وجوه الماس البنيات الجذرية في أدب علي عقلة عرسان - محمد عزام

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:48 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

الفصل الرابع علي عقلة عرسان شاعراً

رغم أن الأديب علي عقلة عرسان معروف بنشاطه المسرحي: تنظيراً وإبداعاً، وبمقالاته الثقافية الغزيرة، فإنه أسهم- أيضاً- في ميدان الشعر، فوضع ديوانين شعريين هما:

1- شاطىء الغربة (1986).

2- تراتيل الغربة (1993).

وتمتد قصائدهما، زمانياً، بين عامي 1961 و1991 أي أنها تغطي مرحلة زمنية تزيد على الربع قرن، كما تتراوح قصائدهما، مكانياً، بين دمشق، والقاهرة، وباريس، وموسكو، وأثينا، وصبرا.

وللوهلة الأولى تبدو (الغربة) جذراً (ثيمة) في عنواني الديوانين، فهل هي كذلك؟

هذا ما ستجيب عنه الدراسة التالية التي تتبنى المنهج الجذري (الثيمي) التي نعتمد فيها تحليل البنيات التالية:

1- البنية السطحية.

2- البنية الدلالية.

3- البنية الجذرية.

 

1- تحليل البنية السطحية للشعر:

في مناقشة البنية السطحية للنص الشعري يمكن معالجة المستويات التالية: المستوى البصري، والمستوى الصوتي، والمستوى الصرفي والنحوي، والمستوى المعجمي.

1- المستوى البصري:

إذا كان الشعر في حضارات العالم القديم، قد احتاج إلى الموسيقى، ليكون أشد تأثيراً في الأسماع، باعتباره (يُسمع) ولا يُقرأ، ويُنشد أو يُتغنّى به من قبل الشاعر أو روايته، فإنه قد انتقل، في ظل حضارتنا الحديثة، إلى مرحلة القراءة بالعين. ومن هنا كان انصراف الشعراء عن توفير جماليات ما يطرب الأذن إلى ما يطرب العين، بعد الانتشار الهائل للطباعة، "بعد أن تجاوزنا مرحلة (ربابة الراعي) بإيقاعها البدائي البسيط إلى مرحلة البناء الموسيقي المتداخل، وانتهت في حياتنا مرحلة (القصيدة العصماء) بأبياتها المئة، تجلد أعصابنا بقواف نحاسية مرصوصة كأسنان المشط، نعرفها قبل أن نعرفها. الشعر العربي الحديث يُسمع بالعين، أي أنه موسيقى مقروءة، وهذا دليل آخر على دخوله مرحلة التحضر". (نزار قباني- الشعر قنديل أخضر- منشورات المكتب التجاري- بيروت 1964 ص41-2).

بيد أن الفضاء البصري للنص الشعري يعتبر (الكتابة) موضوعاً سيميولوجياً، و(نسقاً) دلالياً يمكن تحديده وضبطه، وذلك برصد الكتابة كشكل أو كنسق أو كنظام من الأدلة التي يمكن دراستها، حيث يتدرج التحليل من الوحدات الصغيرة (الغرافيم) التي هي أصغر وحدة خطية في الكتابة، إلى الحروف، فالكلمات..إلخ.

وشعر عرسان لم يُكتب بخط اليد، وإنما هو مطبوع، ومع ذلك فإن (الحرف) فيه يحمل دلالة اتفاقية ناتجة عن طبيعة اعتباطية هي علاقة الفضاء بالجسد الخاص للقارىء، ذلك أن الحروف العربية بعضها واحدي الشكل، ثنائي المدلول البصري (مثل: ف ق- ك ل)، وبعضها واحدي الشكل واحدي المدلول البصري (مثل: أ- م- ن- هـ- و- ي). وبالطبع فإن الشكلين متوافران في شعر عرسان.

أما كثرة الحروف المنقوطة أو المتشابهة فتدل على انسجام أكثر في النص، ولكن هذا لا يعني أن الحروف غير المنقوطة لا جمال فيها، فتداخلها يزيد في جماليتها البصرية، ذلك أن العين، لا الأذن، هي التي تقوم بعملية مسح (العلامات) المكتوبة، بحيث يمتلك القارىء (الوحدات الدالة)، ويؤلف بينها، من أجل بناء (المعنى). و(الكتابة) ليست تنظيماً للأدلة على الأسطر فحسب، وإنما هي- أيضاً- توزيع البياض والسواد على الصفحة البيضاء. فالفضاء الخطي هو مساحة محدودة، وهو فضاء مختار و(دال) بمجرد أن نترك حرية الاختيار للشخص الذي يكتب، رغم أن هذه الحرية ليست مطلقة، وإنما هي مقيدة بقواعد تواضعية، من مثل أبعاد الحروف، وتنظيم الكلمات على الصفحة، والفراغات، والهوامش، وعلامات الترقيم..إلخ.

ولعبة (البياض والسواد) ذات (دلالة) بصرية، فالمساحات (السوداء) الأفقية هي مناطق نشاط يتم فيها خلق الأشكال، والمساحات (البيضاء) تعتبر مساحات سكون، لأنها تقدم مناطق منفتحة لا تشهد أية عملية بناء، ومع ذلك فهي مفتوحة على تداعيات القارىء وخيالاته وإيحاءاته، وقد عرف الشعراء المعاصرون (دلالة) البياض الإيحائية. فقال مالارميه: "إن للبياض في القصيدة أهمية ظاهرة، والنظم يقتضيه باعتباره صمتاً يحيط بالقصيدة". ولكن هذا (الصمت) ليس (صمتاً) ساكناً، وإنما هو صمت (ناطق) ذو دلالة وإيحاء.

وفي شعر عرسان كثير من المساحات البيضاء التي أرادها الشاعر دالة موحية، وأراد من وضع كلمة واحدة في السطر أن ينصب اهتمام القارىء كله عليها، كما في قوله:

آه من عصري أنا ، عصر الدويلات

الشقيه

يعرب صار بلاداً تكسر الظهر

القويّا

يأمر "الغرب" فتلقي عند ساقيه

التحيّه (تراتيل ص101)

كما تساعد علامات الترقيم على تقييم الكلام، وترتيبه، وتوضيح المقصود منه، وتلوينه بالاستفهام والتعجب والاعتراض.. إلخ. وهي ذات أثر كبير في القراءة البصرية. وغيابها أو تغيير مواقعها يوقع النص في الاضطراب واتساع الدلالة، ذلك أن علامات الترقيم إنما هي (دوال) على (دلالات)، وغيابها يذهب بجزء من المعنى أو يغيره.

ومحاولات بعض شعرائنا المعاصرين الذين يمتنعون عن وضع علامات الترقيم في نصوصهم الأدبية، بدعوى أن هذه (العلامات) تثقل انطلاق النص، إنما يغامرون في الجنوح الشكلي، ويفقدون النص الكثير من أهميته وتحديد دلالته.

وفي شعر عرسان تحدد (علامات) الترقيم (دلالات) الدوال:

مَنْ ترى علمني الذل وأشباه

السور؟‍

لا أبي أستاذه "يهوه" ولا ربي

حجر؟‍

ولكن توظيفها حسب مقتضى الحال جعل الشاعر غير مولع بلعبة الأشكال الشعرية الجديدة، وإن وظّف- أحياناً- بعضاً من جمالياتها، كما في استخدامه الأسهم مثلاً:


ينزف يزحف


يزحف ينزف (تراتيل ص25).

2- المستوى الصوتي:

ويتجلّى في تحليل الأصوات، والنبر، والإيقاع، والوزن، والقافية. ولاشك أن للمستوى الصوتي (الفونولوجي) تأثيراً كبيراً في عمليتي الإبداع والتلقي، وأنه يبرز الوظيفة التي تتمثل في التمييز بين الوحدات الصوتية، حيث يترتب عن تغييرها في النظام تغيير الدلالة. ولهذا يهتم الدارس بالوحدات الصوتية (الصوامت، الصوائت)، وبالمقاطع الصوتية ودورها في تلوين الحديث، من حيث التكرار والإيقاع والتجانس.

وتحليل المستوى الصوتي يتناول الملامح الصوتية، كتكرار أصوات بعينها، ساكنة أو متحركة، مهموسة أو مجهورة، مرتكزة أو منبورة، وكاستخدام أنواع معينة من المقاطع: طويلة أو متوسطة أو قصيرة، كالعلاقة بين الإيقاع والنبر، والارتكاز والطول، وتوزيع الظواهر البديعية من سجع وجناس وطباق.. إلخ.

وبما أن الصوت وسيلة تعبيرية، لأنه (دال) مادي على (مدلول) ذهني، فإن اللغة - أيضاً- ذات وجهين: دال، ومدلول، كما يرى سوسير، ولا يمكن تمزيق وجهها دون أن يصل التمزيق إلى ظهرها. ولهذا تبدو ذات دلالة مزدوجة: سطحية، وعميقة. وهذا (الازدواج) يحتّم القول بعدم شرعية أية نظرية جمالية للأدب لا تأخذ بعين الاعتبار مادتها (الدّالة).

وأصغر صورة صوتية في التحليل هي (الفونيم)، وهو سمة مجهورة أو مهموسة، مرققة أو مفخّمة..الخ، وتتراوح (الفونيمات) كثرة أو قلّة، وجهراً أو همساً، حسب الحالة النفسية للشاعر، وحسب موضوعه، ومن هنا تسمية محمد مندور للشعر المهجري الرومانسي بـ(الشعر المهموس)، بخلاف القصيدة التقليدية ذات الأصوات المجلجلة، والخطابية المنبرية، أما شاعر القصيدة الجديدة فقد لجأ إلى الهمس الدافىء الحنون القريب من مشاعر المتلقي.

وإذا كان الصوت لا يعني الحرف، فإن بعض الألسنيين يجعل للحروف صفات: فالباء مثلاً تدل على بلوغ المنى، والتاء تدل على الاضطراب، والثاء على التعلق، والجيم على العظم، والحاء على التماسك، والدّال على التصلّب، والذّال على التفرد..إلخ (عبد الله العلايلي- مقدمة لدرس لغة العرب- القاهرة 1963).

ولعل أهم أثر للصوتيات في الشعر العربي يتمثّل في الوزن، والقافية، والإيقاع. أما الوزن فهو أحد العناصر الأساسية في تحديد مفهوم الشعر. وقد أجمع النقاد العرب القدماء على أن الشعر هو (الكلام، الموزون، المقفّى، الدال على معنى).

والشاعر عرسان لم يلغ الوزن، بل عدّل فيه، فكتب القصائد التقليدية والقصائد الجديدة ذات التفعيلة، واختار الوزن المعبّر عن حركة المشاعر، موجداً - بذلك- القيم الجمالية النابعة من طبيعة الشعر، لا من قوالب جاهزة تحدّ من انفعال الفنان. ولكنه لم يستشعر وطأة الموسيقى الشعرية التقليدية ذات القوالب المسبقة الصنع على مشاعره فحاول الجمع بين التقليد والتجديد، مواكباً محاولات روّاد الحداثة الشعرية في الخروج من الإطار الموسيقي للقصيدة التقليدية، إلى إطار جديد، كما في قوله:

أنا لا أحنّ إلى الرفاه، وجرّ أثواب الحرير

شوقي إلى كوخ صغير من قصب

ليلمّ أضلاعي الشريدة في الطريق

ليصون من وحل الأزقة جبهتي (شاطىء ص22)

وكما اعتمد الشاعر القافية أحياناً، فإنه استغنى عن حرف الروي كي لا يعيد مأساة التكلف والتزييف في الفكر والشعور، والتزم بنوع من القافية المتحررة المرتبطة بسابقاتها ولاحقاتها ارتباط تآلف وانسجام، وبذلك أصبحت القافية هي النهاية التي تنتهي عندها الدفقة الموسيقية الجزئية التي ترتاح إليها النفس في ذلك الموضوع، وهي التي يستدعيها السياقان الموسيقي والدلالي، باعتبارها الكلمة الوحيدة التي تضع نهاية للسطر الشعري ترتاح النفس للوقوف عندها. ومن هنا أصبحت القصيدة الجديدة نفساً واحداً أو تكاد:

هذه.. قدّام عيني طبريّا

أشرقت.. والعار يكسوني ويدمي

مقلتيا. (تراتيل ص99).

وقد اعتمدت القصيدة الجديدة الإيقاع الذي يتعدى الوزن والقافية إلى المستويات التركيبية والصرفية والدلالية. فهو نسيج تبرزه العلاقات بين مختلف هذه المستويات، وهو يتجلى في ظواهر بلاغية ونقدية مثل: التصريع، والترصيع، والتوازي..إلخ.

ووظيفة الإيقاع هي استنفاذ الطاقة الشعورية، وأثره ثلاثي- حسب ورد زورث- فهو عقلي في تبيانه غاية النظام والدقة في العمل الفني، وهو جمالي في خلقه جوّاً من التأمل الخيالي الذي يضفي على الموضوع نوعاً من الوجود الخصب، وهو نفسي في معادلته لإيقاع ضربات القلب.

3- المستوى الصرفي والنحوي:

ويتناول الأول دراسة أحوال الكلمة، من حيث إفرادها وتثنيها وجمعها، وتعريفها وتنكيرها، وتذكيرها وتأنيثها، وأحوال الفعل ودلالاته على الزمن والجنس والعدد والهيئة.. إلخ. ويتناول المستوى النحوي أحوال الجملة والتركيب.. ويستغلّ هذان المستويان إمكانيات النحو لتوفير العنصر الجمالي، ويكشفان عن طبيعة الاختيارات التي ينزع إليها الشاعر في تشكيل بناه السطحية.

والملاحظة النحوية الأولى في تراكيب الشاعر هي إدخاله (أل) التعريف على الفعل المضارع، كما في قوله:

هذا شرط الأمل الفحل الـ"يضرب" أرض الناس

فتلقح عيشاً رحبا

هذا شرط الحرف الـ"يرفع" أملاً، يصنع عمراً حيّا

.. هذا شرط الحرف الـ"يوقد" نار الساري (شاطىء ص235- 7).

و(أل) التعريف هنا هي اسم موصول بمعنى (الذي). وقد استعملت، على ندرة، في الشعر العربي القديم.

والملاحظة الثانية هي استخدام الأسهم كموصلة بين الكلمات، عن أقرب طريق، للمعاني، وكمتعة للرؤية إلى جانب الرؤيا، وهو نوع من التحديث، كما في قوله:

 


يشدّ الشمس إليه يذوب


يرشّ الماء عليه يذوب (شاطىء ص247).

4- المستوى المعجمي:

ويدرس عمليات النحت والاشتقاق والتركيب والتعريب والنسبة والتصغير. كما يدرس بنية الكلمة ودور المبنى في تغيير المعنى، ويبحث في المفردة من حيث اشتقاقها وتجرّدها وزيادتها.

ويلاحظ في مفردات الشاعر عرسان هو استعماله الفعل المضارع بكثرة (أرمي، نجوب، نكشف ، يهفو ، ولا تحسبن، أدق ، تورق ، يأخذ ، نرفع ، يشرق .. إلخ). ومن الواضح أن استعماله الفعل المضارع يعطي الخطاب حيوية وحركة واستمراراً بأكثر مما يفعل الفعلان الآخران : الماضي ، والأمر.

أما الأسماء المستخدمة في قصائد الشاعر فتتراوح بين المعرفة والنكرة ( العالم ، الأطفال ، الضحك ، العيد ، العصر ، أغراب ، جند ، شرار ... إلخ ) وغالباً ما يرافق الاسم نعت له ( الأب الصامت، العصر الملعون ، البنادق المزدانة ، مقامك الطهور...إلخ).

أما دور المباني في تغيير المعاني فيتجلى في حروف الزيادة التي تلحق الأفعال. ومن المعلوم أن كل زيادة في (مبنى) اللفظة تقابلها في (معنى) اللفظة، فمثلاً زيادة الهمزة (أفعل) تدل على التعدية، وتضعيف العين (فعّل) يدل على التكثير، وزيادة الألف (فاعل) تدل على المشاركة، ووزن (انفعل) يدل على المطاوعة.. إلخ. وقد استخدم الشاعر هنا الكثير من هذه الأفعال المتعدية (من مثل: أكرم، أقارف، تنظّمها، أيقنت، يرتمي، أمحو، ناشدنا..إلخ) وكلها تزيد في معاني هذه الأفعال.

كما يمكن الاهتمام بـ(المقابلات الضّدّية) التي ترجع فكرتها إلى ليفي شتراوس، الذي انتقل بفكره من النيء/ البدائية إلى المطبوخ/ الحضارة. حيث تدفع هذه التعارضات الثنائية إلى إيجاد حقل متوازن، ففكرة (النيء/ والمطبوخ) يمكن أن تقابل فكرة (الطباق) في البلاغة العربية، إذ أن (الليل والنهار)، و(الأبيض والأسود)، و(الأعلى والأسفل) هي (مقابلات ضدية) توضح الفرق الكبير بين الدلالتين، وإن لم تمتد منهما إلى أكثر من ذلك.

ولعل دراسة عناصر البلاغة العربية، في بيانها وبديعها ودلالالتها، على ضوء المناهج النقدية الجديدة تبين أن العلاقات السطحية للشعر، كالصور والبديع، لا يمكن أن تفي بالغرض، ما دامت تكتفي بالوقوف عند البنيات السطحية للحديث الأدبي، والمطلوب هو تجاوز تحليل هذه البنية السطحية للأدب إلى البنية الدلالية، والعميقة، كما فعل شتراوس مثلاً في دراسته لعدد من الأساطير، حيث كشف عن الطبقات المتعددة للدلالات والمعاني.

و(المقابلات الضدّية) اللفظية موجودة على قلة في شعر الشاعر عرسان، وأكثر منها المقابلات الضدية المعنوية. يقول:

خذ يا واهب. خذ

فلأنت الأول والآخر

ولأنت الكاسر والجابر

ولأنت الناهي والآمر

ولأنت الأمن وأنت الخوف (تراتيل ص37).

وهذه (المقابلات الثنائية) تجسّد الصراع في عنصر التغير التضادي، وتتركز في الأجزاء التي تمثل الصراع بين الموت والحياة، حيث يتم افتراس الإنسان المعاصر، بأنياب الغربة ومخالبها، وهو بين أهله وذويه.

*

 

2- تحليل البنية التشكيلية للشعر:

على مدى أكثر من ألف وخمسمئة عام نشأت القصيدة العربية، واستمرت حتى اليوم، مؤكدة على توافر عناصر فنية محددة لا تقبل التنازل عنها، حتى جاء العصر الحديث بثوراته في كل مجال، حتى مجال الشعر، فأدخل تطوراً هائلاً على جماليات القصيدة، وعلى الأخص بنيتها التشكيلية، وسنعرض لبنية القصيدة في مرحلتيها: التقليدية، والجديدة.

1- بناء القصيدة التقليدية:

كانت القصيدة العربية التقليدية تتألف، بنيوياً، من أبيات مستقلة، ذات شطرين متساويين، لا يجمع بينها سوى الوزن العروضي ووحدة القافية (أو بالأحرى حرف الرويّ). أما موضوعياً فكانت معرضاً للموضوعات المتعددة. ولكن يمكن تحديد أربعة عناصر موضوعية متوافرة في معظم القصائد التقليدية القديمة، وهي:

أ- المقدمة الطللية: حيث يقف الشاعر على أطلال حبيبته واصفاً، وذارفاً الدموع، وقد يستوقف الركب والرفيق ليشاركه أساه.

ب- الغزل والنسيب، وفيه يستعيد الشاعر ذكرى أيام لهوه مع حبيبته، ويعيد رسم مفاتنها الجسمية والمعنوية.

ج- وصف الرحلة والراحلة والصحراء، حيث يقطع الشاعر الفيافي والقفار، وما لاقاه فيها من حر الهاجرة، وقلّة الزاد، وما تعرض له من مخاطر وأهوال، حتى ينتهي إلى الغرض.

د- الغرض، وهو المديح أو الفخر أو الهجاء..

وقد أسهم النقد العربي القديم في تثبيت هذه البنية، فقال ابن قتيبة في كتابه (الشعر والشعراء ص21): "والشاعر المجيد منْ سلك هذه الأساليب، وعدل بين هذه الأقسام، فلم يجعل واحداً منها أغلب".

وقد أخفقت كل الثورات التي حاولت تحطيم بنية القصيدة التقليدية، منذ أبي نواس الذي حاول استبدال المقدمة الطللية بمقدمة خمرية، والموشحات الأندلسية التي طوّرت لكنها لم تستمر، والشعر الشعبي الذي ازدهر في بعض العهود ثم خبا. وظلّت القصيدة التقليدية حتى اليوم مثار إعجاب الجمهور الأكبر من القراء، بجمالياتها المتوارثة.

*

2- بناء القصيدة الجديدة:

لم يعد الشاعر العربي الحديث يطيق الأثواب الجاهزة، فكل مبدع يختار الثوب الذي يرتاح فيه، ولم يعد يضع أفكاره في قوالب مسبقة الصنع، لأنه يرى أن البيان والبديع والطباق والجناس وما يتصل بها من فسيفساء لغوية ليست سوى حذاء صيني أعاق الفكر العربي قروناً عن النمو والحركة (نزار قباني- الشعر قنديل أخضر ص36).

لكن هذه الدعوة لم تصل إلى حدّ إلغاء الأثواب الفضفاضة في شعرنا، لأن هذا الإلغاء معناه "العري الأدبي التام"، واكتفى الشاعر الحديث بالمطالبة بتعديل هذه الأثواب بشكل يجعلها عصرية وعملية ومريحة.

وعندما تفجرت ثورة الشعر الحر تجاوزت هذا (التطوير) إلى (تحرير) الشعر من قيوده الفنية التقليدية، ومنها البناء التشكيلي للشعر، حيث تعددت البنى الهيكلية للقصيدة الجديدة: من هيكل ذهني، وهرمي، ومسطّح، إلى إطار دائري مغلق، وحلزوني، ومفتوح (انظر كتابنا: بنية الشعر الجديد- الدار البيضاء 1976 ص27).

وقد تراوحت قصائد الشاعر عرسان بين النموذجين: التقليدي، والجديد، وكتب وفق كليهما، يقول في إحدى قصائده التقليدية:

يا شام هزّي غصون الروح تلتقطي

 

خير الثمار، وبنداً عالياً خفقا

يا شام قولي يكن، يا شام هبّي يؤن

 

وقتٌ نصون به حقداً غدا مِزّقا

ما كنت يوماً لنا يا شام غير هدى

 

ووثبة للعلى شمّاء ذات رُقى

(تراتيل ص75)

أما قصائده ذات البناء الجديد فهي الأكثر كماً ونوعاً، لما يسرته له من راحة في التعبير. يقول في إحداها:

أنا فلاّح يا ساده

أقدّم للتراب دمي بلا منّه

ومن تعبي يصير العشب أحمالاً من التبر

ومن تعبي يشيد الناس في بلدي

قصور العزّ بالمرمر

ومن تعبي تغذّي الغيد في وطني

لهاث الريح بالعنبر

أبي غذّى بني عثمان بالأموال والأثمار والسكر

ومات أبوه مذبوحاً دفاعاً عن "جنق قلعة"

ومن تعبي تغذّى الأشقر الغربي في وطني

.. وألبسني ثياب الذل أعواماً، وأعواما

وكان القصد أن أركع

ومرّ العام بعد العام لم أركع (شاطىء ص136- 7)

وقد تراوحت قصائده الجديدة بين البناء الدائري المفتوح (قصيدة: عودة)، والقصيدة ذات البنية الدرامية (قصيدة: في بحر الفراغ، وقصيدة يا رفيقي وصديقي)، والقصيدة ذات البناء المقطعي (كما في قصيدته: شاطىء الغربة المؤلفة من ستة مقاطع، تتطور الأحداث خلالها، ففي المقطع الأول يعرض الشاعر أساه، وفي الثاني يخاطب خالقه، وفي الثالث يذكر ذكراها، وفي الرابع يستطلع الغيب، وفي الخامس يخاطب أمه، وفي السادس يتساءل وهو في حالة انتظار). فهو يقول:

يا شاطىء الغربه

هل يرجع الملاّح

حلّيت كأس الراح

هل يستقي شربه

في مهمه الرغبه (شاطىء ص18)

*

 

3- تحليل البنية العميقة للشعر:

وتتولّد من العناصر السابقة (الصوتية، واللفظية، والتركيبية)، فلا يمكن تصور دلالة دون صوت أو نظام نحوي محدد، ولا يتسنى لنا الوصول إلى نتائج علمية في تحليل النص الأدبي دون التوسل بتلك المستويات، ذلك أنها كل متكامل، وظيفياً ودلالياً.

ويرتكز تحليل البنية العميقة، في التحليل الجذري، على الاحتمالات السياقية، وهي مجموع العلاقات المسموح بها للفظ معطى، حتى إن ت.س. إليوت نظر إلى النص الشعري "كاستعارة واسعة". وللاستعارة طابعها الخاص بها، فهي تشترك مع الظواهر البلاغية الأخرى للنص الشعري في إعادة تركيب القواعد الدلالية. ولهذا سنعالج الصورة الشعرية، وتوظيف التراث في الشعر، باعتبارها أكثر ارتباطاً بالبنى الفنية العميقة التي تستدعي التأمل من أجل استيعابها، بخلاف البنية السطحية التي تسلّم نفسها للقارىء منذ القراءة الأولى.

1- الصورة الشعرية:

وهي في الشعر التقليدي ترتيب للوقائع لا للمشاعر، ذلك أن الشاعر التقليدي يحاول إخضاع الداخل للخارج، وينسق مشاعره وفقاً للطبيعة، بينما يحاول الشاعر الجديد تنسيق الطبيعة وفقاً لمشاعره، حين يخلع ذاته على موضوعه، ويعتبر الأدب تعبيراً بالصور، والشعر تمثيلاً للحظات الأقوى في الحياة، اللحظات المفعمة بالانفعال المتوهج، ذلك أن الصورة الشعرية هي أعلى ما يرشّح الشاعر للمجد، لأنها جوهر الشعر، فهي تحيل المجردات إلى امتثالات عينية أو سمعية أو ذوقية تنفعل لها الحواس.

وتمتزج الصورة الشعرية بالفكرة، فليست الصورة تعبيراً عن الشعور أو الفكرة، ولا هي وسيلة لنقل الشعور أو الفكرة، وإنما هي الشعور نفسه، وهي تتولد، تلقائياً، مع الشعور نفسه أو الفكرة نفسها، ومن هنا إيماننا بأنها عنصر فني فيالبنية الدلالية للقصيدة، لأنه لا يمكن أن نعثر على الفكرة بصورتها الأولى، إذ تختفي وتصبح تصوّراً، ذلك أن الصورة الفنية تركيبة وجدانية تنتمي إلى عالم النفس أكثر من انتمائها إلى عالم الواقع، يقول الشاعر:

مرّت عليه أصابع الفجر النحيل

وباركت فيه النضارة والشباب

فاخضلّ طرفه من أسى

واهتزّ يرفع للضياء البكر أدعية الهضاب (شاطىء ص103).

وإذا كانت الصور الشعرية تتنوع بين الصورة الحديثة، والصورة الذهنية، والصورة الرمزية.. إلخ، فإن ما يلاحظ في شعر عرسان كون صوره مفردة، تقدم تصويراً جزئياً محدداً. وتنبع أهمية صوره من تعبيرها عن المعاني والأبعاد النفسية للتجربة الشعرية ومن ثم كان لهذه الصور البسيطة دلالالتها المعنوية والنفسية المستقلة في ذاتها، ولكنها- في الوقت نفسه- ليست منعزلة انعزالاً تاماً عن غيرها من الصور، يقول الشاعر:

الحرف الأخضر غادرني في صبح العيد، كليل الطرف

وراح يهيم بعيداً عن دنيا الأحياء

ووجدت أمامي عنقوداً من حشف القول (شاطىء ص151)

وسواء كان بناء الصورة المفردة في شعر عرسان عن طريق تبادل المدركات (التجسيد، أو التشخيص، أو التجريد)، أو عن تراسل الحواس، فإن الغالب في شعره بناء صوره عن طريق التشبيه والوصف المباشر، يقول الشاعر:

في ليلة صيف

يومض فيها الحلم كسيف (شاطىء 253).

إن الصور البلاغية نتاج التخيّل، وهي انزياح (أو انحراف، أو عدول) عن الكلام العادي، و(خرق) لقانون اللغة، من أجل خلق لغة شعرية جديدة. وبهذا يغدو الشعر نقيضاً للنثر، يحطّم اللغة من أجل إعادة بنائها، فعندما نقول: (رقصت الشجرة) أو (انطلقت الفكرة) فإن قوانين الاطراد والنحوية قد توافرت في هاتين الجملتين، ولكن الذي أعطاهما اختلافهما أو شعريتهما هو دلالتهما المركبة المختلفة، أو بالأحرى (انزياحهما) عن موقعهما الدلالي العادي، إلى موضع دلالي شعري. ومن هنا يمكن القول إن هاتين الجملتين، وإن كانتا قد تقيدتا بقوانين النحوية والدلالية، فإنهما (خرقتا) القاعدة (العادية) حين تحولنا بالخطاب من (المباشرة) إلى (الشعرية)، وهذا (الخرق أو الانزياح) هو الشعرية، حسب جان كوهين في كتابه (بنية اللغة الشعرية).

وهكذا تصبح اللغة الشعرية تعبيراً غير عادي عن عالم عادي، وتصبح القصيدة (كيمياء) الفعل التي تحدث عنها رامبو. تلك الكيمياء التي تجمع داخل الجملة/ الصورة كلمات لا تجتمع من وجهة نظر المقاييس الاستعمالية العادية للغة، فـ (الشمس السوداء، والليل الأبيض) إنما هي أوصاف غير مطابقة لموصوفاتها، وبالتالي فإن فيها (انزياحاً) عن معانيها الأصلية، وهذا (الانزياح) هو (خرق) لقواعد اللغة، وبالتالي فهو (الشعر).

وعلى هذا الأساس تمكن معالجة الصور البلاغية في الشعر، فعندما أقول: (رأيت حاتماً) وأنا أعني رجلاً كريماً يشبه حاتماً في الكرم. فهذا يعني (تحويل) اللفظ من معناه الاصطلاحي إلى معنى أعمق وأبعد هو (الاستعارة). وعندما أقول: (فلان نقي الثوب) فهذه الجملة تدل على معنيين: الأول قريب مباشر هو نقاء الثوب من الأوساخ، والثاني غير مباشر وعميق، وهو مدح الرجل بنقائه من العيوب والأخطاء. وهذه (كناية) أو معنى أعمق يستخلص من المعنى المباشر السطحي.

وقد كثرت الاستعارات والتشبيهات في شعر عرسان، كما في قوله:

طار الحرفُ الأخضر

غادر قفص القلب وراح يهيم بعيداً عن دنيا الأحياء

ووجدت أمامي عنقوداً من حشف حيّ

أطفالاً ناموا ليل العيد على أحلام (شاطىء ص157).

إن (طيران الحرف)، و(قفص القلب)، و (عنقود الحشف) كلها صور بلاغية (انزاحت) عن قرائنها العادية فأصبحت استعارات شكّلت جوهر الشعر.

*

2- توظيف التراث في الشعر:

التراث ينبوع القيم الروحية والفنية يمد القصيدة بطاقات حيوية لا تنضب. وشخصيات التراث هي الأصوات التي يعبر الشاعر المعاصر، من خلالها، عن كل آماله وآلامه. وقد دفع إلى توظيف التراث في الشعر سوء الأحوال الحاضرة، وحاجة الشاعر المعاصر إلى ملجأ يقيه قسوة الحاضر، سواء كانت هذه القسوة ناجمة عن مستعمر يستنزف خيرات الوطن، ويستعبد سكانه، ويحاول فصله عن لغته وتراثه وقيمه، أو هي ناجمة عن "وطني" مستبد يبني سلطانه على رقاب المقهورين.

وإذا كانت عوامل عديدة ساعدت على شيوع ظاهرة توظيف التراث في شعرنا المعاصر، منها: الفني، والنفسي، والاجتماعي، والقومي..إلخ، فإن العامل الفني يكتسي أهمية قصوى، لأنه يقتضي تجديداً في أساليب التعبير، من أجل منح القصيدة أبعاداً جمالية أكبر.

وعرسان واحد من هؤلاء الشعراء الذين تأثروا بهذه العوامل لكونه فتح عينيه على تراكم شعري دشّنه شعراء النهضة من كلاسيكيين ورومانسيين، وجيل رواد القصيدة الجديدة، إضافة إلى الكم الهائل من الشعر التقليدي الذي نفاخر به شعوب العالم، وقد أسهم هذا كله في التصاق الشاعر بتراثه، وبحثه الدائب فيه، كمسرحي، عن (الأشكال) المسرحية في تراثنا العربي، حيث وضع فيه كتاباً رائداً أسماه (الظواهر المسرحية عند العرب) تتبع فيه (الأشكال) المسرحية في تراثنا منذ الحضارات العربية القديمة، والعصر الجاهلي، والإسلامي، وحتى مطلع العصر الحديث.

ومما تنبغي الإشارة إليه سيطرة التراث القومي العربي والإسلامي، وغلبته على التراثات الأخرى في شعره، بحيث قلّت فيه الرموز الأسطورية اليونانية والرومانية التي نجدها بكثرة في نتاج جيل رواد الشعر الحر، وكثرت الرموز العربية المستدعاة من أنصع صفحات التاريخ.

أما مصادر عرسان التراثية فهي:

1- التراث الديني.

2- التراث العربي الإسلامي.

3- التراث الشعبي.

4- التراث الحضاري العربي القديم.

5- التراث الأجنبي.

من التراث الديني استقى عرسان من القرآن الكريم، فاستشهد بسورة (الفاتحة) في قوله:

في ذلك الظل المديد

ظل الشهيد

قمنا قرأنا الفاتحة (تراتيل ص66)

كما وظّف طير(الأبابيل) المذكورة في سورة (الفيل)، والتي كانت ترمي الجيش القاصد هدم الكعبة بحجارة من سجيل، فجعلتهم كعصف مأكول. فسمّى الشاعر قصيدته (أبابيل)، ووصف فيها زحف الأعداء على العرب للفتك بهم، وأمل بمساعدة إلهية تردّ كيد الأعداء:

أقول وقد هلّت عليّ زحوفها

 

أبابيل قولي أي خبريك أخبر

أقول وقد دبّت إلينا زحوفها

 

جيوشَ الصليبيين: الله أكبر

(تراتيل ص81)

كما استمد من (التوراة) و(الإنجيل) شخصيات (يهوه) الرب، و(سليمان) النبي، في قوله:

ما سليمان على الصرح.. ولا

حتى سميّه

إنما أتباع "يهوه" والحراب

العنصريّه (تراتيل ص100)

وأما من التراث العربي الإسلامي فقد وظّف الشاعر كثيراً من شخصياته التاريخية، وأحداثه، كما في قوله:

شلّني الخزيُُ، يهودُ؟‍

وا أبا طالب، واحطين وا

تشرين.. وامعتصماه

أنقذوني يا رفاق الدرب مما في

شراييني انتشر (تراتيل ص109)

ومن المعلوم أن (وا) هي حرف نداء للندبة، وأنه يستدعي شخصيتين هما: أبا طالب عم الرسول الذي كفله ورعاه، والمعتصم الذي قيل إنه استجاب لاستغاثة امرأة عربية أصابها الروم بمكروه، فظل واقفاً حتى تم تجهيز الجيش الذي انطلق به إلى الأعداء فدمّر حصونهم على رؤوسهم. والشخصيتان من أنصع صفحات تاريخنا: الأولى في بدء الدعوة الإسلامية، والثانية في عصر الحضارة العباسية. كما أنه يستدعي حادثتين تاريخيتين عظيمتين هما: معركة حطين التي انتصر فيها صلاح الدين على الصليبيين، واستعاد منهم بيت المقدس. ومعارك تشرين عام 1973 التي توحدت فيها الجيوش العربية وحرّرت الإرادة العربية.

ومن التراث الشعبي وظّف الشاعر أغنية (من قاسيون أطلّ يا وطني) التي تروي انتصار الثورة في سورية، ولكنه يوظّفها لا على سبيل تأكيد النصر، وإنما على سبيل المفارقة: فالإذاعات تعوي بالانتصارات الوهمية، والواقع خلاف ذلك:

من قاسيون أُطلّ يا وطني

وتظل أغنيات

ويضيع صوت الشاعر الإنسان عبر البيد(شاطىء 98).

ومن التراث الحضاري العربي القديم عاد الشاعر إلى الحضارة العربية البابلية التي ازدهرت في القرن الثالث قبل الميلاد في بلاد الرافدين، وكان (غلغامش) أحد ملوكها التاريخيين، معروفاً بقوته وشجاعته، حتى قيل إن ثلثيه إله وثلثه بشر. والشاعر يستدعيه اليوم، استنجاداً من ذلّ الواقع المهين:

غلغامش يعرف أن السير وراء السر الأكبر وهم أكبر

يعرف أن الشدة تذوي مثل الوردة.

يا غلغامش لطفاً

بعض زمانك هبني

هبني بعض ودادك

بعض وجود يؤنس ليل الغربة حولي (تراتيل ص9- 13).

كما عاد الشاعر إلى الحضارة العربية الكنعانية التي ازدهرت في القرن الثالث قبل الميلاد على الساحل السوري، وإلى الحضارة العربية في شبه الجزيرة العربية، حيث كانت (قريش) سيدة القبائل العربية. وإلى عاد التي لم يُخلق مثلها في البلاد. وعودته إلى هذه الحضارات العربية القديمة ليست استدعاء لقوتها، وإنما لاتخاذها عظة وعبرة:

أحرقت كنعانَ من قبلُ الصور

أحرقت عاداً وحطّت في قريش

وقريش عَزّمات ليس تُبقي أو تذر (تراتيل ص107)

كما عاد إلى الحضارة العربية القديمة التي ازدهرت في مصر، في الألف الرابع قبل الميلاد. حيث يستدعي (ايزيس) الإلاهة التي جمعت أشلاء زوجها الإله (أوزيريس)، و(آمون) ملك الآلهة، في القرن الثاني قبل الميلاد، على سبيل الفخر والاعتزاز:

ها هنا (ايزيس) قد روّت ظماها

لفّها الماضي، ولكن ما حواها

... كي نرى (آمون) مختالاً فخور

في أبي سنبل أو آثار طيبة؟‍ (شاطىء ص45)

أما استدعاء التراث الأجنبي في شعر الشاعر عرسان فقليل، رغم أن شاعر الحداثة يحاول المواءمة بين التراث (القومي)، والحداثة (الغربية)، حيث يلتفت إلى تراثات الشعوب الأخرى ينهل منها، ويغني تجربته الشعرية والفكرية، دون أن تطغىء "الحداثة" على شعره فتقتلعه من جذوره، أو يطغىء التراث فيتقوقع وينعزل.

وقد أشار الشاعر، في هذا المجال إلى (ديوجين) الذي كان يحمل مصباحاً مضاء، في ضوء النهار، وعندما سئل: عمّ تبحث، أجاب: إني أبحث عن "الإنسان":

مرّت بهذا الكهف أقدام

ومرّ به ديوجين

مصباحه السحري غاض الزيت في جنباته

وخبا الحنين (شاطىء ص84)

أما أساليب توظيف التراث في الشعر فلعل عرسان استخدم ثلاثة (أشكال) من هذا التوظيف: أولها الاستدعاء العرضي، حيث يستدعي الشخصية التراثية، أو الحادثة التاريخية، بصورة خاطفة، لدواعٍ دلالية، كما في قوله:

آه ياقلبي تمرّد

كل يومين ترمّد

ثم كالفينيق من موت تجدد

وتمرّد (تراتيل ص103)

وثانيها: التعبير (بـ) الشخصية، حيث يحشد شخصيات تراثية عديدة، في مقطع صغير من القصيدة، قاصداً التمثيل والاستشهاد، وموحياً بأبعاد قصيّة في البطولة والفداء، كما في قوله:

وإذ (بخالد) حيٌّ

 

و(خولة) و (ضرارُ)

وجند (عقبة) سيلٌ

 

من البطولة ساروا

بنخوة من (قريش)

 

عادت وعاد (نزار)

أقول: (حطين) هذي

 

يا عرب أم (ذي قار)

(شاطىء ص125)

وثالثها: التعبير (عن) الشخصية التراثية، معبّراً من خلالها عن معاناته، ومتخذاً‌ منها وسيلة درامية في القصّ الشعري، كما في قوله:

يا ذا النون

يونس يغرق

يونس عاد لقلب (النون)

في زمن الظلم المفتون

.. هيا.. هيا.. إما نضحك أو نتقيا، يا ذا النون

مالك تسعى كالمجنون

في هذا الزمن الملعون (شاطىء ص224)

بالإضافة إلى (التناص) الشعري الذي وظف فيه بيتاً شعرياً من قصيدة: يا ليلُ الصبّ، معارضاً إياها بشعر جديد معبّر عن معاناته كشاعر ومثقف يحمل قيماً نبيلة في هذا العالم المنحط:

"يا ليلُ الصبُّ متى غدُه

 

أجفاه ولوم عوّده"

يا ليلاً كثف سرمده

 

واشتد أساه وسوّده

 

من لي بنهار أحمدُه.

(تراتيل 41)

 

*

 

4- تحليل البنية الجذرية (الثيمية) للشعر:

الجذر (أو الثيمية) هو (الموضوع) الذي تجتمع حوله كل القرابات السرية في النص الأدبي، وهو الشيء الثابت في النص، الذي يسمح لعالم حوله بالتشكل والامتداد. وهي النقطة المركزية التي ينطلق منها الناقد، أو ينتهي إليها.

و(القراءة الموضوعاتية) هي مسح لحقول حسية في النص الأدبي، من أجل تحديد أهم الخيارات الشخصية الفاعلة فيها، وبيان كيفية ارتسام دلالات الأشياء المرغوب فيها.

وقد حاول الناقد الفرنسي (ريشار) العثور على (القصد) الأساسي للكاتب، أو على (مشروعه) الذي يقود مغامرته الأدبية. ومن أجل ذلك مضى يسجل كل الأشياء التي يعرضها الكاتب: المشاهد، والأحداث، والأصوات، والصفات..إلخ. ثم يحاول ربطها جميعاً، ليعيد نظام مسيرة الكاتب. فالخطوة الأولى في هذا المنهج النقدي هي (إحصاء) مفردات كل (موضوع) في النص الأدبي. والخطوة الثانية هي (تحليل) مفردات كل حقل من حقول (الموضوعات) المستخرجة، من أجل الوصول إلى شبكة (العلاقات الموضوعية) المعبرة عن بنية الموضوعات.

وقد طبق ريشار منهجه النقدي هذا على الأعمال الإبداعية، فوجد جذر (الماء) عند ستاندال، و(الزهرة) عند مارسيل بروست، و(الهوة) عند رامبو، وفرلين، ونرفال.

فإذا حاولنا تطبيق هذا المنهج على شعر الشاعر علي عقلة عرسان، فإننا نجده قد سمى ديوانه الشعري الأول: شاطىء الغربة، وسمى ديوانه الشعري الثاني: تراتيل الغربة. و(الغربة) تجمع بينهما. فهل هي الجذر (الثيمة) المشترك بينهما؟

إن معظم قصائده تدور حول هذه (الثيمة) المركزية، فهو يقول في إحداها:

الغربة سيف الغيب، وسيف القهر

وظل المجهول، وأكبر.. وأكبر.. أكبر

والغربة تمطر في أحشائي الموت

وتمطر بعد الموت.. الموت وأكثر (تراتيل ص13)

وقصيدته (شاطىء الغربة) التي سمى ديوانه الشعري الأول باسمها، كتبها في القاهرة عام 1961، حين كان مغترباً فيها، يدرس الإخراج المسرحي في المعهد العالي للفنون المسرحية. وهي تتألف من ستة مقاطع مرقمة (بعدد أيام العمل الستة)، من شعر التفعيلة. و(ثيمتها): معرفة المستقبل المجهول. وفي ظهوراتها تبدو فكرتان متناقضتان: المستقبل السعيد، والمستقبل التعس. ولكل منهما مفرداته، فمن مفردات الأول: الأفراح، ونيسان، والشوق، والحب، والرخاء، والفجر، والغد، والخصب، والزهور، والأمل، والبشر، والأعياد، والمصباح.. إلخ. ومن مفردات الثاني: الوحشة، والأمس، والدمع، والظلم، والظلام..إلخ، وكلها مما ورد في القصيدة التي يرغب فيها من المنجّمة أن تقرأ فنجانه، وتستشف الغيب عن مستقبله المأمول. وهو يحترق شوقاً إلى أمه التي تنتظر عودته من بلاد الغربة بالخير والفائدة، وهي تشكو له المساءات الحزينة التي تعود فيها الطيور إلى أعشاشها، بينما ابنها غائب، فتنكفىء إلى بيتها حيث الوحدة والوحشة والتساؤل: تراه يوماً يعود؟.

وفي قصيدته (تراتيل الغربة) التي سمى ديوانه الشعري الثاني باسمها، والتي يهديها إلى أخيه المتوفى/ الغائب "الذكرى والروح، وحفيف الأجنحة في فضاء الأعماق، ذاك الذي لاينقطع أبداً". يشكلّها في تسعة عشر مقطعاً غير مرقّم من شعر التفعيلة. و(ثيمتها) الرئيسية هي (الغربة) سيف قاطع. وظهوراتها في المفردات/الجذور هي: الغربة، والعتمة، واليأس، والموت، والألم، والصمت، والرمس، والحفائر، والدم، والأفول، والظلم، والنأي، والقهر، والليل، والمساء، والوهم، والنعش، والشقاء، والحريق، والدموع، والجريح، والنحيب، والحراب، والغياب، واليباب، والسراب، والقبر، والضعف، والشر، والسم، والخوف..إلخ. ولاشك أن مجرد استعراض هذه المفردات يوحي بفكرتها المركزية.

أما فكرتها الثانوية الفرعية فهي مناجاة الذات في عتمة (الغربة) وظهورات مفرداتها مضادة لمفردات الفكرة الرئيسية، وبالتالي فهي تضع (الأمل) أمام عتمة يأس (الغربة).

والقصيدة معاناة لقسوة الغربة على القلب والمشاعر، ورغبة في أن يصل الإنسان إلى حقه، ويصبح:

شمساً أو شيئاً في نور الشمس

شيئاً حراً، يثمر خلقاً حراً

لا يسحقه الزحف على الأعتاب

والتبعية للأذناب

ولا يتذلل للأرباب.

ويستخلص الشاعر من معاناته هذه حكمة يهبها للأجيال التالية، وهي تشكل (بيت القصيد):

يُكسر القلبُ ولا يُروى اليراع

في حياة كل ما فيها ضياع

وبهذه الحكمة اليائسة ينهي الشاعر مقطعه. ثم يعود إلى تصوير أحزان (الغربة):

لا تقولي: مات، بل قولي: غريب

عاش يحسو الدمع من جرن النحيب

.. يا لظلم العيش في ظل رتيب

ثم ينهي الشاعر قصيدته في ذروتها، حيث يغلقها على وصف فاجع للغربة:

في زمن الغربة

لا يحمي الأخ أخاه

لا يحمي الابن أباه

لا يحمي القلب إباه

لا يحمي المرء حماه

وبهذه الخاتمة الدرامية ينهي الشاعر قصيدته.

ولكن ما هي هذه (الغربة) التي يعانيها الشاعر؟ ما أنواعها؟ وما أسبابها؟

يمكن القول: إنها ثلاثة أنواع: الغربة النفسية أو الذاتية، والغربة الاجتماعية، والغربة السياسية.

أما (الغربة الذاتية) فهي التوق إلى عالم مستقبلي يبتعد فيه الإنسان عن واقعه القاسي الذي دمره الظلم والقهر والفساد، حتى أضاع فيه الإنسان قيمه وإنسانيته:

لا شيء في الفنجان يا ربي

لا ورد، لا ريحان في دربي

لا شيء

إلا حراب الشوك في قلبي

والسحب تدنو من وراء السحب؟!

حتام أرنو للغد الخصب

يا حسرتي.. هل من غدٍ خصب؟! (شاطىء ص7-8).

وإذا كانت أولى أسباب الغربة الذاتية فساد الواقع واختلافه عن القيم النبيلة التي تعمر قلب الشاعر، فإن السبب الثاني هو هذه (المعرفة) الشاملة العميقة، أو (الوعي الشقي) الذي جعل حياة الشاعر حزناً دائماً ما دام سيف الغربة مصلت على رقاب الضمائر الحية، وقد شبه الشاعرُ الغربةَ بالسيف في أكثر من موضع:

- الغربة سيف الغيب، وسيف القهر (تراتيل ص13)

- والغربة سيف يا قلبي.. والنطعُ مداك (تراتيل ص26)

- الغربة موت الحي (تراتيل ص15)

وأما (الغربة الاجتماعية) فلعل من أهم أسبابها هذا التفاوت الكبير بين الطبقات، فالأغنياء يملكون ولا يعملون، والفقراء يعملون ولا يملكون. وهم واقعون بين مطرقة السلطة وسندان الأثرياء. السلطان يقمعهم بسيف القهر، والأثرياء يدوسونهم بأقدام مصالحهم الأنانية، ويستغلونهم أبشع استغلال، ومنْ يرحم الضعفاء في مجتمع كلبي كل شخص فيه يقاتل من أجل مصلحته. ومن هنا التزام شاعرنا جانب الفقراء والضعفاء وتصويره بؤسهم وشقاءهم، فقد وصف الفلاحين وبؤسهم، وخصّهم بقصائد طوال، ووضع على لسانهم حواراً يصفون فيه معاناتهم، ويصورون تاريخ استغلالهم:

كنا صغاراً

في الدجى نمضي إلى الحقل البعيد

وننام خلف الغمر من فرط التعب

أقدامنا لم تعرف الخفّ الطريّ ولا قباقيب الخشب؟!

نذوي ونركض، نخدم الأسياد

نعطي الرواتب للذين لهم مناصب، أو مكاتب من زجاج

نعطيهم ما يطلبون، ونأكل الخبر الشعير(شاطىء 114)

ثم التفت الشاعر إلى شريحة أخرى من البائسين والمعذبين هي شريحة الخدم التي تعمل في بيوت الأغنياء، فلا تنال غير السخط والسباب. ومع أن المترفين يستنزفون جهد الفقراء في العمل في المعامل والحقول، فإنهم- أيضاً- يستنزفون جهد بناتهم في العمل خادمات في قصورهم، فيصور الشاعر قلب أب عطوف، يتفطر لوعة وأسى على ابنته التي اقتلعت من أحضان أمها، لتعمل خادمة في بيت أحد الأثرياء الذين لا يدخرون سباباً كلما أخطأت:

سعدى ابنتي دلّلتها

وزهوت إعجاباً بها

ومنحتها قلبي وكل محبتي

وأردت أن تحيا كسائر جيلها

لكن أرضي أمحلتْ

وسألتُ سعدى جهدها

أرسلتها عند "الأكابر" تشتغل

قالوا لها: لا يا ابنة الفلاح لما أذنبت

.. ومن زرعها يجنون رأس المال

أجدادها للأرض كالأملاح (شاطىء ص130- 1).

وحين انفجرت الثورة الاشتراكية وجد فيها المسحوقون خلاصاً من ذلّ الفقر وقهر المال، ولكن بعضاً من هؤلاء الأدعياء نسي ماضيه عندما غرق في الفرو والمخمل، وانسلخ عن طبقته، فباع الآجل بالعاجل، ولم يخجل حين وضع على وجهه قناعاً، فأصبح محتالاً ودجالاً (انظر كتابنا: الفهلوي: بطل العصر في الرواية العربية) ووضع الشاعر على لسان أحدهم هذا الحوار الداخلي (المونولوج) الذي يصور فيه "صعوده"/ سقوطه:

تركت الأرض من قهري، كمن تركوا، وجئت مدينة العمر

لأصنع معجز الأمر

لأحفظ حرمة الأنسان أبني الاشتراكية

ولكني مع الأيام يا إخوان "كلام لا أزل به"

لمست الفرو والمخمل

وذقت الخمر والسيجار والعنبر

وصارت راحتي ملساء كالمرمر

.. توارى كل ماضينا

بثغر الحلوة الشقراء والخمره

.. وعذري أنني فلاح

ولا أسطيع أن أفهم

لماذا يصبح الإنسان ابن الأرض، ابن الفقر والعلقم

لماذا يصبح الإنسان دجالاً؟!

ولا يخجل (شاطىء ص148).

وأما (الغربة السياسية) فتتراوح في شعر عرسان بين الذاتي والموضوعي. فالذات الشاعرة بما تحمله من عواطف قومية ووطنية تتألم للهزائم والنكسات التي حاقت بالأمة العربية في العصر الحديث، وتود لو أن بيدها قياد القدر لملأت قلب أمتها بالشرر، وأما الموضوعية فتنهل مما يزخر به التراث من عناصر قومية مشتركة كاللغة، والتاريخ، والدين..إلخ.

والقراءة الأولية للمتن الشعري لدى عرسان تمكننا من رصد معجم قومي يحيل على المكونات الأساسية لبنية القضية القومية. ويشمل هذا المعجم مفردات متنوعة من مثل: فلسطين، القدس، الحرية، جبل الشيخ، صنين، تطوان، الناصرة، بيروت، صلاح الدين، حلب، النصر، الذل، العزّ، الأمل..إلخ.

وتتجلى عناصر الدلالة، في الغربة السياسية، على مستويين: الحاضر المهزوم، والماضي المجيد. أما الحاضر المهزوم فقد تعددت فيه النكبات والنكسات: هزيمة الجيوش العربية في فلسطين عام 48، العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، نكسة حزيران عام 1967، حرب تشرين عام 1973، احتلال بيروت من قبل إسرائيل عام 1982 وخروج المقاومة منها. إلخ. يقول الشاعر:

يا حزيران المسجّى في فضاء الروح والتاريخ تدمى من سنين

يا عذاب الوقت والعمر الهجين

هامة تصرخ في الساحات ملء العالمين

أفما يكفيك تصهالاً على مرمى العرين؟!(تراتيل ص45)

ويأسى الشاعر على ذل العرب في العصر الحديث، بعد أن أضاعوا ماضيهم المجيد الذي لم يعد سوى ملجأ يقيهم شرّ الحاضر:

ألقيتنا على سفوح الذل يا بيروت

يسخر منا أرزنا

يزوّر عنا عزّنا

ونرتمي في هوّة الأيام (تراتيل ص200)

ثم تكمل الأنظمة العربية ما لم تعجز عنه السياسة الدولية، فتكبل شعوبها بالشعارات الزائفة:

أسعى ودون فائده

فشعبي العظيم في القيود

من شفرة الحدود للحدود

وكل "راعٍ" عندنا هو قمة في الظلم والدهاء

لكن على منْ في الوطن. (تراتيل ص197)

ولقد استأثرت قضية فلسطين باهتمام الشاعر في شعره ومسرحه. وقد لجأ إلى تمجيد واحد من أبطالها هو (سرحان) الذي يجعله رمز البطولة والفداء، وأداة توحيد للأمة العربية في جميع أقطارها:

في فترات "الصحو" يعربد في سرحان الحلم

يقفز.. يهزأ بالنمرود

ينشىء مأرب فوق سدود

يربط طنجة بالناقورة

والأوراس إلى "شمسان"

يطعم أهل الشام تمور البصره

يسقي نجد من "الخابور" (شاطىء ص259)

كما استأثرت الحرب الأهلية اللبنانية (1975- 1992) باهتمام الشاعر حيث فتحت جرحاً ثانياً في قلب الشاعر، لكن الشاعر حاول أن يجعله منارة أمل وهداية، بعد أن عرّت بيروت العرب، ونزعت الأقنعة عن وجوههم:

عريتنا بيروت

كشفت كل عورة

فضحتنا

شعباً وحكاماً وتاريخاً حديثاً وادعاء

ألقيتنا على سفوح الذل والإهمال أشلاء على أشلاء

وقلت للزمان:

خذ جوقة الخصيان

.. احصد كما تشاء من "وقوقة" الإعلام (شاطىء ص200)

وهكذا تعدّدت أنواع الغربة عند الشاعر عرسان، وأسبابها: فمن غربة ذاتية، إلى غربة اجتماعية، وسياسية، وكلها مما يزيد في حزن الشاعر وأساه. ويجعل (الغربة) سيفاً مصلتاً على الضمير والعنق، وجذراً (ثيمة) مركزياً وأساسياً في شعره.

 

E - mail: aru@net.sy

 

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244