|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:48 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الخامس علي عقلة عرسان روائياً 1- رواية تيار الوعي رواية تيار الوعي حركة من حركات تطور الرواية. ويقصد بها التعبير عما يدور في ذهن الشخصية الروائية وفي مشاعرها، وليس عما يدور في الواقع. وسنناقش تسميتها أولاً ثم روادها، لننتهي إلى بنائها وتقنيتها. *** 1- التسمية: تسمى رواية (تيار الوعي) أيضاً: الرواية الزمنية، والرواية التحليلية، والرواية النفسية، والرواية الانسيابية. أما تسميتها (الرواية الزمنية) فقد جاءت من اهتمامها بالزمان وإحساسها به، حيث كثيراً ما استعاضت عن الزمن الآلي بالزمن النفسي، ولعبت على وتره طويلاً، فعادت إلى الماضي (الفلاش باك) لتصور مشاعر قد انقضت، أو أحياء قد انتهوا. وهي هنا تقابل (رواية المكان) أو الرواية الشيئية التي اعتمدت على الوصف الخارجي الحيادي للأشياء في هذا العالم، كما نجدها لدى ألان روب غربية، وميشيل بوتور، وناتالي ساروت.. وأما تسميتها (الرواية التحليلية) فمن كون الشخصيات الروائية تتحدث عن نفسها، وتستبطن ذاتها، وغالباً ما تروي بضمير المتكلم عن عالم الذهن والمشاعر. ولهذا قيل عنها إنها رواية (تحليلية). لكن كثيرين لم يقبلوا هذه التسمية، فقال مارسيل بروست- أحد فرسان رواية تيار الوعي- رداً على سؤال جريدة (الحوليات) عن الفرق بين (القصة التحليلية) و(قصة المغامرات) فأجاب بأنه لا يحب اصطلاح (القصة التحليلية) لأنها في رأيه أصبحت تعني دراسة لشيء موضوع تحت المجهر (الميكروسكوب). وأضاف: " وإنني أفضل استعمال المرصد (التلسكوب) كأداة لذلك.. وقد كان من سوء حظي أنني بدأت أحد كتبي بكلمة (أنا) ففُهم من ذلك في الحال أنني كنت أحلل نفسي بكل ما في هذا التعبير من ذاتية وتنفير، بدلاً من محاولة اكتشاف قوانين عامة. ولهذا أرجوكم أن تستبدلوا اصطلاح (القصة التحليلية) باصطلاح آخر هو (القصة الاستبطانية) التي من شأنها أن ترسم واقعاً مستمداً من اللاوعي بطريقة تدخله في عالم الفكر، مع محاولة الحفاظ على حياة هذا الواقع وعدم تشويهه وإخضاعه لأقل درجة ممكنة من التقلص والانكماش".(1) كما تختلف رواية (تيار الوعي) عن (الرواية النفسية) في أنها تهتم بالمستويات غير الكاملة أكثر مما تهتم بمستويات التعبير الذهني. والواقع أن تسمية (رواية تيار الوعي) هي التي شاعت وانتشرت للدلالة على التدفق الذهني واتصاله مع تغيره المستمر. وأول من ابتكر مصطلح (تيار الوعي) الفيلسوف الأمريكي وعالم النفس: وليم جيمس (1842- 1910)، وذلك في كتابه: (أصول علم النفس) للدلالة على صعوبة الإمساك بالأفكار أثناء انسيابها وصعوبة إيقافها لفحصها، إذ يقول: "إن اندفاع الأفكار يكون قوياً لدرجة أننا نصل إلى نهايتها قبل أن نستطيع إيقافها. وحتى لو أوتينا المهارة واستطعنا إيقافها فإنها تفقد في الحال صفاتها وتستحيل شيئاً آخر، كما تستحيل ندفة الثلج في اليد الدافئة إلى قطرة من الماء". ثم تحول المصطلح حين دخل عالم الأدب، إلى الدلالة المجازية، فاستخدم للدلالة على منهجٍ في تقديم الجوانب الذهنية للشخصية في القصص. والواقع أن الكتّاب، في البدء، كانوا يستعملون اصطلاحي: (تيار الوعي) والمونولوج الداخلي، مترادفين دون تمييز. لكن الاصطلاحين لا يفيان بالغرض في كل الحالات، فقد يناسب أحدهما مقاماً، ويناسب الثاني مقاماً آخر. فـ (اللاوعي) لا يمكن التعبير عنه، وهو في شكله اللاواعي، لأنه بداهة لا وعي.. وكل ما نستطيع عمله هو أن نستخلصه من الرموز الدالة عليه التي ترد في التعابير الواعية للإنسان، كتذكر الأحلام، والأوهام، وزلات اللسان أو القلم. وأما كلمة (مونولوج) فهي ذات أصل إغريقي يعني (التكلم منفرداً). ومعناها التقليدي أن يقف الممثل على المسرح ليسمع المشاهدين أفكاراً منطقية، وإن مثلتْ التأملات الباطنية والأوهام والأحلام. ورواية (تيار الوعي) كلام غير ملفوظ أو وصف لما يجول في ذهن البطل يورده الراوية الذي غالباً ما يكون هو كاتب الرواية. وقد تصوروا أن كتّاب رواية (تيار الوعي) قد أدخلوا آلات تصوير سينمائية إلى عقول أبطالهم وشخصياتهم. ولكن الحقيقة أنهم كانوا يقومون بعمليات اختيار وترتيب دقيقة حتى في (التداعي الحر).. رغم أنهم يوهموننا بأنه ليس هناك اختيار. وقد اكتفوا بطريقة المفرد المتكلم في تحليل النفس والتعبير عن التجربة العقلية. *** 2- فرسان رواية (تيار الوعي): ولدت رواية (تيار الوعي) في وقت واحد بين عامي 1913 و1915 صدفة واتفاقاً، من قبل ثلاثة كتّاب: الايرلندي جيمس جويس، والفرنسي مارسيل بروست، والإنكليزية دوروثي رتشاردسون. دون أن يعرف أحدهم الآخر، فحولوا القصة من الحقيقة الخارجية إلى الحقيقة الباطنية، ومن العالم الواقعي الذي كان بلزاك قد رسم معالمه إلى عالم باطني تلعب فيه الذكرى دوراً هاماً حتى ليمكن القول إن رواية (تيار الوعي) هي عبارة عن رواية سيرة ذاتية، لأنها مشربة بشىء غير قليل من لغة الشعر، لغة الأعماق الدفينة والدفيئة، بحيث تبدو عرضاً لحياة كاتبها الباطنية على الملأ. فالكاتب الإيرلندي: جيمس جويس (1882- 1941) الذي هجر بلده (دبلن) إلى باريس عام 1902 حين أحس بأنه لا يستطيع التعايش مع ضيق أفق الكاثوليكي، عاش متنقلاً بين باريس وزيوريخ، معانياً شظف العيش والمرض. يحمل (دبلن) في قلبه في كل مدينة يحل بها. وامتزجت اللغات في عقله حتى صار كأنه برج بابل. وكان مدرساً للغة الإنكليزية، فكتب رواية (صورة الفنان شاباً) 1915 وهي سيرة ذاتية، ومن روايات (تيار الوعي)، هي وتاليتاها: يوليسيز (1922)، ويقظة فينيفان (1939)، فطبقت شهرته أوربا. وحكم على نفسه بالنفي من وطنه، واستعان في منفاه بالصمت والوحدة ليبدع عملاً أدبياً يضلّ المرء فيه كما يضلّ في متاهة (ديدالوس) الأسطوري. وقد كان ديدالوس يدرس الطب في باريس. وقد عاد إلى مدينته (دبلن) مسرعاً على أثر برقية، ليجد أمه على فراش الموت. ويبدأ شعوره بالإثم يخيم على حياته، لأنه رفض أن يصلي على أمه. ثم تعود به الذكريات إلى (كلية كلونفوز وود) وأيام الدراسة. أما تيار الوعي عند ليوبولد بلوم فيختلف عنه لدى ستيفن ديدالوس، وذلك لأنهما شخصيتان متغايرتان تماماً. فعقلية بلوم تدرك الأمور بحرفيتها، وتكرّس الحقائق، ولهذا نتعرف بوساطته على المدينة وما يدور فيها، فنصحبه إلى مكتب الجريدة وإلى حيث يتناول غداءه، ثم يلتقي بستيفن فيشربان معاً، حتى ينتهي بهما الأمر إلى بيت الدعارة. فتدور أفكار بلوم حول موضوع خيانة زوجته له، كما تزعجه ذكرى وفاة طفله الرضيع (رودي). ويبدو شبيهاً بـ(أوليس) في (الأوديسة): جوّاب آفاق، يضنيه الألم والإهانة اللذان يحسّ بهما الديوث. لكنه يظن نفسه أكبر شخصية (محترمة) في أوربا، بينما يقيّمه الآخرون كل من وجهة نظره: - حداد: بلوم، إنه لا يكاد يبلغ سن الحادية والثلاثين. - عامل أرصفة: بلوم. أعظم مصلح في العالم. لننزع قبعاتنا إجلالاً له. - مليونيرة: بلوم. ألا يبدو باهراً؟ - نبيلة: ما أكثر ما جرّب هذا الإنسان! - مركّب أجراس: يا له من وجه كلاسيكي! إن جبينه جبين مفكر. أما تيار وعي زوجته (ماريون بلوم) فهو مونولوج طويل مشتت، غير منقط، ولا واضح المعالم. وبه تختتم رواية (يوليسيز). ولعل تيار الوعي هنا لم يعد (تياراً) بل أصبح سيلاً جارفاً. وهو من أروع أجزاء الرواية. وأما الكاتب الفرنسي: مارسيل بروست (1871- 1952) الذي أصيب في صباه بمرض السل، فخلعت عليه أمه، نتيجة لذلك، حناناً خاصاً جعله يتعلق بها تعلقاً شديداً. وكان قد واظب على حضور دروس الفيلسوف برغسون في السوربون. وقد جعله مرضه الملازم له (الربو) يعيش داخل غرفة مبطنة بالفلين، تمنع عنه ضوضاء العالم الخارجي، حتى كأن الغرفة نفسها استحالت إلى عقله الذي تنساب فيه أفكاره دون أن يكدّرها صخب العالم الخارجي، حيث كتب روايته (البحث عن الزمن الضائع) بين عامي 1902 و1905 ونشرت مجزأة: كل جزء يحمل عنواناً خاصاً به، فظهر الجزء الأول عام 1913، والثاني عام 1914. والثالث عام 1915 حتى ثمانية أجزاء، وهو مجموع الرواية الضخمة التي يصعب حصر أحداثها وشخصياتها وأفكارها، وتكشف عن قدرة بروست الأدبية، وهي سجل لحياته وحياة الناس الذين ارتبط بهم. وتبدأ بوصف طفولته في بيت الأسرة. ثم يبدأ ظهور شخصيات عائلة صديقه.. ثم يصف باريس وهي ترزح تحت عبء ويلات الحرب العالمية الأولى. وقد بدأها بروست بقوله: "منذ زمن طويل اعتدت على أن آوي إلى فراشي مبكراً، وفي بعض الأحيان كنت أستغرق في النوم بسرعة بعد إطفاء الشمعة مباشرة، حتى إنني لم أكن أجد الوقت لأقول: سأنام..". وأما الروائية الإنكليزية دوروثي رتشاردسون (1873- 1957) فقد صدرت أعمالها الأدبية عن حياة أهدأ وأقل انفعالاً من زميليها السابقين. وتعد من رواد رواية (تيار الوعي) بروايتها (رحلة الحج) ذات الإثني عشر جزءاً، والتي ظهر الجزء الأول منها عام 1915. وهي رحلة في عقل بطلتها (مريام هندرسون) منذ مراهقتها إلى أن أصبحت نصفاً. والرواية مقدمة من زاوية رؤية المؤلف الواسع المعرفة. ولكنه يقتصر على أفكار مريام وأفعالها. وعلى الرغم من أن طريقة الوصف التقليدية تستخدم ضمير المفرد الغائب، فإن المؤلفة توحد بين هويتها وهوية شخصيتها. ولكن ما يمتاز به عمل دوروثي هو أن الحياة التي تقدمها هي الحياة الداخلية للشخصية عموماً، أي أنها تقدم وعي مريام في حالته التي لا يتوافر لها فيه الشكل ولا الكلام ولا الترابط. ولم تقدم دوروثي رتشاردسون نظريات توضح طريقتها في التأليف، ولكنها تعبّر في مقابلاتها، عن عدم رضاها عن تسمية النقاد لـ (تيار الوعي). رغم أن (مريام) هي المحور المركزي في روايتها، وأن القارىء يحس بأنه سجين داخل دماغ امرأة لا شخصية واضحة لها. فهي عاطفية أحياناً، وأحياناً مشاكسة، ولكنها ذات ومضات ذهنية رائعة تغطي ما في كثير من الصفحات من عيوب. ثم جاء جيل التابعين: وليم فولكنر، وفرجينيا وولف.. فوجدوا الطريق سالكاً فتبعوه. أما وليم فولكنر ( 1897- 1962) الروائي الأمريكي الذي صوّر في رواياته حالة الجنوب الأمريكي، والحرب الأهلية. وتعد روايته: الصوت والغضب (1929)، وروايته: في الوقت الذي أرقد فيه محتضراً (1930)، مثالاً لرواية تيار الوعي. وقد حصل على جائزة نوبل للأدب عام 1950. وأما فرجينيا وولف ( 1882- 1941) الروائية الإنكليزية التي انتحرت غرقاً في نهر التيمس، فترى أن الشيء المهم الذي ينبغي أن يعبّر عنه الفنان هو رؤيته الخاصة، أو ماهية الحياة من زاوية ذاتية. وطريقتها هي تقديم الانطباعات النفسية بوصفها مراحل في طريق الوصول إلى رؤية ما. والحادثة الغامضة لديها هي الحادثة المليئة بالمعنى، والتي تحمل خميرة البصيرة النهائية. وقد وضعت روايتين في أسلوب (تيار الوعي): مسز دالوي (1925)، وإلى المنارة (1927)، ثم نشرت في عام 1927 مقالاً حاولت أن تحدد به هدفها، فقالت إن مستقبل الرواية صائر لا محالة إلى أن يصبح شعرياً، وأن النثر سيدخل فيه كثير من الشعر، وأن الشعر قد أخفق في أن يخدم غايات القرن العشرين، كما فعل في القرون الماضية، فإن النثر قد حمل عبء التعبير عن الأمور العادية في الحياة اليومية، فإن الحل الوسط هو تبنّي الرواية "شيئاً من سمو الشعر، وكثيراً من طبيعة النثر العادية". وقد جاءت رواية (يقظة فينيفان) الشعرية لجيمس جويس مؤكدة ما ذهبت إليه فرجينيا وولف، فكأنها كُتبت لتُسمع أكثر مما كُتبت لتقرأ. لقد جاءت فرجينيا وولف تالية لرواد رواية تيار الوعي (بروست، وجويس، ودوروثي)، فوعت ما قدموا، وأسهمت في هذا التجديد الروائي، حيث استطاعت أن تصل بروايتها إلى حالة الشعر. ويبدو أن جويس قد ترك أكبر الأثر في نفسها، فسارعت إلى تمجيد روايته (أوليس) واعتبرتها عملاً فائقاً، وروت على لسان إحدى شخصياتها في قصتها (في الرحيل): "إن ما أهدف إليه من وراء كتابة القصة هو ما تهدف إليه أنت عندما تعزف على البيانو: كلانا يسعى إلى اكتشاف ما وراء الأشياء.. أرأيت تلك الألعاب النارية التي تحدث عند انفجارها أشكالاً. أريد أن أخلق أشكالاً". وتبدو طريقة وولف في تركيز العقل على شيء ما: ذرة رمل، علامة مرسومة على الحائط، حيث تستغرق في إدارة الفكر حوله بانبهار يأخذ بمجامع الذهن فلا يستطيع الانصراف عنه، وحوله يتم حشد العواطف والذكريات. وقد نجحت هذه الطريقة نجاحاً باهراً في نقل أثر التجربة، لأنها تحاول بطريقتها هذه إثارة حالة شعورية هي نوع من الشاعرية الفكرية. ونحن نجد روح الشعر تجري في كل العقول التي أبدعتها، حتى لكأنها أوجدت طريقة متفردة مبعثها إيمانها بأن رقة أحساسها وعمق شعورها قادران على أن يتلبسا قراءها كما يتلبسان شخصياتها. وهذه هي إيجابيتها وسلبيتها في الوقت نفسه، ذلك أن الوضوح الذي نجده متألقاً لديها تألق الأسطحة الجميلة، يخلو من الأعماق، لأنه الماضي الذي يستحيل أن يعود، أو أنه الماضي المستعاد كمصدر للألم في الحاضر. وهي في هذا كله إنما تنسج على غرار جويس وبروست، فروايتها: (مسز دالوي) هي من نسيج قصص جويس، لكنها مشذبة ومنقحة. وكذلك روايتها: (إلى المنارة) فهي من نسيج قصص بروست من حيث إحساسها بالزمن. ولكن وسيط الأداء هو الانفعالات العاطفية. وعندما تعبر وولف عن رأيها في المفهوم الجمالي لرواية تيار الوعي فإنها تردد ما كان قد قاله جويس وبروست من قبل. فهي ترى أن الرواية يجب أن تعتمد على المادة الوجدانية: "تأمل عقلاً عادياً في يوم عادي لمدة لحظة، تجد أنه يستقبل آلاف المؤثرات: بين سطحية ومضحكة وعابرة سريعة ا لزوال وأخرى تترك فيه أثراً عميقاً حاداً حدة الفولاذ. إنها تهجم على العقل من كل ناحية في زخّات متصلة من ذرّات لا حصر لها. وعندما تسقط على العقل وتتشكل حسب حياة الإنسان في يوم ما فإنه يطرأ عليها بعض التغيير". وهي تطلب من الروائي أن يسجل زخات الذرات التي لا تُحصى وهي تتساقط على الذهن، مهما بدت متفككة متنافرة في المظهر، ذلك أن كل شيء يصلح مادة للرواية التي تستمد من كل إحساس وكل خاطرة وكل ملكة ذهنية وروحية. وقد تعلّمت فرجينيا وولف من جيمس جويس الشعور بالوحدة الذاتية، والعزلة الكامنة في هذا الشعور، فـ(لندن) عند مسز دالوي شبيهة بـ(دبلن) عند ليوبولد بلوم، ويوم دالوي في لندن هو كيوم (أوليس) يبدأ في التاسعة صباحاً، وينتهي في صباح اليوم التالي. وبناء قصتها يشبه بناء (أوليس). ففيه ندخل عدة عقول في شوارع لندن. ولكن المحور الذي يدور حوله الكتاب هو عقل (مسزدالوي) و(سبتيموس) كما تدور (أوليس) حول عقل (بلوم) و(ديدالوس). وإذا كان (بلوم)، و(ديدالوس) يرمزان للأب والإبن وقد التقيا في آخر نهار طويل، كما التقى (أوليس) بابنه (تليماخوس) بعد مغامرات طويلة، فإن (كلاريسا دالوي) و(سبتيموس) هما وجهان لشخصية واحدة أرادت منها أن تكون محاولة تبين فيها العالم كما يبدو للعاقل (كلارسيا) وغير العاقل (سبتيموس) في آن. *** 3- جذور رواية (تيار الوعي): كما أن العمل الأدبي لا يمكن أن يوجد من لاشيء، فكذلك أية حركة تجديدية أو تطورية لا يمكن لها أن تقوم إلا على تراث سابق، وأصول تعتمد عليها، وروافد تغذيها، وقد تمثّلت هذه ا لأصول في رواية (تيار الوعي) في مؤثرات أربع هي: دوجاردان، والرمزية، والرومانسية، وهنري جيمس. ففي عام 1888 عندما كان جويس في سن العشرين وقعت بين يديه قصة فرنسية كانت قد كتبت عندما كانت الحركة الرمزية في ذروة غليانها هي (أشجار الغار المقطوعة) لأدوار دوجاردان E. du JARDIN (1861- 1949)(2) الذي كان أول منْ استخدم تقنية (المونولوج الداخلي) في قصة هذه التي تدور حول شاب أحب فتاة، فأغدق عليها، لكنه لم يكن يحصل منها على غير الوعود، مما يضطره إلى إنهاء علاقته بها، ولكنه لا يستطيع تنفيذ ذلك. وتعود أهمية هذه القصة إلى أنها أول رواية استخدم فيها (تيار الوعي). ويظهر أن طريقتها هذه في السرد قد تركت أبلغ الأثر في نفس جويس، باعترافه. وفي القصة يجد القارىء نفسه داخل عقل الشخصية الرئيسية فيها من أول كلمة حتى آخر كلمة. وفي لحظة أصبح هذا الكاتب الفرنسي المغمور مشهوراً، فأُعيد طبع قصته هذه، مع مقدمة كتبها الناقد الفرنسي فاليري لاربو الذي كان أول منْ أوضح البناء الهوميري في (أوليس) جيمس جويس. وفي عام 1930 ألقى دو جاردان محاضرة عرّف فيها المونولوج الداخلي، وكان عنوان محاضرته (المونولوج الداخلي: مظاهرة، وأصوله، ومكانته في كتابات جيمس جويس وفي القصة المعاصرة). انتهى فيها إلى أن المونولوج الداخلي هو حديث شخصية معينة الغرض منه أن ينقلنا مباشرة إلى الحياة الداخلية لتلك الشخصية، دون تدخّل من المؤلف بالشرح أو بالتعليق. وهو ككل مونولوج داخلي لا مستمع له، لأنه حديث غير منطوق. وأما من حيث شكله فيعبر عنه بجمل تخضع لأقل ما يمكن من قواعد النحو. ونرى هذا التعريف يتفق في جوهره مع مفهومنا اليوم للشعر. يقول دو جاردان: "المونولوج الداخلي صنو الشعر، لأنه الكلام غير المسموع وغير الملفوظ، الذي تعبّر به الشخصية عن أفكارها الباطنية التي هي أقرب ما تكون إلى اللاوعي. وهي أفكار لا تخضع للتنظيم المنطقي، لأنها سابقة على هذه المرحلة. ويتم التعبير عنها بعبارات تخضع لأقل ما يمكن من قواعد اللغة. والغرض من هذا هو الإيحاء للقارىء بأن هذه الأفكار هي الأفكار عند ورودها إلى الذهن". وإذا كان دوجاردان قد عزا أول استعمال للمونولوج الداخلي إلى بول بورجيه، فإن جويس يعترف بأنه مدين لدوجاردان، وللحركة الرمزية، لأن دورجاردان كان من الرمزيين، وروايته انبثقت بشكل مباشر من مجالس أيام الثلاثاء الأدبية في بيت الشاعر الفرنسي مالارميه (1842- 1898). وأما التأثير الرومانسي على رواد رواية (تيار الوعي) فيتجلى في كونهم أبناء العصر الرومانسي الذي أسلم العقلانية للحس والاستبطان وإيحاءات الذات الناشئة في الصعود البرجوازي الصغير. وأما تأثير هنري جيمس (1843- 1916) فقد اتجه اهتمامه إلى عرض الشخصية من الداخل أكثر من تصوير الموقف الروائي. وقد أسهم في استغلال التحليل الباطني في روايته (السفراء). وقد وضعت دوروثي ريتشاردسون بين يدي بطلتها (مريام هندرسون) نسخة من رواية (السفراء) بعد أن رأت فيها آنذاك عام 1910 (طريقة جديدة في التعبير) وكان هنري جيمس قد سمّى هذه الطريقة في تكشف حقائق القصة القائمة على إنارة الموقف والشخصيات عن طريق عقل إحدى الشخصيات أو عقول عدة شخصيات باسم (وجهة النظر). والخطة العامة لكتابة الرواية عند هنري جيمس تقتضي بأن يجعل تأملات الفرد مثيرة إثارة قصة من قصص المغامرات: "ليكن محور الموضوع هو وعي المرأة الشابة فتحصل على مشكلة ملذة ممتعة كما تهوى، ولتحافظ في ذلك على المحور.. واضغط ضغطاً أخف على وعي الشخصيات الثانوية الأخرى". وقد مهّد هنري جيمس الطريق لمن سيأتي بعده، وذلك بدراسته لمشاكل مراكز الوعي الثابتة والمتنوعة. وهو يدفع بهذه التقنية إلى أوجها: في تسجيل عمل العقل ذاته. وقد كانت لهنري جيمس قصتان تصوران براعته في استخدام (وجهة النظر) أولاهما: دورة اللولب، والثانية: النافورة المقدسة التي كتبها عام 1900، والقصتان كانتا موضع جدل ونقاش طويلين، إذ يسهب جيمس في قصته الأولى في وصف استقامة المربية التي بقيت دون اسم، رغم كونها الراوية بضمير المتكلم، وإلى جانبها هنري جيمس نفسه راوية ثانياً، والراوي الثالث شخص يدعى (دوجلاس) يتناول السرد لفترة قصيرة، حيث يروي قصة الأشباح، ويقف طويلاً عند آلة التعذيب، حيث "يدور اللولب دورته" الأخيرة، أما المربية فتكشف مخيلتها "أعماقاً" في داخلها، وتستحيل أوهامها حقائق بالنسبة لها: فالطفلان لا يريان أي شيء غريب أو مرعب. ولكنها هي التي تفترض أنهما يريان ما ترى، وأنهما على اتصال بالأرواح، رغم أنهما طفلان عاديان، بخلاف المربية التي ترى الأشباح في كل ما حولها، وتزعج الطفلين بمضايقات نفسية تؤدي إلى إصابة الطفلة (فلورا) بالهستيريا، وإلى موت الطفل (مايلز). وهكذا نجد أننا منذ اللحظة التي نلج فيها عقل الشخصية القصصية فإننا نلتزم بـ(وجهة نظرها). وينتج عن هذا أنه كلما كان إدراك هذه الشخصية أعمق كانت تجربة القارىء أمتع وأعنف. ولا يفوت الكاتب أن لوعي شخصيته حدوداً لا يتعداها، إذ عليه ألاّ يجعل شخصيته ذات الذكاء المحدود واسعة الإدراك، كما أن عليه ألاّ يفرض حدوداً على شخصية بإمكانها أن تذهب إلى مدى أبعد معتمدة على كفاءاتها. 4- تقنية رواية (تيار الوعي): ليست رواية تيار الوعي قصة بالمعنى التقليدي للقصة، فليست بها حبكة، ولا ذروة، ولا وصف خارجي للأمكنة والأحداث، وإنما شخصية أو عدة شخصيات ندخل إلى عقولها، ونتعرف على مشاعرها، وعلى ارتداد الفعل في صفحات نفوسها، إضافة إلى أنها تشرك القارىء في التأليف، وتتطلب منه أن يظل يقظاً ليجمع المعلومات ويعيد بناءها وربطها، لأن أثر العالم الخارجي في النفس هو ما يوصف في رواية تيار الوعي. وليس أشياء العالم الخارجي.. وهذا يعني أن العناصر الفنية إذا لم تكن متوافرة جميعها في رواية الوعي، فإن معظمها متوافر كالشخصية والزمان والمكان والفعل..إلخ. أما بناء رواية (تيار الوعي) فتبدو للوهلة الأولى أنها لا شكل لها، لأن الحياة الداخلية للشخصية تستحيل إلى نسيج هلامي مختلط، ولأن محتوى ذهن ما لا قالب له ولا نظام، لأنه لا يوفر أية نقطة ضرورية يمكن الرجوع إليها، فهو مضطرب وسائل ولا يوفر أي أساس للتحليل والتفسير. إن مشكلة البناء بالنسبة لروائي (تيار الوعي) هي: كيف يمكن فرض النظام على عدم النظام. إنه يتصدى لتصوير الشيء المضطرب (الوعي الإنساني)، وهو ملزم بأن يحول بين هذا التصوير وبين الاضطراب. وبما أن الفن يتطلب نظاماً ونمطاً ووضوحاً لابد أن تتوافر في العمل الأدبي، فإن الكاتب لابد أن يفرض على مادته نمطاً أو إطارا أو بناء يمكن الرجوع إليه في تفسير العمل الأدبي. وقد فعل ذلك كتّاب رواية تيار الوعي، فقد استخدموا عدداً من المواد يشكل كل واحد منها نمطاً بنائياً. ولعل أهمها: 1- المونولوج، ومناجاة النفس. 2- الوحدات الزمانية، والمكانية، والشخصية، والفعل. 3- الأبنية الرمزية. 4- المحاكاة أو التقليد الساخر للأنماط المستقرة سابقاً. 5- الأبنية الموازية. 6- الوسائل الأخرى. *** -1- أما المونولوج الداخلي فهو نوعان: مباشر، وغير مباشر. فالمونولوج الداخلي المباشر يقدم الوعي للقارىء بصورة مباشرة مع عدم الاهتمام بتدخل المؤلف، أي أنه يوجد غياب كلي للمؤلف، بل إن الشخصية لا تتحدث حتى إلى القارىء. ومثاله المونولوج الداخلي المباشر في (أوليس) جيمس جويس الذي يختلف عن (مناجاة النفس) في كونه لا يقصد به إمداد القارىء بالمعلومات، كما تؤكد فيه عناصر عدم الارتباط، والأنثيال، والتدفق، وغياب علامات الترقيم. وأما المونولوج الداخلي غير المباشر فيُعطي القارىء إحساساً بحضور المؤلف المستمر، ويستخدم وجهة نظر المفرد الغائب بدلاً من وجهة نظر (المفرد المتكلم)، والطرق الوصفية والتفسيرية، وإمكان تحقيق المزيد من الترابط والوحدة الشكلية في اختيار المواد المعالجة. وقد يجتمع أسلوبا المونولوج الداخلي المباشر، وغير المباشر، في وصف الوعي، كما نجد لدى فرجينيا وولف في روايتيها: (مسز دالوي)، و(إلى المنارة)، حيث تحتوي هاتان الروايتان على قدر كبير من الوصف والقصص التقليدي الصريح. والمونولوج الداخلي يستخدم فيهما مرات كافية لإعطائهما خصيصتهما المميزة التي تظهرهما دائماً في داخل وعي الشخصيات الرئيسية، تقول فرجينيا وولف في مقالتها (القصص الحديث): " دعنا نسجل الذرات وقت سقوطها على الذهن بالترتيب الذي تسقط به.. دعنا نتتبع النظام الذي يتركه أي منظر أو تتركه أية حادثة على الوعي.. مهما كان هذا النظام غير متصل، وغير مترابط من حيث الظاهر". وأما (مناجاة النفس) فتختلف عن المونولوج الداخلي في أنها يُتحدّث بها على انفراد، إلا أنها تقوم على التسليم بوجود جمهور حاضر. وفيها زيادة في الترابط، لأن غرضها هو توصيل المشاعر والأفكار المتصلة بالحبكة الفنية. إن تقنية (مناجاة النفس) في رواية (تيار الوعي) هي تقنية تقديم المحتوى الذهني مباشرة من الشخصية إلى القارىء، دون حضور المؤلف، مع افتراض وجود الجمهور، ولهذا فإن هذه التقنية أقل عشوائية وأكثر تحديداً من المونولوج الداخلي، فوجهة النظر هنا هي دائماً وجهة نظر الشخصية. ومثالها: رواية (في الوقت الذي أرقد فيه محتضراً) 1930 لوليم فولكنر التي تتألف من (مناجاة النفس) لدى خمس عشرة شخصية، حيث تتضاءل فيها الحبكة الفنية إلى الحد الأدنى، وتعالج الاستعدادات الجارية لدفن امرأة تُحتضر. ومعظم الشخصيات من أفراد أسرتها، وهم يعكسون وجهات نظرهم السطحية نحو هذه الاستعدادات كما يمكن اتخاذ مثال آخر هو رواية (الأمواج) 1931 لفرجينيا وولف. *** -2- وأما الإحساس بالزمن فينبع عند بروست، من رغبته الملحّة في أن يستردّ الماضي، في حين أنه، عند فولكز، يصدر عن كونه نشأ في بيئة طغى فيها الماضي على الحاضر، هي بيئة الولايات الجنوبية في أمريكا، والتي ما زالت ذكريات الحرب الأهلية بين الأمريكتين، وانتصار الشمال على الجنوب تعيش في أذهان شبابها، وهذا الماضي الطاغي على الحاضر هو ما جعل (بنجي) في (الصوت والغضب) يحس إحساس ابن الثلاث سنوات، في حين كان في الثالثة والثلاثين من عمره، لأنه ليس هناك من حدّ فاصل بين الماضي والحاضر في وعي (بنجي) الذي يعيش في الماضي، ولا يستطيع التمييز بين الواقع الآني وبين الماضي وما خلّف من ذكريات، حيث "كانت تلك الأزمنة الغابرة تفقد عنده قدمها بالتدريج لتصبح جزءاً من حاضره. بل إنها ليست عنده حاضراً قريباً حدث أمس، وإنما هي أحداث ما زالت مستمرة الحدوث. وكذلك الرجال الميّتون الذين تتحدث عنهم القصص، فإنهم ما زالوا - عنده- أحياء يخطرون على وجه الأرض، ويستنشقون هواءها". وما قصة فولكنر (الصوت والغضب) إلا قصة الإخوة (كومبسون) الثلاثة. وهي عائلة من الميسيسيبي، كانت في يوم ما محترمة وذات مجد. ولكنها الآن تمرّ بآخر مراحل تدهورها. ويرمز لعملية التدهور هذه بالاختفاء التدريجي لمملكة (كومبسون) وهي في الأصل ميل مربع مختار من الأرض يحتوي على "مساكن العبيد، والحظائر، وحدائق المطبخ، والملاعب، والساحات، والاستراحات السابقة التي خطط لها نفس المهندس الذي بنى البيت ذا الأعمدة الممتدة في صفوف، والذي جلبت له الزوارق التجارية الأثاث من فرنسا ونيواورليانز". هكذا تتشكل القصة من خلال تيار وعي الإخوة الثلاثة، في ثلاثة أيام مختلفة: (كوينتن) الذي يقضي آخر أيام حياته في صراع مع الزمن محاولاً الانتصار عليه، وليس تدميره لعقربي الساعة إلا محاولة منه لمحو الحاضر. و(جيسون) الذي لا يعرف إلا الزمن الآلي/ الحاضر المتدرج، و(بنجي) الذي ليس للزمن عنده حدود، والذي لا يتذكر وعيه الأخرق إلا عن طريق التداعي المشوش، فهو تارة ابن عمره الزمني (ثلاثين عاماً)، وتارة أخرى ابن عمره العقلي (ثلاث سنين). فالأسماء والأماكن مختلطة عنده، وهو قادر على أن يسمع الظلام، والملعقة عنده (ارتفعت فأكلت)، و(الإناء ارتفع بخاره). فهو يعيش في عالم الحاضر والغائب، حيث الأحاسيس مباشرة. والرواية ثلاثة أجزاء: يبدأ الجزء الأول في 7 إبريل 1928 وهو التاريخ الذي يمثل "لحظة الحاضر". والبيئة هي ذهن الأبله (بنجي) الذي له من العمر الزمني في سنة 1928 ثلاث وثلاثون سنة، بينما عمره العقلي ثلاث سنوات. فيتحرك "الحاضر" في ذهنه بحرية خلال السنوات الماضية من حياته. ومن ثم فإن وعيه يتصف بـ"الفيض" الأكثر تدفقاً. ويبدأ الجزء الثاني في 2 يونيو 1910. والبيئة الخارجية له هي: كامبردج- ماساتشوست. وفيه يهم كوينتين بالانتحار، فيجول ذهنه بحرية في الماضي، وتتسلط عليه أفكار ثابتة حول أخته (كادي) التي (أحبها مفهوماً لشرف العائلة). وأما الجزء الثالث والأخير فهو في 6 أبريل 1928 و8 أبريل عام 1928 وهما اليومان السابق واللاحق لتاريخ بدء الرواية. وقد تمّ توصيل هذا الجزء بوساطة تقنية (مناجاة النفس)، وليس بوساطة تقنية (المونولوج الداخلي) التي استخدمت في الجزأين الأول والثاني، حيث يتحدث ذهن (جيسون) بأسلوب الراوي المفرد الغائب الواسع المعلومات. شخصية وحيدة في منزل عائلة (كومبسون) تسيطر على الزمن، وتُدرك الواقع هي (ديلسي) الطاهية الزنجية التي تدرك أن ساعة الجنوب متأخرة. ولهذا خصّص لها فولكنر يوماً رابعاً على الأيام الثلاثة للأخوة الثلاثة، وهو يوم يتناول التاريخ العاطفي لأسرة (كومبسون) الذي هو أيضاً التاريخ العاطفي للجنوب: فنحن في عقل (بنجي) في عام 1928، وفي عقل (كوينتن) في عام 1910 وهو اليوم الذي أغرق فيه نفسه. وكل شخصية لها زمنها الخاص بها، والمختلف عن الزمن الطبيعي، وعن زمن السرد. ولهذا لا يمكن إدراك ترتيب الأحداث زمنياً، وموضع كل زمن في مكانه المناسب، إلا بعد الانتهاء من قراءة الرواية كلها. فوحدة (الزمان) تمثل وسيلة بالغة الأهمية، فالزمن الماضي عند بروست يصبح زمناً آنياً ليتلاشى من جديد في طيات الماضي، أما الزمن الآني فهو عند جويس صلة وصل للحاضر. وقد نشر بروست (طريق سوان) عام 1913 وهو نفس العام الذي نشر فيه هنري جيمس الجزء الأول من مذكراته. والعبارة التي يضعها بروست عنواناً لعمله هي (البحث عن الزمن الضائع). والعبارة التي يستعملها هنري جيمس في الصفحة الأولى من روايته هي (استنطاقي للماضي). فالاستمداد من الذاكرة والذكريات، والاعتماد على التداعي هما المصدران الرئيسيان لرواية (تيار الوعي). أما جيمس جويس في (أوليس) فقد كان موجهاً كل همّه إلى أن يحتفظ، في كلمات، بثماني عشرة ساعة من التجربة، هي ساعات مستعادة مستردة من الزمن السرمدي، في حيين كان نشدان (الزمن الضائع) عند مارسيل بروست محاولة، على مستوى بطولي، ولكنها تعيش في مكان ما من الوعي. وهذه الذكريات يمكن أيضاً تخليدها في كلمات. ولقد عبّر بروست عن رغبته في أن يمسك بجزء من الزمن المطلق ولو للمح البصر. وقد استخدم جويس الإحساس بالزمان لتعويض النقص في الحبكة الروائية، فأحداث روايته: أوليس (أويوليسيز) تحدث في يوم واحد (خلال ثماني عشرة ساعة)، وفي مدينة واحدة (دبلن)، وهي تُفتتح مع بداية يوم 16 يونيو 1904: ففي الساعة الأولى نحن في عقل ستيفن، وفي الساعة الثانية في بيت بلوم. وفي الساعة الثالثة في درس ستيفن، وفي الساعة الرابعة ستيفن في الشارع. وفي الساعة الخامسة ليوبولد في الحمامات العامة، وفي الساعة السادسة الجنازة، وفي الساعة السابعة ستيفن وليوبولد في بمبنى الصحيفة، وفي الساعة الثامنة يتناول ليوبولد غداءه، وفي الساعة التاسعة ستيفن وليوبولد في مكتبة دبلن الوطنية، وفي الساعة العاشرة ليوبولد وستيفن في حانوت لبيع الكتب، وفي الساعة الحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشرة ليوبولد في ألوان من نشاطه، وفي الساعة الرابعة عشرة ليوبولد وستيفن في المستشفى، وفي الساعة الخامسة عشرة ليوبولد وستيفن في بيت الدعارة، وفي الساعة السادسة عشرة ليوبولد وستيفن في حظيرة العربات، وفي الساعة السابعة عشرة ليوبولد وستيفن في بيت بلوم، وفي الساعة الثامنة عشرة مولى بلوم. وبما أن (يوليسيز) من روايات (تيار الوعي) فإن موضوعها هو الحياة الذهنية للشخصيات. والحدث الرئيسي فيها يحدث في أذهان الشخصيات، ولذلك كان لابد من إطار خارجي تستند إليه هذه العمليات الذهنية، فكانت الوحدات الزمانية هي هذا الإطار الذي يشمل هذه العمليات المتفاعلة. وبما أن رواية (تيار الوعي) تعتمد الإحساس بالزمن، وتتخذه إطاراً عاماً، فإنها لا تهتم كثيراً بالمكان، ولا بالأفعال، لأنها تهتم بما يدور في الذهن وحده. وبما أن هناك نوعين من الأفعال: الفعل في الذهن، حيث تستدعي الشخصية الذكريات والأحلام والتصورات، وهو الأسلوب الأكثر كماً في رواية تيار الوعي، والفعل في الواقع حيث تتحرك الشخصية من مكان إلى آخر. فاستدعاء ستيفن مثلاً في (يوليسيز) لصورة أمه المحتضرة تتسلّط عليه، لأنه رفض طلبها في أن يصلي من أجلها. وهي صورة مرتبطة بإدراكه لغربته الروحية، وبالتالي فهي عذاب ضميره المستمر، وهي أساس المونولوجات الداخلية المشحونة بالعاطفة من لدنه. *** -3- وأما الأبنية الرمزية فقد توجد في الإطار العام، وفي الصور البلاغية، وفي التراكيب اللغوية، وفي الألفاظ المفردة. وقد كان جويس يركز على اللغة كثيراً، ويهتم بالكلمة المفردة على نحو خاص، ويجعل بطله يتخذ من بعض الأشياء رموزاً، كما في حمل ليوبولد معه (البطاطا) كتعويذة تحمي من الوباء والطاعون، لأنها من (البقايا المقدسة لأمه المسكينة)، فهي في جيبه دوماً، مع قطعة (صابون). كما قد يلجأ جويس إلى الأسماء الأسطورية فيسمي بها أشخاصاً معاصرين في روايته، كما في تسميته إحدى شخصياته الرئيسية الثلاث من (يوليسيز) بـ(ديدالوس) DEDALUS إشارة إلى (ديدالوس) في الأسطورة الإغريقية التي تقول إنه كان صانعاً ماهراً، فاقترف جريمة فهرب من بلدته (أثينا) إلى جزيرة (كريت) حيث بنى لملكها متاهة لا يعرف النفاذ منها إلا ديدالوس نفسه، وذلك لكي يستعملها الملك ساعة الخطر، ولكن الملك كافأه على ذلك بسجنه فيها مع ابنه (جزاء سنمار). وبمهارته المعروفة صنع لنفسه ولابنه أجنحة من الريش ألصقها بالشمع، وطارا. ولكن ابنه اقترب من الشمس فذاب الشمع وسقط في البحر فغرق. أما هو فقد وصل إلى (صقلية) حيث لقي حتفه هناك. واستعمال جويس لهذا الاسم إشارة إلى البراعة والمهارة التي عرف بها ديدالوس. *** -4- وأما المحاكاة أو التقليد الساخر لأوديسة هوميروس في بناء رواية (يوليسيز) فإن جويس قد وضع (الأوديسة) خلفية في ذهنه وصار ينسج على غرارها مفارقات هي تقليد ساخر للقديم العظيم الذي أخذ بالألباب عن جدارة في عصره. ولكنه بات اليوم مثار تندّر وسخرية حين تغير العصر وتغير الناس. فالشخصيات الثلاث مرسومة بطريقة المفارقة: ليوبولد بلوم الذي يجعله (أوليس) العصر الحديث يناقض أوليس مناقضة تامة، فهو سلبي في نظرته للحياة، وهو يسكت على زنى زوجته، على عكس أوليس بطل هوميروس. ومولى بلوم الذي جعلها (بنيلوب) العصر الحديث تناقض بنيلوب هوميروس، لأنها تستمرىء العهر والخيانة الزوجية، بينما كانت بنيلوب هوميروس رمز الزوجة الوفية التي تكالب عليها الخطّاب فردّتهم جميعاً بحيلة ذكية إذ قالت إنها ستقبل بأحدهم إذا ما انتهت من نسج الرداء الذي كان بين يديها. ولكنها كانت تفكّ ليلاً ما كانت قد نسجته نهاراً. ولهذا لم ينته نسيجها. وديدالوس هو (تليماخوس) ابن أوليس الذي يبحث عن أبيه بعد أن فقد أمه ممثلة في أمه ووطنه والكنيسة التي ينتمي إليها. وبناء (يوليسيز) مقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية، كما في الأدويسة. وعنوانها هو اسم بطل (أوديسة) هوميروس. ولم تكن الرواية الجديدة موازاة للملحمة القديمة، وإنما تماهياً بها وابتلاعاً لها، فمن المعلوم أن بعض كتّاب الرواية المعاصرين اعتمدوا معمارية جديدة للرواية المعاصرة تتجلّى في استدعاء التراث أو التاريخ في رواياتهم التي أجروا فيها مسارين متوازيين في آن: المسار التاريخي القديم بشخصياته وأحداثه، والمسار الروائي المعاصر بأحداثه وشخصياته. والقارىء هو الذي يتلمّس (المفارقة) بين شخصيات المسارين وأحداثهما، ويدرك عظمة الماضي، وانحطاط الحاضر وتدهوره. أما جويس فلم يلجأ إلى هذه التقنية الروائية التي يظل فيها القديم منفصلاً عن الحاضر. وإنما جعل الجديد يتماهى بالقديم، ويبتلعه، ليحاكيه، ولكن من باب (المفارقة) الساخرة حيث تتم مفارقة الماضي البطولي المتألق مع الحاضر القذر المتفسخ مصدراً للسخرية المريرة. وتصبح الرواية المعاصرة قصيدة (ملحمية- ملهاوية)، كتبت نثراً. وهكذا تصبح وحدات (أوديسة) هو ميروس نقاط ارتكاز بنيوية في (يوليسيز) جيمس جويس. بل إن الرواية لتقرأ على مستوى رمزي آخر هو أن (ستيفن) الذي يمثل (أوليس) عاد من باريس إلى دبلن ليحضر وفاة أمه، فرفض أن يدعو لها في صلاته، وهذا الحدث هو رفض رمزي للدولة (البريطانية). وللكنيسة (الكاثوليكية)، بل إنه رفض حتى لأمه (إيرلندة). ومن المعلوم أن ستيفن يمثل الابن في الثالوث، وأنه تليماخوس الباحث عن أبيه، والايرلندي الذي يرفض بريطانيا المقترنة عبر البحر (الإنكليزي = حاكم البحار) بأمه (البحر أمنا العظيمة)، كما يرفض وطنه إيرلنده (الأم ذات الحلمتين الهرمتين). وصورة (دبلن) التي يقدمها جويس ترسم مجتمعاً في حالة يائسة من الفساد والتفسخ، حيث يستغله ويدمّره سيدان هما: الإمبراطورية (الإنكليزية)، والكنيسة (الكاثوليكية)، وتحت هذا الاستغلال يزدهر الفساد. وتتفكك الروابط الأسرية والإنسانية، وتغيب القيم وكل أنواع البطولة. *** -5- وأما الأبنية الموازية فتتجلى في رواية السيرة الذاتية، والرواية الشعرية، والبناء الموسيقي، والبناء الدوري. ففي رواية (السيرة الذاتية) يتم طرح السؤال التالي: هل رواية (تيار الوعي) هي سيرة ذاتية لحياة كاتبها؟ لقد كتب مارسيل بروست تأريخاً لحياته لا رواية، لأنه كان دوماً يستمد من عقله هو، ويعيد خلق ماضيه، في سعيه إلى حقائق التجربة. وقد ذهب بروست إلى حدّ أنه سمّى بطله باسمه هو (مارسيل)، وجعله يتكلم بصيغة المفرد المتكلم. لكن بروست أنكر فيما بعد أن كتب قصة تسجل حياته، كما أنكر أن تكون في روايته أية شخصية هي مفتاح لشخصية واقعية، فكل شخصياته من صنع خياله الذي أبدعها لتلائم الهدف الذي يسعى إليه. فهل هذا الإنكار صحيح؟ أليس ما نجده في رواية (تيار الوعي) هو تجربة الكاتب وجوّه الذهني؟ أليست الكتابة بطريقة (تيار الوعي) هي صورة أخرى لكتابة الشيء نفسه بطريقة المذكرات، حيث نجد الكاتب يعود إلى ماضيه ليمسك به؟ أليس الكاتب في مثل هذه الحالة إنما يخلط الذكريات وتداعي الخواطر مدّعياً أنها أمور متخيّلة، أو هو يُلبس هذه الذكريات والخواطر أقنعة شخصية كي لا تصوره هو؟ وإلا فما الفرق بين مذكرات أي كاتب وقصة بروست الذي سجّل مذكرات عقله وقصة حياته، وليس قصة مبتدعة، لأنه كان يستمد دوماً من عقله وهو يعيد خلق ماضيه. والواقع أن ما كان يدلي به بروست صحيح وغير صحيح في آن، ذلك أنه مهما استعاد من مذكرات فإنه ستبقى هنالك أحداث وشخصيات غير مستعادة، وبالتالي فإنه سيرمم فجوات كثيرة في الأحداث والشخصيات. وهذه الفجوات هي من صنع خياله المبدع. صحيح أن الكاتب قد ينسج حول شخصية محورية عاشها أو عايشها. ولكنه أثناء كتابة قصتها لا يوردها كما هي في الحياة تماماً، وإنما سيتصرف بهاجس السياق الذي يقتضيه الموقف. وكثيراً ما يقوده الموقف إلى زيادة في الأحداث أو تطوير في الشخصيات لم يعهدها عنها في الواقع. ومن هنا قولنا: إن بروست كتب قصته ومذكراته، ولم يكتبها، بمعنى أنه اعتمد على أجزاء منها في مواضع، وخلق أجزاء في مواضع أخرى. وبهذا تتكامل العمليتان: الذكريات والاستمداد من الماضي، والخلق والاعتماد على حاضر الكتابة. بالإضافة إلى أن الذاكرة عند بروست ليست مجرد استعادة أحداث مضت في مكانها وزمانها، وهو ما نظن عادة أنه ترجمة الكاتب لنفسه، فبروست يحاول أن يبين لنا أن الذاكرة خليط مركب، وعملية تتداعى فيها المعاني، فتنتقل الأحداث من ترتيبها الزمني، فنرى بعض الأشخاص شباناً مع أنهم قد أصبحوا كهولاً، ونظن أن بعض الناس أحياء بينما هم أموات، ونتذكر أماكن قد عهدناها بينما هي قد تغيرت. وكثيراً ما يحاججون بأن رواية (تيار الوعي) قد كتبها أناس مصابون بنوع من العجز: فبروست كان مصاباً بداء الربو، وجيمس جويس كان أعشى البصر، وفرجينيا وولف كانت فريسة داء السوداء (الماليخوليا). ولكننا نقول إن هذه "الأمراض" موجودة أيضاً لدى كتّاب الرواية التقليدية، كما هي موجودة أيضاً لدى غير الكتّاب، وبالتالي فإنه من غير المعقول أن نطالب الروائي بأن يكتب لنا دوماً عن الصحة المتألقة والسعادة الغامرة، فالصحة الجيدة لا تشجع الكاتب على التأمل في الحياة، فقد يكون منصرفاً إلى مباهجها وليس إلى الكتابة والتأليف الذي يقتضي منه وقتاً وجهداً. والمهم في هذا الموضوع هو أن آلام الكاتب "المريض" قد تكون نعمة حين يحوّلها إلى عمل فني. إن أهم ما في رواية (تيار الوعي) هو البحث في قدرة اللغة على تسجيل التجربة الداخلية، وقدرة القصة على نقل هذه التجربة. وكلما كثر احتشاد المادة الباطنية الذاتية في القصة طرأ تعديل على صفحات الزمان والمكان: فالزمن الآلي يفسح المجال للزمن النفسي، والفكر يعرض في حالته الحركية الانسيابية، مما يوحي باضطراب الرواية الباطنية. وكثيراً ما يضلّ القارىء المتسرع طريقه، بخلاف القارىء الواعي الذي يقرأ النثر وكأنه يقرأ الشعر. وهذا ما نجده في روايات دوروثي رتشاردسون وفي روايات فرجينيا وولف. فإذا كان القارىء في الرواية التقليدية يجلس وجهاً لوجه أمام المؤلف الذي يطلّ من النافذة ويروي قصة ما يرى، فلا يرى القارىء إلا ما يرويه المؤلف، وما يرغب في أن يصفه، فإن الأمر يختلف في رواية (تيار الوعي) لأن المؤلف محتجب عن القارىء، والقارىء هو الذي يجلس على النافذة ويرى ما يراه المؤلف من صورة سريعة منعكسة على شاشة العقل، ومشوّشة، وحادة.. إلخ، بحيث ينسى القارىء نفسه ويعبر النافذة ليمتزج بذلك الخليط الذي ينظر إليه، وبهذا يشارك في الأحداث، ويصادق بعض الشخصيات أو يعادي بعضها الآخر، لأنه يرى بعينيه ويسمع بأذنيه، بخلاف قارىء الرواية التقليدية الذي يرى ما يريد له الكاتب أن يرى، ويسمع ما يريد له المؤلف أن يسمع. وهكذا نصل إلى أن رواية (تيار الوعي) قد أخذت من رواية (السيرة الذاتية) شكلاً مضموناً، وإن طوّرت في هذا الأخذ لتختطّ بناءها الخاص بها، كما أخذت من (الرواية الشعرية) أحياناً مواقف ومقاطع، بحيث أصبحت قريبة من الشعر، لأن كاتبها لا يملك إلا وسيلة واحدة يستطيع بها أن يخلق عمله الأدبي. وهذه الوسيلة هي الكلمات. وكلمات الكاتب مثل ألوان الرسام أو حجازة النحّات، على الرغم من قدرتها على حمل المعاني فهي جافة صلبة، ولكنها محملة بتاريخ عاطفي. ومهمة الكاتب هي أن يجعلها تطابق الفكر كي تتجانس مع لغة الذهن. ومن هنا محاولته خلق "لغة جديدة" أمام عجز اللغة عن نقل ما يريد، وتحوله إلى شاعر (رمزي) حين يبدع صوراً تخيلية لعقل يتدفق بالخواطر والانطباعات، مستغلاً- من أجل ذلك- كل ما في اللغة من إمكانيات. ولهذا كان (براوننغ) يعتبر الشعر (فيضان) عقل الشاعر، و(وردزورث) يرى الشعر انبثاقاً تلقائياً لأحاسيس قوية استعيدت في هدوء، و(كوليردج) يقول إن الشعر ذاكرة تحررت من قانون الزمان والمكان، و(بروست) الذي انتهى إلى أن أحداث أية حياة لا تثير اهتماماً إذا جُردت من الأحاسيس التي تجعل من هذه الأحداث قصيدة. وشكا من أن كل كتابات فلوبير تفتقد مجازاً شعرياً واحداً. وتتجلّى الأبنية الموازية أيضاً في فكرة البناء الموسيقي، وهي فكرة (عامة) إلى الحد الذي ليست لها فيه أهمية بالغة، فقد وصف عزرا باوند (1885- 1972) رواية (يوليسيز) بأن لها قالب (السوناتا) الذي يشتمل على (موضوع)، و(موضوع مقابل)، و(لقاء)، و(تطور)، و(نهاية). كما أكد بيتش أن (يوليسيز) ليست سوى قصيدة سمفونية مرسومة بتطور نشط ومركّز للموضوعات. ومثله فعل ليون ايدل(3) حيث جعل هذه الرواية ذات بناء محكم يمكن وصفه بلغة الموسيقى بأنه سمفونية، لا تقود إلى الحديث عن ثقافة جويس الموسيقية فحسب، وإنما إلى نظريات الرمزيين أيضاً. وهذا دو جاردان يردد دائماً بأن (فاغنر) هو الذي ألهمه (المونولوج الداخلي) في قصته (أشجار الغار المقطوعة). وأما البناء الدوري المأخوذ عن نظرية (فيكو) في دورات التاريخ، فهو موجود أيضاً في (يوليسيز)، كما هو موجود أيضاً في بناء رواية (يقظة فينيغان) لجيمس جويس. *** -6- وأما الوسائل الأخرى المعنية في تقنية رواية (تيار الوعي)، فتتجلى في التداعي الحر، والمونتاج السينمائي، والوسائل الطباعية..إلخ. فالتداعي الحر هو تقنية في تنظيم حركة تيار الوعي. وهو حقائق بسيطة يبثّها الذهن على نحو مستمر. وعندما تبذل محاولة لتركيزه على بؤرة ما فإن ذلك يتم بوساطة واحد من ثلاثة عوامل تنظّم عملية التداعي هي: الذاكرة التي هي أساسه، والحواس التي تقوده، والخيال الذي يحدد طواعيته. وقد أدرك كتّاب رواية (تيار الوعي) أهمية (التداعي الحر) في تحديد حركة العمليات الذهنية لشخصياتهم، كما نجد في تقنية (المونولوج الداخلي) لدى جويس، حيث عناصر محتوى ذهن (مولى بلوم) تستخدم لتقديم تحليل توضيحي لهذه الحركة. والباعث المسيطر على وعيها هو يقظة اهتمامها العاطفي بزوجها الذي يستلقي نائماً إلى جوارها. والمونولوج هنا في خمس وأربعين صفحة، يقدم دونما انقطاع، حيث تسمع مولى دقات الساعة (فتتصور نهوض الصينيين، وتتوقع صلاة الانجيلوس، وتتصور نوم الراهبات، وتتوقع منبه الجيران)، وترى الورق الذي يبطن به حائط غرفة نومها (فتتذكر الزهور التي هي على شكل نجوم، والعيش في شارع لومبارد، والمريلة التي أهداها إياها ليوبولد) فتجذب المصباح إلى أدنى (فتتذكر أن عليها أن تصحو مبكرة، وأن تتصوّر اليوم التالي، وأن تقتني لوازمها من السوق، وأن تتصور حانوت الفطائر، وعمليات البيع والشراء، وأن تستقبل ديدالوس، وترتّب البيت، وتنظّف مفاتيح البيانو، وتزيّن المائدة بالزهور، وتستعيد ما قاله لها ليوبولد مغازلاً..). وأما (المونتاج السينمائي) فقد استفادت منه رواية (تيار الوعي). وهو من المستحدثات السينمائية، ويشمل عمليات: القطْع، والارتداد، والمنظر الشامل، والصورة عن قرب، والاختفاء التدريجي، واللقطات البطيئة..إلخ. وهذه الوسائل تستخدم لتوضيح تداخل الأفكار أو تداعيها، كما في التوالي السريع للصور، أو وضع صورة فوق صورة، وقد استخدمت من قبل كتاب رواية (تيار الوعي): جيمس جويس، وفرجينيا وولف.. لأنها تتيح للكاتب حرية الحركة والتنقّل من الخلف إلى الأمام، ومن الماضي إلى الحاضر، فالمستقبل المتخيّل. ويمكن الإشارة إلى طريقتين في تقديم (المونتاج) في الرواية: الأولى تظل فيها الشخصية ثابتة في المكان، بينما يتحرك وعيها في الزمان، فيضع صوراً أو أفكاراً من زمن معين على صور أو أ فكار من زمن آخر، والطريقة الثانية هي أن يبقى الزمن ثابتاً، ويتغيّر العنصر المكاني، فتلتقط (عين الكاميرا) الصور من كل مكان لتعطي انطباعاً موحداً. وقد اعتمدت الطريقة الأولى (التحرك في الزمان) فرجينيا وولف في روايتها (مسز دالوي)، كما اعتمد الطريقة الثانية (التحرك في المكان) جيمس جويس في (يوليسيز)، حيث يتحرك في (صخور التيه، وهي الحلقة العاشرة من الرواية) ثمانية عشر مشهداً تحدث في أماكن مختلفة من (دبلن) في وقت واحد، رغم أنه لا صلة بين هذه المناظر. كما لجأت رواية (تيار الوعي) إلى إلغاء علامات الترقيم، والاستعاضة عنها أحياناً بـ(الوسائل الطباعية) بغية تنظيم حركة الوعي. هكذا فعل (وليم فولكنر) في روايته (الصوت والغضب) حيث ميّز (المونولوج الداخلي) بكتابته بأحرف مائلة لترشد القارىء إلى أن هناك تحولاً في الزمن. أما فرجينيا وولف فقد استخدمت نوعاً آخر من علامات الترقيم، هي الأقواس التي تضع في داخلها حركة الوعي، كما فعلت في روايتها (إلى المنارة). هوامش 1- ليون ايدل- القصة النفسية- تر: محمود السمرة- المكتبة الأهلية- بيروت 1959 ص233. 2- تختلف الترجمات من مترجم إلى آخر: فمحمود السمرة في ترجمته لكتاب ليون ايدل (القصة النفسية ص60 يعرّبها (أشجار الغار المقطوعة)، ومحمود الربيعي في ترجمته لكتاب روبرت همفري (تيار الوعي) ص43 يعرّبها (تهاوت أشجار الغار)، وهاني الراهب في ترجمته لكتاب أرنولد كيتل (مدخل إلى الرواية الإنكليزية) ص2/174 يعرّبها (أكاليل الغار بتراء). كما يختلفون في تعريب اسم الكاتب بين: إدوار دو جاردان، وإدوارد دو جاردا. 3- هامش رقم 1 ص201. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |