|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:48 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
*** في المحور الاجتماعي تتعدد الموضوعات والقضايا التي يعالجها الباحث، وتتشابك مع الثقافة والسياسة والأدب. كما في وصفه حياة الفلاحين الذين لايحصلون لقاء تعبهم إلا على القليل الذي لايكاد يبقيهم على قيد الحياة. بينما تذهب أتعابهم إلى جيوب الاقطاعيين، لينفقوها على العاهرات، كما يشير إلى مواطن الفساد في الإدارات والمؤسسات، وإلى عجز القيم عن مجابهة الواقع العاتي، أو قل افتراس الواقع للقيم النبيلة المفقودة في مجتمع اليوم. يتساءل الكاتب وهو يشير إلى مايراه سلبياً في حياتنا الاجتماعية: هل يسكت المرء على غش إذا مارأى واقعه مريضاً فاسداً؟ وينبطح فيريح جبهة العز على طين الأرض، ويستسلم لجراثيم الفساد، ويصبح من مدمني الفساد الاجتماعي، ويقف في وجه الخطأ ليتخلص المجتمع والحياة والناس من الوباء المتفشي، ذلك أن العضو المريض في الجسد يجب أن يبتر. وأول مايعرّض به الباحث هو المسؤولين الذين نسوا أن المسؤولية أمانة، وفهموا أنها فرصة ليخدموا أنفسهم على حساب الشعب ومصالحه، وليضمنوا مستقبلهم عندما تسحب الأمانة منهم، ولسان حالهم يقول: "هبّت رياحك فاغتنمها". فهم يعملون على أن تطول مدة "بقائهم" ويستفيدون من الوقت لتنمو غنائمهم، ويختارون الأقل كفاءة ليتعاون معهم، لأنه لايشكل خطراً عليهم فيكشف ضعفهم بإمكانياته الأقوى. هكذا يحمي الوصوليون بعضهم بعضاً، ويوهمون الآخرين بأنهم أصحاب كفاءات وثقة وأمانة، رغم ظهور الكثير من مفاسدهم وشرورهم. (مقالة: هبّت رياحك فاغتنمها). ولهذا يمكن تصنيف الإنسان في ثلاث فئات: فئة متسلطة فاسدة، تكرّس الواقع السيء، وتزيده فساداً، لأن في استمراره فائدة لها. وهي تعرف كيف تستغلّ الآخرين. وفئة ثانية تتلقّى السياط، وتجرّ المحراث، ومن عرق شقائها تثري الطبقة الأولى، وفئة ثالثة تتفرّج على هذا الصراع الدموي بين الفئتين السابقتين المتناحرتين، وتصرخ بالأولى أن ترعوي، وبالثانية أن تستيقظ، لكنها لاتصل إلى جدوى مع كليهما. ولهذا نجدها تأكل نفسها من الغيظ. (مقاله: لابد من إعادة النظر). إن في عالم اليوم بؤساً وبائسين أكثر من أي وقت مضى، وفيه غنى وأغنياء أكثر من أي وقت مضى أيضاً. في عالم اليوم من يدوس الأرض بحذاء تساوي قيمته دخل أسرة طوال العام، وفي عالم اليوم من يطعم كلبه مايكفي لإطعام قرية. في عالم اليوم مهازل تشهدها ساحات العمل السياسي. وما أسعد النفس التي تستطيع أن تخفف من حدة اليِأس والبؤس، وأن تزرع الأمل في النفوس العطشى!(مقالة: شعبنا والخروج من الكهف). هل هي أفلاطونية جديدة؟ أم أن المتفرج الإنساني لايملك غير هذا العزاء يقدمه لمستحقيه؟. ويلتقي الباحث بعجوز مسن يبحث عن طبيب. العجوز مايزال يعمل من أجل الحياة، رغم المرض والفقر والعجز والكبر. وها هو بعد أن قدّم زهرة شبابه لوطنه، يخشى من المرض والعجز، لأنه عند ذلك سيموت جوعاً، ولن يتذكره إنسان. هكذا يسيطر الخوف ويطارد الناس شيباً وشباناً. والعجوز يردد: "أنا الإنسان المسحوق تحت أعباء ضرائبكم وسرقاتكم وفساد طواياكم. أجد من حقي أن أقول قبل أن يطوي الموت تجربتي معكم: إن الكثير مما تفعلون يعلّم شبابكم الأنانية، ويفسد روح البذل والتضحية من أجل الوطن والجماعة، ويجعل الشر يستشري في النفس لأنها لاترى حتى المظهر الخارجي البرّاق لفعل الخير. مانفع الازدهار والرقي والتمدّن إذا لم يكن ذلك كله في خدمة الإنسان طفلاً كان أم شيخاً؟ (مقاله: على رصيف الحياة). وفي مقالة أخرى يستلّ من محتضر خلاصة عمر مديد:"لقد زرعت فعل الخير في هذه التربة أعواماً فلم يثمر زرعي.. ذلك أن مجتمعاً يأكل فضائله لايمكن للمرء أن يتمسك بوجوده فيه إن كان على شيء من العقل". فماذا قالوا عنه؟ قال بعضهم إنه نبي في عصر الشياطين، ووصفه آخرون بأنه "حامل السلم بالعرض" ، ونصحوه بأن يرتدّ إلى الواقع، فهو لن يصلح الكون، وهي"عوجة" من قديم الزمان، ورأى أصحابه أنه أصبح يسبب لهم الحرج بمعرفتهم له، وأن صحبته باتت تجرّ عليه عداوة الناس دون مبرر. (مقالة: مراجعات.. ذاهل عن نفسه). إنها عذابات إنسان القيم ومعاناته المرّة في عالم أضحى بلاقيم. وكبطل إيجابي فإنه لايكتفي بتصوير البؤس، والإشارة إلى الفساد، وإنما هو يتجاوز ذلك إلى "الأمر بالمعروف"،و "من رأى منكم منكراً فليغيرّه..". في مقاله(الحرمان مرفوض) يصوّر هموم طفل في المدرسة الإبتدائية، يتحمّل منذ نعومة أظفاره همّ عائلته التي مات معيلها، فأصبح هو- على صغره- معيلها. ولأن أمه لاتستطيع أن تسلّي إخوته الصغار عن الجوع بقدر على نار فيه ماء وحجارة على أمل أن يقرع الباب بالخير عمر، فإنه حمل الهمّ والأسى مبكراً، وبدلاً من أن يلعب مع أقرانه فإنه حمل صفيحته الصغيرة التي يبيع فيها الصبّار، بحثاً عن الرزق، وأشواك الفقر تنغرس في قلبه الصغير دونما رحمة أو شفقة. وهو يقارن طفولته البائسة بطفولة أقرانه الذين يلعبون لاهين دونما همّ ولامسؤولية، ويرى السيارة السوداء الفارهة التي تنقل أبناء المسؤولين إلى مدرستهم، وتعيدهم إلى بيوتهم محاطين بالعناية والاحترام. كان يأسى وهو يشاهد نظرات الأطفال الآخرين ترمقهم بكثير من الإجلال والاحترام، وكأنما هم أبناء الملوك والأمراء. لقد نشأت في مجتمعنا طبقة جديدة من الموسرين الذين أفسدهم اليسر، ومن التجار، والموظفين المرتبطين بهم، والمتعهدين، والمتعهرين، والسماسرة، وأصحاب النفوذ. شكلوا "طبقة" متكاتفة، متفاهمة على الشرو العدوان، تعمل بلغة المصلحة، وتسلب الفقراء قروشهم القليلة. (طبقة) ملكت القوة والمال فملكت مصير المستضغفين والبائسين. هكذا يشير الباحث بأصابع الاتهام إلى المسؤولين الذين تسلّموا مراكز ومسؤوليات، فمارسوا ممارسات خاطئة، نتجت عنها أوضاع اجتماعية معينة، جعلت ذوي الكفاءة والإمكانية يستبعدون من الساحة التي امتلأت بالحواة والدجّالين والانتهازيين والمرتزقة، ممن شكلّوا سدّاً أمام الإمكانيات الصادقة والنفوس النظيفة، منعتها من الوصول إلى أماكنها التي ينبغي أن تكون فيها. ولما كان هؤلاء الأدعياء لايملكون المؤهلات المطلوبة لمراكزهم، فإنهم يتظاهرون بالإمكانية، فيحملون سلاح العاجز: الدّسّ والنميمة. ويسيرون في طريق شراء الضمائر. وتزييف الحقائق، واستغلال أساليب التفرقة والتمييز من أجل خلق جو من التناقضات التي تشغل الناس وتلهيهم ببعضهم بعضا. حيث تعمّ العلاقات المريضة في الأوساط الفاسدة. وغير الملائمة لنمو الفرد السليم، فيتوارث الناس التناقضات والأخطاء والأمراض الاجتماعية كإرث متراكم أثقل من إرادة الفرد وإمكانياته. (مقاله: التناقضات: غذاء وسمّ). وإن من واجب المجتمع أن يقف أمام هذه الوحوش البشرية، كي لايقوّ ضوا بنيانه عليهم وعلى غيرهم من الأبرياء الذين لاذنب لهم ولاجريرة. ومن واجب الطليعة الواعية أن تدق لهؤلاء أجراس الإنذار والخطر، لتخلص المجتمع من تلك الطفيليات التي تهدد كيانه بالانقراض . وقد يغري زيف الحياة الفاسدة المبنية على دوس آلاف الضمائر بعضهم بحلاوة السلطة ولذة الإثم، فتدفع الزوجة زوجها إلى أن يكون ذا شأن في عالم الصراع اليومي، وتقول له بحسم وغضب: "أقسم بشرفي، لن تعودإلى البيت ما لم تكن معك سيارة وقرار تعيينك مسؤولاً". وتصفق الباب خلفه بقسوة كبيرة. أما هو فيتهاوى إلى الشارع وكلمات زوجته ماتزال تدقّ في مسامعه:"افعل مايطلبون منك أن تفعله، ماذا ينقصك.؟ طول أم عرض؟ الكرامة هذه الأيام أن تكون في منصب ومعك نقود، وتحتك سيارة، لا أن تحققّ قناعاتك ومبادئك والكلام الفارغ الذي ترغي وتزبد به. انظر الناس من حولك. المهم أن تحقق المكسب، لا كيف تحققه وبأي ثمن؟". ويجلس صاحبنا في المقهى يفكر: نحن في مرحلة انتقال انسابت فيها من بين أصابعنا الخيوط، فلانحن نرضى عن قيم المجتمع البورجوازي الذي نرفضه ، ولانحن أقمنا قيم المجتمع الذي نطمج إليه، نحن في مرحلة ضياع القيم، وبالتالي ضياع الإنسان، ذلك أن الناس لم يعودوا يحرصون على ترسيخ قيمة، بل أصبح همّهم الكسب المادي. وقرر صاحبنا أن يخوض الحرب في مجتمع اليوم فقام بزيارة أحد المسؤولين، وألان عضلات وجهه، ورسم على فمه ابتسامة، وحنى قامته احتراماً، واعتاد المجاملة وتقديم التنازلات.. فنال، بعد لأي، حظوة ومركزاً وسيارة عاد بها إلى البيت، فلمعت عيون أطفاله وزوجته بالرضى والإعجاب. ولكنه كان قد نسي نموذجه المفضّل: أسماء بنت أبي بكر التي دفعت بابنها عبد الله بن الزبير إلى محاربة الأمويين، حتى قتل، فصلبوه على خشبة، ظلّ عليها عدة أيام، حتى جاءت فقالت جملتها المشهورة: أما آن لهذا الفارس أن يترجّل. (مقالة: خيط صلة بأسماء). فأين، أين هذه الأم التي تدفع بمهجة كبدها إلى حرب تعلم أنه مقتول فيها؟ من أجل مبدأ لايحيد عنه، في هذا الزمن الذي أصبح فيه كل شيء معدّاً للشراء، حتى الضمائر، والشعائر، والأجساد. وهكذا يمكن تصنيف الناس، في مثل هذا المجتمع، إلى صنفين: 1-صنف مالك، عظيم الملك، راغب في مابيد غيره، ويسعى للحصول عليه بكل الوسائل. وهو في سعيه شديد الجشع، شديد الطمع، لايتحرّج من استخدام أية وسيلة للحصول على مايريد. 2-وصنف محتاج، تدفعه حاجته إلى تمريغ إنسانيته بالوحل، ليسدّ حاجته، ويعيش في ظروف انعدمت فيها شروط العيش الإنساني الكريم، فإما أن يهدر كرامته، أو يشهر حقده ومخالبه وشروره. (مقاله: الإنسان غاية الخطط). وقد ألف الناس الخطأ والانتهازية والوصولية حتى صارت أموراً طبيعية، وأصبح المجتمع يسير على رأسه. ومن يسر على رجليه يصبح مثيراً للغرابة، وباعثاً على السخرية والاستهزاء. والخشية الخشية أن يألف الناس الفساد، عند ذلك يستفحل الداء فلا ينفع معه علاج. وبعد أن ينتهي الباحث عرسان من تصوير بؤس الواقع، ومعالجة فساد المجتمع، وانحلال مسؤوليه وأثريائه، من أجل بناء مواطن حر كريم، دون عقد وانحرافات. وهي مهمة كبرى عجز عن القيام بها الأنبياء، يلتفت إلى الوطن فيحزنه تخلفه وعجزه، ويمضي مطالباً بتقدمه وتنميته، فيبدأ بالتساؤل: كيف نبدأ الطريق الموصلة إلى النمو السليم لنخرج من دائرة التخلف، بعد أن عرفنا مضارّه، وآمنا بالتقدم، وتخّبطنا كثيراً في سبل تحقيقه؟. بعضهم يقول: لابد أولاً من القيام بالفرز الطبقي، وشنّ حرب الطبقات، وتصفية هذه الحرب لصالح الطبقات الفقيرة، ثم البدء ببناء القاعدة الاقتصادية التي تصنع المجتمع الاشتراكي التقدمي، وإجراء عملية التحويل الاشتراكي بوعي. ومن ثم تطبيق الاشتراكية. وفريق آخر يقول: كيف نقوم بهذه المعارك الجانبية الداخلية في الوقت الذي يجثم فيه العدو على أرضنا ويحتلّها؟ لابدّ- مع إيماننا بهذه الطريق إلى العدالة الاجتماعية-من أن نزيل العدو عن أراضينا، ثم نقوم ببناء النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي نريد. ويأتي فريق ثالث ليردد: إن الأنظمة السياسية ليست الأساس في هذا المضمار. الأساس هو الإنسان. لابد من أن نبني إنساناً متماسكاً يفهم ماله وماعيله، ويؤمن بحقه في الحياة الكريمة، ويرسخ قيمه ويدافع عنها، وهذا الإنسان هو الذي سيحقق كل مانريد من تحرير وعدالة اجتماعية وتقدم..(مقالة: الاقتتال في التخلف). ثم ينتهي إلى أن فوضى التشكيك والتناحر والتقاتل في ظلال التخلف لن تزيدنا إلا تخلفاً، ولن تقدم لنا إلا غربة عن العصر الحديث. وينتقل الباحث عرسان إلى مناجاة دمشق مناجاة المحب، ويناغيها مناغاة العاشق الولهان. دمشق الرمز العربي والتراث، دمشق التي تطوي في جنباتها ذكريات مرّة، كيف لا، وهي ترى نبت التضامن العربي الذي غذته ورعته ونذرت نفسها له طريقاً للوحدة، وسبيلاً للنصر والعزة والكرامة. كيف لايذبل زهر دمشق، ويذوي ياسمينها، ويغيض ماء وجهها ألماً، وهي تستشعر الفاقة والحاجة في أزقتها؟ وترى الإنسان الذي ربّته عزيزاً وعرفته عصيّ الدمع أصبح يركض وراء قوت يومه لينتزعه من أيدي المستغلّين والغشاشين والمتاجرين بمعيشته. هكذا تبدو دمشق عربية الحزن، عربية الفرح، تاريخ نضالها هو تاريخ الأمة العربية، وميدانه الوطن العربي، دمشق الإنسانة التي لاتغفل عن العالم، ولا تغضي على الظلم، ولاتقبل الاستكانة، ولاتطيق الضيم. دمشق عظيمة الصبر، كبيرة القلب، كبيرة الحب، فيا عشاق دمشق الكرامة، دمشق التاريخ، لاتديروا ظهوركم لأفراحها وأتراحها، ولاتنظروا إليها على أنها كوم حجارة. دمشق مهجتكم وعزتكم وتاريخكم. دمشق أنتم. (مقالة:دمشق). *** أما المحور السياسي فيستأثر بالكمّ الأكبر من مقالات الباحث التي عالج فيها قضايا سياسية ساخنة من مثل: ثورة آذار، وحرب تشرين، والتضامن العربي، وسورية والأشقاء، والعرب والتجربة، ونكسة حزيران، وشهداء أيار، ومؤتمر جنيف، واليهودية قومية هي أم دين؟ وزيارة السادات للقدس، والاحتلال الأمريكي لمنابع البترول، وحرب الخليج، والحرب الأهلية في لبنان، واقتتال شطري اليمن.. وكلها يتناول السياسة الداخلية للقطر العربي السوري، والسياسة العربية، والعالمية... في السياسة الداخلية يكتب الباحث عدة مقالات عن الإنجازات الضخمة التي حققها الرئيس حافظ الأسد، منذ الحركة التصحيحية حتى اليوم. فها: بناء القاعدة الاقتصادية، وإعداد القوات المسلحة، ومواجهة متطلبات التنمية والتطور الاجتماعي، ولكن الباحث يطمع في المزيد من تحقيق خطوات وحدوية مع الأقطار العربية، و"رمضان" جديد، وعناية بأوضاعنا الداخلية الاجتماعية والمعيشية والخدمية(مقالة: فترة الرئاسة القادمة). وهو يرغب أن تكون (الطليعة) هي الفئة المتقدمة من مجموعة أكبر، مهمتها، إيصال المجتمع إلى شاطئ السلامة. فهي صاحبة مهمة ريادية، وهي ملزمة بالعودة إلى الجماعة، ومن ثم مواكبتها وقيادتها، من أجل الوصول إلى الهدف المنشود دون التعرض للصعوبات والمخاطر. ولهذا فهو يحذّر الطليعة من عدم التزامها بالواقع وبشعبها، لأنها عند ذلك ستخسر الكثير، وستجد نفسها معزولة ومتقوقعة في متاهات لانهاية لها.( مقالة: الطليعة بين التضحية والاستغلال). كما يحذّر المسؤولين الذين يستغلون مراكزهم للإثراء السريع، والذين باتوا يملكون المزارع والعقارات والفيلات، ويدخلون المناقصات والمزايدات بأسماء شركائهم من كبار التجار والمستثمرين، بحيث أصبحوا يشكلّون طبقة فوق الناس، تزداد ثراء في كل صباح، بينما تزداد الطبقة الأدنى فقراً في كل يوم. (مقالة: أنين.. وحنين). ولهذا يطرح مبدأ المحاسبة، وتطبيق قانون "من أين لك هذا؟" الذي كانت قد طالبت به مؤتمرات الحزب، وأكدت على ضرورة تطبيقه على الحزبيين في السلطة قبل غيرهم من المواطنين، حماية للمناضلين من الانزلاق نحو الخطأ أو الارتماء في أحضان المغريات التي تقدّمها المناصب وتدفع إليها الأطماع. ومن واجب المنظمة الثورية أن تضع الضوابط التي تساعد على إبقاء جهازها في إطار السلامة التامة، وإبقاء مناضلها في مستوى التضحية.(مقالة: لجنة المحاسبة والمبدأ). حين نقرأ هذا الكلام، بعد أكثر من عشرين عاماً على نشره، ندرك صدق حدس الكاتب الحق في التنبيه إلى الأخطار، والحسرة تنشب في حلوقنا مردّدة: مَنْ سيحاسب مَنْ؟. وبخلاف هذه الصورة السلبية عن الوالغين في الفساد فإن الباحث يرفع الصورة الايجابية ويعلي من شأنها، وهي صورة الشهداء الذين قدّموا حياتهم بصمت وشرف، من أجل وطنهم ومواطنيهم، وجادوا بأرواحهم من أجل أن يعرف الصغار طعم الفخار والكرامة. قدّموا ولم يبخلوا، وتركوا على وجه الثرى صغاراً كان من حقهم أن يكبروا في كنف آبائهم، وزوجات كان لهن الحق في أن يعشن مع أزواجهن، وأمهات أسكنوا في قلوبهن القهر والمرارة، وكان من حقهن أن يحافظن على أبنائهن، ويتمسكن ببسمة الفرح في حياتهن. (مقالة: اهدئي ياأرواح الشهداء). وإن أجمل الوفاء وأفضل أوجه أداء حق الشهداء هو أن نتابع السير في الطريق التي ساروا فيها حتى تتحقق الأهداف التي ضحوا من أجلها. وهذا أبسط الواجبات، وهو واجب على كل فرد من أفراد الأمة. عليه أن يؤديه ويطالب بتحقيقه. (مقالة: حقهم أن نحقق هدفهم). بيد أقسى مايكافأبه الشهيد هو أن يذهب دمه هدراً، وأقسى مايجابه به المجاهد هو أن يُستبعد من الساح؛ فبعد أن تمّ تحرير الوطن، أُبعد هؤلاء المقاتلون، وخرجوا من (المولد بلا حمّص)، واستغل الوضع أناس لم يكونوا في العير ولا في النفير، بل قد يكونون من صنائع الاستعمار نفسه، تسنّموا المناصب، وعاثوا في الأرض فساداً. وتعود بالبطل الوطني ذكريات الكفاح: "كسرب النسور غدونا على خيلنا، حملنا "الصواري" و"أمات أصبع"، وفي موقع الخصر كانت تنام " الشباري" وبضع مئات " الفشك". تركنا الصغار، العيال، البيوت، الحقول، ورحنا على الخيل، رحنا كسرب النسور، نذود عن الأرض، عن نخوة في الرؤوس. وكانت جيوش الفرنسي كثيرة.... وبعد الجلاء سمعنا من القارئين- ونحن على خلقة الله لانقرأ الحرف- عن المكرمات، وعن تضحيات عظام تُقدّم من غيرنا للوطن. ولم نتعجّب ، فهذي التواريخ تُكتب خلف حدود القتال، وبعد برود الدماء، وبعد ذهاب البطل، وتُكتب خلف ستار، ومن أجل ألف اعتبار. فلم نتعجّب وتاريخ أجدادنا من قديم به الزيف والجور والكذبة الفاضحة. سكتنا، وعدنا لزرع الحقول، وجني الثمار. وعدنا لندفع للحاكمين الأتاوة، بأسماء عدة. وكنا قديماً نغمّس خبز الشعير بشيء من السمن. نأكل بيضه. ولكن، على مرّ يوم، وإقبال يوم، تبدّلت الحال، صرنا نغمّس خبز الشعير. بخبز الذرة، بشيء من الخلّ... تركت جليسي ينمو، هربت، عدوت، كعدو الظليم عدوت، إلى أن سقطت، عجزت، عجزت، عجزت.." .(مقالة: حديث جليسي). ولعل هذا من أقسى أنواع نكران الجميل، تراه بعيداً عن مظالم الفرنسيين الذين فرضوا على سكان إحدى القرى ثلاث ضرائب: ضريبة الدربية لأن الأهالي يمشون على الطريق، وضريبة شمّ الهوا لأنهم يتنفسّون الهواء، وضريبة إطعام مجموع الدرك المتغطرسين.(مقالة: حديث في مضافة). وفي السياسة العربية يأتي تضامن العرب في حرب تشرين عام 1973 في مقدمة القضايا التي عرض لها الباحث عرسان، إذ يكتب في ذكراها عن التضامن العربي الذي تحقق لفترة قصيرة من الزمن.(مقالة: تشرين يعود). ويرى أن تشرين كان ثمرة يانعة من ثمار تشرين التصحيح الذي أقام جبهة وطنية متماسكة، وخلق تضامناً عربياً، وأعاد للمواطن كرامته وثقته بنفسه، وتحرك دولياً لكسب الأصدقاء إلى جانب قضايانا العادلة.(مقالة: تشرين التصحيح..) وأن مانحتاج إليه اليوم هو أن نحافظ على إنسان تشرين، وأن نحمي نتائج حرب تشرين الإيجابية، ونخفّف قدر المستطاع من تأثير المخططات الرامية إلى إفراغها من محتواها، وتصويرها بأشكال مشوّهة. (مقالة: طريق تشرين). ولاينسى الباحث عرسان القضية الفلسطينية، فقد كانت محور أدبه الإبداعي في المسرح والرواية والشعر، وكذلك هي أحد المحاور الهامة في مقالاته الصحفية، حيث لم يكن صوتها يصل إلى أسماع العالم، ولكنها عندما سلكت طريق النضال، ودفعت الثمن دماً، سجّلت انتصاراتها ووصل صوتها إلى جميع دول العالم. (مقاله: مرحلة جديدة هامة). وإننا- كمواطنين عرب- خضنا حروباً دفاعية عن الحق والنفس والوطن، وقدّمنا على طريق هذه القضية قوافل الشهداء. ونحن لانرضى أن ينحسر حقنا، أو نخسره. (مقالة: الحقوق المشروعة). كما استأثرت الحرب الأهلية اللبنانية بعدد من مقالات الباحث عرسان، فأسف من أجلها، بعد عشرات الآلاف من القتلى، ومئات الآلاف من الجرحى، ومليارات الليرات من الخسائر، ماذا يبقى من لبنان؟ لبنان المحبة والمذاهب والأديان؟.لبنان جبران ونعيمة وفيروز والرحابنة؟. وسورية وحدها التي أوقفت المجازر بين الأشقاء اللبنانيين، ووحّدت التراب الوطني اللبناني. (مقالة: أمن لبنان مهمة قومية وإنسانية). ولقد كان وقف الحرب الأهلية اللبنانية ضرورة قومية، من أجل وقف نزيف الدم العربي، وتوظيف الأموال والأرواح التي هدرت من أجل البناء والإعمار. (مقاله: ماذا نقول؟). وقد حدثت في هذه الحرب الكثير من المآسي: القصف المتلاحق، ورشقات الرصاص التي لاتهدأ، الملاجئ والأقبية التي تطمر مافيها، الركض في الشوارع، والالتصاق بجدران البيوت، المواطن العربي الذي يرتعد خوفاً وبرداً وهو يرى الأخ يقتل أخاه، والجار يحرق جاره، والدماء تسيل في الشوارع، والجثث تدفن تحت الأنقاض، والنهب والسلب في وضح النهار.(مقالة: كلمات من دفتر عربي قتيل). وعلى الصعيد الدولي تتناول مقالات الباحث عرسان اتفاقية سيناء، والدور الأمريكي في الصراع العربي الإسرائيلي، والخشية من قيام جبهة عربية قوية تقودها سورية، والرغبة في أن يسود السلام العالم... *** 3- أيام في شرق آسيا منذ القديم والإنسان يحاول اكتشاف ما يحيط به من أسرار بقصد التعرّف والسيطرة على ما يكتشفه ، بالإضافة إلى أن الرحلات منابع ثرّة لمختلف العلوم. وهي سجل حقيقي لمظاهر الحياة ومفاهيم أهلها على مرّ العصور. ومن هنا كان للرحلات قيمتان كبيرتان : قيمة علمية.وأخرى أدبية. فالقيمة العلمية تتيح كثيراً من العلوم والمعارف المتنوّعة . وتتجلّى القيمة الأدبية في ما تعرض فيه موادها من أساليب ترقى بها إلى مستوى أدبي رفيع يجمع الوصف، والسرد، والقصّ، والحوار.. * 1- أدب الرحلة في تراثنا العربي: لعل ابن جبير الأندلسي الذي خرج حاجّاً إلى بيت الله الحرام سنة 1183 م كان أول رحالة كتب رحلته في الأدب العربي، فقد خرج من غرناطة . واستغرقت رحلته سنتين وثلاثة أشهر ونصفاً. ولم يتبع طريق الحج فقط، بل عرّج في طريق عودته على العراق والشام، وسافر بحرا عن طريق صقلية، مسجلاً ملاحظاته وانطباعاته ، ووصف البلاد التي مرّ بها أيام احتلال الصليبيين لبلاد الشام، ومناضلة صلاح الدين لهم. ثم قام ابن بطوطة بثلاثة رحلات ، زار في الأولى بلاد المشرق بما في ذلك الهند والصين. وزار في الثانية الأندلس ، وفي الثالثة السودان. وكان قد غادر طنجة عام 725هـ راغباً في الحج إلى بيت الله الحرام ، فاستغرقت رحلاته ثمانية وعشرين عاماً من حياته. ذكر فها عادات الشعوب التي مرّبها، وأحوال الأمم التي شاهدها، وما لديها من العجائب والغرائب. كما يعتبر كتاب (التعريف بابن خلدون ورحلته غرباً وشرقاً) نموذجاً جيداً لنمط الترجمة الذاتية (الاوتوبيوغرافيا) حيث يترجم المؤلف لسيرة حياته بقلمه. ورغم أنه لم يكن الأول بين المؤلفين العرب الذين ترجموا لأنفسهم ، فقد سبقه ياقوت الحموي عندما ترجم لنفسه في معجمه عن الأدباء ، ولسان الدين بن الخطيب معاصر ابن خلدون وصديقه في كتابه (الإحاطة في أخبار غرناطة)، والحافظ بن حجر في كتابه (رفع الأمر عن قضاة مصر)، وهو معاصر له أيضاً ، فإن (التعريف بابن خلدون... ) ليس ترجمة موجزة مقتضبة عنه، وإنما أقاض في التعريف بذاته، وألحقها بكتابه (العبر...)، وأضاف إليها المراحل الأخيرة من حياته حتى وصل بحوادثها إلى نهاية عام 807 هـ. ولم يقصر ابن خلدون تعريفه بنفسه على الجوانب العامة من حياته ، بل ذكر نسبة ، وتكوينه العلمي، وسمّى شيوخه الذين أخذ عنهم، وترجم لهم، وذكر الكتب التي درسها على كل منهم، وإجازاته العلمية، بأسلوب مجدد، متمرد على قيود السجع والمحسنات البديعية التي كانت تكبّل أساليب معاصرة * 2- الرحلة في أدبنا الحديث: لعل كتاب (تخليص الإبريز في تلخيص باريز ) الذي وضعه الشيخ رفاعة الطهطاوي أول كتب الرحلات في مطلع عصر النهضة وأهمها ، فقد زار هذا الشيخ الأزهري باريس ، وأقام فيها خمس سنين، مع أول بعثة علمية أرسلها محمد علي حاكم مصر، ضمن برنامجه الإصلاحي الذي كان قد تبناه بعد خروج جيش نابليون. والباعث الأول على تقييد رحلته هو رغبته في التنبيه على ما يقع فيها، ويراه أو يصادفه من الأمور الغريبة والأشياء العجيبة ، ليبقى دليلاً يهتدي به طلاب الرحلات والأسفار ، والباعث الثاني هو رغبته في "حث ديار الإسلام على البحث عن العلوم البرانيّة والفنون والصنايع الموجودة في بلاد الإفرنج". ثم أُتيحت الفرصة لأحمد فارس الشدياق أن يسافر إلى جزيرة مالطة، حيث أقام فيها أربعة عشر عاماً، بناء على دعوة الأمريكان له في عام 1834 للتعليم في مدارسهم في الجزيرة ، ولتصحيح ما يصدر من مطبعتهم فيها من كتب عربية، ووضع كتابه (الواسطة في معرفة أحوال مالطة). ثم سافر إلى باريس ولندن ، فقضى فيهما تسع سنوات، تلبية لدعوى (جمعية ترجمة الأسفار المقدسة ) ليسهم في ترجمة التوراة إلى العربية تحت إشراف الدكتور لي. وكانت نتيجة رحلته هذه وضع كتابه (كشف المخبا عن فنون أوروبا) . ثم وضع كتابه (الساق على الساق في ما هو الفارياق) ترجم فيه لنفسه. والشدياق لا ينشد فوائد الرحلة من علم وخبرة لنفسه فقط، بل يريد أن تعود فوائدها إلى بني قومه أيضاً، ولذلك مضى في نقل كل مفيد يعين على تقدمهم من تلك البلاد التي زارها ، وبمقابلة مارأه بما في بلده من نظائر وأشباه. * 3- علي عقلة عرسان رحّالة: وضع الأديب والباحث الدكتور علي عقلة عرسان كتابه (أيام في شرق آسيا: من أدب الرحلات) 1990 تحدّث فيه عن البلدان التي زارها ، رئيساً لاتحاد الكتاب العرب في سورية. ويمكن جمع مشاهداته التي كتب عنها في ثلاثة محاور: أ- أيام من شرق آسيا. ب- ظلال من فيتنام وكمبودجيا. جـ- إطلالة على أفغانستان. أما زيارته لكوريا فقد كانت عام 1986 حيث طلب منه مستشار السفارة الكورية بدمشق أن يكتب شيئاً في مديح الزعيم إيل سونغ، فوعد ولكنه لم يكتب شيئاً حتى اليوم، بسبب كون الزعيم كيم إيل سونغ الذي يقود كوريا الشمالية ذات السبعة عشر مليوناً من البشر، قد أوصل نفسه إلى مرتبة الإله، ووضع بصمة خاصة في المنهج الشيوعي لبلده، ومارس حكماً فردياً آلت فيه السلطة وراثة إلى ابنه من بعده. وعندما تم لقاء كتّاب آسية وإفريقية بالزعيم كيم إيل سونغ في قصره المنيع، وتحت الحراسة المشددّة، والأبهة الملكية تسلل إلى أعماق الكاتب القمع الديكتاتوري الذي يغرق بعض "الثوريين" إلى الحد الذي يصل بهم إلى الإنفصال عن طبقتهم، إذا ما استتب لهم الأمر: "إن هذا الديكتاتور باسم الاشتراكية يخاف شعبه فيما أظن، وأن الخلاص منه عمل إنساني...إن الخزي الذي يلحقه هؤلاء العسكر بشعوبهم كبير، ، وإن كان لأمثالهم فضل فلا يجوز أن يسوّغوا لأنفسهم مثل هذا التأليه اعتماداً على خدمات قدّموها للشعب والوطن" (ص42). لقد احتلّ الأمريكيون كوريا عام 1945 بعد انهزام اليابانيين ، وبعد ذلك بدأت الحرب الكورية الأمريكية التي انتهت عامك 1953 بانتصار الشمس الساطعة (كيم إيل سونغ) على الأمريكيين واليابانيين بعد أن كان لاجئاً عند ستالين. وبعد عرض الواقع السياسي لكوريا يعرض الدكتور علي عقلة عرسان واقعها الاجتماعي، فالفلاح في كوريا الاشتراكية لا يملك سوى قطعة أرض تحيط ببيته ، ليتمكن من زراعة الخضروات اللازمة لمؤونته. ومزارع الدولة (الجماعية) هي السائدة. والعمل للدولة، والدولة للملك (الشمس المشرقة = كيم إيل سونغ). والأدب في كوريا الشمالية يحاول أن يقدم صورة مثالية عن الأبطال الثوريين الإيجابيين الملتزمين بأفكار الحزب الشيوعي. وبالنضال ضد الامبريالية. وبالرغم من الإيمان بالإيجابية وبدور البطل ، فإن للأدب أيضاً أبعاداً روحية ، وقيماً فنية ونضالية. وبعد زيارة استغرقت أربعة عشر يوماً عرف الزائر أن "كيم إيل سونغ يدفع كما يدفع أهل الكتاب الأخضر، وربما أكثر، لمن يمجدونه " (ص78). في عام 1982 زار الدكتور عرسان ، ضمن وفد اتحاد كتّاب آسية وإفريقة ، كمبودجيا وفيتنام، عن طريق موسكو، مصطحباً معه القرآن الكريم وديوان المتنبي ، فالتقى في موسكو بالعالِم الداغستاني المسلم محمد نوري عثمان الذي وقف حياته على ترجمة التراث العربي الاسلامي إلى الروسية، كما التقى بمثقف مصري باع نفسه للسوفييت، وهو يمثّل "انعدام الأخلاق والقيم وفساد الضمير والسلوك". ولكن- مع الأسف - له دور في منح مرشح سورية ، آنذاك ، سليمان العيسى (جائزة اللوتس) التي نالها في العام السابق، مناصفة، الشاعر الفلسطيني أبو سلمى، والأديب السوري سامي الدروبي. في فيتنام يفاجأ الزائر بأن الدراجة هي وسيلة المواصلات الوحيدة في فيتنام كلها، وأن مساحة كمبودجيا تعادل مساحة سورية، وأن محصولها الأساسي هو الكاوتشوك، وأنها تحت الوصاية الرفاقية (الفيتنامية- السوفيتية) ، وأن عدد سكانها لا يتجاوز الثمانية ملايين. وقد زار الوفد قصر الملك- والدسيهانوك- حيث يحتوي في داخله معبداً مقدساً لبوذا، لا يدخله سوى الملك والعائلة المالكة. أما الشعب فمحّرم عليه دخوله. وفيه تمثال بوذا من الزمرد الأخضر يزن تسعين كيلو غراماً، وتمثال آخر لبوذا - من الذهب ، فيه ست وتسعون جوهرة من أحجام مختلفة. أما أرض المعبد فهي من الفضة الخالصة. (هذا الشعب الجائع الحافي يملك كل هذه الثروة الطائلة!) أما هانوي فتذكّر الزائر ببعض مظاهر حياة القرى البائسة في مصر، وببعض مظاهر أحياء كالكوتا الفقيرة:" في هانوي لم نشاهد الخنادق والبنادق ، وإنما الابتسامات والفقر والشعب الذي يعمل ، وبعض أجزاء من ساحات وشوارع فسيحة تتنابذ مع أحياء ضيّقة متهالكة البنيان، تنوء بالبؤس ، وتغطي أناساً مكدودين مسخرين للعمل. وعبء العمل يقع على النساء.. والراتب الشهري للموظف يعادل دولارين " (ص114-5) وهذا ما يدفع إلى الانحراف والفساد والرشوة والسوق السوداء. هكذا يفرز المجتمع الاشتراكي قيماً مهتزة. وأخلاقية رديئة، ووضعاً اجتماعياً بائساً، ويورث ديكتاتورية طبقة منتفعة بيروقراطية لا علاقة لها بمعاناة الشعب . وإذا صحّ القول إن الشيوعية عندما تطبّق ( ديكتاتورية البروليتاريا) . فإنها تنسى (البروليتاريا) سريعاً ، وتبقى (الديكتاتورية) قوية وساحقة. ويفرز المجتمع الاشتراكي طبقة من الانتهازيين والطفيليين والوصوليين والمستزلمين لا مثيل لها، ويقدم إطارات للعمل في القطاعات المختلفة غير مؤهلة، وغير ذات كفاءة (ص117). أما الثقافة فهي ثقافة شعارات بائسة ، مسطّحة ، تلغي العقل، وتضيّع المنطق، وتلغي حيوية الذات والهوية. والفرد الذي يبرز ثقافياً في هذا المناخ (المؤدلج) يُقضى عليه إذا كان يملك وعيا حقيقياً ، فيُمسخ أو يشوه، ويهاجر أو يهجّر. وإذا انتقع في أرضه يُموّت أو يموت (ص 117). هلل العيب في النظرية؟ أم في التطبيق ؟ أم في كليهما؟ يرى الدكتور عرسان أنه لم تثبت أية فترة تطبيق ، في أي بلد، قدرتها على منح السعادة والمتعة والحرية والكفاية للإنسان (ص117). ويطلّ الزائر على أفغانستان حيث القتال على أشدّه في العاصمة (كابل) بين الأفغانيين أنفسهم: فريق يناصره الاتحاد السوفييتي (سابقاً) ، ويدعمه بالدبابات والطائرات ، وفريق تناصره أمريكا، وتزوّده بالأسلحة الخفيفة والصواريخ المتقدمة. الشعب الواحد منقسم إلى فريقين، يدمّر نفسه من أجل مصالح الأمم. الاتحاد السوفييتي يحتل نصف البلاد بقواته العسكرية ، دعماً للسلطة الشرعية . وأمريكا تغذّي المجاهدين المعارضين بالسلاح، باسم الدول المسلمة المجاورة. رغم أن عدد السكان لا يتجاوز الخمسة عشر مليوناً، وأن نسبة الأميّة تزيد على 90% ، وأن هناك حوالي خمسة ملايين لاجئ (معارض) مقيم في الخيام في باكستان وإيران وسواهما. هكذا يمكن القول إن منهج الدكتور عرسان في عرض رحلاته يتمثّل في الوصف العام للبلاد ، ثم الحديث عن وضعها السياسي،وواقعها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، كما يصف الشخصيات السياسية والأدبية التي قابلها، دون أن ينسى مناقشة ما يراه منطقياً والتأثّر به أو عليه عاطفياً. *** 4- العار .. والكارثة كتاب ثقافي للدكتور علي عقلة عرسان (جزآن- اتحاد الكتاب العرب دمشق 1992 ). وهو مقالات صحفية منشورة في صحف (تشرين ، والأسبوع الأدبي، وصوت الكويت ، والاتحاد الظبيانية) بين عامي 1986 و1992 . وقد قال عنه إنه حاول مخلصاً أن يضع في كتابه هذا ما اعتقد أنه الصدق والحق، وما اختلج في نفسه، وما فكّر به، وقدّر حدوثه. إنه مواكبة للأحداث التي بدأت باحتلال العراق للكويت، واستمرت تفاعلاتها وآثارها ونتائجها تتفاعل على صعد ومستويات شتّى في عالمنا عامة، وفي وطننا العربي خاصة، وأشار إلى ما يظّن أن فيه خلاصاً أو توجّهاً نحو الخلاص. ويمكن تصنيف مقالاته في محورين رئيسيين: الثقافي ، والسياسي. 1- الثقافي تناولت المقالات الثقافية عدداً كبيراً من الموضوعات الهامة من مثل: المثقف العربي والعالم الذي يجيء ، والمثقفون العرب والمتغيرات الدولية ، ومن أجل جبهة موحدة للمثقفين العرب ، والحاجة إلى ترتيب البيت الفكري العربي. وقد عرضت هذه الموضوعات في كتابه (المثقف العربي.. والمتغيرات). والواقع أن هذه المقالات تحتاج إلى كتاب مستقل لمعالجتها باعتبارها تشمل أكثر من ألف وثلاثمائة صفحة في جزأي الكتاب. أ- الفكر العربي: ويمكن هنا أن نلقي ضوءاً على مقالته (الفكر العربي بين التواصل والانقطاع) التي يرى فيها منحيين رئيسيين سادا الفكر العربي الحديث هما : منحى الحداثة ، ومنحى التراث. أما منحى التحديث والتجديد فيرى ضرورة الأخذ بالجديد الذي تحمله القوة الأوروبية ثم الغربية الغازية المتفوقة ، بكل ما يمثّله ذلك الجديد ، ويغري به، ويحرض عليه، وبما يتطلّبه استيعابه وتمثّله من نبذ لعادات وأعراف وأساليب حياة وعمل وتعامل ، وما قد يستدعيه أو يفرضه من تقليد وتبعية في حالات ، وما يستند إليه من علم ومعرفة وتقدم أو رقي اجتماعي وفكري وسياسي، ونبذ اللغة العربية لكونها - حسب رأيهم- سبب التخلف ، وإحداث قطيعة مع الموروث، والأخذ بثقافة الغازي ولغته، والكتابة بالحرف اللاتيني الذي تعتمده الثقافة المتفوقة.. ومنذ ذلك الحين أخذت تتشكل وتتعزز مركزية الثقافة الأوروبية، وتغدو مرجعية لكثير من أبناء أمتنا العربية تحت ظلال انسحاق المغلوب أمام الغالب، وتقليده له، وانبهار المتخلّف بالمتقدّم، واستهلاكه لبضاعته، دون أن يرى فيها السوس والسوء والخطر. ويكاد يكون قول سلامة موسى:" نريد أن تكون ثقافتنا كوكبية- بمعنى أممية- ولغتنا علمية ، وكتابتنا لاتينية "، يلخّص توجّه ذلك المنحى الذي بدأ مع إصلاح رفاعة الطهطاوي وما يزال مستمراً على نحو ما في أجيال وأعلام ودعوات وتيارات.. وهو المنحى الذي روّج له ساسة ومستشرقون ومفكرون نزع بعضهم إلى تحقيق الانقطاع مع الماضي والتراث، متحدّين الجغرافيا، أو قافزين فوقها، ومعتبرينها قيداً. وهذا ما نزع إليه على سبيل المثال لا الحصر ؛ الخديوي إسماعيل ، والحبيب بورقيبة ، وبعض ساسة لبنان، وعدد من المثقفين والسياسيين هنا وهناك. وأما المنحى التراثي فيرى السالكون فيه ضرورة التحصّن بقيم الأمة وثوابتها ومقوّمات عقيدتها وثقافتها وشخصيتها وهويتها، ولاسيما اللغة، والعمل على إبراز الشخصية العربية، والاعتصام بثوابتها، والأخذ بالأصول ، والعودة إلى المنابع الأصلية الغنية (الدينية ، والقومية، والاجتماعية ، والفكرية)، والتواصل مع السلف لإحياء قيمهم، وتمثّل سيرتهم وسلوكهم، والعودة إلى التعامل بوعي وتسامح هادف عند فريق، وبتعصّب ضيق أفق عند آخر، وذلك من أجل مقاومة أشكال الغزو والاستلاب ، وللرد على المخططات والمؤامرات الرامية إلى احتلال العقل العربي من الداخل ، وإلى إضعاف روابط الأمة بمقوّمات شخصيتها الثقافية وتاريخها الحضاري.. (ص 1006-8) ب - حرائق الوجدان: كما تناول المحور الثقافي موضوعاً ذاتياً بالكاتب هو (حرائق الوجدان) ينطلق فيه الكاتب من كونه إنساناً يعيش مرارة الأحداث التي تفتك بالناس.وسلاحه الكلمة. والكلمة ماء في الفم ، ومرارة في القلب، وعبء على الكاهل ترزح تحته الروح، إذ عليها أن تكون شاهداً لا يرى، وحيّاً لا يسمح ولا يعي، ووعاء للمعرفة يتجاهل المعرفة ومسؤولية العارف. إنه إنسان يعيش ويفتك به ما يرى وما يسمع وما ينهب القلب والضمير، ويريد الإنسان فيه أن يصرخ قبل أن يموت أو يخنقه السكوت ، وقبل أن يتحّطم فيه شيء لا يمكن أن يُجبر أويُجمع أو يُعالج ، لأنه كسر الزجاج أو أشد وقعاً وأمضى على المدى حدّاً. وقد عالج في هذا الجانب هموم المواطن، والذكريات، وعلى ضفاف الحلم، والأعياد، ودمشق ، وما سمع أو قرأ فأنعكس ألماً على صفحة الفؤاد . * والواقع أن الثقافة تعيش منذ عهود محنة التبعية للخلافية السياسية العربية، وتكاد تفقد استقلاليتها، وبالتالي حضورها القومي على ساحة صنع القرار السياسي. أما السياسة فتبدو بيت الداء. ومن المعروف أن الوضع السياسي العربي لم يكن حسناً إلا في فترات استثنائية وقليلة يمر الآن بحال من أسوأ الأحوال: تبعية شبه تامة للقوة السياسية الوحيدة الأعظم في العالم، وانعدام الثقة بين كثير من الأقطار والحكام العرب، واضمحلال الحس القومي ، وضمور الدعوة الوحدوية، وهزال دور المؤسسات القومية وتهميشها كلياً، ولاسيما جامعة الدول العربية، والمنظمة العربية للتربية والثقافية والعلوم، والإدارات التابعة لهما، ونمو الدولة القطرية وتعزيز مكانتها ، وقوتها ، وجغرافيتها، ومصالحها، ولا سيما في وجه النزوع القومي. وإن الذين يحملون العداء لنا ولحضارتنا وثقافتنا لن يكفوا عن مناصبتنا العداء، وقد وجدوا من أنفسنا أنصاراً لهم علينا، ولن يتركونا من شرّهم ، وليس لنا إلا قبول هذا التحدّي، أو التنازل لهم عما نمللك، وعما نمثل من عقيدة وثقافة وهوية ، ولن تكون لنا قدرة على المواجهة إلا بانطلاق من ذواتنا وإمكاناتنا، وبتعزيز انتمائنا لواقعنا وأمتنا، ولن يكون خلاصنا أو نصرنا إلا جماعياً . فحال الفرقة هي الحال الأمثل لتغلغل سرطان العدو في كياننا ، والهزيمة في مواجهاتنا وفي نفوسنا . (ص 1054). * 2- السياسي وأما المحور السياسي فقد عالج فيه موضوعات عديدة سياسية ما تزال ساخنة على الصعيد القومي والعالمي، من ذلك : حرب الخليج الثانية ، وما بعدها، وانعكاساتها على الصراع العربي/ الإسرائيلي في ظل المتغيرات الدولية ونظام القطب الواحد، والانتفاضة ، والمقاومة الوطنية في لبنان... والواقع أن (الأدب السياسي) ليس جديدا في أدبنا العربي ، فمنذ العصر الجاهلي وضع الشاعر شعره في سبيل قبيلته ، ثم جاء الشاعر الإسلامي فدافع بشعره عن الدين الجديد، وفي العصور العباسية والعصر الحديث تشعّب الالتزام وتعدّد حتى لقد أصبح الخطاب السياسي معلناً أو مضمراً في نسيج كل إبداع أدبي. أ - حرب الخليج: بدأت حرب الخليج الثانية قبل أن تبدأ ، السنوات الثماني التي استمرّت خلالها الحرب بين العراق وإيران ، كانت مقدمة لحرب الخليج، فقد أعلن النظام العراقي حرب العروبة المقدسة على الفرس ، معتمداً على الروح القومية، ومتناسياً الإسلام وسماحته. ويرى الباحث عرسان أنه قد اشتركت في تغذية هذه الحرب دول عربية ، نتيجة التزام قومي، وتنفيذاً منها لما رأته من واجب التضامن والدفاع المشترك.وعملت دول ذات مصالح وغايات على إدامة تلك الحرب، وكانت ترمي إلى استنزاف الطاقة والثروة والروح المعنوية والصلات الأخوية بين عرب وعرب، ومسلمين ومسلمين. وعملت (56) دولة في تجارة السوق السوداء أثناء تلك الحرب ، قامت (28) منها بتزويد الطرفين بالسلاح الذي كان سلعة أشد سواداً من السوق السوداء التي تباع فيها. وأدّى ذلك إلى استنزاف مليارات الدولارات، وسقوط مئات الألوف من العسكر ، وتدمير العمران، وشلّ كل عمل عربي مشترك.وانتهزت إسرائيل فرصة تردّي الأوضاع العربية والحصار المفروض على سورية، وظروف الحرب اللبنانية القاسية ، فاجتاحت لبنان، واحتلت بيروت، ودّمرت قوات سورية كبيرة (مئة طائرة، وخمسمئة دبابة، ومئات القتلى والجرحى)، وأخرجت الفلسطينيين كلياً من ساحة المواجهة، وربطت لبنان بمعاهدة 17 أيار الذي يجعله تحت السيطرة الإسرائيلية، ونصّبت هناك رئيس دولة بالدبابات ، وعملت على إقامة دول طائفية . (ص827-9) وفي الثاني من آب عام 1990 اشتعلت المنطقة عندما بدأ الزحف العسكري العراقي لاحتلال الكويت. وليست رغبة أمريكا سوى في احتلال منابع البترول ، وكان لها أن تجد (ذريعة) لهذا الاحتلال ، مما جعلها تدفع العراق إلى إعلانه أن الكويت جزء من العراق ينبغي تحريره. وكانت النتيجة احتلال مباشر لمنابع النفط من قبل أمريكا التي لا تأمن على هذه الثروة التي تدير معامل أمريكا وأوربا إلا بهذه الطريقة . ولم يكن العراق وحده هو الخاسر في حربي الخليج الأولى، الثانية، بل وكل الدول العربية التي وقفت إلى جواره تؤازره بالمال والعتاد. وهكذا استطاعت أمريكا أن تشعل نيران سلسلة من الحروب في المنطقة: الحرب الأهلية في لبنان، وفي اليمن ، والحرب العراقية الإيرانية، والحرب العراقية الكويتية.والخاسر في هذه الحروب جميعاً هم العرب، والرابح هو (58) دولة تبيع السلاح لبؤر التوتر والحروب وعلى رأسها أمريكا . ليس هذا فحسب وإنما تريد أمريكا أيضاً تدمير قدرات العراق العسكرية والاقتصادية والعلمية. ويرى الباحث عرسان أن حرب الخليج قد قسمت العرب إلى قسمين: عرب مع العراق ، وعرب ضده . وتفرّج العالم على الدم والفتك المتبادل ، ووضعت بعض الحكومات العربية في موضع الإحراج، وبعضها في موضع التحريض. وانتهت الحرب بعد أن ألحقت بالعراق وشعبه أذى وخسراناً وذلاً، وانكفأ العراق على ذاته يعاني مرارات الجراح، ويعالج ما أصابه من قروح. وانشغل العالم بما خرّبته الحرب في الكويت، وببنية الأمن العالمي، والنظام العالمي الجديد بعد انهيار منظومة الدول الاشتراكية، وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي. * ب- النظام العالمي الجديد، وأثره على العرب والمسلمين: يرى الباحث عرسان أن أميركا دولة قامت أصلاً على يدي المغامرين والسمتعمرين والباحثين عن الذهب والكسب والثراء السريع، كما قامت على حساب شعب تمت إبادته، وهُجّن ما تبّقى منه، أعني الهنود الحمر سكان البلاد الأصليين.ولهذا رسخت في تكوين هذا الشعب قوانين المصلحة والكسب ، بشتى الأساليب، واستخدام كل أنواع القوة لسحق الآخر، مع الحرص على التمويه وتشويه الحقائق والوقائع، حفاظاً على واجهة براقة من نوع "حضاري" واستخدام الدعاوة في الإعلام، والإعلام في الدعاوة على نحو يسمح بتصنيع "حقائق"، وترويجها، وتكوين الرأي العام وتحريكه بهذا الاتجاه أو ذاك ، بما يخدم المصالح والبرامج الأمريكية. ومن يقرأ خريطة التحرك الغربي بقيادة أميركا ير بوضوح المرتكزات التالية التي تحكم الفعل السياسي : (ص 417-9) 1- تفتيت الوطن العربي وإضعافه لأنه النواة الصلبة أولاً وأخيرا للعالم الإسلامي . وبروز ذلك في العمل على إجهاض كل أشكال التضامن العربي وإذكاء الخلافات العربية- العربية، ووضع القوميات المتآخية في الأرض العربية بحالة مواجهة، وتبنّي بعض قضاياها، وجعل القومية في مواجهة الدين لإضعاف الإسلام تحت اسم مقاومة الأصولية، وتحريك الفتن الطائفية والمذهبية والصراعات الدينية، والقضاء على التماسك الاجتماعي والأخلاقي. 2- تغذية الخلافات بين الأقطار العربية والبلدان الإسلامية ، وبذور الشقاق والعداوات بين مذاهب إسلامية وبلدان إسلامية لمنع أي تعاون أو تقارب أو تنسيق بينها في أي مجال من مجالات الحياة. 3- إحكام الحصار على العرب والمسلمين جميعاً حتى لا يملك أي منهم قوة عصرية علمية أو تقنية أو عسكرية أو اقتصادية تمكنهم من إحداث أي توازن من أي نوع مع إسرائيل ، بَلْهَ مع الغرب! حتى يبقى العرب والمسلمون قيد التهديد والابتزاز والخوف والنهب، وبالتالي قيد التهافت الشامل والتصفية البطيئة لحضورهم الحيوي والثقافي والعقيدي. وحين تختار أمريكا أهدافها وضرباتها فإنها تخلق الظروف الملائمة التي تمنع أن يساعد الأخ أخاه والجار جاره، وتحول دون وقوف الضعفاء مجتمعين لنصرة الحق والعدل. وهي إنما تفعل ذلك لتحكم قبضتها على الجميع، وتجعل كل بلد يحسب حساباته بمعزل عن الآخر، فتأخذهم فرادى، وتفتك بهم وحدانا، وتفوز بجعلهم أرانب في حقل مكشوف. والواقع أن الغرب بقيادة أمريكا لم يعد يحفل حتى بالشكليات الدولية والحقوقية والسياسية ، ولا يحترم وجود المؤسسات الدولية أو استقلالها ، فلقد أسفرت القوة المتغطرسة عن وجهها، وأخذت تنفذ برنامجها التدميري الابتزازي ضد الآخرين بهدوء وبرود وثقة وتصميم: فالجميع يقفون في الصف بانتظام ، والعصا الغليظة فوق رؤوسهم ، وعليهم أن يزحفوا أمام السيد الذي يوزع الأرزاق والمهام والأدوار ونظرات الرضى والاستحسان. ومن يرفع نظره بوجه السيد تتهاوى على رأسه الضربات دون رحمة. هذا هو العالم الجديد. وهذا "نظامه". إنه "نظام" القوة الذي يجمع في قرن واحد نيرون وهتلر وستالين وبوش. ماذا تريد أمريكا من العرب؟ 1- النفط. 2- إبقاء التخلف والتجزئة ، ليظل العرب مورداً للمواد الأولية، وسوقاً لمنتجاتها وسواها. 3- دعم إسرائيل بحيث تستطيع ابتلاع أراضٍ عربية جديدة كلما قدم إليها مهاجرون يهود جدد، لأن أمريكا ترى في بقاء الدولة الصهيونية ضمانة لتدفق النفط ، ولأن بقاءها قوية سوف يرغم العرب علىاستشعار الخوف، وطلب الودّ الأمريكي. ولقد لقيت إسرائيل الدعم الأمريكي في كل حروبها ضد العرب، وسيظل هذا الدعم مستقبلاً، فأمريكا حتى بعد أن أصبحت الدولة الأعظم والأولى من حيث القوة في العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ستظل إلى جانب الدولة العبرية التي قدّمت لها المال والسلاح (باتريوت)، وألغت القرار 3379 الذي يساوي الصهيونية بالعنصرية ، ووعدت خلال مدة محددة بتقديم ضمانات لقروض بعشرة مليار دولار لإسكان اليهود المهاجرين إلى فلسطين ، وإيجاد عمل لهم (ص1/364). فليس قليلاً أن يعلن الرئيس الأمريكي أن كل مواطن في إسرائيل يتلقّى سنوياً ألف دولار من أمريكا ، وليس سهلاً أن يعلن الرئيس الأمريكي بوش أن أكثر من خمسين مليار دولار قد تم تقديمها لإسرائيل عدا المساعدات العسكرية والعلمية والتقنية وسواها . (ص351). وهذا ما يقودنا إلى استنتاجات في مسيرة السلام تؤكد : (ص 378) 1- إن أمريكا معنية بسلام في منطقة الشرق الأوسط يحقق حلاً وسطاً. والحل الوسط يعني تنازل العرب عن فلسطين ما قبل 67 وعن أراضٍ وحقوق عربية أخرى مما يعود إلى ما بعد 67. وهذا السلام يولد في ظل مشروع استثماري يدار لتأمين مصالحها ومصالح إسرائيل. ولن يتحقّق ذلك إلا في ظل التفوّق والردع النووي الإسرائيليين اللذين سيضمنان انصياعاً عربياً للأمر الواقع، وتسليماً مع الزمن به، وتسويغه واستساغته. وهذا الأمر يترك لإسرائيل تحقيقه عبر المفاوضات المباشرة التي لن تتداخل فيها الإدارة الأمريكية، لتبدو إسرائيل بمظهر الواثق من قدراته، المطمئن إلى مستقبله، القادر على القيام بدوره، دون تدخّل مباشر من "المعلّم" الذي يراقب ويكتم الإعجاب بتلميذه الذي يدير اللعبة. 2- أمريكا لا يضيرها أن نفشل المحادثات ، أو أن يستمر الوضع كما عليه الآن، لأنها ستبقى في هذه الحالة محققة مجموعتي المصالح اللتين لها في المنطقة وهما: النفط، وإسرائيل. إن ما تريده أمريكا وحققته هو: عرب بلا أنياب ولا أظافر، منهكون، موزعون، مختلفون ، مفلسون، يحتاجون إلى الحماية ، ويلهثون وراء جزرة في منزلق خطر يساقون فيه. والمطلوب عندها هو ضرب عرب بعرب ، وعرب بمسلمين، ومسلمين بمسلمين، من أجل بقاء الدول العبرية المسالمة المتحضرة في المنطقة. وإن الذين بأيديهم أوراق التأثير الأولى من العرب ، ولا سيما أولئك الذين يملكون البترول والمال، لا يريدون ولا يستطيعون فعل شيء، لأن كل شيء غدا تحت سيطرة الغرب، ولا يكاد" المالكون" يملكون إلا ما يقيتهم ولا يميتهم مما يملكون، بله التصرف حسب ما تمليه إرادة حرة وقرارات لسياسة عربية تخدم قضية الأمة ككل. إننا، والسكين على العنق، ملزمون بالبحث عن مخرج ، ومضطرون للتفكير بجدية وهدوء، لأن الشعارات والمهاترات والانفعالات الصاخبة أوصلتنا ، بعد التي واللتيّا، إلى ما نحن فيه اليوم من بؤس اليأس. وإن ترتيب الساحة السياسية والاقتصادية العربية مدخل إلى مخرج ، وإعادة التلاحم والتواصل والتفاهم إلى الأسرة العربية مدخل إلى مخرج ، وإن استخدام القوة العربية المؤثرة في المصالح الغربية والدولية التي تصنع القرار السياسي العالمي أو تؤثر فيه مدخل إلى مخرج.. (ص384). إن النظام العالمي الجديد الذي بدأ بعد حرب الخليج وانهيار الاتحاد السوفييتي الذي أصبح كوكباً في مدار السياسة الأمريكية، وتابعاً يطلب الرضا والمساعدات والنصح، ويسعى لتقديم كل الدلائل على الولاء للنهج الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الأمريكي، ويسارع إلى التبرؤ من مرض الشيوعية وأورام الإيديولوجية ومفاسدها. إن النظام المنهار ليسس وحده الذي يركع أمام تمثال (الحرية) الأمريكي، وإنما أيضاً الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن والتي ابتلعت أمريكا دورها، ووضعت المنظمة الدولية أمام حقيقة أن أمريكا تنفرد بالقرار الدولي وبفرضه وتفسيره ، حسب ما يخدم مصالحها. ولهذا أعلن الرئيس الأمريكي بوش في خطاب ألقاه أمام الكونغرس : إن العصر القادم سيكون عصر فرض الأنموذج الثقافي الأمريكي، والقيم الأمريكية، في العالم.وأوحى بأن القرن الحالي إذا كان قد شهد انهيار الماركسية، فإن القرن القادم سيشهد انهيار العروبة والإسلام. (ص 417). وإن نهوض قوى اقتصادية أولاً وعسكرية احتمالاً، يمكن أن تنازع أمريكا على زعامة العالم: كاليابان القوية اقتصادياً ، وأوربا إذا توحدت اقتصادياً وعسكرياً، والصين إذا انطلقت (نمورها)... إن أمريكا تعلم أن مَنْ يسيطر على النفط يسيطر على العصر القادم، ولأن معظم النفط في أرض العرب فهي قد استولت على أراضيه باحتلال عسكري مباشر، تحت لافتة حماية الدولة. وإن أمريكا تعلم أن أوربا إذا توحدت أصبحت قوية وقادرة على أن تقول : لا. لذلك لابد من من إحكام القبضة على عنقها . والذي يسلّم رقبة أوربا لأمريكا هو بريطانيا التي تضع رجلاً هنا ورجلاً هناك، وتمتّ للأمريكيين بقرابات وصلات، وتقيم معهم شراكات لا يرتاح لها الأوروبيون، وإن كانوا لا يستطيعون الآن أن يقولوا : لا، لأمريكا ، لأنهم ما زالوا أتباعاً للأمريكي القوي الذي أجهز على السوفييت والشيوعية، وأخضع نفط الخليج لسيطرته . وهو الآن يغذّي أوربا واليابان بالطاقة، ولقّن دول العالم درساً من خلال العراق، وبدّد أحلام العرب بالوحدة والعزة والاستقلال، وأصبح قائداً للعالم بحكم القوة . (ص 441-5). |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |