وجوه الماس البنيات الجذرية في أدب علي عقلة عرسان - محمد عزام

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:48 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

2- رواية (صخرة الجولان)

هذه الرواية من نوع لم يكتب به كثيراً في الرواية العربية، ليس لأنها ذات مضمون مغاير، ولا لأنها ذات تجديد تقني، وإنما لأنها من نوع رواية (تيار الوعي) أو الرواية النفسية، أو الرواية التحليلية التي ظهرت في الأدب الروائي الغربي منذ عام 1913لدى الكاتب الفرنسي مارسيل بروست في روايته الضخمة (البحث عن الزمن الضائع) التي صدر الجزء الأول منها عام 1913، و الكاتبة الإنكليزية دوروثي رتشاردسون في روايتها (رحلة الحج) 1915، والكاتب الإيرلندي جيمس جويس في روايته الشهيرة (يوليسيز)1922. وهذا لايعني أن الكاتب عرسان قد ترسمّ هؤلاء المبدعين في هذا الحقل الروائي ، ونسج على غرار ما نسجوا، فقد لا يكون فعل ذلك عامداً، لأن فرسان رواية(تيار الوعي) الغربيين كتب كل منهم رواية(تيار الوعي) وهو في وطنه، دون أن يتصل بالأخر أو يحاكيه، فرغم أن كل واحد منهم في بلاد (فرنسا، وإنكلترة، وإيرلندة) إلا أنهم تلاقوا عند نوع جديد من الأدب الروائي، دون قصد. وهذا دليل على أصالة الإبداع. ولم يكن موقف عرسان الإبداعي غير هذا.‏

ويقصد برواية (تيار الوعي) التعبير عما يدور في ذهن الشخصية الروائية، وفي مشاعرها من كلام غير ملفوظ، أو وصف لما يجول في ذهن البطل يورده الراوية الذي غالباً ما يكون هو الكاتب نفسه، وكأنما أدخل إلى عقل البطل آلة تصوير سينمائية وبدأ يصوّر. ومن هنا تسميّها الرواية الاستبطانية، والرواية التحليلية، لأن الكاتب فيها يستغور أعماق الذات، ويستبطن أعماق المشاعر، فيحكي، ويصوّر، ويحلل..‏

***‏

1-المونولوج الداخلي:‏

تعتمد رواية (تيار الواعي) أساساً على المونولوج الداخلي المباشر الذي تناجي به الشخصية نفسها. وهو يقدم الوعي للقارئ بصورة مباشرة مع عدم الاهتمام بتدخل المؤلف. أي أنه يوجد غياب كلي للمؤلف ، بل إن الشخصية لا تتحدث حتى إلى القارئ. أما (المونولوج الداخلي) غير المباشر فيعطي القارئ إحساساً بحضور المؤلف المستمر ويستخدم وجهة نظر المفرد الغائب بدلاً من وجهة نظر المفرد المتكلم، والطرق الوصفية والتفسيرية.‏

وقد استخدم الكاتب عرسان الأسلوبين معاً. ففي مقاطع من روايته استخدم (المونولوج الداخلي) المباشر بصيغة ضمير المتكلم حيث أدخلنا إلى وعي بطله(محمد المسعود) فكنا مع ذكرياته، وأحلامه، وتصوراته، كما في الفصول (1-3-4-7-9-12).وفي مقاطع أخرى استخدم (المونولوج الداخلي) غير المباشر حيث تحدث بصيغة ضمير المفرد الغائب واصفاً ومفسّراً كما في الفصول(2-5-6-8-10-11).‏

وتبدأ الرواية بمونولوج داخلي يضعنا فيه الكاتب في عقل بطله (محمد المسعود) الذي يناجي نفسه:" وقفت اليوم على سفح الجبل الذي ارتبطت به ارتباط جذر الشيح بالأرض، ونظرت من فوقه باتجاه الشرق، كما هي عادتي منذ أصبح الجبل الدنيا بالنسبة إليّ. كانت القرى والمزارع على مدّ النظر منبطحة تحت مرمى ذراعي كطائر جريح"(ص7).‏

هكذا يضعنا الكاتب في عقل بطله، ويضعنا البطل في حاضره، حيث هو الآن جندي على الحدود، يرابط في قمة الجبل. ثم ينتقل ذهنه إلى ماضيه حيث ترك زوجته وأطفاله في قريته الفقيرة. ولامعيل لهم سواه. في(بيت تتكأكأ حجارته كجسد هرم). الزوجة تعمل حصّادة عند عمها جابر لتؤمن لقمة الأولاد، في غيبة زوجها التي طالت حيث دعي إلى الخدمة الاحتياطية التي ظنّها أياماً معدودات فإذا بها تطول وتطاله حتى لامفر. ولم يكن معه ما يدفع عن زوجته وأطفاله الثلاثة غائلة الجوع. فليس لديهم أرض ولا أملاك، سوى جهد الوالدين وعرقهما، في الوقت الذي ينبغي أن يطعما فيه ثلاثة أفواه صغار زغب الحواصل، لا ماء ولا شجر، أكبرهم (زيد) في السادسة ، ثم أحمد، ففاطمة. وتذهب بالأب الأحلام كل مذهب: ينبغي أن يدخل زيد المدرسة في العام القادم، ويصبح في المستقبل معلماً، وربما موظفاً أو غير ذلك، وسيفتخر أبوه به، كما سيفتخر هو بأبيه الذي خاض معارك الجبل.‏

ثم تعود به الذكريات إلى زوجته(زينب) :" وتراقصت صورتها أمام ناظري، وهي تعود من الحصاد. ثوبها مغمس بالعرق. والتراب يكسوها من رأسها حتى أخمص قدمها.. تدخل البيت فلا تجد لقمة طرية تتبلّغ بها، وأمامها الصغار الثلاثة. كعصافير الدوري في العش تفتح مناقيرها تزقو عند قدومها، وتمد أعناقها تحمل جوعاً فاغر الفم".وكما كانت المرأة في زمن عمر تلهي أطفالها بالقدر الذي وضعت فيه الحجارة، فكذلك كانت زينب تلهي أطفالها الثلاثة بـ(عروسة) من الخبز والزيت. ولاشيء غيرهما.‏

***‏

2-الإحساس بالزمن:‏

تسمى رواية (تيار الوعي) أيضاًبـ(الرواية الزمنية) لاهتمامها بالزمان، وإحساسها به، حيث أنها كثيراً ما استعاضت عن الزمن الآلي بالزمن النفسي، ولعبت على وتره طويلاً. فعادت إلى الماضي عن طريق الاسترجاع(الفلاش باك) لتصور مشاعر قد انقضت، أو أحياء قد انتهوا.‏

وينبع الإحساس بالزمن عند الشخصية الأولى في الرواية (محمد المسعود) من حاضره المؤلم القاسي الذي يشتبك فيه مع العدو بالسلاح الأبيض: إما قاتل أو مقتول. وهكذا فإن الزمن عنده نوعان: حاضر قاس في قطعته العسكرية، وماض مستعاد في قريته وزوجته وأولاده حيث يهنأ باللحظات "السعيدة" التي قضاها، رغم قصرها. إذ يصف حياته مع زوجته: "مسكينة زينب. لم تر معي اليوم الأبيض، فقد تزوجنا ونحن في الفاقة. نركض والرغيف يركض أمامنا ولا نلحقه. وها أنذا أتركها الآن وقد ارتفعت الأسعار".(ص12). وتصفه زوجته بأنه:" كان طويل الغيبة ، قليل الدراهم، كبير الهمّ، ولكن عالي الهمّة" (ص48). وكانت كل أحلامه وأمانيه تتركز في بيت صغير، يقول لزوجته: "أمنيتي يا زينب أن نبني بيتاً صغيراً نجعل حوله حديقة، ويكون لنا "ثلم" أرض نزرعه، ونأكل رغيفنا من تعبنا في أرضنا. كدّ يميننا وعرق جبيننا. في بلدنا . دون أن أضطر إلى ترككم والابتعاد في بلاد الغربة".(ص48).‏

أما الزمن الخارجي الذي تجري فيه أحداث الرواية فيقع في النصف الأول من عقد السبعينات، يقول الكاتب:" هاقد مضت ست سنين وها هي السنة السابعة من الحرب الماضية إلى هذا اليوم".‏

***‏

3- فضاء المكان:‏

لا تعنى رواية (تيار الوعي) كثيراً بالمكان. لأن إحساسها الحاد بالزمان قد استبدّ بها، وحده .ومع ذلك فإننا نجد، في هذه الرواية، مكانين حقيقيين في الواقع هما: الوطن، وإسرائيل. ومكانين داخل الوعي هما: الوطن، والكويت.‏

أما المكانان الحقيقيان فهما: في الوطن حيث قريته (كحيل) الفقيرة في حوران والتي ترك فيها زوجته الصابرة وأطفاله الصغار. وهو يعود إلى هذا المكان بخياله، وكأنما هو قطعة من ماضيه (السعيد) بخلاف واقعه الصعب، وحاضرة القاسي حيث يعسكر في قطعته العسكرية على سفوح أحد جبال الوطن. والمكان الثاني هو إسرائيل حيث يُصاب في المعركة فيُغمى عليه، وعندما يستيقظ يجد نفسه في مشفى الأعداء الذين يعدّونه للتحقيق معه، بعد أن كسرت ذراعه وبترت ساقه. وفي غرف الأسر والتعذيب يعاني الأهوال النفسية والجسدية ويخضع للعقوبات المشددة كي يبوح بأسرار قطعته العسكرية فيظل بطلاً صامداً.‏

وأما المكانان المستعادان داخل الوعي فهما: في الوطن حيث قريته الفقيرة التي ما عاش فيها إلا أياماً معدودة ، بينما قضى معظم أيامه في البلدان الأخرى بحثاً عن عمل يطعم به الصغار. وكان أن وجد في الكويت ما يسدّ به الرمق. فصار يعمل فيها في ظروف بالغة القسوة.‏

***‏

4-بنية الرواية:‏

تقع رواية (صخرة الجولان) في اثني عشر فصلاً مرقّمة، دون عنونة. في الفصل الأول يضع الروائي قارئه داخل عقل البطل (محمد المسعود)، الزوج الذي خلّف زوجة وأطفالاً حين دُعي إلى الخدمة الاحتياطية. وحين نشبت المعارك مع العدو فُقِد فلم يُعرف عنه شيء.‏

الفصل الثاني وصف لحياة زوجته (زينب) وأطفالها. وإذا كان الفصل الأول مرويّاً بضمير المفرد المتكلم ومن داخل وعي البطل، فإن هذا الفصل مرويّ بضمير المفردة الغائبة (زينب) التي عملت، وذهبت..‏

الفصل الثالث عودة إلى محمد المسعود والرواية بضمير المفرد المتكلم، حيث يروي كيف اشتبك مع العدو. ثم أغمي عليه، وحين استفاق وجد نفسه في مشفى إسرائيلي. وتذهب به الخواطر والأفكار كل مذهب، فيتصور ابنه زيداً يقف أمامه ويخاطبه بقوله: "لقد تركتنا يا أبي دون أن تهيئنا بشكل ملائم للحياة. لم نشبع ولم نكبر ولم نتعلّم ولم تترك لنا شيئاً. وفوق ذلك ورّثت لنا العار؟. سيقول لي الأولاد بعد اليوم يابن "المكرسح".‏

في الفصل الرابع يستمر محمد(المسعود) في مونولوجه الداخلي، حيث يتأكد من أنه أسير في مشفى إسرائيلي، حين وضعوه أمام المحقق وقد امتنع عن الإدلاء بأي جواب يتعلق بأسرار قطعته العسكرية. فيقذف به إلى غرفة التعذيب النفسي: التهديد والوعيد، والترغيب والترهيب، والتعذيب الجسدي: الجوع، والحرمان، والماء الساخن، والضرب... وتدوّم روحه في الأعالي حيث يرى "ابنه زيداً يمرح راكباً حصاناً أبيض اللون يمر كالنسيم. وزينب تبتسم، وتركض أمامي في مرج وأنا أتبعها. ويخطر لي أن نكون في شوارع الجميلة دمشق فنكون، وكأن المدينة بستان لنا". (ص72). وهكذا كلّما صدمته وجوه قاسية أو مناظر مؤذية، أو كلمات نابية، أسرع إلى الحلم الجميل الذي يزيل القسوة بنقلة غير متوقعة إلى عالم آخر.‏

في الفصل الخامس عودة إلى (زينب) والحديث عنها بضمير الغائبة، حيث مازالت لا تصدق أن زوجها مفقود. ولا تدري هل هو أسير.؟ أم ميت؟. وتتصوّره هارباً إليها، يطارده الخوف، ويعلو وجهه تراب الطرق. وتتصوّر نفسها تحتضنه ويحتضنها ليغسلا تعب الأيام بالقبلات والدموع. ثم تنظر إلى وجهه فتقرأ في عينيه إحساساً بالخجل. وتذوب رأفة وهي تسأله: لم يا أبا زيد؟ وتعود إلى ذكريات صباها معه، حيث كانت تحبه، وقد انتظرته سنوات، وهي في سن الزواج، كاتمة حبها، متحملة ضغط أبيها وأمها إلى أن تمكن من جمع المهر وفتح البيت.‏

وتحلم بأنه عائد إليها، هارب مما هو فيه، يتحاشى الطرق الرئيسية. والوقت ليل، والناس نيام. تسمع وقع خطاه، فتسرع دقات قلبها، وتمتد يدها إلى اللحاف ترفعه عن جسمها لتنهض إلى باب الغرفة كأنما تريد أن تفتح الباب. ستعانقه. وتغسل قدميه بالماء الساخن، وتزيل من راحتيهما الشوك، ومن جراحهما التراب. وسوف تغلق عليه الباب وتخفيه في البيت وتنكر وجوده عن كل من يسأل عنه. وليقل الناس ما يقولون، وستوصي الأولاد بألا يتكلموا. زيد يفهم ويقدر. لقد أصبح رجلاً، ما شاء الله سيفرح الأولاد بأبيهم، وسيرقص البيت طرباً، ويصبح لكل شيء معنى وطعم ولون مغاير لما هو عليه الآن.‏

في الفصل السادس يتم الحديث بضمير الغائب عن (أم سليمان) العجوز الفقيرة التي تعطف على زينب وأطفالها، فترعاهم أثناء غياب أمهم في عملها. كانت أم سليمان تجمع السنابل في حر الصيف وراء الحصادين لتقي نفسها شر السؤال. وعندما يشتد بها الجوع وينفذ ما ادّخرته تدور على وجوه الخير تسأل لتأكل، بعد أن مات زوجها، وهاجر ابنها، فانقطعت أخباره.‏

في الفصل السابع عودة إلى ضمير المتكلم ومونولوج محمد المسعود وما يعانيه في المشفى الإسرائيلي حيث بتروا رجله اليمنى، وهصرته الحسرة على نفسه. ورجله اليسرى في الجبص. ويده اليمنى مضمدّة ومعلّقة برباط إلى عنقه. ومن المشفى إلى الاستجواب والتحقيق فالتعذيب فالهرب بأفكاره وأحلامه من واقعه المرّ إلى ذكرياته ( الحلوة): أسرته، وقريته، وصخرته: الأم الرؤوم من حجر الوطن، حيث كان يختفي وراءها في قطعته العسكرية. تحميه فيحميها. ماذا حلّ بها الآن؟ أهي عزيزة الجانب يحميها أخ أو صديق؟ أم تراها تحني الهام ويطأ عنقها حذاء إسرائيلي؟‍!.‏

في الفصل الثامن يبدأ الحديث بضمير الغائب المفرد عن (أحمد الحسن) التاجر الصغير وصاحب الدكان الوحيدة في القرية، والذي يبيع أهل القرية السكر والشاي، ويستغلّهم. وقد لعبت عيناه على (زينب) زوجة الشهيد أو الفقيد: "أغرق أحمد الحسن عينيه في نحر زينب الذي انفرج بياضه"(ص109). فبدأ يتقرّب إليها. ولكنها مازالت مهرة حروناً. فلجأ إلى صديقتها(أم سليمان) علّها تقنعها بالزواج منه.‏

في الفصل التاسع عودة إلى (محمد المسعود) ومونولوجه الداخلي، حيث ما يزال صامداً لم يفش سراً من أسرار الجيش، رغم كل التعذيب الذي لقيه.‏

في الفصل العاشر يتحدث الأسرى عنه، بعد أن أضربوا عن الطعام احتجاجاً على المعاملة السيئة التي يلقونها، مما جعل مدير السجن يرضخ لطلباتهم: المعاملة الإنسانية التي تقتضيها المعاهدات والمواثيق الدولية والحقوق الإنسانية.‏

في الفصل الحادي عشر مختار القرية يخبر أهلها بأنه سمع أن (محمد المسعود) ليس ميتاً ولا مفقوداً، وإنما هو أسير، فيتجدّد أمل (زينب). ولكن الأسرى عاتبون على سلطاتهم الوطنية التي لم تسأل عنهم أو تقايض بهم: "أقولها بوضوح: لوكان هناك اهتمام جدّي بنا من أهلنا لما عوملنا هذه المعاملة".(ص147). والشيخ جابر ذو اللحية البيضاء يردد في مضافة المختار: "يا حسرتي على الأسير". وزينب تحسب نفسها مثل تلك الأسر الكثيرة المسكينة التي تعيش كلها في الأسر، وتحت سطوة العدو وقهره، دون أن ينجدها أحد من الحكومات والأفراد. (وماذا يستطيع الأفراد إذا لم تستطع الحكومات أن تفعل شيئاً.؟).‏

في الفصل الثاني عشر والأخير عودة إلى وعي(محمد المسعود) في معتقله، حيث يموت تحت التعذيب شهيداً، دون أن يبوح بسرّ من أسرار وطنه.‏

***‏

5-الشعرية والصور البلاغية:‏

تتسم رواية(تيّار الوعي) بالشعرية في بعض مقاطعها، لأن انثيال الشعور، وتدّفق اللاشعور في (المونولوج الداخلي) و(المناجاة النفسية) ينهلان، هما والشعر، من منبع واحد. وقد أخذت رواية (تيار الوعي) من (الرواية الشعرية) مواقف ومقاطع شعرية، أو قريبة من الشعر، لأن كاتبها لا يملك إلا وسيلة واحدة يستطيع بها أن يخلق عمله الأدبي، وهذه الوسيلة هي الكلمات المحمّلة بالمعاني وبتاريخ عاطفي. ومهمة الكاتب تتجلّى في جعلها تطابق الفكر كي تتجانس مع لغة الذهن. ومن هنا محاولة الشعر خلق "لغة جديدة" أمام عجز اللغة عن نقل مايريده الشاعر، ولجوؤه -أحياناً- إلى إبداع الصور الخيالية، استكمالاً للتعبير، واستغلالاً لكل إمكانيات اللغة، وإحاطة بكل المشاعر والانطباعات.‏

وقد تجلّت الشعرية في هذه الرواية في ميدانين: حديث الشيخ جابر، والصور البلاغية. أما حديث الشيخ جابر (وهو عم زينب) فتدفق متأثراً بما سمعه عن أسر(محمد المسعود) وعدم اهتمام الحكومات العربية بأسراها المعتقلين في سجون العدو، حيث يقول: "يا حسرتي على الأسير ببلاد غربة وظلم. عدو ما يرحم. حسرة عليك يا محمد المسعود. وألف حسرة. يا جابر العثرات مكسور الظهر. جرّب سجوناً وذاق مما ذقت. حسرة عليك وألف حسرة يا أسير. وعيب عيب على رجال تسند شوارب وتجمع قروشاً وتملأ كراسي، وتحطّ نجمة وسيفاً ونسراً ونياشين. والضيم يحوف أولادها وديارها وأديانها" (ص 157).‏

ثم يستطرد الشيخ جابر في شعريته:"لاتؤاخذوني ياجماعة. لاتؤاخذني يامختار. ولايؤاخذني طلابها. ترى أني ماعبت على أحد؟ لكن ناراً بالحشا ياناس ضجّت وانفتح صمّامها. والدم ماهو ماء وإن خالطه الماء. غصّة قديمة من سوالف سالفات. جيلي مضى. راحت علينا وانقضت أيامنا. حلوة ومرّة ماغدت بالمعايير. راحت. مضت. من عزّ من نخوات من ضيم وحتوف ونازلات .راحت ورحنا على الحفر متزاملين. لاتؤاخذوني يا الربع. ترى أنا ماعبت أحد. على العين ثم الراس كل الناس. مختارها وتجارها وحرّاسها وطلابها وكلابها. على العين ثم الراس كل الناس. كلمة وغطاؤها (خائبين وسائبين). ولا تؤاخذوني ياالكبار . القبر واسع والتراب كثير. والزمن دولاب. لاتؤاخذوني.لا تؤاخذوني أرضاً بكت من طول ذل وجوع ومن حرقة عطش" (ص158).‏

وهذا شعر، وإن لم يتخّذ شكل الشعر في أسطر وكلمات. وقد جرح فيه "الشيخ" وداوى، وقال ماعنده، ثم اعتذر على طريقة الروائيين الذين يضعون(الحقيقة) على ألسنة السكارى أو المجانين، لأن العقلاء لايتبنونها خوفاً من المساءلة.‏

وأما الصور الشعرية فقد كانت الميزة الأسلوبية الأكثر حضوراً في الرواية. وقد أحصيت أكثر من سبعين صورة في الرواية التي لايزيد عدد صفحاتها على المئة والسبعين. وكانت معظم هذه الصور من التشبيهات البلاغية التي توافر لها المشبّه والمشبّه به وأداة التشبيه، كما في:‏

-أمامها الصغار الثلاثة كعصافير الدوري في العش.(ص13).‏

-هدوء الليل أصبح بسببها كالغربال.(ص29).‏

-دخان بسيط ينعقد كسحابة حزن خفيفة. (ص29).‏

-أصبحنا كورقة تعبث بها الريح.(ص31).‏

-فتاة في الرابعة عشرة من عمرها يانعة كالإجاصة(ص42).‏

-ثغرها كحبة الحنطة(ص42).‏

-كانت كسحابة أثقلها حملها(ص45).‏

-كنّ كحمامٍ سجين(ص46).‏

-بدأت تشعّ كشمعة (ص50).‏

-وصحا وجهي كسماء بعد مطر (ص60).‏

-غائمة الملامح كأنها سماء رمادية(ص64).‏

-كانت انفعالاتي كموج البحر(ص66).‏

-بردى الذي يجري على خصر دمشق كحزام من فضة (ص72).‏

-خمدت كما تخمد شعلة نار نضب وقودها (ص83).‏

-وجدت الصغيرين كعودين ذاويين(ص89).‏

- بعضهم جلس كقطعة من حجر (ص158).‏

-أشرقت شمس روحها (ص162).‏

ومن الواضح أن معظم هذه الصور حسّي واقعي، حركي، مرئي.‏

***‏

6-الجذر الدلالي(الثيمة):‏

يقول الراوي في وصف(محمد المسعود): (الذي عششت الغربة في رئتيه) (ص31). والواقع أنه عاش حياته كلها غريباً. فمن غربة الفقر في قريته، إلى غربة السفر والعمل في الكويت، إلى غربة العسكرية التي انتهت بغربة الأسر، فالاستشهاد. لقد طرق محمد المسعود(وانظر إلى هذه المفارقة في التسمية، فهو تحت الصفر في الفقر، ومع ذلك يسميه الكاتب: مسعوداً!) طرق أبواب التجار وأصحاب الأعمال في وطنه من أجل عمل يقتات به هو وعياله فلم يجد عملاً، مما اضطره إلى السفر إلى الكويت بحثاً عن عمل.‏

وصار يرسل إلى زوجته بعض دريهمات يحصل عليها وهو ينشوي على نار إسفلت الكويت. وترسل هي له تخبره بولادة طفل. كل أطفاله لم يحضر ولادتهم. وهو بعيد عنهم، لم يفرح بولادتهم. كان يكدح أمامهم ليؤمّن لهم رغيف الخبز. وها هو الآن في خندق رطب على الحدود يدافع عن الوطن، عن تجّاره وسماسرته الذين يزيدون أرباحهم وتجارتهم غير عابئين بشيء. وأولادهم في أحضانهم يطعمونهم بملاعق من ذهب، ويقضون أيامهم في الملاهي والمطاعم التي تقذف يومياً من فضلات طعامهم مايكفي لإطعام قرى كاملة.‏

كانت تأتيه الرسالة وفيها خبر ولادة طفل له، فيهزّه الشوق إلى زينب وإلى المولود الجديد، فيجمع مامعه من نقود ويشتري تذكرة عودة. ثم يضطر إلى السفر ثانية في أول سيارة تجوب الصحارى بعد أن نفدت نقوده، قبل أن ينتهي أجل الإقامة التي يحملها. فهو (أجنبي) في بلد عربي. لأن الحصول على إقامة جديدة مكلف جداً بحيث لايستطيع سداده عمل أشهر عديدة:"لابد من وجود شخص كويتي يكفلك. ولابد من دفع مائة وخمسين ديناراً على الأقل، يأخدها شخص لمجرد أن يكفلك. على أن هذه الكفالة لاتكلفه إلا القبض، ولاتحملّه أية مسؤولية. حظوظ. كأنما تعبنا حرام يحتاج إلى صكوك تحليل" (ص17).‏

وعندما دُعي إلى الخدمة الاحتياطية عاش الغربة أيضاً في خندقه الرطب أمام العدو، بعيداً عن أسرته وقريته. وقد خفّف عنه بعض آلام الغربة مصادقته (الصخرة) والتحدّث إليها:" كانت الصخرة التي اصطدمت بها يدي خشنة ومسننّة في بعض جهاتها كمنشار. وعندما عاودت النظر إليها وركزت عيني على جسدها بوضوح شعرت بأن لها وجهاً كوجه أمي.. ولا أدري أسمعت منها مايشبه الكلام أم تصورت أنها قالت :اعذرني ياولدي. لم أقصد أن أؤذيك. لقد حميتك. وهذا واجبي. وقفت في وجه رصاص العدو... ولكنني لا أستطيع أن أمنعه من أن يطأ جبهتي"..(ص18-19).‏

لقد وجد في (صخرة الجولان) أنيسه في غربته ، ورأى في وجهها وجه أمه، فكانت تخففّ عنه بعض آلام الغربة التي عاشها حياته كلها. كما عانى الظلم وعاشه أيضاً حياته كلها. فالكاتب يرى أنه مظلوم لأنه فقير، ولأنه كان يهجر وطنه إلى بلاد أخرى بحثاً عن عمل. ولأنه لم يعش مع زوجته وأطفاله أكثر من أيام معدودات، ولأنه دعي إلى الدفاع عن الوطن ووضع في مواجهة العدو في الوقت الذي ينعم فيه أبناء الأثرياء بأحضان أمهاتهم وخليلاتهم. يقول الكاتب:" محمد المسعود مظلوم لأنه لايحصل على مايقدمه لأطفاله رغم العمل المرهق الخطر الذي يقوم به"(ص 25).‏

ثم يعود إلى الماضي ليصور الظلم الطبقي الذي مورس عليه وعلى آبائه وأجداده من قبل، فيتصّور، أنه يخاطب أباه المتوفىّ:" مرّت طفولتك في أيام حكم الأتراك والباشوات الذين كانوا يشترون الأرض ومن عليها مقابل ليرات ذهبية تدفع سنوياً للباب العالي.. تغيّرت الواجهات والشعارات والتسميات والمضمون واحد لم يتغير كثيراً. استبدلنا باسم الإقطاعي اسماً أكثر عصرية يتلاءم مع روح هذه الأيام.. وها نحن اليوم نمضغ العلقم.. كان الواحد منا يشتري رغم الظلم بالليرة طبخة لعياله. أما اليوم فتعب إنسان لايكفيه لمعيشة يومه.. عندما فارقت أسرتي لأقوم بواجبي في خدمة العلم لم أترك لهم شيئاً. والليرات العشرون التي آخذها راتباً شهرياً في الجيش لاتكفي ثمن (البويا) . ومع ذلك فأنا أرسل منها خمس عشرة ليرة إلى زينب والأولاد".(ص62-3).‏

لم يولد محمد المسعود وفي فمه ملعقة من ذهب، ولهذا كان عليه أن يركض ويتغرّب حتى يضمن لأسرته لقمة العيش. وعندما دعاه الوطن لبّى نداءه تاركاً أسرته دون معيل، ليحمي التاجر(أحمد الحسن) وسواه من التجار والسماسرة واللصوص والمرتشين. صحيح أن أحمد الحسن لم يكن تاجراً كبيراً ولابورجوازياً كبيراً، ولكنه يمثل هذا أمام عيون فلاحي قريته الفقراء، والمالك المتحكم القادر على إماتة أطفال القرية إذا مامنع عنهم السكر والشاي. ولذلك يصفه الكاتب أو بالأحرى يصفه أبناء قريته بأنه"نيرون، وهولاكو، وهتلر، وبيغن، ودايان" (ص27). ويخاطبه محمد المسعود بقوله:" لولا وجودي هنا ماكنت لتشتري أو تبيع باطمئنان ياأحمد الحسن. أتخاف على قرشك في يد أطفالي، ولاتخاف أنت وقروشك وأطفالك إذا تركت أنا مكاني هذا؟"(ص27)."إن كل شيء هادئ ومطمئن تماماً، وإنني صانع هذه الطمأنينة وهذا الهدوء فوق القرى والمدن. لولا سهري لما حلمت المدن والقرى، ولولا وجودي في الخندق البارد الرطب لما غلّف الدفء مهاد الأطفال، ولما سكن زوج إلى زوجه يلاطفها، ولاحبيب إلى حبيبته يناغيها.لو لم أكن إلف مدفعي الرشاش لما لف النور بين ذراعيه مّنْ يسلمون له أنفسهم الآن باطمئنان" (ص26).‏

والواقع أن أحمد الحسن الذي يمثل التاجر والمستغل في عيون أهل قريته، وفي عيني محمد المسعود لم يكن يرعى ذمة، ولايملك ضميراً، على عادة أبناء طبقته. فعندما ساءت أحوال محمد المسعود وذهب أطفاله إليه يستدينون منه السكر والشاي رفض أن يدينهم شيئاً. وعندما فُقد محمد المسعود وثب إلى زينب يريد أن يحظى بها. ولذا عدّه الكاتب ظالماً لفقراء قريته أمثال محمد المسعود وسواه الذي خاطبه بقوله: "أنا ياأحمد الحسن أموت كل ساعة من أجلك ومن أجل غيرك، لكي تطمئن على تجارتك وأرباحك وبيتك. كيف تستطيع أن تنام براحة واطمئنان وأولادي بجوارك يتضّورون من الجوع. قد وقفوا ببابك لايطلبون منك حسنة أو منّة وإنما دفعتهم الحاجة إلى أن يستدينوا لا أن يشحذوا "(ص23).‏

ومن هذا الموقف بين الفلاح والتاجر، ينطلق الكاتب إلى إجراء مقارنة بينهم فيقول محمد المسعود:"أنا وأمثالي نرتبط بالتراب. حياتنا منه وحياته منا. هو موطئ أقدامنا، ومكان عملنا، ومصدر رزقنا‎.... أما أحمد الحسن فيقف على القرش لاعلى التراب. والقرش لا وطن له، وليس له مكان يثبت فيه". (ص25).‏

وهكذا نجد أن الجذر الدلالي(أو الثيمة الأساسية) في هذه الرواية هو الظلم الذي يؤدي إلى الغربة: الظلم الاجتماعي الذي تعيشه الطبقة الفقيرة، وتمارسة عليها الطبقات الغنية. والغربة عن الأهل، وعن الوطن. ومن خلال هذين الجذرين تعرّض الكاتب للفوارق الطبقية، مصوّراًإياها على حقيقتها، وواقفاً إلى جانب المقهورين والمظلومين ضد الظالمين والطغاة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244