وجوه الماس البنيات الجذرية في أدب علي عقلة عرسان - محمد عزام

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:48 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثالث د.علي عقلة عرسان منظّراً مسرحياً

يتناول هذا الفصل ثلاثة كتب وضعها الكاتب علي عقلة عرسان في التنظير المسرحي وهي:‏

سياسة في المسرح، والظواهر المسرحية عند العرب، ووقفات مع المسرح العربي‏

السياسة في المسرح‏

1-منهجه، ومنهجنا.‏

2-السياسة والمسرح‏

3-مسرح ما قبل الميلاد: -المسرح اليوناني (1اسخيلوس 2-سوفوكليس 3-يوربيدس 4-ارستوفان).‏

-المسرح الروماني (سينكا).‏

4-مسرح العصور الوسطى وعصر النهضة (1-شكسبير 2-مارلو 3-لوب دي فيغا - 4-جان راسين).‏

5-المسرح الحديث والمعاصر (1-غوته 2-شيلّر 3-ابسن 4-سترندبرغ 5-أوسكار وايلد 6-وليم بتلريتيس 7-بيرانديللو 8-يوجين أونيل 9-بريخت 10-لوركا 11-البيركامو 12-يونسكو 13-بيكيت 14-جون أوزبورن 15-دورنمات.‏

***‏

1-السياسة في المسرح‏

كتاب هام للدكتور علي عقلة عرسان. وقد سمّى الطبعة الأولى منه: سياسة في المسرح (اتحاد الكتّاب العرب- دمشق 1978)، والطبعة الثالثة: السياسة والمسرح (الدار العربية للكتاب -ليبيا طرابلس 1991).‏

1-منهجه ومنهجنا:‏

بدأه بالحديث عن (السياسة في المسرح) بشكل عام، ثم قسّم بحثه إلى أربعة عصور سياسية هي: مسرح ما قبل الميلاد حيث تحدث عن المسرح الفرعوني، والمسرح اليوناني، والمسرح الروماني. ثم تحدّث عن مسرح العصور الوسطى، فمسرح عصر النهضة، فالمسرح الحديث والمعاصر. وهو في منهجه هذا يبحث عن القمم المسرحية في كل عصر، مراعياً التسلسل التاريخي، دون اهتمام كبير بالبيئات والأقطار. ولم يكن يكتفي في عرضه لنتاج الأديب المسرحي، بعرض عمل مسرحي واحد له، وإنما كان أولاً يضع الكاتب في عصره، فيتناول العصر من جميع جوانبه السياسية والاجتماعية والثقافية، ثم يتناول ثانياً حياة الكاتب المسرحي، ومعاناته الشخصية، وانعكاس ذلك على أدبه المسرحي، وعلاقة أدبه بحياته وبعصره، علماً بأنه لم يكن يختار من نتاج الأديب المسرحي إلا ما يتعلق بالسياسة باعتبارها المحور الذي يدور حوله بحثه، فيعرض أحداث المسرحية - موضوع المناقشة- وفكرتها، وأشخاصها،.. إلخ.‏

وهكذا يمكن القول إن عرسان قد استوفى معظم العصور الأدبية وأبرز كتّاب المسرح، وأن كتابه هذا يمكن أن يُعّد تأريخاً للمسرح العالمي لا غنى عنه للأديب والباحث، وإن كان قد توقف عند أبرز القمم فحسب.‏

وأما منهجنا في عرض كتاب الباحث عرسان فقد عرضنا عرضه، إلا أننا اخترنا لبعض المسرحيين أشهر أعمالهم، وليس كل ما كتبه الباحث عنهم. كما اختزلنا كثيراً من مناقشاته لأفكار المسرحيات -موضوع العرض- وأحداثها،وأشخاصها، مكتفين بمرورها أثناء العرض، ما دامت لا تتلمّس إلا فكرة (ثيمة) واحدة هي وجود (السياسة) في المسرح. مسجلاً انعكاس الأحداث السياسية على الأدب المسرحي في الأدب الغربي، دون أن يتعرض للنتاج الأدبي المسرحي العربي، مؤجلاً هذا الموضوع الهام أيضاً إلى دراسة قادمة يأمل إنجازها.‏

2-السياسة في المسرح:‏

يرى الباحث عرسان أن علاقة الوصل بين ما ينتجه الفرد من أعمال إبداعية وبين حاجة الجماعة وواقعها، علاقة لا يمكن فصمها. وهو يميز بين (الالتزام) و(الإلزام): فإذا كان الالتزام طوعياً ينبع من إرادة حرة، ويمليه اقتناع وإيمان، فإن الإلزام إجبار وإكراه يفرضه الغير أو تفرضه الظروف على الإنسان.‏

ونظراً لكون الباحث من رجال المسرح (تأليفاً وتمثيلاً وإخراجاً) فإنه يرى أن للمسرح تأثيراً كبيراً على المشاهدين، لأنه يمكّن من تقريب مشاعر جماعة المتفرجين من همومها ومشاكلها، حيث يتحوّل الفرد إلى طاقة مشعّة أو إلى (محرّض) يرسل شحنات جديدة في جسم المجتمع، ويسهم في تغييره بالقول والعمل. ومن هنا أهمية الدور الذي يلعبه المسرح في حياة المجتمع، ويلعبه الأديب في حياة المسرح، فالفرد المبدع يشعر- كاتباً كان أم ممثلاً أم مخرجاً- بنشوة غامرة بعد تقديم عمله المسرحي، وإحداث التفاعل والتواصل بينه وبين الجمهور، حيث يتخفّف من عبء المعاناة، ويحس بنوع من المصالحة مع العالم، والرضا عن النفس، ويشعر كما لو أنه أفرغ شحنة كانت تضنيه وتقض مضجعه، في أوعية رحبّت بأن تحمل معه ثقل متاعه، وهي راضية بهذا الحمل الجديد، لأنه يخصّها وينتمي إليها. وبعد عملية تفريغ الشحنة هذه تبدأ عملية تحريض جديدة له، من قبل الواقع الاجتماعي، من أجل إبداع جديد.‏

وهكذا تستمر العلاقة الجدلية التحريضية بين الفنان والمجتمع، إذ تشحنه الحياة الاجتماعية بمعطيات ورؤى وأحاسيس، فيشعر بالغربة وعدم التلاؤم مع الحياة والناس، إلى أن يفرغ هذه الأحاسيس في شكل عمل فني، يبثّه في الناس، ويشاركهم معاناتهم، فتعود إليه الراحة.. ثم الرغبة في الامتلاء من جديد...‏

أما الجماعة التي تتلقّى الشحنة من الفنان فإن أفرادها يشعرون بحالة من عدم الرضا عن الذات وعن الواقع، ويحسّون بعدم التلاؤم مع الوضع غير السليم من حولهم، وتطفر في نفوسهم رغبات واردة التعبير إلى أن تفرغ الشحنة التي شحنوا بها في المسرح على شكل سلوك ومواقف وأعمال تنفيذ في الحياة الاجتماعية، فتغيّر مجراها وتجعلها أكثر ملاءمة لما يريدون. وهكذا تستمر علاقة التحريض بين المجتمع والأديب، في جدلية تعطيها المعاناة حرارة ودفءاً، وتؤدي إلى تطوير الفرد والجماعة وتغيير وجه الواقع. و(التحريض) و(التطهير) الذي يحدثه المسرح -حسب عرسان- يختلف عن (التنفيس) و(التخدير) الذي يحدثه بعض الإنتاج المسرحي. فإذا كان مسرح (التحريض) يؤدي أغراضاً إيجابية في التطهير، فإن مسرح (التنفيس) يمتصّ النقمة على الواقع ويحوّلها إلى ضحكات مجانية تملأ فراغ الصالة، ولكن لا يتعدّى تأثيرها عتبة النفس والمسرح، لأنها مبنية على الغش الذي يتمّ بالتمسيد على سطح الجلد، وتترك الأمراض والأورام الخبيثة تنمو تحته. وهو نوع من الإنتاج يكثر في زماننا، وضجّته أكبر من حجمه. وهو كالبرق الخُلّب، ويتزّيا بأسماء متعددة أبرزها (المسرح السياسي)، و(الفن الهادف)، إلى غير ذلك من الأقنعة التي هي (حق أُريد به باطل)، ذلك أن "نغمة المسرح السياسي التي نسمعها تعني شيئاً آخر غير المسرح، وتبتغي أن تلبس لبوس الفن والثقافة، وهي إلى الدعاوة والإعلام المروّج لاتجاه سياسي وإيديولوجي أقرب منها إلى الفن والثقافة، وإلا فمتى كان المسرح غريباً عن السياسة منفصلاً عنها(؟‍‍!)".‏

إن الحديث عن (المسرح السياسي)، في رأي عرسان، بدعة جديدة. ولكن اتصال المسرح بالسياسة، أو ظهور السياسة في المسرح أمر قديم قدم الإنسان والمسرح، إذ لا يمكن أن نفصل في الحياة بين الرغيف والسياسة، أو بين الفكر والسياسة، ولكن المطلوب عند دعاة السياسة هو توظيف المسرح توظيفاً إعلامياً كوسيلة لرفع شعارات (مع، أو ضد) حكم نظام سياسي ما، وأحرى بهذا المسرح أن يسمى (المسرح الإعلامي) لا السياسي، لأنه يسهم في توجيه الرأي العام باتجاه معيّن، في فترة محدودة. ولكنه لا يسهم في ترسيخ قيم في تفكير وسلوك الإنسان ووجدانه بشكل ثابت وأصيل. وهكذا يرفض الباحث الفن الذي يرفع شعارات براقة ويسهم في التهويش والتشويش، ويعتمد الكلمة المنفوخة، ويفزع الناس من قدراتهم على التمييز والاستيعاب ويمتصّ قابلية التحريض البنّاءة لديهم ليحوّلها إلى انفعالات عشوائية مؤقتة يكون أثرها النهائي تخديراً لهم أو تنفسياً لغضبهم وهدراً لطاقة كان يمكن أن تحوّل إلى طاقة تغيير وبناء، ذلك أن المسرحيات التي تعتمد (القفشات والنكات) ليست نصوصاً إيجابية قادرة على البقاء والتأثير، لأن عمرها هو مدة عرضها، وأثرها لا يتجاوز أذن المستمع إليها، وهي لا تترك أثراً في تاريخ الأدب المسرحي، ولا تسهم في تغيير الإنسان ودفعه إلى تغيير الواقع.‏

وليس إقبال الجماهير على هذا النوع من الإنتاج المسرحي دليل جودته الأدبية أو رفعته الفنية، ذلك أن المسرحيات التي تهاجم حاكماً وتطبّل لآخر لا تلقى إلا رواجاً آنياً. والمسرحيات التي تنتقد حاكماً في السلطة ستلقى رواجاً كبيراً، لأن نهش السلطة اتجاه تجاري رابح، وأسلوب للظهور مضمون النتائج. والسلطة الواعية ترحّب به لأنه يخدمها أكثر مما يؤذيها، فهو يمتصّ نقمة الناس، ويُعطي صورة جيدة عن "حرية" التعبير.‏

3-مسرح ما قبل الميلاد:‏

يستعرض الباحث عرسان المسارح القديمة: المسرح الفرعوني، والمسرح اليوناني، والمسرح الروماني. أما المسرح الفرعوني في مصر فقد تجلّى في النصوص الاحتفالية الدينية التي تُعاد في كل عام، في أيام معلومة. ويشترك فيها الكهنة والجمهور، ضمن طقوس دينية، وحركات جماعية ذات إيقاع راقص. ويؤكد (هيرودوت) المؤرخ الإغريقي الذي زار مصر ما بين عامي 448-445 ق.م يوم كان يحكمها الفرس أنه شاهد حفلات تمثيلية فيها، واطلع على بعض الأسرار التي وعد ألا يبوح بها، وهي تتعلق بإحياء ذكرى أوزوريس.‏

والواقع أن نص (إيزيس واوزوريس) يُعّد من أهم النصوص في الأدب الفرعوني، فهو إلى جانب قيمته الأدبية والدينية يعرض أسطورة قريبة من الناس، أو مسرحية تتوافر فيها مقوّمات العرض الاحتفالي الجماهيري ذي الأبعاد الدينية والاجتماعية والسياسية، وتعالج مشكلة الصراع الأزلي بين الخير والشر، والصراع على السلطة، والرغبة في توحيد وادي النيل في مملكة واحدة يحكمها الملك باسم الإله (رع) بوصفه وريثه وصورته على الأرض.‏

وقد صوّرت الأسطورة حياة (أوزوريس) ثم موته، ودفنه، وبعثه. وكانت تمثّل في عيد كل عام، ويقبل الناس عليها إقبالاً منقطع النظير، ويشاركون في أدائها، ويستغرق تمثيلها عدة أيام. وتُعدّ أقدم مسرحية في العالم. وهي تروي قصة النزاع بين الأخوين (ست) و(اوزير) حيث اغتال الأول الثاني، كي يجلس على عرش مصر. ولكن الحياة دبّت ثانية في جسمه بفضل أخته (ايزيس)، فترك دنيا الغدر، وهبط ليحكم العالم السفلي، بعد أن تنازل عن عرش مصر لابنه (حور) فنشأ نزاع جديد بين (ست) و(حور) على العرش. ثم احتكما إلى محكمة الآلهة التي يرأسها الإله (رع) فحكمت لحور. ومنذ ذلك الوقت أصبح كل ملك يحكم مصر يدعى (حور) أما الملك المتوفي فيدعى (اوزير).‏

ويروي المؤرخون أن (اوزير) قد اغتيل غدراً، بعد أن حكم بالعدل، فقطع جسمه إرباً إرباً، ودفنت كل قطعة في مكان. ولكن زوجته (إيزيس) وابنه (حور) جمعاً جثمانه، ودفناه في مكان واحد، ليحجّ الناس إليه، فأنشأل بذلك العبادة الاوزيرية.‏

وقد اعتمد الباحث عرسان في هذا الفصل على كتاب ايتين دور يوتون (المسرح المصري القديم) تر: ثروت عكاشة- دار الكاتب العربي بالقاهرة 1967.‏

*‏

وأما المسرح اليوناني فقد نشأ من تطور طقوس عبادة الإله (باخوس = ديونيزوس). ومن أغاني هذا الإله أثناء نشوته، ومن المرثيّات التي نظمها أتباعه ومريدوه نشأت (التراجيديا) التي هي كلمة يونانية مشتقة من كلمتين: تراجيس TRAGOS (أي ماعز) وايدي ODEY (أي غناء) وقد أُدغمت الكلمتان فكانتا كلمة (التراجيديا) التي تعني الأغنية العنزية. وهناك تفسيرات أخرى للتسمية منها أن الإله (ديونيزوس- باخوس) كان قد رضع في طفولته من عنزة، ومنها أن القربان الذي يُقدم بعد الانتهاء من احتفالات الإله كان قوامه الماعز، ومنها أن الإله (ديونيزوس= باخوس) كان يشرب الخمرة فيستخّفه الطرب، فيغني ويرقص وهو يرتدي جلود الماعز. وأصبح له أتباع يجالسونه ويشربون معه الخمرة، فيستخفّهم الطرب أيضاً فيرقصون معه ويغنون وهم يلبسون جلود الماعز. ولذلك سميّت أغانيهم بالأناشيد العنزية (أو الديثرامب) DITHRAMP وهي الأناشيد التي نشأت عنها، ونتيجة لتطورها.‏

وبعد وفاة الإله (ديونيزوس = باخوس) أخذ الشعراء يتبارون في نظم القصائد الرثائية والخمريات المستوحاة من جلساته. ويغنّون هذه الأشعار في أعياده. وقد تطورت هذه الأناشيد على أيدي شعراء المأساة اليونانيين، حتى جاء (تسبس) الذي كان ينتقل مع فرقته في عربة متجولاً بين المدن والأقاليم، فأدخل (رئيس الجوقة) الذي يتبادل الحوار مع الجوقة. ثم أدخل (اسخيلوس) الممثل الأول، فأصبح هناك حوار بين الجوقة ورئيسها، وبين الممثل ورئيس الجوقة، وبين الممثل والجوقة. ثم أدخل (سوفوكليس) الممثل الثالث والرابع. وبعد ذلك أخذت الأناشيد العنزية (التراجيدية) صيغة مسرحية ذات حوار وصراع وشخصيات وموضوع، وتقدّم قصة مشوّقة وهادفة.‏

أما الملهاة (الكوميديا) فقد نشأت بعيداً عن الدين، ولهذا لم تكن تحظى سابقاً بالاحترام. يقول ألاردايس نيكول: "كان أساس الكوميديا هو (كوموس أتيكا) وهو طقس شعبي كان يقوم به مجموعة من المهرجين العابثين ينتظمون في مواكب، ويترنحون بالأغاني التي تمجد ديونيزوس. ومن كلمة (كوموس) أخذت الملهاة اسمها في اللغات الأوربية (كوميديا) المؤلفة من (كوموس) أي الجوق العابث الهازل، و(اوديا) أي أغنية أو غناء.‏

لقد كان المسرح اليوناني يمثّل الفرح اليوناني بروعته وعمق جذوره في النفوس، فحين كانت تمثّل الملاهي أو تُقام الاحتفالات بأعياد (ديونيزوس/ باخوس) تنتقل عدوى المرح الصاخب من المسرح إلى الجمهور الذي يشارك في العرض فتصبح جزءاً لا يتجزأ منه: يضحك الناس ويرقصون ويشربون الخمر، ثم يجوبون الطرقات صاخبين مرحين معتزين ببواعث الخصب في حياتهم. ويمرّ الشعب، في بضع ليال، بنشوة دينية، يستبيحون فيها كل شيء، ويتحللون من كل القيود.‏

وكانت هذه المسرحيات تنتقد عيوب المجتمع بكل حرية وصراحة، فحين نقرأ اليوم مسرحية (السلام) مثلاً لأرسطوفان فإننا نشعر بمقدار الحرية السياسية التي كان يتمتع بها الشاعر أو الأديب. وكانت مسرحية (بروميثيوس) تمثّل تحدّي الإنسان لجور الآلهة التي تحكم بنزواتها التي هي ليست سوى نزوات الكهنة الذين كانوا يسيطرون على الناس، ويوجهون حياتهم العامة باسم الدين ومن خلاله. وقد كان (بروميثيوس) ثورة ضد الآلهة وضد الظلم الناتج عن التزييف الذي يلحق الدين، وضد استغلال رجال الدين للمعتقدات استغلالاً يؤمن لهم مصالحهم الدنيوية. كما تمثل مسرحية (أوديب) لسوفوكليس طموح الإنسان وحبه للمعرفة والحرية وتحدّيه للقدر. وقد تمثّلت فيه الشجاعة في البحث عن الحقيقة. أما مسرحية (انتيغونا) بطلة سوفوكليس فتمثل ثورة الإنسان على جور النظام السلطوي الذي يتعارض مع النظام السماوي الذي يكفل للإنسان حق الحياة والحرية والكرامة، وتمثّل وقفة الإنسان الحر في وجه الحاكم المستبد. وتمثّل مسرحية (كريون) لسوفوكليس رجل الدولة الذي يرى أن من واجبه أن يحافظ على الأمن والنظام وأن يطبّق العدالة حتى ولو على ولده.‏

لقد خلق المسرح اليوناني النماذج التي تمثل حياة الطبقة المسيطرة خاصة، والتي تلخص الحياة الفكرية والسياسية والاجتماعية. ولذلك يقول الباحث عرسان: "إنني حين أقرأ المسرحية اليونانية لا أستطيع أن أتصور انفصالاً بين الدين والسياسة من جهة والأدب والفلسفة من جهة أخرى، وبين الحياة الاجتماعية التي محورها الإنسان وبين الأدب. لا يمكنني أن أتصور اسخيلوس، وسوفوكليس، ويوربيدس، دون أن تتكامل الصورة، فيقف إلى جانبهم سقراط وأرسطو وفيدياس، ولا أستطيع تصوراً لعصر بريكليس الزاهر دون عمالقة في الأدب والفلسفة والفن، ودون تفاعل بين هؤلاء الأفراد والمجتمع بكل أبعاد الحياة وعواملها فيه. فتقدمهم رهن بتقدم مجتمعهم كما أن تقدم مجتمعهم رهن بتقدمهم". ولهذا كان لا بد من عرض نماذج لبعض شعراء المسرح اليوناني، باعتبارهم قمماً في الأدب الإنساني، ولما لهم من تأثير في المسرح العالمي.‏

1-اسخيلوس:‏

أبو المأساة اليونانية لأنه بدأ تطويرها بشكل جاد. وقد وصلنا عنه سبع مسرحيات، أولاهن مسرحية (الضارعات)، وهي جزء من ثلاثية مسرحية (كان على المسرحي أن يقدّم مسرحية تتألف من ثلاث حلقات متصلة). ومن المؤسف أنه لم يصلنا سوى الجزء الأول فقط من هذه الثلاثية، والذي يصوّر بنات دناؤوس الخمسين، وقد هربن من بلدهن مصر هرباً من أبناء عمهن ايجبتوس الخمسين الذين أرادوا الزواج بهن عنوة. فاحتمين عند بلاسجوس ملك أراغوس الذي أجارهن (ومن الثابت تأريخياً أن البلاسجيين الذين سكنوا اليونان، ولا سيما جزيرة أراغوس، جاءوا إليها من مصر وسورية. وهم الذين أعطوا الآلهة لليونانيين. وكانوا يسمونهم (الكبيرو) أي الكبار. وهم فيما يبدو أجدادهم وعظماؤهم. ثم جاء هوميروس وهسبورس فأشاعوا هذه الأسماء وحددوا مراتبها في القرن العاشر والتاسع قبل الميلاد وهي أسماء أخذت عن (الأجانب) أي من بلاد العرب كما يقول هيرودوت حين يتحدث عن مصر).‏

كما عرف الإله السوري (حدد) في الغرب اليوناني- الروماني بوصفه (زفس أو زيوس أو جوبتير) منذ القرن الثالث ق.م، وعُبد باسم (جوبتير) الدمسقي. وكان (ديونيزوس أو باخوس) هو ابن زيوس من سيميلي ابنة قدموس ابن اجينور ملك مدينة صور الفينيقية، أي العمورية العربية.‏

وهذه المعلومات التي يوردها الباحث عرسان تعيد الحق إلى نصابه، ففي الوقت الذي ترى فيه أوربا أنها مهد الحضارات وأن الحضارة اليونانية هي أقدم حضارة في التاريخ، فإن الباحث يرى أن هذه المركزية الأوربية هي تعصب أعمى لا غير، وأن الحضارات الشرقية العربية في مصر وسورية وبلاد الرافدين هي أقدم عهداً، وأنها أعطت العالم القديم حضارة وآلهة وأبجدية.‏

وأما مسرحية (الفرس) فتصور صراع فارس مع اليونان، ونصر اليونان على فارس، وتجعل الأحداث تدور في بلاد فارس نفسها، وهدفها الإشارة إلى أن الكبرياء والغرور والتهور لا تجلب لصاحبها سوى الخسران ، ففارس الامبراطورية العظيمة، دفعها غرورها إلى غزو اليونان، ولكن هذا الغرور ردّها مدحورة. يقول ألاردايس نيكول عنها إنها مسرحية خلت من الحركة ومن الصراع. ولكن جلال فكرتها يمنحها قوة تعويض انعدام الحركة. وقد تجلّت فيها عظمة اسخيلوس كما لم تتجلّ في غيرها. (ألاردايس نيكول -المسرحية العالمية- تر: عثمان نويه ص1/30).‏

وأما مسرحية (بروميثيوس مقيّداً) فهي من أكثر مسرحيات اسخيلوس دلالة على روحه الفياضة بالرجولة والحرية وحب الإنسان. وهي الجزء الثاني من ثلاثية فُقد جزآها الآخران. وهي تصوّر الإله (بروميثيوس) الذي ساعد (زيوس) على تولي الملك. فلما حكم (زيوس) طغى وتجبّر، حتى إنه أراد أن يخسف الأرض بالبشر. ولكن (بروميثيوس) الذي خلق الإنسان وأحبه كره ظلم (زيوس) فأهدى إلى الإنسان النار التي كانت وقفاً على الآلهة، وعلّمه الطب والمعرفة والفنون، ومنحه الأمل ليتغلب على الفناء، مما أغضب زيوس، فأمر بتكبيله بالأغلال، وسمّره إلى الصخور في جبال القوقاز، وأرسل عليه نسره ينهش كبده وقلبه في النهار، فإذا جنّ الليل تجدّد القلب والكبد ليتجدّد الألم والعذاب في النهار. وهكذا في كل يوم.‏

وذات يوم مرّت به (يو) الفتاة التي أحبّها (زيوس)، فغضبت منها (هيرا) زوجته وحوّلتها إلى بقرة تلاحقها ذبابة تلسعها فتزداد ألماً وتمعن في تشردها. فرثت لحال (بروميثيوس) الذي أنبأها أنه سيولد لها ولد من (زيوس)، وسيخلّصه هذا الولد من قيوده.‏

وبالفعل تضع (يو) مولودها (هرقل) الذي خلّص (بروميثيوس) من أغلاله، بعد أن قتل النسر الذي كان ينهش قلبه. وهكذا يمتزج (بروميثيوس) بالإنسان وقضيته، مصارعاً الآلهة، رغم القيود.‏

وأما مسرحية (سبعة ضد طيبة) فهي الجزء الثالث من ثلاثية تدور حوادثها حول (أوديب) وما حاق به من مصائب. أوديب الذي قتل أباه وتزوج أمه فأنجب منها أطفالاً دون علم منه، وتنفيذاً لإرادة القدر. ولما علم بالحقيقة فقأ عينيه، وانتحرت زوجته.‏

وأما مسرحية (الاوريستية) فهي من أعظم مسرحيات اسخيلوس. وهي المسرحية الوحيدة التي وصلتنا كاملة والتي كتبها اسخيلوس وهو في قمة نضجه الفني. وتدور حول اللعنة التي حلّت على أسرة (اتريوس) إذ أن (تستس) أخا (اتريوس) فسق بامرأة أخيه، فانتقم منه أخوه بذبح ولديه وتقديمهما له طعام عشاء. فلعنت الآلهة هذه الأسرة، ونقمت على أبنائها. ففي الحلقة الأولى من حوادث الأوريستية يضحّي آغاممنون بابنته (ايفيجينيا) للربة (آرتميس) آلهة الصيد والغابات والقمر، عندما جهزّ اليونانيون جيشاً ضخماً على رأسه أغاممنون ليحاربوا طروادة انتقاماً من باريس بن بريام الذي اختطف (هيلين) الجميلة.‏

لكن الربة (آرتميس) غضبت على أغاممنون فجعلت الريح تسكن ولا تدفع بمراكب اليونان، إلا إذا ضحّى أغاممنون بابنته (ايفيجينيا) إرضاء للآلهة. فيستدعي أغاممنون ابنته وأمها من أراغوس، بحجة أن (أخيل) سيتزوجها قبل سفره إلى الحرب. وحينما تصل الفتاة يضحّي بها أبوها. وتعود زوجته (كليتمنسترا) غاضبة على زوجها الذي تحجّر قلبه فضحّى بابنته من أجل نبوءة لإرضاء الآلهة. فتعيش حياة فسق وفجور مع ابن عم زوجها، انتقاماً من زوجها. وبعد انتهاء حرب طروادة يعود أغاممنون ومعه سبيّته (كاساندرا) التي تتنبأ بقتل أغاممنون وزوجته. وبالفعل فإن زوجته تغتاله بالاتفاق مع عشيقها الذي يتزوجها ويصبح حاكم البلاد.‏

أما الحلقة الثانية من الاوريستية فتبدأ بعد هذا التاريخ بحوالي عشر سنوات، وذلك بعد أن تولى (ايغست) العشيق الحكم. حيث أبعدت (كليتمنسترا) ولدها (اورست) ابن أغاممنون خوفاً من انتقامه، واستخدمت ابنتها (الكترا) التي كانت غاضبة على أمها. وهي ترقب عودة أخيها لينتقم لأبيه. فتجتمع معه. ويتفقان على الخطة. وينفّذ اورست المطلوب منه، فيقتل ايغست. وحين يهّم بقتل أمه تفتح له صدرها متوسلة إليه بالضرع الذي غذّاه. ولكنه يقتلها غير آبهٍ بتوسلاتها.‏

وفي الحلقة الثالثة والأخيرة نرى اورست في معبد أبولو في دلفي يحتمي بالإله الذي زيّن له الانتقام من ربّات الانتقام اللواتي يحطن به للفتك به. وهو يكاد يفقد عقله. ولكن أبولو يذودهن عنه، ويرسله إلى معبد (منيرفا) أو (أثينا) ربة العدالة والحكمة. وهنا تعقد أول محاكمة من نوعها، حيث ينقسم فيها تاسوع الآلهة فريقين: فريق يبّرئ أورست. وآخر يدينه. ولكن (منيرفا) تبرئه. وهكذا يُناط أمر الانتقام بالآلهة، لا الأفراد. ويُلغى اختصاص ربّات الانتقام فيصبحن ربات رحمة، ويُمنع سفك الدماء والثأر الذي لا تنتهي حلقاته، ويوكل أمر المجرمين إلى محكمة عادلة.‏

هذا عرض موجز لمسرحيات اسخيلوس التي وصلتنا أما مسرحياته التي لم تصلنا فتتجاوز العشرين. وقد حاز اسخيلوس جائزة المسرحية ثلاث عشرة مرة، وقيل إنه اتّهم بكشف أسرار الطقوس الدينية، وحاول الجمهور الأثيني قتله أثناء عرضه لإحدى مسرحياته. ولكن أخاه تقدّم فكشف عن ساعد أخيه وأراهم قطعة اللحم التي ذهبت في معركة (سلامين)، وذكّرهم بأنه خاض معركة (ماراثون) أيضاً، وأنه كان بطلاً، فأنقذه ذلك من القتل، ولكنه مات بعد ذلك في صقلية ميتة غريبة، إذ ألقى نسر بسلحفاة على رأسه الأصلع، لأنه حسبه حجراً (ول ديورانت - قصة الحضارة 2/268).‏

2-سوفوكليس:‏

شاعر اليونان المجيد الذي لاءم بين العقل والقلب، والإله والإنسان، وخلّف مسرحاً متزناً ذا صفاء روحي. وقد ولد عام 495 ق.م قرب أثينا في عهد عمّ فيه الرخاء، في عصر بيريكلس، حيث التفت الشعب اليوناني للإبداع في مجالات الأدب والفن والفلسفة. وقد اشتهر سوفوكليس في شبابه بجماله. وكان يقود فرقه المنشدين في الأعياد، ويتصدّر المهرجانات. وكان أبوه غنياً تدرّ عليه صناعته للأسلحة ربحاً وفيراً، مما جعله يعلّم ابنه ويثقّفه، وقد كان شاعرنا واسع الاطلاع كثير المعارف، يتقن الرقص والموسيقى، متزن الميول، إذ أن اسم (سوفوكليس) نفسه يعني العاقل الحكيم. وقد قرّبه الحاكم بيريكلس إذ ولاّه خزانة الدولة في عام 443ق.م وقاد قوات أثينا إلى ساموس، وانتخب بعد ذلك عضواً في لجنة الأمن العام. وقد شغل مراراً منصب الكاهن.‏

ويؤكد الباحث عرسان أن سوفوكليس كتب حوالي 123 مسرحية، وأنه لم يصلنا منها سوى سبع مسرحيات، وأنه فاز بجائزة المسرح الأولى ثلاثاً وعشرين مرة، وأن مسرحياته تعطي صورة صادقة عن نفسه وأخلاقه، ودوره الذي لعبه في الحياة الاجتماعية اليونانية، وتطويره للمسرح إذ أدخل ممثلاً ثالثاً في المسرحية بعد أن أدخل اسخيلوس الممثل الثاني (أي أن المتحاورين على الخشبة في المشهد الواحد يصل عددهم إلى ثلاثة أشخاص) وكان أول من استخدم المناظر المسرحية، وجعل الشخصية المسرحية تتحرك بدافع من تكوينها، لأنها تحمل بذور شقائها في تركيبها البيولوجي والسيكولوجي الوراثي...‏

ويبدو أن أدب سوفوكليس يُعنى بالطبيعة الإنسانية أكثر مما يُعنى بالطبيعة الإلهية، ويرفض كل ما هو خارق للطبيعة. فكل شيء لديه إنساني، حتى أخلاق الآلهة وتصرفاتهم تأخذ مظاهر إنسانية، كما يظهر تعلقه بالطبيعة في تعلق بطله بالأرض الحبيبة إلى نفسه.‏

فمسرحيته (انتيجونا) تصوّر النضال الشاق بين العدالة كما يفهمها الحاكم الذي يرغب في أن يسود الأمن والنظام بأي ثمن، وبين فتاة تنصر العدالة بعاطفتها، وتؤمن بحق المرء في أن يتصرّف تصرفاً حراً بعيداً عن جور الحاكم المستبدّ، ويمارس حقوقه بعيداً عن التسلّط والتحكّم. وفي هذه المسرحية يصوّر سوفوكليس شخصيات على مستوى البطولة العظمى، فكل من البطلين يحمل رسالة ومبادئ وأخلاقاً تتعارض مع ما لدى الآخر: فالملك الحاكم المطلق (كريون) يريد أن يفرض القانون حتى على أقرب الناس إليه كي يرتدع الآخرون. و(انتيجونا) التي تدفع الظلم عن أخيها بولينيس تريد أن تدفن جثته وتحفظ له حقه الديني، فتقف متحدية السلطان الجائر وقسوة النظام.‏

ومسرحيته (نساء تراخيس) التي يشك بعضهم في نسبتها إليه تدور حول علاقة حب وغيرة بين (هرقل) البطل المعروف في تاريخ اليونان وأساطيرهم، وزوجته (ديانيرا) حيث أحب هرقل في إحدى حروبه فتاة غير زوجته، فحارب بلادها كي يحصل عليها. ولكن الغيرة تدفع زوجته بأن تقدّم له هدية هي عبارة عن ثوب مسموم ومثله للفتاة التي أحبها، فمات الاثنان، وانتحرت ديانيرا معلنة أن على المرء أن يفكر جيداً قبل أن يقدم على أية فعلة تحت تأثير عاطفته أو انفعاله.‏

ومسرحيته (أوديب) من أعظم الروائع المسرحية في تاريخ المسرح. وهي تبدأ حين يتلقى الملك (لايوس) ملك طيبة وزوجته (جوكاستا) نبوءة الآلهة من معبد دلفي عن طريق العرّاف (تريزياس)، وهي تفيد بأن لايوس إذا رزق بطفل فإن الطفل سيقتل أباه ويتزوج أمه. ويستبشع لايوس النبوءة، فيسلم الطفل إلى أحد الرعاة ليقتله. ولكن الراعي يشفق عليه، ويعلّقه من كعب رجله في غصن شجرة. (ومن هنا اسمه: أوديب أي المتورم القدمين). حيث وجده أحد رعاة ملك كورنث فأخذه ليعيش في قصر ملك كورنث كولد له. حتى إذا ما أصبح (أوديب) شاباً وعرف أنه ليس ابناً لوالديه الحاليين، ذهب يبحث عن أصله، فولج معبد دلفي فقيل له ما قيل لوالده، فهجر المدينة التي عاش فيها، كي لا تتحقق النبوءة، وغادر كورنث هائماً على وجهه، وسلك طريقاً مؤدية إلى طيبة. فصادف عربة تقل خمسة أشخاص لم تفسح له الطريق، فنشب بينه وبين مَنْ فيها عراك نتج عنه قتل أربعة من الخمسة الموجودين فيها، وفرّ الخامس. وكان بين القتلى والده (لايوس) ملك طيبة. وتابع أوديب طريقه إلى طيبة، وعند مدخلها صادف الاسفنكس وهو هولة تقطع الطريق على المارة، وتلقي عليهم لغزاً إذا حلّه الشخص انتحر الاسفنكس وإذا لم يعرفه قتله الاسفنكس. وهكذا تم قطع طيبة عن العالم، لأنها كانت تقتل كل الوافدين إليها، مما سبّب لها الوباء. وعندما جاء أوديب وألقى عليه الاسفنكس سؤاله: ما هو الشيء الذي يمشي على أربع في الصباح، وعلى اثنتين في الظهر، وعلى ثلاث في المساء؟ فأجابه أوديب: إنه الإنسان، فهو يحبو على أربع في طفولته، ويمشي على قدميه في رجولته، وعلى قدميه وعصاه في شيخوخته، ولما كانت الإجابة صحيحة فإن الاسفنكس ألقى بنفسه في البحر منتحراً. ونجا أوديب، ونجت معه طيبة التي كانت قد أعلنت، بعد قتل ملكها، أن مَنْ يخلّصها من الاسفنكس فهو الذي يصبح الملك، والذي يتزوج الملكة. وهكذا تصدق النبوءة: إذ يقتل أوديب أباه، ويتزوج أمه، دون أن يعلم. ويحكم المدينة بالعدل والعقل، وينجب من أمه (جوكاستا) ولدين وابنتين، ويظل على هذه الحال ستة عشر عاماً.‏

ولكن المدينة تُصاب في عهده بالطاعون، ويستفتي أهلها الكهنة فيجيبهم الكاهن (تريزياس) بأن السبب هو عدم انتقام طيبة من قاتل ملكها (لايوس)، ووجود القاتل طليقاً دون عقاب. فقرر أوديب البحث عن القاتل، ونتيجة البحث يكتشف أنه هو القاتل، وأنه هو الرجس الذي دنّس طيبة، وأنه سبب البلاء، لأنه قتل أباه وتزوّج من أمه. مما دفعه إلى أن يفقأ عينيه، ويخرج من طيبة هائماً شريداً. أما جوكاستا فتنحر نفسها شنقاً.‏

وفي تحليله لهذه المسرحية يرى الباحث عرسان أن هذه المسرحية ليست (أسطورة)، لأنها لا تفسر ظاهرة من ظواهر الطبيعة، ولا ترسّخ تقليداً شعبياً أو طقساً دينياً، وإنما هي حكاية شعبية ذات مصدر غير يوناني، وأنها وفدت على اليونان قبل هوميروس، وتناقلها الرواة وزادوا فيها إلى أن أصبحت كإحدى الأساطير اليونانية، لأن القدم أكسبها هذه النظرة. وقد رأينا أن آلهة اليونان نفسها وردت إليها من مصر وسورية عندما حملها أقوام هاجروا إلى اليونان من سورية ومصر وحملوها معهم تمجيداً لأجدادهم، ومع مرور الزمن تحوّل الأجداد إلى آلهة في نظر اليونانيين، كما حدث لصنمي (إساف) و(نائلة) اللذين فسقا في الكعبة فمسخا صنمين وضعهما الناس في الكعبة ليتعظ الناس بهما، ومع مرور الزمن تناسى الناس أصلهما، وقدسوهما، وأدخلوهما ضمن آلهتهم.‏

وكذلك قصة أوديب التي هي جزء من الموروث الشعبي اليوناني الذي اكتسب يونانيته بالتقادم، لأن أصلها فرعوني. وهكذا يرفض الباحث عرسان التفسير القدري للأسطورة والذي يلبّي فيه الكهنة مصالحهم ورغباتهم، كما يرفض التفسير النفسي الذي يرجع تصرفات أوديب إلى مكبوتات (عقدة أوديب) التي ترى أن الابن يتفتح جنسياً على أمه، وأنه يجد في أبيه منافساً له، ولكن الأب والعادات والأعراف الدينية والأخلاقية تحول دون تحقيق رغبته في أمه، مما يكبت هذه الرغبة في اللاشعور. ولكنها لا تموت، إلى أن تحين فرصة التخلص من الأب أو الخروج على إرادته بشكل من أشكال التمرد.‏

ويعمد الباحث عرسان إلى تفسير سياسي اجتماعي اقتصادي لأسطورة أوديب فيرى أن معبد دلفي الذي كان مصدر التنبوءات اليونانية هو مقر تجمع رجال يحاولون التحكم بمصير الشعب سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، وأن هؤلاء يتحركون لتحقيق أهدافهم من خلال الملك. وعندما يحاول شخص أن يخرج عن سيطرتهم ليتصرّف بعقله يضجّون باسم الآلهة، ويقودون الشعب باسم الدين ليزيحوا ذلك الحاكم ويضعوا مكانه أداة من أدواتهم المطيعة التي تتحرك كما يشاءوون وقد رأوا في (أوديب) حاكماً مستقلاً في حكمه على سيطرة معبد دلفي لأنه يستخدم نور عقله، وذلك ما يشكل خطراً كبيراً على الكهانة التي تعيش في ظلام الخرافة والنبوءة والغيب، فقررت تلك العصبة المختفية خلف تمثال (أبولو) أن تطمس النور الذي بدأ يبصّر العقل البشري كي لا يراها عارية تماماً، وتجّسد ذلك في العّراف (تريزياس) الذي استغل الطاعون الذي ألمّ بمدينة طيبة، فأثار الشعب ضد أوديب مختلقاً قصة مضى عليها ستة عشر عاماً دون مبرر للسكوت عليها، ليقضي بها على أوديب وينتزع السلطة منه، ويكلل أسرته بالعار. وقد نجح (تريزياس) في ذلك. وهيّأ رجلاً من أقرب المقربين إلى أوديب هو صهره (كريون) ليحلّ محلّه. وزيّن له الأمر، وأغراه بالسلطة. فسار في تيار الكهنة أداة طيعة في يدهم يحققون من خلاله ما يريدون.‏

ولقد كانت (أثينا) منتصرة في حروبها: انتصرت على الفرس في معركة (ماراثون) عام 490ق.م، ثم انتصرت على الفرس ثانية في موقعة (سالامين) عام 480ق.م وكانت بحاجة إلى السيطرة على الممرات المؤدية إلى البحر الأسود لحاجتها إلى القمح من آسيا ومصر. ولذلك قررت تشكيل حلف حوالي عام 461ق.م بزعامتها. وكانت قد بدأت مسيرة ديموقراطية مع بيريكلس تتجه نحو إقامة إمبراطورية قوية، ولذلك استعان بأموال الحلف الموجودة بين أيدي الكهنة في دلفي وبدأ ينفقها على إعمار مدينة أثينا. ولم يأبه باحتجاج زعماء دول المدن الذين كان يحرضهم كهنة دلفي بعد أن أفقدهم بيريكلس سيطرتهم على الموارد الاقتصادية، وبالتالي نفوذهم السياسي الذي اعتادوا عليه منذ أن وجدت اليونان. ولهذا بدأوا يتآمرون عليه، وبعد خمسة عشر عاماً فقط من السلام الذي كان مقرراً له أن يستمر بدأت حروب (البليبونيز) وانضمت كثير من دول المدن إلى اسبارطة، وأدرك بيريكلس أن القوة البرية في صالح عدوه (اسبارطة) ولذلك أمر بالاحتماء داخل أسوار أثينا. فأصيبت المدينة أثناء الحصار بوباء الطاعون الذي أفقد الحكومة السيطرة على الأهالي. واستفاد الكهنة من هذا الوضع فحرضوا الناس على بيريكلس، لأنهم حمّلوه مسؤولية هذه المواجهة، فأُقصي بيريكلس عن الحكم ومات عام 429ق.م من جراء إصابته بالطاعون.‏

ومن المفيد أن نذكر أن سوفوكليس كان مسؤولاً في حكومة بيريكلس في تلك الفترة، وقد تولى ما يشبه منصب وزير المالية. فسقط بسقوط بيريكلس. ولأن سوفوكليس كان في صغره كاهناً في معبد دلفي، فهو يعرف خبايا الأمور. وقد خبر الكهانة حتى عافها. فكتب مسرحية (أوديب ملكاً) حوالي عام 428ق.م ويؤكد الباحث عرسان أن مسرحية (أوديب) تناولت الحكايات الشعبية التي كانت متداولة في بلاد اليونان. ثم يجري مقارنة بين بيريكلس وأوديب يرى فيها:‏

1-أن بيريكلس حكم أثينا إثر محنة بعد انتقال الحكم من الأقلية إلى الديموقراطيين، وأنها كانت بحاجة إلى منقذ. وأن أوديب حكم طيبة إثر محنة وخلّصها من الاسفنكس في الوقت الذي كانت فيه بحاجة إلى منقذ.‏

2-دام حكم بيريكلس خمسة عشر عاماً بعد استيلائه على أموال الحلف وإعماره أثينا وتجريده الكهنة من سطوتهم. ودام حكم أوديب ستة عشر عاماً منذ أن تزوج أمه إلى أن حاصر الطاعون طيبة.‏

3-اعتُبر بيريكلس سبب البلاء الذي حلّ بأثينا. وكان سقوطه مطلباً يمثل بنظر الناس بداية انفراج الأزمة. واعتُبر أوديب الرجس الذي يدنس طيبة. وطرده منها هو الكفيل بإزالة الوباء وكشف الغمّة عن الناس.‏

4-طرد بيريكلس من أثينا وشُهرّ به فاتّهم بسرقة أموال الحلف وتبذيرها. وطُرد أوديب من طيبة بعد أن فقأ عينيه، وخرج ذليلاً إلى غابة كولونا تقوده ابنته انتيجونا، وشهّر الناس به، واعتبر الرجس الذي دنّس طيبة.‏

5-كان بيريكلس ممن يحكّمون العقل في سياستهم. وقد استخدم أوديب عقله في انتصاره على الاسفنكس.‏

6-فقد بيريكلس ولديه في الطاعون. وفقد أوديب ولديه أثناء حصار طيبة.‏

وينتهي الباحث عرسان بعد هذا كله إلى أن مسرحية (أوديب) التي كتبها سوفوكليس لم تكن أسطورة، وإنما كانت ذات صلة بالواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي في اليونان القديمة، وأنها إسقاط لحكم بيريكلس التاريخي.‏

وقد استمد عرسان تحليله هذا من كتاب عمانوئيل فليكوفسكي (أوديب واخناتون).‏

3-يوربيدس:‏

ولد في غمرة انتصارات اليونان على الفرس في معركة (سالامين) عام 480ق.م وكان أكثر التصاقاً بالواقع في نتاجه المسرحي، وأكثرهم خروجاً على التقاليد المسرحية، فقد أدخل العبيد والفلاحين إلى المسرح، وناقش قضايا عامة وعادية، وحطّم بعض الوحدات.وكان يجاهر بإلحاده، فقوبل بالاستنكار. ولم يفز بالجائزة الأولى سوى أربع مرات في حياته، وأخرى خامسة بعد حياته.‏

وقد كتب يوربيدس خمساً وتسعين مسرحية لم يصلنا منها سوى تسع عشرة، بينها ملهاة واحدة. وقف فيها جميعاً إلى جانب مدينة أثينا في محنها، ودافع عن شعبها وقضاياها، وعرف عنه كرهه لكهنة دلفي، واتهامه لهم بالتواطؤ مع اسبارطة ضد أثينا، كما شاع عنه كرهه للمرأة، وتعريضه بها، وقد ردّ بعضهم أسباب ذلك إلى أنه فشل في زواجين. وقد توفي يوربيدس عام 406ق.م بعيداً عن أثينا، وأعلن سوفوكليس الحداد عليه من فوق خشبة المسرح.‏

في مسرحيته (اندروماك) أرملة هكتور بطل طروادة التي أصبحت عند توزيع السبي الطروادي من نصيب (نيوبتوليموس) ابن آخيل الذي قتل زوجها، يهاجم يوربيدس أهل اسبارطة ويهجوهم أمرّ الهجاء، ممثلين في منيلاوس زوج هيلين التي كانت السبب في حرب طروادة، وفي هرميون العاقر التي تقترف الجرائم ولا تحترم زوجها، وفي أوريست ابن عمها، وقاتل أمه.‏

وفي مسرحية (هيكوبا) يقرر الجيش اليوناني بعد انتصاره على طروادة أن يضحّي بأصغر بنات بريام وهي (بولوكسينا) قرباناً وتحية لأخيل. ويذهب مَنْ يُحضر الفتاة من عند أمها الأسيرة (هيكوبا)، فتواجه الفتاة الموت بشجاعة نادرة أمام الجيش كله. وتُدعى الأم لتدفن جثة ابنتها، فتكتشف جثة طفلها الصغير الوحيد الباقي لها، والذي كانت قد أودعته مع ثروة كبيرة عند أحد الأصدقاء. ولا تملك إلا أن تسعى للانتقام، وهي في ذلّ الأسر والقهر، فتستدعي ذلك "الصديق" الذي يحضر متظاهراً بعدم حدوث ما يسوء، فتنتقم منه بأن تقتل طفليه اللذين حضرا معه، ثم تفقأ عينيه. وفي مسرحيته (أوريست) يقوم أوريست وأخته (الكترا) ولدا أغاممنون بقتل والدتهما (كليتمنسترا) لأنها خانت زوجها (والدهما) وقتلته بعد عودته من حرب طروادة. وإذ يقتل أوريست والدته فإنما يفعل ذلك تنفيذاً لرغبة الإله (أبولو) الذي لم ينج من تشكيك يوربيدس به. ولكن أوريست يُصاب بالجنون نتيجة فعلته، ويقلّب الأفكار والحجج التي تبعد عنه شبح الندم، فيرى أن الأم التي تخون زوجها ثم تقتله ولا تلقى من أبنائها غير الصفح ستفتح الباب أمام الفسق المستمر، وسيؤدي ذلك إلى ضياع الإنسان والأوطان، حيث سيمتنع الرجال من الذهاب إلى الحرب، لأنهم غير واثقين من زوجاتهم.‏

وفضلاً عن إدانة المرأة غير المخلصة (كليتمنسترا) التي قتلت زوجها، فإن أختها (هيلين) التي هربت مع باريس بن بريام وتسبّبت في حرب طروادة، فإن يوربيدس يبيّن أي نوع من الرجال هو منيلاوس الذي عاد يتذلل لامرأة خانته.‏

وفي مسرحيته (الكترا) يوجه يوربيدس نقداً لكل من اسخيلوس وسوفوكليس حول المسرحيتين اللتين كتباهما حول الكترا وأسلوب تعرفها على أخيها أوريست. وفي المسرحية لفتة من يوربيدس يظهر فيها عطف أوريست على أمه وعدم رغبته في قتلها. ولكن أخته الكترا تحرضه على قتل الأم. ولذلك يهاجم الندم الذي لوّح به ضميره.‏

وفي مسرحيته (الفينيقيّات) التي تقابل عند اسخيلوس (سبعة ضد طيبة) فتتداخل الأحداث التي تناولتها عند سوفوكليس بين مسرحيات أوديب الملك وانتيجونا، وهي تصوير لتنازع أخوين على السلطة هما ولدا أوديب اللذين جنّد كل منهما جيشاً للحصول على عرش طيبة. واقتتل الجيشان وذهب منهما خلق كثير. ثم اقتتل الأخوان، فقتل كل منهما الآخر عند أسوار المدينة، وآلت السلطة إلى خالهما (كريون) الذي أبعد والدهما أوديب عن الحكم، وأمر بعدم دفن جثة بولينيكيس معلناً أنه خائن لأنه استعان بجيش أراغوس ضد مدينة طيبة.‏

وأما مسرحيته (المستجيرات) فتختلف عن (مستجيرات) اسخيلوس. إنهن جوقة من الأمهات اللواتي سقط أبناؤهن وأزواجهن عند أسوار طيبة بعد أن تغلّب اتيوكليس والطيبيون على بولينيكيس والقادة السبعة الذين حاصروا طيبة. ورفض كريون حاكم طيبة الجديد السماح لأهالي آرغوس بأن يأخذوا جثث موتاهم، مما دعا الأمهات إلى اللجوء إلى أثينا للطلب من حاكمها الديموقراطي تيسيوس مساعدتهن على طيبة وحاكمها الطاغية كريون.‏

وفي مسرحيته (ميديا) يعالج يوربيدس مشاكل عائلية وإنسانية تتعلق بالحب والزواج والغيرة والانتقام، وتنجم عن الزواج بامرأتين في وقت واحد، وبخيانة المحب لحبيبته نتيجة طمع أو نزوة، ويجسد يوربيدس فيها الحقد الذي يمكن أن تصل إليه امرأة تسيطر عليها الغيرة ويحركها الانتقام.‏

ولم تكتف ميديا بأن ساعدت جاسون الذي أحبته، على سرقة الفروة الذهبية التي يملكها والدها، وفرت معه، ولكنها أيضاً قتلت أخاها ورمت قطع جسمه في وجه أبيها الذي طاردها هي وجاسون، وعندما غدر جاسون بها، وأحب ابنة الملك كريون ثارت غيرتها وغلى حقدها فقتلت الملك وابنته، كما قتلت طفليها بيديها لتجرح قلب جاسون وتنتقم منه.‏

لقد كانت ميديا عنيفة في حبها وبغضها. وفي كلتا الحالتين فتكت بأعزّ الناس عليها وولغت في دم أقرب الأقرباء.‏

4-أرسطوفان (455-384ق.م)‏

شاعر الملهاة اليونانية- ترك إحدى عشرة مسرحية وصلتنا من أصل أربع وأربعين مسرحية كتبها. ونتاجه يتصل اتصالاً مباشراً بالحياة السياسية والاجتماعية، فمسرحيته (الضفادع) تعتبر أول مسرحية نقدية في تاريخ الشعر المسرحي.‏

*‏

أما المسرح الروماني فلم يخصص له الباحث عرسان سوى سبع صفحات، مقابل سبعين صفحة عن المسرح اليوناني، معتذراً عن ذلك بأنه ليس من السهل الحديث عن مسرح روماني متميز عن المسرح اليوناني، لأن ما كتبه شعراء المأساة والملهاة الرومان كان صورة عن الأدب المسرحي اليوناني أُجريت عليها بعض التعديلات الطفيفة، ورقشت بقليل من الخصوصية الرومانية. ولا بد من الإشارة إلى أن معظم شعراء المسرح الروماني ليسوا من الرومان، وإنما معظمهم من العبيد، فسينكا وبلاوتوس، وترنتيوس، وستاتيوس، ونايفيوس ليسوا من أصل روماني.‏

ورغم أن الرومان اهتموا بالدرجة الأولى بالاستعراضات المثيرة، والمشاهد الدموية، كالصراع بين أسد وإنسان حتى الموت، أو بين عبدين حُكم عليهم بالإعدام. إلا أن ميلهم إلى الضحك كان يحتاج إلى إرواء، ووجد مَنْ يرويه بطريقة غير فنية، لذلك راجت عندهم الملاهي ذات المستوى الهابط، والمشاهد التي تعتمد على شخصيات نمطية: كالجندي النفّاج (الدّعي)، والطفيلي الجائع، وابنة الهوى، والشيخ المراهق، والخادم الذكي، والعاشق المسكين. وكثرت مشاهد التمثيل الصامت (البانتوميم) وهي الخصوصية الرومانية، بينما تلاشت الخلفيّات والأبعاد السياسية للمسرح. ولعل السبب هو كون معظم كتاب المسرح الروماني من العبيد، وقد انتقموا لأنفسهم من سادة لم يجدوهم أهلاً لأن يكونوا سادة.‏

ولم يتوقف الباحث عرسان سوى عند الكاتب الروماني سينكا الابن الذي ولد في قرطبة باسبانيا عام 4ق.م وتعرّض لغيرة الإمبراطور الروماني كاليغولا واضطهاده فترة من الزمن، حتى أعادته اغربينا والدة نيرون من منفاه في جزيرة كورسيكا ليكون مربياً لابنها. وعندما أصبح نيرون امبراطوراً عام 45م أصبح سينكا مستشاراً له. وبقي كذلك حتى عام 62م حيث لم تبق له سيطرة على الإمبراطور. فطلب اعتزال السياسة، وعاش حتى عام 65م خارج روما حتى أجبره رجال نيرون على الانتحار في ذلك العام، بتهمة التآمر على الإمبراطور.‏

وقد كان سينكا رواقياً ترك تراثاً فلسفياً. وتعتبر محاوراته ورسائله من مصادر الفكر الرواقي، كما ترك تراثاً مسرحياً تمثّل في مسرحياته: هرقل مجنوناً، الطرواديات، الفينيقيات، ميديا، فيدرا، أوديب ملكاً، أغاممنون، ثيتيس، أوكتافيا. ومن هذا التراث المسرحي يعرض الباحث عرسان مسرحية (هرقل فوق جبل أويتا) لسينكا، والتي يغلب عليها الطابع الفلسفي على الحركة الدرامية. حيث يصوّر البطل الإغريقي (هرقل) في أيامه الأخيرة، وقد عاد من آخر حروبه، بعد أن تزوج (ديانيرا) وأنجب منها. يقدم الأضاحي للإله لأنه حقق نصراً. وحين تعلم زوجته ديانيرا بأنه سيتزوج الفتاة (يولي) يدب الحقد في قلبها، وتأكلها الغيرة، فترسل (هدية) إلى هرقل هي ثوب مغموس بدم العملاق الذي قتله هو، لأن ذلك بتقديرها يخلصها من منافستها، ويبقى هرقل لها وحدها.ولكن تلك كانت خدعة العملاق الذي أوصى ديانيرا بهذا قبل أن يموت، فقد تحوّل دمه إلى قوة فتاكة تقضي على هرقل.‏

وفي مراحل احتضاره يطلب هرقل أن يُحمل إلى جبل اويتا، وأن يحرق جسده فوق الجبل، ليذوب في الوجود عبر تناسخ أرواح كان يقرّه سينكا متأثراً بالفيثاغوريين، ويطلب من ابنه أن يتزوج (يولي)، أما ديانيرا فتقتل نفسها على ما فرّطت بحق زوجها، ولم تجدِ توسلات ابنها في ثنيها عن عزمها. ويدعو هرقل البشر الذين أنقذهم، والآلهة التي وطّد سيطرتها على الأولمب، لينقذوه. ولكن دون جدوى، فيموت، وتصعد روحه إلى عالم الخلود.‏

4-مسرح العصور الوسطى وعصر النهضة:‏

ثم يلقي الباحث عرسان أضواء على مسرح العصور الوسطى، فيعرض بعض مسرحيات شكسبير، وراسين، وغوته. محاولاً تغطية موضوعه (السياسة في المسرح) منذ الإغريق والرومان وحتى اليوم. وبما أنه لا يهدف إلى تقديم كتاب يؤرخ للمسرح، فإنه يقف عند الشخصيات المسرحية الهامة، متخذاً إياها كعينات لإثبات وجهة نظره. ولهذا لم يتوقف عند مسرح القرون الوسطى ليرصد ولادته في أحضان الكنيسة على شكل حواريات يقدّم من خلالها الوعظ والإرشاد وتصوير كرامات القديسين في مسرحيات الخوارق فذلك أمر يطول، ولكن لا تفوته الإشارة إلى أن نتاج أعلام عصر النهضة، وعلى الأخص شكسبير في انكلترة، وكالديرون ولوب دي فيجا في اسبانيا، وكورني وراسين وموليير في فرنسا، لم ينفصل عن الخلفيات السياسية التي كان يعيشها، وتشغل الناس، فلم يكن المسرح ليقف على الحياد، بل أثرّ بفاعلية كبيرة في الحياة العامة، وطرح القضايا الاجتماعية ذات الخلفيات السياسية الواضحة، دون أن يجعل من نفسه بوقاً دعاوياً أو صحيفة يومية.‏

1-شكسبير:‏

وتتجلّى أعظم أعماله التاريخية في الهنريات، وريتشارد الثالث، والملك جون، وسلسلة المسرحيات التاريخية الرومانية: يوليوس قيصر، وكوريولانس، وانطوني وكليوباترة، ثم مسرحيات ما كبث، وهاملت، والملك لير..‏

أما مسرحية (مأساة كوريولانس) المأخوذة من التاريخ الروماني فقد كتبها شكسبير عام 1608 وهو في قمة نضجه. وتدور حوادثها في روما وكريولي في القرن الخامس قبل الميلاد. وملخصها أن أحد الأشراف المعروفين في روما (كايوس مارسيوس) الذي يتمتع بقوة بطولية واستقامة وكبرياء قاد حملة حربية ضد مدينة كريولي انتصر فيها وعاد بالغنائم لروما، ولذلك لقب (كريولانس) أي صاحب كريولي. وأرادوا منحه لقب قنصل، ولكن "ممثلي" الشعب وجدوا فيه خطراً على مصالحهم الشخصية، فحّرضوا العامة ضده، فأبت كبرياؤه أن يقف في الساحة وهو يرتدي ثوباً خلقاً يعرض على الناس جراحه التي أصيب بها وهو يدافع عن الوطن. وهذا موقف مَنْ يرغب الحصول على اللقب والمنصب الجديدين.‏

ولكن كبرياء كريولانس أبت عليه أن يشحذ باسم جراحه منصباً ولقباً. وعندما أثار "ممثلو" الشعب الناس ضده، تصدى لهم. فحكم عليه بالنفي من روما، فترك أمه وزوجته وطفله، وغادر روما منفياً مطروداً في الوقت الذي أوشك فيه أن يصبح قنصلاً مكافأة له على بطولاته في الحرب. الابن الوفي لروما خرج منها مطروداً، متهماً بالخيانة من قبل "ممثلي" الشعب. خرج وجراح نفسه أشد إيلاماً من جراح جسمه التي لم تلتئم بعد، فإلى أين سيذهب؟ لن يتوقّع أحد المكان الذي ذهب إليه. لقد ذهب مباشرة إلى الزعيم (أوفيديوس) خصمه في حرب كريولي الذي كان يجمع فلول جنده ليعاود مهاجمة روما لاسترداد كريولي التي كان كريولانس قد استولى عليها وضمّها إلى الامبراطورية الرومانية، فطلب كريولانس من أوفيديوس أن يقبله جندياً في صفوف جيشه، لأنه قرر أن ينتقم من روما التي نفته وأذلته، فرّحب به أوفيديوس، وسلّمه قيادة نصف الجيش. فتمكن من محاصرة روما، وهدّدها بالحرق إذا لم تسلّم بشروط مهينة. وعبثاً يهدر شيوخ روما كرامتهم ويريقون ماء وجوههم في التوسل إليه، والتماس رحمته، ولكنه لم يقبل إلا تحطيم روما التي أذلته ونبذته. وتعجز روما و"ممثلو" شعبها عن دفع خطر كريولانس، فيلجأوون أخيراً إلى أمه وزوجته وولده طالبين منهم بكثير من الاسترحام أن يلينوا قلبه. ونرى مشهداً من أعظم المشاهد المسرحية التي عرفها تاريخ المسرح بين كويولانس وأهله، عندما يجتازون الأسوار ويركعون أمام خيمته طلباً للرحمة والعطف على روما، وأمه تقول له: "لو سكتنا لنطقت ثيابنا وحالتنا عن ما يفصح عن الحياة التي عشناها منذ نفيك..".‏

وحيال هذا الموقف الصعب يلين كويولانس ويقبل الصلح مع روما مكتفياً بإهانتها بدلاً من إحراقها. وتعود أمه وزوجته وولده إلى روما. ويبقى هو بين صفوف الجيش الذي حارب معه، ويعود إلى كريولي التي شهدت مجده وانتصاره. ولكن اوفيديوس يتآمر عليه لما وجد من حب الجنود والشعب له، فيقتله، ويخاطب شعبه معبراً عن فرحه بالنصر، وهو يقف على جثة كريولانس. لقد تآمر عليه الناس في بلده، وتآمر عليه الأعداء الذين غلبهم ثم حقق لهم النصر. فهل هو على حق؟ أم الناس هم الذين على حق؟ أم أن هناك خللاً في نظام هذا العالم؟‏

لقد أراد كريولانس أن يفتتح عهداً جديداً لترسيخ قيم جديدة هي احترام الكبرياء وبغض التزلف والرياء والنفاق. وأن يقيّم الناس على أساس ما يحملونه من حب حقيقي ومن قدرة على البذل في سبيل الوطن، لا بما يحملون من قدرات على تحريك ألسنتهم بالكلام الفارغ خطباً ودجلاً ونفاقاً في التجمعات والأندية العامة.‏

وقد استفاد موليير من هذا الموقف في مسرحيته (كاره البشر) حيث جعل ألسست لا يكره البشر، وإنما يكره الدجل والزيف والكذب في العلاقات الاجتماعية لدرجة بدا عندها غريباً عن البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها. وبدا أيضاً - لصراحته- كأنه يكره المجتمع الإنساني كله. وبدا كأنه لا يمت إلى هذا العالم بصلة، وقوبل بالسخرية والاستهجان. ومن المؤسف أن ثياب الرذيلة تمتد حتى لتحجب ضوء الشمس وضوء النفوس الخيّرة الفاضلة.‏

وفي مسرحيته (العاصفة) وهي آخر مسرحية كتبها شكسبير، قبل وفاته بخمس سنين، ترتبط بوقائع حدثت في عام 1609 حين حاول بعض المستوطنين الانكليز تقديم المساعدات لمستوطنات أخرى في أمريكا المكتشفة حديثاً، فجنحت بعض السفن، وبذلك تم اكتشاف جزيرة بكر.‏

وملخص المسرحية هو أن (بروسبيرو) دون ميلانو أحب كتبه فأخلص لها وترك شؤون الحكم في دوقيته لأخيه أنطونيو الذي يحب السلطة حباً جماً، مما جعل انطونيو يطرد أخاه ويستولي على الحكم. ويتم طرده بأسلوب يجعل الناس الذين يحبونه لا يثورون من أجله، إذُ يترك على سطح مركب مخلع بلا قلوع، مؤهل للغرق، وتُربط إلى جانبه ابنته الصغيرة، كي تموت معه، لأنها الوارثة الوحيدة للملك من بعده.‏

ولكن الرياح تدفع المركب الحزين إلى جزيرة مهجورة. وهناك يستطيع (بروسبيرو) بوساطة علمه أن يسيطر على مَنْ يخدمه من الأرواح، فيكون إلى جانبه (ارييل )،و(كاليبان) الوحش الذي قيل إن ساحرة عجوز وضعته وماتت، فعاش عيشة الوحوش، وهو أشبه بحيّ بن يقظان.‏

ويحاول بروسبيرو تغيير طباع كاليبان، ويستخدمه كخادم في تحضير الحطب وسواه. ثم يسجنه ليلاً خشية منه.‏

2-مارلو:‏

يعرض الباحث عرسان للمسرحي الانكليزي كريستوفر مارلو، معاصر شكسبير، الذي كتب عدداً من المسرحيات منها مسرحية (اليهودي المالطي) التي تروي قصة أحد أثرياء اليهود في مالطة حيث يعمل تاجراً ومرابياً سعياً وراء إنماء ثروته، بقصد الاستيلاء على اقتصاد البلاد، وتسيير دفة الحكم بما يخدم مصالحه.‏

وتجري حوادث المسرحية في القرن الثاني عشر في مالطة، حيث كانت تدفع الجزية للسلطان التركي. وصادف أن تراكمت على حاكمها الديون، ولم يدفع الجزية للأتراك مدة طويلة، مما دفع بالحاكم التركي إلى إرسال رجاله ليجمعوا له الأموال. وكان أن استولى على ثروة اليهودي المالطي، فقرر الحاكم التمرد على الأتراك معتمداً على حماية الإسبان له. أما اليهودي المالطي فقد أوعز إلى ابنته بأن تدخل في سلك الرهبنة، مدّعية المسيحية، لتسرق له الأموال، وتدس السمّ للراهبات، حيث قتلت منهن الكثير قبل أن تعترف بفعلتها وتموت.‏

وحين يعيد الأتراك احتلالهم للجزيرة ينصّبون اليهودي حاكماً عليه، نظراً لخدماته التي أسداها لهم. لكنه لما كان غير مخلص لطرف فإنه يتآمر مع الحاكم المخلوع ضد الأتراك، فيدعو إلى وليمة لينفذ خطته من خلالها. ولكن حاكم الجزيرة يقضي عليه وعلى الأتراك في تلك الوليمة.‏

3-لوب دي فيغا:‏

يختار الباحث عرسان نموذجاً من الأدب الإسباني هو الشاعر الإسباني: لوب دي فيغا (1562-1635) الذي كتب أربعمئة وسبعين مسرحية.‏

في مسرحيته (ثورة الفلاحين) التي تدور في القرن الخامس عشر حين كان الخلاف على أشدّه بين فرناندو وايزابيلا الملكين الكاثوليكيين، وبين ملك البرتغال، على حكم قشتالة. وكان الفساد يعمّ البلاد في ظل الحروب الطاحنة بين العرب والإسبان حين كانت غرناطة لا تزال بأيدي بني نصر.‏

وتصور المسرحية ثورة الفلاحين في القرية على نائب قائد الفرقة العسكرية التي نزلت في قريتهم عندما تجبر وظلم، رغم أن أهل القرية قدموا له كل المساعدة. ولكنه استهان بالفلاحين، وأخذ يمارس الفسق والفجور، ويعتدي على النساء، فيغتصبهن من أزواجهن. ولأن الفلاح معروف بدفاعه المستميت عن شرفه وكرامته، لأن الأرض عوّدته على أن يكون حراً كريماً بسيطاً، فإن رجال القرية يندفعون في ثورة عارمة، فيقضون على نائب القائد. والمسرحية تصوّر روح التضامن والإيمان بحتمية انتصار النضال الجماعي من أجل الحرية والعدالة.‏

ومن مسرح عصر النهضة يختار الباحث عرسان المسرحي الفرنسي: جان راسين (1639-1699) الذي تربّى تربية جانسينية في بور رويال حيث آمن بنظرة الجانسينيين في أن الإنسان شرير بطبعه. وأنه لولا رحمة الله ما نجا من عذابه.‏

درس راسين اليونانية واللاتينية، وأتقنهما، وقرأ بهما الأدب اليوناني والروماني، وارتدى زيّ الكاهن. ثم ما لبث أن هجر بور رويال ووفد على باريس فغاص في حياة الفسق والفجور، وتعرّف على بوالو، ولافونتين، وموليير.‏

كتب راسين ملهاة واحدة هي (المتقاضون) وإحدى عشرة مأساة هي: اندروماك، بايزيد، متريدات، ايفيجينيا، فيدر، استير، آتالي، برينين، طيبة.. وكان في معظم مسرحياته يتناول الأساطير اليونانية، فيعالجها معالجة عصرية، معتمداً على العواطف التي تحرك الأشخاص، وعلى الخصوص عاطفة الحب، حتى ليمكن القول إن راسين هو شاعر الحب بلا منازع. لكنه كان يغلّب الواجب على العاطفة، والعقل على القلب، ولا عجب فهو كلاسي عريق.‏

ويتوقف الباحث عرسان عند مسرحية (مأساة طيبة) لأنها ذات طابع سياسي، ومن المعروف أن طيبة مدينة لايوس في اليونان القديمة قد نكبت ملوكها، إذ تلقت أسرة لايوس لعنة الآلهة جيلاً بعد جيل. وتلقى أوديب بن لايوس النبوءة المقدرّة فقتل أباه دون أن يعرفه، وتزوج أمه دون أن يعلم. وعندما عرف سوء فعلته فقأ عينيه، وانتحرت زوجته، وتناحر ولداه على الملك، فاتفقا على أن يحل كل منهما سنة ثم يتنازل لأخيه عن العرش. ولكن حبّ السلطة قتّال، ومَنْ ذاق حلاوتها فلن يتخلّى عنها بسهولة، ولذلك جرّد كل منهما جيشاً لمحاربة الآخر. وهنا تبدأ مسرحية راسين، حين ترسل الأم (جوكاستا) ولديها ليحقنا الدماء. ولكن دون جدوى، إذ يلتحم الجيشان. ولمّا كان (كريون) خال الولدين، طامعاً في الملك فإنه يحاول أن يُبقي نار الخلاف مستعرة، فيتحدّى أحد الأخوين أخاه داعياً إياه للمبارزة الفردية، لينتهي الأمر بينهما، دون توريط الناس في القتال.‏

ويشتبك الأخوان ويقتل كل منهما الآخر، ويسر (كريون) بهذه النتيجة التي حملت إليه التاج. ولكنه يرغب في انتيجونا التي أحبها ابنه (هيمون) الذي انتحر حقناً للدماء، ولكنها حين تعلم بموث أخويها وحبيبها تذهب لتنتحر هي الأخرى، ثم يتبعها انتحار كريون الذي ندم على ما فعل بعد أن فقد كل شيء.‏

5-المسرح الحديث والمعاصر:‏

من المسرح الحديث والمعاصر يختار الباحث عرسان أكبر كمية ممكنة من المسرحيين العالميين فيعرض لحياتهم، ويناقش بعض أعمالهم المسرحية التي لها علاقة بالسياسة، وكان اختياره على طريقة (من كل بستان زهرة) حيث اختار من كل بلد عالمي مسرحياً، ومن كل مذهب أدبي مسرحياً. فمن ألمانيا، وانكلترا، وفرنسا، وإيطاليا.. إلخ، ومن الكلاسية إلى الرومانسية، فالواقعية، فالوجودية، فاللامعقول.. إلخ.‏

فمن الأدب الألماني يختار الشاعر الكبير غوته (1749-1832) لفضله العظيم على الأدب العالمي، ولدوره العلمي والفكري والسياسي والاجتماعي الذي لا ينكر، فهو شاعر ورسّام ومخرج وممثل مسرحي ومدير فرقة مسرح فايمار لمدة خمس وعشرين سنة. ويضعه الباحث في عصره، فيتحدث عن الخلفية السياسية والاجتماعية والثقافية التي كوّنت غوته، وعن الإمارات الثلاثمئة التي شكلت ألمانيا، وعن الطبقات الاجتماعية الرئيسية: الأرستقراطية الحاكمة والمالكة للأرض وما عليها وهم الملوك والأمراء والنبلاء وطبقة الكهنوت الكنسي بما لها من أملاك ونفوذ ومصالح. والفرسان بمستوياتهم وامتيازاتهم وسطوتهم وخدمتهم للأرستقراطية بأجر، والبورجوازية كطبقة "ثورية" صاعدة تحاول أن تحصل على نوع من المساواة التي تضمن لها وجوداً.‏

وكانت الثقافة الفرنسية هي المسيطرة في ألمانيا كلها، حتى أن فردريك الأكبر ملك بروسيا كان لا يتكلم إلا الفرنسية. وكان المسرح الألماني يعيش على النصوص الفرنسية، فكان على الألمان أن يبحثوا عن أنفسهم وهويتهم وخصوصيتهم، وهذا ما نذر غوته نفسه له، وحقق فيه نجاحاً كبيراً.‏

وأول مسرحية كتبها غوته هي (نزوة العاشق) وهي مسرحية رعوية تدور أحداثها حول غيرة العاشق (إريدون) الذي يلاحق خطيبته أمينة بغيرته، رغم إخلاصها التام له، فيقضي الوقت معها في عتاب إلى أن تتدخل صديقتها إيجلة فتغري إريدون بقبلة منها، ثم تواجهه باللوم على أنه خائن لأمينة في حبه، فيستيقظ على رؤية جديدة للعلاقات بين الناس، ويعود إلى الانسجام مع خطيبته التي ما كفّت أبداً عن حبه.‏

ومن مسرحياته (الشركاء) وهي ملهاة تدور حوادثها في فندق، حيث يشكو صاحب الفندق من تصرفات زوج ابنته الذي لا يكف عن الشرب ولعب القمار دون أن يعمل. وتثور نار الهوى في قلب عاشق قديم للفتاة ينزل في الفندق أيضاً، فتواعده على أن توافيه في غرفة ليلة الكرنفال، وفي الليلة نفسها يقرر زوجها سرقة ذلك النزيل الثري (عشيقها).وهكذا تجمع المفارقة هؤلاء جميعاً في مكان واحد، فيسرق الزوج النقود ولكنه لا يتمكن من الخروج لأن صاحب الفندق حضر، ثم حضرت الزوجة فبادلت الثري الغرام على مسمع من زوجها. ويتكاشف الجميع. وتنتهي المسرحية بصفح الشركاء عن بعضهم بعضاً.‏

ومسرحية (ايفيجينيا) ابنة أغاممنون التي نجت من سكين الكاهن يوم قدّمها والدها نذراً على المذبح، لترضى (ديانا)، وتسيّر الرياح أسطول الإغريق إلى طروادة، فاستطاعت ايفجينيا أن تحوّل مصير ديانا إلى طوق نجاة، وأقنعت الملك بعدم تضحية الغرباء على معبد الآلهة، وبالإقلاع عن تلك السنّة القديمة. وتسوق إرادة الإله أبولون أخاها أوريست ليقدّم ضحية، فتتعرّف عليه. وعندما يعلم الملك بقرابته لها يعفو عنه، ويرسلهما إلى بلادهما.‏

ومسرحيته (إغمونت) تدور حوادثها في مدينة بروكسل عام 1567 إبان خضوع هولندا للإسبان. وإغمونت هو كونت فاز باحترام مواطنيه واحترام اسبانيا، لقيادته معركتين ضد الفرنسيين. ورغم أنه كان يرغب في استقلال بلاده عن الإسبان إلا أنه كان يتحيّن الفرصة المناسبة التي حلّت عندما تولى الحكم حاكم إسباني جديد بدأ في حصد الرؤوس واستعمال العنف والظلم. وعندما يحذّره إغمونت من مغبّة هذا السلوك يقبض عليه ويودعه السجن، بانتظار إعدامه.‏

وينتظر إغمونت نجدة الشعب الذي يدافع عنه، أو نجدة النبلاء. ولكن لا أحد يتحرك، فقد ألجمهم الخوف جميعاً. ويواجه إغمونت الموت على المقصلة براحة واطمئنان إلى أن دمه سيعبد الطريق إلى حرية مواطنيه.‏

ولعل أعظم مسرحيات غوته هي (فاوست)، وهي (أسطورة) شخص ألماني عاش بين عامي (1480-1540) وقيل إنه كان متعطشاً للذة والعلم في آن، ولديه طموح عظيم. وقد باع نفسه للشيطان الذي استخدمه مدة أربع وعشرين سنة مقابل تحقيق كل ما يصبو إليه من طموح علمي وإرواء لغرائزه.‏

وكان أول مَنْ تناول هذه الشخصية في المسرح الشاعر البريطاني كريستوفر مارلو (1564-1593) الذي كتب مسرحية (الدكتور فاوست) التي تناولت حياة شاب طامع يريد أن يحصل على المعرفة واللذة معاً، ويغامر من أجل ذلك، فيبرم عقداً مع مفستوفليس، ويحظى بتقبيل (هيلين) التي قامت من أجلها حرب طروادة. لكنه ينتهي إلى الجحيم حين ينتصر الشيطان عليه.‏

أما (فاوست) غوته التي كتبها عام 1773 ونشر الجزء الأول عام 1808 والثاني عام 1831 فتضعنا مباشرة أمام الدكتور فاوست الذي سئم حياة العلم، ورغب في إرواء الغرائز، فأبرم عقداً مع الشيطان (مفستوفلس) الذي أخذه إلى الساحرة التي سقته اكسيراً يعيد له الشباب، فأصبح الشاب (هنري) زير النساء، وأحب مرغريت فأغراها بالمال والهدايا. وحين آذاهما وجود أمها دست السم لأمها وقتلتها، وحملت من حبيبها فأصبحت في قبضته، وأصبح هو في قبضة الشيطان. وعندما تصدّى له أخوها قتله فاوست، فسبّب هذا فضيحة لمرغريت. وعندما تخلّى عنها (هنري) قتلت ابنها بيدها وقُبض عليها بجريمة القتل. فسُجنت بانتظار حكم الموت فيها. وقد انتظرت أن يزورها في سجنها حبيبها الذي قتلت من أجله أمها، وراح ضحيته أخوها، ولكن دون جدوى، فيختلط الجنون باليأس في حديثها. ويردد إبليس: كُتب لها الهلاك. وتردد جوقة الملائكة: كُتبت لها النجاة. وينتهي الجزء الأول من المسرحية.‏

وهكذا لم يفز فاوست بمعرفة تغنيه أو تنجيه، وجرّه الشيطان إلى مهاويه.‏

2-شيللر:‏

ثم ينتقل الباحث عرسان إلى عرض الأديب الألماني فردريك شيللر (1759-1805) الذي أسهمت في تكوينه معطيات عصر التنوير الفكرية والفلسفية، ومعطيات مدرسة العاصفة والدفع الهردرية، وحركة مارتن لوثر، والثورة الفرنسية.. إلخ.‏

وقد استخدم شيللر الكلمة بشرف ومسؤولية، من أجل الحق والحرية، ومن أجل الفقراء والمظلومين. ففي مسرحيته (اللصوص) يستخدم التاريخ فيستمد منه، مندّداً بالظلم والاستبداد، وداعياً إلى الحرية والعدالة.‏

3-ابسن:‏

ثم ينتقل الباحث عرسان إلى عرض حياة ومؤلفات الأديب النرويجي هنريك ابسن (1828-1906) الذي عاش حياته في حرب مع التقاليد والعادات والظروف السيئة في بلاده، فأمسك معول الهدم بيد، ومعول البناء باليد الأخرى، وكان أول من نادى بحرية الفكر، وحرية المرأة، ونبّه إلى أن صلاح المجتمع لا يكون إلا عن طريق صلاح الأسرة، وأن صلاح الأسرة لن يتم إلا بالاحترام المتبادل والوعي الصحيح عند كل من الرجل والمرأة.‏

في مسرحيته (بيت الدمية) أعلن ابسن ثورة المرأة من أجل حقوقها وكرامتها كإنسانة لها ما للرجل من المكانة والشخصية والرأي.‏

وفي مسرحيته (عدو الشعب) أعلن ثورته على الخداع والرياء في المجتمع، وصبّ جام غضبه على الإمعات المتلونين بألف لون.‏

وفي مسرحيته (براند) يرد ابسن على التزمت الديني، من خلال الراهب براند الذي نادى بالروحية المطلقة والتزمت العقيم، فأخفق في دعوته ولم يتبعه أحد.‏

وفي مسرحيته الرمزية (بييرجنت) يريد أن يعطي الشباب النرويجي درساً ينصّ على أن الأحلام والسلبية لا تصنع مجداً.‏

4-سترندبرغ:‏

ثم ينتقل الباحث عرسان إلى الحديث عن حياة ونتاج الكاتب السويدي أوغست سترندبرغ (1849-1912) الذي ولد لكونت تزوج بخادمة، فولدت له اثني عشر ولداً ينامون ويستيقظون على طعم الفقر والشجار بين الأب والأم، وتبادل الإهانات، حتى بلغ الطفل سن الثالثة عشرة فماتت أمه، وأصبحت زوجة الأب تجرع الأطفال العلقم. ولم يتمّ أوغست دراسته إذ اضطره الفقر إلى العمل معلماً وصحفياً وممثلاً، وكان يعاني من عقدة الاضطهاد أينما حل، فقد كان نسبه لأمه يؤرقه، فيجعله ناقماً على المرأة تارة، وعاطفاً على الفقراء والخدم تارة أخرى. وقد تزوج أوغست من مطلّقة أحد ضباط الحرس، فاستمر زواجهما أربع عشرة سنة ثم طلقها بسبب غيرته الشديدة عليها، وتزوج الكاتبة النمسوية (فريدا أوهل) لكن زواجهما لم يدم طويلاً بسبب غيرته من نجاحها الأدبي، فطلقها، ورحل إلى باريس ليعيش وحيداً. وهناك التقى الرسام غوغان وأُعجب به. ثم عاودته عقدة الاضطهاد، وأخذ يرتاب في أقرب أصدقائه، ويخشى أن يدس له السم في الطعام. فسافر إلى السويد للعلاج، وهناك تحسنت حاله قليلاً، وتزوج ثالثة من ممثّلة نرويجية أنجبت له طفلة. واستمر هذا الزواج عشر سنوات انتهى بسبب خلافهما حول تربية الطفلة. وهكذا أخفق سترندبرغ في ثلاث زيجات. فصبّ جام غضبه على المرأة واحتقرها وأصبح عدوها اللدود باعتبارها العنصر الذي يحرك الشر في العالم.‏

في مسرحيته (الأب) يتشاجر الزوج مع زوجته على أسلوب تربية طفلتهما وفي مسرحيته (الرباط) يعرض مشكلة عائلية يتجلّى فيها أيضاً الصراع بين الرجل والمرأة..‏

5-أوسكار وايلر:‏

ثم يعرض الباحث عرسان حياة ونتاج الكاتب المسرحي الإيرلندي: أوسكاروايلد (1856-1900) الذي ولد لطبيب عيون وشاعرة معروفة بعدائها للانجليز، وحبّها لتحرير وطنها إيرلندة مما جعل الابن يثور على المجتمع، ويخرج على ما تعارف عليه الناس. وقد التحق بجامعة دبلن ثم باكسفورد، حيث تعرّف على الناقد جون رسكن (وهو من دعاة الثورة على الآلهة ومن مشجعي العودة إلى العمل اليدوي) وآمن بعبادة الجمال الحسي، وأخذ بمبدأ ماثيو أرنولد القائل بإحلال الثقافة محل الدين. كما تأثر بحركة التحليل النفسي وبمذهب داروين في أصل الأنواع، وباكتشاف ماندل في الوراثة، إلى جانب تأثره بالاشتراكية الفابية. وقد تجلّى هذا كله في أدبه وفي سلوكه حيث جعل حياته سلسلة من الفضائح التي غالباً ما تنتهي بالسجن، مما جعله يغادر لندن إلى باريس حيث مكث فيها حتى وافته المنية.‏

وفن وايلد لا يلخص لأن المتعة كامنة فيه: في حواره الرشيق، وكلمته العذبة الصافية، ولمحته البارعة، وخياله الرفيع. وعادة ما يجمع وايلد في قصصه ومسرحياته زمرة من سيدات المجتمع وسادته. وأكثرهم سخفاء بلداء متحذلقون يمثلون تكلف العصر وفساد ذوقه وأخلاقه، وتجري على ألسنتهم أحاديث يفضحون من خلالها مقاصدهم ومشاغلهم في الحياة، وغالباً ما يقود وايلد إلى هذه الجماعة محدّثاً لبقاً محبوباً يسيطر عليهم بأسلوبه الطري، ونظرته الطريفة إلى الحياة، ونقده اللاذع، فتغرم به النساء رغم سوء سمعته.‏

وهو يصور نفسه على أنه بطله، أو أن بطله يمثلّه هو: كيّس، لبق، ساحر، ساخر، شغل الناس بالطرف والحذلقة، وقابل المجتمع الانكليزي المحافظ بالسخرية والإنكار، فأدخله السجن، وقضى على سمعته، لأنه لم يفهم هذا العبقري المتحذلق، وهذه ظاهرة في الشعب الإنكليزي الذي لم يعرف حتى شكسبيره إلا بعد أن قدّمه له الألمان.‏

6-وليم بتلرييتس:‏

ثم يعرّج الباحث عرسان على المسرح الإيرلندي فيختار أحد موسسيه: وليم بتلرييتس (1865-1939) الذي عانى تطور المجتمع الصناعي الذي كان يزداد تعقيداً كل يوم، وشهد تحول القيم من الروحية إلى المادية، ووقف على ما سببه انتشار الآله من بطالة، وأحس بانعكاسات هذا التطور على الذوق الأدبي والفني.‏

وكان ييتس أول مَنْ عمل في سبيل تحرير إيرلندة وتوحيد نضالها ضد انجلترة. وكان شاعراً عظيماً حتى لقد لقبه ت.س. إليوت بشكسبير القرن العشرين. وقد أنتج يتيس في ظل الفلسفة الجمالية والرمزية شعراً قوياً يستقي من الأساطير الشعبية. وساعد في إنشاء مسرح (الآبي) الإيرلندي، وأعاد المسرحية الشعرية بأسلوبه الأصيل.‏

في مسرحيته (لا شيء) يدعو الواعظ بول إلى نبذ القانون المادي الذي امتص إنسانية الإنسان، وإلى نبذ المدنية الزائفة والكنيسة، مما أثار غضب الكنيسة فطردته، فخرج يدعو إلى تعاليمه في الطرقات فتبعوه أول الأمر، وحين نهاهم عن العمل انفضّوا من حوله، ورجموه بالحجارة.‏

في هذه المسرحية تتمثل ثورة ييتس على العلم والآلة والمدنية الزائفة. وفيها تظهر نقمته على الدين، وتوقه إلى العيش بين أحضان الطبيعة.‏

وفي مسرحيته (كاتلين ابنة هوليهان) يستخدم الرمز فيدعو الشاب الإيرلندي (ميشيل) إلى تحرير وطنه إيرلندة، فيدع عروسه، وينضم إلى الفرنسيين الأصدقاء الذين يشاركون في تحرير إيرلندة.‏

ولم يكن ييتس وحده مؤسساً للمسرح الإيرلندي فهناك أيضاً: الليدي إيزابيل غريغوري (1852-1932) التي جعلت كل مسرحها في سبيل نصرة وطنها إيرلندة، وسينج (1871- ) الذي استلهم التراث الشعبي الإيرلندي في مسرحياته: ظل الوادي، الراكبون إلى البحر، زفاف السمكري، بئر القديسين، وسين اوكيزي (1880-1964) في مسرحياته: المحراث والنجوم، وجونو والطاووس، والغبار الأرجواني، وورود حمراء من أجلي، وفيها كلها يصور نضال الشعب الإيرلندي من أجل حريته. ودينس جونستون، ودونا ماك دونا، وجيمس جويس (1882-1941) مؤلف رواية (اوليسيز) ومسرحية (المنفيون).‏

7-بيرانديللو:‏

ثم ينتقل الباحث عرسان إلى المسرح الإيطالي فيختار أعظم مسرحييه: بيرانديللو (1867-1936) الذي نشأ في جزيرة صقلية، ودرس في باليرمو، ثم التحق بكلية الآداب في روما. وعلى إثر خلاف في الكلية مع أحد أساتذته ارتحل إلى ألمانيا، ليعود بعد سنتين وهو يحمل لقب دكتور في الأدب والفلسفة من جامعة بون، وقد تأثر بالفلسفة الألمانية وبفلسفة شوبنهور. ثم تزوج فتاة غنية، لكنها أفلست وأُصيبت بانهيار عصبي، وأصبحت مجنونة غيرة عليه، وأخذت تحقد على ابنتها لأنها تُعنى بأبيها، فحاولت الابنة الانتحار تخلصاً من حياتها.‏

ومن هذه الأزمة العنيفة خرج بيراند يللو بنظرة نوعية جارحة في قسوتها، وقد كتب في ذلك يقول عن زوجته: تتألف الحقيقة من حقيقتين: حقيقتها، وحقيقتي، ولا يمكنني أن أقنع نفسي بأنني أرتكب ما تظنني ارتكبته، وأني فكرت في مالم أفكر فيه، وأني آخر. ومن هنا انطلق بيرانديللويبني فلسفته الفنية، فالشخص عنده ليس واحداً، بل هو عدة أشخاص بعدد المشاهدين له. والخداع والوهم والسخرية هي التي تغلف الحياة. أما الحقيقة؟ فمن العبث أن نقطع فيها برأي. فلكل حقيقته: إنها وقتية ونسبية. ومن هنا كان مسرح بيراند يللو هو مسرح الحقائق المتضاربة التي تنتهي بنا إلى الاعتقاد بسيطرة الوهم وانتفاء الحقيقة، مسرح الفكر الساخر، والتجديد التقني، فمسرحيتيه (ست شخصيات تبحث عن مؤلف) و(الليلة نرتجل التمثيل) هما تدريبات مسرحية أمام المخرج. لكن كل شخصية تتمسك بدورها، وتنسى شخصيتها وحياتها الخاصة. تتمسك بالقناع، وتنسى الأصل.‏

في مسرحيته (لكل حقيقته) تظهر سخرية بيرانديللو من محاولة الوصول إلى الحقيقة، ومن الذين يبحثون عنها، وذلك عن طريق موظف جاء إلى مدينة صغيرة، فتناولته ألسنة الناس، يريدون معرفة كل شيء عنه: لماذا تسكن زوجه في بناية، وتسكن حماته في بناية أخرى، ولا تتزاوران؟ وتحضر الحماة إلى بيت أحد رؤوساء زوج ابنتها لتقول له إن زوج ابنتها لطيف، وإنه لا يمنع الأم أو البنت من زيارة بعضهما. لكن زوج ابنتها يخبرهم بأن حماته مجنونة، وأن ابنتها قد ماتت، وأن هذه هي زوجته الثانية. بينما ترى حماته أنه هو المجنون بابنتها التي مرضت ثم شفيت فأعادوها إليه على أنها زوجة ثانية. وعندما تحضر زوجته وتؤكد أنها زوجته الثانية تزداد الأمور تعقيداً، وتبقى الأمور دون حل.‏

وفي مسرحيته (هنري الرابع) يشترك شخص في مهرجان تنكري بملابس هنري الرابع على أنه يمثله. ثم سقط عن جواده فأُصيب بصدمة عقلية جعلته يعتقد أنه هنري الرابع فعلاً طوال عشرين سنة. ورغم أنه يشفى من جنونه بعد اثنتي عشرة سنة إلا أنه استمر في تصنع الجنون ثماني سنوات استطاب خلالها حياة الوهم، فعاش به وعليه، ووجد نفسه مجبراً على العيش الخيالي في سجنه ذاك، بعد أن قتل أحد الأشخاص.‏

وفي مسرحيته (الحياة التي وهبتها لك) أم غاب عنها وحيدها سبع سنوات، وما تزال تنتظر عودته. وعندما عاد إليها ذات يوم مات بين يديها، فلحقت به زوجته التي كان يحبها وتحبه. ولم تصدق الأم أنه مات، فبقيت تناديه باسمه وكأنه لم يمت، وفرحت بقدوم زوجته لأن ابنها يعيش في قلبها، وفي صلب زوجته.‏

8-يوجين اونيل:‏

ثم ينتقل الباحث عرسان إلى المسرح الأمريكي، فيعرض علماً من أعلامه، إنه يوجين اونيل (1888-1953) الذي ولد لأب وأم ممثلين، وقضى حياته متنقلاً في البلدان الأمريكية، وكتب ثلاثين مسرحية، ونال جائزة نوبل للأدب عام 1936، وجعل لأمريكا أدبها المسرحي بعد أن كانت تعتمد على أدب أوربا، إذ لم يكن للمهاجرين الذين تجمعوا طلباً للمال أي رصيد أدبي في الأرض الجديدة.‏

وقد تأثر اونيل بالتعبيريين، ونهل من النبع الفرويدي الذي نهلوا منه، ومن المعلوم أن التعبيرية ترمي إلى تصوير دخيلة النفس الإنسانية، وتجسيم تجارب العقل الباطن، فيعكس البطل ما في نفسه على العالم الخارجي، فلا يراه رؤية موضوعية. وكأن التعبيريين يقولون بأنه ليست هناك رؤية موضوعية ولا حقيقة علمية، فنحن نرى الأشياء ونفسر الأحداث من خلال نفوسنا المشحونة برغباتنا وتجاربنا ومخاوفنا وأفكارنا عن العالم، فالشيء الذي أراه جميلاً قد يراه غيري قبيحاً، والذي أراه خيراً قد يراه غيري شراً، وهكذا تتعدد الرؤيات بتعدد النظارة.‏

والأشياء في العالم الخارجي مرتبطة برصيد لها من الذكريات في العقلين الواعي والباطن، وهي كامنة على شكل تجارب موروثة أو مكتسبة في حياة الفرد. ومن هنا تتلّون الأشياء بلون النفس. كما استخدم التعبيريون الرموز لأنها تساعد على التعبير تلميحاً إذا لم يسعف التصريح. وتتجلى هذه المميزات في نتاج اونيل، ففي مسرحيته (القرد الكثيف الشعر) تصوير لمأساة الوقّاد (يانغ) الذي كان يعمل في أحد أفران الصلب والحديد بثقة كبيرة بنفسه يستمدها من جسمه المكسو بالشعر الكثيف. والحادث الذي أوقع يانغ في أزمة هو دخول (ملدرد) ابنة رئيس اتحاد مصانع الحديد والصلب إلى الفرن، وعندما رأته أغمي عليها وهي تصرخ: أبعدوا هذا القرد الكثيف الشعر عني. ومنذ ذلك الحين بدأ يانغ ينتبه لنفسه، وينتقم من الارستقراطيين ردّاً على الإهانة التي لحقت به من ملدرد، وبدأ يشك بنفسه وبقدرته. ووقف على القرود في حديقة الحيوان: جسماً قوياً بلا قيم. وأخيراً تحطم وفقد انتماءه للعالم.‏

في هذه المسرحية نجد مميزات المذهب التعبيري واضحة: فالبطل واحد، والحادث الخارجي الذي أثار الصراع داخل نفس البطل هو دخول ملدرد، وتطور الأحداث وتفاعلها في نفس البطل، ورؤيته للعالم ولعلاقته بالناس من خلال الصراعات والحالات النفسية في داخله، ونهايته الأليمة بعد أن تجردت روحه من كل سلاح، وعجزت عن التلاؤم مع المحيط الذي هي فيه.‏

وفي مسرحيته (الامبراطور جونز) تتجلّى أيضاً معالم المذهب التعبيري عند اونيل، فالامبراطور جونز كان في نيويورك قبل وفوده إلى الجزيرة التي نصّب نفسه إمبراطوراً عليها وقد قام هناك بأعمال مرعبة، إذ قتل شخصاً أثناء اللعب، وحاول أن يقتل حارس السجن، ثم فر هارباً، ولجأ إلى هذه الجزيرة النائية، فاستغل جهل الزنوج، واخترع، ليسيطر عليهم، أسطورة هي أنه لا يُقتل إلا برصاصة من الفضة، وأنه يملك هذه الرصاصة، وهو وحده القادر على قتل نفسه بها.‏

ويفد إلى الجزيرة رجل أبيض آخر، فيتعاون مع جونز في جمع ثروة هو الآخر، ثم يختلفان ويثور زنوج الجزيرة ضد جونز الذي ينتهي بإطلاق النار على نفسه.‏

وفي مسرحية (الحداد يليق بالكترا) يتناول اونيل موضوعاً يونانياً قديماً كان قد تناوله اسخيلوس في ثلاثيته الاوريستية، وسوفوكليس في (الكترا) يوربيدس. فحوّل اونيل الموضوع إلى مأساة عصرية، وجعل حوادثها تجري في أمريكا أوائل القرن العشرين، حيث تدس كريستين السم لزوجها القائد عزرا مانون لكي تعيش مع عشيقها، فتنتقم (لافينيا = الكترا) لأبيها، ولكن على أساس فرويدي. فهو كراهية للأم التي انتزعت الأم وهي (عقدة الكترا) المقابلة (لعقدة أوديب). والابن لا يقتل أمه لأنها موضوع حبه، بل يقتل منافسه في ذلك الحب، عشيق الأم الذي حلّ محل الأب، وتنتحر الأم من أجل عشيقها وخوفاً من ولديها. ويعيش الولدان قصة الشك وعذاب الضمير.‏

ومسرحيته (الذهب أو حيث وضعت علامة الصليب) سرد لقصة مجموعة من البحارة وجدوا صندوقاً يحتوي كنزاً من الذهب، فأخفوه، ثم عادوا إليه، فتحطمت حياتهم.‏

ومسرحية (الينبوع) رغبة في استمرار الشباب في جسد شيخ يذوي، وبحث عن (ماء الحياة والخلود)، ولكن دون جدوى. فالحياة تتجدد عبر الأجيال القادمة، والشخص يستمر في أبنائه وأحفاده، والنوع يحافظ على بقائه واستمراره. إنه الينبوع الأبدي الذي لا يعرف التوقف.‏

ومسرحية (رغبة تحت شجرة الدردار) صورة للإنسان بأطماعه وأحقاده، وشهواته وحبه للحياة، من خلال (أفراييم كابوت) الرجل المسن الذي بلغ أرذل العمر ولكنه لا يعترف بذلك، فيتزوج ثلاث مرات (الثالثة طامعة في ماله) وأبناؤه ينتظرون موته ليرثوه، وزوجته تعشق أحد أبنائه فتمارس الإثم معه، وتنجب منه. ثم تقتل طفلها لتؤكد لعشيقها حبها له، لكنها تجن، ويعترفان بجريمتهما أمام الشرطة.‏

في مسرحية (الإله الكبير براون) تفرض الحياة الأقنعة على الإنسان، ويبقى شخصه الحقيقي مخبوءاً خلف الأقنعة. وسواء جاءت الأقنعة من المجتمع أو من داخل الأشخاص تحقيقاً لرغباتهم وأطماعهم، فإنهم عاشوا حياة القناع، وماتوا ضحية القناع. وهنا (براون) مهندس ذو شهرة، ورجل العصر الناجح، يرتدي قناع رجل الأعمال المتفوق في حياته العملية، وفي أعماقه تصرخ رغبة في القضاء على (ديون) الرسام الناجح في فنه وروحانيته وعلاقته بالنساء، والفاشل في حياته العملية، حياة المجتمع الأمريكي، براون يحب مارغريت، ومارغريت تحب ديون بقلبها، ولكن عقلها يحب براون الناجح عملياً. فكيف إذا اجتمع الشباب والمال؟ والنجاح المادي والمعنوي؟ كيف إذا التقى براون الناجح مادياً، بديون الناجح معنوياً، في (شركة براون)؟‏

ولكن (براون) لا يمكن أن يتحمل منافساً، إنه وحده الزعيم، ولا زعيم سواه، لذلك يقرر القضاء على ديون.‏

وفي مسرحيته (جميع أبناء الله نمت لهم أجنحة) يعالج اونيل مشكلة الزنوج والفوارق بين البيض والسود في أمريكا. وبهذا يظل اونيل الأب الحقيقي للمسرح الأمريكي، والرجل الذي أرسى دعائمه.‏

9-بريخت:‏

ثم ينتقل الباحث عرسان إلى الحديث عن المسرح الألماني حيث يختار برتولد بريخت (1898-1956) الشاعر والمنظّر والمخرج والمؤلف المسرحي الذي لم يقتصر تجديده على طريقة التأليف المسرحي وتغيير أسلوب بناء المسرحية ومعالجة مضامين جديدة، وإنما شمل كل مقوّمات العرض المسرحي وأسلوب الأداء التمثيلي. وهذه هي نظرية (المسرح الملحمي) التي ارتبطت باسم بريخت.‏

وقد استهل بريخت حياته كثائر وجودي. وفي عام 1927 ذهب إلى كلية العمال في برلين، حيث ولد -كما يقول- من جديد، بعد أن اقتنع بأن سبيله إلى الخروج من اليأس الوجودي هو الإيديولوجيا المادية التاريخية التي تبنّاها منهج عمل، فاندفع يكتب بحماسة كبيرة مسرحيات تؤكد الأفكار الماركسية وتدعو إليها. وفي الوقت نفسه يبحث عن طريقة في الفن المسرحي تتلاءم مع النظرة الجديدة للعالم. طريقة تثير الدهشة بدلاً من المتعة، وتعلّم بدلاً من أن تسلّي، فنبذ الأساليب البورجوازية التي تعارف عليها المسرح منذ أرسطو حتى يومه، وأصبح يناشد عقل المتفرج أكثر من مشاعره. ومن أجل الوصول إلى مخاطبة عقل المتفرج لجأ بريخت إلى (التغريب) الذي يهدف إلى تحقيق عدم التوحّد بين المتفرج والممثل، بحيث لا يعيش المتفرج مع الممثل الدور الذي يمثل ويستغرق في انفعالاته، وينسى تشغيل عقله في محاكمة ما يجري أمامه من حوادث وما يعرض عليه من أمور. وتتمثل وسائل التغريب عنده في:‏

1-تفتيت متعمد في البنية الفنية للنص المسرحي، بحيث يتم عرض الحوادث بأسلوب بانورامي إلى حد ما، على عكس ما يجري في المسرح عادة، إذ يقدم بريخت حوادث عارضة أحياناً، ويجعل الشخوص تروي ما ستقوم بتحقيقه كفعل على المسرح، أو تشعر المتفرج بأنها ستقوم بفعل لا يمتّ إلى الممثل بصلة، وإنما هو فعل للشخصية التي يمثّلها. ويضع بريخت ملاحظات في النص، أو يضيفها أثناء الإخراج تؤدي إلى فصل التواصل الانفعالي كلما حدث بين الممثل والمتفرج، بحيث يبقى المتفرج باستمرار خارج دائرة الإيهام بأن ما يجري هو واقع فني، وبعيداً عن المشاركة الانفعالية والتوحد مع البطل.‏

2-اللجوء إلى استخدام المؤثرات الضوئية والموسيقية استخداماً يتعارض مع خلق جو من الانسجام الدرامي بين ما يجري على المسرح وبين المؤثر بحيث يغدو المؤثر عامل فصل لا عامل إيهام، وأحياناً يسخّر المؤثر كعامل تفسير يسهم في التبصير بما يجري. وكذلك الأمر بالنسبة للديكور المسرحي والأدوات المستعملة سواء في أسلوب رسم الديكور أو في وضع الأدوات واستعمال الأقنعة، ووضع ماكياج غير واقعي.‏

3-أسلوب الأداء التمثيلي طلب فيه بريخت ألا يعيش الممثل الشخصية التي يؤديها بحيث لا نقول إن الممثل انسجم في دوره وعاشه وأدّاه بانفعال، وأشعرنا أنه الشخصية التي يمثّلها وليس فلاناً الممثل. هذه هي أساليب (التغريب) في (نظرية المسرح الملحمي).‏

10-لوركا:‏

ثم ينتقل الباحث عرسان إلى المسرح الإسباني فيعرض لمسرح فيديريكو غارسيا لوركا (1899-1936) الذي يصوّر الريف الإسباني، ويجد فيه مواضيع موحية، بعد أن ارتبط بأرضه وشعبه، وحافظ على خيال الطفل وروح الريفي. وعندما أنهى دراسته الثانوية في مدرسة (المرية) انتقل إلى كلية غرناطة لدراسة الحقوق والآداب، وليقيم بعد ذلك في مدريد حيث تعرّف على سلفادور دالي الرسام السوريالي المشهور، وخوان رامون خيمينيث الشاعر الإسباني، وأنطونيو ماتشادو، ورافائيل ألبرتي، وفيها احتل لوركا مكانته الشعرية بين شعراء زمانه، حيث تناول الأغاني الشعبية الإسبانية وأغاني الأطفال وأعياد الميلاد وتراتيل القديسين، وصاغ كل ذلك شعراً، وحافظ في ذلك كله على جو الأسطورة البدائية والإحساس الريفي.‏

في مسرحيته (ماريانا بندا) التي كتبها عام 1924 في وقت كان فيه الحديث عن الحرية ممنوعاً، والقتال بين الجمهوريين والملكيين على أشده. وتدور أحداثها في عام 1850 وبطلتها ماريانا بندا شاركت الجمهوريين مبادئهم، وأخذت تطرّز لهم علم الثورة لأنها تحب واحداً منهم. وعندما قُبض عليها، وهُددت بالإعدام، لم تلن وحُكم عليها بالموت شنقاً، سارت إلى الموت وهي واثقة أنه الملجأ الأخير الذي يمكن أن يبلغ فيه الإنسان الحرية الحقّة.‏

ولذلك قالت: الآن أعرف ما يقول البلبل والشجر. إن الإنسان أسير ولا يمكن أن يتحرر. أيتها الحرية في الأعالي. أيتها الحرية الحقيقية أوقدي لي نجومك البعيدة.‏

وعندما وصل لوركا إلى شهرة واسعة أخذ يبحث عن ينابيع جديدة للإلهام، فسافر إلى أمريكا عام 1929 وأقام هناك كطالب في جامعة كولومبيا. وهناك عاش مع الزنوج في حي هارلم، وأخرج ديوانه الشعري (قصائد إلى ملك هارلم) صوّر فيه محنة السود.‏

ثم عاد عام 1930 فعمل على إيجاد مسرح متجول في الأرياف، وحصل على مساعدة الدولة، فأسس مسرح العربة المتجولة، وألّف فرقة من شباب الجامعة، وبدأ يطوف القرى، ويقدم المسرحيات، ويعمل مديراً ومخرجاً للفرقة التي لاقت إقبالاً عظيماً من الفلاحين في الريف الإسباني.‏

ثم سافر إلى أمريكا مرة ثانية في عام 1933 فألقى عدة محاضرات في نيويورك، واتصل برجالات الفكر والأدب في أمريكا، ثم عاد بقصيدة أهداها لوالت وتمان الشاعر الأمريكي. كما سافر إلى كوبا، ومكسيكو، وبونس آيرس، وكان يُستقبل على أنه أعظم شاعر إسباني.‏

وقد كتب مسرحيته (عرس الدم) التي يعتمد فيها على الأشعار والمناظر المسرحية والظلال المثيرة. وتدور أحداثها في الريف الإسباني حيث الحب والثأر والصراع بين شابين أحبّا فتاة واحدة. فيحظى بها أحدهما. وفي ليلة الزفاف يخطفها الآخر في ثياب عرسها، فيتصدى له العريس، وتبدأ المطاردة والثارات القديمة. وترتوي الخناجر من الدماء التي تروي الأرض والزيتون. وبهذا يصور لوركا عادات الثأر وقيمة الشرف في المجتمع الريفي الإسباني. ولم تكن الأشعار التي أُضيفت إلى النص عبئاً عليه يشل حركته الدرامية.‏

وفي مسرحيته (برلمبلين وبيليز) يصور لوركا زواج لبرلمبلين) العجوز الذي جاوز الخمسين من فتاة صغيرة (بيليزا) التي رغبت فيه طمعاً في ثروته. ولكن الشبان يحومون حولها كالفراش المبثوث، وليس لدى الزوج العجوز ما يسدّ به جوع جسدها إلى الجنس واللذة، فيرتمي أمامها منتحراً.‏

وفي مسرحيته (يرما) يصور لوركا أثر العقم في حياة المرأة، وتأثيره على الحياة الزوجية. و(يرما) زوجة عاقر تريد طفلاً. وزوجها لا يملك أن يعطيها هذا الطفل، فتتضرع، وتتوسل. ولكنها لا تحظى بوسيلة ما، حتى ترشدها عجوز إلى الخيانة، فتأبى حفاظاً على شرفها. ويسمع زوجها حديثها فيشكرها على موقفها، ويؤكد لها أنه راضٍ بها كما هي عقيمة، وأنه راضٍ بعقمه. ولكن (يرما) لا تريد أن تظل شجرة جرداء، فيستبد بها الحقد على مَنْ قتل روح الخصب فيها وعطّل إمكانيات العطاء لديها، فتنشب يديها في عنقه حتى يموت. وتصرخ قائلة: لقد قتلت طفلي بيدي.‏

ومسرحية (بيت برناردا البا) تدور حوادثها في قرية من قرى الريف الإسباني، في أسرة مكوّنة من خمس بنات عوانس فقدن أباهن، وبلغن سن اليأس من الزواج، وهن يخشين على شبابهن أن يذبل بين جدران المنزل دون أن يعرفن رجلاً. وأمهن (برناردا) تقف لهن بالمرصاد، تريد المحافظة على المظاهر، وتريد تأمين عرسان مناسبين، ولأنها ضحية المجتمع فهي تزيد من قسوتها عليهن، فتمنعهن من التعبير عن أحاسيسهن، وتتغابى عن كل ما يدور خلف نوافذ منزلها بعد منتصف الليل.‏

ويبرز الصراع قوياً بين كبراهن (انجوستياس) وصغراهن (أرديلا) على بيبي آل رومانو خيرة شباب القرية قوة وجمالاً، والذي يحب أرديلا، ولكنه خطيب انجوستياس لأنها صاحبة الثروة. وليست كل من الفتاتين تريده لنفسها وإنما كل من الفتيات الخمس تريده لنفسها، ولكن الجرأة لا تواتيهن، إذ كل منهن يستمع إلى صوت الجسد الداعي إلى إرواء الياسمين، وإشاعة الخصب في الضلوع. ولكن الخوف من المجتمع، ومن ألسنة الناس، ومن الموت وسط العار، كما يحدث لكل مَنْ تفرط بشرفها من بنات الريف يردعهن.‏

لكن أرديلا الصغيرة تندفع وراء نداء جسدها الغض، وشبابها الثائر، ودمها الحار، ولا تريد أن يذبل شبابها بين جدران البيت لتصبح عانساً تقتات الأحلام كأخواتها، فتلبي نداء الغريزة، وتلتقي ببيبي ال رومانو في الحظيرة. وحين تكتشف أختها أمرها تمنعها من الخروج. ولكن أرديلا تتحدى وتصرّ على الخروج. وعندما يحتدم النزاع بين الأختين تستيقظ الأم على الفضيحة فتطلق رصاص بندقيتها على الشاب الذي يُظنّ أنه قد قُتل، بينما هو قد فرّ هارباً. بينما تنتحر أرديلا احتجاجاً على قتل حبيبها.‏

أما الأم (برناردا) فلم تكن تهمها إلا المظاهر فتصدر تعليماتها إليهن قائلة: "لقد ماتت عذراء. احملنها إلى غرفتها، وألبسنها ثياب العذارى. ولا تقل واحدة منكن شيئاً. ابنتي كانت عذراء. وأبلغن هذا النبأ، حتى تدق أجراس الكنائس في الفجر معلنة أن فتاة بكراً قد اختارها الله إلى جواره. ولست أريد صراخاً ولا بكاء..".‏

وهكذا يصور مسرح لوركا قسوة العادات والتقاليد، وقمعها للحب والجسد. وليس من مسرحية له إلا والموت فيها من أجل المرأة، حتى ليكاد يكون مسرحه مسرح المرأة.‏

وقد قُتل لوركا في الحرب الأهلية الإسبانية عن سبعة وثلاثين عاماً، وقيل إن الأضغان والأحقاد التي حاربها في مسرحه هي التي أودت بحياته رمياً بالرصاص. ومنعت الحكومة تمثيل مسرحياته في الوقت الذي كانت فيه مسارح العالم تتسابق على تقديم نتاجه.‏

11-ألبيركامو:‏

ثم ينتقل الباحث عرسان إلى عرض نتاج ألبيركامو (1913-1960) الأديب الفرنسي الذي ولد في الجزائر، وعاش مع الشمس المشرقة وزرقة البحر، وأحس بآلام الفقراء فعاشرهم وناصرهم، وشعر بالفوارق الطبقية فثار عليها، وخاض غمار الفكر والأدب الوجودي. وقد كان أحد أبناء جيل الحزن الذين شهدوا حرباً عالمية وهم أطفال، وخاضوا غمار حرب وهم رجال، وشاهدوا المجازر الجماعية وأفران الغاز والمعتقلات.‏

في كتابه (أسطورة سيزيف) يعرض كامو للأسطورة اليونانية التي تروي قصة الإله (سيزيف) الذي خرج على حكم الآلهة، فعاقبته بأن يدفع صخرة كبيرة إلى أعلى الجبل فإذا وصل القمة عادت فتدحرت إلى السفح، فيعود إلى عمله من جديد. وهكذا يستمر عذاب سيزيف أبدياً. ومن هنا جاءت فلسفة العبث واللامعقول عند كامو، فما دام الموت نهاية كل موجود فإن كل ما نقوم به من عمل في الحياة هو عبث لا طائل وراءه. فما هو المطلوب؟ الانتحار؟ أم الاستمرار؟‏

لقد آمن كامو بالوجودية، وعلى الأخص وجودية كامو الملحدة، وتجسدت فلسفته العدمية في مسرحياته: كاليغولا، وسوء تفاهم، وفي قصة (الغريب). ففي مسرحية (كاليغولا) تصرفات غير معقولة: عقاب للمحسنين، ومكافآت للمسيئين. وفي مسرحيته (سوء تفاهم) تتصرف الأم وابنتها من خلال قسوة عدمية عابثة فتقتلان زبائن النزل الذي تديرانه، لتستوليا على أموالهم، دون أن يتحرك فيهما حسّ إنساني، حتى ينتهي بهما الأمر إلى قتل أقرب الناس إليهما. إنه الابن العائد بعد غيبة طويلة، والذي أخفى شخصيته عن أمه وأخته كي يفاجئهما بحضوره. ولكنهما قتلتاه دون علمهما. وعندما عرفتا الحقيقة آثرتا الانتحار.‏

وفي قصة (الغريب) يتصرف ميرسو بطل القصة من خلال عدمية وعدم اكتراث يمثلان العبث وتبلد الشعور. ويكتفي البطل بأن يعلّق على الحوادث من خلال ذاته المتناقضة مع العالم المحيط به، إذ أنه غريب عن العالم، أو أن العالم غريب عنه. فهو لا يكترث لموت أمه، ويبني علاقات مشبوهة مع امرأة في اليوم التالي لدفن أمه، ويطلق الرصاص على عربي بدافع من حرارة الشمس ويمثل أمام المحكمة وكأنه غريب، أو كأن الذي يُحاكم إنسان آخر غيره! وكأنما يريد كامو أن يقول إن المحكمة التي حكمت بالموت على ميرسو حكمت عليه من خلال مفاهيمها هي دون النظر إلى عالمه ومفاهيمه هو. ورغم ذلك فإن "الغريب" المنفي بين البشر، والذي لا يقاسمهم عواطفهم ينتهي به الأمر إلى الوقوع تحت ضرباتهم.‏

وفي عام 1951 ظهر لكامو كتاب (الإنسان المتمرد) ويعني بالمتمرد الذي يرفض الطاعة، ويقول لا، في وجه القوة الغاشمة، أو في وجه مَنْ يستلب حريته أو خصوصيته.‏

في مسرحيته (العادلون) تتجلّى روح كامو الإنسانية وتدور أحداثها في روسيا القيصرية حيث تجتمع فئة من الفوضويين الإرهابيين لقتل القيصر وتخليص روسيا من ظلمه. ويستقر رأي المنظة على أن يلقي كالياييف القنبلة الأولى على القيصر. ولكن عربة القيصر تمرّ ولا يلقي كالياييف قنبلة عليها، لأنه شاهد إلى جانب القيصر طفلين صغيرين. وتدور مناقشات حادة، في المنظمة، حول ذلك، ثم تُرجئ المنظمة قتل القيصر إلى فرصة أخرى. ويُقدم فيها كالياييف على إلقاء القنبلة، فيُلقى القبض عليه، ويُعدم.‏

ثم ظهرت قصة كامو (الطاعون) التي تصوّر وباء حلّ بمدينة وهران. فعمّ الغلاء والكآبة جميع أنحاط المدينة، وظهرت نوازع الشر في البشر واستغلالهم للأزمة. وبدأ الدكتور ريو حملة وقائية في القضاء على الوباء، فحالفه التوفيق.‏

وقد نالت هذه القصة جائزة نوبل للأدب عام 1957.‏

12-يونسكو:‏

ثم يختار الباحث عرسان يوجين يونسكو (1912- ) البولوني الذي استقر به المقام في باريس، عازماً على تحضير رسالة الدكتوراه (الحب والموت في الشعر الفرنسي) وقد كتب مسرحياته وشبح الموت يلاحق شخصياته. فمسرحية (الدرس) تنتهي بالقتل، و(قاتل بلا أجر) تطفو فيها الجثث وسط حوض المياه. و(الملك يموت) تدور حول احتضار ملك، وفي (ايميديا) تنمو جثة الميت حتى تملأ المكان.‏

ويونسكو مدين لفرويد والسيرياليين إذ أن تلقائيتهم الحرة في التعبير أصبحت تلقائية منظمة عند يونسكو. وهو لا ينفي هذا التأثر، بل يذكره صراحة.‏

واللغة- عند يونسكو- ليست وسيلة تفاهم بين البشر، لأنها مضللة وعاجزة عن النقل بدقة، وبالتالي فإن الفرد -عند يونسكو- وحيد، منبوذ، محكوم عليه بالعزلة والألم وانتظار الموت. والناس في مسرحه - لا يتفاهمون ، فالأستاذ في مسرحية (الدرس) يطعن تلميذته ليفهمها أن السكين تُستعمل للقتل، بعد أن عجزت اللغة عن التعبير، والحوار في (المغنية الصلعاء) غير مفهوم، فالشخصيات تنطق بكلمات لا معنى لها، بل إنه ليست هناك مغنية صلعاء مطلقاً.‏

ويونسكو يهاجم منطق أرسطو، ويحطم القواعد الفنية للبناء الدرامي في مسرحه، فلا الشخصيات تعرف قضيتها، ولا الحوار يؤدي إلى التفاهم، ولا الحوادث مصوغة بقالب مشوق، وليس هناك من عقدة أو حل أو قضية للنقاش، ذلك أن يونسكو يعتبر الأدب المسرحي تراجيديا كلاسية أو قصصاً بوليسية. وهو يهاجم الواقعية والتعليمية والالتزام. ومسرحه دائماً خارج حدود الزمن. وهو يصل في تحطيم شخصياته إلى حد أنه يسمّي كل الناس باسم (بوبي) و(واطسن) في مسرحيته (المغنية الصلعاء). وحينما يجعل الزوجين اللذين حضرا لزيارة معارفهما يبدآن تعارفاً جديداً بينهما. وتعقد الدهشة لسانهما عندما يعرفان أنهما يعيشان في الغرفة ذاتها. وكل شيء في مسرح يونسكو ممكن: فالقبعة تصبح جواداً، والإنسان خرتيتاً، والجمهور كراسٍ، والخطيب أصم أبكم.‏

في مسرحيته (فتاة في سن الزواج): رجل وامرأة يجلسان على مقعد في حديقة عامة، ربما كانا زوجين، المرأة تحدّث الرجل عن ابنتها الثانية التي هي في سن الزواج، ثم ينتقل حديثهما -الذي تبدو فيه الرصانة والعقلانية- إلى متاعب الحياة العامة، وغلاء الأسعار، واختلاف أوضاع الناس عن العهود السابقة. وبين الحين والحين تذكر المرأة ابنتها التي هي في سن الزواج وتشيد بمحاسنها. وأخيراً تظهر الفتاة، فإذا هي رجل كامل الرجولة، في الثلاثين من عمره. بينما تصرّ المرأة على أن ابنتها -الرجل- لا تتجاوز الثالثة والتسعين.‏

وفي مسرحيته (مشاجرة رباعية) ثلاثة رجال وامرأة في شقة عادية. الرجال يرتدون ملابس متشابهة حتى لا نكاد نميّز أحدهم عن الآخر. ويتشاجر اثنان منهم ثم يتدخل الثالث بجدل سفسطائي: كيف يمكن أن نتحدث دون أن نقول شيئاً. ويعلن كل منهم أن المرأة خطيبته، ثم يتخاطفون أشياءها وملابسها وبعض أطرافها. وفي النهاية تتقدم سيدة جميلة من الجمهور، بساقٍ واحدة، ودون يدين، لتقول: سيداتي سادتي. إنني متفقة معكم تماماً. هذا غباء مستحكم. وتنتهي المسرحية.‏

13-بيكيت:‏

كما يختار الباحث عرسان من مسرح اللامعقول فارساً آخر غير يونسكو هو: صمويل بيكيت (1906-) الإيرلندي الذي عاش في باريس. وكان من أقطاب مسرح اللامعقول، حيث لا يجد المتفرج على المسرح عرضاً لمشاكل ولا حلولاً لها، وإنما رفض للشكل والمضمون المسرحي. في مسرحيته (في انتظار غودو) التي عرضت في باريس لأول مرة عام 1953 "لا أحد يأتي، لا أحد يذهب" أثارت عاصفة من النقد لأنها استطاعت أن تلغي تقاليد المسرح السابقة، فليس فيها سوى شخصيتين: استراغون، وفلاديمير. وهما ينتظران في الطريق حضور (غودو) تحت شجرة عارية.‏

فَمنْ هو (غودو)؟ الوهم؟ المجهول؟ الانتظار؟ الأمل المتجدد؟ المسيح المخلص؟.. ثم يظهر شخصان آخران هما: بوزو، ولكي. الأخير مربوط بحبل في عنقه وهو يحمل سلة وكرسياً وحقيبة للأول. وهما يرمزان للسيد والعبد، أو إلى الروح والجسد. وعند انقضاء اليوم يأتي مَنْ يخبرهما بأن (غودو) سيحضر غداً.‏

وقد عُرضت هذه المسرحية على أكثر مسارح العالم، وتُرجمت إلى أكثر من عشرين لغة، وأصبحت علماً على مذهب اللامعقول لأنها تتضمن خلاصة الفكر الوجودي.‏

وفي مسرحيته (لعبة النهاية) التي تجري أحداثها في حجرة تشبه رحم الأنثى، ولها نوافذ تشرف على البحر والسماء. فيها (هام) مقعد على كرسي، وتابعه (كلوف) الذي يحاول أن يذهب فلا يستطيع. وصحيفتا قمامة فيهما (ناج)، و(نل)،وقد دفنا حتى منتصفيهما. وهما والدا (هام). والمسرحية تخلو من الحركة، يتحدّث فيها هام تارة مع نفسه وتارة مع تابعه،وتارة مع والديه. ثم يحدّق في المدى البعيد عبر النافذة ليرى هل جاء الطفل/ المخلص؟‏

والمسرحية معاناة للعقم والتفاهة. وفي نهايتها يعلن كلوف أن الطفل قد جاء. وبذلك يعلن عن استمرار الإنسانية في الحياة.‏

14-جون اوزبورن:‏

ثم ينتقل الباحث عرسان إلى الحديث عن مسرح (الغضب الانكليزي) من خلال ممثله: جون اوزبورن (1929-) زعيم الجيل الغاضب في بريطانيا، والذي كتب مسرحية (انظر إلى الخلف بغضب) التي أحدثت ضجة كبرى، إذ أن بطلها الشاب (بورتوجيمي) تعصف به الثورة، فيتزوج فتاة بورجوازية، رغم ممانعة أسرتها. فيعاملها بشراسة، ويصّب نقمته عليها وعلى أسرتها وطبقتها وجيلها. فتهجره. ثم تعود إليه.‏

ويرى الباحث عرسان أن شهرة اوزبورن لم تعتمد على كفاءة إبداعية، وإنما على تواقت مع ظروف الجيل المتعب، تماماً كما وصلت الكاتبة الفرنسية فرانسوا ساغان إلى الشهرة لا بموهبة أصيلة بل بعوامل عارضة.‏

ولم يكن اوزبورن وحده ممثل جيل الغضب في الأدب الانكليزي بل كان هناك إلى جانبه: هارولد بنتر، وجون آردن (1920-)، وجون مورتيمر (1923-).‏

15-ديرينمات:‏

ثم ينتقل الباحث عرسان إلى ألمانيا حيث يعرض حياة ومسرح الكاتب الألماني فريدريش ديرينمات (1921-) الذي ولد في سويسرا، ودرس اللاهوت والفلسفة بجامعتي زيوريخ وبارن. ثم كتب مسرحياته.‏

في مسرحيته (رومولوس العظيم) يقول إن مسرحيته هذه كوميديا تاريخية ليس لها أساس تاريخي. وهي عن (رومولوس) آخر امبراطور روماني تولّى عرش روما وحكمها حتى سقطت على يديه عام 476م. وقد اتخذ ديرينمات من هذه الفترة، حيث زحف الجرمان على روما موضوعاً لمسرحيته. وجعل رومولوس يهتم بتربية الدجاج، ويهمل شؤون الإمبراطورية، حتى لقد أطلق على كل دجاجة اسماً من أسماء أباطرة روما السابقين. وقد باع تماثيل الأباطرة لأحد تجار التحف بالجملة، وقدّم الخمر للمتآمرين عليه، وأبى أن يزوج ابنته من مليونير عرض عليه إنقاذ روما. وأبى أن يهرب من وجه الجرمان عندما وصلوا إلى قصره. وهو يرى أن روما قد ماتت منذ زمن بعيد، منذ أن استباحت دم الإنسان في مستعمراتها لتغذّي مجدها وسلطانها، ومنذ أن أهملت غايتها كإمبراطورية عظمى تحافظ على حرية الإنسان وحياته وكرامته. ولهذا قرر رومولوس أن يكون قاضيها ومحطمها ومخلّص البشرية من تضخّم عظمتها. أراد أن يخلص أبناءها منها، فلم يجد وسيلة أنفع من أن يقتل روحها في شخصه، فقرر أن يموت ليحطم روما. ولهذا عاش بعبثية كإمبراطور، فأهمل شؤون الحكم، وربّى الدجاج، فاتهموه بالجبن، وقالوا إنه عار على روما. وقابل ذلك كله بابتسامة بلهاء، لأنهم كلهم مجانين، وهو العاقل. ولا يمكن إنقاذ الموقف إلا بادّعاء الجنون أو البله.‏

وفي مسرحيته (زواج السيد ميسيسبي) تظهر الحقيقة بعيدة عن الوصول إليها، كما لا يمكن الوصول إلى حل لقضايا العالم: فالنزاع بين الروح والجسد يُستغل سياسياً فيصبح نزاعاً بين معسكرين يمثل كلاً منهما شخص: المعسكر الغربي يمثله السيد ميسيسبي القاضي العام الذي انتشرت شهرته في العالم، رغم أن أصله بواب ماخور، و(صديقه) سان كلود الذي كلف بمهمة إشعال الثورة وقلب نظام الحكم، وينشب الصراع بينهما حتى يقضي كل منهما على الآخر، دون أن يصلا إلى الحقيقة، أو إلى حل لمشكلات الإنسان في القرن العشرين.‏

ومسرحيته (زيارة السيدة العجوز) تُقرأ -أيضاً - على مستويين: عادي ورمزي. فـ(كلارا) فتاة أحبت فسلمت نفسها في لحظة طيش لحبيبها ألفريد وعندما شعرت بالجنين يتحرك في أحشائها،وأعلمت حبيبها بالأمر تنكّر لها. فذهبت إلى المحكمة، لكن ألفريد استطاع أن يشتري شاهدي زور بكأسي خمرة، فسقطت نسبة الجنين إليه، ووضعت كلارا في عداد الساقطات. وحين صوّب الناس إليها عيونهم وألسنتهم اضطرت إلى مغادرة القرية، وما أن غاب عنها آخر بيوت القرية حتى قررت أن تعود يوماً وتنتقم من أهل القرية، ومن ألفريد بالذات.‏

وباعت كلارا جسدها لمن يطلب اللذة. وأغرت الأغنياء والأقوياء، وتزوجت فورثت، وأصبحت صاحبة الملايين. وملكت العالم: العقول، والأقلام، والرأي العام. والصحافة وأجهزة الإعلام. وأصبح كل شيء في خدمتها بعد أن قضت خمسة وأربعين عاماً تعدّ العدّة للعودة: "لقد جعلت مني الدنيا عاهرة، فلأجعلنّ منها داراً للفجور".‏

وقد عادت لتشتري العدالة، فاستقبلها أهل البلدة الفقراء، وعندما وعدتهم بالمال، وأوضحت لهم ما تريد، وعرفوا أن المليون الذي تعدهم به ستدفعه ثمناً لجثة ألفريد، تظاهروا بالشمم، ولكنهم -بسذاجة- بدأوا يستدينون وتبدو عليهم علائم الرفاه، وكأنهم لاشعورياً لا يقاومون إغراء المال، فقروا بيع ألفريد. وعندما حاول الهرب وقف أهل البلدة جميعهم سدّاً في وجهه، يمنعنونه، ويتمسكون به ضحية بين أيديهم، ومصدر ثراء لهم، وكبش فداء يقدمونه للسيدة العجوز. وتموت ضحية اليوم، وجلاّد الأمس بالسكتة القلبية، بعد إعلان قرار مجلس المدينة الحكم عليه.‏

وفي مسرحية (هبط الملاك في بابل) مزج بين الأسطورة والواقع، والشعر والتجربة، والسياسة وتقلباتها على الإنسان المسكين في أرض البشر. وتدور حوادث المسرحية في مدينة (بابل) القديمة الحديثة، حيث البنوك والقوانين، والمصاعد الكهربائية، والسياسة، والخير والشر.. إلخ، وفيها يأمر الملك بجمع الشحاذين في المدينة وتوظيفهم حتى لا يبقى فيها فقير، وكي يعم الرخاء والرفاه. ولكن شحاذاً واحداً يدعى (عاقي) يرفض أن يترك مهنته ليصبح موظفاً وتفشل جميع الجهود لإقناعه.وفي تلك الأثناء يهبط الملاك ومعه هدية من الخالق هي فتاة جميلة أرسلتها السماء إلى أفقر شحاذ. فيستحوذ عليها الملك ويهيم الناس بحبها، فينشدون الأشعار متغنين بجمالها، ويقررون تنصيبها ملكة وإجبار الملك على الزواج بها. وتقبل الفتاة الزواج ولكن من أي شحاذ في المدينة، أو من أي غني يستطيع أن يتخلّى عن ثروته ويصبح شحاذاً. ويحجم الناس، ثم يطالبون بطردها، ويأمر الملك بقتلها.‏

والواقع أن الباحث عرسان قد استطاع أن يجمع في كتابه هذا قمم المسرح العالمي مكتفياً بقمة واحدة تمثّل بلاداً أو مذهباً أدبياً. والمطلوب هو وضع كتاب مثيل له عن (المسرح العربي).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244