذه الأهداف لا بدّ من فك ارتباط البلدان الغنية مالياً مع أسواق الرأسمالية- الاستعمارية العالمية، والبحث الجدّي عن سُبل أكثر استقلالاً وإنتاجية لتوظيف تلك الأموال والأرصدة العربية الصخمة، وتحريكها على الساحة التنموية العربية، مع إعطائها الضمانات القانونية والسياسية والاقتصادية اللازمة. فالاندماج الاقتصادي والعلمي والثقافي على الصعيد العربي لا بدّ أن يُبنى على أسس واقعية متينة تأخذ بالحسبان الظروف الخاصة بكل قطر على حدة، وإمكانات هذا القطر على مستوى التجمع العربي -سواء البشرية أو المالية أو الاحتياطات في الثروات الباطنية وغيرها. بيد أنّه من أجل الوصول إلى هذه الأهداف والطموحات، لا بدّ من أن تتوفر جملة متكاملة من الشروط والعوامل، التي يتجاوز بحثها وتحليلها دراستنا هذه، والتي تتطلب أبحاثاً ودراسات متخصّصة، في نطاق أُطر ومسارات أوسع وأشمل.‏

الهوامش :‏

1-موسوعة "الاقتصاد السياسي" السوفيتية"، وضع مجموعة من العلماء بإشراف أ.م روميانتسيف، الجزء الثالث "موسكو: دار الموسوعة السوفيتية"، 1979 ص82-84 (بالروسية).‏

2-م.يا. فولكوف وآخرون: الاستعمار الجديد -جوهره، وأشكاله، وأساليبه، موسكو، دار العلم، 1987، ص157 (بالروسية).‏

3-هربرت. أ.شيللر: المتلاعبون بالعقول. سلسلة عالم المعرفة، رقم 106، الكويت 1986.‏

4-فولكوف وآخرون: الاستعمار الجديد.. ص132 وما بعد.‏

5-بول سويزي: "الشركات المتعددة الجنسية والمصارف"- في كتاب "من الاقتصاد القومي إلى الاقتصاد الكوني" لمايكل تانزر وآخرين. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1981- ص123.‏

6-سمير كرم: الشركات المتعددة الجنسية. بيروت: معهد الإنماء العربي، 1976 ص.ص 39-46.‏

7-موسوعة "الاقتصاد السياسي" السوفيتية، الجزء الثالث، ص107‏

8-عبد الوهاب الكيالي ومجموعة من المحررين: موسوعة السياسة. بيروت: المؤسّسة العربية للدراسات والنشر، 1985، ج1، صص 221-222‏

9-أ.ي دينكيفيتش وآخرون: استراتيجية التنمية الاجتماعية- الاقتصادية لبلدان آسيا المتحررة. موسكو: دار العلم، 1986، ص364 (بالروسية).‏

10-المصدر نفسه.‏

11-الدكتور عبد المنعم زنابيلي: الحوار بين الشمال والجنوب. دمشق منشورات وزارة الثقافة، 1981، ص16-17‏

12-المصدر نفسه، ص22-24‏

13-الدكتور عبد المنعم زنابيلي: الحوار بين الشمال والجنوب، ص28‏

14-نقلاً عن المصدر نفسه، ص29‏

15-انظر: العالم الثالث هل يستطيع البقاء؟ تأليف جاك لو، ترجمة عيسى عصفور. دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1985- ص84‏

16-لمزيد من التفاصيل يمكن العودة إلى كتاب الدكتور عبد المنعم زنابيلي: الحوار بين الشمال والجنوب. دمشق منشورات وزارة الثقافة، 1981، وكذلك إلى مجموعة الدراسات التي وضعها أ.ي. دينكيفيتش وزملاؤه، يعنوان: استراتيجية التنمية الاجتماعية -الاقتصادية لبلدان آسيا المتحررة. موسكو: دار العلم، 1986 (بالروسية).‏

17-المصدران السابقان.‏

18-موريس غورينيه: العالم الثالث ثلاثة أرباع البشرية. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1982-ص148.‏

19-جان سان جور: ضرورة التعاون بين الشمال والجنوب. بيروت ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1982، ص46.‏

20- موريس غورينيه: العالم الثالث ثلاثة أرباع البشرية. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط2،1986.ص58.‏

21-جاك لوب: العالم الثالث وتحديات البقاء "سلسلة عالم المعرفة، الصادرة عن المجلس الوطني للثقافة والآداب في الكويت، رقم 104- 1986، ص7‏

22-الدكتور عبد الخالق عبد الله: العالم المعاصر والصراعات الدولية. سلسلة عالم المعرفة، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، رقم 133، 1989- ص141.‏

23-لمزيد من التفصيلات: انظر المصدر نفسه.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244