مُعضلات التجزئة والتأخّر وآفاق التكامل والتطـوّر - د. خلف محمّدالجراد

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:47 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الدراسة الخامسة التكامل الاقتصادي العربي طموح وعقبات

مقدمة:‏

من المتفق عليه أننا نعيش اليوم في عالم تتلاشى فيه المسافات، وتتزايد وتتشابك وتتعقد فيه العلاقات بين الدول والتجمعات في عصر الوحدات الكبيرة الأكفأ والأقوى. وقد أصبح من سمات العصر، قيام وحدات سياسية كبيرة وتكتلات اقتصادية وسياسية ضخمة، تتحرك في العلاقات الدولية بقوة وفعالية وتأثير أكبر.‏

إن الوطن العربي يشكل وحدة اقتصادية واحدة بحكم وضعه الجغرافي وتكامل انتاجه، لأن أجزاءه جميعاً متصلة فيما بينها، وهو يكاد يكون وحدة تكوينية شبه متجانسة موقعاً وتركيباً ومناخاً ونباتاً. كما يشغل حيزاً جغرافياً ممتازاً، سواء من حيث إشرافه على ثلاثة بحار هامة هي البحر المتوسط والبحر الأحمر والخليج العربي، أو من حيث توسطه عند ملتقى قارات العالم القديم الثلاث أوروبا وآسيا وأفريقيا، فأصبح جسراً بين هذه القارات، ومعبراً للتجارة العالمية وطريقاً للمواصلات. ويشغل رقعة عظيمة الاتساع ما بين الخليج العربي والمحيط الأطلسي.‏

لقد أصبح التنسيق بين مختلف البلدان العربية من الأهمية الفائقة بمكان، حيث لا تستطيع هذه البلدان مواجهة متطلبات التنمية الاقتصادية من دون جهود مضنية، كما يصعب القيام بها وإنجازها بنجاح وسرعة بصورة منفردة اعتماداً على القدرات الذاتية القطرية. إذ أن حل مشكلات هذه البلدان يقابله عقبات وموانع كثيرة، منها انخفاض مستويات الانتاجية في جميع ميادين النشاط الاقتصادي تقريباً، وعدم توافر الموارد الطبيعية والمالية في كثير من البلدان العربية، وبطء النمو، وضعف الصادرات مع الاعتماد الهائل على الاستيراد، ووجود تكتلات اقتصادية كبرى وقوية بين الدول الصناعية.. الخ. لذلك أصبح التعاون الاقتصادي العربي قضية مصيرية فعلاً.‏

تهدف هذه الدراسة إلى تقديم لمحة عن الأسس العامة والشروط الضرورية للتكامل الاقتصادي ثم تحليل تجربة التكامل الاقتصادي العربي من أوائل الستينيات إلى بداية العقد التاسع من القرن الحالي، ورسم الملامح العامة للعمل الاقتصادي العربي المشترك (إيجابياته وسلبياته)، والتوقف عند تجربة التجمعات الإقليمية العربية (مجلس التعاون لدول الخليج العربية واتحاد المغرب العربي)، من حيث أنها أحداث محاولات التكامل العربي، وعرض الاتجاهات المختلفة بخصوص التجمعات المذكورة. ونفرد في الدراسة حيزاً كبيراً لبحث العقبات والعوائق، التي برزت في طريق التكامل الاقتصادي العربي المنشود، حيث صنفت الدراسة تلك العوائق إلى مجموعتين، هما: العوائق الاقتصادية والعوائق السياسية، وتتفرعان بدورهما إلى عدد من المشكلات والمظاهر والعصوبات. وفي ختام الدراسة نقدم جملة من المقترحات التي يمكن أن تسهم في تفعيل التكامل الاقتصادي العربي.‏

أولاً -الأسس العامة للتكامل الاقتصادي:‏

يتمثل التكامل الاقتصادي بسلسلة عمليات متعاقبة يفضي كل منها إلى حالة معينة من حالات التكامل، التي يمكن أن تقوم بين مجموعة من الكيانات الاقتصادية ويكمن جوهر العمليات التكاملية في تعبيرها عن تكتل حقيقي، ينشأ قصداً بين مجموعة أقطار آخذة بالتكامل. وحالات التكامل هذه لا تنجح إلا بوجود مقومات مادية، هي بمثابة أسس يقوم عليها بنيان التكامل. ومن بين القواعد والشروط، التي لا بد من توافرها لتحقيق التكامل: وجود فوائض ونواقص في الموارد والمقومات الاقتصادية لدى أطراف التكامل، أن تقوم الأطراف المعننية بحماية تكاملها من المنافسات الأجنبية بإقامة سياج جمركي وغير ذلك من الإجراءات القانونية، أن تكون المسيرة التكاملية بين مجموعة من الدول المتمتعة بسيادتها الوطنية التامة على مواردها الاقتصادية وعلى صعيد علاقاتها بأطراف أخرى، وأن توزع التكاليف والتبعات وكذلك الفوائد بالتساوي ورضا الأطراف كلها(1).‏

ويلح بعض علماء الاقتصاد على مجموعة من السياسات والإجراءات، التي من شأن تطبيقها إيصال العملية التكاملية إلى أهدافها المرسومة، وفي مقدمة تلك التحركات: إزالة الحواجز الجمركية وتوحيد تعرفاتها وقوانينها، حرية انتقال قوى الإنتاج المادية والبشرية بين الدول الأعضاء، تنسيق السياسات الاقتصادية وصولاً إلى توحيدها، بحيث تفضي إلى التكامل التام، ومن ثم إلى أعلى أشكال الاندماج الاقتصادي(2).‏

ثانياً- تجربة التكامل الاقتصادي العربي:‏

شهدت خمسينيات هذا القرن اتجاهاً قوياً نحو التكامل الاقتصادي بين البلدان العربية. ففي ظل الجامعة العربية وفي إطار معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي (1950) تم إنشاء "المجلس الاقتصادي العربي" للنهوض باقتصادات البلاد العربية واستثمار مرافقها الطبيعية وتسهيل تبادل المنتجات الوطنية الزراعية والصناعية. وقد أقر المجلس عدداً من الاتفاقات بهذا الخصوص، ففي عام 1953 وقعت الدول العربية "اتفاقية تسهيل التبادل التجاري وتنظيم تجارة الترانزيت". وفي أواخر الخمسينيات أعدت اللجنة الاقتصادية للوزراء العرب مشروعاً كاملاً للتعاون الاقتصادي انبثق منه "مجلس الوحدة الاقتصادية العربية" الذي أقرته اتفاقية حزيران/ يونيو 1962. وبهذا الصدد يرى الدكتور محمد محمود الإمام (وزير التخطيط المصري سابقاً) أن سنة 1960 كانت فاصلة في مسيرة التكامل الاقتصادي العربي، ففيها:‏

أ-اكتسب المجلس الاقتصادي العربي كياناً ذاتياً ساعد على اتساع نطاق عضويته وعلى امتداد أعماله إلى محاور جديدة للعمل.‏

ب-أنشيء مجلس مؤقت للوحدة الاقتصادية عكف على إعداد الدراسات اللازمة لتنفيذ المرحلة الأولى منها.‏

جـ- تقرر إنشاء مكتب فني دائم لأغراض توجيه الاقتصاد العربي ضمن جهاز مجلس الوحدة.‏

د-تقرر التوجه نحو التنسيق القطاعي، بدءاً بقطاعي الصناعة والتجارة.‏

هـ-في تلك السنة بدأ نشاط تخطيطي انمائي في كثير من الأقطار العربية، شهد بداية فكرة التخطيط الشامل، الذي حل محل برامج استثمارية جزئية جرى العمل بموجبها خلال الخمسينيات(3).‏

وتعد "اتفاقية الوحدة الاقتصادية" من أهم الاتفاقات التي أبرمت في نطاق الجامعة العربية. وقد بدأ التفكير بعقد هذه الاتفاقية من سنة 1956، ثم ظل المشروع قيد المناقشات والتداول عدة سنوات (إلى عام 1962) قبل أن يوقع ممثلو سبع دول عربية عليه. وفي عام 1964 فقط أقرت الاتفاقية، التي نصت على ضمان حرية التنقل لعناصر الانتاج (الأشخاص، الرساميل، وحرية الإقامة والعمل)، وعلى جعل الدول الأعضاء منطقة جمركية واحدة، وتوحيد سياسات الاستيراد والتصدير وأنظمة النقل والترانزيت وتنسيق السياسات الاقتصادية (المتعلقة بالزراعة والصناعة والتجارة الداخلية) والنقدية والمالية. ومن جهة أخرى، تعهدت الأطراف الموقعة "بأن لا تصدر في أراضيها أية قوانين أو أنظمة أو قرارات إدارية تتعارض في حكمتها مع هذا الاتفاق أو ملاحقه"(4).‏

ومن أجل تحقيق أهداف اتفاقية الوحدة الاقتصادية تم إنشاء "السوق العربية المشتركة" (آب 1964)، التي لم يترتب على قيامها النتائج المرجوة، بسبب الصفة غير التكاملية لهياكل إنتاج الأقطار الأعضاء، وعدم قيام الدول بتنفيذ ما التزمت به، وبعمل مجلس الوحدة الاقتصادية العربية على أن تدخل جميع الدول الأعضاء في اتفاقية الوحدة الاقتصادية في السوق العربية المشتركة، التي ما زالت حتى الآن مقتصرة على أربع دول فقط (سورية ومصر، والعراق، والأردن)، كما يعمل أيضاً على أن تستكمل هذه الدول مقومات السوق المشتركة بمعناها الفني الكامل.‏

من الوسائل التي اتبعها مجلس الوحدة الاقتصادية باتجاه التنسيق والتكامل الاقتصادي إنشاء الاتحادات النوعية والشركات المشتركة كمدخلين للتكامل الإنتاجي. وفي مجال الزراعة والغذاء تم إنشاء اتحادات لمنتجي الأسماك والصناعات الغذائية وللسكر، والشركة العربية لتنمية الثروة الحيوانية. كما قام بعدد من الدراسات الهادفة إلى تكريس التعاون العربي لعل أهمها برنامج مراحل وصيغ التنسيق والتكامل الزراعي.‏

على أن العمل العربي المشترك خطا خطوة مهمة في الاتجاه المؤسسي والتمويلي بإنشاء "الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي" الذي صدر قرار الجامعة العربية بإقامته في عام 1968. حيث قضت اتفاقية الصندوق "بمنح الأفضلية في منح القروض والمساعدات للمشروعات العربية المشتركة والمشروعات الاقتصادية الحيوية للكيان العربي"(5).‏

وفي عام 1970 أنشئت "المنظمة العربية للتنمية الزراعية"، وكان إنشاؤها يستند إلى: إدراك البلدان العربية للمكانة التي تحتلها الزراعة في البنيان الاقتصادي العربي.. وبأن الموارد الزراعية في البلدان العربية لم تستغل استغلالاً كاملاً.. وعلى تشابه الظروف والمشكلات الزراعية.. وعلى أهمية التنسيق بين خطط التنمية الزراعية للوصول إلى التكامل الزراعي بين الأقطار العربية.. الخ.‏

وفي عام 1976 وقع 13 بلداً عربياً على اتفاقية إنشاء "الهيئة العامة للاستثمار والإنماء الزراعي" وعلى النظام الأساسي لها والاتفاق الخاص بنشاط الهيئة في السودان (لمدة عشر سنوات). وهو أول برنامج عربي تتكامل فيه المدخلات المختلفة التي تتطلبها التنمية الزراعية وأنواع التمويل الميسر والتجاري الاستثماري التي تتطلبها عناصر البرنامج المختلفة.‏

وفي عمّان أقر مؤتمر القمة العربية المنعقد في عام 1980 ميثاق العمل الاقتصادي القومي العربي، الذي تضمن، بين أمور أخرى، "التزاماً بمبادئ التكامل الاقتصادي القومي والاعتماد الجماعي على الذات"... و"تحييد العمل الاقتصادي المشترك عن الخلافات العربية وإبعاده عن الهزات والخلافات السياسية الطارئة".. والتكفل "بمبدأ التعامل التفضيلي الكامل للسلع والخدمات وعناصر الإنتاج ذات الهوية العربية المؤكدة إنتاجاً وملكية وإدارة وعملاً".. و"منح المعاملة التفضيلية التامة للمشروعات العربية المشتركة ذات الطبيعة الإنتاجية والتكاملية"(6).‏

وقد أقر المؤتمر "استراتيجية العمل الاقتصادي العربي المشترك"، التي من أهدافها تحقيق "التكامل الاقتصادي على درب الوحدة العربية.. والارتباط العضوي الاقتصادي، لا سيما الإنتاجي منه.. وإقامة نظام اقتصادي عربي جديد يتسم بالتكامل المحقق للتنمية الشاملة، ويمثل نمطاً من تقسيم العمل داخل الوطن العربي"(7).‏

ومن الاتفاقيات الهامة التي أقرها مؤتمر عمان "الاتفاقية الموحدة لاستثمار رؤوس الأموال العربية في الأقطار العربية"، التي تستهدف "تعزيز التنمية الشاملة والتكامل الاقتصادي العربي.. وتوفير مناخ ملائم للاستثمار، لتحريك الموارد الاقتصادية العربية، في ميدان الاستثمار العربي المشترك.. وتسهيل انتقال رؤوس الأموال العربية وتوظيفها داخل الدول العربية"(8).. مع توفير الضمانات الكافية للحفاظ على حقوق المستثمرين في أموالهم، وحرية الانتقال والإقامة والاستثمار في أي إقليم عربي.. الخ.‏

ونود الإشارة هنا إلى مجموعة من المؤسسات الانمائية القومية، التي بلغ رأسمالها حوالي 13 مليار دولار في نهاية عام 1989. وأولى هذه المؤسسات "الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي" (مقره الكويت)، الذي أنشيء في عام 1967، وتشارك في عضويته كل البلدان العربية. وقد تضاعف رأسماله عدة مرات حتى بلغ نحو خمسة مليارات دولار في نهاية 1989. وتقتصر عملياته على البلدان العربية التي تحتاج إلى الدعم المالي والفني، ويقدم قروضاً ميسرة لدعم المشاريع التنموية في القطاعات الاقتصادية المختلفة. وهناك أيضاً مؤسستان أخريان يمكن ادراجهما من الناحية العملية ضمن هذه المجموعة، وإن كانت الصفة الدولية تنطبق عليهما أكثر من القومية، وهما "البنك الإسلامي للتنمية" (مقره جدة) الذي يبلغ رأسماله نحو 2500 مليون دولار، و"صندوق الأوبك للتنمية الدولية" (مقره فيينا/ النمسا) برأسمال قدره 3500 مليون دولار. وتستمد كلتا المؤسستين أكثر من 50 بالمئة من مواردهما من البلدان العربية، ويغطي نشاطهما البلدان العربية جميعاً إضافة إلى دول أخرى غير عربية. أما "المصرف العربي للتنمية الاقتصادية في افريقيا" (ومقره الخرطوم" فهو مؤسسة قومية أنشأتها البلدان العربية برأسمال قدره 2500 مليون دولار، لتمويل مشاريع التنمية في الدول الافريقية. ومن المؤسسات القومية المالية الهامة "صندوق النقد العربي" الذي يبلغ رأسماله نحو مليار دولار، وهو مؤسسة تهدف إلى دعم موازين مدفوعات البلدان العربية أعضاء حصراً. حيث يفترض أن يقوم بدور المصرف المركزي العربي، الذي يماثل ما يقوم به من دور "صندوق النقد الدولي" بواشنطن.‏

وقد أنشأ مجلس التعاون لدول الخليج العربي في عام 1992م "برنامج مجلس التعاون لدعم جهود التنمية الاقتصادية في الدول العربية" برأسمال قدره عشرة مليارات دولار أمريكي"(9).‏

وتعد قروض الصناديق المشار إليها إضافة إلى ما تقدمه الصناديق العربية الوطنية الأخرى (مثل الصندوق الكويتي وصندوق أبو ظبي والصندوق السعودي وغيرها) أكثر يسراً من غالبية القروض الانمائية أو التجارية التي تحصل عليها الدول العربية من الدول الصناعية. وقد شمل النشاط الاقراضي لهذه المؤسسات في الوطن العربي 19 بلداً عربياً، حيث قدمت نحو ألف قرض بقيمة إجمالية قدرها 18 مليار دولار منذ بداية نشاطها.‏

وقد ساهمت هذه الصناديق في دعم اتجاهات التكامل الاقتصادي العربي وجهوده، إذ مول "الصندوق العربي للإنماء" نحو 22 مشروعاً عربياً مشتركاً شملت 15قطراً عربياً(10).‏

إلا أن ما يلفت النظر هو الفارق الكبير والبون الشاسع بين مستوى الطموحات التي عبرت عنها سلسلة القرارات والهيئات العربية المشتركة ومستوى المنجزات المتحققة. وفي ظل الاخفاق في تحقيق الأهداف المرسومة لعملية التكامل الاقتصادي العربي، واستمرار التحديات المتمثلة في التناقضات الهيكلية وسيادة الأنماط التنموية القطرية، والثنائية، إضافة إلى المستجدات والمشاكل ذات الطبيعة السياسية والاقتصادية والأمنية في الوطن العربي، وقد يكون ذلك كله بسبب طموح الأهداف التي تضمنتها تلك المقررات والوثائق، وهو طموح لم يأخذ بالاعتبار حقائق الواقع المعقد وتشابك العلاقات، والمصالح وردود الأفعال في الظروف الحالية للوطن العربي، والتي لم تختلف كثيراً منذ نصف قرن تقريباً.‏

لقد وجهت إلى جهود التكامل الاقتصادي العربي مجموعة من الانتقادات والملاحظات التي يمكن إجمالها ضمن الأفكار والسياقات التالية:‏

1-إن أول تجسيد عربي رسمي لرغبة البلدان العربية في تنسيق اقتصاداتها وتكاملها تمثل -كما أسلفنا- باتفاقية الوحدة الاقتصادية وقيام مجلسها. ولا شك أن المبادئ التي سعت إليها هذه الاتفاقية، تصلح لأن تكون في حال التطبيق أساساً كافياً لسوق مشتركة تتطور في إطارها عملية التنسيق والتكامل في جانبها التبادلي بصورة مباشرة وشاملة، وصولاً إلى مستويات من الاعتماد الذاتي الجماعي في التنمية والإنتاج والاستثمار.‏

لكن مجلس الوحدة الاقتصادية لم يتمكن من إقامة "السوق العربية المشتركة". إذ لم يتم توفير الأدوات والوسائل المؤسسية اللازمة من أجل وضع تلك المبادئ والتوجهات والقرارات موضع التطبيق، من حيث تكوين الهيئات التنفيذية والإشرافية والوصائية والمحاسبية، ومن حيث إيجاد الصيغ العملية والواقعية، التي يتحقق من خلالها مشاركة عادلة في المنافع وفي المخاطر والتبعات، الأمر الذي يتطلب إقامة نظام مؤسسي دائم لمعالجة الآثار الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن ذلك، ولحسم النزاعات والخلافات التي تنشأ عن تضارب المصالح(11).‏

2-صحيح أنه أقيم عدد كبير من المؤسسات العربية المشتركة، سواء مؤسسات التمويل الانمائي أو شركات وهيئات الاستثمار أو المؤسسات الفنية.. الخ، إلا أن الإمكانيات والقدرات التي رصدت لها لا تتناسب مع الحاجات الضخمة، التي تتطلبها قضية الجهود التكاملية كمرتكز من شأنه تأمين تفاعل القدرات العربية وتوزيعها بشكل يخدم أهداف الأمن الاقتصادي العربي الشامل. وعلى الرغم من تعاظم كمية التوصيات والقرارات الخاصة بالاستثمارات المشتركة في الميادين الاقتصادية الأساسية، إلا أن الانجازات الفعلية بقيت إلى الآن محصورة في نطاق ضيق. إذ ما زالت مقتصرة على مجالات مضمونة أو شبه مضمونة.‏

3-على صعيد التجارة العربية البينية، التي يفترض أن تجسد عملية التكامل الاقتصادي بين الأقطار العربية، والرامية إلى إزالة الحواجز الجمركية والوصول إلى مستوى الاكتفاء الذاتي قومياً، وبالتالي التحرر من وطأة التبعية للخارج، فإن المؤشرات الثابتة والإحصاءات الرسمية المنشورة عن التبادل التجاري العربي تبين أن مستوى التكامل بين الاقتصادات العربية ما زال متواضعاً للغاية. والواقع أنه حتى بعد القمة العربية المنعقدة بعد عام 1980م، والتي كرست بشكل رئيس لمناقشة المواضيع الاقتصادية ووضعت "تصوراً جماعياً عربياً جديداً للعلاقات الاقتصادية العربية في المستقبل، مبنياً على الخبرة المتراكمة خلال خمس وثلاثين سنة خلت"(12)، والتي وضعت "استراتيجية شاملة للعمل الاقتصادي العربي المشترك".. فإن التجارة العربية البينية ما زالت تواجه انخفاضاً متعاظماً سواء في قيمتها المطلقة أو في نصيبها في مجمل التجارة العربية الخارجية. حيث "كان نصيبها خلال الفترة الواقعة ما بين 1980م و1986م أقل من 8% ولم يتجاوز 8.27% بالنسبة للصادرات العربية البينية، و 6.7 بالنسبة للواردات البينية خلال تلك الفترة"(13).‏

ومن جهة أخرى فقد أفادت النشرة الشهرية الصادرة عن المؤسسة العربية لضمان الاستثمار أن الاستثمارات العربية البينية خلال عام 1993 تراجعت بنسبة 36.3 بالمئة، إذ قدرت في العام المذكور بنحو 308.1 مليون دولار مقابل 483.8 مليون دولار عام 1992(4).‏

4-أما بشأن انتقال رؤوس الأموال الخاصة بين الأقطار العربية وتأثير ذلك في التكامل الاقتصادي العربي، فإنه قد حصل على امتداد عقد الستينيات وما تلاه، أن انسابت مقادير وفيرة، غير معروفة الحجوم، من رؤوس الأموال العربية الخاصة باتجاه لبنان لتجد لنفسها توظيفات استثمارية مجزية من خلال السوق المالية في بيروت، حيث تتوافر حرية التداول والتوظيفات دون قيود. وبعد أن تعاظمت كميات رؤوس الأموال العربية إثر تصاعد إيرادات النفط، تكونت في بعض الأقطار العربية أسواق مالية تعمل في هذا الاتجاه (أهمها في السعودية والكويت والإمارات)، خصوصاً لاستدراج رؤوس الأموال وتوظيفها في الأسواق العربية (الأردن وتونس ومصر) والعالمية. لكن حجم الأموال المستثمرة في البلدان العربية تبقى أقل بكثير مما هو متداول وموظف في الأسواق العالمية. فقد بينت إحدى الدراسات الصادرة عن المؤسسة العربية لضمان الاستثمار أن رؤوس الأموال العربية الخاصة التي انتقلت من أقطارها واستقرت للاستثمار في أقطار عربية أخرى، كانت حوالي 327 مليون دولار إلى غاية عام 1985. وكان مجموع الودائع المصرفية الخارجية للقطاع الخاص (من غير المصارف) لبعض الأقطار العربية غير الخليجية، قد تزايد هو الآخر من حوالي 9 مليارات دولار عام 1981 إلى 17 مليار دولار عام 1987. ولذا فإن رؤوس أموال القطاع الخاص في الخارج تكون قد بلغت 179 مليار دولار(15).‏

ورغم ضآلة رؤوس الأموال العربية المستثمرة في داخل الوطن العربي، فإن علاقتها الفعلية بالتكامل الاقتصادي هي علاقة ضعيفة التأثير والفاعلية، حيث تتركز في الاستثمارات العقارية (في لبنان ومصر والمغرب)، وفي المجالات السياحية.‏

ولا يبدو من المتوقع لهذه الرساميل العربية المغتربة أن تبدأ "رحلة العودة" نحو الوطن العربي إلا بعد أن يبرهن المستقبل أن المناخ الاستثماري العربي، كما يراه القطاع الخاص، قد صار أكثر جدوى وأكثر أمناً من نظيره في الخارج، أي أن ذلك رهن بحصول "تحولات" ذات فاعلية كافية لتحسين هذا "المناخ العربي" الاستثماري. ويبدو أن الاتفاقية الموحدة لاستثمار رؤوس الأموال العربية (المشار إليها قبلاً) قد حاولت تلافي كل العوائق والمصاعب والمتاعب التي يشكو منها المستثمرون العرب، عدا تلك التي ليس في الوسع تلافيها أساساً، مثل الأمور المتعلقة بحالات عدم الاستقرار السياسي في البلد المضيف، والتوترات المفاجئة التي تتسم بها العلاقات السياسية العربية، الأمر الذي يعقبه عادة إغلاق الحدود وقطع الطرق ووقف التعامل على الصعد كافة، وفي طليعتها المشاريع الاقتصادية الخاصة أو حتى المشتركة.‏

5-أما بخصوص انتقال القوى العاملة بين الأقطار العربية، فإنه من الناحية النظرية يمكن القول إن حركة انتقال القوى البشرية المنتجة أو القادرة على الإنتاج، تمثل شكلاً من أشكال التكامل الاقتصادي العربي في مجال تبادل الموارد والطاقات البشرية، إذا كان يجري وفق خطة تكاملية شاملة وطويلة المدى، ووفق شروط وأحكام وترتيبات ناظمة لحرية انتقال تلك القوى لمصلحة قومية واضحة الأبعاد والغايات. لكن الأبحاث والدراسات والتحليلات المكرسة لمناقشة ظاهرة انتقال القوى العاملة العربية، وتدفقها باتجاه أقطار معينة تظهر أن ذلك لم يحصل في ظل أوضاع تكاملية مدروسة ومتفق عليها بصورة دقيقة بين بلدان الإرسال وبلدان الاستقبال. كما أنه من الملاحظ ازدياد تدفق العمالة الوافدة الأجنبية -خصوصاً الآسيوية- على الدول العربية.‏

ويرى الدكتور نادر فرجاني أن أهم الأسباب، المؤدية لزيادة استخدام العمالة الآسيوية هو اعتبارات تعظيم الربح في القطاع الخاص، وهو القطاع الأساسي في التشغيل. فلما كان القطاع الخاص ساعياً إلى تحقيق أكبر ربح ممكن، فإنه لا يتقيد بضرورة إيجاد مستخدميه للغة العربية، كما هو الحال في القطاع الحكومي، ولا بالالتزام بالأولويات القانونية التي تشعر الحكومات بدرجة التزام أكثر في تطبيقها، فقد فضل دائماً العمالة الآسيوية من شبه القارة الهندية. إذ أن الوافد منها على استعداد لقبول أجور أقل وتحمل ظروف عمل أقسى وأوضاع معيشية أسوأ من العامل العربي. وقد تدعم استخدام العمالية الآسيوية بالرغم من أن تحقق مصلحة صاحب العمل الفرد هنا متناقض مع مصلحة المجتمع التي يضر بها تكوين جاليات أجنبية كبيرة.‏

وربما بدا من المنطقي على مستوى المجتمع أن استخدام أيد عاملة أجنبية من فئات متعددة يمثل وضعاً أكثر راحة وأقل جلباً للمتاعب من استخدام الأيدي العاملة العربية التي قد تنزع للاستقرار والتأثير في المجتمع. إذ أن احتمال اندماج الآسيويين في البلاد أقل بكثير من العرب الوافدين الذين قد يتمكنون بحكم الثقافة المشتركة واللغة والتاريخ والعادات والدين من التداخل في مجريات الحياة العادية والاجتماعية والسياسية أيضاً، وقد تتعرض الدولة المضيفة لضغوط قد يصعب تجاهلها من البلدان العربية التي لها جاليات عمالية كبيرة(17).‏

ويبدو أن سوق العمالة العربية تكتنفها أوجه قصور مختلفة تحرمها سمة التكامل تتمثل في الآتي:‏

-عدم وجود تنظيمات فعالة لتوريد العمالة من البلاد العربية المصدرة لقوة العمل.‏

-نقص العمالة الماهرة على مستوى الوطن العربي ككل. فلا يوجد فائض في العمالة الماهرة في الدول المصدرة للعمالة. وقد أدى الطلب على هذا النوع من العمالة في الدول العربية الخليجية -مثلاً- إلى ارتفاع أجورها في بلد المنشأ بشكل واضح.‏

وهناك نوعية من العمالة الماهرة باتت مطلوبة في البلدان العربية الخليجية ولا تتوافر أصلاً في البلدان العربية غير النفطية، ويعود هذا إلى استخدام تقنيات متقدمة في البلدان العربية الخليجية غير متوافرة في البلدان العربية الأخرى.‏

أما بالنسبة لأسلوب مجمعات العمل، والعمالة المرتبطة به، فيتمثل في التزام الشركات المنفذة بتوفير العمالة اللازمة للمشروع ومستلزماتها الأخرى طوال فترة تنفيذه، وفي الغالب تقيم العمالة الوافدة في معسكرات منعزلة قريبة من موقع المشروع تحت التنفيذ. ومن مزايا هذا الأسلوب أنه يضمن أن تكون العمالة الوافدة لتشييد المشروعات الضخمة مؤقتة، ويؤدي لتقليل مخاطر التلوين السكاني والحضاري. كما يذكر أن مجتمعات العمل تلك أثبتت كفاءة غير عادية في إنجاز المشروعات الموكولة إلى الشركات القائمة عليها في توقيتات قياسية وبمستويات انجاز مرتفعة وأن هذا الأسلوب ربما كان الوحيد الملائم للمشروعات الانشائية الضخمة(18).‏

والواقع أن انتقال القوى العاملة العربية لم يجر في إطار تكامل اقتصادي من أي نوع، ذلك لأن الاتفاقيات العربية الجماعية، التي صدرت تباعاً منذ عام 1967م بقصد تنظيم هذا الانتقال وترشيده، بحسبانه واحداً من الوسائل العديدة لتحقيق التكامل الاقتصادي العربي، لم تلق قبولاً إلا عند قليل من الأقطار العربية (المصدرة للعمالة)، وبذلك بقيت سوق العمل العربي "سوق تشغيل" فقط.‏

والنتيجة أن القوى العاملة العربية لم تمارس عملياً إلا تأثيراً تكاملياً محدود النطاق، شأنها في ذلك أقل من شأن العمالة الآسيوية المنافسة. فالتأثير التكاملي بقي ناقصاً، وهو ذو طبيعة مؤقتة تجعله قابلاً للزوال بمجرد عودة العمال إلى أقطارهم الأصلية(19).‏

6-وبخصوص المشروعات العربية المشتركة، فإن الدارسين والمختصين في هذا المجال يؤكدون أن الدور التكاملي للمشروعات العربية المشتركة، بجملته ما زال محدوداً وتعتريه ارتباكات واسعة حيال الفجوات الكبيرة والممتدة في صلب التراكيب الكيانية للاقتصادات العربية(20). وفي هذا السياق يقول الخبير الاقتصادي العربي يوسف صايغ، بأنه "رغم أن المنظمات والاتفاقيات التي تبين أنها ضرورية للعمل الاقتصادي العربي المشترك قد شكلت أو دخلت حيز التطبيق، فإن جزءاً هاماً من نشاط القطاع الاقتصادي العربي المشترك هو عفوي لحد كبير في الوقت الحاضر. والأمثلة، هي الحركة الكبيرة لقوة العمل العربية عبر الحدود القطرية، وحركة رأس المال من الأقطار المصدرة للنفط إلى الأقطار التي تعاني من نقص في رؤوس الأموال. ورغم ما تستحقه هذه الحركة من ثناء، فإن فعاليتها أقل من الممكنة، لأنها لا تخضع لخطة أو لنظام الأولويات داخل استراتيجية شاملة وضعت لخدمة الهدف المزدوج للتنمية العربية والأمن العربي"(21).‏

ثالثاً- تجربة التجمعات الاقليمية العربية:‏

يرى الوحدويون العرب أن من أكبر عوائق التكامل الاقتصادي العربي، وبالتالي أمام تحقيق الوحدة العربية -اختلاف الأنظمة السياسية القائمة في الأقطار العربية، والتناقض الجلي في سياساتها الاقتصادية وتوجهاته الاجتماعية. ويربطون ذلك كله بالدولة (أو الدول) القطرية المنبثقة من التجزئة والقائمة عليها أساساً. ويعتقد عدد كبير من الاقتصاديين والساسة أن مجرد التشابه والتقارب في النظم والتوجهات السياسية، والماثل في الإجراءات والبرامج والخطط الاقتصادية من شأنها تحقيق التكامل الاقتصادي أولاً، وبلوغ التوحد السياسي المنشود ثانياً. لكننا لو رجعنا إلى واقع الحال لرأينا أقطاراً عربية ذات نظم سياسية متشابهة لم تتوحد، وأقطاراً أخرى توحدت فعلاً فقام فيها نظام سياسي واحد لكنه انتهى إلى انفصال وصراع وتشرذم، وأقطاراً أخرى اختلفت -نظرياً على الأقل- نظمها السياسية ولكنها حاولت التوحد والتكامل وعملت على الاقتراب من بعضها. ويتساءل أحد الاقتصاديين العرب حول ما إذا كان اختلاف النظم السياسية بين الأقطار العربية هو الذي يقف عائقاً في حد ذاته أمام مثل هذا التكامل؟ وهل اختلاف الأسماء يدل فعلاً على اختلاف المسميات؟ وهل هناك اختلاف حقيقي بين النظم السياسية العربية بحيث يقف حائلاً جدياً دون تحقيق الهدف التكاملي المنشود؟ أم أن هناك شيئاً آخر يختلف تمام الاختلاف عن عامل "النظم السياسي" هو الذي يمثل العائق الحقيقي والفعلي أمام الهدف المذكور، ويشل من القدرة على تحقيقه؟ وبالتالي هل يجب، وبالضرورة، أن تشكل "القطرية" حاجزاً أمام "التكامل القومي" اقتصادياً وسياسياً؟ وهل "القطرية" تعني هي نفسها "التجزئة" أم أنها مجرد عامل تكريس التجزئة على أساسه، فيشار إليها بـ "اختلاف النظم السياسية"؟‏

وإذا كانت "القطرية" و"التجزئة" و"اختلاف النظم السياسية" تقف حائلاً دون التكامل الاقتصادي القومي، فما هو موقف "التجمعات أو التكتلات الإقليمية" العربية من ذلك؟ هل ستكون عاملاً مساعداً وفعالاً في تحقيق التكامل الاقتصادي القومي المنشود؟ وهل ستكون عاملاً حاسماً في التقريب والتوحيد أم عوامل "تجزئة" وهل تكون في النهاية "عوامل تكامل اقتصادي" تدفع، ولو تدريجياً، وعلى المدى الأطول، نحو شيء من الاتساق القومي اقتصادياً وسياسياً قد يقود بالتالي إلى تكامل اقتصادي فعال وبالتالي نحو وحدة اقتصادية حقيقية؟(22).‏

هذه بشكل عام معظم التساؤلات التي بدأت تطرح بقوة منذ أن ظهر إلى الوجود "مجلس التعاون لدول الخليج العربية" (عام 1981م)، ثم "مجلس التعاون العربي" الذي أنشيء هو "اتحاد المغرب العربي" في أسبوع واحد من أواسط شهر شباط من سنة 1989م.‏

ولا يدخل في إطار هذه الدراسة تحليل عوامل نشأة هذه التجمعات ولا سرد الخطوات التي سارت عليها، ولا حتى تقويم نشاطاتها السياسية والدولية والإقليمية، وإنما سنتوقف عند مناقشة دور هذه التجمعات في عملية التكامل الاقتصادي (موضوع هذه الدراسة)، مكتفين بالحديث عن تجربة مجلس التعاون الخليجي، من حيث أنه التجمع الأقدم (خمسة عشر عاماً)، والأطول خبرة والأكثر استقراراً وفاعلية.. اقليمياً، وعلى المستوى العربي أيضاً. ناهيك عن انفراط عقد "مجلس التعاون العربي" إبان الاجتياح العراقي للكويت. وقد تجمعت لدى الباحثين العرب خبرة ومعطيات ومؤشرات تؤهلهم للحكم على تجربة مجلس التعاون الخليجي اقتصادياً، على الأقل بالنسبة للدول في هذا التجمع. أما بخصوص "اتحاد المغرب العربي"، فمن الصعب الحكم بشأنه في هذه المرحلة بسبب حداثة نشأته من جهة، ونظراً لضآلة ما توافر لدينا من معلومات موضوعية عن نشاطاته الاقتصادية من جهة أخرى.‏

ونحن نعتقد مع عدد كبير من الدارسين أن نشوء التجمعات الإقليمية العربية يعود إلى أسباب كثيرة لعل أهمها فشل الدولة القطرية في تحقيق أمنها الغذائي والعسكري والتقني والاقتصادي وفي إنجاز تنمية كفؤة ومستقلة، من جهة، والإخفاق الواضح، من الجهة الأخرى، في العمل العربي المشترك بعد مرور ما يزيد على أربعة عقود على قيام جامعة الدول العربية، سواء في جانبه الاقتصادي أو التنموي أو الأمني أو التكاملي.‏

وقد ذهب أحد المفكرين العرب إلى "أن الدولة القطرية سوف تظل هي أساس التكوين العربي لفترة طويلة قادمة"(23)، وإلى أن هناك أمام العرب خيارين: الأول إقليمي "بمعنى الأقاليم العربية المتقاربة من بعضها جغرافياً وربما متقاربة في أمور أخرى، مثل المصالح المشتركة أو التهديد المباشر" مثل وادي النيل، وثانيهما هو "الصيغة المرنة التي تحفظ للدولة القطرية مكوناتها الآنية ولكن تقنعها عن طريق خطوات محددة مرسومة للمستقبل بالتنازل عن بعض هوامش القطرية لصالح مجموعة الإقليم(24)، مثل مجلس التعاون الخليجي. فمثل هذا التجمع الإقليمي يحقق تشابكاً إقليمياً عربياً، وبالتالي تشابكاً قومياً عربياً في المصالح هو أدوم وأبقى. فبدلاً من القفز فوق "الدولة القُطرية" وتعددها عربياً ينبغي الاعتراف بها، ولكن البناء عليها من خلال "تبني استراتيجية أخرى تعمل على إرساء شبكة من العلاقات العربية في مستوى البنيات الثقافية والإعلامية والاقتصادية، بحيث يتم ربط المجموعة العربية ربطاً لا رجعة فيه"(25).‏

ومن الواضح أن الآراء المطروحة أعلاه تمثل اتجاهاً موضوعياً مؤيداً لقيام التجمعات الإقليمية العربية، التي لا بد أن تقوم على توافر ظروف وخيارات سياسية متشابهة وصلات خاصة بين بعض البلدان العربية تدعوها إلى إقامة روابط فيما بينها أوثق مما بينها وبين غيرها من الأقطار العربية البعيدة عنها جغرافياً أو المختلفة عنها في ظروف وخصائص معينة، مساحة وحجماً وسكاناً وتطوراً.‏

وخلافاً لأصحاب الاتجاه الذي يرفض فكرة التجمعات الإقليمية ويرى فيها خطراً على الاتجاه الوحدوي، وبالتالي التكاملي، وسبيلاً للتفتت وتكريس التجزئة وتوسيعها إلى تجزئة إقليمية، "ومنطلقاً للتأكيد على التباين الاقتصادي والاجتماعي بين أقطار الأمة العربية، ومدخلاً لترسيخ العزلة والانقسام وتقسيم الوطن العربي إلى نواد خاصة مغلقة على أعضاء بعينهم، كالتجمع النفطي"(26)، فإن مؤيدي التجمعات الإقليمية يعتقدون "أن الاتجاه نحو الوحدة الشمولية الأيديولوجية لم يصمد للاختيار، وأنه لم يبق في الساحة -في المدى المنظور على الأقل- غير أسلوب التقارب الإقليمي الواقعي"(27)، الذي إن تحقق وتنامى فإنه سيكون مرشحاً لخلق تيار وحدوي جديد في الوطن العربي. ويرى هذا الاتجاه أن هذه التجمعات الإقليمية العربية ستترابط حلقاتها تدريجياً في دوائر أوسع من حلقة كل منها على انفراد(28).‏

أما الاتجاه الثالث فإنه يتقبل فكرة التجمعات الإقليمية ولكنه يحذر من مخاطرها والمزالق التي يمكن أن تنتهي إليها. ولذلك فإنه يضع شروطاً وضوابط معينة لتلتزم بها تلك التجمعات خوفاً من القفز فوق هدفي الوحدة والتكامل العربي الشامل.‏

ويتفق دعاة هذا الاتجاه مع مؤيدي التجمعات الإقليمية العربية، ولكن بشرط أن تكون عاملاً مساعداً على تحقيق التكامل الاقتصادي العربي، وليس عائقاً أمام تحقيقه إقليمياً أولاً وقومياً على المدى الأبعد، كما يرى ممدوح عزام وغسان سلامة وعادل حسين وأحمد صدقي الدجاني(29). والأساس في ذلك كله هو أن فشل التكامل الاقتصادي على مستوى الوطن العربي في ظل القطرية القائمة هو الذي قاد إلى قيام قدر من التنسيق والتعاون بين أقطار عربية متجاورة جغرافياً أو متشابهة اجتماعياً واقتصادياً أو متفقة من حيث توجهاتها السياسية، قدر من التنسيق والتعاون يفوق ما تحقق إلى حد الآن على مستوى الجامعة العربية. أما الحكم على مدى نجاح هذه التجمعات الإقليمية في تحقيق أهدافها الإقليمية وعدم تعارضها مع الأهداف التكاملية القومية فإنه سيخضع حتماً إلى الاحتكام إلى التجربة والنتائج التي ستترتب عليها، وإلى طبيعة السياسات العملية والإجراءات التطبيقية التي ستقوم بها باتجاه العمل الاقتصادي العربي المشترك الهادف إلى التكامل والوحدة.‏

وإذا أردنا تقديم موضوعي لتجربة مجلس التعاون لدول الخليج العربي وآثارها على مسألة التكامل العربي، فإننا يجب أن نقر بداية أن مجلس التعاون يمثل أحداث تجربة تكاملية عربية، بعد تجربة مجلس الوحدة الاقتصادية العربية التي بدأت منذ عام 1964م. وتعد هذه التجربة أكثر التجارب التكاملية العربية منهجية وانتظاماً من حيث توجه البلدان الأعضاء فيه لتطبيق مقرراته، كما تعد مؤسساته أكثر انضباطاً من المؤسسات التكاملية العربية الأخرى. "ومن هذا المنظور، فإن تجربة مجلس التعاون التكاملية تقدم مختبراً حياً لعدد من الإشكاليات النظرية والعملية المحيطة بفكرة التكامل في الوطن العربي عموماً، وفي تلك المجموعة المتميزة من الدول العربية بصفة خاصة"(30).‏

ولا يشكل المجلس سلطة أعلى من سلطات البلدان الأعضاء فيه، فهو ليس سلطة قومية، وإنما هيئة تنسيقية بينها من حيث سياساتها المتعلقة بالأمن والدفاع والاقتصاد والخارجية. وهو في جوهره يسعى للمحافظة على النمط القائم للمجتمعات الخليجية الحالية وعلى تعظيم الثروة المتاحة له وحمايته من خصومه وتطبيق السياسات الخارجية التي تتوافق مع هذه الأهداف(31).‏

ويمثل "النظام الأساسي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية" الذي تم الاتفاق عليه ووقع في أبو ظبي بتاريخ 25 أيار/ مايو 1981م، الوثيقة الأساسية للمجلس. وقد أشارت في ديباجتها إلى ما يربط بينها من "علاقات خاصة وسمات مشتركة وأنظمة متشابهة أساسها العقيدة الإسلامية"، وإلى "إيمانها بالمصير المشترك ووحدة الهدف التي تجمع بين شعوبها" وإلى رغبتها "في تحقيق التنسيق والتكامل فيما بينها اقتناعاً (منها بأن ذلك) يخدم الأهداف السامية للأمة العربية" وإلى أن ذلك يتماشى مع ميثاق جامعة الدول العربية. وهكذا يقدم الخليجيون مجلسهم هذا على أنه يتفق والميثاق الأخير وأنه خطوة على طريق الوحدة العربية الشاملة وأنه نموذج وحدوي ناجح(32).‏

ويرى عبد الله يعقوب بشارة الأمين العام الأسبق لمجلس التعاون أن المجلس قام استناداً إلى "ثلاث حقائق مبسطة" هي:‏

الحقيقة الأولى: أنه ليس هناك من "دولة عربية واحدة تستطيع أن توفر لنفسها أمناً وطنياً وقُطرياً وحتى اقليمياً بمعزل عن الأمن القومي العربي".‏

الحقيقة الثانية: أن قضايا التنمية، أطروحة اقليمية وحدوية، فلا يمكن توفير التنمية في إطار كيان صغير مغلق.. وبالتالي فإن قضايا التنمية في الوطن العربي، قضايا اقليمية، لا قطرية، فيها التكامل، وفيها التنسيق والتنوع.‏

الحقيقة الثالثة: أصبحت التجمعات الإقليمية سمة العصر. وفي ظل القطرية العربية، وفي إطار البحث عن صيغة توفق بين الخصوصية القطرية وحتمية التجمع، يصبح مجلس التعاون الخليجي صيغة منطقية للتجمع الإقليمي بين دول "لها السمات والخصوصيات التي تخلق منها وحدة واضحة وكياناً متكاملاً، وهي تملك "الماضي الواحد" في تشابكها العائلي، وتركيبتها الاجتماعية، واعتمادها على البر والبحر لمقاومة الانقراض.. وهو الصيغة المناسبة للم شمل أهل الخليج، وتوفير التجمع الإقليمي، الذي يضع نفسه فوق النبض القطري وتأمين الصيغة الجماعية التي تأخذ المنطقة إلى القرن الواحد والعشرين"(33).‏

وعموماً، فإن تجربة مجلس التعاون، كما يراها أمينه العام الأسبق، تتحاشى قصور التجارب الوحدوية العربية الفائتة، انطلاقاً من حاجات موضوعية ملحة، أهمها: ضرورة توفير الأمن والمحافظة على الثروة النفطية والتنمية الاقتصادية، وهي تقوم بين أقطار على درجة عالية من التجانس السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والجغرافي، والديمغرافي، كما أنها تقوم على صيغة واقعية عمادها الاقناع والاقتناع، والرضى والتراضي، دون إصرار على قوالب دستورية متقدمة أو التزامات صارمة(34).‏

وإذا كانت هذه هي نظرة التجمع الخليجي إلى نفسه، فهل يعني ذلك أنه لا يواجه صعوبات أو مسائل تحتاج إلى جهود وإجراءات وحلول واقعية؟‏

إن ما يهمنا هنا وبصورة مباشرة ما يتصل بموضوع بحثنا هذا، ويتمثل في الإشارة ولو بشكل عابر إلى أهم إشكاليتين تواجهان المجلس، وتتمثلان بـ (35):‏

1-"إشكالية الاندماج بين تكوين إقليمي عربي فرعي متمايز من ناحية، والارتباط التكاملي مع الوطن العربي ككل، من ناحية أخرى".‏

2-"إشكالية الاندماج الاقتصادي والسياسي في ظروف غير طبيعية".‏

ووفق ما يراه واضعو "التقرير الاستراتيجي العربي" (لعام 1987م) في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بدار الأهرام، فإن الإشكاليتين المذكورتين ترتبطان بطبيعة الإجابة عن التساؤل التالي، الذي يقدم معياراً لمدى الترابط بين الاندماج الاقتصادي الإقليمي من ناحية، والتكامل الاقتصادي العربي، من ناحية ثانية. وهذا التساؤل والمعيار هو: "مدى توظيف الموارد في فروع وقطاعات تتكامل ضمناً مع بقية الاقتصاديات العربية غير الخليجية"(36). فمتى كانت هناك مزايا نسبية تفوق فيه الفروع والقطاعات الخليجية مثيلاتها العربية، وتقدم فيه أداء أفضل وإنتاجية أعلى وتكلفه اقتصادية أقل، فإن ذلك يمثل خطوة في الاتجاه التكاملي القومي الصحيح. والعكس صحيح كذلك. وهو أمر لا يتحقق قطعاً في القطاع الزراعي. وبالتالي فإن الإصرار على إنتاج الغذاء بصرف النظر عن تكلفته الاقتصادية سيعني هدراً مالياً غير عقلاني، كما سيؤدي إلى الابتعاد عن أهداف التكامل العربي.‏

وكذلك الأمر بالنسبة إلى القطاع الصناعي، حيث أقيمت صناعات في العديد من أقطار المجلس، "وقد استندت هذه الصناعات إلى القدرة المالية الهائلة للدول النفطية، وهي إما مملوكة بالكامل ملكية عامة، أو أقيمت بالاشتراك مع رأس المال الأجنبي، وأغلب هذه الصناعات أقيمت وفقاً لاستراتيجية التصنيع للتصدير"(37). وقد تزيد هذه السياسة التصنيعية من الاعتماد على الخارج كأسواق للتصريف وكمورد للخبرات الفنية والإدارية والتقانية المتقدمة والسلع الوسيطة اللازمة لتشغيل هذه المشروعات الصناعية الضخمة، إضافة إلى قلة المشاريع الصناعية المشتركة، الأمر الذي يحد من درجة التشابك الصناعي بين بلدان المجلس، وقد ضاعف من الصعوبات التي تواجهها بلدان المجلس في حقل الصناعة عموماً قيام السوق الأوروبية المشتركة عام 1985م بفرض الحماية على وارداتها من المنتجات البتروكيماوية.‏

ويرى خبراء آخرون أكثر تفاؤلاً فيما يخص تجربة مجلس التعاون أنه ليس هناك من ضرر من العمل على تحقيق اتحاد بين تلك الأقطار التي تتماثل فيها الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالشكل المشار إليه سابقاً.‏

أما بالنسبة لقلة الاستثمارات الخارجية في المنطقة العربية، فإنها تعود إلى عدد من العوامل، التي لا تخص بلدان الخليج وحدها، وإنما تعود إلى التردي السياسي العربي أيضاً بخاصة خارج الخليج، وانخفاض عائدات النفط بشدة، واقتصاد الجهد العربي في تنشيط القطاع الاقتصادي العربي المشترك على رسم الاستراتيجيات، ووضع الأطر المشتركة التي ظلت في أغلب الأحيان هياكل فارغة(38).‏

وفي الدورة الرابعة عشرة للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، المنعقد في الرياض خلال الفترة من 7-9 رجب 1414هـ الموافق 20-22 كانون الأول/ ديسمبر 1993م، عبر المجلس في المجال الاقتصادي عن ارتياحه لزيادة التبادل التجاري بين دول المجلس وازدياد عدد المستفيدين من أحكام الاتفاقية الاقتصادية الموحدة مما يعزز ترابط المصالح بين المواطنين. وفي هذا الإطار وجه مجلس وزراء المالية بمواصلة السعي للوصول إلى اتفاق على تعرفة جمركية موحدة. كذلك أقر المجلس الأعلى التوصية المرفوعة بشأن معاملة مواطني دول المجلس العاملين في القطاع الأهلي معاملة مواطني الدولة العضو مقر العمل بعد التوظيف وفق الضوابط التنفيذية المقترحة من وزراء العمل. وعبر المجلس عن ترحيبه بالاتفاق الذي توصلت إليه الدول المتعاقدة في إطار الاتفاقية العامة للتعرفة الجمركية والتجارة (الجات). بالإضافة إلى استمرار التنسيق والتعاون فيما يتعلق بالسياسة البترولية، بما في ذلك المساهمة المشتركة في إجراء تخفيض في الإنتاج الحالي، والعمل على استقرار السوق البترولية العالمية، المضطربة نتيجة الفائض الكبير من البترول المعروض الذي أوجد تأثيراً سلبياً على اقتصاد الدول الأعضاء(39).‏

رابعاً- عقبات في طريق التكامل:‏

لقد خلقت التشوهات التي حدثت بفعل عوامل كثيرة، من أهمها الهيمنة الأجنبية علىمقدرات الوطن العربي سلسلة من التناقضات القطرية والإقليمية، أبرزها وأكثر خطورة ظاهرة التجزئة والتفتت. وقد أنتجت هذه الظاهرة بدورها جملة أخرى من التناقضات، مثل التفاوت في مساحات الدول والكيانات العربية، والتفاوت في عدد السكان، وفي الموارد والثروات الطبيعية، وفي أهمية الموقع الجغرافي، وفي نوعية التكوينات الاجتماعية، والاستقرار المدني -الحضري، وفي المستويات التعليمية.. الخ، ولقد عطل عصر الهيمنات الاستعمارية المختلفة النزوع العربي الطبيعي نحو التكامل، فتحول مجرى التعامل والتجارة نحو الاعتماد على الخارج، وانقلب شيئاً فشيئاً إلى قيود ربطت الأقاليم والأقطار العربية فُرادى ومجموعات بتلك الأسواق، وتطور التفاوت بين أجزاء الوطن الواحد إلى وضع معاكس للتكامل المأمول. وقد شاع هذا الوضع المشوه وتكرس بفعل عوامل كثيرة لا مجال للخوض فيها هنا، في مقدمتها اتباع سياسات اقتصادية ذات توجهات متنافرة تحكمها عوامل متشابكة من الفرقة والخصام والتناحر. ومنذ مطلع الستينات، ورغم الاتفاقيات المعقودة في إطار الجامعة العربية، انهمكت البلدان العربية في تنفيذ خطط انمائية جرى تصميمها على أساس من الانكفاء على الذات القطرية، تحت تأثير أطروحات "الاستقلال الوطني" و"الاكتفاء الذاتي" و"الاعتماد على النفس" فأدت تلك البرامج والتوجهات والسياسات إلى مزيد من التنافر والتضارب والتباعد بدلاً من التقارب والتنسيق والتكامل، كما يجري في بقاع العالم الأخرى. ولا بد من الإشارة إلى حقيقة مرة، تتجلى في أن انجراف الأقطار العربية في منزلقات الاندماج المباشر وغير المباشر في الاقتصادات الغربية، كان مركباً ومتعدد الأبعاد والصور، وشاملاً للنواحي الاقتصادية والمالية والتجارية والتقانية.. الخ. و"كان من نتائج ذلك أن الموارد العربية، بما فيها رؤوس الأموال ومن الرجال أصحاب الكفاءات وأرباب العمل، تهاجر تباعاً، تسللاً أو فراراً نحو الخارج، بحثاً عن مأوى هناك. وإذا استمر الحال في التردي على هذا المنوال، فإنه يهدد بارتهان مستعص ومديد في شراك التبعية للقوى الأجنبية ذات القدرة على الاستغلال والخبرة الطويلة في النهب والاستنزاف(40).‏

ويتفق الخبراء والمختصون والدارسون العرب على تحديد جملة من العوائق والعقبات، أدت إلى فشل التكامل الاقتصادي العربي(41)، أهمها:‏

أ-عوائق اقتصادية:‏

1-إن آثار التبعية العربية للاقتصاد العالمي لم تقتصر على إعاقة نمو وتطور أنماط الانتاج التقليدية، بما تشتمل عليه من قوى إنتاجية وعلاقات إنتاج، بل كرست إضافة إلى ذلك واقعاً اجتماعياً- اقتصادياً شديد التعقيد، يمكن تسميته بالتكوين الاقتصادي -الاجتماعي المشوه أو متعدد الأنماط، الذي يضم كل التكوينات الاقتصادية المعروفة في التاريخ. ويتسم هذا الاقتصاد غير المتوازن بانعدام التجانس بين البنى المنتمية إلى مراحل اقتصادية مختلفة. ونشير في هذا المجال إلى أن البنى الاجتماعية- الاقتصادية للبلدان العربية هي حاصل جمعي وعشوائي لأنماط اقتصادية مختلفة، مع عدم تمتع أي من هذه الأنماط القائمة بالسيطرة على الأسلوب الإنتاجي. وما دام أن هذه التركيبة الانتقالية/ التعايشية هي المسيطرة على الاقتصاد، تبقى البنية الاجتماعية/ الاقتصادية انتقالية أيضاً. وبالتالي يظل الطابع الأساسي للاقتصادات العربية طابعاً انتقالياً كذلك. وهو أمر يتطلب إحداث تغيير سريع وجوهري في الهياكل الاجتماعية -الاقتصادية متعددة الأنماط والتي تشكل عائقاً موضوعياً كبيراً أمام التطور المطلوب(42).‏

وقد أشار إلى هذه المسألة الهامة التقرير الصادر عن الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية بقوله: "إن دول المجلس بالمقارنة بالدول النامية تعتبر دولاً غنية بسيولتها النسبية، فقيرة بهياكلها الاقتصادية والاجتماعية، ولذلك فهي تواجه تحدياً كبيراً وصعباً إلى جانب التحديات الأخرى من حيث أن مصدر سيولتها النقدية غير متجدد وعليها أن تحدث تطوراً سريعاً في البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية قبل نضوب مصدرها التمويلي الوحيد وهو النفط"(43).‏

وبكلمة أخرى إن محصلة ما شاب التطور الاجتماعي -السياسي لأقطار الوطن العربي من تشويه بسبب الهيمنة الأجنبية على مدى مئات السنين، انعكس بشكل أو بآخر، على بنيانها وهياكلها في الوقت الحاضر، وهو الذي فرض على كل منها ارتباطات قوية بالعالم الخارجي أقرب إلى أشكال التبعية الاقتصادية والعلمية والتقنية، بحيث أصبحت مع الزمن وتعقد الظروف المحلية والعربية والعالمية أقوى من تلقائية تكاملها بين بعضها البعض اقتصادياً أو تقاربها سياسياً، ومع التسليم بأن البيانات الرسمية والمعاهدات التعاقدية، في شأن التكامل العربي، تعبر عن نوايا صادقة لصانعي القرارات في الأقطار العربية، فالنتيجة الموضوعية لذلك هي أن نمو العلاقات الاقتصادية بين هذه الأقطار العربية، وبين العالم الخارجي، بخاصة الدول الصناعية الغربية، ما زال يتحقق بمعدل أقوى وأكبر مما هو بين الأقطار العربية (أكثر من 15 بالمائة سنوياً في المتوسط، في مقابل 3 بالمائة لعقد السبعينات) هذه الحقيقة الموضوعية لا يمكن تفسيرها إلا على أساس تشوه الهياكل الداخلية للأقطار العربية، الأمر الذي ما زال يكرس من علاقتها غير المتكافئة مع الدول والقوى العالمية التي أحدثت هذا التشويه أو ساهمت في تكريسه. كل ذلك يعني: "أن تشويه التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي للأقطار العربية، بفعل الهيمنة الغربية السافرة في الماضي، خلق اقتصادات عربية متشابهة في تبعيتها، ومتشابهة في وظائفها، ولكنها متنافرة وغير متكاملة فيما بينها"(44).‏

2-محاولة الاقتباس الآلي والتقليد الشكلي لتجارب التكتلات الاقتصادية الأخرى في العالم (من حيث الهياكل الإدارية وحيثيات القرارات وليس من حيث التطبيق طبعاً)، كتجربة السوق الأوروبية المشتركة، دون النظر إلى الإمكانيات الفعلية لواقع البلدان العربي ومدى ملاءمة تلك التجارب لظروف التاريخية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وعلى هذا النحو "سعى كل قطر عربي حتى الأقطار الصغرى.. في إقامة وحدات صناعة حديد، حيث أن هذه الصناعة قد أصبحت رمز الاستقلال الاقتصادي باعتبار الدور التاريخي الذي لعبته في أوروبا. والأمر على هذا النحو في الصناعة النووية والصناعة البتروكيماوية على سبيل المثال"(45).‏

3-غياب التصور الشامل، الذي يحدد الأهداف والوسائل والبرامج الزمنية للتنفيذ بصورة واضحة، مما أدى إلى عجز الفنيين والخبراء عن تقديم توصيات محددة وملزمة للأطراف كافة، كما انعكس هذا الغموض في عدم وضوح الأهداف المرحلية.‏

4-غياب التنسيق التجاري والإنتاجي بين هذه الأقطار لتصريف منتجاتها في الأسواق العالمية، واندفاعها في الوقت عينه لتحصيل من البلدان الغربية واليابان على التجهيزات ذاتها والتقانة ذاتها والسلع والمواد الكمالية والاستهلاكية ذاتها.‏

5-لقد أرجأت بعض الأقطار العربية تطبيق ست عشرة مادة من قرارات مجلس الوحدة الاقتصادية العربية الرامية إلى تقليص التعرفات الجمركية وإزالتها وإلى تحرير المبادلات، وذلك حماية لمواردها من القطع الذي تحصل عليه من الإيرادات الضريبية الناشئة عن التعرفات الجمركية.‏

6-غياب الجزاءات التي يمكن اتخاذها ضد الأقطار الأعضاء التي تنتهك القرارات المشتركة، والتي لا تفي بالتزاماتها الناتجة عن اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية واتفاقية السوق العربية المشتركة، مما يزيد من حجم العوائق الاقتصادية على طريق التكامل المطلوب.‏

7-غلبة الاتفاقيات الثنائية وضعف فاعلية الاتفاقيات متعددة الأطراف، الأمر الذي يزيد من حجم الصعوبات التي تواجه الجهد العربي المشترك.‏

8-تكاثر المؤسسات المالية والنقدية العربية مع نقص في التنسيق بين الأقطار العربية في الميدان المالي. يضاف إلى ذلك حدة التناقضات القائمة بين مصارف التوظيفات العربية أو الصناديق العربية ذات الأنشطة المالية والبنكية في البلدان الغربية، وبين الحاجة الماسة والمتزايدة للتمويل والاعانات ضمن الأقطار العربية(46).‏

9-بالنسبة للاستثمارات العربية داخل الوطن العربي، فهي تصطدم بعوائق ناشئة عن البنى الاقتصادية المجزأة والمفتتة من جهة، وبجملة من المصاعب الملازمة للهياكل الأساسية والتداخلات الروتينية والقرارات الاعتباطية وآليات العمل البدائية في الدول المضيفة من جهة أخرى. إضافة إلى حالة الطرق ورداءة وسائط النقل والتخزين وأجهزة الاتصالات والموانئ والمطارات وتجهيزات الطاقة والمياه وضعف الخدمات الفورية. مع محدودية آفاق السوق المحلية، بسبب انخفاض مستويات الدخل الفردي (في أغلب الدول العربية) أو بسبب سوء توزيعه بين المواطنين أو لقلة السكان أصلاً في البلد المضيف للاستثمارات المالية. يضاف إلى ذلك كله غياب الأسواق المالية، التي تسهل عمليات الاكتتاب أو تقوم بتسييل الأوراق النقدية عند الحاجة.‏

10-عدم الاستقرار الاقتصادي في عدد كبير من الأقطار العربية بسبب الاضطرابات والتضارب في التوجهات الاقتصادية والسياسات الاستثمارية، وافتقارها إلى قوانين موحدة أو منسقة لتنظيم الاستثمارات، أو بسبب الغموض العام في نصوص القوانين وفي تفسيراتها.‏

11-إن الدراسات المتابعة لتوجهات الاستثمار الخاص الوافد إلى بعض الأقطار العربية، تشير إلى أن الخيار الأول عند القطاع الخاص هو الاستثمار في العقار (بما في ذلك بناء العمارات التجارية وتأجيرها، وشراء أراض واعدادها للبناء ثم عرضها للبيع، في أجواء مشحونة بالمضاربات.. وغيرها) وقد تركزت مثل هذه الاستثمارات في أقطار معينة بالذات، مثل لبنان ومصر والمغرب. والمجال الآخر الذي تميل رؤوس الأموال الخاصة إلى الاستثمار فيه، كخيار ثان، هو قطاع وثيق الارتباط بالقطاع العقاري، وهو النشاط السياحي، بما في ذلك من إنشاء فنادق ومطاعم وأندية الترفيه. وإن تفضيل أصحاب الرساميل لهذه الأنواع من التوظيفات لرؤوس أموالهم، هو أمر مفهوم، ذلك أنها لا تتطلب معارف علمية ولا مهارات، ولا إعداد أكاديمي طويل، ولا هي عرضة لمخاطر الخسارة الكبيرة، بل تدر في معظم الأحوال الاعتيادية أرباحاً مضمونة إلى حد كبير.‏

"ولكن علاقة هذه الأنواع من الاستثمارات (العقارية والسياحية) بالتكامل الاقتصادي هي علاقة ضعيفة، لا تكاد تذكر. فالسياحة هي نشاط يقدم خدماته للسائحين الوافدين من الخارج وأغلبهم من بلدان أجنبية وبالتالي فهذا النشاط يتعامل مع الخارج، ولا يكاد يتعامل مع قطاعات عربية أخرى إلا قليلاً. وكذلك حال الاستثمار العقاري الذي يعتبر شبه عقيم بالنسبة إلى التنمية الاقتصادية عموماً، ناهيك عن خصوصية التكامل الاقتصادي(47).‏

12-حالات التضخيم الذي تسبب تدهوراً مستمراً في قيمة العملة الوطنية واضطرابات كبيرة في أسعار الصرف، إضافة إلى الارتباط النقدي بدوائر النقد العالمي ومناطقه الشهيرة كالدولار والاسترليني والفرنك الفرنسي. ولقد تعززت هذه التبعيات النقدية بصورة عميقة ومتينة مع ازدياد الطلب العالمي على النقط العربي، والتخفيض الفعلي للدولار الأمريكي، الذي ترتبط به عائدات النفط العربي الضخمة، مما يوقع خسائر كبيرة في القدرات الحقيقية للأموال العربية النفطية(48).‏

13-من عوائق الاستثمارات المالية العربية (في الوطن العربي) وجود تعددية في الأجهزة المشرفة على عمليات الاستثمار، أو افتقار تلك الأجهزة إلى دليل واضح لتنفيذ الإجراءات المتعلقة بالترخيص للاستثمارات العربية الوافدة، الأمر الذي يُفتُّ في عضد المستثمر ويصيبه بالإحباط والإرهاق ويعطل مصالحه.‏

14-إذا كان القطاع الخاص يعاني من التأثيرات السلبية لكل هذه العوائق، فإن المشروعات المشتركة تكابد هي الأخرى مجموعة من المشكلات الخاصة بها، رغم كونها مشروعات تم انشاؤها بموجب اتفاقيات بين الدول، ووقعها مسؤولون وأصحاب قرار(49).‏

ب-عوائق سياسية:‏

1-اختلاف الأنظمة السياسية وأشكال نظم الحكم فيها، بما يترتب على ذلك تباين في الأولويات الاجتماعية والفكرية، وفي الاختلاف حول هدف الوحدة الاقتصادية وسبلها، الأمر الذي أدى وضوح الأهداف السياسية وعدم استقرارها عبر مدة معقولة من الزمن.‏

2-انعكاس الخلافات السياسية على العلاقات الاقتصادية بين البلاد العربية.‏

3-العوامل الخارجية كسياسات الدول الكبرى تجاه المنطقة العربية، ونشاط الشركات متعددة الجنسيات، علاوة بالطبع على دور إسرائيل.‏

4-عدم وجود المناخ والآليات الضرورية لترشيد القرارات السياسية الخاصة بالعمل العربي المشترك. حيث أن عدداً كبيراً من مؤسسات التنسيق الاقتصادي لا يملك حق إصدار القرار، وإنما يصدر مجرد توصيات، وحتى تلك التي تملك حق اتخاذ القرار لا تملك القدرة على تنفيذه(50).‏

5-تتفق كل الدراسات الخاصة بتحليل أسباب فشل التكامل الاقتصادي العربي على تشخيص عامل أساسي، وربما وحيد لعرقلة التكامل والوحدة وهو: غياب الإرادة السياسية وغياب الاختيار الحر. فالقرارات عندما تتخذ في غياب الإرادة السياسية وغياب الاختيار الحر، فإنها تتخذ بوسيلة من ثلاث: إما بالمجاملة، أو بالمسايرة، أو بالإكراه.‏

ذاً، إن غياب الإرادة السياسية اللازمة كان هوالعامل المباشر الأساسي، الذي أدى إلى تواضع ومحدودية النتائج التي حققها العمل الاقتصادي العربي المشترك (اللازم للتكامل) منذ بدايته في ظل الجامعة وقت انشائها في عام 1945م حتى الآن، وإلى عدم تحقيق هذا العمل للأهداف المقصودة منه، التي نصت عليها وتضمنتها اتفاقاته ومواثيقه العديدة، والذي حد من فاعليته وعرقل تطويره.‏

ونحن نتفق في هذا السياق مع رأي أحد الباحثين العرب، الذي يرى أنه على الرغم من وجود بعض العوامل الأخرى التي أوجدت آثاراً سلبية في هذا العمل الاقتصادي العربي المشترك، إلا أنه كان من الممكن علاج هذه الآثار والتغلب عليها جميعاً، بل كان من الممكن أيضاً استبعاد هذه العوامل الأخرى نفسها. وإذا كانت الإرادة السياسية العربية قد التزمت التزاماً حقيقياً ومخلصاً بهذا العمل الاقتصادي العربي المشترك وعملت على تحقيق متطلباته على نحو حقيقي وفعال، فلأنها كانت ستعمل عندئذ على إزاحة هذه العوامل والقضاء عليها. ومن هنا استمرار العوامل الأخرى المعرقلة للعمل الاقتصادي العربي المشترك يمكن إرجاعه، إلى حد كبير، إلى غياب الإرادة السياسية اللازمة لهذا العمل(51). لأنه حتى في حال تطبيق الاتفاقيات والقرارات المتعلقة بالتكامل الاقتصادي العربي، فإن استمرار تطبيقها غالباً ما يتأثر بما يحدث من تقلبات طارئة في العلاقات السياسية بين الحكومات أو حكام الأقطار العربية الأعضاء. والواقع أن "هذه الحقائق العديدة ليست كلها سوى مظاهر وآثار لغياب الإرادة أو ضعف الإرادة السياسية اللازمة لتحقيق العمل الاقتصادي العربي المشترك ونجاحه. وهي تشير في مجملها إلى أن البلدان العربية لا يتوافر لديها ما يلزم لعملية التكامل الاقتصادي من إرادة سياسية"(52).‏

خامساً- مقترحات لتفعيل التكامل الاقتصادي العربي:‏

في ضوء المعطيات السابقة وما رافقها من تحليل لأهم الصعوبات والعقبات المعرقلة لمسيرة التكامل الاقتصادي العربي، يمكن التوقف بعجالة عند أهم الخطوات والأفكار والخطوط العريضة، التي يجمع أغلب الباحثين والمختصين والاقتصاديين العرب على أنها تشكل في مجملها اتجاهات استراتيجية معقولة لتفعيل وتطوير العمل العربي المشترك بصفة عامة، والتكامل الاقتصادي العربي على وجه الخصوص(53)، وتتلخص بما يلي:‏

1-في ظل الاخفاقات الحاصلة في تحقيق التكامل الاقتصادي العربي واستمرار التحديات المتمثلة في التناقضات الهيكلية، وسيادة الأنماط التنموية القطرية، إضافة إلى المستجدات ذات الطبيعة السياسية والاقتصادية في الوطن العربي، فقد بدأت بعض الأصوات ترتفع بضرورة إعادة النظر في قرارات العمل الاقتصادي العربي المشترك المتخذة سابقاً، والانطلاق من الواقع السياسي والاقتصادي العربي، وتجنب الطموحات الكبيرة، التي تتعارض مع المصالح القطرية، وأن تكون الأهداف المطروحة منصبة على تسريع وتأثر التنمية الشاملة في الأقطار العربية، والعمل على تنسيق خطط التنمية القطرية فيها، انطلاقاً من الواقع السياسي للبلدان العربية في المرحلة الراهنة. وهذا يعني أن التنمية العربية لا بد أن تبدأ بالتنمية القطرية، على ألا ينظر إلى التنمية القطرية بمعزل عن حركة العمل الاقتصادي العربي المشترك، بل كتطبيقات عملية مكملة ومعززة له.‏

2-هناك شبه اجماع بين الدارسين والباحثين بشؤون العمل العربي المشترك على أهمية التجمعات الجهوية أو الإقليمية العربية، حيث يرمي العمل المشترك داخل كل واحدة من المجموعات الإقليمية إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي عن طريق استراتيجية واحدة للتنمية تضمن الوصول إلى هذا الاكتفاء بكلفة أيسر وفي مدى زمني أقصر مما يتيسر انجازه لأي واحد من الأعضاء على انفراد. ولا شك في أن الانتقال من أوضاع التنمية القطرية المنعزلة، بما لها من حالات عوز ونقص، إلى مرحلة للتنمية الجهوية المتكافئة، يتطلب مدى زمنياً ومراحل للتدرج، لإقامة المشاريع التكاملية مكان التوجهات الانفرادية، ولبناء التكامل الانتاجي بين وحدات الإنتاج والمشاريع، ولتحقيق التكامل التسويقي وتوسيع نطاق المتاجرة، وصولاً إلى التكامل الإنمائي الذي يتيح فرصاً جديدة للاستثمار استثماراً مجدياً، وخلق مجالات جديدة لتشغيل القوى العاملة وسائل عوامل الإنتاج المتاحة. ومن المؤكد تقريباً أن التدرج في إنجاز التكامل بين الاقتصادات الإقليمية (لبلدان مجلس التعاون الخليجي وبلدان المغرب العربي) يشكل عنصراً جوهرياً يكفل في حال تحقيقه الوصول إلى درجة مواتية من الانسجام الذاتي داخل كل مجموعة إقليمية أولاً، ومن ثم بلوغ المستويات الرفيعة من التعاون المجدي بينها وبين المجموعة الإقليمية العربية الأخرى أو المجموعات، التي يمكن أن تنشأ في مراحل لاحقة. ومن المنطقي أن الانسجام الذاتي داخل كل مجموعة (إقليمية أو جهوية) شرط مسبق، إذا توافر، تيسر التعاون بينها وبين سائر المجموعات الإقليمية العربية وغير العربية، وتوضحت فرص هذا التعاون ومضامينه. إذ لا يمكن أن ينطلق التعاون من فراغ وأن يحصل في غياب قابليات التكافؤ وتناسب المضامين، ومن غير الحوافز لقيامه.‏

إن إنشاء التعاون بين المجموعات العربية، لا بد له أيضاً من خطة مدروسة بعد التعبير عن الإرادة السياسية للعمل على تحقيقه، وتستند هذه الخطة إلى عوامل الائتلاف بين هذه المجموعات محتاطة لعوامل التنافر، راصدة ميادين التكامل الاقتصادي العربي، بعد الاستفادة من التجارب السابقة والمعطيات الجديدة.‏

3-لا بد من إعطاء دور واضح المعالم للقطاع العربي الخاص في المشاركة الفعالة والمحصنة بالنشاطات الاقتصادية المشتركة، والعمل على أن يكون هذا الدور أساسياً واستراتيجياً، لمساعدة الاقتصاد العربي على مواجهة التحديات الحالية، والحد من الخروج وهروب رؤوس الأموال العربية الخاصة إلى الخارج، بحثاً عن المضانات القانونية وفرص النجاح والاستقرار المؤسساتي والاقتصادي والسياسي.. الخ. إذ أنه رغم أن للقطاع الخاص دوراً مهماً ومهيمناً في معظم الاقتصادات العربية، ولا سيما في قطاعات الأعمال الزراعية والتجارة والخدمات، فقد اقتصرت استراتيجية العمل الاقتصادي العربي المشترك التي أقرتها قمة عمان عام 1980م على الأنشطة الاقتصادية الرسمية، ولم تعط للدور الذي يمكن أن يمارسه النشاط الخاص والتنظيمات الاقتصادية والتجمعات المهنية الأهمية التي تستحقها في دفع عملية التقدم وتسريع وتأثر التنمية الشاملة، مما يسهم عملياً في خلق تشابكات اقتصادية ومصالح بينية عربية متبادلة بين مواطني الدول العربية، بحيث تشكل قوة ضغط كبير تحول دون تخريب هذه العلاقات تبعاً للأهواء وتقلبات المناخ السياسي العربي الكثيرة والمفاجئة والخطيرة أحياناً.‏

4-في ظل الأوضاع الحالية في الوطن العربي من الأفضل والأجدى فصل السياسة وتبدلاتها ما أمكن عن العلاقات والمؤسسات الاقتصادية لأن الارتباط بين الجانبين، وخصوصاً إذا طغت الأمور السياسية (وهو ما يجري في أغلب الأحيان)، سيعيق بالتأكيد مسيرة التكامل، بينما لو تمكنت الجهات العربية المسؤولة من فصلهما إيجابياً، لأفسح المجال واسعاً أمام التكامل الاقتصادي للتطور دون عوائق ومفاجآت مخيبة للآمال. وهو تكامل من شأنه أن يسهم في بناء قاعدة اقتصادية ومشاريع مشتركة ورصيد من الأنشطة الإنتاجية والخدمية المتبادلة يصعب فكها بقرارات سياسية متعجلة أو بردود أفعال آنية.‏

5-إن تصحيح ورسم سياسة واقعية لمسيرة العمل العربي المشترك مستقبلاً، يستلزمان تقويم تجارب الماضي بعقلانية وموضوعية وبروح التعاون والتضامن، بعيداً عن العواطف والشعارات والمواقف الأيديولوجية المسبقة. وقد يتوصل المعنيون (خصوصاً الخبراء والعلماء والفنيون ورجال الأعمال والاقتصاديون) إلى أساليب وصور جديدة من التعاون والتكامل على صعيد المجموعات الإقليمية مثلاً. وقد يتوصلون إلى ضرورة التعاون عبر أجهزة الجامعة العربية. أو قد يتفقون على أن الإطار التعاوني بين المجموعات الإقليمية أفضل وأجدى من الاتفاقيات المعقودة إلى اليوم بين البلدان الأعضاء في الجامعة. فلا بد عندئذ من أن تكون للتعاون المباشر حوافز ومزايا ميسرة لم يتوافر مثلها في الإطار القومي، المطبق إلى الآن، تجعله أقل إشكالاً وأقرب للواقع وأسرع إنجازاً وأيسر كلفة. ولولا هذه المزايا وتلك الحوافز والمعطيات لما كان فرق بين ما صدر من قرارات وتوصيات (بلغت الآلاف) بشأن العمل العربي في إطار الجامعة العربية وبين هذا اللون الجديد (التكامل الإقليمي) من التعاون بين الأقطار الأعضاء ذاتها، ولما كان هناك من داع لإنشاء هذا الإطار التعاوني الجديد، ولا من مسوغ لوضع التعاون خارج الأطر القومية التقليدية السابقة، التي لم تثبت نجاحها وجدواها في ضوء التجربة، التي جرت منذ حوالي نصف قرن إلى اليوم. والمهم في ذلك كله أن يتوافر شعور عميق بالفاعلية الأكبر للحركة العربية المشتركة، بصرف النظر عن المسميات والأشكال. أي أن تتحقق مصلحة للأقطار العربية في التنسيق والتكامل أكبر مما يتحقق فيما لو تحركت هذه البلدان فرادى. وهذا يعني أنه لكي تكون الخطوات والمشاريع المقترحة قابلة للتجسيد والتطبيق العملي، يجب أن تتضمن حوافز جاذبة للمشاركة فيها من الأقطار كافة، بحيث تجد مختلف الأطراف مصلحتها الحيوية المباشرة في التنفيذ. والأساس في هذه الحوافز والدوافع يكمن في تأمين الفائدة للجميع، وليس لطرف أو لقطر على حساب طرف أو قطر آخر. فالتعاون العربي المجدي يجب أن يبنى على التكافؤ، سواء في المنافع أو في التضحيات. مع ضرورة التركيز في المرحلة التأسيسية من التنسيق الاقتصادي على المشروعات التي يمكن أن تحقق أكبر قدر من المنافع الملموسة، وأقل قدر من الخسائر بالنسبة إلى البلدان الداخلة في عملية التعاون.‏

6-أن تكون المشاريع المختارة للتنسيق قادرة على المنافسة مع الخارج، فعندئذ يمكن أن يحل الاعتماد العربي محل الاعتماد الأجنبي، أو على الأقل يصبح التعاون العربي مقنعاً ومرضياً وباعثاً على الاستمرار وبذلك الأموال وإقامة المشاريع. وفي كل الأحوال لا بد قبل التنفيذ من دراسات ميدانية ومتكاملة لمستشاري البلدان الراغبة في التعاون، بحيث تتضمن كيفية استثمار واستغلال الموارد والجهات الأنسب لإقامة المنشآت المشتركة فيها، وضمانات الاستثمار القانونية وغيرها من الضمانات.‏

7-أن يقوم الخبراء العرب والأجهزة العلمية والفنية المتخصصة بدراسات دقيقة للموارد الموجودة والمتاحة في الدول المعنية، وإجراء مسح شامل ودقيق للقوى العاملة والكفاءات والخبرات العربية، وإيجاد النواظم الرسمية والقانونية لضمان حرية تنقلها بين البلدان العربية، ولكن ليس بصورة عشوائية، بل عن طريق التخطيط الشامل والاتفاقيات البينية المحددة والواضحة لكيفية تنقلاتها واستخدامها، والاستفادة منها، ومن ضمن ذلك -إعادة توزيعها وتأهيلها، ومحاولة استعادة ما هاجر منها إلى خارج الوطن العربي.‏

8-من البديهي أن يقوم التنسيق الناجح بين البلدان العربية على إزالة العقبات القائمة حالياً من أمام التجارة العربية البينية، وضرورة تنسيق سياسات الاستيراد والتصدير، وما يتصل بكل منهما من أنظمة مختلفة، مع دراسة دقيقة لحاجات الوطن العربي ومواطنيه من السلع الزراعية والغذائية والاستهلاكية.‏

9-وأخيراً، دراسة التوجهات العامة للاستراتيجيات والخطط التنموية المطبقة حالياً في البلدان العربية، واستكشاف مدى توافق اتجاهاتها أو تعارضها مع أهداف التنمية العربية المتكاملة، بغية وضع الحلول العملية لهذه المسائل الجوهرية باتفاق وتعاون الأطراف كافة.‏

الهوامش :‏

1- محمود الحمصي، "دور القطاع العام والقطاع الخاص في تحقيق التكامل الاقتصادي العربي"، "المستقبل العربي" السنة 13، العدد 142، (كانون الأول/ ديسمبر 1990)، ص124-125‏

2- أ. بروجوروف (محرراً رئيساً) وآخرون، الموسوعة الاقتصادية الروسية (في أربعة أجزاء)، الجزء الثاني، (موسكو: 1975)، ص29-35.‏

3- محمد محمود الإمام، "التكامل الاقتصادي العربي بين عقدين"، المستقبل العربي، السنة 13، العدد 128، (آب/ أغسطس 1990) ص47.‏

4- انظر: ماجد نعمة (مدير التحرير) ومجموعة من المحررين، موسوعة السياسة (في سبعة أجزاء)، الجزء السابع، (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1994)، ص266-267.‏

5- خالد تحسين علي: "أزمة الغذاء والعمل الاقتصادي العربي المشترك"، المستقبل العربي"، السنة 12، العدد 123، (أيار/ مايو 1989)، ص99-111‏

6- انظر: جامعة الدول العربية، الأمانة العامة، مؤتمرات القمة العربية: قراراتها وبياناتها، 1946-1985، أعداد مكتب الأمين العام، مركز التوثيق والمعلومات (تونس الجامعة، 1987)، ص127-128‏

7- المصدر نفسه، ص134‏

8- انظر نصوص الاتفاقية، مع ملحق التحكيم، في المصدر نفسه، ص145-160‏

9- كتاب قرارات العمل المشترك الصادر عن الأمانة العامة لمجلس التعاون -الطبعة الرابعة 1993- م ص60-61‏

10- انظر: حسن مرهج العماش، "الصناديق العربية ودورها الإنمائي: تصور التسعينات"، "المستقبل العربي" السنة 14، العدد 153، (نوفمبر 1991) ص54-55.‏

11- خالد تحسين علي، "أزمة الغذاء والعمل الاقتصادي العربي المشترك"، مصدر سابق، ص110‏

12- يوسف أ. صايغ، الاقتصاد العربي: منجزات الماضي وآفاق المستقبل، ترجمة الدكتور عز الدين جوني (دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1990)، سلسلة الفكر الاقتصادي (12)، ص163‏

13- جامعة الدول العربية، الأمانة العامة، التقرير الاقتصادي العربي الموحد، 1988، ص125‏

14- نقلاً عن: موجز يوميات الوحدة العربية، تشرين الثاني/ نوفمبر 1994، إعداد قسم التوثيق في مركز دراسات الوحدة العربية- مجلة "المستقبل العربي"، السنة 17، العدد 191، (كانون الثاني/ يناير 1995)، ص164‏

15- استناداً إلى المعطيات الاحصائية الواردة في دراسة محمود الحمصي، "دور القطاع العام والقطاع الخاص في تحقيق التكامل الاقتصادي العربي"، مصدر سابق، ص134-141‏

16- اعتمدنا هنا على الدراسات والبحوث التالية: إبراهيم سعد الدين، ومحمود عبد الفضيل، انتقال العمالة العربية: المشاكل، الآثار السياسات، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1983)، محمد العوض جلال الدين، "العمالة الوافدة إلى الأقطار العربية: الوضع الراهن واحتمالات المستقبل"، "المستقبل العربي"، السنة 7، العدد 74، (نيسان/ ابريل 1985)، نادر فرجاني، الهجرة إلى النفط: أبعاد الهجرة للعمل في البلدان النفطية وأثرها على التنمية في الوطن العربي، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1983).‏

17- نادر فرجاني، الهجرة إلى النفط..، ص155-157‏

18- المصدر نفسه، ص156-157‏

19-محمود الحمصي، "دور القطاع العام والقطاع الخاص في تحقيق التكامل الاقتصادي العربي"، ص139-140‏

20- للإطلاع على مزيد من التفصيلات والمعطيات الرقمية، انظر سميح مسعود برقاوي، المشروعات العربية المشتركة: الواقع والآفاق، سلسلة الثقافة القومية، (17)، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1988.‏

21- يوسف صايغ، الاقتصاد العربي...، ص164‏

22- مقتطفات من ورقة عبد المنعم السيد علي التي قدمها إلى مؤتمر اتحاد الاقتصاديين العرب الحادي عشر، المنعقد في الدار البيضاء ما بين 3-5 تشرين الأول/ أكتوبر 1989م. وانظر دراسته: "الاقتصاد السياسي للمداخل الإقليمية للتكامل الاقتصادي العربي"، "المستقبل العربي" السنة 12، العدد 132، (شباط/ فبراير 1990)، ص64 وما بعدها.‏

23- الدكتور محمد الرميحي، في: فهد الفانك (محرر) الدولة القطرية وإمكانيات قيام دولة الوحدة العربية (عمّان: منتدى الفكر العربي، 1988)، ص26‏

24- المصدر نفسه، ص36-37‏

25- علي أومليل، "الوجدان العربي الوحدوي حقيقة، لكن التعدد واقع تاريخي"، في المصدر السابق، ص58‏

26- محسن عوض، "محاولات التكامل الإقليمي في الوطن العربي"، "المستقبل العربي"، السنة 11، العدد 121 (آذار/ مارس 1989)، ص83‏

27- المصدر نفسه.‏

28- المصدر نفسه.‏

29-عبد المنعم السيد علي، "الاقتصاد السياسي للمداخل الإقليمية للتكامل الاقتصادي العربي"، ص72.‏

30- مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، التقرير الاستراتيجي العربي، 1987، تحرير السيد يسين (القاهرة: المركز، 1988)، ص288.‏

31- المصدر نفسه.‏

32- عبد الله يعقوب بشارة، "التعاون الإقليمي خطوة على طريق الوحدة العربية"، في فهد الفانك، محرر، الدولة القُطرية..، ص87-89‏

33- بشارة، المصدر السابق نفسه، ص90-91‏

34- استقينا هذه المعلومات من: عبد المنعم سيد علي، "الاقتصاد السياسي للمداخيل الإقليمية للتكامل الاقتصادي العربي"، ص64-88‏

35- مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، التقرير "الاستراتيجي العربي"، 1987-ص288‏

36- المصدر نفسه، ص295‏

37- المصدر نفسه، ص297‏

38- محسن عوض، "محاولات التكامل الإقليمي في الوطن العربي"، ص88‏

39- انظر البيان الصحفي الختامي للدورة الرابعة عشرة للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية في مجلة "التعاون"، السنة 8، العدد 33، (شوال 1414هـ/ مارس 1994م)، ص151-155‏

40- محمود الحمصي، "دور القطاع العام والقطاع الخاص في تحقيق التكامل الاقتصادي العربي"، ص145-146‏

41- انظر محمد لبيب شقير، الوحدة الاقتصادية العربية: تجاربها وتوقعاتها، ج2، ص913-915، وكذلك مجدي حمّاد، "المنظمات الإقليمية ومسألة الوحدة، ص116-117، ومحمود الحمصي، "دور القطاع العام والقطاع الخاص في تحقيق التكامل الاقتصادي العربي"، ص118-119‏

42- عالجنا هذه الإشكالية بالتفصيل في بحثنا الموسوم بـ "تأثير البنية الاجتماعية الاقتصادية على العملية التنموية في العالم الثالث والوطن العربي". في "شؤون اجتماعية"، التي تصدر عن جمعية الاجتماعيين بالشارقة، السنة 9، العدد 36، (شتاء 1992م/ 1413هـ)، ص37-69.‏

43- مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الأمانة العامة، مجلس التعاون لدول الخليج العربية: نظامه وهيكله التنظيمي وانجازاته (الرياض: الأمانة العامة)، ص137.‏

44- مجدي حمّاد "المنظمات الإقليمية ومسألة الوحدة"، "المستقبل العربي"، السنة 11، العدد 121، (آذار/ مارس 1989)، ص97‏

45- عبد الحميد ابراهيمي، أبعاد العام العربي وآفاقه، ص279-280‏

46- المصدر نفسه، ص284‏

47- محمود الحمصي، "دور القطاع العام والقطاع الخاص في تحقيق التكامل الاقتصادي العربي"، ص135‏

48- عبد الحميد ابراهيمي، أبعاد العالم العربي وآفاقه، ص271‏

49- المؤسسة العربية لضمان الاستثمار في الدول العربية، سلسلة دراسات اقتصادية واستثمارية، 7 (الكويت: المؤسسة، د.ت)، ص21‏

50- اعتمد رصد هذه العوامل والأسباب على نتائج دراسة مجدي حمّاد "المنظمات الإقليمية ومسألة الوحدة"، ص116‏

51- محمد لبيب شقير، الوحدة الاقتصادية العربية...، ج2 ص919‏

52- مجدي حماد، "المنظمات الإقليمية ومسألة الوحدة"، ص118‏

53- عولجت هذه المسألة بتفصيل واسع في عدد من الدراسات والبحوث، التي اعتمدنا قسماً من معطياتها الموضوعية، واستقينا منها المقترحات الخاصة باستراتيجية العمل العربي المشترك في مجال التكامل الاقتصادي، ومنها دراسات: حسين عادل (وآخرون)، التنمية العربية: الواقع الراهن والمستقبل، سلسلة كتب المستقبل العربي، 6 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1984)، محمد لبيب شقير، الوحدة الاقتصادية العربية: تجاربها وتوقعاتها (في جزئين)، (بيروت مركز دراسات الوحدة العربية، 1986)، الدكتور عبد الصاحب العلوان، "أزمة التنمية الزراعية ومأزق الأمن الغذائي"، "المستقبل العربي"، العدد 117 (تشرين الثاني/ نوفمبر 1988)، ص89، -122، وله أيضاً: "التجمعات الإقليمية وتحديات التنمية والأمن والغذاء"، "المستقبل العربي"، السنة 12، العدد 132 (شباط/ فبراير 1990)، ص89- 111، مصطفى الفيلالي، "التجمعات الإقليمية العربية"، "المستقبل العربي"، السنة 13، العدد 138 (آب/ أغسطس 1990)، ص24-35، وفي المصدر نفسه دراسة محمد محمود الإمام، "التكامل الاقتصادي العربي بين عقدين"، ص36-59، خلدون النقيب، "إطار استراتيجي مقترح للتنمية العربية"، "المستقبل العربي"، السنة 12، العدد 129 (تشرين الثاني/ نوفمبر 1989)، ص61-77، فوزي حليم رزق، "أهمية التنسيق بين الأقطار العربية لمواجهة مشكلة الأمن الغذائي العربي"، "المستقبل العربي"، السنة 14، العدد 147 (أيار/ مايو 1991)، ص68-93.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244