|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:47 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
الفصل الثاني علي عقله عرسان مسرحياً
كتب الأديب علي عقلة عرسان عشر مسرحيات في السبعينات، عدا اثنتين تأخرتا زمنياً. وهذا الكمّ الكثير(مسرحية في كل عام) يدّل على معاناة عبّر عنها بوساطة المسرح الذي صوّر فيه همومه الذاتية ومعاناة الجماهير، في تلك الفترة الزمنية. وكان قد تخرّج من القاهرة عام 1963مخرجاً مسرحياً. وأضواء المسرح تجتذبه، والفيض الوجداني المفعم بكآبة رومانسية يدفعه إلى التعبير الفني وتصوير المصير الوطني والقومي.
وعندما استكمل دراسته المسرحية في فرنسا عام 1966 عاد فأخرج عشرين مسرحية لأدباء عالميين، تغطي معظم العصور الأدبية والبلدان، وتؤكد حسّ المسؤولية والاهتمام الجدّي بالدور الريادي للمسرح في حياتنا الثقافية والاجتماعية والتربوية. وهذا ماقام به عندما كان مسؤولاً عن العمل الفني والثقافي في منظمة طلائع البعث واتحاد شبيبة الثورة في سنوات تأسيسهما.
وقد حرص عرسان على الاهتمام بالطابع القومي في فنه المسرحي، حيث عالج الأحداث الكبرى في حياة الأمة العربية، وأظهر في مسرحياته القيم القومية والوطنية، كما حرص على إبراز الدور الاجتماعي للمسرح، وعمل في تأصيل المسرح فأبرز (الظواهر المسرحية عند العرب) رداً على القائلين بعدم وجود مسرح عربي قديم.
وقد حمل مسرح عرسان هموم الوطن والمواطن، وتداخل عنده الهمّ الفردي بالهمّ الجماعي، والقضية الأخلاقية بالقضية الوطنية والسياسية. ففي القضية الاجتماعية وضع مسرحياته: زوّار الليل، والشيخ والطريق، والأقنعة. وفي القضية القومية وضع مسرحياته: الفلسطينيات، والغرباء، وعراضة الخصوم. وفي القضية السياسية وضع مسرحياته: السجين رقم 95، ورضا قيصر، وتحولات عازف الناي. وهذه المسرحيات جميعها تدور حول جذر(ثيمة) واحد هو (الظلم) الواقع على المواطن والوطن: ففي مسرحيته (الشيخ والطريق) يصوّر (الظلم) الواقع على الفقراء من قبل الأغنياء. وفي مسرحيته (زوّار الليل) يصوّ(الظلم) الذي أوقعه فتى بفتاة عندما أغراها بمعسول الكلام حتى استكانت له، فافترسها، ثم هرب عنها، تاركاً إياها تواجه وحدها مصيرها الفاجع. وفي مسرحيته (الفلسطينيات) و(الغرباء) يصوّر(الظلم) الذي وقع على السكان العرب. وفي (السجين 95) يصوّر الصراع على السلطة بين المسؤولين، والظلم الواقع على المواطنين. وفي مسرحيته(رضا قيصر) و(تحوّلات عازف الناي) يصوّر علاقة الفنان بالسلطة، و(ظلم)هذه السلطة له، من أجل أن يظل يسبّح بحمدها صباح مساء. وفي مسرحيته (الأقنعة) يصوّر (الظلم) الذي يقع على كاهل جندي عاد من الحرب فوجد الفساد قد عمّ مجتمعه، ووصل إلى زوجته وبيته.
وقد آثر عرسان في مسرحه البناء التقليدي للمسرحية، رغم أن تجارب التجديد والتجريب المسرحي كانت على أشدها في الستينات، فكتب المسرحية الواقعية، وطعمّها بشيء غير قليل من الشعر الذي يستدعيه السياق النفسي والشعوري. كما لجأ-أحياناً- إلى الرمز الشفاف، لا المعتم، والذي يرتفع بالحدث اليومي إلى مستوى أرقى، ويمنح المسرحية أبعاداً جمالية ومعرفية أكثر.
***
وسنحلل هذه المسرحيات لنصل إلى جذورها (ثيماتها) العميقة.
وهي المسرحية الأولى للكاتب. وفيها يقترب من جوهر قضية الصراع الطبقي بين مَنْ يعملون ولا يملكون شيئا،ً ومَنْ لايعملون ويملكون كل شيء.
وتبدأ المسرحية بـ(جاسر) الذي يبحث عن عمل، و(عبده) الذي يبحث عن زيد، و(الشيخ) الذي يبحث عن حظه بعد أن قضى ستين سنة وهو يقطع الحجارة، ليبني البيوت، ويحرث الأرض، ولايأكل غير الخبز والبصل. ومع ذلك فإنه لم يستطع بناء بيت له ، لأنه كلما بنى جداراً سرق(المحظوظون) الذين لايعملون شيئاً حجارته. ومايزال ابناه يكسران الحجارة:
الصخر يقاوم ، ولكنه يتفتّت أمام العزم
وتكسيره يصبح سهل الاحتمال أمام بكاء طفل على رغيف.
أما(جاسر) فيلتقي بأحد (المحظوظين)، ويعرض عليه حالته: إنه من الجنوب، حيث يزرعون الحبوب. ولكن الفئران أكلت الغلال، ولم تستطع السموم الفتك بها، لأن السموم مغشوشة، أو لأنها صنعت خصيصاً من أجل تقوية الفئران.
وعندما يطلب منه عملاً ينادي(المحظوظ) على الشرطى ليلقي القبض على جاسر بتهمة التأمر على سلامة الأمن وحياة(الأمير) الذي ينطلق إلى (السيدّة) القوّادة التي تقّدم (للسادة) مالذ وطاب من الفتيات.
ويحكم على (جاسر) بالضرب بالسياط بعد أن يُربط على جذع شجرة. ولكن(عبده) يفكّ قيوده، بعد أن يستولي على سلاح الشرطي الذي وقف يتذلل له:
- عد إلى الشجرة أرجوك. يجب أن أنفذ الأوامر. لاتقطع رزق عيالي.
-أنت مسكين أيها الشرطي. أنت تقتل فجر شعب كي تنفذ الأوامر.
وقد وصل (عبده) و(جاسر) إلى اليقين، وآمنا بأن الأغنياء يعيشون على حساب الفقراء، بما يستغلونه من تعبهم، وعرفا عدوهما الطبقي: (الأمير) صاحب الأراضي والقصور، و(زيد) الذي يتلوّن في كل لحظة، و(الشيخ) المتخاذل الذي يعرف، ولكنه لم يتجاوز المعرفة إلى (الفعل) المغيّر كما فعل عبده وجاسر.
ويحاول جاسر أن يضم إليه أفراد الشعب المشتت المقهور، ليصنع بهم قوة تطيح بـ (الأمراء)، بعد أن تبيّن له أن طريق التمرد الفردي غير مجدٍ، وأن الطريق الصحيح هو طريق الثورة الجماعية واتحاد جميع المقهورين والفقراء.
ورغم أن هذه المسرحية هي المسرحية الأولى للكاتب، فإنها لم تغلّب الجانب الفكري على الجانب الحركي، كما هي العادة في النتاج الأول للكاتب المسرحي. وكانت إمكانية تمثيلها على خشبة المسرح كبيرة.
ولم يكن حوارها نثرياً في جميع المشاهد، فقد تخللته لمحات شعرية،وظّف الكاتب فيها الشعر الحر الذي منحه سهولة في التعبير، وارتفاعاً عن المباشرة:
سارة: -لا . لا تذهب. انظر . انظر.
عبده:-إني أنظر. أنظر ماذا؟.
الأول:-حدّق أكثر.
عبده:-إني أبصر ماقد يخفى. لكن زيد.
الجميع: - حدّق أكثر
فعسى يظهر(ص64-5)
ولم تكن الشخصيات (أبطالاً) بالمعنى المعروف، وإنما هي (نماذج) مثّلت الطبقتين المتناحرتين: الأغنياء والسلطة القاهرة(الأمير، والشرطي)، في مقابل الضعفاء والفقراء(جاسر، عبده، الشيخ).
والمسرحية باكورة التبشير بالتزام قضايا الجماهير، وتصوير لعذابات الشعب الذي خرج لتوّه من أتون أحزان حزيران، فرغب في أن يبني حياته الاجتماعية على أساس من العدل والمساواة.
أما مايراه الدكتور علي الراعي من أن المسرحية (متأثرة تأثراً حرفياً بالكاتب صموئيل بيكيت).(المسرح في الوطن العربي ص 209) فلعل هذا الحكم السريع لم يعتمد على قراءة ولو سريعة، للمسرحية، لأن (زيداً) الذي يبحث عنه(عبده)، والذي يمثل (جودو) في مسرحية بيكيت (في انتظار جودو) ليس أكثر من رمز يمرّ سريعاً في فضاء المسرحية، دون أن يخلّف أثراً، لأنه ليس (الإله) المنتظر كما هو في مسرحية بيكيت، وليس (المهدي) الذي سيطهّر الأرض من الفساد والظلم والجور، وإنما هو رمز مزدوج الدلالة، يحوي الخير ويحوي الشر معاً. وقد قال الرجال والنساء عنه: "إنه يطير فوق البحر، ويوجد في أكثر من مكان في نفس الوقت. إنه أكبر سارق، زيد ثعلب، زيد عقرب".
والجذر(الثيمة) الأساسي في المسرحية هو تصوير(الظلم) والقمع، في مجتمع طبقي لاينال فيه الفقراء شيئاً رغم أنهم يعملون ليل نهار، وينال فيه الأغنياء كل شيء رغم أنهم لايعرقون ولايتعبون.
***
يتحدّث الأصدقاء عن (هند) التي أحبت، فتخلّى عنها حبيبها، وافتضح أمرها، فقتلها أهلها، وفي بطنها جنينها، أما حبيبها الغادر فقد تزوج غيرها.
ويدخل (العجوز) على (أحمد) فيكشف له عن سوء فعلته التي ظن أن لا أحد يعلم بها. كيف افترس هنداً، ثم تخلّى عنها، ليذبحها ذووها، دون أن تبوح باسم المجرم، أو يتجرأ هو على الاعتراف بفعلته.
ثم يتسلل شبح هند فيعاتب أحمد: "لم يعد لي أحد سواك ياحبيبي.كل الأحياء يلعنوني حتى أمي. طفلنا في الجنة، ودمائي كالعصافير، أضمّها فتطير نحوك" ثم تدعوه إلى مشاهدة طفله الذي يجري في الحقول. ولكنه يجبن عن اللحاق بها.
وعندما تدخل زوجته (سعاد) يعترف لها بحبه القديم لغيرها، فتعترف له هي أيضاً بحبها القديم لغيره. ويطلب منها أن تدعه وتذهب إلى حبيبها الأول، لأنه هو نفسه سيلحق بحبيبته في العالم الآخر.
ولكن : هل موت أحمد يحلّ مشكلة تأنيب الضمير؟.
إن الخناجر التي مزقت قلب حبيبته تمزق ضميره الآن. ولذلك لم يجد أمامه من حل سوى اللحاق بحبيبته، بعد أن جرّب الخمرة والزواج فلم يفلحا في تخليصه من عذاب الضمير، ووجد في الموت التطهير الذي ابتغاه، والخلاص الذي توخّاه.
إن(الظلم) هو الجذر (الثيمة) الأساسي في المسرحية: ظلم المجتمع لهند، وظلم حبيبها لها، وظلمه لزوجته سعاد، وظلم سعاد له ، وظلم هند لجنينها.... والواقع أن هذا الحل (المثالي) ليس مناسباً لقضية اجتماعية ماتزال موجودة في أريافنا ومجتمعاتنا. ولكنه يظل عقاباً وتكفيراً عن ذنب اقترفه صاحبه، واعترافاً بأن الضمير لم يمت عند بعضهم بعد.
***
(مسعود) حارس برج المنار في الميناء يحذّر العرب من مراكب الغزاة التي ملأت وجه البحر:
فوقها ناس يفوح الحقد منهم
مثل أفواج الجراد
مالهم لون موحّد
إنهم أعجوبة التهجين والجنس المولّد
أمرهم أضحى خطيراً ياجماعة.
فيجتمع الناس، ويتداولون في أمر ردّ العدوان، ومواجهة مراكب الأعداء المدججة بالسلاح، بعد أن تدرّبت على يد الانكليز المستعمرين. ويتفقون على أن (الثورة ضد الغزاة).يجب أن تعم أرجاء البلاد. ولكنهم يختلفون بعد ذلك: فحمّاد، التاجر الذي يخشى أن يخّف المال أو تذوي المرابح لايؤيد الحرب، ويرى أن يحلّ الأمر بالتفاهم مع الانكليز واليهود. ولكن صيحات الجهاد تغطي على كل صوت:
واشترى أزواجنا بالقمح حبّات (الفشك)
وانتصبنا ندفع الغازي عن الأرض الطهورة
ناضل الآباء والأبناء في كل البلاد
وانتصبنا صامدين
وتنمو ظلال الموت في أرض الشوارع، وتهزّ الدور أصوات القنابل. ومئات من شباب العرب يحمون الشوارع، بالأكف البيض والقلب الجسور. ما بأيديهم سلاح. وتتهاوى البيوت، ويفقد الرجال، وتنتظر النساء عودة الأزواج والأبناء دون جدوى. ويعودون بأحمد مضرّجاً بدمائه. وقد اخترقت رصاصة جبينه. لم يكنيحمل إلا موسه، شأن غيره. ويتساقط الرجال ضحايا العدوان في كل مكان: في حيفا، وفي يافا، وفي عكا، والقسطل..إلخ. وتغدو زوجاتهم أرامل . ومع ذلك يقسم الجميع منشدين:
لن يمرّوا، أرضنا قبر الغزاة
لم نهب. كنا نقاتل
بالمعاول
بالحجارة
بالسكاكين العتيقة، بالمناجل
لم نهب، كنا نقاتل.
وتقبل سبعة جيوش عربية لمسائدة المجاهدين. ولكنها تطلب من الأهالي إخلاء الديار
فتصرخ النساء: لن نغادر
الضابط: جاء أمر القائد الأعلى بأن تُخلى المنازل.
فاطمة: لن أغادر
مات زوجي كي يغوص الجذر في أرض الوطن
كي يضوع الزهر في أرض الحدائق
كي ينام الطير في حضن الصغار
قاتل الغازي لكي تبقى الديار
لالكي تخلى الديار
الضابط: هو إخلاء مؤقت.
وسلام للصغار
لاتخافوا.
ورغم تشبّت الرجال بالأرض، والنساء بالبيوت، فإنهم يرغمون على الرحيل، وتنتصب خيام اللاجئين، وتقعي العجائز أمامها على الحجارة ، ينظرن إلى المدى البعيد، وينتظرن العودة، ويدفع الفقراء الثمن الباهظ. فقد سلبت منهم أراضيهم، وبيوتهم، وكانوا وقود نيران المعارك. أما من بقي منهم فقد أصبح لاجئاً مشرداً. بخلاف الأغنياء (حمّاد وأمثاله) من التجار والسماسرة،فقد وجدوا في كل عهد مايزيد في أرباحهم وينمّي ممتلكاتهم. وتردد النساء:
باعنا التجار للتجار، ضعنا
واشترونا، ثم باعتنا المناصب
وتعوي الإذاعات، ويخطب الحكام العرب من وراء طاولاتهم. وتتراجع الجيوش السبعة بأمر من "قياداتها". ولكن المجاهدين لايتراجعون، فدرب الثورة واضح كالصبح:
سلمى: استمرّوا في ثغاء كالبهائم
استمروا في التلاحي والشتائم
راحت اللّد فرحنا للمحافل واشتكينا
راحت القدس فعدنا للمحافل أوبكينا
ماالذي نفعل لو راحت دمشق الشام أو عمان أو بيروت
هل ترى نبكي ونمشي للمحافل؟..
وقد جعل الكاتب موضوعه الرئيسي هو وصف اللاجئين في خيام التشرّد والذّل، وجعل سبب النزوح أوامر قيادات الجيوش العربية، في حين أن الرعب والخوف قد أطار بلبّ الكثيرين الذين آمنوا بالمفهوم الخاطئ (الأرض ولا العرض)، وأن الإقطاعيين هم الذين باعوا أراضيهم أو تخلّوا عنها، بينما لم يكن الفقراء يملكون سوى قوة عملهم. بالإضافة إلى أنه لم يكن هنالك ، حتى اليوم فرز طبقي بين الطبقات الاجتماعية العربية، فإقطاعيو الريف هم بورجوازيو المدن وتجّارها. وليس صحيحاً أنه لم تكن للتاجر (حمّاد) فعالية، فقد يكون هذا صحيحاً بالنسبة لنشاطه الوطني المفقود، ولكنه ليس كذلك بالنسبة لنشاطه التجاري المحموم الذي لم يفتر فيه عن استغلال الفقراء، وتكديس الثروة.
وقد اختار الكاتب لغة الشعر تقنية فنية. ولكن الناقد المسرحي رياض عصمت يرىأن هذا الاختيار سببه انعدام الرؤية الفنية.. فالمسرحية فكرية،ومعالجتها غير شاعرية، وكثير من مواقفها يحتاج إلى لغة النثر المبسّطة، إذ أن الشعر هنا لايصبح أمراً زائداً فحسب، وإنما أمراً مغيظاً، فالمسرح الشاعري شاعري في المعالجة والموقف والشكل، وليس ضرورياً أن يكون ذا صياغة شعرية(رياض عصمت- ضوء المتابعة ص 55).
وإننا لنتساءل: ولماذا لايكون الشعر وسيلة التعبير في قضية مسّت شغاف قلوب ملايين العرب في أوطانهم جميعاً.؟ ونرى أن بإمكان الشعر أن يرفع هذه القضية إلى مستوى أدبي رفيع، ويجعلها تستأثر بجماع القلوب. صحيح أن الشعر قد يبطئ الإيقاع المسرحي . ولكن الكاتب هنا لم ينظم مسرحيته شعراً تقليدياً يرغمه على اتباع وزن عروضي وقافية موحدة.ولكنه لجأ إلى توظيف الشعر الحر الذي يمنح الشاعر حرية تعبيرية وتصويرية أكبر، حيث لايرغمه علىالتزام وزن بعينه، أو قافية واحدة.
وبالطبع فإن الجذر(الثيمة) الأساسي في هذه المسرحية هو أيضاً (الظلم) الذي مارسه اليهود والانكليز والقيادات العربية على الفلسطينيين.
***
تروي هذه المسرحية المأساة الفلسطينية، فتنقلها رمزياً إلى حي من أحياء "قرية" عربية، يختصم أهلها حول(جماعة الغرباء أو جماعة أبي داود) الذين جاءووهم : أيستضيفونهم كما كان أجدادنا العرب يستضيفون الغريب؟ أم أن مجيئهم هو لعبة مشبوهة ستكون مصدراً لكوارث عديدة؟.
ويتداول أهل القرية في الأمر، فيختلفون فيه: فبعضهم يرى أن يحسنوا ضيافتهم،وآخرون يرون أن يطردوهم . وبينما هم في خلافهم هذا تدخل جماعة الغرباء الساحة، وهي تحمل أمتعتها على ظهورها، وتطلب مقابلة المختار، فيتجمع الناس حولها، ثم ينقسمون إزاءها إلى فريقين: فريق (مصطفى) الذي يرغب في استضافتهم، لاسيما بعد أن رأوا مفاتن نسائهم غير المخبوءة خلف الثياب القصيرة، وفريق (يوسف) الذي يرفض استقبالهم قبل معرفة نياتهم. ويكاد الفريقان يقتتلان. بينما تظهر (جماعة أبي داود) المسكنة والذل، وترى أن القرية تتسع للجميع، وأنه ليست لهم من غاية سوى العيش بسلام في ظل قبر أحد أجدادهم. وعندما يطلب منهم يوسف الرحيل يفاجأ بردّهم : "لن نرحل إلا إذا أجمع أهل القرية على ذلك". وحين يدعوهم مصطفى، يجيبه أبو داود:"أشكركم على كرمكم وشهامتكم ياأهل القرية. وأرجو أن تعتبرونا إخوة لكم. إننا منذ الآن نعتبر أنفسنا سكاناً في القرية، نحميها وندافع عنها، ونهتّم بشؤونها ونعمل على تحسين أحوالها".(ص 40).
ويلتف شبان القرية حول فتيات أبي داود الحاسرات، يسامرونهن ويراقصونهن. ثم تتوافد مجموعات أخرى من الغرباء، وهي تسأل عن "حارة" أبي داود، بعد أن قدّم لها (مخفر)المنطقة المساعدة اللازمة. ويشتبك مصطفى في عراك مع أحد الغرباء، فيطعنه الأخير بسكينه عدة طعنات، ثم يولي هارباً. ويُتّهم يوسف بقتله. ويؤكد أبو داود التهمة ليشعل النار بين الأشقاء على طريقة (فرّق تسد).
وتقوى شوكة جماعة أبي داود فينفردون بالحارة، ويمنعون الآخرين من دخولها، ويبنون مستودعاً كبيراً للأسلحة، ويشتبكون مع بعض شبان القرية، فيلعلع الرصاص، ويتقابل المختار وأبو داود:
المختار: غدرت بأبنائنا يا أبا داود، وقد حموك ضعيفاً، وفتحوا لك بيوتهم وصدورهم. تنكّرت للناس الذين وقفوا معك وقت الشدّة. لم يعذّ بوك في حين عذّبك واضطهدك الآخرون.. ولم يطردوك في حين نبذتك الأرض.
أبو داود: لاأفهم لغة العواطف هذه يامختار. لقد مضى الوقت الذي كنت أستمع فيه لكلامك وأحبس في صدري ماأريد أن أقوله لك من كلام. جاء الوقت الآن لأتكلم صراحة وأعلن لك ما أريد: بيوتكم أخذتها بالقوة، وأصبحت "الحارة" لي. ومَنْ بقي فيها منكم هم الآن تحت تصرّفي وطوع أوامري يعملون ماأريد(ص77-8)
ويمسي أهل القرية لاجئين في أوطانهم، لايجرؤون على رفع رؤوسهم، بعد أن سلبهم "الغرباء"بيوتهم وقريتهم وكرامتهم. وحين يعرض المختار على جماعة من أهل القرية محاولة مهاجمة الغرباء لطردهم، يعتذر هؤلاء بأنهم لا طاقة لهم على مقارعة الغرباء. وعندما يقول لهم إننا إذا تعاونا جميعاً فإننا نستطيع طردهم، يسخرون من جهله وأمله، ويؤكدون له أن العدو قوة لاتقهر، وأن عليهم أن يسلّموا بوجوده كحقيقة واقعة. ومع ذلك فإن "المختار" لايفقد الأمل، ولايدع القرية تتدهور لأن بعض شبانها ليسوا كما يريد ، فيجمع شباناً آخرين، ويدفع بهم إلى مواجحهة الأعداء. ولكن لايعود منهم أحد، فيقدف بمجموعة ثانية، وثالثة، وتواجهان نفس المصير. وعندها يندفع أهل القرية جميعاً في هبّة واحدة، لطرد الغرباء، وهم يرددّون: الله أكبر، الله أكبر.
إن تصوير الصراع العربي- الإسرائيلي بهذه الطريقة لم يعجب الناقد المسرحي نديم معلاّ، لأنه تسطيح للقضية نفسها، وفهم تقليدي لجوهر هذا الصراع تجاوزه الزمن، فتصوير اليهودي بالخدّاع واللئيم الذي يوظّف نساءه للتغرير بالآخرين، ثم وضع العربي في الصورة المقابلة: أي الشهم الكريم المحب للضيف، يهمل الجوانب الأساسية لحقيقة الصراع، إذ يحوّله إلى نتيجة لخلافات قبلية- عشائرية. إن المسألة ليست بهذه البساطة. إن دور المستعمرين البريطانيين في البداية، ثم دور الأمبريالية العالمية(الأمريكية تحديداً) فيما بعد، إضافة إلى تخاذل الأنظمة العربية في حرب الـ 1948. كل ذلك لايمكن تجاهله . (نديم معلاّ-الأدب المسرحي في سورية ص 100)
ولكننا نرى أن الكاتب لم ينس دور الإنكليز الذي سلّموا البلاد التي كانوا يستعمرونها ولايملكونها. وقد أشار إلى أن المراكب المدججّة بالسلاح قد (درّبها الإنكليز وأفسحوا لها الطريق). بالإضافة إلى أن أي كاتب إذا أراد أن يعالج قضية ما من خلال غلالة الرمز الشفاف، فإنه لن يأتي برمزه مطابقاً للواقع مئة بالمئة، ولن يحيط رمزه بكامل أبعاد القضية في امتداداتها الزمانية والمكانية، إضافة إلى أن العمل الفني ليس توثيقاً يرصد كل شيء.
ومع ذلك فإن مسرحية (الغرباء) تظل مسرحية جادة. صحيح أنها قالت ماهو معروف تماماً، ولكنها عبّرت عنه من خلال غلالة الرمز الشفاف الذي منحها بعداً فنياً وجمالياً.
وواضح أن (الظلم) هو الجذر(الثيمة) الأساسي في المسرحية: ظلم جماعة أبي داود للفلسطينيين.
***
تبدأ المسرحية بمونولوج شعري طويل يناجي فيه (عودة) نفسه، فهو فتى الريف الذي أفنى العمر في حب الأرض، فلاح قدّم دمه لتراب الأرض، ومن تعبه صار العشب أحمالاً من التبر، ومن جهده شاد الناس قصور العزّ بالمرمر. أبوه غذّي بني عثمان بالأموال والسكر، ومات مذبوحاً دفاعاً عن (جنق قلعة). ومن دمه تغذّى الأشقر الغربي في وطنه، ومن تعبه بنى بيوت الحكام والتجار والساسة، فصار الكل تجاراً ونخاسة. وحده كان السلعة. وغيره التجار. وزوجته إلى جانبه تسأله، وقد مضى العمر ياعودة، ولم نحصل على غرفة. عملنا أربعين عاماً بعزّ القيظ والبرد، متى نرتاح ياعودة. ؟
ويجعلون من (عودة) سجّاناً. ورغم عدم إيمانه بهذا العمل فإنه ضروري لإطعام الصغار. وتتدفق دفعات المساجين، ويغصّ السجن حتى لايبقى فيه مكان لوافد . وتوقف الدفعة الأخيرة من المعتقلين في ساحة السجن، ويصرخ الطبّال:
باسم العدالة والحق المنتهك
باسم المظلومين والجياع
باسم الشعب
يصدر صاحب القوة والسلطان والجاه العريض والنفوذ الأعظم أوامره.
فيتقدم مأمور السجن (ثابت) و يوزع الموقوفين على ثلاث فئات، ويشير بيده الكريمة حاكماً بها على كل فئة: إعدام ، مؤبد ، عشرسنوات. هكذا دون محاكمة أو قانون أو حيثيات. أما المرأة الموقوفة فيسند أمرها إلى (زلمته) الطبال الذي يفاوضها كي تستسلم لنزوات ثابت الجنسية، مخوّفاً إياها بالأحكام الجزافية التي ستلقى ضدها إذا مارفضت.
ويعود(عودة) إلى مناجاة نفسه: إننا هنا لانتفاهم. إننا نتعارك فقط، نتعارك والأقوى ينتصر، ويفترس، ويتشامخ. والضعيف يتوارى في ظل الأقوى. ويعمل عنده طبالاً، وسجّاناً، وماسح أحذية، ومراقب أحياء، وكلباً يهاجم المارة. لقد بدأت أضيق بكل هذا. وأشعر بتقزز من حاجات الجسد التي تذل الروح وتقيدها وتخضعها للصَغار. حاجات الجسد تدفعني لأن أقف في ظل الأقوى نحن ضعفاء. قف بجانبي لنتماسك حتى لاتسحقنا الأحذية، وكي نقف في وجه قبضة الظلم إن لم نقدر على دفعها عنا. (ص41).
ولكن لا أحد يقف معه. فالكل مشغول بنفسه، وبالتناحر، والعراك، حتى (ثابت) آمر السجن ينافس رئيسه (مثبوت) على السلطة، ويريد كل منهما أن يكون الأقوى، وأن تكون له الصولة والجولة. وعندما يصدر (مثبوت) أمراً بإطلاق سراح السجين 95 يرفض ثابت تنفيذ الأمر، وعندما تستطيع مجموعة (مثبوت) تهريب السجين 95 يراها (ثابت) مؤامرة ضده، فيزج بمثبوت في الزنزانة نفسها. وهكذا يتبادل رجال السلطة المعارك:
مثبوت: أنا متآمر ياخائن، يامتمرد. أنا الذي علّمك أبسط مبادئ الإخلاص أصبح في نظرك خائناً. إن الناس يعرفون مَنْ أنا. لقد عملت من أجل الفقراء.
ثابت: مازال يتاجر باسم الفقراء. لقد عرفوا جيداً هذه الكذبة وأدركوها. ماالذي قدّمته لهم أنت غير الكلام والوعود الكاذبة. القرى مازالت عطشى، والمواسم رديئة، وسعر الغلاّت في هبوط مستمر، والجهل والمرض يفترس الريف، وليس حال العمال بأفضل من حال الفلاحين.(ص75).
ويستمر الصراع بينهما على السلطة بينما السجناء (الشعب) ينظرون دونما كبير اهتمام، لأنهم يعلمون أن الرابح منهما سيبقيهم على حالهم: مسجونين، مقهورين، جائعين. ولكن واحداً فقط من السجناء يخرج عن حياده، فيصرح في وجه السلطة: "أنا مواطن مثلك، من هذه الأرض. جذري في ترابها، ويدي في حلقك أنت وهو. نحن أيضاً لنا الحق في أن نتكلم.. لقد نسيتمونا طويلاً.
ولكن هل نسمح لكم بأن تنسونا إلى الأبد، بأن تمسحونا من القائمة. واحدكما يبيعنا للآخر وكأننا أغنام أو بضاعة. لقد صبرنا على ذلك طويلاً. وكلما ازددنا صبراً ازداد تماديكم في إهانتنا. لابد أن يكون لنا دور في مايجري، ولن أبقى مع المتفرجين. لقد سجنت بعد ثلاثين سنة من الحياد، وحُكمت مؤبد دون أن أعرف شيئاً مقنعاً لذلك. فلو أنني كنت هنا في الساحة، ولم أكن على الحياد لأصبحت وزيراً أو أكثر. وفي أسوأ الحالات في مرتبة كبيرة في الدولة. وما دام الأمن قوة ذراع ويدك وما تعطيك وليس لأي شيء آخر قيمة أو اعتبار فذراعي أنا قوية أيضاً".(ص83)
وهذه "المشاركة" والرغبة في السلطة، جعلته منافساً للسلطويين، الأمر الذي جعلهما يلتفتان إليه، ويوجهان ضرباتهما إليه حتى يسقط مغشياً عليه. فيتعالى استحسان السجناء (الشعب) وتصفيقهم.
ورغم هذه النتيجة المتوقعة لمن يرغب في التحرر أو التسلط، فإن أصوات المتمردين لم تصمت. وقد تعالى صوت السجين رقم 2 وهو يطالب الآخرين بأن يكون لهم دور أيضاً: "تعالوا نأخذ دورنا تعالوا إلى الحلبة. هيا تعالوا ". وهذه هي نهاية المسرحية.
أما من حيث الوسيلة التعبيرية فقد راوح الكاتب فيها بين أسلوبي الشعر والنثر، فجاء القسم الأول شعرياً، وعلى الخصوص في مااستدعاه السياق والموقف. كما في مناجاة (عودة) لنفسه، وفي مناجاة زوجته (زهرة) له، حيث تقول:
متى أصبحت سجاناً.؟
وهل تبني بظل السجن حرية وعدلاً واشتراكية؟
أياعودة، أيا عودة؟
تذكّر أننا جئنا لنحمي حرمة الإنسان
نبني الاشتراكيه
تذكّر أننا كنا نجرع من كؤوس الظلم
نحيا في العبوديه
وقضية الصراع على السلطة بين السلطويين أنفسهم، وانعكاس هذا الصراع على المواطنين: لامبالاة، وحياداً، وقمعاً، وظلماً، يجعل صوت الحق لابد أن ينطلق من عمق الألم، ليدعوا إلى العدل والحرية. وعندما يحّل الكاتب القضية بالدعوة إلى القضاء على السلطة (ثابت، ومثبوت)، فهل هذا هو الحل الصحيح؟ وإذا ماتم القضاء على أحدهما أو كليهما ألا يصعد غيرهما إلى سدّة السلطة؟ وإذا كان المفروض أن يصعد أبناء الشعب من الجماهير الكادحة التي عانت الظلم والحرمان، لأنها أرحم من غيرها، فكيف نضمن التصاقها بالجماهير، وعدم تبرجزها، مع الأيام، حيث تصبح مالكة للعمارات والسيارات والأرصدة، فتنسى أصولها، وتصبح رأسمالية لايهمّها غير تنمية ثرواتها، الأمر الذي حدث في كثير من مجتمعات العالم الثالث، و"الاشتراكي" معه.
وواضح أن الجذر (الثيمة) الأساسي في هذه المسرحية هو (الظلم) الواقع على المواطن. ظلم السلطة الطاغية، سواء كانت (ثابتاً) أم (مثبوتاً).
***
تعالج هذه المسرحية علاقة الكاتب والفنان بالسلطة،وهي علاقة تناحرية تقوم على الترغيب أو الترهيب، الاحتواء أو القمع.
وقد بدأ الكاتب مسرحيته بملاحظة يقول فيها: "إن هذه المسرحية ليست تاريخية، رغم أن أحد شخوصها (بلاوتوس) كاتب مسرحي روماني معروف، فهي لاتتعرض لسيرته، وما مرّ بها من أحداث ليس لها وجود في حياته".وهذا تأكيد على أن المسرحية معاصرة بأحداثها وأشخاصها، وإن استعارت قناع الماضي، واتخذت أسماء رومانية من مثل: بلاوتوس، قيصر، باكخيس، بوبيليوس، فلافيوس.
وتبدأ المسرحية بالطفيلي الجائع الذي يعلن أنه يبيع نفسه لمن يوفر له الطعام، ثم ينادي سيده المؤلف(بلاوتوس) الذي جعله شخصية مسرحية في ورطة، ثم تخلّى عنه، وتركه يواجه مصيره وحده. فيطلب بلاوتوس منه الالتزام بدوره كطفيلي، وليس كجندي شجاع من جنود روما. وينادي (باكخيس) الفتاة التي تيّمت عشاقها وجعلتهم مفلسين. وهي تكاد تتمرّد- أيضاً- على المؤلف الذي أعطاها هذا الدور:
بلاوتوس: من الواضح أنك تتآمرين عليّ. هذا متوقع. لعبة من الممثلين. تقفون إلى جانب بعضكم وتتعاضدون. لقد أصاب مجلس الشيوخ في روما عندما حرم الممثلين من الحقوق السياسية، واعتبرهم أقلّ من غيرهم.
ومن الواضح أن الكاتب عرسان عندما جعل المؤلف بلاوتوس يخاطب شخصياته. ويمثّل معها، فإنه يترسّم في ذلك منهج(الكوميديا ديللارتي) وبيرانديللو الذي وضع (مسرحاً داخل المسرح) في مسرحياته، وعلى الخصوص في (الليلة نرتجل) و(ست شخصيات تبحث عن مؤلف). ولكن المفارقة هي في أن يوظف الكاتب تقنية (كوميدية) في موضوع (تراجيدي). وهذا منتهى المرارة أن يقدم (كوميديا سوداء):
يقول الطفيلي: بعد أن خلقت هذه النماذج ياسيدي ازدهرت روما. ارتفعت الأسعار إلى حد غير معقول. فبلغ ثمن زق من النبيذ مئة آس، وإناء من السمك أربعمئة آس . أما مَنْ يفكر في إطعام أولاده فعليه أن يبيع واحداً منهم ليشتري بثمنه وجبة لحم. هذا إذا وجد مَنْ يشتريه بثمن ملائم. أما زيارة غانية كباكخيس هذه فقد تكلّف الإنسان حريته، إذ يفلس فيباع في الأسواق لسداد الدين.
ويطلب بلاوتوس من الممثلين أن يقدموا مسرحية من تأليف بلاوتوس، أعظم كتّاب الملهاة في روما، وأن يبرعوا فيها، لأن القيصر سيشرّف الحفل بحضوره الكريم. ونيل رضاه واجب مقدس. ولايريد بلاوتوس أن يكون مثل (نايفيوس) الذي انتقد الساسة والنبلاء، فطرد من روما.
ويبدأ التمثيل، ويشترك فيه (بلاوتوس) في دور والد الفتى المغرم بباكخيس. ولكن المسرحية تثير غضب قيصر الذي يؤنّب بلاوتوس على إفساده عقول الناشئة، حين يجعل أباً يشارك ابنه في حب غانية، فيجرح الحسّ الخلقي لصفوة الجمهور في روما العظيمة، ويجعل الأرقاء وبنات الهوى ينشرون الرذيلة في أرجاء المدينة. وهذا ما سيقضي على فضيلة الشجاعة والنبل في الشباب الروماني، وسيؤدي إلى أن تخسر روما مكانتها في العالم، بل وحتى أمن أسوارها، لأنها لن تجد في الجيل رجولة تدفعه إلى حمايتها والدفاع عنها. فينحني بلاوتوس أمام عاصفة غضب قيصر، ويستعطفه، فيرد قيصر: أليس في روما حياة وعمران وبشر؟ أليس لهم مشاكل تطرح نفسها عليك.؟
بلاوتوس: بلى، ولكن مشاكلهم متعلّقة بك. فإذا تعرضت لك.
قيصر : إذا كان لديك شيء يُقال عني فقله.
بلاوتوس: ماذا أذكر ياسيدي غير مايسليكم، ويسلّي عنكم الجائعين ويلهيهم. هل أصوّر أولئك العبيد المساكين في حلبة المسرح يذبح أحدهم الآخر بين ضحك النبلاء وضجيجهم.؟ أم أصوّر الوحوش التي تفتح لها الأقفاص على البشر؟ أم تلك العربات التي تطارد الإنسان فيقتله راكبوها برماحهم. هذه هي المتع التي تريدونها على المسرح ياسيدي. ولايليق أن أعرض على مسامعكم مايجري في سوق العبيد أو سوق الخضار أو الإدارات العامة. إنني أقدّم الشيء الذي يمتعكم. أنتم الذين....
قيصر: نحن. نحن نريد المتعة ونقصدها. اصنع لنا متعة أجمل مما نحن فيه لنقصدك وننصرف عن كل مايجري في حلبات السباق (ص34-5).
وحين يأمر قيصر بإغلاق المسرح يرتمي بلاوتوس على قدميه باكياً، وطالباً منه فرصة ليثبت فيها إخلاصه، غير عابئ بأن يخسر جمهوره. وينصح الممثلين بأن يقوموا بأدوارهم خير قيام، وألا يرتجلوا أية كلمة، أو يغيّروا، وألا يهتموّا بتصفيق الجمهور، بل برضا قيصر.
فيقدم مسرحية تتحدّث عن شرف الرومان وانتصاراتهم في العالم، وعن كرمهم، حيث يحرّر النبيل (فلافيوس) جميع عبيده. وعندما يطالبه(ماركوس) بدين له عليه، يعجز عن السداد، لأنه كان قد أطلق جميع عبيده أحراراً . وطبقاً لقانون روما فإنه يحقّ للدائن أن يضع الأغلال في قدمي المدين الذي يعجز عن سداد دينه، ويبيعه كعبد في السوق، إذا لم يجد مَنْ يفتديه.
ولم يجد (فلافيوس) من يفتديه، رغم أنه كان قد ضحّى من أجل الجميع، وقدّم سيفه ويده لروما، وأطلق عبيده أحراراً، وأنقذ حياة الكثيرين من الموت. ولكن لم يتقدم أحد لافتدائه، حتى زملاؤه أعضاء مجلس الشيوخ تخلّوا عنه، فحقّ لدائنه أن يقوده إلى الذبح. وهنا يبدو الغضب على وجه قيصر الذي كان يرقب المشهد، فتتدخل باكخيس والطفيلي لإنقاذ الموقف، ويمثّلان مشهداً جنسياً. ولكن بلاوتوس يطردهما، ويتوجه إلى قيصر
بتوسلاته:
سيدي ومولاي قيصر. إنني أركع عند قدمي مقصورتك، طالباً الصفح عن هذا الخطأ الذي سببّه دخول هذين العبدين الأحمقين. إن هذا ليس من تدبيري ياسيدي. وليس جزءاً من المسرحية.
قيصر : انهض ياسيد بلاوتوس. لا توسخ عتبتي بجبينك القذر، ولاتذرف دموع التماسيح هنا حتى لا تضطر الخدم إلى تطهير المكان. لن أدع أنفاسك تتردّد في شوارع روما وتلامس الآذان المرهفة والعقول النظيفة، وتعّمق جرح الحياء لدى عذارى روما وجرح الفضيلة الروماني، وتعرّض بي وبروما... كيف تجعل روما تخذل نبيلاً من نبلائها قام بعمل إنساني في مناسبة قومية؟
ويصدر قيصر أمره بنفي الكاتب بلاوتوس إلى مقالع الحجارة، مع مجرمي روما وعبيدها، في الأشغال الشاقة المؤبدة.
وبعد تعذيب دامٍ في مقلع الحجارة، يكتب بلاوتوس التماساً إلى قيصر، يستعطفه فيه ويستجديه العفو، ويسلّم الالتماس إلى النبيلين(باكخيس والطفيلي) اللذين زاراه في عذابه، قائلاً لهما: "إنني ألتمس منكما، راكعاً على ركبتي، أن تتكرما بإيصال ملتمسي هذا إلى سيدي ومولاي قيصر، وتخبراه بأنني أضع نفسي وقلمي في خدمة مجده العظيم، وشمسه التي لاتغرب(ص111).
ويقبل قيصر شفاعة باكخيس، التي اتخذها محظيته، في بلاوتوس (يبدو أننا على أعتاب مرحلة جديدة يقتات فيها الإنسان الخضوع، ويأتمر بأمر بنات الهوى). فيأمر بإحضاره. ويوّدع بلاوتوس رفاق المقلع المغضوب عليهم، والذين يرجونه أن يتوسط لهم لدى قيصر كي يفرج عنهم:
اندريا : بما أنك نلت رضا قيصر، وأنت من أصحاب الفكر.. خاطب لنا عقل قيصر، ليفرج عنا. كفانا ما عانينا من ألم نحن الأرقاء والأشقياء هنا.
بلاوتوس: لا ياعزيزي أرجوك لاتقربني من هذه الساحة. إنني .. إنني ظل بسيط لشمس عقل قيصر.(121).
وحين يصل إلى قاعة العرش، يركع على قدمي قيصر، ويقبلهما، وهو ينشج بالبكاء:
قيصر : حسناً يابلاوتوس. انهض لقد منحتك رضاي على شرط.
بلاوتوس: إنني مُلك مولاي.
قيصر : يكتبون لك وتوقّع باسمك. وتحرّك لسانك بذكر أفضال وأمجاد وأعمال قيصر. لاغير.لاغير.
ويعّينه قيصر مسؤولاً عن كل ما هو من اختصاص العقل في الفكر والأدب والثقافة. فينكبّ على قدمي قيصر يشبعهما لثماً وتقبيلاً. وبهذا ينال"رضا قيصر" غير عابئ بكونه قد خسر نفسه، وخسر الشعب.
والواقع أنه لم يكتب في المسرح العربي- إلا ماندر-مسرحية بمثل هذه القوة في تصوير قمع السلطة للأدباء والكتّاب، ذلك أنه لايمكن للكاتب أن يكون صادقاً مع نفسه، مؤثراً في مجتمعه، دافعاً إياه نحو الأفضل، دون أن يثير غضب السلطة.
***
كتب عرسان هذه المسرحية إثر اتفاقية سيناء مع إسرائيل، لينّبه إلى مزالق التفريط في الحقوق العربية.
وتبدأ المسرحية في مقهى شعبي بساحة عامة، حيث يحتسي الشاي بعض الشبان، وهم يحدقون بأسراب الفتيات، بينما يتجول النادل (أبو علي) بين الطاولات، ينظفها ، ويحضر الطلبات.
وتدخل (أم سليم) الساحة، وهي امرأة تجاوزت الخمسين، رسمت الأيام على وجها مرارة الحياة. وهي ترتدي السواد، وترفع مشعلاً. والناس يحفّون بها من كل جانب. وهي تنادي : "يا أهل البلد. ياناس. ياشباب الأمة. اسمعوني. أنا أم سليم. أم شهيد. اسمعوني.أنتم لستم أفضل منهم. والبلد ليست لهم وحدهم، ولا لكم وحدكم. ماتوا من أجلها. من أجلكم. ولابد أن تكملوا ما بدأوه. الطريق التي شقّوها هم لابد أن تكملوها أنتم، وإلا فما معنى موتهم.؟ وما معنى كل شيء بعدهم إن لم يتحقق الهدف.؟ هذا مشعلي أوقدته من نارهم" (ص24-5).
وتستطيع (أم سليم) إثارة عواطف الجمهور المتحلّق حولها، فيردد مطالباً بصوت جماعي: "سيناء. سيناء أمنا. سيناء بشراك ياأمنا . نفديك ياأمنا". وتختلط الأصوات، ويتميز من بينها صوت (سليم) الذي ينادي أمه لكي تنضمّ إليهم، إلى ركب الشهداء.
ولكن هذه (العراضة) لاتعجب(ظافراً) فيرى فيها خطراً عليه وعلى جماعته. فيسفّه العجوز، ويسخر منها قائلاً:"في البلد آلاف أمهات الشهداء. ماذا تريد هذه من بينهن؟ إنها تبيع الخرافات والسحر في عصر ماتت فيه الخرافات. وإنها تبحث عن رجل". فتردّ عليه بصفعة تلقّنه درساً في الكرامة والجهاد، وفي كيف تكون الأمهات مقاتلات يعلمن أبناءهن الدفاع عن الكرامة، ولسن دواب شغل أو ضجيعات فراش، كما يريدهن أن يكنّ. وعندما يصمها بالجنون تهجم عليه بمشعلها، تريد أن تعالج انحلاله بالنار، لكنه يهرب من وجهها، ويختفي بين الناس.
ثم تقف مخاطبة المتجمهرين حولها:"اسمعوا ياأهل البلد. أنا أم شهيد. قلتم عنه فيما مضى بطلاً، وسميّتم باسمه شارعاً. وكان حزنكم عليه وعلى أمثاله عظيماً. وتكلمتم باسم بطولته كلاماً كثيراً. وكان كل شيء يهون لو أنكم تابعتم طريقهم. أما أن يُباعوا بعد الموت وتسكتوا، فهذا ما لن أسكت عليه أبداً". وتطلب من النساء أن يقاتلن في بلد خلت من الرجال، فيتقدم (أبو علي) نادل المقهى، مؤنباً الحاضرين على عدم تجاوبهم معها، وعلى جبنهم وتخاذلهم. فيتصدى له(ظافر) ويصفعه. فيبكي أبو علي في زمن الرجال/ الفئران الذين لايقوون على الجمل فيعضوّن البرذعة. ويتكشف (ظافر) فإذا هو عميل عصبة تعمل ضد الوطنيين. فيتصدّى له (حسان) وهو شاب من جماعة سياسية أخرى. ومن الواضح أن كلاً منهما يرمز إلى قطر عربي، أو إلى موقف عربي:فظافر يمثل اليمين، و(حسان )يمثل اليسار. و(أبو علي) يخاطبهما وهما يتعاركان:
هيا أيا حسّان
يافارس الفرسان
وظافر مظفّر يشوقه الطعان
حرب "الأشقاء" استوت هذي الشرارة أشعلت نيران
تقدموا. تقدموا فوارس العربان
ولينزع الشقيق جوهر الإخاء
من أضلع الإخوان والخلاّن (ص79).
ويتفتّق ذكاء ظافر وحسان أو من وراءهما عن تسيير مظاهرات بديلة لمظاهرة (أم سليم) كي تختلط الأوراق، ولايعرف الوطني من المزاود، فينضم بعض الشعب إلى مظاهرة (أم سليم)، وينضمّ بعضه الآخر إلى المسيرات البديلة التي تقودها -أيضاً- نساء يزعمن أنهن أمهات شهداء. وهن أيضاً يحملن المشاعل. ولكن يقف إلى جانب كل منهن رجل يلقنها ماينبغي أن تقول وأن تفعل. إنها لعبة "الكبار" الذين يجلسون بعيداً ، في قصورهم، ويقذفون بالآخرين حطباً في أتون المعارك والحروب.
وتلتقي المظاهرات الثلاث في ساحة القرية، وعلى رؤوسها النساء الثلاث. وعندما تطلب أم سليم من المرأتين الأخريين أن تنضما إليها ترفضان، بإيعاز ممن إلى جوارهما. وتنتقل المعركة إلى الشعب(سالم، وسلمان، ومسلم) فكل منهم يتبع امرأة، ويشكك بنيّات الآخر. وعندما يتبع(مسلم) الطريق الصحيح، ويلتحق بمسيرة(أم سليم) يتفق (سالم وسلمان) ضده، فيخنقانه حتى يسقط جثة هامدة.
وهكذا يتم فرز الوطنيين المخلصين: سليم، وأمه، وأبا علي نادل المقهى الذي يمثل الفئات الاجتماعية المسحوقة التي لاتجد خلاصها إلا إذا وعت شرطها الطبقي، فتمردت عليه، وربطت نضالها الاجتماعي بنضالها الوطني. وقد ضحّى أبو علي بعمله، وبزوجته، وبأولاده الذين ينتظرون عودته إليهم بالخبز والطعام، من أجل نضاله الوطني. أما المزاودون الأشرار الذين يرتدون قناع الوطنية، ويطعنون الوطن في الظهر، فهم المنتصرون في هذا الزمن الردئ.
ورغم أن الشعر يبطئ الحركة المسرحية، ويجعلها أقرب إلى التأملات الذاتية، فإنه بالمقابل يسمو بالأفكار ويمنحها أبعاداً فنية وجمالية، بالإضافة إلى أن الكاتب قد استخدم الشعر الحر، لا التقليدي، الذي أتاح حرية أكبر في التعبير، حيث تناجي(أم سليم) مثلاً نفسها مناجاة شعرية في تأمل ذاتي آسر:
ياحسرتي، ياضيعة الأوطان
ياحسرة الإنسان
ياذلّنا إن عمرت ساحتنا ليلاً نهاراً هذه الأوثان
هذي الفقاقيع التي ينفخها الغريب
"يفشّها" الغريب
وتحتسي دماءنا. وتقتل الإنسان في إنساننا
وتهدم البنيان(ص78).
أما الجذر (الثيمة) الأساسي في المسرحية فهو (الظلم) الذي وقع على أم الشهيد (أم سليم) من قبل مجتمعها عندما استشهد ابنها، ومن قبل أدعياء الوطنية والنضال. و(الظلم) الذي وقع على الوطنيين الشرفاء من قبل المتاجرين بالوطنية والسياسة.
***
يعتمد الكاتب في هذه المسرحية، شأنه في معظم مسرحياته، أسلوبي النثر والشعر الحر، فيصوّر عودة الجندي(أنيس) من حرب التحرير، حيث يفاجأ بالفساد الذي عمّ مجتمعه، ووصل حتى بيته وزوجته، وبأن الخيانة والرشوة قد أصبحت هي العملة الرائجة في سوق التداول، وبأن زوجته (سهام) تخونه، وتتفق مع عشيقها على قتله.
يالله! هل قاتل عبثاً،ومن أجل لاشيء؟ هل قاتل من أجل أن يتسنّم المناصب السفلة والقّوادون والسماسرة والذين هم بلا خلاق؟ وهل يمكن استعادة تلك القيم النبيلة التي فقدها مجتمع اليوم، فأصبح غابة وحوش كاسرة تعدو على بعضها وعلى غيرها. القضية هنا اجتماعيه، ومتداخلة مع القضية الوطنية ، يقول أنيس: "لا أعرف. كنت أواجه الأعداء في الخارج. كانوا أمامي. ليس وراء ظهري. وراء ظهري كان الأمان. لا أعرف أن عدواً كان وراء ظهري". (ص73)
وتسترسل (نهى) في مونولوج طويل عنه: "كان مواطناً نظيفاً. حارب دفاعاً عن وطنه، ومن أجل تحرير الأرض. استشهد رفيقه في السلاح، كما استشهد كثيرون، وجرح هو. أقسم أن يثأر من الأعداء. عاد من حرب التحرير وفي نيّته أن يعود إليها. ملأه الطموح، واقتربت من عينيه صورة الحياة الكريمة. التحرير في روحه طموح وبداية هدف. عمل من أجل هدفه بين الناس. أخذته الدمامة معهم. إنها أقوى مما عهدها. غرق في الغلاء وأغرق في الفساد والخداع والشعارات والسياسة. بقي في روحه أمل. وشرب ليستر نفسه. اكتشف ذات يوم فجوة في ظهره. كان يعرف أن ساقه فقط مكسورة. ولكنه اكتشف.. قاوم الضعف . تحرّك فضاقت الثرثرة من حوله. جمد.رأى ما لايرى" (ص121).
وتطرده من بيتها. وتعرض (نهى) مشاهد من (خيال الظل) تصور فيها مأساة الواقع:
حين تسود رياح الظلم ويغدو القتل طليقاً في الساحات
جين يشلّ المال ضمير المرء، ويفني الروح
حين يصير الناس ذيولا
حين يصير الشعب سفينة تحمل للبعض الخيرات
حين تموت الفكرة خوفاً
حين تشلّ المقهورين رياحُ الشك ويغدو المرء جزيره
يذوي الحق
والمشدود لثأر الحق يُداس كمثل حصيره
يصير الرأس حذاء(ص80).
وتتحدّاه زوجته (سهام) فتطلب من عشيقها (نديم) أن يضمّها إليه أمام زوجها. وحين يجهر (أنيس) برغبته في قتل غريمه(نديم) الفاسد المفسد، يقرر(نديم) وصديقه (وليد) قتل أنيس، فيسدّان عليه منافذ النور والحياة في قفصه. وتخاطبه العجوز:
اكنس يومياً يا هذا ألف ذبابه
أنت بلا قبضات تغدو مثل ذبابه
إني أسأل ليل نهار عن أخبار
باسم الله، وباسم الحق، وباسم العدل
أقول: الله يحق الحق. ولكن قال الله أعدّوا العدّة
ولا شك أن (أنيس) مظلوم. ولكن الكاتب يكتفي بوصف حالة الظلم - كما يقول الناقد المسرحي نديم معلا- ومن الطبيعي أنك لن تضع يدك على الجهة أو الطبقة أو التيار الذي يقوم بفعل الظلم . وكيف تستطيع ذلك طالما أن الكل مدان؟ لقد غاب عن الكاتب أن مايحدث محصّلة طبيعية لتحوّل المجتمع نحو الاستهلاك، كما غاب عنه الدور الريادي للبورجوازية الطفيلية (نديم، ووليد) في عملية التحوّل هذه، إنه يرى الخلاص في العودة إلى الأصالة التي يتطهّر من خلالها الإنسان العربي تطهيراً ميتافيز يقياً.(نديم معلا-الأدب المسرحي في سورية ص 98).
والواقع أن الكاتب إذا كان قد اكتفى بتصوير الفساد الاجتماعي، فإنه لم يكتف بتصوير حالة الظلم الواقع على أنيس، ولم يجعله سلبياً ينظر إلى الفساد الذي دمرّ حياته وحياة مجتمعه دون أن يحرّك ساكناً، فقد أشهر قبضته في وجه هذا الظلم، وجاهر برغبته في قتل زوجته وعشيقها.
ولكن كيف يستطيع مقاومة الفساد وهو إطار عام أكبر منه ومن الفرد بشكل عام. وصحيح أن الفساد كان محصلة لتحوّل المجتمع نحو الاستهلاك. ولكن الذي استفاد من ترويج شعارات الاستهلاك واقتصاد السوق هي البورجوازيات المتاجرة بكل شيء حتى بالقيم؟.
أما العودة إلى (الأصالة) فهي دعوة مشروعة مادامت حداثة الإيديولوجيات التي غزتنا طويلاً قد تهاوت وسقطت حتى على الصعيد العالمي. ومادامت حداثة الغرب اللبرالي ماتزال تفتك يومياً بالملايين من الشعوب المقهورة.
***
تعد مسرحية (تحّولات عازف الناي) من أجرأ الروايات المسرحية التي كتبت في العصر الحديث. لأنها تصوّر مأساة النقاء والطهر في عالم الظلم والعهر، حيث أصبحت البراءة وصمة عار، والطيبة جهلاً وتخلفاً، في زمن طغت فيه المادة، وعمّ الظلم والطغيان . كل ذلك بلغة مسرحية تتراوح بين النثر التأملي والشعر الشعوري الذي ينزف من الوجدان كما ينزف الدم من الجراح.
وأريد أن أؤكد بداية على أن تسمية (رواية) مسرحية، ليست استعارة لما كان يطلق على المسرحية في مطلع عصر النهضة فحسب، وإنما أيضاً لأنها أليق بالفكرة التي تناولها الكاتب، فكرة القهر والقمع الذي يقع على المواطن من قبل السلطة التي لايرى منها سوى أدواتها: الجنود، والمخبرين، والكلاب البوليسية، والأحكام الظالمة.
والمسرحية ليست كثيرة الشخصيات. إذ أنها تقتصر على شخصيتين فقط: (الرجل) الذي هو دون اسم، و(العازف) الذي هو أيضاً دون اسم، و(الزوجة) التي تمرّ في حياة (الرجل) كحلم، بل إن معاناة (الرجل) و(العازف) تبدو ككابوس لايصدّق. أما الشخصيات الأخرى فليست أكثر من أشباح تمر سريعاً: الحرّاس، والمخبرون، وشبه المحقق.
أما المكان فليس متعدداً: نافورة في سفح الجبل يلتقي عندها (الرجل) بـ (العازف). وساحة المدينة التي تغصّ بالجنود والمخبرين والطغاة، ومعتقل الصحراء الذي ينتهي إليه المواطنون.
وتبدأ المسرحية في سفح جبل غارق في الظلام، حيث أصوات صخب وضجيج ملاحقة تتداخل فيها أصوات كلاب بوليسية ، وصرخات ألم، وإطلاق رصاص، وتخترق هذا من آن لآخر صرخات ألم وحشي، وحشرات جرحى على شفا الموت، ومعذّبين على وشك الإغماء. ولهاث هاربين. وسيارات إنذار وملاحقة، وأضواء كاشفة، وأصوات قوية متداخلة: توقّف ، ارفع يديك، سلّم نفسك، أنت محاصر.
يرتمي رجل على الأرض لاهثاً، معفّر الهيئة، يشبه هيكلاً يسعى في محاولة اكتساب الحياة، يزحف على الأرض متهالكاً، وهو يمّد يديه ضارعاً : ماء، اسقوني ماء.
1- في الأسطورة:
في الأساطير العربية(الهامة) طير الليل أو الصدى. وتدل مادة(هيم) على العطش. و(الهُيام) داء يصيب الإبل فتشرب ولاترتوي، وهو أشد العشق عند الإنسان الذي يصاب بخبل يبعده عن الحياة السوية. ومنه قوله تعالى (فشاربون شرب الهيم). والصدى: من العطش. يقال للرجل صديان. ويقع الصدى على الدماغ أيضاً، ولهذا سمّي الدماغ هامة. والهامة قمّة رأس الإنسان (لسان العرب- مادة صدي).
و(الهامة) من معتقدات العرب الجاهليين التي أبطلها الإسلام: (لاعدوى ولا طيرة ولاهامة.) . وتسمى أيضاً: الصدى. و(الهامة) طائر يزعمون أنه يخرج من رأس القتيل الذي لم يؤخذ بثأره فيزقو عند قبره، ويقول: اسقوني من دم قاتلي. يقول ذو الأصبع العدواني:
|
ياعمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي |
||
|
أضرْبك حتى تقول الهامةُ: اسقوني |
||
فإذا أُخذ بثأره طارت.
وهنا يتماهي (الرجل) الزاحف على الأرض بحثاً عن الماء بالهامة، ويندمج في الأسطورة حتى ليصبح هو (الهامة) التي تزقو بطلب الماء والثأر من قاتليه.
ثم يستمر في (مونولوج) داخلي يناجي فيه نفسه:"لقد ضاع مني كل شيء، حتى ذاتي. الدم يترسّب رماداً في عروقي. ماء. ماء. شربة ماء". ثم يتهاوى، وتسكن حركته.
وفي غيبوبته يتراءى له أنه يسمع موسيقا الماء العذب الرقراق المتدفق نافورة. لكن النافورة تهرب منه. وكلما أوشك أن يلمس الماء ابتعد الماء عنه. أهو السراب؟
ويستنهض همّته ليعاود التحرك نحو الماء دون جدوى، يسعى، يقبض، والحشرجة ملء حلقه، واللهاث ملء فمه، يحسّ روحه شمعة تذبل. إنه الظمأ الأسود يقوده إلى أحلام سوداء. الماء. لابد من الماء قبل انطفاء الروح. صوت الكلاب يطارده، وحركة الرجال الذين تسحبهم تلاحقه، فينكمش في جلده وثيابه، ويسقط رأسه فاقد الوعي.
ويظهر سرب من الفيتات وبأيديهن الجرار حول النافورة، وكأطياف من الماضي يقتربن، وترافقهن أغنية ريفية بعيدة ومألوفة. يملأن جرارهن، ويتناثر الرذاذ على وجه الرجل، فيفتح عينيه، ويرفع رأسه متمتماً: ماء.ماء.ماء..
فتقترب منه واحدة، وتقدم له جرّتها . يحاول أن يشرب فلا يستطيع إذ الجرّة فارغة، فيهوى رأسه على الأرض وهو يموت :ماء.. ماء.. وعندما تقترب الأخرى بجرّتها يجدها أيضاً فارغة. وتصاب الفتيات بالدهشة فيتراجعن حيارى. أهنّ اللواتي ينبغي أن يملأن "جرارهن بمائه"؟.
ومن بعيد تخرج من جوف الظلام امرأة رائعة، تتهادى من خلال هالة من نور. تقترب من النافورة، وتملأ كفيها بالماء، فتسقي الرجل، وينسكب الماء على عنقه ويديه. يشرب حتى يرتوي، وينظر إليها غير مصدّق. ويسألها عنهن فتجيبه إنه الوهم. ثم تختفي هي أيضاً كالوهم.
2- أنت غريب:
يحاول الرجل أن يتذكر ماهيته، ماضيه، وضعه، فلا يجد جواباً. ويقترب (عازف الناي) من النافورة فيغسل وجهه ويديه ، ويملأ (جوده) ماء، وحين يفاجأ بحركة الرجل الملقى على الرمل يتراجع بصورة غريزية، ويستلّ خنجره من حزامه. لكن الرجل لايتحرك بل يرتجف رعباً.
يقترب منه العازف سائلاً: من أنت؟
لكن الرجل لايعرف الجواب. ثم يؤكد أنه لايخيف أحداً، لأنه هو خائف ومطارد وغريب، فيرد العازف: من منا ليس غريباً؟!
ولأن الرجل لايعرف عن نفسه شيئاً: من أين جاء، ولا إلى أين هو ماضٍ، لأنه فقد ذاكرته واسمه وماضيه. فهو يعجب من العازف كيف يجمع بين النقيضين: الشبابة، والخنجر. ذلك أن الشبابة تعني الحياة والفرح والاطمئنان، والخنجر يعني الموت والحزن. ولشدة بساطة "الرجل" فإنه لايتذكر أن الخنجر سلاح يدافع به المرء عن نفسه إذا احتاج الأمر إلى ذلك. بل إنه يؤكد:"أما أنا فأحبّ إليّ أن أكون القتيل من أن أكون القاتل" وهكذا كان.
ويستل العازف شبابته فيبدأ العزف. ويلف المكان سحر الموسيقى، فتنتعش الروح، ويستغرق"الرجل" في حالة تأمل في السماء والليل والنجوم، ويهمس:
الزمن يتآكل !! أتراه الزمن؟ أم نحن الذين نتآكل؟!
ثم يستغرق في (مونولوجه) الداخلي الذي يحاور فيه نفسه، وينسى كل ماحوله:
بعيداً في أعماق الصمت سقطت
طفوت على وجه الغربة سرت
وكان طريق الضوء طريق الماء
عبرت، وصلت، ضعت
وعلى ضفة قلبي نبت الشوك
وفي أعماق الروح المأساة
الحزن هنا مرساه، هنا مجراه
من أنا قبل الجلد وقبل الفرقة؟
وقبل تكوّم نفسي لحماً مرّاً في أكوام العتمة.
ماء الطوفان ثخين القلب
وأنا تمزقني الأوهام، وتأسرني الأحلام
نتفاً أغدو
أسقط في جوف الحوت، وأُنسى
وليس هناك أبلغ من هذا التصريح بالغربة: فالرجل غريب عن وطنه، غريب عن الآخرين، وعن أهله وذويه، غريب حتى عن نفسه، إذ أنه لايعرف نفسه ولا ماضيه أو حاضره., وأشد مايخشاه أن يموت فيُنسى في "جوف الحوت" دون أن يدري به أحد. وهذا دفاع غريزي عن النفس المتعلقة بأذيال الحياة. وبه يبلغ الرجل أقصى درجات الغربة.
أما (العازف) فهو أيضاً يعيش اغترابه المكاني والزماني. فعندما يسأله الرجل عن أهله ومأواه يجيبه العازف:"المقام بينهم صعب. هناك تغدو الحياة متكلفة وثقيلة. كل شيء يفقد براءته وبساطته وبهاءه. أشعر بالكآبة والمرارة هناك. لابدّ من المداورة والمناورة والكذب. قناع فوق قناع من الزيف والخوف. وفي النهاية إما أن يأكلوك أو تأكلهم؟!" (ص74-75) . وهذا أيضاً منتهى الاغتراب الذي يصل إليه الإنسان وهو بين أهله وذويه، حيث يشعر أنه إما آكل أو مأكول، قاتل أو مقتول. ولا وسط. ولما كان إنساناً حقاً، فإنه يرفض أن يكون قاتلاً، كما يرفض أن يكون المقتول. ولذلك فهو يهرب من المدينة والناس والأهل إلى هذا الجبل المنزوي حيث يعزف ألحانه التي تعزّي الروح.
3-"الهبوط" إلى المدينة:
يحمل العازفُ الرجل على أن يهبطا إلى المدينة، ليريا الناس: في ساحة المدينة ابنية حكومية تبدو أكواخ الحراسة مزروعة في مداخلها. أبنية قاتمة كتيمة، تظهر من نوافذها رؤوس آدمية تخالها معلّقة في فضاء المكان، وهي تبرز أحداقاً واسعة لحرس. الأرصفة محاطة بسلاسل حديدية ذات ثلاثة صفوف من الزرد الأسود. يبدو الرجل مأخوذاً بالخوف والاستغراب، فيخاطبه العازف:
-أترى الفرق بين الصخب هنا والهدوء هناك؟. هنا يضيع الإنسان. هناك يشعر بوجوده.
لكن الحارس يوقفهما بإشارة من يده:
-هذا الرصيف ممنوع.
في المدينة أمران مميزّان وواضحان:السلطة المتمترسة ضمن الأبنية الحجرية، والمحروسة بآلاف البنادق والجنود، ودور البغاء التي تبيع الجنس لطالبيه. والاثنان: البغي والبغاء يحاولان اصطيادهما كغريبين عن المدينة. البغي يرسل خلفهما مخبريه وعيونه يترصدون تحركاتهما، والبغاء يبعث إليهما بقواديه يتمسحون بهما ويعرضون عليهما"خدماتهم" فيخرج الرجل من ثيابه، وهو يصيح:" أكاد أنكر مدينتي" (ص 106).
هنا مركز الحراسة الأول، فيه حراس شداد غلاظ. وهناك مركز الشرطة. أحد الحراس يلاحظ الشخصين فيتوجّه إليهما صارخاً:"هيا . انصرفا. الوقوف هنا ممنوع". وعندما ينصرفان يشير لشخص مدني على زاوية الشارع بأن يتبعهما. كل الاتجاهات هنا ممنوعة. كل الشوارع مسدودة. كل الناس متّهمون حتى يثبت العكس. وليس كما تقول القاعدة القانونية: الناس أبرياء حتى يثبت العكس.
وفي المقهى يتبعهما النادل متجسساً: كل الندل مخبرون. ويصبح الإنسان في مدينته صرصوراً مطارداً، غريباً فأين هي المدينة التي كان يجدفيها المرء دفء المحبة والصداقة وحسن الجوار والعلاقات الأسرية والإنسانية الحميمة؟ أين حضن الأم، وعطف الأب، وتلاحم الأسرة؟ "لقد فسد كل شيء. الكل يتدهور وينحدر بسرعة. أصبح الإنسان يخشى ظله . أسرع. أسرع". (ص120).
وتعود إلى الذاكرة كلمات قصيدة صلاح عبد الصبور:
قلتم لي لا تدسس أنفك فيما يعني جارك
لكني أسألكم أن تعطوني أنفي
وجهي في مرآتي مجدوع الأنف
هذا زمن الحق الضائع
لايعرف فيه مقتول من قاتله ومتى قتله
ورؤوس الناس على جثث الحيوانات
ورؤوس الحيوانات على جثث الناس
فتحسس رأسك
فتحسس رأسك
لقد أصبح الناس غرباء عن بعضهم بعضاً، بل أعداء بعضهم بعضا، لا لذنب جناه الآخر، وإنما هكذا ، لمجرد أنه(آخر) "قاتل أو مقتول" لقد زرعوا الشقاق والنفاق والفساد بين الناس، فلم يعد الأخ يثق بأخيه، ولا الصديق بصديقه، ولا الزوج بزوجته، حتى إن المرء ليكاد لايثق حتى بنفسه!! "هنا يتبادلون الفساد كما يتبادلون السلع. كل مايحتاجون إليه سوق للعرض. كل شيء معروض للبيع. كل شيء. هناك مَنْ يبيع نفسه، وهناك مَنْ يبيع غيره، ومَنْ يبيع معارفه،وأقاربه، ومستقبله، ووطنه، وروحه".(ص122).
فكيف يمكن العيش في مثل هذا الجو الخانق بعد أن فسد الناس وتلوّث كل شيء؟.
لقد أصبح الناس غرباء عن بعضهم، غرباء عن أنفسهم . فكيف يمكن أن يكون هذا مجتمعاً إنسانياً؟.والإنسان فيه يفتك كالوحش بأخيه الإنسان و: "مَنْ يملك روحاً حياً يضيع ويختنق ويحترق. يدفن نفسه حياً ويموت. لايجديه الهرب خارج القفص. فالمناخ كله مشبع بالتلوّث. يهرب. يهرب. يهرب. ولكن إلى أين؟ خارج الإنسانية؟ أم خارج الحياة"(ص126). هنا سدوم وعمورة. وقد بيع كل شيء بالمزاد :" أصبح لدينا أجساد تدبّ على الأرض، دواب تتحرك وتتزاحم ويأكل بعضها بعضا، تنام وتأكل وتستمتع وتصيح. تفرغ بطونها في العراء، وتتقاتل كالدببة، وفي الليل تتراكض لتنحشر في ثقوب الظلام وجيوبه.. وفي الصباح تتلمع، وتلبس أقنعتها، وتتعطر، وتتخفّى في ثياب ، وتخفي أسلحتها بمهارة. كل مكان من الجسد يمكن أن يكون فيه سلاح. كل مكان". (ص128).
هذه هي المدينة التي كان يحبها فأصبح يخشاها. مدينة المخبرين والعاهرات والطغاة. وهل يمكن إنقاذ مايمكن إنقاذه من هذا الفساد الذي عمّ وانتشر؟
إن (العازف) مايزال متفائلاً:" ليس كل مافيها وباء، وإلا فسدت كلياً، هناك شيء في الأعماق، في عيون بعض الناس، في عمق الأعماق منها، هناك مايشّدك إلى أمل ما" (131).
هكذا يصبح(العازف) و(الرجل) غريبين عن مجتمع الفساد والظلم والقهر الذي عمّ المدينة، وجعلها من ضحاياه، حتى الزوج اغترب عن زوجته، رغم أنهما ينامان في فراش واحد، ويظللهما سقف بيت واحد. فالعازف يقول: "لي زوج لاتشاركني جوهر حياتي". (137). حتى بيت المهد لم يقد فيه الأمان أو الاطمئنان، وإنما أصبح أشبه بالمصيدة التي يصاد فيها المرء من فراشه. يقول (العازف):"لم يعد البيت راحة وأمناًالآن. أصبح أشبه بالمصيدة، بالمحنة".(ص142).
ولهذا سرعان ماغادرا المدينة هرباً من الاختناق بين أشجارها الحجرية، وسجونها المظلمة . يقول (العازف):" المدينة تركت عندي وعندك حالة من الاختناق. هناك أناس ، وبيوت ، وشوارع مكتظة بالمارّة، وعيون تثقب الجدران، وأسئلة خبيثة، وممنوعات، وأشخاص يتلطوّن في الزوايا، ويلاحقونك من الخلف". (ص141).
وهذا الهرب من المدينة يذكرنا بهرب كثير من النسّاك والزهاد الذين يفرّون بدينهم إلى أعالي الجبال أو أعماق الصحراء، أمثال(بشر الحافي) الذي دخل السوق مرة فرأى رجلاً كالثعلب يخاتل آخر كالأرنب، وأفعى تلتف حول فريستها، وذئباً يفترس حملاً، لقد رأى الناس على حقيقتهم فما كان منه إلا أن خلع نعليه، وتأبّطهما، وأطلق ساقيه للريح هرباً من غاب البشر.
كما يذكرنا بالرومانسيين، وهربهم من المدينة إلى أحضان الطبيعة صديقة الإنسان التي تريح أعصابه المشدودة، وتضمّد جراح روحه، وترعى أحلامه، وتعلّمه البساطة والنبل والسخاء، وتعود به إلى جوهر الأشياء، وإلى الإحساس العميق بوحدة الوجود، فوصفوا جبالها وأنهارها، وليلها ونهارها، وأشجارها وأطيارها، وجسّدوها في أشعارهم، يقول جبران خليل جبران في نبذ المدينة:
|
ليت شعري أي نفعٍ |
||||
|
في اجتماعٍ وزحامْ |
||||
|
وجدالٍ وضجيجٍ |
||||
|
واحتجاجٍ وخصامْ؟ |
||||
|
كلها أنفاق خلدٍ |
||||
|
وخيوط العنكبوتْ |
||||
|
فالذي يحيا بعجزٍ |
||||
|
فهو في بطءٍ يموت |
||||
وهذه هي أقسى أنواع الغربة: غربة القيم في عالم بلاقيم. أين المحبة والإخلاص والوفاء والخير والعدل والحق والجمال.؟ كها فَقدت فلم يعد لها وجود في عالم اليوم، أو عند أجيال اليوم الراكضة خلف ملء الفم والفرج. ولهذا كان العلماء والأدباء الحق ورثة الأنبياء، أي أنهم الأبطال التراجيديون الذين قدّر عليهم أن يكونوا (القصبات) التي يتحدّث من خلالها (الإله) ليهدي البشر. يقول (الرجل): "كأنما كلّ منا كان قصبة تصدر لحناً والأخرى كلاماً حلواً ذا معنى"(ص170). يقول أفلاطون إن الشعراء كالقصبات التي تنفخ الآلهة من خلالها ماتريد.
و"يصعد" الرجل والعازف إلى الجبل هرباً من فساد المدينة. وتعود بـ (الرجل) الذاكرة إلى حيث كان يُضرب بالسياط، ويُجلد. وعندما يبلغ الجلد حدوداً معينّة يطغى ألم الجسم على ماعداه. لقد استعاد بذاكرته العينين الحجريتين المحدقتين به. ويصرخ الأمر بالاستمرار بالضرب:"يالهم من قساة عشاق السطلة؟! إنهم "الله" أو شخص في حكم الله، ومَنْ ترى لايغريه أن يُعبد ويُطاع؟!" (ص154).
ويتحسس آثار السياط على جسمه مياسم من نار، ورائحة اللحم الذي تلهبه السياط تملأ رئته. إنه يتذكر الآمر بشاربيه الكثيفين، ووجهه الداعر القاتم المرائي، الوحش الذي أجرى معه تحقيقاً ثم أمر الجلادين بسلخ جلده. وتعجب كيف يمكن أن يكون (الإنسان ) قاتلاً، وآكلاً لحم أخيه الإنسان، وكيف يؤجر نفسه، وعقله، وقلبه، وعرضه؟!
والناس قد انقسموا إلى فريقين: فريق الطغاة وأذنابهم من المخبرين والجلادين والحراس، وهم الفريق الأقوى، الفاعل. وفريق يتألف من الضعفاء والمقهورين والضحايا والمعذبين، وهم الفريق الواقع بين المطرقة والسندان. يفعل بهم الفريق الأول مايشاء:"الشفّاف جريح دوماً، روح مسكين مثل شعاع الفجر، وريقة ورد" (ص 163-4).
وفي "الجبل" أشرقت الشمس للمرة الأولى جميلة بهية، وتموّجت الخضرة تحت أشعتها كأنها بحر رائق. والضوء يغزو الأعماق، ويتسرب إلى كهوف في الأعماق، يقول العازف: "في داخل كل مناشمس، لكنه إما لايكتشفها، وإما لايستطيع الرؤية حينما تشرق"(ص178)
4-الشعرية:
كثيراًمايلجأ الكاتب عرسان إلى التعبير الشعري ضمن الحوار المسرحي، وذلك عندما تحتاج اللحظة النفسية مثل هذا التعبير، وعندما يحتاج الموقف التعبير الرقيق الشفاف.
والواقع أن النثر الشعري، والشعر المنثور، والحوار المسرحي قد تعاونت جميعاً في التعبيرالمسرحي الجاد والمثقل بمسؤولية الالتزام الوطني والاجتماعي إنه يقول في لحظة:
حين أزدهر الرعب في الكون
وأزهر تحت قدمي
وامتدت سياط الجلادين إلى أجساد الناس من حولي
وزحف الموت تحت رايات العدل
وهبّت ريح صفراء تفتك بأهلي
أحتمت روحي بالحب
فصار الجسد دثاراً يتمزّق على مهل تحت ضربات الجلادين
حيث الجسد يتمزق على مهل منتهكاً تحت ضربات الجلاد ذات العمر المديد
ياعمر الجلاد ماأطوله. بطول عمر الاستعباد وأطول.(ص183-4)
ولكن هل يكتفي الطغاة بهروب الناس؟
لا، وإنما هم يلاحقونهم ليمارسوا عليهم القمع والقهر، وإلا فعلى من يصبحون ملوكاً وطغاة؟
ومن أعماق هذا الليل الطويل المخيمّ، تستطلع الأرواح الأمل:
لابد أن يبزغ فجر قلب الإنسان فيه هو السيد
لابد أن يبزغ فجر قلب الإنسان فيه هو السيد
وانتظرها أن يتعب الجلاد ويرتاح الجسد
وأن يولد الفجر ويغمر المتعبين
وأن يصمد فينا الإنسان
ولم تراودنا أبداً فكرة اليأس (ص187-8).
ويكرّ شريط ذكريات(الرجل) فيستعيد "محاكمته" وكيف جاءوا بوالده الشيخ الكبير، كي يضغطوا به عليه، فيحصلوا منه على اعتراف، والوالد شيخ كبير. عيناه تطفحان بالدمع وتبللان لحيته البيضاء. ألقوه على الأرض وداسوا عليه، وصوته يلاحق ابنه:
أفنيت حياتي ياعود الريحان لأراك أريج الدار، ولون العمر، ومدّ النسل
ولكن، ها أنت اليوم نزيل الزنزانات، وليل الرمل. لون العمر ظلام بعدك
أخشى ياولدي أخشى
أن يطويك الرمل(ص 194).
وزوجة (الرجل) التي أفنت عمرها في البحث عنه، وذاقت العذاب والشقاء من أجله: جاعت، وشقيت، وتشردت، وهي تردّد:
عندما كنتَ أبكي كنتُ الكف التي تمسح دموعي
والكلمة التي تجبر خاطري
والنور الذي يضيء في أعماقي طريق الحياة والسعادة
كنت تصنع الأمل وتنير الظلمات
لم تكن تعرف الظلم وكنت تكره الظلم ، بل كنت ضحية الظلم (ص210-11).
حتى عرفت مكانه في كهف الجبل، فيرّد عليها بمناجاة طويلة، دون أن يرى أحدهما الآخر:
إنني لاأعرف حتى من أنا
هل الموت جفافاً في الصحراء شيء يمكن أن يُنسى أو يُتحمل؟.
قديداً يغدو المرء. قديداً.قديداً
هناك في جوف الرمل ينضج الجسد كرغيف مطمور برماد
والروح تصرخ وتضطرب ولاتجد منفذاً ولو بحجم سمّ الخياط.؟
والانتهاك؟
قبّل قدمي لتعيش
قبّل قدمي لتعيش
ويتذكر كيف عذّبوا أباه الشيخ الكبير، وكيف لم يستطع تحمل العذاب والإهانة، فذكر اسم ابنه وارتاح عندما فارقت روحه الجسم، ثم كيف أحضروا زوجته، وجردوها من ثيابها أمام عيون الحراس الوقحة ، وكيف غاب عن الوعي. والوعي يغيب عندما يرى في الواقع شيئاً لايريده أو لايحتمله. يغيب الوعي ويهرب إلى اللاوعي:"ياله من سجين طليق، وياله من طليق سجين".(ص228) لقد تداخل الوعي عنده باللاوعي،والواقع بالحلم، والعقل بالجنون، فأصبحت الحياة أشد قسوة من الموت، بل لم يعد هناك من فرق بين (الحياة) و(الموت) مادامت الحياة أقسى من الموت.
وتندفع الكلاب تعوي، يتبعها رجال يمسكون مقاودها، وخلفهم رجال مسلحون يشهرون أسحلتهم وهم في وضعية الاستعداد التام لإطلاق النار. الكلاب تشمشم المكان، وتدور فيه وتتوقف:" لقد انتهكوا حرمة كل شيء حتى الأرحام أصبحت مستباحة، تدخلها الكلاب وتتنفس فيها وتشم الأثر، ويفتشون فيها عمن يطلبون". (ص255).
ويتذكر كيف كان في المعتقل الصحراوي، وكيف انهمر عليهم الرصاص، فسقطوا كجذوع أشجار عارية، ثم كدّسوا الجثث في شاحنة لطمرها في حفرة واحدة، وكيف استفاق وهو بين الجثث، فزحف وألقى بنفسه من الشاحنة. ويتذكر الآن. والآن فقط، وفي الصفحات الأخيرة من المسرحية، أن اسمه (خالد) ( رمزاً لخلود الإنسان)، وأن اسم زوجته(إنعام) ( وللأسم دلالته الرمزية أيضاً)، وأن اسم العازف (مرزوق العاشق). ولهذه الأسماء الثلاثة دلالاتها: "خالد؟! خالد؟! منذ عمر لم ينادني أحد بهذا الاسم.. لقد أنسوني اسمي ونفسي وزوجي والحليب الذي رضعته من ثدي أمي. هذا القهر. القهر. هذا الاحتقار لكل ما في الإنسان ولما هو إنساني؟!" (ص277-8).:
وتقبض "الكلاب" على الرجل وزوجته ومع العازف. وتحكم على الرجل لأنه هارب من الظلم، وعلى زوجته لأنها تعين هارباً على الهرب، وعلى العازف لأنه شريكه في الهرب. وكل جريمتهم أنهم هاربون من مجتمع الفساد والقهر والقمع. يقول العازف عن الرجل:" كان غريباً ودوداً ومسالماً. وأنا كنت أشعر بالغربة بين الآخرين، فتلاقينا على شيء يجمعنا".(ص297).
طوال حياته و"الكلاب" تلاحقه،فلم هذه القسمة الظالمة؟ ولماذا عليه أن يظل هارباً طوال حياته؟ّ "وهل الحياة ذنب يستمر العقاب عليه إلى مالا نهاية؟!"(ص280).ففي مجتمع القهر والظلم والطغيان يصبح الغناء جريمة ، وتغريد البلابل جريمة، والتمتع بجمال الأشجار الخضراء جريمة، بل وحتى الحياة نفسها جريمة؟! ويتساءل العازف:"هل العزف على هذه (الشبابة) جريمة وإرهاب وإخلال بأمن الدولة؟! فيجيبه رئيس المنصة: إنها توقظ الأعماق وتحرك المشاعر إلى الحد الذي يخّل بأمن الدولة. لقد كان (الرجل) يشرق، ويفكر، ويستعيد شيئاً من تلاؤمه مع ذاته عندما يسمع العزف"(ص299).
فيكسر العازف(شبابته) لأنه لم يكن يقدّر خطرها على أمن الدولة.
أما (الرجل) فيجيب المحقق بأن عمره لايتجاوز "ثلاث ساعات" هي مجموع اللحظات التي ازدهر فيها أمله، وبأنه لم يعد يعرف له بيتاً، وأن أحباءه يعيشون في ضميره، وأن كثيراً من الجرائم قد ارتكبت بحقه ، وأنه لم يرتكب جريمة سوى التأمل والتفكير والبحث عن الذات، "فلماذا كل هذه الملاحقة؟! هل لأنه تساءل من نحن ؟ أم لأنه بدأ يعرف. و(المعرفة) ذنب وجريمة في نظر الدولة؟(ص 324).
وفي معتقل في الصحراء تطلق النار على ثلاثة أشباح: الرجل وزوجته والعازف، لا لذنب جنوه، أو جريمة ارتكبوها، وإنما لأنهم أحبوا الحياة والنقاء والبراءة، وعاشوا حياة الطهر والحق والمعرفة، وأحبوا الوطن والمواطنين، فهل هذه القيم النبيلة أصبحت جرائم في عالم اليوم، عالم الفساد والظلم والطغيان؟!
لقد بدأت المسرحية باليأس:" أعطوني شمعة وشربة ماء"، وانتهت بالموت، ولكنها لم تفقد الأمل، فقد كانت الكلمة الأخيرة منها:" الحياة تنتصر".
5- الثيمة:
ولاشك أن (الثيمة) التي استبطنت أغوار الكاتب هي (الغربة): غربة (الرجل) عن مجتمعه، ومدينته، وحتى عن نفسه، وغربة (المرأة) عن زوجها ومدينتها، وغربة(العازف) عن الآخرين وحياتهم . ثم غربة هؤلاء في مجتمع القهر والطغيان، مما جعلهم يهربون من مدينة الفساد والقهر إلى أحضان الطبيعة، بعد أن أصبحت القيم النبيلة جرائم يعاقب عليها الطغاة.
أما سبب الغربة فهو العسف والقمع السلطوي الذي يمارس على المواطنين . وأما نتيجة هذه الغربة فهو المزيد من التمسك بالحق والعدل والخير والمعرفة في عالم انعدمت فيه هذه القيم النبيلة.