وجوه الماس البنيات الجذرية في أدب علي عقلة عرسان - محمد عزام

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:48 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

2-الظواهر المسرحية عند العرب

1-الظواهر المسرحية في الحضارات القديمة.‏

11-الظواهر المسرحية عند عرب الجاهلية: (1-الطقوس الدينية- 2-الاستسقاء-3-المنافرة).‏

111-الظواهر المسرحية في الإسلام (1-مجالس الغناء- 2-مجالس المندّرين والمحّمقين -3-مجالس القصاصين-4-المقامات 5-الإسراء والمعراج-6-حلقات الذكر الصوفية -7-عاشوراء 8-المولد النبوي 9-خميس المشايخ 10-عيد النيروز. 11-الحكواتي -12-الكرّج.‏

***‏

2-الظواهر المسرحية عند العرب‏

الدعوة إلى تأصيل المسرح العربي واستلهام التراث في المسرح المعاصر، ينطوي على خصوصية عربية، ليس في المضمون والمعالجة وتناول الحوادث والشخوص وتصوير البيئة في المسرح فقط، بل وفي البنية والتقنيات المسرحية، فلقد تجاوزنا المرحلة الأولى في الدعوة إلى تأصيل المسرح العربي التي كانت تعتمد على استلهام (المضامين) التراثية إلى المرحلة الثانية التي تستلهم (الأشكال) المسرحية التراثية، وليس كتاب (الظواهر المسرحية عند العرب) 1981 للباحث الدكتور علي عقلة عرسان سوى تتبع جاد وعرض واف لهذه (الأشكال) والظواهر المسرحية عند العرب، منذ العصر الجاهلي، وحتى مطلع العصر الحديث.‏

والباحث عرسان لا يرى أن نهجر (الشكل) العالمي المتعارف عليه اليوم للمسرحة، من أجل تحقيق التأصيل المسرحي، بل هو يدعو إلى الاستفادة مما هو موجود في حياتنا وتراثنا وأدبنا من خصوصية فنية. وإلى التجريب بعقل مفتوح في اتجاهات تأصيل وتطوير وتحقيق خصوصية تامة، في الوقت الذي نحقق فيه وجوداً ملموساً ومتطوراً في الإطار العالمي للبنية المسرحية.‏

وإذا كانت المقومات الرئيسية للدراما لا تخرج عن عناصر ستة هي:‏

النّص، والإخراج، والتمثيل، والمناظر، والجمهور، والمكان، وأن لكلٍ من هذه العناصر مقوّماته ومواصفاته، وأن العرض الناجح لا بد أن يُحدث في الجمهور تأثيراً يتجلى في الإمتاع، أو نقل حصيلة خبرة إنسانية، فإن (الظواهر) المسرحية عند العرب قد توافرت في بعضها بعض هذه العناصر الفنية، من مثل الممثل الذي يجسّد حادثة ما بإعادة تقديمها، معتمداً على الكلام والحركة، والمكان الذي يستقطب فيه الأنظار، والمشاهدون الذين يتابعون ما يجري أمامهم.‏

وقد استعرض الباحث عرسان الظواهر المسرحية: في الحضارات القديمة، وفي العصر الجاهلي، والعصر الإسلامي..‏

1- الظواهر المسرحية في الحضارات القديمة:‏

ففي مصر الفرعونية نجد المسرح يتخذ شكل ظاهرة احتفالية طقسية جماهيرية عامة، تشارك في أدائها جموع الناس إلى جانب الكهنة في أحضان الدين. وتتضافر فيها ثلاثة مقوّمات للمسرح هي: الرقص بنوعيه الديني والدنيوي، والغناء والموسيقا، ومشاركة الجمهور في الأداء، وينتهي بالمقابر على شاطئ النيل، مروراً بالشوارع والساحات. وينفعل الجمهور بعمق مع تلك العروض لأنهم ينظرون إليها بكثير من التقديس والاحترام. ويتجلّى هذا في النصوص الفرعونية: إيزيس واوزيريس، وحور، ومسرحيات التتويج.. إلخ.‏

وفي اليونان تلاحمت في نشأة المسرح عناصر الموسيقا والرقص والغناء خلال أداء الطقس الديني، وكوّنت قوام الاحتفالات الديونيزوسية أو الباخوسية، وهي احتفالات سنوية كانت تقام في اليونان القديمة إحياء لذكرى الإله (باخوس) أو (ديونيزوس) إله الخمر والكروم. وهي احتفالات دينية، ثم تطورت إلى (الديثرامب) Dithramp وهي كلمة يونانية كانت تطلق على نوع من الشعر يغنيه فريق من المنشدين (جوقة = كورس). وهذا الشعر المسرحي هو الأصل في نشأة المسرحية. ويطلق على هذه الأناشيد اسم (الأناشيد العنزية)، لأن منشديها كانوا يرتدون جلود الماعز أثناء الإنشاد. وهي عادة ورثوها عن (ديونيزوس أو باخوس) أبي الأناشيد العنزية الذي كان يطوف البلاد مرتدياً جلد الماعز، وقد رضع في طفولته من العنزة. كما كان الأتبّاع يقدمون له قرابين من الماعز. وهكذا كانت الأناشيد العنزية (الديثرامب) هي الأصل في تسمية (التراجيديا) المؤلفة من كلمتين: تراغوس Tragos أي ماعز، وايدي Odehy أي أغنية.‏

ثم تطورت أناشيد الديترامب على أيدي شعراء التراجيديا في اليونان، فأدخل تسبس رئيس الجوقة الذي يتبادل الحوار مع الجوقة، كما أدخل اسخيلوس الممثل الأول، وأدخل سوفوكليس الممثل الثالث والرابع.‏

أما أماكن تقديمها فقد كانت المعابد، والساحات العامة، وعلى سفح جبل الأكربوليس حيث بنيت المسارح فيما بعد.‏

*‏

أما في الهند فقد نشأ المسرح من مجموعة من الرقصات التي تعبّر عن مظاهر العبادة وكان لكل مناسبة رقصة: فرقصة (اللامات) تدعو إلى إقامة دعائم السلم في العالم، وهنالك رقصة اللصوص عندما ينتصرون، ورقصة المزارع حين يبذر الحب أو يهطل المطر، ورقصة الصيد.. الخ.‏

وقد ارتبط الرقص عندهم بالدراما ارتباطاً وثيقاً، كما ارتبط إنشاد نصوص الكتب الدينية المقدسة وتلاوة الأشعار الأسطورية بالدراما أيضاً.‏

وأما في اليابان فقد نشأت أنواع عديدة من المسرح منها: مسرح الكابوكي، ومسرح النو. فالكابوكي مزيج من الأغاني والرقص والتمثيل، وهو عزيز في وجدان الشعب الياباني، ويؤدي الأدوار فيه رجال قد اعدّوا للتمثيل منذ الطفولة، وتدّربوا تدريباً قاسياً. وأما مسرح النو فتؤديه جماعة من المنشدين بمصاحبة آلات (الفلوت) وقرع الطبول.‏

2- الظواهر المسرحية عند عرب الجاهلية:‏

وتتجلّى في الطقوس الدينية، وصلاة الاستسقاء، والمنافرات.. إلخ.‏

1-الطقوس الدينية:‏

كانت لدى عرب الجاهلية طقوس دينية يتقرّبون فيها من الآلهة. وتتألف من رقص وإيقاع وغناء ودعاء. وتُقدّم في احتفالٍ جماهيري عام. وقد جاء في القرآن الكريم: -"وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية"- أي صفيراً وتصفيقاً ورقصاً. وجاء في (المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام) لجواد علي أنهم كانوا يطوفون في البيت عراة، وهم مشبكون بين أصابعهم، يصفّقون ويصفّرون(5/359).‏

وللحّج في الجاهلية طقسه الخاص، فإذا كان الحج في شهر ذي الحجّة خرج الناس إلى مواسمهم وشعائرهم الدينية. وكانت لكل قبيلة تلبيتها الخاصة: فقبيلة نزار كانت تقول إذا ما اهلّت:‏

لبيّك اللهم لبيّك‏

لبيك لا شريك لك إلا شريك هولك‏

تملكه وما ملك (الأصنام لابن الكلبي -ص7)‏

وكانت قريش تطوف وتقول:‏

واللاّت والعُزّى ومناة الثالثة الأخرى، فإنهن الغرانيق العُلا، وإن شفاعتهن لتُرتجى (المصدر السابق ص21)‏

ويورد ابن الكلبي في كتابه (الأصنام) أسماء الأصنام المعروفة في الجاهلية، وهي:‏

1-مِنى: وكانت تدين لها ثلاث عشرة قبيلة.‏

2-الغبغب: وهو صنم قضاعة.‏

3-والأقيصر: وهو صنمٌ كانت تعبده هوازن.‏

4-والعُزى، ونَسْر: وقد جاء ذكرهما في القرآن الكريم -"وقالوا لا تذرُنّ آلهتكم، ولا تذرُنّ ودّاً ولا شُواعاً ولا يغوث ويعوق ونَسْرا"- (سورة نوح -الآية 23) وكانوا يطوفون حول هذه الأصنام ويلبّون، ويغنّون، بعد أن يحلقوا رؤوسهم، ويقدمون لها الأضاحي والقرابين.‏

5-وَدّ: عبدته بنو كلب من قُضاعة بدومة الجندل على مشارف الشام. وكان إلهاً للمعينيين، وعُرف باسم (عنتر) وكان على صورة رجل، وقيل إنه (ألمقه) أي المنير عند السبئيين.‏

6-شُواع: عبدته هذيل. وكان على صورة امرأة. ومكانه في ينبع قرب المدينة.‏

7-يغوث: عبدته طيء. وكان على صورة أسد.‏

8-يعوق: عبدته خيوان، وهو على صورة فرس. وكان على بعد ليلتين من صنعاء مما يلي مكة.‏

9-نَسْر: عبده آل ذو الكِلاع من حمير. وهو على صورة نَسْر.‏

10-مَناة: أقدمها. وقد نُصب على شاطئ البحر الأحمر بقُديْد، بين المدينة ومكة. وقد عبدته الأوس والخزرج.‏

11-العُزّى: وهي سَمُرات مكانها وادٍ من نخلة الشآمية يُقال له: حُراض. عبدته عرب الشام والعراق والنبط والصفويون. وقيل إنها نجمة المساء. ويراد بها كوكب (الزهرة) ويقال إن الأنباط اتخذوا لها معبداً في بصرى عرف بـ (بيت إيل) وقد قدم لها ملوك الحيرة القرابين البشرية. وعبدتها قريش وغَطفان وجُشم وباهلة وخزاعة ومضر وبنو كنانة. (وألمقه) تعني بلغة حميْر (الزّهرة).‏

12-اللات: وهي صخرة من الغرانيت عبدها بنو ثقيف بالطائف، وهي من آلهة الأنباط. وقد عُبدت في حوران وتدمر.‏

13-هُبَل: وهو من عقيق أحمر على صورة الإنسان مكسور اليد اليمنى. وقد جعلت له قريش يداً من ذهب. وكان من أعظم أصنامها عند مجيء الإسلام.‏

14-ذو الخَلَصَة: مروة بيضاء عليها كهيئة التاج، كان بتبالة التي في اليمن ببلاد دوس. عبدته خَثْعم وبجيلة وأسد السراة في هوازن. وقد هُدم في الإسلام.‏

15-إساف ونائلة: صنمان كانا عند الكعبة، يُقال إنهما رجل وامرأة من جرهم فسقا في الكعبة، فنصب الناس لهما تمثالاً شرٍّ. ثم عبدا مع الزمن.‏

16-سَعْد: صخرة على ساحل جُدّة.‏

17-ذو الكفين، والأقيصر، وشعير، وعائم، ونُهم، ورِئام، وذو الشرى، وفَلْس، ومَناف، وبَعْل.. إلخ.‏

وكانت الشعائر الدينية تقتضي الرقص حول هذه الأصنام، والغناء أمامها، والطواف بها، وكانت أعظم أصنام العرب في مكة، وموسم حج القبائل إليها يقتضي ارتداء ملابس معينة، والانتظام في جماعة، في زمان ومكان معينين، وهذه الاحتفالات الدينية الجماعية تحتوي على مظاهر ومقوّمات مسرحية.‏

2-الاستسقاء:‏

وهي صلاة احتفالية دينية متصلة بظرف حياتي، فحين أصيبت أرض عاد بالقحط جاءت تستسقي في مكة، وعلى رأسها (القَيْل) وهم يصلّون، ويقرعون الطبول، ويبكون، ويقدّمون الذبائح تقرّباً وتكفيراً، وكثيراً ما كانت تُقدم ذبائح الاستسقاء عند (مناة) كأنها آلهة النوء والمطر. وكان من عادة أهل مكة في الاستسقاء أنهم إذا أجدبوا خرج من كل بطن منهم رجل، ثم يغتسلون بالماء ويتطيّبون، ثم يلتمسون الركن، ويطوفون بالبيت سبعاً، ثم يرقون، أبا قُبيس، فيتقدم رجل منهم يكون من خيارهم ومن رجال الدين فيهم، فيدعو الله، ويستغيث طالباً الرحمة والغوث.‏

وقد ورد في كتاب (الحيوان) للجاحظ أن العرب كانوا إذا اشتد عليهم الجدب، واحتاجوا إلى الاستمطار، اجتمعوا وجمعوا ما قدروا عليه من البقر، ثم عقدوا في أذنابها وفي عراقيبها السلع والتضرّع، فكانوا يرون ذلك من أسباب السقيا.‏

وهذا الطقس الجماعي فيه ما يشبه الجوقة (الكورس) وقائدها، حيث يقوم شخص مختار هو رجل دين حصراً، بالدعاء والاستغاثة، بينما يردّد الآخرون قوله، ويوقّعون كلماتهم وحركاتهم على إيقاع الدفوف أو ببعض الأدوات مثل القدور النحاسية والملاعق وسواها مما يشكّل مؤثرات صوتية ملائمة وضخمة التأثير، تتداخل مع أصوات المستغيثين الذين يطلبون رحمة الله بإرسال المطر، بما يتوافر في التعبير من خشوع واستجداء وانفعال عاطفي صادق.‏

وهذه ظاهرة مسرحية فيها هدف الفن، وبعض مقوماته، وأساليب توصيله، وتأثيراته الاجتماعية، وهذا يذكرنا بالجوقة ورئيسها في الطقوس الفرعونية.‏

وقد استمرّ هذا الطقس الجاهلي في الإسلام، وبيّنت الأحاديث النبوية الشريفة أنه سنّة، وأنه دعاء وصلاة. وقد استسقى النبي صلى الله عليه وسلم لمضر فأُغيثوا حتى شكوا إليه كثرة المطر.‏

وما يزال الناس حتى يومنا هذا يمارسون هذا الطقس الديني الجماعي، فيخرجون إلى الفلاة للاستسقاء، أو في المساجد، يرافقهم الشيوخ المسنّون، فيهلّلون، ويستغيثون، والدموع ملء المحاجر، وهم ينادون: يا مغيث أغثنا.‏

3-المنافرة:‏

وهي أن يفتخر الرجلان كل منهما على صاحبه، ثم يحكّما بينهما رجلاً. كما فعل علقمة بن عُلاثة مع عامر بن الطُفيل حين تنافرا إلى هرم الفزاري. وكذلك منافرة بني فزارة مع بني هلال. ومنافرة الفقعسي مع ضمرة. وغيرها كثير.‏

والمنافرة هي المفاخرة بالأحساب والأنساب والمنعة والعزة والكرم والجاه وما شاكل ذلك من خصال. وهي تستفزّ المنافِر والمنافَر والآخرين للمشاركة والمتابعة. ويشكل جوّها العام منهلاً درامياً قادراً على التأثير.‏

وقد مسرح الباحث عرسان إحدى هذه المنافرات.‏

3-الظواهر المسرحية في الإسلام:‏

وقد تجلّت في مجالس الغناء والمغنّين، ومجالس المندّرين، والقصاصين، وفي المقامات، والإسراء والمعراج، وفي حلقات الذكر الصوفية، وعاشوراء، والمولد النبوي الشريف، وخميس المشايخ، والحكواتي، والكرّج..‏

1-مجالس الغناء:‏

جاء في كتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني أن (جميلة) المغنية كانت تعيش في المدينة في القرن الأول الهجري، وأنها جلست يوماً للغناء، فلبست برنساً وألبست مَنْ كان عندها برانس. وكان في القوم ابن سرِيج وكان قبيح الصلع. وقد اتخذ فروة شعر يضعها على رأسه. ثم قامت جميلة فرقصت، وعلى رأسها البرنس الطويل، وعلى عاتقها بردة يمانية، وعلى القوم أمثالها، ثم ضربت بالعود، وتمشّت، وتمشّى القوم خلفها، وغنّت فغنوا بغنائها، ثم نعرت فنعر القوم طرباً.‏

وفي كتاب (الأغاني) وصف لمجالس جميلة وفتياتها اللواتي عرفن التنكّر والتمويه (الماكياج)، ومارسنه في مجالس الغناء، من حيث لباس المصبّغات، ووضع الأصبغة على الوجوه، وارتداء الشعر المستعار والملابس المتنوعة، واشتراك المشاهدين في الرقص والغناء، ووصول الجميع إلى قمة النشوة والتأثر. وهذا كله إنما هو أداء تمثيلي يرافقه الرقص والغناء والحركة والانفعال. وكلها من مقوّمات المسرح.‏

2-مجالس المندّرين والمحمّقين:‏

حيث تتوافر في مجالسهم المقومات المسرحية التالية:‏

ا-الموضوع المستقى من التاريخ أو من سير الأبطال، والذي يعجّ بالعبر والفوائد. وفيه شخصيات مقنعة، وغذاء للخيال، كما في رواية (أيام) العرب وحروبهم.‏

ب- السامر أو القاص أو الحاكي المندّر الذي يبهر لبّ أذكى الناس، ويلهب في السامعين نيران العواطف، فيشدّهم إليه، والذي يتمتّع بلباقة وطلاقة لسان ومعرفة بأحوال السامعين ونفسياتهم، وبأخبار التاريخ والناس.‏

حـ-الجمهور الذي يقصد السامر أو القاص ليستمع إليه بلهفة، فيستفيد متعة وفائدة.‏

د-مكان السمر الذي ربما كان مضافة أو نادياً أو سوقاً.‏

وهذه المقوّمات هي من صلب الفن المسرحي.‏

وكان المندّرون كثراً: سعد القرقرة قبل الإسلام. والغاضري، وعبيد بن أشعب، وعثمان بن دراج، والبرجمي، وطويس. ويمكن التمثيل لهم بأشعب الذي عرف بملحه ونوادره. وقد اتخذه الباحث عرسان شاهداً على معرفة العرب للظاهرة المسرحية. وإن لم تكن تأخذ اسم (المسرح) بمفهومنا المعاصر. ويتوقف عند نماذج من عروض أشعب، فيقرأها قراءة مسرحية، ويورد نصاً من (الأغاني) جاء فيه أنه بلغ أشعب أن الغاضري قد أخذ في مثل مذهبه ونوادره، وأن جماعة قد استطابوه. فرقبه حتى علم أنه في مجلس من مجالس قريش يحادثهم ويضاحكهم، فصار إليه، وقال له: بلغني أنك نحوت نحوي وشغلت عني مَنْ كان يألفني، فإن كنت مثلي فافعل كما أفعل. ثم غضّن وجهه وعرّضه وشنّجه حتى صار عرضه أكثر من طوله، وصار في هيئة لم يعرفه أحد بها. ثم أرسل وجهه وقال: افعلْ هكذا، وطوّل وجهه حتى كاد ذقنه يجوز صدره، وصار كأنه وجه الناظر إلى سيفه، ثم نزع ثيابه وتحادب فصار في ظهره حدبة كسنام البعير، وصار مقدار شبر أو أكثر. ثم نزع سراويله، وجعل يمدّ جلد خصيتيه حتى حكّ بهما الأرض، ثم قام فتطاول وتمدّد وتمطّى حتى صار أطول ما يكون من الرجال. فضحك القوم حتى أغمي عليهم. وقطع الغاضري فما تكلم بنادرة، ولا زاد على أن قال: يا أبا العلاء، لا أعاود ما تكره، إنما أنا تلميذك وخريجك. ثم انصرف أشعب وتركه.‏

وفي هذا النص -كما يرى الباحث عرسان- دليل على وجود ممثل مرتجل ومضحك، صاحب مذهب، وله جمهوره الذي يقبل عليه ويستطيبه. وله أيضاً منافسوه الذين يحاولون التفوق عليه وسرقة فنه. وهذا الفنان يدخل في تحديات مباشرة مع خصومه (الغاضري)، وكأنهما في مباراة، فيتفوّق أشعب عليه، أمام جمهوره، تفوقاً ساحقاً في التمثيل الصامت (البانتوميم) الذي امتدّ حتى اليوم. ولم يكن أشعب مجرد فنان يتقن التمثيل الصامت، بل كان يتقن كل ما ينبغي أن يتقنه فنان الملهاة المرتجلة، فقد كان حاضر البديهة، واسع الثقافة، سريع النكتة، ذا خبرة واطلاع، خطيباً، مغنياً، ملحناً.‏

وهناك مندّر آخر مشهور هو (أبو العبر) وقد جاء في كتاب (الأغاني) أنه كان يجلس بسرّ مَنْ رأى، فيجتمع عليه المُجّان، ويكتبون عنه. وكان يجلس على سُلّم، وبين يديه بلاّعة فيها ماء وحمأة قد سدّ مجراها، وبين يديه قصبة طويلة، وعلى رأسه خفّ، وفي رجليه قلنسيتان، ومستملية في جوف بئر. وحوله ثلاثة نفر يدقّون بالهواوين، حتى تكثر الجبلة، ويقلّ السماع. ويصيح مستمليه من جوف البئر: مَنْ يكتب. عذّبك الله. ثم يملي عليهم، فإن ضحك أحد ممن حضر قاموا فصبّوا على رأسه ماء البلاّعة إن كان وضيعاً، أو رشّ عليه من ماء القصبة إن كان ذا مروءة، ثم يحبس في الكنيف إلى أن ينفضّ المجلس، ولا يخرج منه حتى يغرّم درهمين.‏

وفي هذا المجلس تطور واضح: إذ يشترك فيه أكثر من شخص في أداء ما يمكن تسميته بالموضوع، ويقوم كل شخص بعمله منسّقاً مع الآخرين. وهناك مَنْ يقومون بأداء المؤثرات وهم أشبه بـ (الكومبارس) يدقّون بالهواوين. أما الأدوات (الاكسسوار) المستعملة فهي كثيرة: بلاّعة، قصبة، هواوين، ملابس غريبة يرتديها المؤدي لتجعل منه شخصية طريفة، مشاهدون يصبحون جزءاً من المؤدّين..‏

3-مجالس القصّاصين:‏

القصّاصون العرب كثر، والقصاصون الذين عرفهم الإسلام هم: النضر بن الحارث، وكان على خلاف مع الرسول صلى الله عليه وسلم. وتميم بن أوس الداري وهو أول مَنْ قصّ في مسجد الرسول بأسلوب الوعظ الديني، والأسود بن سريع السعدي وهو من الصحابة، وأول مَنْ قصّ في مسجد البصرة.‏

ويرى الباحث عرسان أن القصاصين فئة تتجسّد فيها جوانب من الظاهرة المسرحية عند العرب. وقد قيل إن أول مَنْ قصّ هو عُبيد بن عُمير على عهد عمر بن الخطاب، وقيل بل تميم الداري. وقد ركزّ القص في بداياته على الوعظ والاستفادة من التاريخ والكتاب والسنّة لتحقيق أغراض الهداية والإرشاد.‏

والقاصّ هو جدّ الحكواتي، وهو الذي يقصّ أخبار الأمم الماضية وحكايات التقوى، ويستعمل الكلمة المنطوقة، بأداء فني يتسم بالبراعة ويعتمد عليها في التأثير والتشويق.‏

وقد كان القصّاص معلماً، وعالماً، وحافظة شعبية للسير والتاريخ والحديث، وهو أقرب ما يكون إلى الموسوعي العارف بطرف من كل علم. ويطلعنا الجاحظ على نوع من المهارات كان يجيدها القصّاص، ويرينا أنه إلى جانب عمله في القصّ فهو (حاكٍ)، يجيد (المحاكاة) وهي ألصق بعمل الممثل، وبالظاهرة المسرحية، فيقول الجاحظ في كتابه (البيان والتبيين) إننا نجد الحاكية (المقلّد) من الناس يحكي ألفاظ سكان اليمن مع مخارج كلامهم لا يغادر من ذلك شيئاً، وكذلك تكون حكايته للخراساني والأهوازي والزنجي والسندي والأحباش وغير ذلك حتى تجده كأنه أصبح منهم. فإذا ما حكى كلام الفأفاء فكأنما قد جمعت كل طرفة في كل فأفاء في الأرض في لسان واحد. وتجده يحكي الأعمى بصور ينشئها لوجهه وعينيه وأعضائه، لا تكاد تجد من ألف أعمى أحداً يجمع ذلك كله، فكأنما قد جمع حركات العميان في أعمى واحد. وبطول التكلّف ذلّت جوارحه لذلك.‏

وهذا النص يذكّرنا بالشخصيات المسرحية المعاصرة التي تقلّد الصعيدي، والشامي، والفلاح، وسواهم.‏

وقد شهد هذا اللون من ألوان الظاهرة المسرحية (القصّ والمحاكاة) تطوراً وتنوعاً كبيراً في القرن الرابع الهجري، فيروي المسعودي صاحب كتاب (مروج الذهب) أنه كان ببغداد رجل يتكلم على الطريق، ويقصّ على الناس بأنواع الأخبار والنوادر والمضاحك. وكأن في نهاية الحذق. لا يستطيع مَنْ يراه ويسمع كلامه إلا أن يضحك، وكان (المغازلي) لا يدع حكاية أعرابي ونبطي ونجدي وزطّي وسندي وتركي ومكّي وخادم إلا حكاها، يخلط ذلك بنوادر تضحك الثكول، وتصبي الحليم، وكان يقدمها أمام المعتضد أمير المؤمنين، ويأخذ على ذلك أجراً.‏

وهكذا انتقل القصّ من الوعظ والتقرّب إلى الله إلى الكسب، وأصبح التقليد والتنادر والمحاكاة مادة القص. وهو لون قريب من الظاهرة المسرحية.‏

وفي القرنين الخامس والسادس الهجريين نقف على تطور آخر يضيف إلى هذا اللون من ألوان الظاهرة المسرحية بعداً جديداً. إذ يذكر ابن الجوزي (المتوفى عام 597هـ) في كتابه (القصّاص والمذكّرين) أن بعض القصّاص يخرجون عن دائرة القصّ المحترمة، ويُستمع إليهم على سبيل (الفرجة) في الأسمار. وهذا يعني وجود جمهور يبتغي التسلية والمتعة، لا سيما بعد أن أحدث القصاص إلباس المنبر الخرق الملوّنة، وعلقوا المصلى على الحائط، وهي (اكسسوارات الديكورات) للمكان بقصد التأثير على الناس. وكان بعض القصاصين يتبخّر بالزيت والكمّون ليصفر وجهه، وفيهم مَنْ يمسك معه ما إذا شمّه سال دمعه. وهذا تطور شمل إدخال فنية التنكّر (الماكياج) بهدف إقناع الناس بدوره وتأثره به. ولجمع المال وتحصيل الأجر.‏

وهكذا كان القصّ مهنة يعدّ الشخص نفسه لها إعداداً مرهقاً، لأنها تدّر الكثير على المجيدين، وأن الأشخاص الذين يتعاطونها كانوا يخرجون إلى الأمصار ليتكسبوا بها.‏

ثم يعرض الباحث عرسان حكاية القاصّ أبي القاسم البغدادي، وكيف كان يتماجن، ويمثّل، ويبكي، ويرقص، ويخشع.. في تمثيل مسرحي ذي شخصية رئيسية واحدة، ومكان محدد، وجمهور مشاهد. وقد مسرح الباحث هذه الحكاية في خمسين صفحة.‏

كما أورد حكاية (الشيخ صنعان) التي أوردها فريد الدين العطار (545هـ 627هـ) في كتابه (منطق الطير) التي يتخلص موضوعها في أن شيخاً كان مجاوراً في الكعبة، فرأى في المنام أنه يسجد للأصنام في بلاد الروم. فيقوده أتباعه الأربعمائة إلى هناك، ليشاهد على سطح بناء فتاة مسيحية رائعة الجمال، فيغرم بها، ولا يفلح أتباعه في نهيه عنها. وتملي عليه الفتاة شروطها: أن يشرب الخمرة، وأن يسجد للأصنام، وأن يعتنق المسيحية، ويرعى الخنازير لمدة عام. فيوافق الشيخ على شروطها، ويعود أتباعه إلى مكة. ولكن واحداً منهم يرى في المنام أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم يأمره بأن يخلّص الشيخ، فيفعل، وتعلن الفتاة إسلامها. ثم تموت، ويتبعها الشيخ. وقد مسرح الباحث عرسان هذه القصة في نحو ثلاثين صفحة.‏

ثم يعرض الباحث عرسان (رسالة التوابع والزوابع) لابن شُهيد الأندلسي (382هـ -426هـ) التي تملك حيوية الحدث، وحضور الشخصيات، ما يجعل فيها الشيء الكثير من مقومات العمل المسرحي. حيث ينقلنا ابن شُهيد على جناح الخيال، من عالم الإنس إلى عالم الجن، حيث توابع الشعراء ينفثون الشعر على ألسنة الشعراء. ويقوده تابعه (زهير بن نمير) إلى منتدى توابع الشعراء. ليشهد المناظرات الحماسية والخلافات المثيرة؛ فتابع أبي القاسم الإفليلي خصم ابن شُهيد هو (أنف الناقة)، وصاحب بديع الزمان الهمذاني الذي يوّد ابن شُهيد التفوّق عليه هو (زبدة الحقب)، وصاحب ابن اسحاق بن حمام هو (أبو الآداب) والمحكّمان هما: (أبو عيينة) صاحب الجاحظ، و(أبو هبيرة) صاحب عبد الحميد الكاتب. ويمسرح الباحث هذه الرسالة في أكثر من عشرين صفحة.‏

ثم يعرض الباحث عرسان حكاية (الأسد والغوّاص) لمؤلف مجهول. وقد أُشير إلى أنها وضعت عام (530هـ) وتدور حول الملك والأسد والغّواص (وهو ابن آوى) والجاموس والنمر، ورغم تأثر هذه الحكاية بحكايات (كليلة ودمنة) فإنها عربية فكراً وأسلوباً، لأنها تنبع من الإسلام وعقيدته السمحاء.‏

وفي الحكاية مقوّمات مسرحية تتجلّى في البنية الدرامية التي تتوّضح مقوماتها في الهدف العام للحكاية، وفي الشخوص التي تتمايز أخلاقياً وجسدياً ونفسياً واجتماعياً، وفي صراع هذه الشخصيات للوصول إلى موقع في بلاط الملك يمكنها من تسيير الأمور وصنع القرار، بما يؤمنه ذلك الموقع للموجود فيه من مكانة معنوية ومكتسبات مادية، ووجود الحوار الغني المعتمد على الأمثال، وفي الأمكنة التي تدور فيها الحوارات وتحدث الأحداث. وقد مسرح الباحث هذه الحكاية في أكثر من ستين صفحة.‏

ثم يعر ض الباحث عرسان بعض قصص كتاب (كليلة ودمنة) لابن المقفع، ويمسرح منها حكاية (الملك والطائر فنزه) في ست صفحات. كما يعرض (رسالة الصاهل والشاحج) لأبي العلاء المعري (363هـ -449هـ)، وهي واحدة من رسائل (كتب) كتبها المعري، مثل : رسالة الغفران، ورسالة الملائكة، ورسالة الجن، ورسالة الاغريض، ورسالة الفلاحين، ورسالة المنيح، ورسالة الصاهل والشاحج التي كتبها لعزيز الدولة فاتك بن عبد الله الرومي (المتوفى عام 413هـ) والذي كان والياً على حلب للحاكم بأمر الله الفاطمي. وقد كتبها المعري التماساً لعزيز الدولة في أن يعيد أرضاً لأولاد أخيه، وأن يضع عنها الضرائب. ويقدّم المعري فيها مشاهد على لسان الحيوان غنية بالحوار والآراء والحجج، حول الشعر وقضايا تخص الصاهل (الحصان)، والشاحج (البغل) وقد مسرحها الباحث في تسع صفحات.‏

كما وجد الباحث عرسان نصوصاً أخرى في الأدب العربي تتوافر فيها مقومات الظاهرة المسرحية، كما في (بخلاء) الجاحظ الذي يحوي قصصاً مسرحية، صُوّرت فيها شخوص بسلوكها وأنماط تصرفها وتعاملها وأخلاقها، وفُصّلت دقائق نفسياتها فانعكست في تصرفاتها. وقد تمّ تقديم نصوص من هذا الكتاب أكثر من مرة بطريقة درامية سواء في المسرح أو في التلفزيون، وفي أكثر من بلد عربي. كما وجد نصوصاً قصصية في (قصص العرب) يمكن مسرحتها، وكذلك في (العقد الفريد) الذي مسرح منه الباحث قصة (الصوفي المتحمّق).‏

4-المقامات:‏

سبق أن طُرقت المقامات كموضوعات للأداء المسرحي، وقام بعض المسرحيين العرب بإعداد عروض فيها، فقدّم الطيّب الصدّيقي من المغرب عرضاً من مقامات بديع الزمان الهمذاني، كما قدّم التلفزيون الأردني مسلسلاً من حلقات مأخوذة عن مقامات الحريري.‏

وقد أشار الهمذاني إلى جماهيرية هذا النوع من الفن، وإلى حضور المتفرجين له، وإقبالهم عليه، وتزاحمهم حيث كان يؤدى في ساحة أو في مكان عام. وقد كتب بديع الزمان إحدى وخمسين مقامة، وكتب الحريري خمسين مقامة. وكلها يحتوي على جدّ القول وهزله، ورقيق اللفظ وجزله، وغرر البيان ودرره، وملح الأدب ونوادره. ووشّحت بالآيات الكريمة والكنايات والأمثال واللطائف والأحاجي والفتاوى والخطب والمواعظ والملاهي. وفيها تركيز على شخصين هما: عيسى بن هشام وأبو الفتح الاسكندري عند الهمذاني، والحارث بن همام وأبو زيد السروجي عند الحريري. أما موضوعات المقامات فتدور حول الكدية والمكدين، وتصوير أعمال الحيلة والشطارة، ومجالس الأدب والقضاء. وقد مسرح الباحث عرسان مشاهد من هذه المقامات في أكثر من عشرين صفحة.‏

5-ذكرى الإسراء والمعراج:‏

أُسري برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، في ليلة واحدة إلى القدس، ومنها عرج إلى السماء. وقد أكدّت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والسيرة هذا. ثم اختلف العلماء في كون الإسراء والمعراج رؤية أم رؤيا، وهل كانا بالروح والجسد أم بالروح فقط؟‏

والأكثرون، ومنهم ابن كثير في تفسيره على أنه أُسري بروحه وبدنه يقظة لا مناما. وممن قال بأن الإسراء قد تم روحاً عائشة والمتصّوفة وابن عربي.‏

ويرى الباحث عرسان أن نصّ الإسراء والمعراج دراما دينية ساحرة توافر لها أربعة أمور جعلتها مؤثرة في الناس هي: الخلفية الدينية، والخيال الساحر، والأحداث المتنامية، والرمزية الفكرية. وهو يرى أن النص غني بالحركة والحيوية والصور، وفيه من مقوّمات النص المسرحي: وحدة الموضوع، والهدف الرئيسي الذي ينظم الحوادث. ووحدة المادة..‏

فالموضوع يدور حول إسراء النبي من مكة إلى المسجد الأقصى بالقدس، ثم عروجه من هناك إلى السماء بروحه وجسده، حيث اطلّع على آيات ربه الكبرى، وكلّمه ربه وأكرمه. ثم عودته إلى مكة المكرمة.‏

والشخصيات محددة وكثيرة، ولكل منها ملامح ومميزات واضحة، بعضها واقعي ملموس، وبعضها متخيّل، فمن الشخصيات البشرية : محمد عليه الصلاة والسلام، وفاطمة، وجبر، وأبو بكر، وأبو جهل. ومن الأنبياء: آدم، وعيسى المسيح، ويحيى بن زكريا، ويوسف، وإدريس، وهارون، وموسى، وإبراهيم الخليل. ومن الملائكة: جبريل وميكائيل، وإسرافيل وعزرائيل، ورضوان خازن الجنان، ومالك خازن النار.‏

والمشاهد متعددة:‏

1-يحضر جبريل إلى بيت أم هانئ بمكة، فيطرق الباب كأي زائر فتخرج إليه فاطمة، ثم تعود لتخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن شخصاً يريده.‏

2-مقابلة النبي مع جبريل.‏

3-أوصاف البراق المادية.‏

4-الوصف المادي للسماوات: السماء الأولى من دخان، وفيها الملائكة. والسماء الثانية من حديد، وفيها الملائكة. والسماء الثالثة من نحاس وفيها الملائكة. والسماء الرابعة من الفضة، وفيها عزرائيل، والسماء الخامسة من الذهب الأحمر وفيها جهنم. والسماء السادسة من ياقوتة خضراء. والسماء السابعة من درّة بيضاء.‏

والحوار حي وحيوي في هذه المشاهد، مع الأشخاص والملائكة الذين قابلهم. وفي النار حيث العصاة يعذبون في مواقف درامية عنيفة تبث الرعب في القلوب.‏

وقد قام الباحث عرسان بإعداد المعراج المنسوب إلى ابن عباس، نصاً مسرحياً، في أكثر من خمسين صفحة. دون أن يضيف إليه سوى كلمات معدودة.‏

6-حلقات الذكر الصوفية:‏

إذا علمنا أن الصوفية تعتمد السماع، وأن مقوّمات السماع هي الغناء والرقص والموسيقى، أي الكلمة واللحن والحركة، أدركنا أن مقوّمات الظاهرة المسرحية الرئيسية متوافرة فيها، وان الذاكرين لا يقفون عند حدود السماع والتلقي، وإنما يشاركون في التعبير عن هيجان النفس وانفعالاتها، بالحركة والرقص، ويسهمون في خلق حيوية السماع وجوّه. وهكذا تصبح المشاركة في الأداء عنصراً في تنمية أحداث السماع وفاعليته.‏

والطرق الصوفية كثيرة، منها: الطريقة القادرية، والطريقة الرفاعية، والطريقة السهروردية، والمولوية، والشاذلية، والأحمدية، والنقشبندية.. إلخ.‏

وكي نقف على بعض ما يتمّ في حلقات الذكر الصوفية يعرض الباحث عرسان وصفاً لحلقة ذكر الحضرة اليشرطية الشاذلية، حيث يجلس الشيخ والمريدون في حلقة متلاصقة، كل واحد جاثٍ على ركبتيه، وباسط كفيه فوق ركبتيه. ويبدأ الشيخ أو المقدم بقوله: لا إله إلا الله (مرة واحدة). فيتبعه الذاكرون بصوت واحد: لا إله إلا الله (يرددونها مرات والشيخ معهم) ثم يقول الشيخ : الله الله . بعد أن ينهض واقفاً، ويتبعه الذاكرون، ويأخذ كل واحد منهم بيد الآخر، فيجعل باطن كفه بباطن كف أخيه الفقير، مع تشبيك الأصابع. بينما يتوسط الشيخ الدائرة، ويمشي باتزان متنقلاً من مكان إلى آخر، والفقراء يتبعون حركاته ولهجته. وهو ينتقل بهم من طبقة صوتية إلى طبقة، ومن لهجة إلى أخرى، حيث يغيّر اللفظ: الله، الله، أو هو، هو ، أو آه، آه، ويقف المنشدون مع الذاكرين، فإذا كثر عدد الذاكرين دخل المنشدون في وسط الحلقة في صفين متقابلين. فإذا ازداد عدد الذاكرين دخل الفقراء وسط الحلقة، فيؤلفون مع المنشدين حلقة ثانية داخل الأولى. وعند الانتهاء يقف الشيخ فيرفع يده اليمنى إلى فوق رأسه، ويشير بسبّابة يده، كمن يتشهد، ويقول: محمد رسول الله.ومعنى هذا الختام. فيجلس الذاكرون في حلقة واحدة كما كانوا وقوفاً، ويجلس الشيخ معهم كواحد منهم. ويقرأ أحدهم ما تيسّر من آي الذكر الحكيم وفاتحة الكتاب العظيم. وتختم حلقة الذكر المسماة بـ (الحضرة).‏

ويُلاحظ في الحضرة الشاذلية تصاعد الإيقاع والإنشاد والحركة، والنمو العام للمشهد باتجاه ذروة درامية. وتتصاعد درجة الانفعال أثناء هذا التصاعد الدرامي، فيعود الإنسان، مؤدياً كان أم مشاهداً، إلى حالة من الرضا والتصالح مع النفس والواقع، تجعله أكثر قدرة على استيعاب الحياة، وتحمل مشاقّها. وهو في ذلك اليقين والوجد يشعر بأن لحياته معنى.‏

وينتهي الباحث عرسان إلى القول بأن ما شاهده شكل من أشكال الظاهرة المسرحية المتطورة ذات الشخصية المنفردة والأصيلة، وأنه نوع من أنواع المسرحيات الغنائية الموسيقية، يلعب فيه تنامي الفعل الحركي، والانفعال الداخلي للمؤدين دوراً عظيماً، يُضاف إلى ذلك أن فقراء (المولوية) يرتدون أثناء هذه الحفلات ألبسة خاصة. هي عبارة عن ثوب فضفاض، وعلى رؤوسهم طربوش (كلاها) من اللّباد مستطيل الشكل.‏

7-ذكرى عاشوراء:‏

عاشوراء من الاحتفالات الجماهيرية الدينية ذات الطابع الشعبي. وهذا ما يقرّ بها من المسرح الشعبي بمفهومه الذي ينادي به بعض الأوربيين، ومنهم: جان فيلار J.vilar الفرنسي. حيث تتم مشاركة الجماهير في الأداء على نمط الاحتفالات الشعبية الدينية في مصر الفرعونية أو المسرح الديني في القرون الوسطى فيما يتعلق بكرامات القدّيسين.‏

ولا خلاف بين الباحثين في المسرح حول الإمكانيات المسرحية الكبيرة المتوافرة في إحياء الجماهير لذكرى عاشوراء، حيث يُعاد فيها تصوير استشهاد الحسين. وحيث تُعتبر الأيام العشرة التي تحياها كربلاء كل عام من أكثر الاحتفالات الدينية الإسلامية قرباً من المسرح الجماهيري العام، سواء بأساليب تقديمها، أو بتأثيرها على الناس: حيث يبدأ في اليوم الأول من محرم من كل عام، وهو تاريخ وصول قافلة الحسين الصغيرة إلى كربلاء، حيث أقامت خيامها محرومة من الماء، عشرة أيام من الصيام والعويل والبكاء. وتُتلى قصة الفاجعة المؤلمة على جماهير النائحين والباكين في كل يوم، وفي كل بلدة وقرية ومضرب من مضارب القبائل. ويظل الرجال، طوال ثلاثة عشر قرناً، يطوفون الشوارع في كل ليلة من هذه الليالي العشر، وقد نزعوا ملابسهم حتى الخصر، يسوطون أنفسهم بالسياط والأغلال، ويعولون، ويبكون الحسين. ويُعاد تمثيل المعركة مرة كل عام، في العاشر من محرم، خارج كل مدينة وقرية، وتمثّل جماعة من الرجال في مخيّم صغير جماعة الحسين، بينما يمثل فريق كبير جيش الأمويين. ويؤدي أحد الرجال الدور المخزي لشمّر قاتل الحسين.‏

وبعد انتهاء التمثيل يسير الموكب إلى البلدة، وقد حمل رأس الحسين، كما يسير فيه موكب من الأطفال الصغار، وقد ألقوا ثيابهم على رؤوسهم ليخفوها، يمثلون دور الجثث بينما تُصوّر الرؤوس المقطوعة على الخشب، وتُطلى باللون الأصفر، لتبرز صورة الموت. وتكتظ ساحة البلدة وأسطحتها بالنساء والأطفال، ويرتفع النحيب والبكاء من كل مكان. بينما تسير القافلة في طريقها عبر البلدة. ولا يستطيع المرء أن يرى هذا المنظر العاطفي الذي يثير الشجن دون أن تسيل من عينيه العبرات.‏

وإذا لاحظنا الشخصيات التي تأخذ أدوار شخصيات تاريخية، والملابس والأدوات والمواكب (والماكياج) الذي يوضع للرؤوس المقطوعة، وزيّ الأطفال الذين يمثلون الجثث، وأضفنا إلى ذلك ما يحتويه النص والعرض من إعادة تمثيل للقصة التاريخية التي وقعت في عام 61هـ، وما تضمنته النصوص والاحتفالات، وجدنا فيها مقوّمات المسرح كافة، المسرح الشعبي الذي يكون الناس فيه مؤدين ومشاركين ومتفرجين، يعيدون إحياء حدث تاريخي مؤثر، ويحييون في تفاصيل شجونه.‏

8-ذكرى المولد النبوي الشريف:‏

يشير آدم ميتز إلى أن أول مَنْ احتفل بمولد النبي عليه الصلاة والسلام الأمير مظفر الدين الأربلي (-1233م)، حيث جرت العادة بقراءة السيرة النبوية مع إيثار الكلام في قصة المعراج (الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري - تر: محمد عبد الهادي أبو ريدة- لجنة التأليف والترجمة والنشر - القاهرة 1957ط3 ص2/285). وكان يفد إلى هذا العيد طوائف من الناس من بغداد والموصل والجزيرة وسنجار ونصيبين وفارس، منهم العلماء والمثقفون والوعاظ والقراء والشعراء، وهناك يقضون في أربيل من المحرم إلى أوائل ربيع الأول. وكان الأمير يقيم في الشارع الأعظم مناضد عظيمة من الخشب، ذات طبقات كثيرة، بعضها فوق بعض، تبلغ الأربع أو الخمس، يجلس عليها المغنّون والموسيقيون ولاعبو الخيال. ولم يكن للناس شغل إلا التمشي أمام تلك المناضد والتمتع بما يقدم إليهم. وكان الأمير في ليلة المولد يركب في الشارع، وبين يديه الشموع. وكان العيد ينتهي بموكب ووليمة. (المصدر السابق ص2/293).‏

ثم عمّت حفلات المولد العالم الإسلامي، ودخلها نوع من الأداء المرافق للقراءة العامة لبعض المدائح النبوية، وجزء من السيرة الشريفة. وصار الغناء من مقوّمات المولد، وكذلك القيام الجماعي، والجلوس، وبعض حركات الرأس. وفيه قارئ منفرد حسن الصوت، يردد بإنشاد وتنغيم، وجوقة تردد خلفه بعض اللوازم. وقد تخرج حفلات المولد إلى الطرب والرقص، أو إظهار الحزن والبكاء، وكلها مما يدخل في التأثير على الحاضرين.‏

وقد طورّت أساليب أداء بعض أناشيد المولد، وبدأت فرق المنشدين تقدم هذه الصيغة مغنّاة، ومرافقة بالموسيقى، في حفلات عامة، وضمن صالات عرض مسرحية، وفي غير مواسم الاحتفالات الدينية، وفي مدن عربية وأجنبية عديدة، ولاقت نجاحاً كبيراً، وأثرت في الجمهور تأثيراً لا تحدثه إلا الدراما الناجحة.‏

9-خميس المشايخ:‏

أو السيّارة، أو جمعة برزة، وهي احتفالات جماهيرية عامة يشارك فيها أتباع الطرق الصوفية. حيث كان مشايخهم يستفيدون من هذه المناسبات العامة، ليبرزوا أنفسهم وقدراتهم ويستقطبوا مريديهم.‏

وكانت تُقام مراسم زيارات بعض الأضرحة المعروفة لمشاهير الزهاد والأولياء في أيام السنة، وفي شكل مواكب على غاية من الترتيب والخشوع، حيث تقوم طائفة من المريدين، على شكل صفوف مؤلفة من خمسة أو أكثر، يلبسون الطواقي الملونة بالأحمر والأخضر، وعليهم أردية تماثلها ألواناً. ووظيفتهم أثناء السير أن يذكروا الله جهراً، وخلفهم يسير حملة المزاهر يقرعونها بلطف وترتيب صفوفاً أيضاً. وبينهم حامل اللواء الكبير، وله أطراف تنتهي بقطع من الحبال يمسك بعض المريدين بأطرافها، ويتوزعون على مسافة منه، وحوله، ليساعدوا حامله عن الوقوع، لجسامته، وعدم عبث الرياح به. ثم يأتي بعدهم حامل الطبل الكبير، ثم الصنوج، لم يأتي شيخ الطريقة الحالي (ابن الوقت) الذي يُجمع المريدون على رئاسته (ويكون غالباً من أحفاد المشايخ الأول، أو المنتسبين لآل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم). راكباً على فرس، ولابساً عمامة شيوخه الأوائل المنحدرة إليه يداً عن يد، حتى انتهت إليه مع المشيخة والرئاسة. ثم يحيط بالشيخ جماعة من المريدين يحملون أعلاماً صغيرة كُتبت عليها بعض الآيات القرآنية، كما أن العَلَم الكبير ملون بقطع مختلفة كتب على كل منها بعض الآيات القرآنية. ثم تأتي طبقة المريدين من الشباب -يحملون نقّارات صغيرة يضربون عليها- وخلفهم بقية المريدين والمشتركين من بقية رجال الطرق. ويمشي هذا الموكب من مقرّ زاوية الشيخ التي يجلس فيها للتدريس والإرشاد، ويتوجه لزيارة أقرب الأضرحة، ثم يتابع سيره إلى ضريح أشهر مشايخ الطرق. وتشتد الأفواه بالذكر تهليلاً وتكبيراً. ثم يعود إلى مقرّه. وينفضّ كل إلى منزله، بعد الدعاء للمسلمين من قبل الشيخ.‏

وهذا الموكب يدعى (السيّارة)، والشيخ هو (شيخ السيارة). وعندما يجتمع الموكب يبدأ المسير حتى يصل جامع سلطان العارفين الشيخ محيي الدين بن عربي. وفي باحته يترفّع رجال الموكب إلى جانب الساحة، لتبقى خالية، فيأتي مَنْ يشاء من الناس، وينكفئون على وجوههم جنباً إلى جنب، حتى تمتلئ الباحة. والتهليل والتكبير على أشدّه. والشيخ على فرسه في الجانب الآخر ينظر ذلك. فإذا انكفأ الناس على الشكل المذكور اشتد الذكر وصاح الشيخ وأسرع بفرسه فوق ظهورهم إلى الجانب الآخر. ولا يقوى على المجازفة بذلك من الشيوخ إلا مَنْ يثق بصحة نسبه وطهارة قلبه وجسمه ونفسه. ثم ينهض أولئك الناس واقفين غير شاعرين بما حدث. ويكثر الإقبال على هذه العملية من قبل طبقة العمال والمرضى وأصحاب العاهات ومَنْ شاء.‏

ثم يواصل الموكب سيره حتى يصل إلى غايته في الزيارات. كل ذلك يجري وطائفة معينة من المريدين بين يدي الشيخ إلا مما يستر عوراتهم، وبيدهم أسياخ من الحديد لها رأس دقيق، ومعلّق بها سلاسل. وهم يفتلونها في أصابعهم، ويضربون بها أيديهم أو ناحية من جسمهم، وكثيراً ما شوهدوا والسفود قد دخل من الخدّ ماراً بالفم وخارجاً من الخد الآخر. وهم يمشون به. ولا تستغرب إذا ما علمت بأن السفود لا يُبقي أثراً بعد استخراجه من الجسم، ولا تسيل من مكانه قطرة دم.‏

وهذه المواكب ليست سوى تمارين تمهيدية للموكب الكبير الذي يجمع كافة مواكب دمشق والأحياء والقرى المجاورة. ويسير باتجاه قرية (برزة) قرب دمشق حيث الكهف المعروف باسم (مقام إبراهيم الخليل) حيث يدخل الشيوخ بأفراسهم إلى الكهف، من باب لا يزيد طوله عن متر ونصف، ولا يزيد عرضه عن متر واحد. وهنا لا يستطيع كل الشيوخ المجازفة، فكل مَنْ كانت له شبهة في اتصال نسبه، أو في طهارة جسمه أو سريرته، يعتذر ويقف جانباً. ويتجرّد لهذه العملية مَنْ يثقون بأنفسهم من الشيوخ، فيصطفّون خلف بعضهم بين صفوف المريدين. وهم مع المتفرجين يُعدّون بالآلاف على سفح الجبل ولا تسمع إلا أصوات التهليل والتكبير، فيتقدّم الشيخ الأول ويقرأ ما تيسّر وهو واقف على بعد أربعين متراً من الباب. وليس له طريق إلا مقدار المسافة بين موقفه مع فرسه وباب الكهف، ولا يزيد عرض الطريق، بين الصفّين من الناس عن مترين. فيصيح الشيخ بصوت عال، ويضرب فرسه، فتنطلق بسرعة البرق، وهو عليها، وتدخل به من الباب، فيشكر الله تعالى جميع الناس، ويتبرّكون به. وبعد بضع دقائق يأتي دور الشيخ الثاني في سيارة أخرى، وهكذا يتعاقب الشيوخ على الدخول بأفراسهم. وهؤلاء لا يزيد عددهم عن أربعة أو خمسة بين أكثر من ستين شيخاً مع مريديهم لا يقدمون على هذه المجازفة.‏

وهذا المهرجان الكبير يسمى (جمعة برزة). وهو معروف لدى أهالي دمشق. ولكن حوادث الإخفاق في دخول الكهف أخذت تزداد سنة بعد أخرى. وتحصل من جراء ذلك مخاصمات بين مريدي الشيخ الذين عثر حظهم عن الدخول والآخرين، فتقع حوادث دامية، اضطرت الحكومة العثمانية وقتها إلى منع هذه المواسم (أحمد حلمي العلاف- دمشق في مطلع القرن العشرين - وزارة الثقافة - دمشق 1976ص 130-1).‏

وهذه المشاركة الجماهيرية العامة في الاحتفال هي أقرب إلى الظاهرة المسرحية: فالتشكيل الحركي، وحيوية الفعل وتوزعه على كل فئة من المريدين والمشاركين، والأدوات والآلات والملابس المستخدمة، كل ذلك يضفي على السيارة، كاحتفال عام، طابعاً مؤثراً ومثيراً. وما يتمّ فيها من خوارق وكرامات يذكّرنا بالمسرحيات الدينية في العصور الوسطى.‏

10-عيد النيروز:‏

يحتفلون به جماهيرياً احتفالات لها طابع مسرحي، حيث يأخذون إنساناً فيطلون وجهه بجير أو دقيق، ويجعلون له لحية من فرو أو غيره، ويلبسونه ثوباً أحمر أو أصفر ليشهروه، ثم يضعون في يده دفتراً، كأنه يحاسب الناس على ما يرى أن يأخذه منهم من السحت والحرام. ويطوفون به أزقة البلد وشوارعه، وأسواقه وبيوته، فيأخذون منهم ما يأخذون على شبه الظلم والتعسف، ويأكلونه. ومَنْ امتنع عن الدفع آذوه برشه بالماء أو التراب، أو أهانوه بالضرب أو بالكلام الفاحش.‏

وفي هذه الظاهرة ما هو قريب من المسرح، حيث جوق الماجنين والعابثين يطوف الشوارع خلف شخصية تزيّت بزّي تمثيلي تام، ووضعت الملابس (والماكياج) بما يظهرها بشكل هزلي. وقامت بكل جدّية بأداء دور تمثيلي في ملهاة شعبية، يشارك فيها الجمهور.‏

ومن المشاركات الاحتفالية الجماهيرية الساخرة في مناسبات اجتماعية ما كان يتمّ تحت اسم (جحش العيد)، حيث يخرج، قبل العيد بيومين، رجل سخرة، معه حمار مدّرع بالودع والخرز والأجراس، يستجدي الناس بالرقص، ويضحكهم بحركات حماره.‏

ومنه أيضاً (بيضة بيضة)، وهما ولدان يصبغان وجهيهما بالأسود، ويُضحكان الناس..‏

11-القصاص الشعبي أو الحكواتي:‏

وهو شكل من أشكال الظاهرة المسرحية، وأكثرها انتشاراً وتمشياً مع روح الشعب وخياله ومتطلباته الاجتماعية. وقد عرفه العرب قديماً في أشكال الراوي القصّاص، إلا أن الموضوع الشعبي فرض نفسه اجتماعياً نتيجة ظروف تاريخية استهدفت استنهاض الهمّم، وإذكاء الحماسة، والاعتزاز بالنفس وبالتاريخ وبالأبطال، والتركيز على قيم اجتماعية وأخلاقية وقومية. وحثّ الناس على حب الفضائل. وقد تجلّى ذلك كله في استعادة القصص الشعبي مثل: سيف بن ذي يزن، والهلالية، وعنترة، والأميرة ذات الهّمة.. إلخ.‏

وقد كان هذا القصص الشعبي يُروى على جمهور معظمه من الأميّين. وكان الرواة في مقاهي المدن، ومضافات القرى، وأماكن السمر، يتصدرون المجالس، ويقرأون السير الشعبية قراءة خاصة هي أشبه ما تكون بالأداء المسرحي. وكان الحكواتي يأخذ وضع المنظور إليه، حيث يتصدّر المجلس فوق منصته الخاصة، كي يراه الجميع، ويشرف هو على الجميع، بزّيه الخاص، ومعه (ربابته) يعيد عرض الأفعال المروية في أقوال، معطياً لكل شخصية صوتاً وهيئة وحركة ونبرة خطاب وانفعالاً ملائماً لحالتها، فيشدّ إليه المستمعين، ويترك الموضوع تأثيره فيهم من خلال ارتباط الموضوع والشخصيات والأحداث بالانتماءات القبلية العربية، أو صراع العرب مع سواهم، ولهذا غالباً ما نجد جمهور المستمعين فريقين: واحد يناصر هذا البطل، وثان يناصر ذاك. وقد تبلغ بهم الحماسة أحياناً حدّ المشاجرات والعراك. وهذا كله تأثير درامي كبير يفعل فعله في الناس. و(الحكواتي) كظاهرة مسرحية هو قريب إلى حد كبير من (الراوي) الملحمي في أشعار هوميروس.‏

12-الكُرّك (أو الكرّج):‏

وهو من الألعاب والتسليات الجماعية. و(الكرّج) مثل المهر، يُلعب به. يقول ابن خلدون: الكرّج تماثيل خيل من الخشب مسرجة، معلّقة بأطراف أقبية يلبسها النسوان ويحاكين بها امتطاء الخيل. وهو نوع قديم من اللعب كان معروفاً لدى عرب الجاهلية، ومنتشراً في مكة والمدينة مع ظهور الإسلام.‏

ثم كثر في بغداد وأمصار العراق، وانتشر منها إلى غيرها. وهو نوع من اللهو كانت النساء تحاكين به امتطاء الخيل، ويقمن بالكرّ والفرّ والمثاقفة، ويمثلن أدوار الفرسان على خيول حقيقية. ولكن خيولهن من خشب. يقمن بإحياء هذه الألعاب في مناسبات الأعراس والأعياد، وبحضور جمهور من المتفرجين.‏

*‏

هذه هي (الظواهر المسرحية عند العرب) جمعها الباحث عرسان، ومثّل لبعضها ممسرحاً مشاهد من تراثنا، في كتابه الهام الموسوم بهذا العنوان، والذي جاء في أكثر من سبعمائة صفحة (ط3 عام 1985)، والذي ينتهي فيه إلى السؤال الأخير: لماذا لم تتطوّر هذه الظواهر المسرحية عند العرب فتصبح مسرحاً له مقوّماته وأسسه وأصوله وتقنياته؟.‏

ويعد الباحث بأن الإجابة ستكون موضوع دراسة قادمة.‏

3- وقفات مع المسرح العربي‏

1- مارون النقّاش.‏

2- أبو خليل القبّاني.‏

3- صدقي إسماعيل.‏

4- الحوار المسرحي.‏

5- الأصالة والتأصيل.‏

***‏

3-وقفات مع المسرح العربي‏

يتوقف الباحث علي عقلة عرسان في كتابه الذي يحمل هذا العنوان (اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1996) عند ثلاثة من أعلام المسرح العربي هم: مارون النقّاش، وأبو خليل القباني، وصدقي إسماعيل، كما يبحث في أربع قضايا ومشكلات مسرحية هي: الفصحى والعامية في لغة الحوار المسرحي، والمسرح العربي بين الأصالة والتأصيل، والمسرح العربي في سورية ما له وما عليه، ومهرجان دمشق للفنون المسرحية.‏

***‏

-1-‏

في أعلام من المسرح العربي يرى الباحث عرسان أن المسرح العربي بدأ عام 1847 عندما قدّم شاب عربي من بلاد الشام أول مسرحية غنائية في بيته ببيروت، لعدد محدود من المدعوين، وبإمكانيات متواضعة جداً، تأثر فيها بما رأى من نماذج (الأوبرا كوميك) في ميلانو ونابولي بإيطاليا التي زارها لبضعة أشهر. وهي الرحلة الوحيدة له إلى بلاد الغرب. وقد تمّت عام 1846، حيث اقتبس فكرة مسرحية (البخيل) لموليير، وسمّى مسرحيته الأولى باسمها.‏

ولم تفتر حماسة مارون النقاش، فقد قدّم خمسة عروض مسرحية، ثلاثة من تأليفه: أو بالأحرى من اقتباسه، وهي: البخيل، وأبو الحسن المغفل أو هارون الرشيد، والحسود السليط. واثنان من تأليف أخيه نقولا نقاش، وهما: الشيخ الجاهل، وربيعة بن المكّدم، كان ذلك بين عامي 1847و 1853، إذ توفي مارون النقاش في طرسوس بتركيا عام 1855. ونُقل جثمانه إلى بلده في العام التالي، وأصبح مسرحه كنيسة بناء على وصيته.‏

ولقد ولد مارون النقاش عام 1817 في صيدا، ثم انتقل مع أسرته إلى بيروت، فعمل في جمرك بيروت بوظيفة رئيس كتّاب، ثم عمل في التجارة إلى آخر حياته، حيث توفي عن ثمانية وثلاثين عاماً.‏

لكن بذرة المسرح لم تمت، فقد تعهدها بعد مارون أخوه نيقولا وأصدقاؤه وتلامذته، فعاشت وانتشرت، ولاسيما بعد أن انتقلوا بها إلى مصر، حيث تابعوا هناك، مع القباني الذي انتقل بدوره من دمشق إلى القاهرة. وهناك أضافوا جهودهم إلى جهود يعقوب صنّوع (1869- 1872) وغيره.‏

كانت أول مسرحية قدّمها مارون نقّاش هي مسرحية (البخيل) 1847، وهي هزلية غنائية (أوبرا كوميك) تأثر فيها ببخيل موليير. ولكنها جاءت ضعيفة المضمون والحوار والحركة والصراع.. ثم قدّم بعدها مسرحية من تأليف أخيه نيقولا هي (الشيخ الجاهل) 1849. ثم قدّم مسرحية (أبو الحسن المغفل أو هارون الرشيد) عام 1851. وأبو الحسن ثري زالت عنه النعمة بسبب تبذيره. فهجره أصدقاؤه، فنقم عليهم، وتمنّى أن يصبح خليفة ليوم واحد، ليحقق العدل. ويسمعه الخليفة المتخفي فيأمر بإعطائه شراباً مخدراً، وبنقله إلى قصر الخلافة، حيث يصبح خليفة. ولكنه لم يستطع أن يغير شيئاً، ولا أن يقيم العدل، وما أن وضع أمام مشكلة من مشكلات الحكم حتى أطلق ساقيه للريح. وبعد ذلك قدم مسرحية أخيه (ربيعة بن زيد المكدّم). وكانت خاتمة أعماله (الحسود السليط) 1853. وهي من تأليفه. وقد تأثر فيها ببخيل موليير.‏

***‏

ثم ينتقل الباحث عرسان إلى الحديث عن حياة ونتاج أبي المسرح السوري: أبو خليل القبّاني (1833- 1902) الذي ولد في دمشق من أصل تركي. وقد لقّب بالقباني لأنه كان يملك قبان باب الجابية بدمشق. ماتت أمه بعد أن وضعته، فكفله خاله أبو أمين النشواتي. درس في الكتّاب، وتعلم التركية والفارسية. وكان مولعاً بالتمثيل، فقدّم أول مسرحية له بعنوان (ناكر الجميل) ألّفها من واقعة حدثت بين صديقين.‏

وعندما عُين مدحت باشا والياً على دمشق أراد أن يتخلّص من الأراجوز الذي كان يقدم مشاهد سمجة، فاستدعى أبا خليل القباني، وكلّفه بتقديم روايات محترمة، وقدم له مساعدة مالية، فقدم أبو خليل رواية (الأمير محمود نجل شاه العجم) في خان العصرونية، فأعجب الوالي بما قدمه. عند ذلك باع أبو خليل القبّان الذي يملكه، وجهّز مكاناً للعرض المسرحي في خان الجمرك. وبدأ التمثيل فيه عام 1880. واستمر سنة واحد عشر شهراً، ثم توقف بسبب نقل الوالي مدحت باشا من دمشق إلى الحجاز، وتولية حمدي باشا ولاية دمشق، فأعرب له بعض المشايخ عن سخطهم على بدعة القباني، وأصدر السلطان عبد الحميد (فرماناً) يقضي بإغلاق المسرح، فأحرقت العامة المكان، وتوارى أبو خليل عن الأنظار، حيث سافر إلى الإسكندرية عام 1884 على متن باخرة صديقه التاجر (سعد الله حلاّبو) الذي قدّمه للخديوي إسماعيل الذي مكّنه من التمثيل في دار الأوبرا لمدة سنة دون أن يرتب عليه أي نفقة للدار جرّاء استخدامها، ووهبه أرضاً في العتبة الخضراء أشاد عليها مسرحه الخاص، وقد حضر الخديوي إسماعيل أول عرض مسرحي قدّمه القباني في دار الأوبرا وكان مسرحية (الحاكم بأمر الله).‏

وقد لقي القباني نجاحاً وإقبالاً في مصر، لكنه كوفىء بعد عودته من جولة في الأقاليم المصرية، بإحراق مسرحه، فخسر للمرة الثانية ثروته، وعاد إلى دمشق ليبيع منزله الجميل. وقد عطفت عليه الولاية العثمانية فردّت إليه ثروته، وعيّنت له راتباً ظل يتقاضاه حتى توفي عام 1902 وقد عرف عن القباني أستاذيته في التلحين والغناء وأداء الأدوار الغنائية والموشحات.‏

أما المسرحيات التي قدمها أبو خليل القباني فهي:‏

1- (ناكر الجميل) تدور أحداثها في مدينة ملك يدعى قسطنطين، وأبطالها الملك وابنه حبيب، ووزيره وابنه حليم. وغادر صديق ابن الوزير. أما مضمونها فيدين الغدر والطمع.‏

2- (قوت القلوب وغانم بن أيوب) وهي مسرحية غنائية يتداخل فيها الشعر بالنثر. وهي مأخوذة عن ألف ليلة وليلة، وتروي مؤامرة الملكة زبيدة زوجة الرشيد ضد قوت القلوب محظية الرشيد وجاريته، حيث تعمد إلى التخلص منها، فينقذها غانم، وتقع من نفسه موقعاً حسناً، ويترفّعان عن الإثم والفاحشة. وعندما يعلم الخليفة الرشيد بأمرهما يعفو عنهما، ويزوجهما.‏

3- (هارون الرشيد مع أنيس الجليس) وهي حكاية من ألف ليلة وليلة، من الليلة 201 إلى الليلة 229. وفيها يكلف السلطان وزيره بشراء جارية جميلة، فيشتري (أنيس الجليس) التي تعجبه، فيستأثر بها هو، ثم ابنه..‏

4- (عنترة بن شدّاد) وتروي بطولة عنترة وشهامته، ورفضه للذل والصغار.‏

5- (عفيفة) وهي عن مسرحية (جنفياف) للكاتب الألماني لودفيغ تيك.‏

6- (لباب الغرام أو الملك متر يدات) عن راسين.‏

7- (حيل النساء أولوسيا) وتقع حوادثها في مسينا، وشخوصها تحمل أسماء أجنبية.‏

8- (الأمير محمود نجل شاه العجم) وهي مستوحاة من ألف ليلة وليلة.‏

9- (الحاكم بأمر الله).‏

***‏

-3-‏

ثم انتقل الباحث عرسان للحديث عن مسرح صدقي إسماعيل الذي كتب أربع مسرحيات هي:‏

1- (سقوط الجمرة الثالثة) وفيها يثير أحد محترفي السياسة الرأي العام ضد منافسيه في الانتخابات، فيدبر محاولة اغتيال له مع سائقه، ويلصقها بمنافسيه، مستغلاً الحادث لصالحه. وحين (سقوط الجمرة الثالثة) يكون قد بدأ الربيع.‏

2- (الأحذية) 1966 تقع أحداثها أثناء حرب فلسطين عام 1947 في بيت دمشقي أنيق، حيث يسكن المحامي نزار وزوجته سعاد. وقد وصل أيمن، وهو أحد المتطوعين في جيش الإنقاذ، جاء في مهمة عاجلة وسرية إلى دمشق، فالتقى بليلى، أخت سعاد، فأحبّته، ولكنه مشغول عنها بمهامه الوطنية. ويدور الحديث بين نزار وأيمن عن ضرورة الحرب والسلاح نتبين منه أن مهمة أيمن هي أن يعود بالأحذية إلى المحاربين. ولكنه لم يعد مقتنعاً بهذه المهمة، بعد أن اشتم رائحة الخيانة. فقرر نزار أن يأخذ مكان أيمن ليقنع المحاربين بضرورة الاحتفاظ بسلاحهم، والعودة إلى عاصمة البلاد لاحتلالها، وإجراء التغيير اللازم في السلطة بقوة السلاح.‏

3- (عمار يبحث عن أبيه) 1968 مجموعة من الفلاحين شاركت في حرب فلسطين عام 1948 بزعامة الإقطاعي الذي يملك القرية. فانهزمت، وعادت إلى القرية، وحين وجد أفرادها السلاح بين أيديهم استعملوه في الثورة على الإقطاعي الذي قادهم في حرب خاسرة، واستغلهم، وظلمهم طويلاً.‏

ويصل إلى القرية (عمّار) ابن الإقطاعي فيجد نفسه في قبضة الثوار. وتخفق وساطة بعضهم في إطلاق سراحه. فيُشار عليه بالالتحاق بالثورة.. ويوافق.. ولكنهم يطلبون منه أن يقتل أباه، لأن هذه هي الطريقة الوحيدة للوصول إلى القصر المحصّن. ويذهب عمار لتنفيذ الخطة، فيدخل القصر، ولكنه لا يجد أباه، فيجلس في مكتبة القصر يقرأ في مذكرات أبيه.‏

4- (أيام سلمون) 1972 وتروي قصة سنان باشا الذي تولى ولاية دمشق في نهاية القرن التاسع عشر، وكان قد تجاوز الستين. والأمور قد تجاوزت كل درجات السوء، فلا الشعب جدير بالحرية، ولا الدولة جديرة بالاحترام، ولا الوالي جدير بالحكم. وكان الانكشاريون هم الذين يحكمون فعلاً، فيجرّون الولاة المتمردين في الشوارع. وكان لابد لسنان باشا من أن يقوم بعمل ما يفرض فيه هيبته وقوته، وإلا ابتلعه آغا الانكشارية. فاعتمد على فلاحي الغوطة بزعامة الحسن ليكونوا القوة التي يستند إليها، وتقف في وجه الانكشارية. وعندما يثير آغا الانكشارية الشغب ويعلن العصيان يقضي عليهم سنان بفلاحي الغوطة.‏

ويكسب إلى جانبه (سلمون) المرأة المعروفة بسوء السمعة، والتي تدير منزلاً للدعارة. ولها نفوذ واسع في المدينة، ويعتمد الآغا عليها في كثير من الأمور نظير حمايته لها.‏

ويأخذ الحسن السلاح من مخازن الانكشارية فيوزّعه على فلاحي الغوطتين. ويعقد اجتماعاً مع رئيس التجار ليحلّ مشكلة الإضراب وغلاء الأسعار، فيخفض ثمن الخبز من اثنتي عشر مصرية إلى أربع، ويوعز بفتح الأسواق نظير إلغاء بعض الضرائب.‏

أما سنان باشا فيشجع الشيخ التهامي (متعهد الضرائب) على الزواج من سلمون، حتى يوافق. ولكن التهامي الأصغر ينتحر بإلقاء نفسه من فوق مئذنة الجامع احتجاجاً على تصرّف أخيه، وغيرة على الدين والأخلاق، ثم يولم سنان باشا وليمة يدعو إليها الآغا. وحين يحضر يأمر باعتقاله، ثم قتله. ويسرّح جند الانكشارية، ويأمرهم بالذهاب إلى الحقول للعمل فيها، بعد أن حل أبناء الفلاحين محلهم في حمل السلاح وحماية الولاية. ويتفق مع سلمون على أن تغادر هي وبنات الخطأ إلى الأحياء والحارات، ويأمر بإحراق سوقهن، وبناء مسجد في مكانه. ويزوج الحسن ابنته فاطمة لكي يضمنه إلى جانبه. وهكذا يضع يده على كل تقاليد الحكم في ولايته.‏

***‏

ثم ينتقل الباحث عرسان إلى مناقشة قضايا ومشكلات مسرحية، فيبدأ بعرض موضوع (الفصحى والعامية ولغة الحوار المسرحي)، ويبدأ بالموضوع منذ العنعنة والكشكشة في لهجات القبائل العربية قبل الإسلام، ثم في اختلاط العرب بالأعاجم أثناء الفتوحات الإسلامية، ونشوء اللغة العامية، لينتهي إلى العصر الحديث، حيث عانت اللغة العربية من تعصب الطورانيين حين فرضوا لغتهم التركية في المعاملات والقضاء والتعامل. ثم جاء الغرب بجيوشه، راغباً في استعمار الإنسان قبل البلدان، وفارضاً لغته الأجنبية على البلدان التي احتلها بقوة السلاح.‏

وحين انحسر المد الاستعماري ترك ذيولاً في البلدان التي احتلها استمرت في الدعوة إلى نبذ العربية الفصحى، واعتماد العامية، فقد وضع سبيتا SPITTA مدير دار الكتب المصرية آنذاك كتاباً عام 1880 بعنوان (قواعد اللغة العربية في مصر) انبثقت منه الدعوة إلى اتخاذ العامية لغة أدبية (د. نفوسة زكريا- تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر- دار المعارف بمصر 1964 ص18). كما وضع سعيد عقل في لبنان كتباً في الدعوة إلى العامية، واستبدل الحرف العربي بالحرف اللاتيني في الكتابة.‏

ثم يورد الباحث عرسان أسماء دعاة العامية، وحججهم، ليصل إلى (لغة الحوار المسرحي) فيرى أن رواد المسرح العربي في بلاد الشام (النقاش، والقباني، ونجيب حداد) قد استخدموا الفصحى في المسرح، بخلاف يعقوب صنّوع، ومحمد عثمان اللذين قدّما نصوصهما بالعامية المصرية.‏

ثم جاء الشاعر أحمد شوقي فأعلى لغة المسرح ورفع الحوار على جناح الشعر، وكذلك فعل توفيق الحكيم حيث عزز مكانة الفصحى هو وغيره أمثال باكثير، والشرقاوي، وعبد الصبور، فاتسع مد الفصحى التي تمكنت من المسرح ومن باقي الأجناس الأدبية.‏

ويقف الباحث عرسان إلى جانب استخدام الفصحى في الحوار المسرحي للأسباب التالية:‏

1- المسرح أدب عماده الكلمة المجنحة والقادرة على التأثير بسحر البيان، والفصحى هي الأقدر على ذلك.‏

2- المسرح بوصفه فناً وأدباً هو جزء من المعطى الثقافي، ومقوّم من مقومات شخصية الأمة وفنها. ولابد أن يحمل قضاياها، وأصالتها، والفصحى هي وعاء هذه المعرفة، بينما العامة لهجة، وليست لغة. ومصدرها الجهل والأمية.‏

3- العامية لا قواعد لها ولا أصول ولا ثوابت.. وهي تتغير من قطر لآخر، ومن مدينة إلى أخرى، ومن ريف إلى مدينة، ومن قرن إلى آخر، بل ومن حي إلى آخر، فلا يمكن أن تكون موحّدة.‏

4- الفصحى واسعة ومرنة والعربية مثلها مثل سائر اللغات الحية في العالم: فيها لغة الكتابة، ولهجة التخاطب، ومن المعروف أن لغة التخاطب أقل دقة من حيث هي لغة.‏

5- ينبغي أن تكون ألفاظ المسرح أكثر بلاغة من مثيلاتها في الحياة اليومية، وأن تكون معبرة باقتدار.‏

وفي موضوع (المسرح العربي بين الأصالة والتأصيل) يردّ الباحث عرسان على الذين ينكرون وجود مسرح عربي قديم بإحالتهم إلى كتابه الهام (الظواهر المسرحية عند العرب)، حيث جمع فيه كل الاحتفالات والتجمعات التي يمكن أن تكون مسرحية، منذ أسواق العرب، والمنافرات، والنائحات، وصلوات الاستسقاء في العصر الجاهلي، إلى الحج والطواف حول الكعبة في العصر الإسلامي، ثم مجالس المغنين، والمندرين، وعاشوراء، والاحتفالات الشعبية، والقصّاص، والحكواتي، والأراجوز في العصور التالية. بل إنه يتعدى هذا كله إلى الحضارات العربية القديمة البابلية (جلجامش)، والفرعونية (أوزيس وأوزوريس)، والكنعانية (أدونيس)، والأوغاريتية (أقهات)، والفينيقية، والآرامية.. إلخ وكلها ترك تراثاً ثقافياً يحتل الاحتفال جانباً كبيراً منه، وإن لم يكن يسمى مسرحاً.‏

وقد كان منهج الباحث عرسان في عرض أعلام من المسرح العربي هو الحديث عن حياة كل منهم، ثم الحديث عن أعمالهم المسرحية. أما مشكلات المسرح وقضاياه فقد استأثرت بجهوده لأنه عاد فيها إلى مصادرها الأساسية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244