وجوه الماس البنيات الجذرية في أدب علي عقلة عرسان - محمد عزام

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:49 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

الفصل السادس علي عقلة عرسان مثقفاً

1 - دراسات في الثقافة العربية

أصدر الدكتور علي عقلة عرسان كتابه: دراسات في الثقافة العربية (طرابلس-ليبيا 1988) وهو مجموعة مقالات تتمحور حول الثقافة (الثقافة عربياً، الانتشار والتواصل الثقافي، الثقافة والتطبيع، الشخصية الثقافية والغزو الثقافي)، والأدب(الأدب والقيم، في الأدب والسياسة)، والحداثة (الحداثة في الشعر)،

ففي محور (الثقافة) يرى الكاتب عرسان أن الحيوية الثقافية العربية في وضع بائس، وأن قدرة الكلمة على التأثير والتغيير وتحريك الضمائر والجماهير هي في انحسار مستمر، سواء في الأوساط المتلقية أو المبدعة. وتبدو أساليب التواصل والتفاعل مشلولة أوضعيفة، فكيف تكون الغايات التي ترتجى منها في صوغ الضمير الجمعي العربي، وتكوين شخصية ثقافية متماسكة متمايزة لأمتنا في شدة المواجهة؟ في أرجاء وطننا الواحد الذي غدا ضحية سياسات متدابرة، وقطريات وطائفيات متناحرة، جزّأت كل شيء: الاعتقاد، والتاريخ، والولاءات، والعباد. واتجهت معاولها إلى الصخرة الأم، اللغة العربية، أو بشكل أعمّ: الثقافة العربية، تريد أن تحطمها بخصوصيات قطرية وطائفية.

وإن أي تدقيق في أوضاع التواصل الثقافي العربي يكشف حجم المشكلة التي لايجوز التغاضي عن آثارها السلبية، حيث بدأت تنشأ وتترّبى أجيال على أسس مغايرة لما عهده الوجدان العربي. وهذا يفرض البحث عن حلول، حيث ينبغي أن تقوم شخصية ثقافية عربية أصيلة ومستقلة ومتمايزة، تحمل حيوية وهوية ورؤية أمتنا، شخصية قادرة على التجدّد وعلى مواجهة أشكال الغزو والتبعية، وقادرة على التأصيل والانفتاح والتلاقح بثقة، وعلى إنماء المتلقي ليزداد فعلاً في العصر، بامتلاكه وعياً معرفياً بالذات وبالآخر، في زمن تنوّع الثقافات.

والتدقيق في أبعاد المشكلة يقود إلى الوقوف عند معاناة كل طرف من أطرافها، وفي مقدمة تلك الأطراف منتج الثقافة، ومتلقّيها. فمنتجها يعاني من مناخ مسكون بالقلق وانعدام الأمان، حيث ينبثّ عدد من المخافر التي تتحكم بمسارات الكلمة، وبما يُنصب لها من فخاخ الترغيب والترهيب، بفعل ميل الذات، وأنواع المؤسسات، ونتيجة سوق العرض والطلب التي جعلت بعض الأدباء تجّار مواقف وكلام، ومنتفعين في سوق الخصام العربي.

ومتلقي الكلمة يعاني أيضاً من مناخ فقدان الحرية، وتشوّه الرؤية، وضغط الشعاراتية الإعلانية في أبواق الإعلام التي تصكّ الآذان في كل آن. وتحيل المتلقي إلى كتلة سأم. حيث تضيع منه الحقيقة. ولا ينمو معه الذوق والفهم السليمان، فيؤدي ذلك إلى الانصراف عن الكتابة، أو الانحراف بها.

أما الطرف المتحكّم بهذه الظاهرة فهو التوجه السياسي الذي لايأخذ الحقائق الستراتيجية، بل يستعيض عنها بالتكتكة الآنية التي تعامل الثقافة على أنها سلعة تجارية، لاعلى أنها خدمة قومية، وجزء من رسالة تتصل بهدف أسمى للفرد وللأمة، ومنوط بها تكوين الوعي المعرفي، والمواجهة به لكل أشكال التخلّف والتجزئة والتبعية. ولابد من التنبّه إلى أن المثقفين العرب لاينطلقون من أرضية وأهداف مشتركة تجعل الجبهة قادرة على حماية نفسها، وإنتاج برامجها وجماهيرها، وتنمية وعيها باحتياجات النضال على أرض الواقع.

وفي موضوع (الانتشار والتواصل الثقافي) يناقش الباحث عرسان وضع المجلات الأدبية والثقافية، ويرى أنه يحتاج إلى مراجعة جادة، وإلى إعادة نظر ببعض القرارات والأساليب التي تحكم عمليتي التمويل والتوزيع أو تتحكم بها. ويتوقف عند التوزيع والسياسات التي تحكمه باعتبارها تؤثر سلباً. ويرى أن المجلات الجادّة الرسمية تهتم بموضوعات ثقافية وأدبية تهمّ القارئ العربي عامة. ولكن هذه المجلات لاتحقق تأثيراً فعالاً يوازي ما تحتويه من إمكانية للتأثير والفعالية، مما يؤثر على دورها وعلى الرسالة التي تحملها. ومن المؤسف أن تصل- بعد سنوات من الانتشار والتأثير- إلى مرحلة انحسار وتراجع تتواكب مع حركة الانكفاء القطري والقوقعة الإقليمية. تلك التي تفرضها السياسات العربية ومقدساتها، والتي لاترقى إلى تلبية طموحات الجماهير وتطلعاتها القومية. ونجد أنفسنا حيال هذا الوضع في حالة (مُضْكية)، فنحن نتحدث عن القومية والعروبة والوحدة والتواصل مع الجماهير، ولايفسّر وصول أفكارنا وآرائنا إلى جماهير الكتّاب والقراء والمهتمين العرب الذين تسهم الكلمة في تكوينهم، ويتحمل معظمهم مسؤولياتها. وترانا ندفع مبالغ طائلة، ونقدم تضحيات جسيمة، ودماء كثيرة في سبيل الدفاع عن الأرض والحق والوجود، بينما لا نقدّم للجبهة الثقافية أتفه المبالغ التي تؤمن سلامة مواجهتها وقدرتها على التصّدي للجهل وأشكال الغزو الثقافي، ولاما يؤمن مجرد شحن الإنتاج الأدبي والفكري وتوصيله،لإحداث عملية التفاعل والتبادل البنّاء بين القرّاء والكتّاب العرب.

إننا نصرف عشرات الملايين على (الكرة)، ونعلّم جماهيرنا الركض في كل اتجاه، ونكاد نحجب حتى الهواء عن رياضة العقل والروح، تلك التي تميّزنا وتجعلنا نختار اتجاهنا، وتدعونا إلى معرفة الذات والحق والآخر. وإن المؤسيات كثيرة في هذا الزمن العربي الردئ. ولقد ظلّ الصمت يشّدنا إليه حتى كدنا ننسى ذواتنا. ولما كان إيماننا ينطلق من اقتناع بأنه لاياس مع الحياة، فإننا نرى أن قضية الانتماء للأمة ولقضاياها وثقافتها، وللعصر الذي نحن فيه تقتضي من كل مهتم أن يجهر برأي، وأن يتخذ موقفاً لصالح عملية بناء الوعي والقيم والوجدان العربي، وذلك عن طريق بناء جسور تواصل سليمة في المجال الثقافي تأخذ بالاعتبار أننا أمة في أقطار ، لاأقطار تريد أن تتنكّر لأمتها. وإن المال القليل الذي يبذل في هذا المجال هو أفضل وأقوم عملية تنمية تقوم بها الدولة أو الدول التي ترى مستقبل خلاص أمتنا وتحررها هو في وحدتها فعلاً.

وفي موضوع(الشخصية الثقافية والغزو الثقافي) يستشهد الباحث عرسان بالزنوج الذين اختفت تقاليدهم، وخضعوا لعقد النقص التي فرضها عليهم(المعلم) إلىالحد الذي أصبحوا فيه ينكرون أسلافهم، وحتى لون جلدهم. وهذه (المازوكية) انتقلت اليوم إلى بعض (العرب) الحمقى الذين ينفذون خطة العدو بشعور منهم، أو دون شعور.

وإذا كانت أبرز مقومات الشخصية الثقافية العربية هي: اللغة العربية، والدين الإسلامي، والتاريخ المشترك. وإذا كانت عصور الازدهار الحضاري العربي قد تجلّت في عهود الأمويين، والعباسيين، والأندلسيين، حيث قامت حضارة عربية أشعّت على العالم كله، فإن هذه المقومات الثقافية والفكرية العربية قد داخلها- في عهد المماليك والعثمانيين- ضعف وفتور في التواصل مع مناهل الأصالة، رغم أنها بقيت المنهل الثرّ الذي يعود إليه الناس، حين تعصف بهم تصاريف الدهر، إلى أن أندسّ الغرب ثقافياً، عن طريق التبشير، في العمق التكويني لثقافة بعض الأشخاص الذين تنكروا للتسامح القومي، فشككوا بالثقافة العربية، وتناسوا أن ما تمثّله الغرب هو من علم وثقافه العرب والمسلمين.

والاستعمار الأوربي المنتشي بتفوقه وتقدمه العلمي، والمبطّن بأطماعه، ضد الأمة العربية وشخصيتها الثقافية، لم يسمح لها أن تتماسك وتستعيد أمجادها، فبادر إلى اقتسامها وتمزيقها، ووجّه عنفه وشراسته نحو مقومات شخصيتها الثقافية: الدين، واللغة، والتاريخ، والتراث، والقيم، والكيان الروحي., فحقق نجاحاً باهراً في تمزيق أوصال الأمة العربية، وفي تقسيمها إلى دويلات، وخلق النعرات الطائفية في كل دولة، لتشغلها عن مجابهة الاستعمار. ولأن الغرب يملك إلى جانب الثروة والمصانع والتقدم التقني والأساطيل التي تحرك بالطاقة النووية، والصواريخ العابرة للقارات، والأقمار الصناعية، والقنابل الذرّية والنووية والنيترونية، والأسلحة الجرثومية، والعقول الإلكترونية، والعسكرة الكاملة للبر والبحر والجو، فإن العرب -بالمقابل- يملكون الفقر والجهل والمرض، والتجزئة والانقسام والتخلّف، والعمالة والتبعية والاستهلاك. ولهذا جاء شعار (التقّدم) منقذاً وخلاصاً، ولكن جاء مَنْ يشوّهه ويفرغه من محتواه، ذلك أن (التقدّم) ليس شعاراً يرفع ولانشيداً يُنشد، وإنما هو ممارسة واعية لما هو أفضل للإنسان في بيئته، وللأمة في حضارتها ونزوعها المستقبلي. وليست (الحداثة) طعناً في التراث، ولاتشكيكاً به، وليست اجتثاثاً للإنسان العربي من تاريخه، ولا زعزعة لشخصيته الثقافية، ذلك أن الثقافة المستوردة هي ثقافة غازية تهدف إلى تطويع العقل العربي والتوطّن فيه، وجعل الإنسان العربي يفقد، مع الزمن ، كل صلة له بحضارته وثقافته وأصالته، ويفعل كما يريد له الطامعون به وبأرضه ويخيراته.

والاستعمار يريد أن تبقى المجتمعات النامية، ومنها الوطن العربي، مجتمعات مستهلكة، تتراجع فيها المعرفة ولاتشارك في الريادة العلمية والمعرفية: وتنصرف أجيالها عن التحصيل العلمي العالي، وتتجه اتجاهات حرفية محدودة، فتغدو تابعة للعقول المتقدمة، ويبقى أفرادها عمالاً منفذين في عالم التقدم التقني والمعرفي. وبذلك تبقى شعوباً متخلفة منفذة للمخططات لاصانعة لها، ومستهلكة لإنتاج العلم لا رائدة في إنجازه.

وليس العلاج في أن نقفل على أنفسنا الأبواب والنوافذ فنتقوقع، ولا في أن نكتفي بالعودة إلى التراث، عودة تغنينا عن العصر الذي نحن فيه، وتحرمنا من التطلّع إلى الثقافات الأخرى، ولا في أن نهجر القديم كله لأنه أصل تخلفنا كما يرى بعضهم، ولكن في الإنسان العربي الذي هو أساس النهضة ومنطلقها وأداتها وصانعها. والذي لايلقى من الاهتمام والعناية مايكفي ليقوم بواجباته، ذلك أن الإنسان العربي ليس فيه نقص خلقي يمنعه من أن يكون عصرياً ومتطوراً ورائداً في مجالات الإبداع والعلوم ، ذلك إن إرثه الحضاري من أغنى المواريث الإنسانية . وهو إرث لم يتجاوزه الزمن كله، وإن تاريخه الطويل لم يشهد تلاشي فاعلية المقومات الثقافية للشخصية العربية وقدرتها على الانبعاث، وإن الثقافة العربية لم تكن في يوم من الأيام معزولة ولا منعزلة عن الثقافات الإنسانية، فقد تفاعلت معها تفاعلاً إيجابياً، وأخذت منها وأعطتها، فأغنتها واغتنت بها، بانفتاح، ودون عقد، ودون أن يؤثر ذلك سلباً في ملامح هويتها أو مقومات أصالتها. فما الذي يمنع الإنسان العربي اليوم من أن يستعير تواصلاً واعياً مع تراثه الثقافي من جهة، ومع معطيات واقعه وعلوم عصره من جهة أخرى، ليواكب التقدم بأصالة، وليحوز خصوصيته.

***

وفي محور(الأدب) تحدّث الباحث عرسان عن (الأدب والقيم) فرأى أن الأدب إذا كان تعبيراً إنسانياً في قوالب كلامية تراعي قيم الجمال وتصقلها، فإن العمل الأدبي يضع في متناول القارئ تجربة ونماذج إنسانية، ويهدف إلى ترسيخ قيم وتحقيق غايات. وتنعكس في الأدب معاناة إلانسان الفرد بوصفه كائناً اجتماعياً يعيش في جماعة، كما ينعكس فيه واقع مبدعه الاجتماعي والنفسي والجسمي . كما ينقل الأدب صورة عن طموحات الإنسان وإحساساته ومشاعره. والعمل الأدبي غالباً مايحقق غرض الأديب وغاية الأدب في تحرير الإنسان من قيود الظلم والقهر. ويجهد الأديب في ربط أدبه بالواقع الذي تمثله بعمق، واتخذ منه مواقف واضحة وصريحة وجريئة، ذلك لأن قيمة الأدب والفن تتوقفان على مدى ارتباطهما بالإنسان وبالقيم.

وقد يقول قائل: إن القيم الإنسانية واضحة.

ولكن الحقيقة خلاف ذلك: فالشاعر الانكليزي كبلنغ كان يدافع عن الاستعمار الانكليزي للشعوب المتخلفة. والكاتب الامريكي شتاينبك كان يرى في حرب فيتنام واجباً إنسانياً مقدساً. ومثل هذين الموقفين الضّالين كانت مواقف كتّاب فرنسيين من الحرب الفرنسية الجزائرية. هذا على الصعيد العالمي، أما على الصعيد العربي فقد (انحرف) بعض الأدباء أمثال توفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، ولويس عوض، وأنيس منصور، وغيرهم عندما تخلّوا عن (عروبتهم).

ويتوسّع الباحث عرسان في حديثه عن الأدب، فيصبح(ثقافة)، ويمتدّ بالثقافة من حقلها الإيديولوجي إلى حقلها السياسي، فتتأكد لديه مقولات العداء للاستعمار والرأسمالية والاحتكارات الكبيرة والبورجوازيات الحليفة وأمريكا، فيشنّ هجومه عليها في كل مقالة. وهو يعلم ألا حقيقة مطلقة. وأن الحقيقة هي الرؤية التي يقتضيها الزمان والمكان، فالشيوعية مثلاً كانت حقيقة العالم الاشتراكي، وقد ناضل ومات من أجل بنائها الملايين. في الوقت الذي لم تكن تمثل فيه سوى (النقيض) للعالم الغربي. وفي خضم تضارب الآراء هذا وتناقضها، حيث يدّعي كل طرف بأنه وحده الذي يمتلك الحقيقة، وفي عصر الإعلام الذي يستطيع تزييف أعظم الحقائق وأقواها، يجب أن نميزّ بين الطيبّ والخبيث، وأن نقف إلى جانب (الحق) لا (القوة) ، وأن نساند كل ماهو إنساني وتقدمي. وبهذا نوفّر المناخ لأدب فاعل مؤثر قادر على التنوير والتغيير والتثوير، موحدّ للأمة، باعث للإحساس بالعزة والكرامة، ومفجرّ للطاقات الثورية في نفس المواطن العربي.

وإذا كان إنساننا العربي لايعرف اليوم أين يقف، ولا كيف يتصرّف ، فإن الجزء الأكبر من هذا تقع مسؤوليته على أصحاب الرأي والكلمة، وتعود أسبابه إلى الأدب والأدباء الذين ينامون ليلة تحت عباءة أمير، وأخرى في رواق طاغية، يغريهم الدرهم والدينار، وربما أمسكوا زمام فرس الزفاف لكل حاكم يزّف إلى رعية، أو قطر يُساق متهاوياً إلى حضن قوة عظمى تهاوي محظية إلى فراش وثير تنقصه الشرعية، دون وجل أو خجل. وهؤلاءهم الذين يتخذون الأدب (حرفة) لا (رسالة)، يتكسّبون به ويرتزقون، يغيّرون الوجوه والأقنعة والأصباغ، ويغيّرون جلودهم كلما جاء موسم لقاح جديد. وهذا الاستعداد لديهم هو مايفتح شهية بعض الساسة المولعين بشراء الأقلام، حيث يجدون مَنْ يرتمي على أعتابهم ، ويسبّح بحمدهم صباح مساء. وهذا من شأنه أن يُبعد الشعب عن الأدب. بقدر ما يبعد الأدب عن قضايا الشعب وعن الحقيقة والإنسانية.

هكذا أفسدت السياسة قسماً كبيراً من رجال الفكر والأدب، ممن باعوا أنفسهم وأقلامهم وفكرهم. ولهذا بات من المستحيل فصل السياسة عن الأدب، ولكن ينبغي عدم تبعية الأدب للسياسة، بعد أن غامت الحدود الفاصلة بينه وبين الإعلام، وبينه وبين التجارة باللغو، فأصبح بحاجة إلى قول (كلمة حق في وجه سلطان جائر)، وإلى أن يرفع صوته ليصرخ في وجه الهراوات والعروش والتجار والعملاء والأقنعة، من أجل تثبيت القيم الإنسانية السليمة، وما يفيد الناس ويحرر عقولهم وطاقاتهم، وينير أمامهم طريق العزّة. والأدب الحي يكثّف تجارب الأفراد المبدعين، فهم خلاصة عصر أو جيل، وكل منهم متأصّل في بيئة وثقافة مجتمعه، ومتواصل تواصلاً فعّالاً مع الآخر، لأن الأدب والأديب إنما يستمّدان من انتمائهما إلى بيئة وتربة اجتماعية وثقافية تملك تمايزها وخصوصيتها. والأدب -بهذا- متصل بالحياة ، متواصل معها، ينبع من إنسانها ومعاناته ومشكلاته وطموحاته وأحلامه، ويصّب في مستقبل الحياة والإنسان، متخذاً من عرض الواقع بصدق وفن مداخل للتغيير.

والباحث عرسان يرى أن الإنسان حيوان سياسي، وأن الأدب إذا ابتعد عن السياسة فقد تأثيره ومقوماته الحيوية التي تربطه بالحياة والإنسان والمعاصرة. والأديب حيال القارئ إما أن يكون داعية مجاهراً ومباشراً لقضية أو عقيدة. فيوظف نتاجه للدفاع عنها، أو أن يكون صاحب رؤية ومُثُل وتصوّرات عن الواقع الأمثل والعلاقات الاجتماعية الأفضل، فيعمد إلى تقديم مشروعه المستقبلي بتصوير الأجمل والأفضل وما ينبغي أن تكون عليه الحياة والقيم، فيخلق نماذج تعيش في عوالم الفن الذي يقدمه، وبذلك يحرّض -بشكل غير مباشر- على الاقتداء بالأبطال الذين يقدّمهم، أو هو ينفض يديه وجناحيه من عالم المادة ليهوّم وراء صور وخيالات ومشاعر، غارساً على الذرى رماحاً من لاءات، وداعياً إلى عالم العاطفة والخيال الرومانسي المتعالي على الواقع الغليظ.

أما الأدباء فيرون القارئ إما خصماً، عليهم أن يغلبوه ويشعروه بالدونية، ويحشروه في عنق الزجاجة، أو هو صديق موالٍ من فئتهم يتظاهرون بالإبداع في قيادته بدافع الصداقة، إلى حيث "يرفعونه" ويُظهرون عليه الأستاذية برفق وألمعية. أوهم يرون في القارئ جاهلاً غبياً يلقنونه المعرفة والحق، ويصبّون في كيانه (المريض) الإشراق من رؤوس أقلامهم، أو هو موظف تابع يحقن بأفكار وأقوال، أو هو كمٌّ بشري يمكن اقتناصه وكسبه. كذلك تتراوح شخصيات الكتّاب بين نماذج عديدة، فمنهم نموذج الطامع بمال، وهذا مدّاح ومدافع مكابر، ركّاب موجات، سريع التحّول، كثير التقّول، ينقلك من ملك إلى ملك ، ومن مالك إلى مالك. وقد ينقلب هجّاء لمن مدح، وهجّاماً على مَنْ ذاد عنه، عند عدم النوال أو تغيّر الحال.

وهناك أنموذج الطامع المعجب. وهو مدّاح صادق، منفعل بالإعجاب وبالنوال. إذا لم يرو طمعه بحث عمن يرويه.

وهناك أنموذج المعجب الطامح ذي القضية. وهو مبدع يلقى أمامه مثالاً يجسد مايريد، ويجد صورة لما يرسم من أشخاص أو عوالم، وترتاح قيمه إلى معايير، فيتألق عطاء، ويتلفّع كلامه بالحب والإعجاب والإيمان، وتنازعه نفسه إلى أن يكون هو ذلك المثال، فيتجسّد إبداعاً فيه، ويحقق شيئاً من ذاته بارتياح، لأنه في دخليته رائد ومناضل وصاحب موقف.

وهناك أنموذج المتعصب لشخص أو نظام أو حزب أو عقيدة. وهو أحادي النظرة لايرى في الآخرين إلا (مع، أو ضد)، ولايرى من الألوان إلا الأبيض والأسود. وهو أقرب إلى تأليه الأشخاص وعبادة الهياكل منه إلى الإنصاف والاعتدال. وتراه بغّاضاً لمن خالفه أو عاداه، وتابعاً لمن حالفه أو حاباه، ذاتياً مغلقاً، يعميه التعصّب، ويدمي يديه وقلمه. وهناك أنموذج الكاتب الملتصق بالمجتمع وبالحياة وبالحقيقة. ويرى خلاصه في الإخلاص للإنسان وللقيم التي تنجيه وتبنيه وتحييه وتغنيه. وهو يغوص في طبيعة الإنسان الفرد ككائن يتمتع بشخصية مستقلة، وفي طبيعة المجتمع وبنيته وعلاقات أفراده، وتاريخه، والمؤثرات الفاعلة فيه.

وهناك أنموذج الأديب الذي يرى حقيقة الأدب في انعتاقه من الواقع وتبعاته ومسؤولياته، ومن روائح الفقر والعرق، و(نتن) بعض النفوس، ويريد للأدب أن يحوّم فوق الواقع ومعطياته ومقوماته، ليتعانق مع مافي الإنسان والأشياء والطبيعة من قيم جمالية وعواطف.

ثم ينتقل الباحث عرسان إلى معالجة موضوع (الالتزام) في الأدبـ، والذي يطرح بدوره مفهوم(الحرية)، وعلى الخصوص حرية التعبير التي هي الركيزة التي يستند إليها الإبداع وينبثق منها، والتي لاتنفصل عن الحريات والحقوق العامة الأخرى للإنسان، لأن هدف التعبير هو إحداث التحرير والتغيير، تحرير العقل وتحرير الإرادة، وتغيير البنى والعلاقات والقيم المختلفة. وغاية الكتابة هي حرية القارئ وتكوين وعيه وإنماء معرفته وإمتاعه. والكاتب الحر لايجد نفسه إذا كان القارئ عبداً أو جاهلاً، ولأن إحدى غايات الثقافة هي التحرير والتنوير، وصولاً إلى التثوير والتغيير، بسلاح الوعي والإرادة الحرّة. فلا يمكن للكاتب أن يلغي القارئ من حساباته، لأن غايته هي الوصول إلى بناء الوعي الإنساني على أساس من الحرية. وبمقدار مايحترم الكاتب حرية الآخر ويشركه في المسؤولية يؤثر الأدب في الحياة والناس ويكون فعّالاً بإيجابية بناءة في المجتمع والحضارة.

بيد أن مفهوم (الالتزام) يختلف من أديب إلى أديب، ومن عصر إلى عصر، ومن بلد إلى بلد. إضافة إلى أن الالتزام هو غير الإلزام. فإذا كان الالتزام تمليه الحرية المسؤولة والانتماء الواعي الأصيل للوطن والأمة والإنسانية، فإن الإلزام قوة قاهرة تسحق اختيار الكاتب والآخر، وتملي عليه مايفعل ومايقول، وتحيله إلى تابع أو بوق، ذلك أن الأديب ينبغي ألا يأخذ مكان السياسي، أو يوظف أدبه لهذه الغاية فيشّوه صورة الأديب، أو يضع نفسه في خدمة أشخاص لتحقيق الأغراض نفسها، لأنه مهتّم بشعبه ووطنه ومصير الإنسان وقيمه، وبمستقبل أفضل للإنسان بوصفه مجموعة مشاعر وأفكار وقيم. إنه الضمير الحي للجماعة والإنسانية. وعلى هذا فالأديب حين يشييد بممارسة نظام أو حاكم أو مسؤول، لما يراه في تلك الممارسة من إيجابية وخدمة للحياة والناس، لايكون بذلك قد تحوّل إلى تابع وبوق أو ذيل. ولايكون قد تنازل عن دوره كطليعة واعية ومسؤولة، لأن دور الأديب ليس معارضة المسؤول أو السياسي أو الدولة في كل أمر صلح أم طلح لمجرد كون السلطة سلطة والسياسي سياسياً والدولة دولة. فدورة الحياة ومنطقها ليس ضد مبدأ قيام السلطة أو الدولة، بل ضد الممارسات السلبية للقائمين على تلك المسؤوليات، ضد الأخطاء والتقصير والإهمال والاستغلال الذي يقوم به المسؤول، وضد عدم الكفاءة وعدم الأهلية، ضد الفساد وكل مايشّوه الحياة والإنسان.

وإذن فإن الأدب ليس معارضة مجانية لتحقيق طوباوية، بل هو دعوة لتكامل جهد كل حريص، من أجل حاضر وغد أفضل وأسعد. وهو مواقف مشرفة. ومقدرة على إهداء العيوب إلى أصحابها ليقوموا بإصلاحها.

والأديب معني بالسياسة كفرد في جماعة، وكطليعة واعية مسؤولة في أمة، وكإنسان حرّ في مجتمع حرّ، لكل فرد فيه دور وحق ومكان. وهو معنيّ بالممارسة الديموقراطية وبحريات الإنسان وحقوقه.

والأديب، في الإنتاج الأدبي، حين يعرّي مثالب الواقع ومصايب الأشخاص والعلاقات والقيم المريضة السائدة في المجتمع، وحين يفتح العيون والبصائر، ويفتق آفاق التفكير الحرّ والنظر الحر والرؤية، ويقدّم مايساعد على بناء النفس وازدهار المجتمع، فإنه يكون عوناً للسياسي على أداء مهامه، وعيناً له تدلّه على مواطن العلل والأدواء، ليقوم بصنع ازدهار لسلطته يدخله التاريخ المشرف.

والأدب والأديب، على هذا النحو، يكونان في خدمة السياسي، مادام هو في خدمة الحق والشعب والوطن، وما دام مخلصاً للقيم السامية، وحريصاً على دور الثقافة في تكوين الإنسان وازدهار الحضارة، وعلى السياسي أن يحسن الاستفادة من عون الأدب والأديب، وأن يُحسّن شروط أدائهما وتأثيرهما بالتركيز على خلق مناخ حرية التعبير، شرط الإبداع الأول ومناخه الأفضل، ويرفع درجة الشعور بالمسؤولية، وإشعار الكاتب بأنه يشارك في صنع القرار بما يكتب، ويتحمل مسؤولية كل كلمة حيال التاريخ والشعب، وحيال الواقع الذي تسهم الكلمة في صنعه. والمسؤولية هنا أدبية لاجزائية، مسؤولية أخلاقية تجعل الكاتب أكثر انتماء وصدقاً وبحثاً وموضوعية والتصاقاً بالواقع، ونشداناً للحلم الذي يسعد البشر لا أفراداً منهم.

والسياسي معني بالأدب والأدباء، لأن الثقافة هي أفضل وأرقى جهد بشري يحتاج إليه الإنسان. وهو يعرف أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان. وأن واجبه كحاكم لايقتضي منه أن يقدّم للشعب خبزاً وسجوناً، أو خطط تنمية لايكون الوعي رائدها وعمادها.

ويرى الباحث عرسان أن السياسي ينبغي أن يكون معنياً بالحياة، وبسعادة الناس، وبتطور المجتمع، ومصير البلاد، وبذا يلتقي مع الأديب في الاهتمامات الثقافية والاجتماعية والإنسانية. ولابد للعلاقة بين الأديب والسياسي من أن تتقاطع وتتداخل، ولابد من أن يحدث صدام آناً، وتوافق آناً آخر. والأمر منوط بمدى انسجام الأقوال والأفعال العائدة لكل شخص، مع المعايير والأسس والقيم الناظمة لإخلاص الشخص لقضايا الناس وحرياتهم وقيمهم. وعندما يعترف كل من الأديب والسياسي للآخر بالحق التام بالمواطنة ومسؤولياتها، وبأن معيار التفوق والفضل يميل إلى صالح مَنْ يؤدي خدمة أفضل للناس والوطن.عندما يحترم كل منهم الحرية وحق الوجود والاختلاف مع الآخر. حيث يرفع الأدب شأن رجل الدولة، ويرفع الأديب الثقافة في مراقي الحضارة الإنسانية.

أما إذا كانت العلاقة مريضة بينهما، فإنها تنقلب من طرف السياسي إلى تكريم للأديب، من جيب الشعب، وتصبح من طرف الأديب مداجاة ونفاقاً، على حساب القيم والحقائق. والخاسر في هذه اللعبة هو الأدب والسياسة والشعب، ذلك أن ظاهرة احتكار الحياة من قبل بعض الساسة هي ظاهرة بارزة في تاريخ البشرية، من فرعون الحاكم الإله، إلى الملك الشمس القائل: أنا الدولة، كلهم يتصرّف على أنه مالك البلاد والعباد، ولايتذكّر أنه مؤتمن على مصائر الناس والأوطان ، ويتصرف على أن المواطنين أقنان في إقطاعيتهم . وهنا يأتي دور الكلمة في التنبييه والتحذير والمواجهة، حيث تستشير الكرامة والوعي ضد الحاكم الإقطاعي. ولهذا يرى الباحث عرسان أن حال الثقافة في الأنظمة الديكتاتورية هي حال بائسة حيث القمع والاضطهاد وكبت الحريات. فيدخل الأدب ساحة الشهادة والشهداء ليتغذّى بالدم والتضحيات.

***

وفي محور(الحداثة) يرى الباحث عرسان أن الإبداع يحمل رغبة في الإفضاء، فإذا اعتورت مسيرته علل كان لابد من وقفة مراجعة، لأن تأثير شعر زماننا لم يعد ذلك التأثير الذي قد كان للشعر، إذ انصرف عنه الناس. فهل العلّة في الشعر أم في الشعراء؟ أم هي في الحداثة التي أشاعت الإبهام والغموض اللذين يتجاوزان الشفافية المستحبة،والتلميح الذي يفوق التصريح في زيادة بهاء الشعر.؟ حتى لقد أصبح شعر الحداثة إجهاداً وتعذيباً للقوى العقلية من أجل الوصول إلى مرحلة الإدراك.

ويطرح الباحث عرسان أسئلته: هل حداثتنا في الشعر بلا معايير؟ وهل جاءت الحداثة نتيجة حمل ومخاض طبيعيين في المكان والزمان العربيين؟. أم هي عدوى التقليد والاتباع الذي دبّت ريحه في ساحة الأدب مع مطلع القرن؟ ويحدد بداية الحداثة في نهاية الأربعينات من هذا القرن حيث بدأ تاريخ القصيدة العربية الحديثة مع السيّاب والملائكة والبياتي والقباني وأدونيس وعبد الصبور وغيرهم.

ثم يتساءل الباحث عرسان عن (ماهية) الحداثة: هل هي الخروج على أوزان الخليل؟ أم هي رفض القوافي، ونظام الصدر والعجز في البيت الشعري.؟ أم هي نبذ المفردة المتقعّرة؟ والبنية الحادّة للشكل الشعري.؟ ويجيب بأن العصر قد تغيّر، وأن بنى اجتماعية قد تغيرّت، ولهذا كان لابد أن تتغير أساليب التعبير، لأن ماكان يناسب الجيل القديم لم يعد يلائم الجيل الجديد، وإلا انصرفوا عنه، وبحثوا عن أساليب خاصة بزمنهم وحياتهم. وهكذا أصبح للشعر الحق في التغير والتجدّد، شريطة أن يكون شعراً ، وأن يغني الروح، ويحرك النفس، بما يجعله سيف المظلوم، وشراع الأمل.

وهكذا يقف الباحث عرسان إلى جانب الحداثة وشرعيتها، ولكنه يستبعد العدمية والفوضوية التي انزلقت - باسم الحداثة- إلى متاهات العبث والضياع.

***

 

2- آراء... ومواقف

(آراء.. ومواقف) كتاب للباحث الدكتور علي عقلة عرسان، من جزئين: الأول نشره عام 1989 (اتحاد الكتاب العرب دمشق)، والثاني نشره عام 1990 (اتحاد الكتاب العرب دمشق) . والجزآن عبارة عن مقالات كان الدكتور عرسان قد نشرها في الصحف المحلية (جريدة الثورة بين أعوام (1975-1985). وهي صفحات تواصل وثيق مع الحياة والناس، وتفاعل صادق مع الواقع والأحداث، غدت جزءاً من تاريخ مرحلة وتاريخ حياة. ولهذا يراها الكاتب مولوداً شرعياً لتلك العلاقة الحيوية المتينة بين الفرد والمجتمع والوطن، في مرحلة زمنية محددة، مذكّراً، بوساطتها، بشيء من الماضي الذي يحكم الحاضر على نحو ما، ويتدخل في صنع المستقبل أيضاً على نحوما.

ومنهجه في العرض ينبع من كون المقالة محدودة بمساحة معينة في الصحيفة لاتتعدها، فإن هذا الإيجاز الشكلاني قد أدى إلى إيجاز مضموني، فجاءت مقالاته مكثفة مركزة كضربة سيف، قاطعة وحاسمة، ولاتتعدى المقالة الواحدة الثلاث صفحات.

أما أسلوبه في هذه المقالات فيتراوح بين المقالة الأدبية، والقصة التي يرويها ليستخلص منها عبرة ودرساً يفضي به إلى القارئ، والشعر، وتوظيف التراث والتاريخ.

في توظيف الأخبار التاريخية والتراثية يشير في بعض مقالاته إلى أن روما التي احتلت أثينا عسكرياً، خضعت لاحتلال اثينا الثقافي لها. وإلى الجراجمة(موارنة لبنان المردة) الذين استخدمهم جستنيان ضد الدولة الأموية. فأقضوا مضجعها، واضطروها إلى عقد صلح مذل مؤقت زمن عبد الملك بن مروان، ريثما انتهى من إخماد الفتن الداخلية. وإلى العادات العربية في سمرقند، والتي كان أول من أدخلها إليها قتيبة بن مسلم الباهلي قائد جيوش الفتح الإسلامي...

وفي توظيف الأشعار القديمة غالباً مايستشهد الباحث ببيت من الشعر القديم أو ببيتين، كما في استشهاده ببيتي جعيل بن عبد الهمذاني، حيث تستدعي المناسبة فكرتهما:

لايفتح الناس باباً نحن نغلقه

 
 

ولايكون لبابٍ دوننا غلقُ

الناس أرض ونحن السقف فوقهم

 
 

نحن السماء وهم من تحتنا خلقوا

كما يلجأ أحياناً إلى توظيف الأشعار الشعبية، كما في:

يابيك خبّر دولتك

 
 

ذبح العساكر كارنا

وهي أغنية شعبية كان يرددها المجاهدون ضد الفرنسيين.

كما يلجأ- أحياناً- إلى توظيف أشعار يبدعها الباحث، لايقيّدها وزن أو قافية، وذلك في الموضوعات المحببة إلى نفسه، والتي يناجيها من خلال غلالة الشعر الرقيق، كما في مناجاته لدمشق، وللقيم المفقودة في عالم أضحى بلاقيم، كما في قوله في مقالة(عيد الشيخ):

يغتسل الفجر بثلج الجبل الشيخ

يصلي، يقرأ "إنا أنزلناه"

يخشع، يركع، يبكي طهراً

تهتز الأحشاء بقلب الماء تباعاً

ترتجف الأوتار، تميد الأرض

لمّاحاً كالبرق يمر. الجبل. السر

يذوب الفجر نقاء

وكما في مقالته عن ( عبد الناصر) حيث يناجيه مناجاة الخالدين:

أيها القائد العربي الذي رفع راية القومية العربية في سماء قاهرة المعزّ

وأعلى صوت العروبة على كل صوت

وعاد من الفالوجة جريح الروح ليصنع ثورة يوليو المجيدة

عبد الناصر

أيها القائد العربي الذي خلّص مصر من كل نفوذ أجنبي

وأراد لمصر إرادة خيّرة، حرّة، عظيمة، ونبيله

أيها الكبير

يا ابن مصر، أما تشعر أن العيون التي رأتك ترفع راية مصر على قناة

السويس وهي تفيض فرحاً واعتزازاً وزهواً.

وأما منهجنا في عرض مقالات هذا الكتاب فيتمثّل في قراءة موضوع المقالة، واستخلاص فكرتها، ثم عرض هذه الفكرة بإيجاز. ولمّا كان بعض هذه المقالات قد ذهبت مناسبتها، فقد تجاوزناها، وتوخّينا اختيار الملائم والدائم الأهمية والفاعلية. ولاننكر أن الذوق الشخصي يلعب دوراً في اختيار المختارات.

وأما مضمون هذه المقالات فيمكن تصنيفه في أربعة محاور هي: المحور الثقافي، والمحور الأدبي، والمحور الاجتماعي، والمحور السياسي. رغم أن هذه المحاور متداخلة: (الثقافي مع الأدبي، والاجتماعي مع السياسي).

***

في المحور الثقافي، جاء في مقالة(قيمة القيم) أنه ينبغي أن يضحّي المرء بمصلحته الخاصة من أجل مصلحة الجماعة. وألا يحلّ مفاهيم"الشطارة" محل الأخلاق،والعلاقات الشخصية محل القيم والقوانين.. ذلك أن في حياتنا الاجتماعية كثيراً من العيوب والأمراض، وأن في دوائرنا الرسمية كثيراً من مظاهر الفساد والرشوة والتزلف ومسح الجوخ والرجل في غير مكانه المناسب.. وكلنا مسؤول عن وجود الخطأ، وشريك فيه. وكلنا أصحاب مصلحة في إصلاحة، فليس معيباً أن نشير إليه، وندعو إلى إصلاحه. ولكن المعيب أن نسكت على الخطأ، وندع المستغلين والمرتشين والسماسرة يعيثون فساداً في المجتمع.

وفي مقالته (نصب كنصب نائلة) يستمد الباحث عرسان من الأسطورة العربية(إساف ونائلة) التي تروي أن حبيبين من اليمن السعيد قد حجّا إلى مكة، فلم يجدا مكاناً يفجران فيه سوى الكعبة. فمسخا صنمين عاريين ، وضعا مع الأصنام ليتعظ بهما الناس. ثم تحوّلا، مع الزمن إلى صنمين يعبدهما العرب في الجاهلية، ويقدّمون لهما الأضاحي والقرابين. وظلاّ كذلك حتى حطّم رسول الله صلى الله عليه وسلم أصنام الكعبة عندما دخل مكة فاتحاً.

يوظف الباحث عرسان هذه الأسطورة في مقالته، حيث يرغب في إقامة نصب للشهداء الذين دفعوا أرواحهم ثمناً لصمود الشعب العربي في وجه قوى البغي والعدوان، على مدخل قناة السويس. كما يرغب في إقامة نصب آخر لمن باعوا الشهداء والتضحيات بثمن بخس حين سمحوا لعدوهم أن يدنّس حرماتهم، ويغتني بمرور بضائعه في مياههم. ولكنه يخشى أن تضفي قداسة الشهداء ظلالها على تمثال الجريمة، وأن تتكرر قصة(إساف ونائلة)، فقناة السويس التي قدّستها أرواح الأبرياء من عمال وجنود، ومات على ضفافها الآلاف في شقّها، والدفاع عنها، خلف من بعدهم خلف أضاعوا المقدّسات، وباعوا أكرم المثل بأبخس الأموال.

وفي مقالته(المثقف.. والإنسان) يرى الباحث عرسان أن الثقافة ليست تفوقاً في ترديد جملة من المحفوظات، ولاهي انسياق في تيارات فكرية، أو انسحاق تحت شعارات ومقولات. ثم اجترارها وإعادة تكرارها بقوالب وإيحاءات مختلفة، ولاهي انتشاء بما يحدثه اللفظ من سحر عند صياغته في قالب كلامي، ولاقدرة على التلاعب بالكلمات ورصفها بقصد الإفادة منها، في الوصول إلى غايات ومصالح شخصية خاصة أو حزبية ضيقة قصيرة الأجل. ولايجوز أن تقوّم الفعالية الثقافية للفرد بحجم ما يحمل من أسفار فوق ظهره، ولابطول لسانه وسلاطته، ولابالكمّ الغزير من إنتاجه، ولابما قد توحي به أقواله العابرة من جرأة ظاهرة لاتنغرس جذورها في الواقع الموضوعي لحياة الناس.

وإذ يرفض الباحث عرسان هذه التعريفات للثقافة، فمن أجل أن يؤكد تعريفه لها في أنها تمثّلٌ حقيقي للتقدم الإنساني والقيم الأخلاقية والروحية والتربوية، ونسج على منوال المثال الذي ينصبه المجتمع عن جدارة أمام ناظرة الأجيال. ويظهر كل ذلك في السلوك والتعامل وأساليب التفكير وأهدافه، وفي غايات التعبير، وطريقة عرض الفكرة. فلا فصل -عند المثقفين- بين القول والفعل، ولا انفصام بين النظرية والتطبيق، ولا انخراط في جوقة العزف لصالح فكر لايمتّ إلى حضارة المرء بصلة. أما إذا تلاعبت الرياح والتيارات بالمثقف الذي ينبغي أن يكون مناراً هادياً للناس فهنالك الطّامّة الكبرى.

وفي مقالته (تراثنا وضرورة إحيائه) يرى الباحث عرسان أننا باعتبارنا أمة عظيمة الشأن بين الأمم، لها من التاريخ أغناه، ومن التجربة أنضجها، ومن التراث ما غطّى رقعة واسعة من ممتلكات الحضارة الإنسانية..أفلا يجدر بنا أن نكون سبّاقين إلى الاستفادة من تاريخنا وتراثنا وتجاربنا، فنغرس جذورنا في تربة معطاء تكسبنا لوننا وغذاءنا الكامل، ونستمد مع النسغ الذي تجود علينا به خلاصة ماوفرّه لنا أجدادنا من تجارب مثيرة كانت منار العالم ودرب هدايته على مدى العصور(مقاله: أفلايجدر بنا؟).

ويرى الباحث عرسان أننا بأمس الحاجة إلى إحياء تراثنا، وإلى التمسك بمقوّمات أصالتنا، وأن نقص الاهتمام بهذا التراث يواكبه ندرة في الباحثين والمهتمين به من جهة، وإعراض مقصود غير برئ من فئة من المثقفين، فئة ترى في العودة إل التراث رجعية أو تخلفاً أو تعصباً قومياً، وما كانت تلك الفئة الأخيرة لتقدم على اتخاذ مثل هذه المواقف من تراثنا ومقوّمات أصالتنا القومية لو أنها بذلت جهداً في التعرّف عليه، أو نظرت إلى موضوعه نظرة منزهة عن الأغراض والعداء، ذلك أنها تستقي زادها الثقافي من مصادر لم تنصف حضارتنا، ويهمها أن نبقى في الظل، وأن يموت فينا كل مايوحدّنا أو يقوّينا أو يرسّخ ثقتنا بأنفسنا وبأمتنا. كما أننا بحاجة إلى عقلنة التراث، وبعث حيويته، وجعله يسري فينا كالنسغ، من الجذور حتى أصغر الأوراق وأدق الفروع. ومثل هذه المهام لاتنفذ بسهولة، وتحتاج إلى تعاون ممنهج بين السلطات القادرة على تقديم الدعم المادي والمعنوي، وبين الأشخاص القادرين على البحث في التراث، وتقديمه، والتعريف به، وبين الجهات التي يهمّها أن تسير حركة بعث التراث وتأصيل ارتباط الناس به ضمن خطة تحقق أهدافاً على مستوى عربي عام،في الوقت الذي انقلبت فيه المفاهيم والقيم، وأصبح الحديث عن اللغة والعروبة تورماً قومياً مرضياً يثير شهية الجراحين، وأصبح الالتصاق بقيم مرعيّة تبنّتها الأجيال من الأمور المستهجنة، وصار عدم إتقان اللغة والثورة عليها يتلفّع برداء الثورة والرفض.

وفي سبيل بعث التراث يرى الباحث عرسان أن من الضروري الأخذ بالمقترحات التالية:

1-إعادة النظر بتقويم جهود المستشرقين الذين عملوا في التراث العربي، وصولاً إلى إنصاف تراثنا، والتعريف بما قدموه لنا، سلباً وإيجاباً، فهناك مَنْ يدسّ السمّ في الدسم.

2-لابد من التعريف بمخطوطات عربية لم تنشر، ولن يتاح لها أن تنشر في سنوات قادمة، نظراً لما لتلك المخطوطات من أهمية علمية وتاريخية.

3-إيصال كتب التراث ليس إلى الباحثين والمختصين فحسب، بل وإلى جمهور القراء عامة، والأجيال الناشئة خاصة، وذلك عن طريق تقديمها تقديماً موضوعياً، وبسط خلاصة محتواها وقيمها بأسلوب عصري ومصطلح جديد.

وفي مقاله (أضواء على التراث) يرى الباحث عرسان أن التراث الأدبي والفكري، عند الأمم، مقوّم من المقومات الأساسية التي تسهم في تكوين الكيان الحضاري للأمة، وأنه لاتتكامل معالم هوية محدّدة الملامح لأي إنسان أو شعب إلا إذا تجلّى فهم التراث واستيعابه، أدباً كان هذا التراث أم فكراً أم تاريخاً أو عقيدة أو تقاليداً. وبمقدار مايرتبط أفراد شعب ما بتراثهم الحضاري ويستفيدون منه استفادة واعية قائمة على فهم وإدراك حقيقيين للتراث، ولمكوناته، وللبئية الاجتماعية والسياسية التي أفرزته، بمقدار مايكون التراث حيّاً ومفيداً، ومتمثلاً في الحاضر باستيعاب صحيح، ذلك أن التراث يعطي الإنسان فهماً أشمل للحياة، وفهم التراث يجعل الإنسان يعرف معنى القيم التي يتمسّك بها شعبه، أو يرفضها، والتي عليه هو أن يحييها أو يدفنها.

وفي مقاله(جسور التواصل) يرى الدكتور عرسان ضرورة التواصل مع التراث والأجداد، لأن "العود إليهم سبب إلى المجد، والارتواء من مائهم سبب حياة، وإن شجرة وصلت جذورها إلى تلك التربة الحيّة ليحقّ لأغصانها أن تتشامخ وترتاد أجواء المجد، وأعود وأبحث عنهم، أمدّ جذوري في تربة الأرض والتاريخ، لأصل قلبي وعقلي بمصدر العطاء والأصالة والحياة. أبحث عنهم في الجاهلية، وأبحث عنهم في صدر الإسلام. أبحث عنهم في مكة والمدينة، في بغداد ودمشق وغرناطة وطشقند وعلى ضفاف السند، فترتفع أمامي شوامخ من مجدهم وقيمهم ووقائعهم وأخلاقهم وعمرانهم، وتنتصب قامات على طريق الخلود من رجالات هم الأجداد، فأعود تلذعني حسرة على الأحفاد الذين خلفوا من بعدهم، يصدق فيهم شعر لبيد؟!

أقرأهم في كامل ابن الأثير، والأغاني، وفي دواوينهم، فأجد نفسي وأمتي، بخيرها وشرّها، بضعفها وقوّتها، أجد أنفاسها وقيمها وشواغلها، وأنظر إلى نفسي كأحد الأحفاد فأجد أنني ضعيف المعرفة، ضعيف الإلمام بما في داري.. وأتساءل: كيف أبنيها وأجسد نفسي فيها إذا كنت لاأعرف خباياها وخفاياها ومخابئها؟!

كيف أعيد لنفسي الحياة إذا لم أشعر بحياتهم تمتدّ في حياتي، وبدمي يحمل موروثاتهم، وبكياني يتواصل مع كيانهم جسداً وحضارة؟! كيف أكون أنا أنا إذا لم ينهل جذري غذاءه من تربتهم، وتتمثله أوراقي وأعضائي مقوم حياة، بعد أن تتنفّس في أجواء اليوم وشموسه..."

***

وفي المحور الأدبي يعالج الباحث عرسان موضوعات: الدفاع عن حرية الأديب، وحاجة الإنتاج، والأدب والسياسة، والكلمة في حياتنا، ومعاناة الأديب في واقع لايرحم، والهموم الأدبية، وقضية الالتزام، كما يشير إلى أدباء بأعيانهم، فيسلّط عليهم بعض الأضواء.

في مقاله(الدفاع عن حرية الأديب) يرى الباحث عرسان أنه إذا كانت أخطاء الديموقراطية كنظام لاتعالج إلا بمزيد من الديموقراطية، فإن ممارسة الديموقراطية تحتاج إلى حرية الرأي وحرية التعبير وحرية التفكير، وأن الحرية تحمل مشعلها طليعة واعية ترتاد وتكتشف وتتحمل في سبيلها. وهذه الطليعة تؤكد وعيها والتزامها وفهمها العميق للحرية حين تبقى على صلة بمن ترتاد وتكتشف. وحينما تبقى هذه الطليعة مخلصة وعلى صلة بالشعب الذي تنتمي إليه، تمارس عملها الريادي. والمفكرون والأدباء وكل فرسان الكلمة هم طليعة وروّاد لشعوبهم وللإنسانية.

ولكن حرية الأديب والمفكر العربي مازالت بحاجة لأن تمارس بوعي، بعد أن تتوافر لها مقوماتها، ولن توفر لها السلطة هذه المقومات، بل إن عاشقها هو الذي يفعل ذلك. وإذا كان الأديب مطالباً بأن يقول الكلمة الصريحة الحرة الواضحة، لأنه لسان حال الجماهير، والمعبّر عن رأيها، والناطق باسمها، فإن على السطات أن تضمن له حرية التعبير عن آرائه ومواقفه، لأنها تضمن استمرار اتقاد شمعة تنير الدرب ليعرف السائرون مواطئ أقدامهم، ويتقوا المهاوي التي تقود إلى الهلاك.

والأدب كلمة صدق تحمل طاقة لها القدرة على الإشعاع والإنارة والتغيير والاختراق. أما الأدب الذي يتحدث أحاديث الهوى بين البائسين والفقراء، فليس سوى ترف للأغنياء.

وفي مقاله(الأدب والسياسة) يرى الباحث عرسان أن العلاقة القائمة بين الأدب والسياسة تدعو إلى التأمل، وتثير في النفس شجوناً ليس لها آخر، لأن التفاعل بين الأدب والسياسة لابد أن يجعل جانباً منهما يطغى على الآخر، وغالباً ماتكون مظاهر السياسة هي الأغلب، حتى لتصل طبيعة العلاقة بينهما أحياناً إلى حدود علاقة التابع بالمتبوع، فنجد الأدب يدور في فلك السياسة، يحمل شعاراتها، وينبذ أصول تقنياته وصناعته، ويدخل القصور فيربض على الأعتاب، ويتمسّح بالمناصب والوجاهات والزعامات خوفاً أو طمعاً في الحصول على عرض مادي زائل تدفع إليه الحاجة،أو التماساً للفوز على الأقران عن طريق الفوز بالمال الأوفر والحظوة الأكبر. وهذه الظاهرة، ظاهرة ارتماء الأدب في أحضان السياسة ارتماء مهيناً ليست بنت اليوم. وإنما نجدها في كل العصور والبلدان، وهي نتيجة ضعف نفس الأديب، أو نتيجة سطوة السياسي المتحكم الذي يريد أن يأخذ دوره ودور غيره، أو هي التزام بعقيدة سياسية لجأت إلى الأدب لتأخذ لنفسها منه لبوساً دعاوياً، وأخفق ملتزموها في إتقان أصول الحرفة، فصار ما ينتجون عبئاً على الأدب، ونوعاً من كتابات الدعاوة. ورغم أن الأديب الحق لايبيع صوته لأحد، (فالحرّة تجوع ولا تأكل بثدييها)، لأن صوته هو صوت الحق والخير والجمال، وقد يلفّه الصمت أعواماً، ومع ذلك فإنه يؤثر هذا الموقف على موقف المتزلف للسلطان، أو المرائي لذوي الشان. لكن موقف الأنبياء هذا لايقدر عليه إلا أولو العزم ممن لايبيعون آجلاً بعاجل(انظر كتابنا : محمد عزام- قضية الالتزام في الشعر العربي-دار طلاس- دمشق 1989).

ولايرغب الباحث عرسان في الدعوة إلى أدب منفصل عن السياسة، وإنما هو يقول بالعلاقة الجدلية بين الأدب والسياسة، والتفاعل الدائم بينهما، من أجل نماء الإنسان. وفي مقاله(الأديب وحاجة الإنتاج) يرى الباحث عرسان أن الكلمة شحنة تحريض موجّهة إلى أعماق الروح الواعية، تفجر في داخلها إرادة التغيير، وأن الكلمة مشعل نور حمله ديوجين من قديم الزمان ليهتدي بهدي نوره الإنسان، وأنها سلاح يستعمل عند الشدّة للدفاع عن الحياة، كما يستعمل في الأحوال العادية لتفتيق إمكانيات المتعة، وخوض مجاهل الكشف والإبداع...

ولكن عوامل عديدة تمنع الأديب من تفجير طاقات ذاته المبدعة، منها: ركضه المستمر وراء حاجات الجسد التي لامناص من تلبيتها، وسلسلة الهموم التي يضعها الواقع أمامه كلما جلس ليكتب كلمة في قرطاس، وحالته النفسية وهو يبدل كلمة بكلمة حتى يتمكن من إيصال كلمات مقبولة الوقع على آذان من يحرصون على مشاعر الناس أكثر من حرصهم على الأدب والشعب وقضاياه، وخوفه غير المحدود من أن يعصف به يوماً ما عاصف مافيرتمي قعيداً، دون أن يؤمّن لزوجه وصغاره مايحفظ ماء وجوههم ويقيهم مذّلة السؤال.

والواقع أن مَنْ أدركته حرفة الأدب في وطننا العربي يصاب بأكبر نكبة، فإما أن يتاجر بالكلمات فيلفظه الأدب، أو يجمع مالاً بأقوال تسيء إليه وإلى قارئه وعصره، أو يحفظ لنفسه مكانة ولكلماته مقاماً فيجوع ويعرى ويركض خلف حاجات يومه، دون أن يتمكن من تخصيص جهده لتعميق إنتاجه وتحسينه.

والضمانات أمام الأديب ليست كبيرة، فلاعدد القراء كبيراً إلى درجة يضمن معها بيع إنتاجه وتسديد حاجته، وتأمين مستقبله ومستقبل أولاده ليتفرّغ للإنتاج الأدبي، ولا المؤسسات المسؤولة عنه قادرة على تقديم العون اللازم له لطبع نتاجه وسدّ حاجته، ولا هو بقادر على تجاوز تلك العقبات ليقفز فوق الواقع وينتج أدباً تنغرس جذوره في أرض الناس، وتتساقط ثماره عليهم فتكون خيراً وبركة له ولهم.

ويرى الباحث عرسان أن الموقف السياسي لا ينفصل عن الموقف الأدبي، وأن سلاح الكلمة لايقلّ عن السلاح الحقيقي إذا ما أتقن الكاتب تصويب الكلمات، وأقام علاقة جدلية بين نضاله السياسي والاجتماعي من جهة وفكره وأدبه من جهة ثانية، شرط ألا يتعدّى الحدود الفاصلة بين الأدب والإعلام الصحفي المكرّس لخدمة السياسة. وهكذا يجد الأديب نفسه حائراً بين مايجب أن يعبرّ عنه بصدق، لأنه قناعاته ومعاناته، وبين ما يجب أن يكتب لكي يُنشر تلاؤماً للخط الإعلامي ومتطلبات النشر. وهكذا يُحاط الأديب بمجموعة من المتناقضات، مما يضطره إلى الاتجاه نحو التوفيق، فيخسر بدلاً من أن يربح. يخسر صدقه وأصالته وقراره ونفسه. (مقالة: وسط يساعد على الخلق)

الكلمات عند الدكتور عرسان ليست أراجيح شوق علقت بحبال الشمس لتعجب راكبيها، وليست نغمات موسيقية مجردة يؤلف بين جملها في لحن يصنع التسلية ويجلب المتعة، وليست قارباً منفلتاً في الكون يعوم دون ماء خارج حدود الواقع والإمكان.. الكلمات عنده وسيلة فهم وتفاهم، وتعليم وتعلم. بها تتلقّى الأجيال تجربة الحياة، وبوساطتها يتمّ تسجيل تفاعل المرء مع مجتمعه.. ومع ذلك تظل الكلمات قاصرة عن التعبير. وهنا تكمن الخطورة، بالإضافة إلى سوء توظيفها أحياناً، ولذلك نراها ترتدي الأقنعة، وتتنكّر قدر استطاعتها لإخفاء حقيقة المواقف والمشاعر. ومن هنا أيضاً مسؤولية الكاتب ومساءلته عن واجب حمل رسالته المقدسة في الدفاع عن الإنسان والحرية والوطن. (مقالة : التعامل مع الكلمات).

وفي إشارته إلى بعض الأدباء وتسليط بعض الأضواء عليهم يرى الباحث عرسان أن رابط الموت هو القاسم المشترك بين الأديبين: جورج سالم، وعبد الله عبد: فحديث الموت لم يكن يخلو منه أدب جورج سالم الذي تأثر بصراخ كافكا وتحوّلاته العجيبة. وأما عبد الله عبد فقد كان يرافقه إحساس بالخوف من الموت غرقاً، وكان يسكن في حي (القني ناس) باللاذقية، حيث كانت تفيض المياه من القساطل وتغمر داره. وكان صحبه يرونه غارقاً بالماء حتى ركبتيه، يستنجد ولامنجد، بل قد يبتسم بعضهم ويهمس لنفسه: "الأستاذ غرقان". وكانت طفلته مريضة يرعاها أكثر من عشر سنين، يقطع اللقمة عن نفسه ليجمع قروش الموظف المسكين فيأخذها إلى بيروت للمعالجة. وكان هذا من الأسرار التي لم يكن يعلم بها أحد. ولذلك لزم بيته لايفارقه، حتى ظنه البعض شديد العزلة والانطواء.

أعادت هذه الذكرى ذكرى وفاة الراحلين، ذكرى وفاة أديبين آخرين هما: خليل هنداوي، وسامي الدروبي، فقد رحل هؤلاء الأدباء الأربعة السوريون عن هذه الفانية عام 1976، "فمتى نحفظ للكاتب قدره في حياته، ونهيء له وسطاً حراً كريماً يعيش فيه حياته منتجاً من أجل الناس؟ متى نرفع عنه كابوس الفاقة، ونتيح له أن يعيش دهراً، وألا يموت قهراً؟". (مقاله: نعيش قهراً، ونموت قهراً).

ثم يرثي الدكتور سامي الدروبي الذي غادر هذه الدنيا جسداً، ولكنه ظل فيها فكراً وروحاً، والذي يمثل قمة من قمم الإنتاج الأدبي، فقد أصدر في حياته، بين عامي 1920و 1976 مايزيد على خمسة وثلاثين ألف صفحة ما بين مؤلف ومترجم، بالإضافة إلى المهام التي قام بها كأستاذ في جامعة دمشق، ووزير للتربية، وسفير للجمهورية في أكثر من بلد. وكان أشهر ما اشتهر به ترجماته الرائعة لدستويفسكي وتولستوي. وهو إلى جانب ذلك مناضل من أجل وحدة الأمة وحريتها واشتراكيتها. (مقالة: سامي الدروبي: القدوة الحسنة).

 

E - mail: aru@net.sy

 

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244