وجوه الماس البنيات الجذرية في أدب علي عقلة عرسان - محمد عزام

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:49 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية

ج - الصراع العربي الإسرائيلي:

ثم يعالج الباحث عرسان موضوعة (الصراع العربي الإسرائيلي) في مقالات عديدة ، ملخصها أن إسرائيل تدّعي أنها تعيش ضمن محيط عدائي من العرب، يريد أن يلقي بها في البحر، وأنها الدولة الصغيرة الضعيفة المتحضرة المسالمة لابد لها من الدفاع عن نفسها ضمن منطقة تعلن دولها الحرب عليها . ولهذا فإن مناخ (السلام) لا يلائمها ، لأنه سيبطل أسلحة الابتزاز التي تستخدمها، ويوقف اندفاعة العدوان التي كانت مبرّرة عالمياً تحت اسم الدفاع عن النفس. فالسلام - إذن - ضار بالكيان الصهيوني على مستوى العلاقات مع الدول الغربية والشرقية في أمريكا وأوربا ، تلك اعتادت أن تحميها وتدعمها، كما أنه ضار به على مستوى العلاقات بيهود العالم الذين يعجبون بعدوان إسرائيل ويندفعون وراءه.وهو ضار بالكيان داخلياً لأنه يتيح للصراعات الخفية بين شرائح اجتماعية ملفقة أن تظهر بعد أن كان يسترها أو يخفّف من حدّتها ما يطرحه قادتها. (ص307).

ولهذا كان يقول هرتزل:" نأخذ من الأرض بمقدار ما نحتاج إليه، وحسب قدرتنا على الاستيعاب والاستثمار". ولهذا أيضاً- كثرت لاءات إسرائيل: (ص305)

1- لا تنازل عن القدس الموحدة لأنها عاصمة إسرائيل.

2- لا توقف ولا إبطاء في بناء المستوطنات في الأراضي المحتلة.

3- لا وقف لتدفق الهجرة اليهودية إلى إسرائيل.

4- لاوجود في المستقبل لدولة فلسطينية. والحكم الذاتي الذي سيُمنح للضفة والقطاع سيبقي الفلسطينيين تحت السيادة الإسرائيلية.

5- لا انسحاب من الجولان، ولا تقديم أية أراضٍٍ لسورية.

ولهذا فإن إغراق العرب في وهم (السلام) الذي يمنح لهم، هو هدنة طويلة تتزّود إسرائيل خلالها بمزيد من السلاح النووي الذي لن يطوله مشروع نزع أسلحة التدمير الشامل في المنطقة ، لأن المقصود بالنزع هم العرب، ولأن القوة النووية الإسرائيلية تعتبر بنظر الصهيونية وحلفائها قوة ردع للعرب لابد منها ،كما تعتبر- في نظرهم- العامل الحاسم الذي يجبر العرب على القبول بإسرائيل وعقد سلام معها..

وإن توطين ملايين اليهود السوفييت وغيرهم في فلسطين المحتلة بأموال أمريكية وغربية. وعندما يتم توطينهم تصبح قضيتهم (إنسانية) أكثر من ملايين العرب المشردين عن أرضهم منذ عشرات السنين دون أن يكون لقضيتهم مظهر إنساني..

وإن الوصول بالقدرة العلمية والتقنية إلى مستوى متقدم، اعتماداً على المساعدات وتبادل الخبرات، وعلى القوة البشرية المدّربة القادمة مع المهاجرين، وجعل ذلك يصبّ في تطوير القوة العسكرية التي تهيأ لها البرامج الخمسية والطويلة الأمد، لتلعب دورها بحرية مطلقة بعيداً عن أي اعتماد من أي نوع على الآخرين..

وإن تطبيع العلاقات الاقتصادية وغير الاقتصادية وصولاً إلى جعل المجتمع العربي سوقاً استهلاكية لمنتجاتها ، ورافداً اقتصادياً لها، وقوة عاملة في إطار برامجها العامة، خدمة لأهدافها التوسعية..

وإن الدخول في نسيج أمن المنطقة، وبالتالي التسلل إلى السياسات الاستراتيجية والثوابت المبدئية فيها، حيث تقضي بشكل مطلق على صور التضامن العربي، والتنسيق المنتظر ، والسوق العربية المشتركة (إن وجدت)، والقضاء على أي مشروع قومي من شأنه أن يدعم القدرة العربية.. (ص279-281).

هذه كلها بعض استراتيجيات إسرائيل التي تضع على باب الكنيست شعار (حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل).

وإن إعداد إسرئيل لتكون قوة متفوقة يتم على محورين: (ص219)

1- محور تزويدها بالسلاح وتطوير أسلحتها، ولاسيما الصواريخ والطائرات والقدرة النووية. ولنتذكّر تطوير صاروخ (حيتس)، وبرامج تطوير الصواريخ ضمن مبادرة الدفاع الاستراتيجي الأمريكية (حرب النجوم) وتطوير صناعة الطائرات الحربية على سبيل المثال لا الحصر، وإنشاء غواصات متقدمة بمساعدة وتمويل ألمانيين، وإقامتها لقواعد أسلحة نووية، وإدخال تلك الأسلحة إلى الجولان المحتل، والاستمرار بتهديد الوفاق اللبناني، وحصولها على مساعدات مالية وعسكرية هائلة أثناء حرب الخليج وبسببها ، وتوظيفها لكل طاقة وجهد من أجل ابتزاز الغرب والحصول منه على شتى أنواع الدعم في ظل غياب العرب وتمزقهم.

2- محور إضعاف القدرة القتالية العربية ، ومحاصرة البلدان العربية، ومنعها من الحصول على الأسلحة، ولا سيما سورية ، حيث تمتّ وتتم اتصالات وضغوط مختلفة، إسرائيلية وأمريكية مع كل من الصين وبولونيا وتشكوسلوفاكيا وكوريا لمنعها من بيع دبابات وصواريخ لها، والاستمرار في الضغط لإبقاء روح التعاون والعمل والثقة معطلة أو شبه معطلة عربياً.

والدول العربية مشغولة بخلافاتها ، وبتضميد جراحها التي خلّفتها حرب الخليج. وأزمتها، والتي جعلها تتأخر عقوداً عن مسيرة التقدم والتحرير. وإذا كانت الصواريخ العراقية التي أطلقت على إسرائيل هي أعظم "هدية" من السماء بالنسبة لإسرائيل كما قال رئيسها حاييم هرتزوغ، فإن استعداد الغرب الاستعماري كله لتقديم كل أشكال الدعم المالي والعسكري والسياسي لضمان تفوق إسرائيل على كل العرب هو هدية الأرض لطفلة الاستعمار المدللة (ص 177).

وليس الكم المعلن من المال (17) مليار، وبطاريات صواريخ (باتريوت)، وعروض ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وسواها من دول أوربا بتقديم كل أشكال الدعم والمساندة العسكرية والسياسية والاقتصادية، وكل تلك التحولات الاجتماعية لصالحها سوى قمة جبل الثلج الطافية مما قدّم وسيقدم لإسرائيل التي تهيّأ وتتهيأ لتلعب دوراً مميزاً في المنطقة بعد انتهاء المدّ الكاسح لكارثة حرب الخليج . (ص 179).

وإن كل محاولة للحاق بإسرائيل علمياً وتقنياً لا سيما في مجال التسلح وامتلاك القوة العسكرية المؤثرة هي محاولة محكوم عليها بالفشل، بل هي مستحيلة . ولذلك لابد من القبول بذل الاستسلام التام لمشروعها التوسعي الكبير الذي يأخذ طريقه للتحقيق.هذا من جهة، والانصراف التام عن أمر التفكير ببذل أي جهد على طريق امتلاك القوة، والتطلع أو الحلم بتوازن ستراتيجي من أي نوع، وعلى أي مستوى.

ومعنى هذا - في نهاية المطاف - استسلام تام للشعور بالدونية في الأوساط العربية، وتسليم بأن العرب أصبحوا أمة من الدرجة العاشرة. أمة تقبل أن تقوم بأعمال السخرة عند عدو لا يريد لها إلا الإذلال والإبادة، وما نظر إليها يوماً إلا نظرة الأمريكي الأبيض للهندي الأحمر. ولا حاجة عندئذ للعرب، حتى لشبيهٍ لأبي عبد الله الصغير، يبكي كالنساء أرضاً وحقاً وكرامة ووجوداً لم يدافع عنه كالرجال . (ص198)

إن الطوب الذي تُبنى به المستوطنات اليهودية الجديدة يأتي من مصر العربية، وتبنيه أيد عاملة فلسطينية، بأموال خليجية. إننا أمة تتفرج على سلخ بنيها عبر أجهزة التلفزة، وتكتفي بالتآكل والتواكل. فكيف يمكن أن نخيف دولة نووية سمح لها أن تبقى متفوقة على العرب أجمعين؟! أم ترانا سوف "نعلف" جيداً، ونسمن كثيراً ، لنذبح في "السبوت" القادمة لندخل في تكوين (فطير صهيون) لنصبح نوعاً من الطعام الذي يتلذذ به حاخامات صهيون عندما يطبخون الخروف الوليد بلبن أمه المسكينة (ص511).

4- الدولة القطرية والوحدة العربية:

يرى الباحث عرسان أن أمراضاً عديدة تنتاب الدولة القطرية (ص890- 897)، فأينما ذهبت تجد شكوى من الفساد والرشوة والبيرقراطية، واختلال في التراتبية الاجتماعية على كل مستوى وصعيد. فالمحسوبية ترفع مقاماً وتصنع شأناً وتملأ كرسياً. وهي بالمقابل تدفع القادرين والمؤهلين بعيداً عن الأماكن التي هم أهل لها. والرشوة تعلي باطلاً وتقوّض عدلاً، وتخلق تراتبية من نوع مختلف تماماً عما يفرضه الحق والسلامة الأخلاقية والاجتماعية. والروتين الإداري يميت الصالح العام قبل أن يميت كل من يتصلون به. وقيم المجتمع التي كانت مرعية في الوطن العربي، وفي المجتمع الإسلامي أخذت تتفسخ وتتلاشى على أعتاب الاستيراد المريض لعلاقات. وأمراض المجتمعات التي تشكو من عللها أخذت تعشش في نفوس بعض الشباب ويتنامى فتكها: فالمخدرات تنتشر ، والانحلال الأخلاقي، والاتجار بالجسد، وتجارة الرقيق الأبيض أخذت تنمو في بيئات اجتماعية ومدن عربية . وسواء تذّرع فَعَلَة ذلك بالفقر والحاجة ، أو تذرعوا بالتحرر المزيف المحرف، فإن الفعل أصبح داء اجتماعياً يفتك بالكرامة الشخصية والضمير والمكانة الاجتماعية للشخص.

ومَنْ لم يدرك بعد انقلاب سلّم القيم في بعض المجّتمعات العربية عليه أن يستدرك ذلك، وأن يعرف أنه في بعض مجتمعاتنا أصبح العمل بوجدان وإخلاص ودقة يؤهل صاحبه للقب (حمار شغل) ، والأمانة وعدم السرقة أو رفض الرشوة تسمى (غباوة). ومَنْ لا يملك (مرونة) تجعل منه شريراً أو إبليساً في جسد إنسان، فهو (يحمل السلم بالعرض) ولا يعرف كيف يدبّر رأسه ويرفع من شأن نفسه. والبطالة المقنّعة في كثير من المؤسسات التي تضخّم فيها القطاع العام أصبحت ظاهرة ملازمة لشعارات معينة حيث عشرات العمال أو الموظفين العاملين لا يقومون بعمل مجد، أو أن ما ينجزونه في (نهار عمل) لا يحتاج إنجازه إلى ساعة عمل فعلي. ومن المظاهر الاجتماعية المقلقة ظاهرة انصراف شرائح واسعة من الأجيال الناشئة عن التحصيل العلمي.

إن الأنظمة العربية مشغولة بأمور أكبر من قدراتها ، وتخضع لضغوط خارجية وداخلية. ولما كانت قد وضعت نفسها في موضع البديل عن الناس، وحملت كل أعباء المواجهة والتحدّي والتصدّي على كل الجبهات ، فإنها تعجز عن القيام بأعباء تلك المواجهات. ومن المسلّم به أن المسؤولية هي مسؤولية الواعين والمعنيين الشرفاء في كل ساحة عمل.. ومن المسلّم به أن المثقفين والسياسيين والمربين لهم دور أول ، وعليهم مسؤولية أكبر. ومطلوب منهم أن يبادروا ويتحملوا مسؤولية إنارة الشموع في طريق يزداد ظلامها. وكل تأخير في ممارسة هذا الدور يسبّب مزيداً من التخلف والألم ، ويؤخّر الفجر والنصر.

إذا كان هذا هو الواقع فإن المصلحة القطرية قد نمت بنمو الحكومات العربية المؤسسة على أرضية الحكم الاستعماري السابق وتقسيماته التي تحترم وتصان ويجري التمسّك بها. وقد تجذّرت تلك المصلحة وأصبحت تتحكم بالمواقف وتمليها وتساهم في رسم السياسة العربية ، فتعدّ لها أو تعطّلها . ومن الواضح أن صراعاً بين (القومي) في الوجدان الجمعي و(القطري) في الميدان العلمي هو صراع محسوم لحساب المصلحة القطرية وليس لحساب المصلحة القومية العليا ، ذلك أن رسوخ (النظام القطري) لدى الجماهير داخل القطر، وإسباغ صفة (القدسية) على ذلك الولاء هو " الوطنية التامة" عرفاً وقانوناً ، وأي خروج على تلك الصيغة وذلك الولاء يعرّض صاحبه للمساءلة أمام القانون، إذا رغبت السلطة القطرية في ذلك . وغالباً ما ترغب في ذلك وتنشده ، وتتشدّد بنشدانه، أو تتذرع به لإجراء تصفيات وتصفية حسابات مع الخصوم ، وفي إطار هذه الصيغة الراسخة الآن تصبح القطرية صيغة اعتراضية على (القومية/ الوحدوية) وناسخة لها من جهة أخرى، أي أنها تغدو صيغة إجهاضية متجدّدة لمشروع النهضة والتحقق الحيوي للأمة. فإذا أضفنا إلى ذلك حقيقة أن القطرية تتمتع بثلاث قوى تحميها وتدافع عنها ، وهي: القوة العسكرية القطرية، والجامعة العربية التي يقرّ ميثاقها تلك الصيغة ويحميها ويعزّز استمرارها، والأمم المتحدة التي تجسّد الاعتراف الدولي ، وتتركّز فيها قوى القوة التي لها مصلحة في بقاء التجزئة.

وإن مرتسمات التوجه القطري يمكن أن نلمسها في أوجه النشاط على المستوى القومي: فالتبادل التجاري بين الأقطار العربية مجتمعة لا يرتفع في أحسن أحواله إلى درجة تبادل بعض الأقطار العربية مع الدول الأجنبية، والمشاريع الاستثمارية العربية- العربية التنموية في أدنى مستوياتها- إن وجدت -. وشبكة المواصلات والاتصالات العربية لا تتمتع بجودة تذكر. ومؤسسات الجامعة العربية بما فيها مؤسسة الدفاع العربي المشترك والدوائر ذات الصبغة القومية لايُقدّم لها اعتمادات مالية من مجمل الدول العربية مساوية لما تحصل عليه أقل الأجهزة القطرية هزالاً. والتعاون بين الجامعات والمؤسسات القومية يكاد يكون معدوماً من حيث قدرته على التأثير الإيجابي وتحقيق إنجازات عملية على طريق العمل العربي المشترك . (ص 855).

والإيداعات ، الفردية الشخصية، والقطرية الرسمية، من الأموال العربية كلها توضع أو توظف في بلدان خارج الوطن العربي، لاسيما في الغرب. وهذا ناتج عن انعدام الثقة في استقرار النظام واستمراره ، وفي قوانينه وقراراته ، وعن توطّن الخوف في النفوس من الاستيلاء على الثروة ومصادرها وتأميمها، أو حجبها عن مالكها، والتقييد عليها بأشكال مختلفة ، وعن أساليب التسلّط و" السلبطة" ، وكذلك عن انعدام ثقة الأنظمة العربية بعضها ببعض، وانعدام ثقة المواطنين بها، الأمر الذي يجعل الجميع (أفراداً، وحكومات) يسلّمون رقابهم وأموالهم للأجانب الذين طالما استفادوا من ذلك ، وطالما حجبوا الأموال عن أصحابها، وجمدّوها في مصارفهم، وابتزّوا مالكيها أفراداً وأنظمة بأشكال مختلفة، واستولوا على الكثير منها، وافتعلوا الحوادث والفضائح والأزمات والحروب لينهبوا ثروة الآخرين، دون أن يتعظ العرب . والإحصائيات تشير إلى أرقام مذهلة للعرب في بنوك الغرب على الخصوص ، فللمصريين على سبيل المثال ما يزيد على ستين مليار دولار ، وللسوريين أكثر من أربعين ملياراً، وللجزائريين ، والخليجيين، والأردنيين، والفلسطينيين... إلخ . وكلها تخدم غير العرب . (ص 856-7).

هذا الواقع القطري المجزأ والمفتت يدعو إلى رأب الصدوع ومعالجة الجروح بالوحدة.والسياسة العربية مدعوة لإقامة جسور تواصل بين الأقطار العربية لا تستطيع أن تزيلها الخلافات المضمرة في النفوس ، وذلك عن طريق إقامة مصالح مشتركة للمواطنين العرب، وربط الوطن العربي والمدن الرئيسية فيه بشبكة من الخطوط الحديدية ، فهي أهم- عملياً- من أية صيغة (وحدوية) تُنجز ثم تجمد.

والواقع أن (الوحدة العربية) التي كانت في زمن مضى حلماً مشروعاً، وإمكانية قابلة للتداول ، أصبحت اليوم، في ظل الاستعراشات القطرية ، غير ذات شأن ومعنى ، بعد أن أصيبت الشعارات القومية في الصميم، وأضحت أحد الأوهام عند ذوي الوعي والنفوذ، فهل نقول إن الاستعمار هو السبب، حين انفرد بكل قطر على حدة، واختلى به في (الكامب)؟

قد يكون ذلك، ولكن متى عمل الاستعمار من أجل (وحدة) العرب؟

ويؤكد الباحث عرسان أن هناك ممارسات خاطئة في الدعوة إلى الوحدة تتجلّى في : (ص 852)

1- الدعوة إلى (فرض الوحدة) بالقوة، وإباحة أسلوب الضمّ ، وهو الأسلوب الذي يرتضيه دعاة (الإقليم- القاعدة). وهذا ما رفضه عبد الناصر عندما دُعي إلى محو الانفصال الذي حدث في الإقليم السوري (الشمالي) بالقوة المسلّحة . وهو ما زعم النظام العراقي أنه يطبّقه في احتلاله للكويت.

2- القول بتبنّي أسلوب الفرز الاجتماعي الذي كان في يوم من الأيام على أساس (طبقي) قبل أن تسقط الطبقية وصراعاتها الإيديولوجية التي قامت عليها، تلك التي أثّرت سلبياً على المدّ القومي الوحدوي ، بمعاداتها الصريحة للقومية والوحدة.

3- العمل على تعميم النموذج الوحدوي المختار (قطرياً، أو حزبياً، أو رسمياً) على الأقطار الأخرى، وصولاً إلى أنظمة قطرية منسجمة ، تقبل مشروعاً واحداً مختاراً للوحدة وتطبقه.

وإن صيغة تقربنا من (الوحدة الاندماجية) وتضعنا عل طريقها هي الممكن الأفضل، مع مراعاة الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية العربية الراهنة، والتحديات القائمة، ومتطلبات المواجهة. وأكاد ألمس في التوجه نحو صيغة (الولايات العربية المتحدة) في إطار دستوري عام، يراعي خصوصيات الأقطار العربية، ويمنحها استقلالاً وسيادة في مستوى الدستور والقوانين الخاصة بها، هو توّجه مناسب نحو صيغة تلبّي متطلبات النزوع القومي الوحدوي في حدوده الدنيا، في هذه المرحلة. (ص860).

*

3- المنهج

والواقع أن الباحث عرسان قد غطّى الجانب السياسي بالقضايا الراهنة والساخنة.وكانت معالجته لها من منطلق قومي. وتمثّلت قضاياه في موضوع حرب الخليج وانعكاساته على العرب والمسلمين، وفي الصراع العربي الإسرائيلي، وفي ضرورة إيجاد العلاج الناجع الذي يراه في الوحدة العربية. وهذه (مضامين) مقالاته.

أما (تقنية) هذه المقالات فتتراوح أساليبها بين النسج حول (عنوان) المقالة ، ثم التوسع في فروعها وتشعباتها، والخروج، أحياناً، عن إطارها، رغبة في الإفادة.مؤكداً دوماً ما يذهب إليه بمقبوسات شعرية أو نثرية، حتى لا تكاد تخلو مقالة منها، وحائماً دوماً حول (السمة) الدالة سواء كانت معلنة أو مضمرة.

وسنلجأ إلى بيان تفصيلي دال على بعض (عناوين) مقالاته، و(خواتيمها) لنؤكد أن (المضمون) ، في النهاية واحد، وإن اختلفت الصيغ والأساليب.

1- عنوان المقالة 2- مضمونها 3- خاتمتها

 

1- حرب الخليج

1- سيوف العرب ورقابهم

أسأل الله التوفيق.

2- أين المصلحة القومية

وقيمة كل امرئ ما يحسن.

3- مكيالان للقوة والنفاق

ما كل ما يتمنّى المرء يدركه.

4- مصائب قوم

وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون

5- تداعيات

ألا أيها الليل الطويل ألا أنجلِِ

6- العرب وحرب في الخليج

إذا اقتربت يوماً فسالت دماؤها تذكّرت القربى ففاضت دموعها

7-رهاناتنا بين العمل والأمل

وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسلوله والمؤمنون.

8- الشعر والعرب والحرب

والحمد لله على كل حال.

9-ولله في خلقه شؤون

ولله في خلقه شؤون.

10- استقراء في المحنة والنتائج

والله من وراء القصد.

11- يا بني أمي

إن الله لا يغيرّ ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم.

12- دفاع عن العرب والعروبة

وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون.

13-اللهم إنّا نسألك

اللهم إني أسألك مخلصاً أن تسدد خطانا.

14- ما بعد الكارثة

ويعزّ الله عرب ما بعد الكارثة، وهو على كل شيء قدير.

15- إسرائيل وهدايا السماء

نسأل الله خيراً وفسحة أمل أكبر.

16- إسرائيل ومواجهة السلام

والله من وراء القصد.

17- العرب وحلّ مشرف

الله سبحانه نسأل أن يوفقنا وهو السميع المجيب.

18-سيف الزمن

والله ولي التوفيق.

19- المواجهة على أرض الواقع

إننا إنما خلقنا رؤوساً من يسوّي الرؤوس بالأذناب

20- ليس مصادفة

لن يغيّر الله ما يقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم.

21- نحن وإعلان دمشق

فلا تغرك ألسنة موالٍ تقلّبهن أفئدة عوادي

22- في ظلال مؤتمر السلام

والله من وراء القصد.

23- الحدّ الأدنى من الخسائر في مؤتمر السلام

لا يموت حقّ وراءه مطالب.

24- على مسار تحرير السلام

والله من وراء القصد.

25- وبعد فإنه لا يصحّ إلا الصحيح

لا يصحّ إلا الصحيح.

26- العرب والغرب والمستقبل

وإن غداً لناظره قريب

2- الصراع العربي - الصهيوني

27- هل من صحوة؟

إنني لا أفقد الأمل.

28- أسئلة في سؤال

لماذا لانكون.

29- غزاة بلا مواجهة

وإن غداً لناظره قريب.

30- القوة والأمة

أسأل الله أن يلهمنا حسن الرؤية، وهو على كل شيء قدير.

31- جدي بلين أمه

وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون.

32- وأعدّوا لهم

ليس لنا أن نفقد الأمل.

33- الحلم والايمان

حيث لا قوة لنا خارجنا ولا نصير.

3- الانتفاضة

34- أسئلة وانتفاضة

كم قد دفنت وكم قدمّت عندكم

ثم انتفضت فزال اللحد والكفنُ

35- الانتفاضة إلى أين

إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم.

36- وجهان والاستيطان

إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم.

37- قيمة المرء ما يحسن

قيمة كل امرئ ما يحسن.

38- الانتفاضة والإرهاب

ما أخذ بالقوة لا يستردّ بغير القوة.

4- لبنان

39- لبنان والحل

فلهم منا كل الحب والشكر والتقدير.

40- لماذا؟

والشافي والمنصف هو الله والزمن.

   

5- الوضع العربي الراهن

41- التضامن العربي بين الحلم والواقع

وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون.

42- الأمة بين المصالح والعواطف

ذلك ما نتطلّع إليه ونأمل أن نعمل من أجله بوعي.

43- العمل العربي المشترك

والله ولي التوفيق.

 

6- الثقافة.. والمثقفون

   

44- مناخ أكثر ملاءمة لإيمان التقويم

إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم.

45- لقاء للمثقفين العرب

إنني لكثير التفاؤل بذلك، ولشديد الإيمان بجدواه.

46- من أجل جبهة موحّدة للمثقفين العرب

والله من وراء القصد.

7- حرائق الوجدان

47- مسؤوليات ديمقراطية

ولم أر في عيوب الناس عيباً كعيب القادرين على التمام

48- كأس الذكرى الحزيرانية

إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم.

49- تمنيّات ومسؤوليات

والله الموفق.

50- كل عام وأنتم بخير

كل عام وأنتم بخير.

51- ولم أر في عيوب الناس

ولم أر في عيوب الناس عيباً كعيب القادرين على التمام

52- الكليم والذكرى

سلام عليك يوم ولدت، ويوم تموت، ويوم تبعث حيّاً.

53- لكم وبكم يكون الخير

وكل عام وأنتم بخير.

54- سمعت وقرأت

والله سبحانه أسأل أن يقيّض لنا من أنفسنا رشداً.

55- صباح الخير أيها الكبار

صباح الخير أيها الكبار الشهداء.

56- تضلّعي من شجن إلى

وإن غداً لناظره قريب.

57- وفي الليلة الظلماء

وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر.

58- عجبت لأبي ذر

وأنت ولي التوفيق.

59- أبلغوا حاجة من لا يستطيع إبلاغ حاجته

آمنه الله يوم الفزع الأكبر.

60- ذكرى نيسان على مدى الزمان

وقل اعملوا فسير الله عملكم ورسوله والمؤمنون.

61- التنافس على قتل العرب والمسلمين

الأمم لا تموت ، والعقائد الكبرى هي الأخرى لا تموت.

62- الإنسانية القناع ودماء مسلمي البوسنة

من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرحٍ بميّت إيلام

 

هذه طائفة من (العناوين) و(الخواتيم) أوردتها للتأكيد على موسوعية ثقافة الباحث حيث غالباً ما يبدأ (موضوعه) بعنوان جذاب، ويختمه بحكمة أو مثل أو آية أو بيت شعري هو (بيت القصيد) الذي يكثّف المضمون أيضاً في جملة مختصرة.وإذا كان (العنوان) يشي بالمضمون ويكثفه في جملة واحدة، فإن (الخاتمة) - عند الباحث- هي أيضاً تأكيد على (المضمون) . وهي - في الوقت نفسه - (تعبير) ذاتي عن نفسية الكاتب حيال هذا (المضمون) . وعندما يكثر الكاتب من تأكيده بوساطة الآيات القرآنية المناسبة أو الأبيات الشعرية ، فإن هذا يشير إلى ثقافته التراثية التي تدعمها مضامين حداثية.

وعلى العموم فإن مقالات الباحث عرسان تنبض بالإخلاص لهذه الأمة التي ما تزال تقاوم الركوع والاستسلام ، وتؤكد وفاء قلم شفاف يرغب في أن يكون العالم كله نظيفاً وصادقاً وشفافاً، في زمن عزّت فيه هذه القيم الإنسانية.

جانب آخر في الأسلوب (أو الشكل) ، عدا (المضامين) ، و(العناوين)، و (الخواتيم)، يمكن أن نعرض له ، هو (المقبوسات) التي تعتبر تأكيداً آخر- ضمن المقالات - على الفكرة موضوع المعالجة. وقد تمثّلت هذه (المقبوسات) في الآيات القرآنية ، والأحاديث النبوية ، والأشعار ، والأمثال، ووقائع التاريخ وشخصياته.

أما الآيات القرآنية فقد أورد منها ضمن مقالاته الآيات التالية:

- إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسسهم (5 مرات).

- وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون (6 مرات).

- كما تكونوا يولّ عليكم.

- ولا تزر وازرة وزر أخرى.

- يا أيها الذين آمنوا إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان.

- واعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم.

- وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم.

- كما استشهد بقول اليهود لنبيّهم موسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون.

- وبقول إبليس الذي طرد من الجنة بسبب رفضه السجود لآدم: أنا خير منه. خلقتني من نار وخلقته من طين.

- وبقتل قابيل أخاه هابيل.

وأما الأحاديث النبوية التي استشهد بها فهي:

- كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيّته.

- أبلغوا حاجة من لا يستطيع إبلاغ حاجته.

وأما الأبيات الشعرية التي استشهد بها فهي أكثر من أربعين بيتاً بعضها مفرد، وبعضها الآخر ضمن قصيدة. وبعضها له، وبعضها لغيره من الشعراء. فمن شعره قوله:

القيظ والنفط والبارود يتقد

 
 

ما بين رمل ورمل يغرق البلد

 

وهي في تسعة أبيات ، سوداوية الرؤيا، يستحث فيها الهمم باستعادة الأمجاد التاريخية.

وكذلك قوله.

أقول: هبيني لحظة لا تسومني

 
 

بها ضاريات الوقت شرّ التكدّم

وهي في عشرة أبيات، يستدعي فيها الحلم لينير ظلام الواقع الذي غزته الحراب . وكلتاهما في ديوانه الشعري الثاني (تراتيل الغربة) 1993 (ص72و70).

وأما الأبيات الشعرية التي ليست له فإنه غالباً ما يذكر اسم الشاعر وقد استشهد بأبيات لامرئ القيس ، وأبيي العتاهية، والمتنبي. وزفر الكلابي، ومتمم بن نويرة، والشاعر القروي. وعندما لا تسعفه الذاكرة في نسبة البيت إلى صاحبه ينسبه إلى (الشاعر العربي) كما في الأبيات:

وإنّ الذي بيني وبين بني أبي

 
 

وبين بني عمي لمختلفٌ جدّا

فإن أكلوا لحمي وفرتُ لحومهم

 


وإن هدموا مجدي بنيتُ لهم مجدا

قد يهون العمر إلا ساعة

 
 

وتهون الأرض إلا موضعا

 

 

- بلادي وإن جارت عليّ عزيزةٌ

 
 

وأهلي وإن ضنّوا عليّ كرامَ

-إذا احتربت يوماً فسالت دماؤها

 
 

تذكّرت القربى ففاضت دموعها

وأما توظيفه الأمثال في مقالاته فقد كان قليلاً إذا ما قورن بالأشعار. ومن الأمثال التي وظّفها:

- ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلّوا.

- تجوع الحرّة ولا تأكل بثدييها.

- كلمة حق أريد بها باطل.

- مصائب قوم عند قوم فوائد

- لا رأي لمن لا يطاع (لعلي بن أبي طالب).

-ما أخذ بالقوة لا يستردد إلا بالقوة (لجمال عبد الناصر) 3 مرات.

- عدو جدّك ما يودّك.

- توزعوا أيدي سبأ.

وأما الاستشهاد بالتاريخ: أحداثه وشخصياته، فقد كان أيضاً قليلاً إذا ما قورن بالمقبوسات الأخرى . وقد استشهد الكاتب بموقعة (ذي قار) التي اجتمع فيها العرب على العجم، وبحرب داحس والغبراء، وبعمورية التي صاحت فيها امرأة عربية: وامعتصماه، فجهّز جيشاً غزا به الروم وانتقم لها، وبأبي عبد الله الصغير، آخر الملوك العرب في الأندلس الذي بكى كالنساء ملكاً لم يدافع عنه كالرجال. كما استشهد بأسطورة (بروميثيوس) الذي سرق نار الآلهة، وأهداها للبشر، فحكمت عليه الآلهة بنسر ينهش قلبه وكبده.

*

إنما ما يجمع بين هذه المقالات الثقافية والسياسية هو (الظلم) و (الغربة). وهما (الثيمة) theme في هذا العمل الضخم: (الظلم) الواقع على العرب في هذا الزمن الردئ، من قبل أمريكا وحلفائها، و(الظلم) الواقع على المواطن في وطنه من قبل حكامه ، و(ظلم) المواطنين بعضهم لبعض، حيث يفتكون ببعضهم بعضاً، وكأنهم وحوش مسعورة لا يهمّها غير السلب والنهب. و (الغربة) هي نتيجة للظلم ، حيث يشعر المرء بأنه غريب في وطنه ، رغم أنه بين أهله وذويه . ولكنه بعيد عنهم في سلوكياتهم وممارستهم الخاطئة التي لا يقرّهم عليها. هذه الغربة الناجمة عن فقدان القيم النبيلة والأصيلة في المجتمع تجد تعبيرها الذي جسّده الكاتب في قصة الجمل التي عنونها بـ (القمّة) ص1275 ، والتي تحكي قصة جمل صعد قمة جبل، حيث أصبح وحيداً فيها. وعندما أراد النزول خشي السقوط والموت ، فظل حبيس قمته ، يعاني الجوع والضعف والهزال، حتى حطّ على سنامه طائر سأله:

- لمَ اخترت هذا المكان، وأنت ابن الصحراء والسهول.

- هي المقادير تسوقنا إلى حتوفنا. لقد حاولت النزول فوجدت فيه هلاكي.

- إذا كان في نزولك إمكان هلاكك، فإن في بقائك هنا هلاكاً محققاً لك.

تحرك الجمل، وحاول النهوض ولكنه عجز عن ذلك بسبب ضعفه، فاستسلم لمبركه، وارتفع أنينه وحنينه، فعاد الطائر يحاوره:

- أعرف أنك أصبحت أضعف من أن تنهض، وأن هذه القمة حصرتك وستغدو قبراً لك. ولكن أن تموت في القمة فهذا شيء ثمين.

- لا. إن الموت مع الجماعة التي أنا منها واعتدت عليها أرحم بكثير من الموت وحيداً غريباً محاصراً ولو في القمة.

اختنق صوت الجمل الصبور بالبكاء، ورمى عنقه إلى الأرض، واختلج برغاء، واهتزّ، ثم أسلم الروح.

والعظة التي يريدها الكاتب من قصته هي أن الجمل لم يكن يعجبه شيء في السفح، فاستطاب الارتفاع فوق بقية الجمال والانقطاع عنها، ورأى في ابتعاده عنها خلاصاً له مما هي فيه.. ولكنه عندما "وصل" شعر بالعزلة ، ولم يعد يجرؤ على النزول ثم لم يعد يستطيعه.

والرمز هنا هو أن (التميّز) يجلب الكوارث لصاحبه، ليس من قبل أعدائه فحسب، ولكن من قبل أصدقائه ومعارفه أيضاً. فكلهم ينكر عليه هذا (التميّز)، ويريده على أن يكون مثلهم (عادياً). وهذه هي معاناة المبدعين في كل العصور.

***

5 - المثقف العربي.. والمتغيرات

يتابع الدكتور علي عقلة عرسان مقالاته الثقافية في هذا الكتاب (اتحاد الكتاب العرب- دمشق 1995) الذي يمكن تصنيف محاوره الفكرية الأساسية في ثلاثة:

 

1- الثقافة والمثقفون العرب.

2- في الفكر القومي العربي.

3- في الفكر العالمي.

1- في الثقافة والمثقفين:

في محور (الثقافة والمثقفون العرب) يرى الباحث عرسان أن الثقافة هي الحصن الأخير الذي تلجأ إليه الشعوب للدفاع عن نفسها وحقوقها ، وهي السلاح الستراتيجي الذي تدافع به الأمة عن هويتها وقيمها ووطنها وسيادتها وحقوقها، وتعمل من خلالها على تكوين الفرد والإرادة. ثم يأخذ بتعريف إعلان مكسيكو بشأن الثقافة فيرى أنها مجموع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية الخاصة التي تميّز مجتمعاً بعينه أو فئة اجتماعية بعينها، وأنها تشمل الفنون والآداب وطرائق الحياة والإنتاج الاقتصادي ، كما تشمل الحقوق الأساسية للإنسان ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات. وهذا يعني أن قطاع المثقفين يشمل كل مَنْ له مساهمة في الجهد الثقافي بمعناه الأوسع، وأولئك الذين يؤثرون في هذا المجال، ويكوّنونه، ويحملون خصائصه، ومسؤوليات عملية وأخلاقية فيه وحياله، ويواجهون مجتمعاتهم والمجتمعات المتفاعلة معها بتلك الصفة والوظيفة . وإن المثقفين يتحمّلون طواعية، أو يُحمّلون أمام الناس والتاريخ مسؤولية الثقافة حيال الأمة التي ينتمون إليها والحضارة الإنسانية التي هم جزء منها.

ويرى الباحث عرسان أن المثقف هو المعني بخطاب نوعي يأتي في ظرفه ، ويحقق تأثيره، ويكون قادراً على توظيف القدرات لجلاء صورة المستقبل ، وأن له تأثيراً في صوغ القرار. وليس المثقف هو الدّعي الذي له قدرة الحرباء على التلوّن ، وقدرة الخلد على فتح منافذ لا حصر لها في أعماق الأرض خوفاً من الملاحقة. وحين يخفّ الضغط عليه يختال كطاووس.

وهنا يأتي (دور المثقفين) وهل هم من البراءة والإخلاص والنزاهة والبعد عن المصلحة إلى الحد الذي لا يجعلهم شركاء في بعض المآسي البشرية ؟ وهل هم وحدهم المصلحون وما عداهم مفسدون؟ وهل المثقفون قادرون على فرض رؤية أورأي؟ وأخيراً أليس المثقفون هم المساهمين في الجهد الثقافي ، والمؤثرين فيه، والمتحملين مسؤولية عملية وأخلاقية فيه.

ولكن المثقفين- مع الأسف - مشتتون ، موزعون. ففريق منهم يتنصّل من كونه ضمير المجتمع وممثله الأكثر شرعية بحكم الوعي والدور. وفريق آخر يرى أن هذا ادّعاء عريض، وأنه ينطوي على مصادرة للآخر على نحو ما، وعلى احتكار غير مبرر ولا مقبول للمسؤولية. بينما تحاول فئات من المبدعين أن تستحوذ على شرف تمثيل الضمير الشعبي والتعبير عنه، اعتماداً على رصيد اجتماعي للمبدع. وهي تعتبر نفسها مسؤولة عن مقومات الشخصية الجمعية، لأنها الأجدر على تحمل المسؤولية، بحكم وعيها وقدرتها على مواجهة الحقيقة.

والسؤال الذي تنبغي مواجهته هو: هل يستطيع المثقفون تأكيد حضور ذي تأثير في ساحة القرار السياسي يؤدي إلى تخفيف البؤس البشري والظلم؟

وهل لهم دور في رسم صورة المستقبل؟ وهل هم فريق واحد متفق على رؤية ما؟

والجواب هو أن أصحاب الرأي النافذ في القرار السياسي هم الذين يملكون المقوّمات الاقتصادية والعسكرية والمالية والتقنية والإعلامية . وقد يدخل المثقفون في ظلال رجال الأعمال والعسكريين والسياسيين، ولكنهم يظلّون في دور الخادم للقرار، والمروّج له، والمفتون بعالمه، أكثر مما يلعبون دور صاحب الضمير اليقظ الذي يمثّل مصالح المحرومين والمظلومين والفقراء على موائد تعجّ بالشبع والبطر.

إن المثقفين لا يشكّلون جبهة واحدة وراء الحقيقة والعدالة ، ليس ذلك لأنهم لا يريدون الحقيقة، ولا لأنهم لا يحبون العدالة ، وإنما لأن الحقيقة حقائق قد تكون متضاربة ومتناقضة إلى الحد الذي يمكن القول معه إن لكلِ حقيقته: فكثيراً ما يتخذ مثقفون كبار مواقف غير عادلة من مواقف عادلة، لأنهم أسرى نوع من المعرفة أو الانتماء أو التعصّب، نجد أمثلة ذلك في حرب فيتنام، وفي القضية الفلسطينية، وفي حرب الخليج، وأحداث البوسنة والهرسك، وأحداث الجزائر، ومصر.. إلخ.

وجدير بالمثقف اليوم أن يعلي شأن قيم الحرية والعدل والحق والوعي فوق كل اعتبار، ليكون جديراً باسمه كمثقف، وبموقعه وانتمائه ، وجدير بالمثقفين اليوم أن يجتمعوا على أرض مشتركة ، يحرثونها بأقلامهم، وينيرون فيها قيم المحبة والإخاء والاعتراف بحق الآخر في الاختلاف والوجود ، بعيداً عن كل أشكال القمع والاضطهاد.

هل هذا يعني أن الثقافة تبع للسياسة ، وأن المثقف يسير في ركاب الحاكم، تقوده معدته، لاعقله أو فكره؟ إن المثقف ذا الموقع في السلطة يجد نفسه محكوماً بموقف السلطة ، وبما يميله عليه كونه مسؤولاً فيها، تمنحه عصاها الغليظة، وتفرش له بساطها الوثير، فيصبح أسير الموقع لا أسير المعرفة التي أهّلته ليكون ذا موقع في مجتمعه. وحين يقبض المثقف على زمام السلطة يستشعر نوعاً من العصمة يسوّغ له بعض الأفعال والادعاءات، فليس المثقف قديساً، وكثير من الشرور كانت من مثقفين استغلوا مناصبهم استغلالاً أنانياً، وادّعوا العصمة، ورأوا في أفكارهم خلاص البشرية! لأن المثقف في السلطة سيقع ضحية إغراءاتها. وهو لن يستطيع تسخير السلطة لنظرياته "المثالية" لأن السلطة هي التي تسخّره لآرائها العملية "الواقعية"، ولهذا فإنه سرعان ما يتحوّل عن " مثالياته" ويصبح وصولياً وانتهازياً ، يبيع آجلاً بعاجل، و " يصعد" على "جثث" افكاره، من أجل الوصول إلى "مجده". وبهذا تصبح ثقافته وبالاً عليه وعلى مجتمعه.

ويرى الباحث عرسان أننا كمثقفين عرب نؤمن بأن خلاصنا الثقافي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي يكون قومياً أو لا يكون، وأن جهودنا ينبغي أن تنصّب على إعلاء شأن الفعل القرار العربي المنسجم مع المصلحة العربية ككل ، وأن تقدّم المجتمع العربي منوط بتقدم البنى الفردية والاجتماعية ، وأن بناء الفرد والمؤسسات بناء علمياً سليماً يتيح فرصاً أكثر للخروج من حالة الإحباط والضياع وانتهاك الحقوق والحريات، وأن الديكاتورية حالة سياسية متخلفة لا تتلاءم والقيم العربية والإسلامية ، ولا تتفق وروح العصر، ولذا فإننا نعلن وقوفنا ضد (الديكتاتورية) وكل أشكال الحكم الاستبدادي، وندعو إلى العمل من أجل الوصول إلى صيغ سياسية عربية تقوم على العدالة والمساواة، وتستند إلى أوسع مشاركة جماهيرية في صنع القرار السياسي ، والإشراف على تنفيذه.

*

2- في الفكر القومي العربي:

يرى الباحث عرسان أن الفكر القومي هو وسيلة أملتها ضرورة واقعية ومسؤوليات تاريخية ومعطيات ومواجهات مصيرية ، وهو حاجة قصوى لإحداث تغيير في الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي ، على أرضية الوعي المعرفي والعلم والعمل. وهو مطالب اليوم بالعمل العربي المشترك، رغم أن الوحدة والتضامن من الأهداف القومية للأمة العربية.

ومَنْ يتوقف عند محطّات 48 (النكبة)، و56 (العدوان الثلاثي) ، و 58(الوحدة)، و61 (الانفصال)، و67(النكسة)، و73 (حرب تشرين )، و 82 (احتلال بيروت)، على امتداد تاريخ العرب المعاصر، يجد أنها قليلة تلك الفترات التي تمّ فيها تضامن فعلي، ونادرة تلك التي ساد فيها روح وحدوي على الصعيدين الرسمي والشعبي.

ومَنْ يدقق في الخطاب السياسي العربي يلاحظ ضمور البعد القومي فيه، ولا يكاد يلحظ أي التزام قطري حيال القضايا القومية، بعد أن كان ذلك هو مركز الخطاب السياسي وثقله وجوهره في العقود الماضية من هذا القرن. والسبب في هذا الضمور يرجع كما يرى الباحث عرسان- إلى تجذرّ القطرية في السياسة العربية، وزيادة تبعية تلك السياسة للغرب ، واضمحلال الثقة بين الأنظمة العربية، وحلول الخوف من الأخ الجار.

والمطلوب اليوم هو تنقيّة الأجواء العربية، وإقامة جسور الثقة بين الأقطار العربية والأنظمة والقلوب ووقف الانهيارات على كافة الأصعدة.

إن ساحتنا الثقافية التي هي معتصمنا ومنطلقنا إلى العمل البّناء المنقذ هي ساحة مخترقة بمن اعتادوا على أن يستفيدوا من الخلافات السياسية العربية، ويصنعوا بطولات وهمية. ومخترقة بمَنْ أدمنوا العيش في حالة ازدواجية الوجه والقناع ممن يصنعون الطغيانية، وينمّون حالات الاستبداد، ويفتحون سوق الكلام على مصراعيه.

ويرى الباحث عرسان أننا بعد أن كنّا نؤمن بأن أرضنا المشتركة هي الثقافة العربية، وبأن حدود وطننا هي حدود انتشار اللغة العربية وليست حدود السياسيين العرب الجغرافية المصطنعة التي ورثوها عن الاستعمار وأصبحوا سدنة وحماة لها، يدافعون عنها باستماتة في ظل قطرية ضيّقة تشكل معنى الوطنية ، وتصبح حالة اعتراضيه على القومية وعلى أشكال التضامن والتعاون لتغدو المستحيلات أربعاً: الغول ، والعنقاء، والخلّ الوفي، والوحدة العربية.

إن التحديات الراهنة للثقافة العربية تتمثّل ، كما يرى الباحث عرسان في:

1- تفتيت الأمة والقضاء على كل أشكال التضامن والتنسيق بين أنظمتها وأقطارها، وجعل كل قطر يسعى وراء مصالحه الخاصة مثقلاً بأعباء ضعفه، وبنظراته الضيّقة، ومنفعته المرحلية التي تكرّس انعزاله وهزاله.

2- فرض الهيمنة الصهيونية على المنطقة العربية من خلال تعزيز القوة العسكرية تسليحاً وتصنيعاً للأسلحة وتطويراً علمياً وامتلاكاً للتقانة. وإضعاف قوة العرب وإبقاؤهم في حالة عجز وتبعية، ومنع بيع أسلحة لهم إلا في حالات ضمان كونها لاستنزاف الثروة، وليسس لتحقيق حسم أو نصر في المعارك، وكذلك منع حصولهم على أية أسلحة متطوّرة أو تقانة قادرة على إنتاج السلاح.

3- رفع المقاطعة العربية عن إسرائيل، وجعل عمقها الاستراتيجي اقتصادياً ليشمل الوطن العربي كله، وجعل أهل اتفاقياتها وكلاء ووسطاء لها، والتوجّه نحو أن تصبح مفتاح الازدهار الاقتصادي في المنطقة من خلال وقوف الغرب إلى جانبها.

4- التوجه نحو فرض النظام الشرق أوسطي ماليا واقتصادياً وسياسيا وأمنياً وحتى ثقافياً ، بما يحمله من نفي للشخصية العربية - الإسلامية ومقوّماتها وقيمها، وجعل أبسط الصلات والمؤسسات العربية القائمة اليوم كالجامعة العربية بضعفها وهزالها ، أثراً بعد عين، إذ هي (جامعة الكراهية) كما يسميها بيريز ، ويجب أن تزول ليحل محلها (الجامعة الشرق أوسطية) التي تتربع إسرائيل في الموقع القيادي فيها.

5- تعزيز نمو قيم المجتمع الاستهلاكي، وتدهور العلاقات الاجتماعية والأسرية السليمة وتماسك الفرد الروحي، مما يؤدي إلى شيوع الانحراف والانحلال والفساد، الأمر الذي يقضي على الفرد والمجتمع، ويحوّل العرب إلى مجرد أفواه تأكل وأيد تعمل لحساب غيرها.

ثم يدعو الباحث عرسان إلى إعادة ترتيب البيت الثقافي العربي في ضوء استخلاصات لعبر ودروس من المتغيرات الدولية والعربية التي نجمت عن المتغيرات الدولية ، كما يدعو إلى مراجعة صريحة تمليها حركة داخلية عميقة من التأمل والتحليل والتدقيق ، تشمل القوميين والإسلاميين والاشتراكيين، من أجل اصطفاء الأصلح، وتبيّن المشترك من الثوابت والأهداف.

 

وهذا لا يعني أن يكون الأفراد نسخاً عن بعضهم بعضاً، ففي الاختلاف غنى ، وفي التنوّع ثراء. والاختلاف البنّاء هو الذي يتمّ تحت سقف الوطن، من أجل مصلحة الشعب ومستقبله. وهذا الاختلاف لا يمنع فئات المثقفين العرب من أن يتناصروا وتتضافر جهودهم لإثبات حضور الجبهة الثقافية في الساحة الجماهيرية، ولاسيما في أماكن صنع القرار والتخلص من تبعية الثقافة للسياسة.

والواقع أن هذا كله إنما هو حلم مشروع جميل، ولكنه يظل مجرد حلم محلّق في عالم التجريد والمثال، دون أن تلامس أجنحته الأرض والواقع ، ذلك أننا إذا نظرنا إلى فئات المثقفين في كل قطر عربي على حدة فإننا نجدهم شتى، ومن أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وكثير منهم مستعدون لتوظيف أقلامهم في خدمة أي سياسي انتهازي أو مغامر يلوّح لهم بجزرة، فكيف يمكن جمع هؤلاء المشتتين فكرياً ، مع آخرين من أقطار أخرى، لهم مشكلاتهم الخاصة، الفردية والاجتماعية والقطرية التي تكرّست فأصبحت لديهم أهم من القضايا والمشكلات القومية! وكيف يمكن إيصال صوت المثقفين إلى الأماكن التي ينبغي أن يصل إليها إذا كانوا شيعاً و أحزاباً؟ ومَنْ الذي يشيد المؤسسات الثقافية ويحافظ على استقلالها وتمكينها من أداء دورها الإيجابي في تكوين وعي معرفي متجدد؟ وهل يسمح الحاكم بأمره بتشكيل جبهة ثقافية تقول له: هنا ينتهي حدّ الحاكم، وهنا يبدأ حدّ المواطن، إلا إذا كنا مغرقين في (المثالية)؟ والباحث نفسه يعترف بالواقع الثقافي المتعدد والمتدنّي والمقموع ،حين يرى كم ضمر دور الثقافة والمثقفين، وكم تراجع الفكر في ساحات المواجهة الداخلية والخارجية، حتى كثّر الحكام المتسلطون، وسادت الطغيانية، وانتشر نمط الدولة الأمنية، وضاع المواطن وحقه وحرياته ، ثم جاع وسحق ولبس قناعاً ليخفي ألمه وحقيقة وجهه. وما يزال الرعب يلاحقه من المحيط إلى الخليج في ظل الجوع والقهر والخوف، فكيف يمكنه أن يقوم بأفضل الجهاد (كلمة حق في وجه سلطان جائر؟) وهل تقاوم العين مخرزاً ولا تُفقأ؟ وتنتصر الكلمة على الرصاصة؟ في زمن تنازل الشعر لمصلحة الشعار ، وتنازل الحكمة لمصلحة الحكومة، وتنازل الفكر لمصلحة السياسة.

إن مراجعة شاملة للمسيرة الماضية، تنال المعاني ، وتدقّق في الثوابت، من أجل تجديد الالتزام بها، هي مطلوبة اليوم، وإن دراسة الواقع العربي في شتى أقطاره دراسة سياسية اقتصادية اجتماعية ثقافية سوف تكشف عن نقاط الضعف والقوة، وسوف تبلور رؤية واضحة تجاهها، وإن تجديد الالتزام بالأهداف القومية بعد أن فقدت الكثير من قدرتها على التأثير لهو ضروري من أجل تثبيتها، ومعالجة ما أصاب الوجدان العربي من ضمور وأمراض ، وإن فتح حوار مع الآخر على أرضية احترام حقّ الآخر في الاختلاف، والشراكة الحقيقية في المصير والوجود، وبالتالي في صنع القرار، وصوغ الرؤية والمناهج لهو أيضاً ضروري، لا سيما وأن استلهام وجدان الناس ، وقبول ما يمليه من معطيات ونتائج سوف يُبقي الطليعة على صلة دائمة ووثقى بالمستطلع لهم. ولهذا يدعو الباحث عرسان إلى (جبهة موحّدة للمثقفين العرب) تفرض استقلالها عن كل تبعية للخلافية السياسية العربية المريضة والقطرية الضيقة والطائفية المقيتة وتفرض احترامها وهيبتها في ساحة القرار السياسي العربي وفي الساحة الجماهيرية ، وتضغط باتجاه فرض ما تقتضيه المصلحة القومية العليا ومتطلبات مواجهة تحديات العصر، وتخلص في العمل من أجل حضور مشرف للأمة فيه.

والواقع أن هذا مطلب ضروري وهام، ولكن بشرط أن نستورد مثقفين من عالم آخر، ليقيموا (جبهة موحدة للمثقفين العرب) لأن هذا المطلب (المثالي) سوف يتكسّر على صخور وعداوات الواقع، بسبب تضارب الآراء واختلافها حتى ضمن الفئة الواحدة فلكلٍ مذهبه. والفردية عندنا من أشد أنواع الأمراض المستعصية، والأنانية ترفض أن يتنازل المثقف عن رأيه ولو كان مخطئاً. والباحث عرسان نفسه يعترف بأن جهود المثقفين العرب تتصادم وتتقادم، ويفني بعضها بعضاً بكراهية، وتتحول إلى كرة سلبية سوداء تنشر الفساد، وتضاعف من كآبة المشهد، وتشوّه كل رؤية للخلاص.

إن مسيرة المثقفين العرب ينبغي أن تسير من الشك إلى الثقة. والباحث عرسان يدعوهم إلى (ميثاق شرف) يوحّدهم، ويجمع طاقاتهم حول ثوابت مبدئية وأخلاقية وقومية يعززونها جميعاً، بصرف النظر عن اختلافاتهم واهتماماتهم ورؤاهم وانتماءاتهم القطرية، ليفرضوا احترام الثقافة وهيبتها ودورها وحضورها على صعيد العمل والأمل، فهل هم فاعلون؟

إن صاحب البيت هو أدرى بمن فيه، وهو يعلم تشتت المثقفين واختلافاتهم في القطر العربي الواحد، فكيف يمكن جمع الشامي إلى المغربي إلى اليمني، ولكلٍ وجهة نظره، وانتماؤه الفكري والقطري، ومصالحه الخاصة؟ وهل يمكنه أن يتخلى عنها جميعاً، ويتجاوزها من أجل حلم (مثالي) جميل؟.

 

أما (ميثاق المثقفين العرب) الذي يدعو إليه الباحث عرسان فهو إقامة جبهة مواجهة ثقافية تعمل على إبقاء الحق العربي، وتنّمي الوعي به، وتدعو إلى إعادة النظر في التربية والتعليم والتثقيف، من أجل ولادة أمل جديد يعيد الصحة والسلامة القومية على أسس ثابتة، دون أن يلغي الاختلاف والتعددية والاجتهاد . وتتجلّى أبرز نقاطه في:

1- احترام الحقوق والحريات العامة للمواطنين ، وممارسة الديمقراطية السليمة، واحترام الأنا دون تضخم ، والآخر دون تقزيم.

2-الثقافة العربية الإسلامية هي حدود وطننا الذي نتجذّر في أرضه ، ونحافظ فيه على هويتنا ، ونمارس فيه مثاقفة مع أخرين، رافضين القطرية والإقليمية والطائفية .

3- نحن مع المثاقفة التي تقوم على أساس الثقة والاقتدار، ولا نرى في التقوقع خيراً، كما لا نرى في التبعية خيراً. وإذا نرفض الانغلاق فإننا أيضاً نرفض الإلحاق والغزو الثقافي، ونعترف بأهمية التواصل الثقافي ، وبضرورة التفاعل ، ونؤكد على احترام العلاقة بين الثقافي والسياسي.

4- نؤمن بأن الخلاص الثقافي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي يكون قومياً أو لا يكون.

5- إن تقدم المجتمع العربي منوط بتقدم البنى الفردية والاجتماعية والمدنية فيه، تربوياً وعلمياً وتعليمياً، وإن بناء الفرد والمؤسسات بناء عليماً سليماً يتيح فرصاً أكثر للخروج من حالة الإحباط والضياع وانتهاك الحقوق والحريات. وإننا نرى في الطغيانية الديكتاتورية حالة سياسية متخلّفة لا تتلاءم مع القيم العربية والتعاليم الإسلامية، ولا تتفق مع روح العصر وتطلعات العرب للمستقبل. وهي تشكّل أهم معوّق من معوّقات التقدم، ولذا فإننا نعلن وقوفنا ضد الديكتاتورية وأشكال الحكم الاستبدادي أينما وجدت، ونعمل من أجل الوصول إلى صيغ سياسية تقوم على المساواة والعدالة ، وتستند إلى أوسع مشاركة جماهيرية في صنع القرار السياسي، والإشراف على تنفيذه ، والمحاسبة على ذلك التنفيذ.

والمثقفون العرب عندما يتمسّكون بهذه الثوابت التي تشكّل العمل الثقافي المشترك فإنما يؤكدون عزمهم على تعزيز دور الثقافة ومكانتها.

 

E - mail: aru@net.sy

 

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244