وجوه الماس البنيات الجذرية في أدب علي عقلة عرسان - محمد عزام

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:47 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الكلمة مصباح

فلنوقد ذاك المصباح‏

علي عقلة عرسان‏

الفصل الأول المنهج الموضوعاتي (الثيمي) في النقد الأدبي‏

إن كبار الأدباء لم يبدع أحدهم أكثر من عمل واحد‏

مستعاد في كتب عديدة، وبأجناس أدبية عديدة.‏

-مارسيل بروست‏

الاهتمام بالموضوعات من خصائص النقد الجذري (الثيمي) الذي يعتبر الجذر (أو الثيمة) تجربة، أوسلسلة من التجارب التي تؤسس وحدة محدودة في العمل الأدبي، تشبه الخلّية الرحمية، أو شبكة منظّمة من الأفكار الملحّة.‏

وبداية لابد من توضيح بعض مصطلحات هذا المنهج النقدي في تحليل الأدب، لأنها المفاتيح الأساسية لهذا العلم:‏

1- هناك التباس بين (الموضوعية) ،و(المواضيعية)، و(الموضوعاتية)، ذلك أن كلاً من هذه الألفاظ الثلاثة تدل على معنى محدد: فـ(الموضوعية) تدل على الموضوع OBJECT الفكري أو التأملي. وهي عكس(الذاتية). وقد اعتمدتها الدراسات النقدية التقليدية في بيان أفكارها الرئيسية، ثم أصبح منهجاً نقدياً مستقلاً في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين في بريطانيا وأمريكا، ومن أشهر رواده: ا.ا. رتشاردز، وت .س. إليوت، وكلينت بروكس (انظر كتابنا: المنهج الموضوعي في النقد الأدبي).‏

و(المواضيعية) نسبة غير موفقة إلى (الموضوع).‏

وأما (الموضوعاتية) فهي (الثيمية)، وتدل على (الموضوعات) الكامنة في الأثر الأدبي. و(الثيمة) THEME هي الجذر لهذه الموضوعات. وهذا الجذر يتصف بصفات محددة هي: القرابة السرية في العلاقات الخفية التي تنسجها عناصر (الموضوع)، والثبات الذي يعني أن الموضوع هو النقطة التي يتشكل حولها العالم الأدبي، والدينامية الداخلية في العلاقات الجدلية بين عناصر الموضوع وغيره من الموضوعات، في النص الأدبي. ومنعاً لهذا الالتباس بين هذه المصطلحات الثلاثة، فإننا نؤثر استخدام مصطلح الجذرية بمعنى الموضوعاتية (الثيمية).‏

2- استخدم مصطلح (الجذرية) من قبل النقاد الفرنسيين الذين بحثوا في شبكة الأفكار الملحّة في نصوص كاتب ما، بمعنى (الموضوع) الذي عالجه، أو (الفكرة) المسيطرة على كتاباته كلها. وقد انفرد بهذا المنهج الناقد الفرنسي المعاصر: جان بول فيبر، فوضع فيه كتابين : مجالات جذرية (1963) ، وستاندال: البنيات الجذرية في أدبه وحياته (1969).‏

3-النقد الموضوعاتي (الثيمي) منهج نقدي، ظهر في الخمسينات من القرن العشرين في النقد الفرنسي الذي تطوّر في ظل الألسنية والبنيوية ، وحاول أن يحافظ على استقلاله تجاه المناهج النقدية التقليدية والحداثية.‏

والجذر(أو الثيمة) عند فيبر يعني موقفاً أو حادثاً معيناً، يظهر بصورة شعورية أو لاشعورية، في أثر من آثار الكاتب، أو في مجموعة آثاره الأدبية، إما بصورة رمزية، أو بصورة واضحة.‏

وهكذا يقترب الجذر من (العقدة) COPLEX في المنهج النفسي، لأنه غالباً ما يكون لاشعورياً، ويرجع إلى طفولة الكاتب. فعقدة (اوديب) مثلاً التي تعني رغبة الطفل في القضاء على أبيه والحلول محله في الاستئثار بأمه، تقابلها عقدة(الكترا) التي تعني حب الطفلة لأبيها (والمثل العربي يقول: كل فتاة بأبيها معجبة) . هاتان العقدتان يمرّ بهما جيمع الأطفال بين السنة الثالثة والخامسة من العمر، ثم يتجاوزونهما إلى الصحة النفسية، باستثناء ندرة تتوقف عند هذه المرحلة أو عند غيرها من مراحل النمو الطفولي المتأخرة مثل: الشبق الفمي. وهذا التثبيت أو التوقف عند هذه المرحلة يظهر في نتاج الأديب.‏

وقد استطاع المنهج الجذري (الثيمي) استخلاص الموضوعات الملحّة أو المتكررة في نتاج الأدباء، فوجد أن (الساعة) هي موضوع ملحّ عند الشاعر الفرنسي الفريد دي فيني، وأن مسرحيته (شاترتون) ما هي إلا مواجهة لمأساة الزمن الضائع والساعة المنتصرة. وأن (الطير) الذي وقع في الفخ، أو الطير المحتضر هو موضوع ملحّ متكرر عند الشاعر مالا رميه. وأن (برج الفئران) هو الجذر المتكرر لدى فيكتور هوغو. وأن (الأرض اليباب) هي موضوع الشاعر المشهور ت.س . إليوت. و(ازدهار الإخفاق) هو موضوع فرجينيا وولف، و(إخفاق الحساسية) هو موضوع الكاتب الأمريكي الكبير إرنست همنغواي.. إلخ.‏

وفي أدبنا المعاصر يمكننا القول، بعد دراسة عينات من نتاج بعض أدبائنا المعاصرين، إن (قمع الحرية) في عهد النفط هو الموضوع الرئيسي عند الروائي عبد الرحمن منيف، وإن (التاريخ) هو موضوع نبيل سليمان، و(البحر) هو ثيمة حنامينة، و(الصحراء) هي ثيمة العجبلي، و(حلب قصدنا) ثيمة وليد إخلاصي، و(لابد من صنعا) ثيمة الشاعر عبد العزيز المقالح، و(الوعي الشقي) ثيمة محمد زفزاف، و(خيبة الأمل) ثيمة محمد إبراهيم بوعلو، و(الغربة) الناتجة عن الظلم هي ثيمة علي عقلة عرسان.. إلخ.‏

وبما أن الأثر الأدبي للكاتب يعبّر، من خلال عدد لاحصر له من الرموز عن جذر واحد أو فكرة مسيطرة ، وأن هذا الجذر قد يكون ناتجاً عن حادث منسي في طفولة الكاتب، فإن الناقد يمكن أن يخمّن الفكرة المتسلطة أو الثابتة في النتاج الأدبي للكاتب، ثم يعمل على استخلاص الأمثلة التي تؤكد فرضيته، أو أن يستقرئ النتاج الأدبي ليتلمس جذوره أو أفكاره الثابتة المتكررة، ثم يعود إلى طفولة الكاتب ليبحث فيها عما إذا كان هنالك حادث أو موقف ترك تأثيره في نفسيته.‏

وقد استعان النقد الموضوعاتي بتيارين فكريين: الألسنية،والتحليل النفسي، رفداه بمصطلحاتهما. كما تأثر بالشكليين الفرنسيين. ووصل إلى أوجه في الستينيات من هذا القرن على أيدي نقاد كبار، أمثال: تيبوديه، وباشلار، وريشار، ومورون، وفيبر ، وغيرهم. وسنعرض جهود كل ناقد منهم أسهم في تأسيس هذا المنهج النقدي.‏

***‏

1- غاستون باشلار (1884-1962) G.BACHELARD‏

فيلسوف فرنسي معاصر، اهتم خلال شبابه بالدراسات العلمية والفلسفية، وعيّن بعد الحرب العالمية الأولى أستاذاً للفيزياء والكيمياء. ثم أكمل دراسته الفلسفية عام 1927 فأصبح دكتوراً في الأدب، وكتب أطروحته عن (فلسفة العلوم) . ثم علمّ في كلية (ديجون) عام 1930 ثم في السوربون عام 1940.‏

في المرحلة الثانية من حياته انتقل باشلار إلى تلمس الموضوعات (الظاهراتية) في العالم المادي من منظورات (الخيال) و(السيكولوجيا)، حيث درس(صور المادة) في الإبداع الأدبي، متحولاً من دراسة (الابستيمولوجيا) إلى (النقد الظاهراتي والجذري) ، حيث رأى أن وظيفة (الظاهراتية) ليست في وصف الأشياء كما هي في الطبيعة ،فهذه مهمة عالم الطبيعة، وإنما وظيفتها في القدرة على استعادة الدهشة الساذجة حين رؤيتنا لأشياء الطبيعة،ذلك أننا "حين نحلم فنحن ظاهراتيون دون أن نعلم"، وأن (الموضوع) يتحدّد من خلال غيابه، ومعايشتنا له. فإذن هناك (موضوع)، و(ذات) واعية، و(حلم) ينشأ بتأثر التقاء الذات بالموضوع.‏

هكذا يبدو أن للظاهرة الفنية ليس بعداً موضوعياً فحسب، بل وبعداً اجتماعياً، ونفسياً، بالإضافة إلى البعد الظاهراتي. ومن هنا محاولة باشلار إلقاء الأضواء على هذه الأبعاد جميعاً. ومن هنا- أيضاً- تعددّية (المناهج النقدية) التي اعتمدها، وفتح أبوابها للدارسين بعده، حتى ليعدّ (أباً) لكثير من النقاد أمثال: بوليه، ومورون، وستاروبنسكي، وغولدمان، وبارت، وبيغان، وريشار، وغيرهم.‏

وقد أقام باشلار شهرته على ثلاثة عشر كتاباً، جمعت بين الكفاءة العلمية والنفاذ الفلسفي. وكان جهده - كأستاذ جامعي- منصرفاً إلى النقد الفلسفي للفكر العلمي، ذي الرؤية العقلانية المتحررة. ودرس (الصورة الشعرية) فاعتبرها (بروزاً) متوثباً ومفاجئاً على سطح النفس، واتخذ منها (موقفاً موضوعياً) قدر الإمكان، مستخلصاً إياها من العناصر الأربعة( الماء، والهواء، والتراب، والنار) وهي العناصر المادية الأساسية في نظريات نشوء الكون.‏

ثم بدا له أن (الصورة) المدروسة من خلال الذات لايمكن فهم جوهرها من خلال الإحالة إلى الذات فقط . ولذلك لابد من إسهام الذات(=الروح)، والعلوم (=العقل) في دراسة ظاهرة (الصورة الشعرية). لأن الذات تمتلك بصيرة داخلية ليست انعكاساً للعالم الخارجي، وهي حالة نفسية تمتزج بالحلم، ويستريح فيها العقل. ولكنه لا يستقيل أو يتقاعد، فالروح يقظة دون توتر. والعقل يضع لها المشاريع الأولية. ومن هنا فإن باشلار يميز بين القارئ العادي والناقد الأدبي، فيرى أن الأول يكتفي بالاستمتاع بما يقرأ. بينما الثاني يتجاوز ذلك إلى معرفة كل شيء . والإحاطة بكل شيء، بل ومحاولة الخلق مع المبدع نفسه.‏

وإن شغف باشلار بالتحليل النفسي، كعلم جديد. ومعرفته بفرويد، ويونغ، جعلاه يسلّم بقراءة نفسية للأثر الأدبي، ويعتبرها وسيلة نموذجية لمعرفة الكاتب. وقد حاول تجديد النقد الأدبي عن طريق إعادة الاعتبار (للخيال المادي) الذي ينفذ إلى عناصر الكون. فأقام منهجه النقدي على (الحلم). ولم يقيد نفسه بمنهج نقدي واحد، واعتبر(الصورة الشعرية) بثّاً واعياً تقوم به نماذج وأنماط أصلية(لاشعورية)، عن طريق (الخيال) . وهي (معنى) في حالة كامنة. وتتلبس الكلمة هذا المعنى، فتكتسب(دلالة) جديدة قادرة على إثارة الأحلام. وتكتسب الصورة دلالة مزدوجة: فتعني شيئاً آخر، وتثير أحلاماً بصورة مختلفة. ذلك أن الخيال والأحلام والفكر هي التي تتكلم، من خلال الأدب الذي يروي رغبة إنسانية.‏

وقد طبق باشلار منهجه (الصوري) في كتابه (الماء والأحلام) على (خيال) إدغار ألن بو فوجد أن صورة (الماء) هي التي تسوده " أو بصورة أدق ماء خاص، ماء ثقيل، أكثر عمقاً، وأكثر ركوداً من جميع المياه الراكدة العميقة. إنه عند بو الجوهر . الجوهر الأم".‏

هكذا يرغب باشلار في أن يكون الناقد ذاتياً وموضوعياً في آن. وإنه ينبغي أن يتم فهم الأدب عن طريق (الصور الأدبية). ذلك أن أصالة الكاتب إنما تقاس بجدّة صوره. وأن (يحلم) الناقد مع الآثار الأدبية. لا أن يقتصر على (رؤيتها) فقط . مؤكداً عدم كفاية(النقد الكلاسي) الذي يردّ الإبداع إلى ما هو شعوري فقط في الإنسان، والذي يعد (الصورة) زمنية. أو نسخة عن الواقع فحسب. ناسياً (الوظيفة الشعرية) للصورة في إعطاء شكل جديد للعالم.‏

ويؤكد باشلار وجوب ربط(الحياة الخاصة للصور) بالنماذج الأصلية التي يكتشفها التحليل النفسي. وعند ذلك تبدو الصور المتخيلة (تساميات) لهذه النماذج الأصلية. وليست إعادة إنتاج للواقع . ومن هنا رغبة باشلار في أن يكون الناقد يقظاً إلى أقصى حدود اليقظة، وأن يقرأ الأدب بإمعان، وأن يحصر همّه لا في (عقدة) الكتاب، بل في البحث عن (الصور) الجديدة القادرة على تجديد النماذج الأصلية اللاشعورية. لأنها هي وحدها العلامة على قدرة (الخيال) الخلاقة. وبهذا يبدو باشلار (حالماً) مع الآثار الأدبية أكثر منه (ناقداً) يصف هذه الآثار.‏

وتحت تأثير التحليل النفسي والاهتمام بالعناصر المادية الأربعة. وضع باشلار كتبه: التحليل النفسي للنار (1938) والماء والأحلام (1942)، والهواء والأوهام (1944)، والأرض وهواجس الإرادة (1948)، والأرض وحلم الراحة. ولكنه في مرحلة تالية وضع مؤلفات تنتمي إلى (الظاهراتية) أكثر من انتمائها إلى التحليل النفسي، من مثل : شاعرية الفضاء (1957)وشاعرية أحلام اليقظة (1961). وفيها يدرس (الصورة الأدبية) لاعلى أسس نفسية لاشعورية. كما كان يفعل سابقاً . بل على أسس (ظاهراتية)، إذ لم يعد العمل الأدبي- عنده- يمتلك ماضياً،أو علاقة سببية بين (صوره) والنماذج الأصلية الكامنة في اللاشعور . بل أصبحت دراسة (الصورة والخيال) عنده تعني دراسة (ظاهرة الصورة) عند انبثاقها، باعتبارها نتاجاً مباشراً لكيان الإنسان في واقعه.‏

وهكذا أحدث باشلار (ثورة كوبرنيكية) في النقد الأدبي، عندما أعاد الاعتبار للخيال، ورأى أن مهمة الناقد هي أن (يحلم) مع المبدع، وأن يعثر على (الصورة الشعرية) في انبثاقها، وأن يدعها (ترنّ) في ذاته. وأن يكتشف (تنظيمها) السرّي.‏

***‏

2-جان بيير ريشار J.P.RICHARD‏

وأما جان بيير ريشار فقد بدأ حياته النقدية عام 1954، وفي عام 1961 نال شهادة الدكتوراه ببحثه عن الشاعر الفرنسي مالا رميه، وهو يستند إلى خلفية فكرية ونقدية تسمح له ببناء منهجه النقدي الخاص به، والذي يستند إلى الفلسفة الظاهراتية ( الفينومينو لوجيا) PHENOMENOLOGIE التي يمثلها إدموند هوسرل E.HUSSERL والفلسفة الوجودية لدى جان بول سارتر J.SARTRE وفلسفة العناصر الأربعة عند غاستون باشلار G.BACHELARD‏

وريشار هو أستاذ الأدب المعاصر في جامعة السوريون، وقد أمضى خمساً وعشرين سنة يدرّس الأدب الفرنسي في لندن ومدريد. واستفاد من أطروحات باشلار، وبوليه. وصاغ منهجاً نقدياً جديداً أطلق عليه اسم المنهج الموضوعاتي (الثيمي) . ووضع كتباً هامة من مثل: الأدب والإحساس (1954)، والشعر والأعماق (1955)، والعالم الخيالي لمالارميه (1961) وإحدى عشرة دراسة في الشعر الحديث (1964)، ومنظر من شاتوبريان (1967) ودراسات في الرومانسية (1971) وبروست وعالم الإحساس (1974) وستاندال وفلوبير (1975) وقراءات مجهرية (1979)،وصفحات مشاهد (1984)....‏

ويعرف ريشار (الثيمة) THEME بأنها مبدأ تنظيمي محسوس أو دينامية داخلية، أو شيء ثابت يسمح لعالم حوله بالتشكل والامتداد. و(الموضوعات) تميل إلى أن تنتظم كما يحدث في البنى الحية، وهي تترابط في مجموعات مرنة يهيمن عليها قانون التشاكل والبحث عن أفضل توازن ممكن.‏

والجذر هو المبدأ الذي تلتقي عنده مفاهيم النص أو الكاتب. والمحور الذي تجتمع حوله كل القرابات السرية في النص. والمركز الذي تتوجه إليه الدراسة. فمنه تبدأ، وإليه تعود. فهو يوجه العملية النقدية. وهو وحدة من وحدات (المعنى)، وحدة حسية أو علائقية أو زمنية مشهود لها بخصوصيتها عند كاتب ما. كما أنها تسمح بالتوسع الشبكي أو الخيطي أو المنطقي ببسط العالم الخاص للكاتب. وهو النقطة المركزية التي ينطلق منها الناقد، وإليها يعود. وحول هذا المحور النقدي تدور كل أبحاث ريشار ودراساته.‏

ويحدد ريشار الجذر بأنه مبدأ محسوس، أو دينامية داخلية، أو شيء ثابت يسمح لعالم حوله بالتشكل والامتداد . ويكمن في (القرابة السرية)، أو (العائلة اللغوية) التي يمكن عن طريقها تحديده، وتستند (العائلة اللغوية) إلى ثلاثة مبادئ: الاشتقاق، والترادف، والقرابة المعنوية.‏

ويتمثل (المنهج الموضوعاتي)، عند ريشار، في استنطاق مدلولات الصياغة اللفظية عبر ألفاظها وتراكيبها، وفق مبدأ التقدم والارتداد، وإضاءة المستوى اللغوي بالمستوى النفسي، وبالعكس.‏

وأحياناً قد يخرج ريشار على هذه (الموضوعية) الصارمة، والمنهجية(الجذرية) ويعتمد الذائقة الشخصية، فيترك الكلمة لانطباعية حادة. مؤكداً أن الأثر الأدبي لايفهم إلا (كتنغيم) موسيقي. ومعتقداً أن النقد،أولاً وأخيراً، هو انطباعية على ضوء منهج خاص يعتمده الناقد وسيلة لإلقاء المزيد من الضوء على الأثر الأدبي. فالالتزام بمنهج نقدي صارم هو بداية الطريق. ولكن نهايته هي عودة إلى الذاتية لممارسة انطباعية حرة. ورولان بارت مثال جيد على ذلك، فقد انتقل من البنيوية الشكلية ذات المنهج الوصفي الصارم، إلى (النقد الحر) ولعبة عشق الكلمات، جرياً وراء (لذة النص) ، والسكر برحيقه. وكذلك فعل ريشار، في كتابه الأخير: قراءات مجهرية. حيث اكتشف (الجذور) أولاً، وفق منهجه النقدي، ثم أطلق عنان انطباعاته الذاتية، لتؤكد هذه (الجذور)، وتنطلق منها إلى آفاق قراءات تأويلية حرة..‏

و(القراءة الموضوعاتية) هي مسح الحقول الحسية ، من أجل تحديد أهم الخيارات الشخصية الفاعلة فيها، وبيان كيفية ارتسام دلالات الأشياء المرغوب فيها على كل مستوى من هذه المستويات المنقودة، وبيان كيفية ارتسام دلالات الأشياء المرغوب عنها والمستبعدة.‏

والمهمّ أن يكون المدلول (دالاً) . لأن الاتجاهات (الدالة) هي التي تغطي سجل الجرد والسجل المحسوس، لأن (الاتجاه الدال) هو (المعنى)sena ذلك أن (القراءة الموضوعاتية) هي قراءة وصفية تُعني بالجرد والتنضيد والتصنيف. وتحركها الرغبة في كشف (التجانس) الذي يتجلى في رسم مجموعة العناصر المعروفة (كنظام) منسق ذي خصوصية، ومن ثم تصنيف (المعنى) ، عن طريق وضعه في مقولات، ينطوي كل منها على مجموعة من (النظائر) التي يمكن إبدالها من بعضها بعضاً. وهكذا يتبدّى (الموضوع) كإحدى مقولات (المعنى).‏

ويحاول ريشار العثور على (القصد) الأساسي للكاتب، أو (مشروعه) الذي يقود مغامرته الأدبية، أو (موضوعه) الذي يستحود على كامل اهتمامه، في مستواه البدئي، المحسوس، معترفاً بدينه، في هذه الخطوة، لباشلار. ومن أجل ذلك فهو يسجل كل الأشياء التي يعرضها الكاتب: المشاهد، والأحداث، والأصوات، والصفات، والماهيات، ثم يحاول ربطها جيمعاً ببعضها بعضاً، من أجل أن يعيد بناء نظام مسيرة معينة قام الكاتب بها.‏

ويتمثل منهج ريشار النقدي في البحث عن الاختيارات والأفكار المتسلطة على الكاتب، والمشكلات التي تكمن في أعماق وجوده الشخصي، وتراكيب أحلام اليقظة لديه. و(المركز) في شخصيته. ولتحقيق هذا الغرض فإن الناقد يحاول تأليف (متحف) من الموضوعات والصور والإيقاعات المفضلة لدى الكاتب، باعتبارها وسائل التعبير الأولية التي يبدع الكاتب بوساطتها عالمه. وهكذا يبدو( النقد الموضوعاتي) عند ريشار تأملاً، واستنباطاً، وتجوالاً، وليس موقفاً مسبقاً، أو إلقاء نظرة، أو وقوفاً على مدخل الأثر الأدبي فحسب.‏

وتتمثل نقطة البدء في هذا المنهج النقدي في (إحصاء) مفردات كل موضوع، في العمل الأدبي. ففي موضوع (الحب) مثلاً تُحصى كل المفردات التي تتعلق به. من مثل : أحب ، يحب، الحبيبة، المحبوب، الهوى، اللثم، القبلة.. إلخ . ويتم تحديد العناصر التي تتكرر بشكل ذي دلالة لتوضع في مجموعات أو حقول شاقولية.‏

ثم تلي ذلك الخطوة الثانية، وتتمثل في تحليل مفردات كل حقل من حقول (الموضوعات) المستخرجة، ثم استخراج النتائج . وصولاً إلى شبكة( العلاقات الوضوعية) المعبرة عن بنية الموضوعات، في مرحلة شعرية معينة. وهي أشبه ما تكون بالشجرة التي يمثل الموضوع الرئيسي جذعها ، وتمثل الموضوعات الفرعية غصونها.‏

ولدى تطبيق ريشار هذا المنهج(الموضوعاتي) على أعمال إبداعية، وجد في آثار الشاعر الفرنسي الفرد دوفيني (خليّة الساعة)، ورأى أن مسرحيته (شاترتون) إنما تدور حول هاجس الزمن، كما اكتشف (تجربة الهوّة) عند جيراردو نرفال. وأرثر رامبو، وبول فرلين. ثم عمم مفهوم(الهوة) على مستويات الموضوع والعاطفة والشعور واللغة، واستنتج أن الوجود، بالنسبة لهؤلاء الشعراء، ضائع في العزلة المأساوية التي أحاطوا بها أنفسهم، وأصبحت تكتنف نظرتهم إلى الحياة. ومن هنا (إشكالية) شعرهم، لموقفهم المعارض لموقف مجتمعهم، ولغوصهم في أعماقهم النفسية، بهدف استكشافها.‏

كما درس مالا رميه، وهو شاعر ذو صياغات لغوية غامضة ومكثفة، محاولاً اجتذابه إلى منطقة السهولة والوضوح عن طريق تأليف (متحف) من الصور والألوان والإيقاعات المفضلة لديه، فهذه الأشياء هي وسائل التعبير الأولى لآلية النصوص عنده.ثم تابع تقصي ملامح هذا الاتجاه ومتابعته بدقة. وحاول بناء (أطلس) مالارميه، فقدم (متحفاً) للخيال المالارمي، صنف فيه كل الأشكال المحببة عند مالا رميه: كالممرات الجبلية، وأشباه الجزر، وضم كل أنواع النبات والحيوان والنساء، في عالم (ظواهري) محسوس، يحتوي الأصوات المحبوبة والأشياء المعشوقة لدى مالارميه. وانتهى إلى أن بلوغ الخاصيتين الأهم في العمل الأدبي العظيم هما: التجانس، والبساطة، حيث لا حشو، ولا إسفاف أو تناقض، وأن مايهم الناقد من النص إنما هو المنطق الحسي الذي يغذي نداء النص لنا.‏

إن تصنيف عناصر(المعنى) على أساس مقولاتي يتطلب أن نضع كل مجموعة من العناصر في سلسلة (المقولة) التي تنتمي إليها. ولكن هذا التصنيف الذي يقوم على أساس(الائتلاف) ينبغي أن يترافق مع تصنيف آخر يقوم على أساس (الاختلاف)، ذلك أن (التقاء) العناصر مع بعضها بعضاً ذو دلالة. كما أن (تباينها) عن بعضها بعضاً ذو دلالة أيضاً . ومن هنا وجوب البحث عن (المؤتلف)و (المختلف) في عناصر (المعنى) ، قبل تصنيف المعنى ووصفه.‏

وقد وجد ريشار لدى بروست ترسيمة (الزهرة) ، فحددها بأنها (زهرة الغريب). منطلقاً من وجوب تحليل الزهرة كمركب أولي،(فهي نوع من الأحمر)، وكمركب حراري (فهي درجة من الالتهاب)، وكمركب حميمي(فهي زهرة حانية بذاتها، وهي زهرة متفتحة، منغلقة). وهكذا تتشكل (الترسيمه) الحسية. وعلى هذا المستوى العملي يمكن تصنيف ودراسة كافة(الترسيمات) و(الموضوعات).‏

هكذا يفكك (النقد الموضوعاتي) العمل الأدبي، بحثاً عن (معناه) ، ثم يعيد تركيبه، وفق (مشروع) أو (هدف) وجودي، يرتبط، ليس بوعي الكاتب، وإنما بوعي النص الأدبي المنقود.‏

والخطوة الأولى في (المنهج الموضوعاتي) تقوم على العمل (الإحصائي). أما الخطوة الثانية فتنصب على (التحليل). والثالثة يتم فيها جمع النتائج ووضعها ضمن منطق (مقولاتي) يرتسم في نموذج شبه بنيوي. وهنا تقترب (الموضوعاتية) من البنيوية، حين تبحث عن القوانين والأنظمة والعلاقات التي تشكل العمل الأدبي. وهذه الخطوات الثلاث ليست منفصلة عن بعضها بعضاً، بل هي متماسكة إلى الحدّ الذي تستدعي فيه كل خطوة تاليتها.‏

وهكذا يبدو إسهام ريشار كبيراً في (النقد الموضوعاتي) حتى ليعد- بحق- مؤسسه. وقد أغناه بمقولات ومفاهيم نقدية زادته وضوحاً، من مثل: الكثافة والبنية، والدال والمدلول، والعمق، والعلاقة، والحلولية، والخيال، والحسية، والتجانس..إلخ في ثنائيات ضدية مستقاة من ألسنية سوسير.‏

فمقولة (الكثافة) عند بروست مرتبطة (باللاكثافة). وكلتاهما مرتبط بسجل (المادة). ومقولة (الانطلاق) مرتبطة بمقولة (الانفتاح) وكلتاهما مرتبط بالسجل (المكاني). ومقولة (الوحدانية) مرتبطة بمقولة (التعددية). و(الاستمرارية) مرتبطة(بالانقطاعية) ..إلخ وهذه (المقولات) هي (الموضوعات) الموظفة في هندسة المشهد. و(القراءة الموضوعاتية) هي التي تظهر المعاني الثواني، كما تظهر المعاني الأول، وذلك من خلال مبدأ (التمفصل) المستمر، حيث يتفكك المعنى باتجاه معنى آخر يتفكك بدوره باتجاه كل المعاني الأخرى.‏

كما تُعنى (القراءة الموضوعاتية)، عند ريشار، (بالبنى) الخفيّة التي تمثل الحضور الشعري إزاء الأشياء. ومن هنا يصبح (النقد الموضوعاتي) بحثاً عن (البنيات) من أجل التعرف على (المعنى) الذي يوحد (هيكل) المشهد الأدبي. وهذا (المعنى) هو (الرؤيا) الكلية الواحدة التي يتوصل إليها الناقد بعد تفكيكه للعمل الأدبي إلى (وحدات) صغيرة، و(موضوعات) . و(ترسيمات)..‏

بيد أن السمة المميزة (للبنية ) في (النقد الموضوعاتي) هي أنها (بنية شبكية) أو (بنية إشعاعية)، حيث يحيل كل عنصر فيها إلى كل العناصر الأخرى.‏

وأما (الدّال) في النقد( الموضوعاتي) فهو (الشكل) ، و( المدلول) هو المعنى، ولكن القراءة (الموضوعاتية) تتجاوز هذا التصنيف فتجعل المدلول (=المعنى) دالاً على مستوى آخر. ذلك أن (النقد الموضوعاتي) إنما هو نقد للمدلول، أي أنه يسبر السجلات الأساسية، حيث ينتشر المعنى. ويصنف كلاً منها في (خانة)، ثم يعود فيجمع هذه (الخانات) في وحدة (معنى) . وبهذا تجعل (القراءة الموضوعاتية) المدلول دالاً. ومن هنا ابتداع ريشار لمصطلح (مضمون الشكل) ، واعتماده مصطلح (شكل المضمون) الذي كان قد قال به هلمسليف.‏

ولما كان (الموضوع) وحدة من وحدات (المعنى) ، فإن كل (موضوع) يشتمل على مجموعة من (الظهورات) . وكل ظهور يُعَدّ لباساً للمعنى. وكل ظهور للمعنى هو صدى لظهور آخر للمعنى ذاته. واكتساب العنصر المدروس هويته إنما يتم من خلال انتمائه إلى النسق الذي يتشكل فيه. وهو يكتسب القدرة على التكوكب حول العناصر الأخرى التي تنتمي إلى نفس النسق.‏

ويميز ريشار بين نوعين من المعنى: (المعنى الظاهري) و(المعنى الخفي). ومهمة النقد هي الكشف عن المعنى الخفي في النص الأدبي. ذلك أن المعنى موجود. وعلى الناقد إيقاظه من سباته العميق. والكلام الحقيقي هو مالا يقال في الكلام. وقراءة الشعر الحديث يجب أن تتجاوز ما في السطور إلى ما خلف السطور. ونحن نجد أمثال هذه (المعاني) المستترة في النصوص الرمزية والغامضة، ونجد معها أزواجاً من المتضادات المحسوسة: كالسطحي والعميق. والمغلق والمنفتح، والقريب والبعيد، والموجود وغير الموجود..إلخ.‏

ومع توق الشعر إلى إظهار(المعنى)، فإنه يرغب-أيضاً- في (اللامعنى). هكذا يبرز (العدم الخصب) عند سان جون بيرس، و(الظل المضئ) عند بول إيلوار، و(النار الخلاقة) عند ايف بونفوا، و(الحد اللامحدود) عند جاكوتيه، و(البرق المتّصل) عند رينيه ريشار.‏

وريشار، في نقده ( الموضوعاتي) لا يبحث عن المعنى لذاته، بل لما يكمن وراءه. إنه يبحث عن أصل المعنى، ومصدره، وغايته، وهدفه، وفي ذلك يقول: "حاولت في دراستي لهؤلاء الشعراء أن أعثر على (القصد) الأساسي، أو (المشروع) الذي يسيطر على مغامراتهم، وأن أصف هذا (المشروع).‏

و(النص) هو الحقيقة المطلقة في (النقد الموضوعاتي). ومن خلال النص تتكشف حقيقه المبدع. وإلا (فأين يمكن أن يوجد الكاتب إن لم يكن في جملة ما كتبه؟) وكذلك الناقد فإنه ينطلق من النص، ويعود إليه، ويحلّ فيه، من أجل أن يبينه. ويعيد بناءه، حتى يستقر على النحو الذي يرضيه.‏

و(القراءة الموضوعاتية) هي قراءة (حلولية)، لأن (النقد الموضوعاتي) هو بالأصل (نقد حلولي) ، ينفي الإحالة إلى أي مصدر خارجي اجتماعي أو تاريخي، كما ينفي الإحالة إلى الكاتب الذي يفيض عنه العمل الأدبي، فالكاتب موجود خارج العمل المنقود، وهذا يعني قدرة العمل على أن يخلق خالقه، أكثر مما يخلقه خالقه ‍!‏

وأما (مفهوم الحسيّة) فهو أحد المفاهيم القاعدية في (النقد الموضوعاتي). ويتجلّى في مسح الحقول الحسية المعينة. من أجل تحديد أهم الخيارات الشخصية الفاعلة فيها. ويتحدّد (مفهوم الحسيّة) عند ريشار في البحث عن اللحظة الأولى في عملية الخلق الأدبي عند الأديب، حيث يحتك، بدءاً، بالأشياء، وفي الكشف عن تمفصل العناصر الأولية التي يستمدها الشاعر من حسّه وخياله. وإن نقطة ولادة العمل الأدبي إنما تعني تحليل هذه العناصر الحسية الأولية لهذا العمل،كمرحلة أولى. ثم تحديد الكيفية التي تلتقي بها هذه العناصر كمرحلة تالية.‏

وقد انتهى ريشار إلى أن بعض (الموضوعات) تعاود نفسها في العمل الإبداعي. وهذا مايو صل إلى مفهوم(الاطراد)، لأن هذه (الموضوعات) تقوم بمهمة تنسيق الحياة الخفية في العمل الإبداعي. وهذا ما يقود إلى (الوظيفة النوعية) للموضوع.‏

والواقع أن (معاودة) موضوعات ما، من قبل أديب ما، في أعمال أدبية متعددة، إنما هي (مقياس) لأعماله، و(مفتاح) لتنظيمها، و(دليل) على (هوس) الأديب بها، نظراً (لاطرادها) في أدبه، وتتابعها فيه.‏

ولكن الإمساك بهذه (المعاودة) و(الاطراد) من قبل الباحث يحتاج إلى حصر الموضوعات الجزئية، والكلمات، وبالتالي إلى عملية إحصائية. ومن هنا ينبغي على الباحث أن يبني معجماً للتواتر اللفظي في العمل الأدبي، ويظل دقيقاً وصابراً في قراءة النص، فالدقة والصبر هما اللذان يقودان إلى القوانين الداخلية للرؤية والخيال. ومن هنا فإن ريشار يتناول مفهوم (الاطراد) بتحفظ. ودون أن يجعله المعيار الوحيد، ذلك أن (الغزارة) ليست معياراً نهائياً لتحديد الموضوعات المهيمنة في العمل الأدبي. فمن التكرار ماقد يكون بلا قيمة دالة. والمطلوب هو البحث عن (نقاط التقاطع) ، كنقاط حساسة،كما في (صورة العري) عند مالارميه، فهي تسيطر على الحقل.‏

وينتهي ريشار إلى أن قيمة أي موضوع إنما تتحدّد من خلال إلحاحه وقدرته على التمفصل، وإن معنى أي موضوع إنما ينتج عن علاقته بالآخر. ضمن (الكون التخييلي) . وإن (الموضوعات) تميل إلى الانتظام في (مجموعات) مرنة عندما يهيمن عليها قانون (التشاكل) ، و(البحث عن أفضل توازن ممكن).‏

ومن (الموضوع) يميّز ريشار عنصراً أكثر خصوصية ومحسوسية هو (الترسيمة) MOTIF التي تتكرر، وترتبط بطريقة مميزة. وقد اكتشف ريشار (ترسيمات) بروست، فوجدها في: الزهر، والسمك، والمصباح، والناقوس، والخمر..,إلخ. وهذه (الترسيمات) التي تدل على اختيارات الكاتب، معروضة في العمل الأدبي، بشكل غير منظم. ولكنها تتعلق (بالمعنى) . و(تحليل الموضوع) ووصفه إنما يعني تعيين (الترسيمات) المتنوعة في داخله. وهذا يعني تحديد هذه (الترسيمات) من خلال ائتلافها واختلافها. وتصنيف (الموضوع) في (ترسيمات) يعني أن (الموضوع يتطور حسب نسق هذه (الترسيمات) التي تلتقي داخل العمل الأدبي. وهذا ما يجعل (القراءة الموضوعاتية)قراءة أنساق من (الترسيمات) التي تلتقي على أساس المنطلق المقولاتي.‏

وفي دراسته لبروست يتساءل ريشار: كيف يتشكل (المكان) عند بروست؟ وما أهميته؟ وما هي المحاور التي ينتظم بموجبها؟ وكيف يتجسد عبر تعبيره؟.‏

وفي مقولة (الزمان) يتساءل-أيضاً- ما الصيغ الخاصة بالزمن البروستي؟ وما هي الأزمنة المحببة لديه؟ وما هي الأزمنة المكروهة عنده؟ وهل لديه أزمنة حيادية؟‏

وفي ما يخص (الأشياء) التي تناولها بروست: ماهي الأشياء التي تتركز عليها رغبته؟ وماصفات هذه الأشياء؟‏

وفي ما يخص (الأجساد): أي نمط من الأجساد يتشوق إليه بروست؟ وما هو مقام الجسد في أعماله.؟‏

وفي (المجال الحسّي) كيف تتوزع الألوان؟ والأشكال.؟ والأصوات؟ والحركات؟ ...إلخ.‏

وهكذا يصل الباحث أخيراً إلى (النوعية الشخصية للحسّ). وهي الجوهر النوعي لإحساس آخر لايمكن الوصول إليه إلا عن طريق الفن.‏

وأما (مفهوم التجانس) فيعني به ريشار وصف العالم الخاص بالعمل الأدبي وتأويله. في تجانسه ومرماه. وتجانسه يتجلّى في رسم مجموعة العناصر المعروضة للدراسة كنظام متسق ذي خصوصية. وكذلك عندما نلحظ ميلاً إلى تكرار بعض المواقف، وتأكيداً على بعض البنى التي تشكل القاعدة الأساسية للنص الأدبي.‏

وأحياناً يختار ريشار مصطلح (القرابة السرّية)، و(المعمارية غير المرئية)،و(القوانين الداخلية) كبديل عن (مفهوم التجانس) الذي يجعله دليلاً على عظمة العمل الأدبي.‏

ومهمة النقد كشف هذا (التجانس)، وإبرازه، عن طريق (القراءة الموضوعاتية) التي تلتقط أصداء (العلاقات) ، والتي-ربما-أعادت تنظيم الأشياء.‏

***‏

3- شارل مورون:‏

يعتمد شارل مورون(1899-1966) في نقده، منهج التحليل النفسي الفرويدي، مضافاً إليه الألسنية البنيوية. ويقوم منهجه النقدي على مقارنة تسمح بتنظيم النص الأدبي حول(بنيوية رمزية لأزمة ما)، من أجل تقصّي ملامح الأسطورة الشخصية للكاتب، وكيفية ظهورها عبر الصور والاستعارات الملحة عنده. وبهذا يصبح النص تعبيراً مباشراً عن شخصية الكاتب وتكوينه النفسي.‏

ويعتقد مورون أن الكاتب يعبّر، من خلال رموزه، عن فكرة ثابتة أو عقدة راسخة قد تكون أحياناً واقعية، وأحياناً خيالية، يتناولها الناقد، في بداية تحليله، كفرضية قابلة للتطوير، في سياق العمل، ثم يقوم بتحليل تماثلي للنصوص، وفق أسلوب التقدم والارتداد، آخذاً بعين الاعتبار جملة من المسلّمات، من أهمها: اللاشعور، وأهمية الطفولة ودورها في تشكيل اتجاهات الشخص البالغ، وآثار بعض الوقائع الراسخة في اللاوعي والذاكرة، ووجود النزوات المتسلطة.‏

وعلى ضوء هذه المفاهيم النقدية، تناول مورون نتاج مجموعة من الأدباء أمثال:راسين، وبودلير، وفاليري، وبروست، وكوكتو..إلخ. وطبق عليه تقنيات منهجه النفسي التي تدور حول المونولوج الباطني والنزعة المتسلطة للأحلام والأفكار ذات الإيقاع الهذياني، ففي كتابه: من الاستعارات الملحة إلى الأسطورة الشخصية(1962) قام مورون بتنضيد النصوص المختلفة للكاتب الواحد، من أجل اكتشاف شبكة(الاستعارات المتماثلة)، و(الصور الميثولوجية المتسلطة)، و(المواقف الدرامية المتواترة) ، متقصّياً، في النصوص، الوقائع والعلاقات المستترة،وشخصية الكاتب اللاشعورية، والشهادات، واليوميات، والملاحظات، والتداعيات اللاإرادية، تحت البنى الإرادية المتجسدة في النص.‏

وبعد تنضيد النصوص وفق حقول الاستعارات والصور الملحة، تأتي الخطوة التالية في هذا المنهج النقدي، حيث يتمّ الكشف عن (الأسطورة الشخصية) للكاتب، والتي هي عبارة عن استيهام دائم، يضغط على الكاتب ويظهر من خلال نصوصه الإبداعية. وأما الخطوة الثالثة فهي التفسير النفسي للأسطورة، باعتباره مسرحة لهذيان لاواع للكاتب، بوساطة الكتابة.‏

والخطوة الأخيرة، هي مقارنة النتائج بالسيرة الذاتية. وهكذا يجمع منهج مورون النقدي بين ثلاثة محاور: الوسط الاجتماعي، وشخصية المبدع، والنتاج الأدبي.‏

ولدى تطبيق مورون منهجه النقدي هذا على (أزهار الشر) لبودلير، بدأ بتنضيد عدة قصائد نثرية، ثم قربها من حلم لبودلير أدرجه الشاعر في رسالة كتبها إلى أحد أصدقائه، واستخلص أن ثمة شبكة ترابطية ومسلسلة من الاستعارات الملحّة تدور حول عبء شعري يربض بوزنه الشبقي على المرأة في قصيدته (دوروتيه الحسناء)،ومخلوق خيالي لدن كالمطاط، يثير الشفقة في قصيدته (لكل منّا وهمه). وقد انتهى مورون إلى أن الشاعر بودلير عاش تمزقاً حاداً بين الحلم والواقع، وأن هنالك صدعاً نفسياً لديه أشارت عقاربه إلى ساعة الزمن.‏

***‏

4-جان بول فيبر:‏

ناقد فرنسي معاصر، عُني بالنقد (الجذري) . ووضع في هذا المجال عدداً من الكتب، من أهمها: بسيكولوجيا الفن(1958) ، وتكوين الأثر الشعري(1961)، ومجالات جذرية (1963)، وستاندال: البنيات الجذرية لأثاره ومصيره (1969).‏

و(الجذر) عند فيبر هو حادث أو موقف يمكن أن يظهر بصورة شعورية أو لاشعورية في نصّ ما، بصورة واضحة أو رمزية. فهو يقارب(العقدة) في التحليل النفسي، لأنه يظل (غير مفهوم) من الكاتب نفسه، باعتباره يعود إلى عهد الطفولة.‏

والجذور-عنده- نوعان: جذور شخصية، وجذور عامة. فالجذور الشخصية غير قابلة للاختزال أو التبسيط، وهي بعيدة عن (العقد) النفسية. والفرق بين الجذور الشخصية والجذور العامة هو أن جميع الأطفال يمرّون، مثلاً، (بعقدة أوديب) ولكن من النادر أن يتوقفوا عند هذه المرحلة فلا يتجاوزونها. وهذا الوقوف يدعى (التثبيت) في علم النفس المرضي.‏

و(الجذر) هو افتراض في البداية، ثم يقوم(التحليل التماثلي) للنصوص بتأييده. ومن أجل العثور على هذا(الافتراض) ينبغي اللجوء إلى ذكريات الطفولة إذا ما ترك الكاتب وثائق سيرتة. ثم تأييد هذا (الفرض) بنصوص أدبية من نتاج الشاعر. أما إذا لم يترك الكاتب وثائق عن طفولته، فيمكن عندها اللجوء إلى (التحليل الارتدادي). وذلك بالانطلاق من الأثر الأدبي. والارتداد إلى الذكرى..‏

ولدى تطبيق فيبر منهجه الجذري على النصوص الشعرية وجد أن الشاعر دوفيني قد توقف عند موضوع(الساعة). وهذا جذر شخصي جعله الشاعر موضوعه الملحّ. وأن الشاعر مالارميه قد توقف عند (الطير المحتضر، أو الطير الذي وقع في الفخ). وهذه كلها جذور شخصية، بخلاف(الجذور العامة) التي هي مشتركة بين أشخاص لاحصر لهم.‏

وقد يعبّر الجذر عن نفسه بشكل رمزي. ويطلق فيبر على هذا التعبير اسم(التنغيم الموسيقي) في الجذور الشخصية، و(الخاصية الغالبة) في الجذور العامة. وهكذا يعبّر الأثر الأدبي، من خلال عدد لاحصر له من الرموز، عن فكرة ثابتة، أو(جذر) وحيد. وهذا الجذر، يثبت أصوله في حادث منسي في طفولة الكاتب.‏

وبعد أن يفترض الناقد الفكرة المتسلطة، يقوم بالتأكيد على التشابه الذي يمكن أن يوجد بين هذه الفكرة الثابتة وبين كل نصّ يجري فحصه. وقد قام فيبر بهذا، فقارن حادثة سقوط بول فاليري، عندما كان طفلاً، في حوض ماء. فوجد في قصائد فاليري تلميحات إلى هذا الحادث: (الاحتضار العذب، المقبرة البحرية...إلخ) . وأكّد بعشرات التفاصيل هذه الفكرة المتسلطة.وربطها بالحادث الذي وقع لفاليري في طفولته.‏

***‏

5- المنهج (الثيمي) في النقد العربي المعاصر:‏

ناقد عربي واحد فقط عني بهذا المنهج، وأخلص له، هو الدكتور عبد الكريم حسن الذي وضع في هذا المنهج كتاباً أسماه (المنهج الموضوعي) 1990 ووضع مرادفه الفرنسي، thematique منعاً لالتباسه بالنقد (الموضوعي) الذي يكتفي بفحص الكلمات على الصفحة.‏

والواقع أنه كان ينبغي أن يسميه (الموضوعاتي) لأنه يعني به(الثيمي)، ولأن كتابه الأول (الموضوعية البنيوية)1983 يعتمد المنهج نفسه. وهذا ما فطن إليه اندريه ميكيل، المشرف على الرسالة، حيث رأى أن الجمع بين (الموضوعية) و(البنيوية) هو نوع من المصالحة مآلها الإخفاق (المقدمة ص10) ، كما تنبه ا. غريماس، أبرز أعلام البنيوية، في نقاشه لهذه الرسالة إلى أن (الموضوعية البنيوية) لعبد الكريم حسن إنما هي (موضوعية معجمية) تنظر إلى ريشار في (موضوعيته الأدبية) (المقدمة ص15-6) وكذلك فعل دافيد كوهين عضو لجنة المناقشة حيث قال: (وأما بالنسبة للبنية، فإنني لم أتوصل إلى إدراك دقيق لمفهوم البنية لديك.. إن هذه البنيوية ليست بنيوية غريماس، وإنما هي بنيوية عبد الكريم حسن). (المقدمة ص 20-1).‏

والواقع أن عبد الكريم حسن أخذ بالمنهج الموضوعاتي (الثيمي)، وإن كان قد سمّاه (البنيوية الموضوعية) في كتاب الأول، و(الموضوعية) في كتابه الثاني، ذلك أنه اعتمد فيه(التواتر اللفظي)، وحمّل (العدّ) جهد الإحصاء، واعتبره جرداً شاملاً لكل مفردات الشعر السيّابي ، أتاح إمكانية المقارنة بين العناصر المتواترة والعناصر قليلة التواتر، وانطلاقاً من حساب التواتر اللفظي استطاع أن يحدد الموضوع الرئيسي في العمل الأدبي، ذلك أن الموضوع الرئيسي عنده هو الموضوع الذي تتفوق مفردات عائلته اللغوية، من الناحية العددية، على مفردات العائلة اللغوية الثانية. وهذا بخلاف (موضوعية) ريشار التي يلعب فيها الانطباع الشخصي للناقد دوراً كبيراً. وينتج عن هذا أن شبكة العلاقات الموضوعية في (موضوعية) عبد الكريم حسن هي شبكة مستقرة ثابتة ونهائية ، بينما هي في منهج ريشار متغيرة بتغير النافذة التي يدخل منها الناقد إلى الكون الإبداعي. إضافة إلى أنها تقود إلى خطر الانتقائية، حيث الناقد مهدّد بانتقاء موضوعاته، أكثر مما تفرض هذه الموضوعات نفسها عليه. وهذا مايمكن أن يؤدي إلى اختلاق بنية العمل الإبداعي المدروس بدلاً من اكتشافها.‏

بيد أن (موضوعية) عبد الكريم حسن تتشابه مع (موضوعاتية) ريشار في الخطوات المنهجية (حصر العناصر المتكررة في نسيج العمل الأدبي)، وفي تحليل العناصر التي تمّ حصرها، وفي جمع النتائج التي تمّ تحليلها، وفي بناء القالب النوذجي المجرد الذي يستطيع أن يستوعب في داخله تفاصيل العمل المدروس.‏

لكن غريماس يرى أن الجهد المبذول في (العدّ والإحصاء)كان عديم الجدوى، لأنه لم يصل إلا إلى حقيقة بدهية كان يمكن أن تؤكد بجملتين منذ البداية دون هذا التعب والعناء، (لأن إحصاء ثلاثة آلاف كلمة، مع كافة ظهوراتها، أمر هائل، قد يعطي أنطباعاً بالعلمية، ولكنه انطباع وحسب). (المقدمة ص15)، ويرى أن هذا العمل يذكّره برسائل الدكتوراه التي كانت تقدم في الولايات المتحدة في الخمسينات من هذا القرن.والفكرة التي كانوا ينطلقون منها مثلاً هي أن الإنسانية تنقسم إلى جنسين من الذكور والإناث. وكانوا يقومون بالإحصائيات والسبر والعدّ لكي يصلوا في النهاية إلى أن الإنسانية تنقسم فعلاً إلى جنسين. وفي هذه الأطروحة يبدو السيّاب شاعراً محباً للنساء. وهو يحبهن في الصفحة كذا والصفحة كذا. ثم يبدأ الباحث بعدّهن فيصل إلى أنهن سبع نساء أو تسع. ولكن ماذا بعد؟. (المقدمة ص15).‏

ويؤكد البروفسور دافيد كوهين هذا بقوله: (صدقني إذا قلت لك إننا نعمل في مجال الإحصائيات اللسانية منذ ثلاثين عاماً، ولانصل إلى نتائج ملموسة (المقدمة ص22).‏

أما تحليل المفردات الأكثر تواتراً فإنه ليس - بالضرورة - دالاً على الموضوع، فالكلمة الأكثر تواتراً في شعر مالارميه مثلاً ليست مفردة (الحب)، وإنما (اللازورد) كاسم أوصفة.‏

ومع ذلك فإن الباحث عبد الكريم حسن يتمتع بميزة الشجاعة التي عرض فيها آراء أعضاء لجنة مناقشة رسالته، وهي المرة الأولى التي نرى فيها رسالة جامعية تتوّج بمقدمة تعرض آراء لجنة المناقشة، رغم أنها تعرض سلبيات الرسالة أكثر مما تعرض إيجابياتها. بالإضافة إلى مايمتاز به الباحث من الدأب والمثابرة وبذل الجهد الذي يقارن بعمل الحاسبات الآلية، فقد استغرق جهده المضني سبع سنوات. (المقدمة ص 31).‏

وقد قسّم الباحث كتابه إلى عشرة فصول، خصص الفصل الأول لمنهجه في البحث، كي يجنب قارئه الاصطدام بأفق مجهول، ثم حدّد (الموضوع) بأنه مجموعة من المفردات التي تنتمي إلى عائلة لغوية واحدة. فيما يرى ريشارد أن (الموضوع) هو مبدأ تنظيمي محسوس، أو دينامية داخلية، أو شيء ثابت يسمح لعالم حوله بالتشكل والامتداد. ومن هنا ندرك كم خالف التلميذ أستاذه! أو كم استقلّ بشخصيته؟‏

والعائلة اللغوية للمفردة تستند- عند الباحث على ثلاثة مبادئ هي: الاشتقاق، والترادف، والقرابة المعنوية. والعائلة اللغوية تجمع في داخلها المفردات ذات الجذر اللغوي الواحد، والمترادفات، والمفردات التي ترتبط مع بعضها بصلة معنوية أضعف من صلة الترادف، وهي الدال.‏

أما خطوات المنهج فتتجلى عند الباحث في:‏

1-(تكنيس) الأعمال الشعرية الكاملة إحصائياً. وقد شمل هذا الإحصاء الأغلبية الساحقة للمفردات، حيث أحصى الباحث ثلاثة آلاف مفردة، تشمل معظم مفردات الشعر السيّابي، معبّراً أن المجموعة اللغوية التي تتردد مفرداتها بكثرة لابد وأن يكون لموضوعها أهمية متميزة بالمقابلة مع الموضوعات الأخرى، ذلك أن اهتمام الشاعر بموضوع ما لابد وأن يدفعه إلى الدوران في حومة المفردات التي تعبّر عنه. يؤكد هذا ريشار حيث يقول:"التكرار أينما حلّ فهو دليل على الهوس ".‏

والحقيقة أن إحصاء ثلاثة آلاف (جذر) لغوي يعني- أيضاً- الاطلاع على كافة اشتقاقات هذه المفردات/ الجذور اللغوية التابعة لها، فلدى إحصاء مفردة (الحب) مثلاً، يقوم الباحث بإحصاء صيغها الفعلية والاسمية (أحب، يحب.. المحب، الحبيبة.. إلخ) ومترادفاتها (الهوى، الغرام، الصبابة.. إلخ) وقراباتها المعنوية(اللثم، التقبيل.. إلخ) . وهذا يعني أن إحصائيات الباحث تجاوزت الثلاثين ألف كلمة. ولأنه ليس من الممكن تقديم جداول إحصائية بالصيغ المختلفة للمفردة الواحدة، لأن ذلك يتطلّب آلاف الصفحات، فقد اكتفى الباحث بعرض الإحصائيات من خلال مفردات تخبئ ضمنها تلك الصيغ المتعددة.‏

2- الخطوة الثانية بعد العملية الإحصائية هي تحديد (الموضوع) الرئيسي الذي تتردد مفردات عائلته اللغوية بشكل يفوق مفردات العلاقات اللغوية الأخرى، يقول ريشار:"الاطرادية هي المقياس في تحديد الموضوعات ".‏

3- الخطوة الثالثة في المنهج تعنى بتحليل المفردات التابعة بكل ظهوراتها. ويتم ذلك على أساس تحليل كل مفردة على حدة، ثم استخراج النتائج التي قد تكون مهمة في التفريق بين هذه المفردات ووظائفها. وبعد إكمال التحليل الجزئي تتم دراسة الموضوع من خلال استخراج المخطط الكلّي الذي ينظمه.‏

والتحليل عنده، كما هو عند ريشار، بحث عن المعنى. وهو بحث وصفي بشكل خاص، ونفسي أحياناًَ، باعتبار التحليل النفسي بحثاً عن المعنى الباطني من خلال المعنى الظاهر، وباعتباره ليس هدفاً، وإنما هو وسيلة تصبح بحثاً عن "فيض المعنى".‏

4-دراسة (الموضوع) الرئيسي تُفضي حتماً إلى دراسة الموضوعات الفرعية التي تنبثق عنه، وكمثال على ذلك فإن الموضوع الرئيسي في ديوان السيّاب (البواكير) هو (الحب)، وخصوصية هذا الحب هي الإخفاق. والحب المخفق يقود إلى الألم، خصوصاً وأن معظم مفردات الحب في هذا الديوان تشير إلى علاقة الحب بالألم. وهذا مايدفع إلى دراسة موضوع الألم أيضاً، وهو موضوع فرعي/ ثانوي. وهكذا تمثل الموضوعات الرئيسية شجرة، والموضوعات الفرعية غصونها. وقد يتولّد عن هذه الغصون فروع أصغر. والموضوع الرئيسي هو الموضوع الذي تغلب مفرداته عددياً مفردات الموضوعات الأخرى. وسيطرة موضوع معين في مرحلة شعرية تستدعي ظهور مفردات تناسبه.‏

في الفصل الثاني درس الباحث ديوان (البواكير) الذي يمثل المرحلة الأولى من شعر السيّاب، وتوصّل فيه إلى رسم البنية التي تنظّم موضوعات هذه المرحلة، والتي تنطلق أساساً من الحب المخفق، كما درس خارج نطاق هذه البنية موضوعي (الحياة والموت) مسوّغاً ذلك بما سيكتسبه هذان الموضوعان من أهمية في المراحل التالية. وقد كان الحب المخفق، في هذه المرحلة الأولى من حياة السيّاب، بداية الخيط الحريري الذي أخذ السيّاب عن غير وعي يلفّه على عنقه بنوع من الاختناق البطيء.‏

وقد وجد الباحث في (الحب) وظهوراته: البحث عن المرأة، و(الفراغ العاطفي) وظهوراته: الحب والرفض، و(الرفض) وظهوراته: الحب والفراق، و(الفراق)، و(الألم)، و(السهر)، و(الليل)، و(النور)، و(القلب)، و(الذكرى) و(الحلم)، و(الشعر)، و(الثورة)،و(الحياة)، و(الموت). وهو يجعل كل موضوع رئيسي من هذه الموضوعات عنواناً يتحّدث تحته عنه، وعن ظهوراته الثانوية/ الفرعية، ويؤيد مايذهب إليه بالشواهد الشعرية.‏

وفي الفصل الثالث درس الباحث ديوان (قيثارة الريح). وفي هذه المرحلة يبقى الحب المخفق أساس الموضوعية. وقد بدأ السيّاب يطرح على نفسه في هذه المرحلة تساؤلات كثيرة عن أسباب إخفاقه، وعن طبيعة المرأة، وجوهر الحب في حدّ ذاته. وقد كان السيّاب يتألم وهو يحب ، ويحرص على الاستمرار في ألم الحب، رغم أنه يدرك أن الألم نوع من الموت البطيء.‏

وفي الفصل الرابع درس ديواني (أعاصير) و(أزهار وأساطير)، وتوصّل إلى اكتشاف (موضوعتيهما)، وهي(الموت). وقد كان السيّاب يتهافت في بحثه عن المرأة كالفراشة التي تقترب من الضوء. وقد كانت الحبيبة، في هذه المرحلة، هي الثورة التي رغبها السيّاب فامتنعت عليه، وأمل في الحصول عليها كما أمل في الحصول على الحبيبة في مرحلته الأولى. ولكن أمله في الحالتين قد خاب.‏

وفي الفصل الخامس درس ديوان (أنشودة المطر) فوجد أن موضوع (الموت) هو الموضوع الرئيسي في الديوان، وأنه موت سياسي واجتماعي. وقد كانت الحبيبة هنا هي الثورة التي أخلص لها السيّاب، ولكنها رفضته، لأنها-على مايبدو- لم تكن مهيأة للواقع الذي يعيش فيه.‏

وفي الفصل السادس درس ديوان (المعبد الغريق) ورسم فيه بنية (الموت) الموضوعية فيه. وقد كان الموت خيبة في الحاضر والماضي، حيث عاد السيّاب من بغداد إلى جيكور.‏

وفي الفصل السابع درس ديوان (منزل الأقنان) فلاحظ أن الزمن والمرض والغربة قد تصالحت كلها ضد السيّاب لكي تحرم عينيه الهدوء، وأصبح(الموت) عنده حركة مزدوجة تمثلها نافذة الشرنقة التي تنفتح أحياناً فيتوسمّ من خلالها الأمل، وتنقبض أحياناً، فيضيق الخناق على الشاعر، ويطلق صرخته طلباً للموت السريع.‏

وفي الفصل الثامن درس الديوان الأخير(شناشيل ابنة الحلبي)، واكتشف أن (الموت) هو بنيته الموضوعية.‏

وفي الفصل التاسع ألقى نظرات شاملة على النتائج التي توصّل إليها، واكتشف (الفعل المحرّك) للشاعر، أو الآلية التي تحكم العملية الشعرية عنده والتي تدفعه باستمرار إلى الأمام.‏

وهكذا كانت موضوعتا السياب هما: (الحب المخفق) في مرحلته الأولى، و(الموت) في مرحلته الثانية والأخيرة. وقد قام الباحث بجهد شاق من أجل الوصول إلى هاتين الموضوعتين (الثيمتين)، حيث فتت (الموضوع) إلى مفرداته، وفتتّ كل مفردة إلى ظهوراتها، وحلل هذه الوحدات الصغرى، ثم أعاد ربطها في بناء عالم قدّمه لنا الشاعر، رغم أن هذا البناء لم يكن أحد أهداف البحث، وإنما دراسة الموضوعات الشعرية، وتطورها على مستوى الأعمال الكاملة هو غاية بحثه.‏

أما في تطبيقنا هذا المنهج على تناج الأديب علي عقلة عرسان فيتجلّى في استعراض هذا النتاج، كل جنس على حدة، واستنباط (الجذور)التي تدور حولها الموضوعات والمضامين، وبيان أسبابها التي دفعت إلى التركيز عليها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244