رقصة الشيطان برنامج العمل الصهيوني لنصف القرن المقبل 1994-1995 - أحمد يوسف داود

دراســــــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:50 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

تنويه لا بد منه

قبل الدخول إلى صلب هذا الكتاب أرى أن من واجبي الإشارة إلى أسباب تأخره في الصدور، وإلى مسائل أخرى ستتضح لاحقاً في هذا التنويه.‏

وبخصوص تأخر صدوره فإن المخطوط قد ظل نحواً من عام في إحدى دور النشر الدمشقية دون أن ينشر رغم أنه كانت هناك موافقة مسبقة على ذلك. أما لماذا لم تقم تلك الدار بإصداره في ذلك العام فهو ما لا أملك الإجابة عليه، ولا أعتقد الآن أن لتلك الإجابة أية قيمة مهما تكن طبيعتها. على أن هذا الكتاب عاد فتأخر البتّ بأمر نشره عامين آخرين في اتحاد الكتاب العرب بدمشق، وكان العام الأول بسبب تقاليد النشر في الاتحاد حيث كانت لي رواية قيد الصدور الأمر الذي حال دون دفعه إلى لجان القراءة.. أما العام الثاني فقد انقضى والمخطوط يدور بين أيدي عدد من الزملاء والقراء في تلك اللجان.‏

والمهم أنه خلال هذه السنوات حدثت تغييرات كبيرة على السطح السياسي لدولة الكيان الاستيطاني الصهيوني إذ قتل رابين: زعيم حزب العمل، ورئيس الوزراء في تلك الدولة.. وحل محله شمعون بيريز- صاحب (الكتاب/ البرنامج الصهيوني) الذي نحن بصدد تحليله- في رئاسة الحزب كما في رئاسة الوزارة. ومن تحت القناع- قناع حمامة السلام الذي كان يبدو مقنعاً لكثير من الأطراف، والعربية منها على وجه الخصوص- كان الجنرال الصهيوني المشبع بالحقد والمكر التلموديين يبرز أنيابه وأظفاره التي تشتغل بضراوة نادرة المثال ضد العرب: سواء في الأرض المحتلة أم في الجنوب اللبناني.‏

غير أن الثكنة العدوانية تظل -ضرورةً- محكومة بروح أنها ثكنة عدوانية، والعقل الصهيوني يظل مرغماً على أن يكون ذاته.. ولما كانت الأوضاع العربية عموماً آخذة في المزيد من التردي، والوضع العالمي آخذاً في المزيد من الاضطراب في هذه الفترة الانتقالية من التاريخ العام للحضارة البشرية، وهو اضطراب تبيح فواعله للحلف الصهيوني /الأمريكي- ولو سطحياً وبصورة عرضية حسبما نعتقد- أن يشتغل كما لو أنه قادر على صياغة المصائر العامة للكوكب برمته، فإن العقل الصهيوني وروح الثكنة العدوانية قد بدا لهما أن أسلوب "المخاتلة الثعلبية" للسيد بيريز وحزبه ما عاد ضرورياً. وهكذا صعد الليكود بزعامة ناتانياهو إلى سدة السلطة في دولة الكيان الصهيوني وسط تصوّر يقول: إنه لا داعي لمسايرة العرب كي يركعوا، بل يمكن تركيعهم نهائياً دونما قيد أو شرط ومن غير مسايرة أو مناورات.. فلقد بدأ عصر (العولمة) التي نرى أنها -إن كانت قابلة للتحقيق- ليست إلا النموذج التطبيقي للتصورات الإمبراطورية التلمودية حيث (العقل والرأسمال) الصهيونيان يعملان بكامل طاقتهما لجعل هذه (العولمة) متحققة، وفي قبضتهما!.. وعليه يكون مشروع (الشرق الأوسط الجديد) مجرد حلقة في سلسلة الحلقات التي لا بد من تحقيقها مستقبلاً كي تصير (العولمة) واقعاً ناجزاً... وكي تكون الثكنة الاستيطانية في أرضنا الفلسطينية مركز إدارتها الفعلي!!‏

ما الذي قد تغير إذاً، من بيريز إلى ناتانياهو- أو حتى إلى من قد يليهما في إدارة الثكنة- بالنسبة للمشروع الصهيوني وخططه حتى في أدقّ التفصيلات الإجرائية؟!‏

من جهتنا نجيب بثقة: لا شيء! ونضيف أيضاً: إن مشروع بيريز في كتابه المعالج هنا هو برنامج مرحلي معتمد من الإدارة العليا للحركة الصهيونية، وكتابته -بيريزياً- لا تعني أنه غير ملزم لنتانياهو أو غيره من قادة الثكنة الاستيطانية الآخرين وبالأسلوب الذي تراه تلك الإدارة العليا مناسباً وفقاً للظروف. ولعله من دواعي السرور لأي كاتب أن يرى بعضاً من استنتاجاته التحليلية يتحقق بهذا القدر أو ذاك. وفي الواقع إن هذا ينطبق عليَّ- ولو قليلاً- في كتابي هذا، إذ تحقق بروز بعض ما توقعته في عدد من المجالات العربية والدولية إلى درجة أبدو معها، بسبب تأخر صدوره، كأنما قد ادعيت ذلك بعد حدوثه، وثبّتّهُ في سياق بحثي ونسبتُ توقعه زوراً لنفسي. لكنني في الحقيقة لم أفعل شيئاً من ذلك، وكل ما في الأمر هو أن مقدمات بعض الأحداث تبدو محتّمة لنتائجها، ولا يلزم الباحث الجادّ إلا أن يتأملها بروية وتمعن وفقاً لمعرفته بما صار ثابتاً من قوانين حركة التاريخ وما هو معروف من طبائع الأشياء.‏

فمثلاً ثمة وضوح أشد بروزاً في التناقض بين أوربا الساعية إلى الوحدة بقيادة فرنسا وبين أمريكا وحلفها مع الصهيونية وتبعية انكلترا لهذا الحلف. وفي اعتقادنا أن هذا التناقض سيزداد حدة في المستقبل إلى درجة من التصارع المكشوف لن نجازف هنا بتقدير كيفياته وأدواته وأبعاده. وقد كان من الطبيعي -وفق التقدير السليم لطبيعة التناقضات وسُلّم ترتيب الصراعات -أن يتجه العرب المخلصون لقضيتهم إلى إجراء تفاهم مع أوربا عموماً وفرنسا خصوصاً يحقق للطرفين مصالح مشروعة بالقدر الممكن ضد مشروع الهيمنة المتفردة من قبل الحلف الأمريكي /الصهيوني.. وهذا ما فعلته سورية على سبيل المثال.‏

وفي الوضع العالمي أيضاً يلاحظ الآن ما يمكن وصفه ببروز التوجه الروسي إلى استعادة دور روسيا كقوة كبرى، استعادة مؤثرة في مجريات حركة الوضع العالمي- وإن على أساس قومي روسي رغم الوجود القوي نسبياً للحزب الشيوعي هناك - وهذا يعني بالضبط كسر تفرّد الحلف الصهيوني/ الأمريكي بتقرير مصائر العالم، أو كبحه بالقدر الممكن. وصحيح أن جيرونوفسكي لم ينجح في انتخابات الرئاسة الروسية الماضية ولكن ذلك لا يعني أن أطروحاته عن مصالح روسيا في منطقتنا لن تكون مأخوذة بحسبان أية قيادة في ذلك البلد مع التعديلات المناسبة تبعاً للظروف.‏

أما الانهيار الاقتصادي الأخير- في مطلع عام 1998- في كوريا الجنوبية وعدد من دول شرق آسيا بينها بعض (النمور) فإنه إذا كان مؤشراً على هشاشة بنيان النظام الاقتصادي العالمي القديم، وإذا كان ذا نتائج قد تهدد باكتساح اقتصاديات الولايات المتحدة نفسها عبر إغراق أسواقها بالبضائع الرخيصة التي قد تجر كارثة على تلك الاقتصاديات -وفقاً لتصريحات الرئيس الأميريكي كلنتون بهذا الخصوص- فإن على المرء أيضاً أن يخمّن، في رأس قائمة النتائج الكبرى لذلك الانهيار، نوعاً من حتمية الاستقطاب الصيني المتسارع لما سميناه (العالم الصيني) في متن هذا الكتاب.‏

على أي حال، إن ثمة ما لا يمكن حصره من الوقائع المحلية والعالمية التي جرت وتجري منذ أن أنجزت كتابة هذا الكتاب حتى وقت إصداره. لكن أي تغيّر في تقديراتنا لحركة العالم وانعكاساتها على وطننا العربي لم يحدث، حسبما نرى وحسبما سيراه القارئ في الفصل الأول من هذا الكتاب.‏

وما يهمنا أن نظهره في هذا "التنويه" -ونحن نتابع مجريات حركة الحلف الصهيوني /الأمريكي في تعامله مع وطننا العربي- هو مجموعة من القضايا الأساسية العامة التي أظهرها، ويظهرها، العدوان المتواصل لدولة الكيان الاستيطاني الصهيوني على البنى الدولتية والمجتمعية العربية، مستندة إلى إجمالي الفعالية العامة للحلف المذكور، حيث نرى أن تلك القضايا تؤيد بوضوح كامل عدداً من الاستنتاجات الهامة التي كنا قد خلصنا إليها في عدد من فصول هذا الكتاب.‏

* تتلخص القضية الأولى في أن دولة الكيان الصهيوني هي (تلفيقُ دولةٍ أصوليةٍ تلمودية غيتوية) نازية التكوين والسلوك، إرهابية النزوع، عنصرية التوجه، ومحكومة بروح خرافية مريضة تناقض كلياً منطق العصر الذي يحاول بشره -لا سياسيوه الامبرياليون- جعله أكثر إنسانية، وجعل عالمنا أكثر قابلية للعيش وللبقاء المشترك الناجع. وعلى هذا فإن هذه الدولة الصهيونية لا تريد "سلاماً" بالمعنى الذي يفهمه البشر من كلمة "سلام" بين أطراف متحاربة، وإنما هي تريد استسلاماً عربياً غير مشروط لمخططات هيمنتها "الشرق أوسطية" وهذا الاستسلام (يجب!) -صهيونياً- أن يُفرَضَ على العرب تحت طائلة الإبادة والتدمير لهويتهم الحضارية عبر تدمير البشر والمؤسسات والبنى التحتية التي ترتكز عليها مفردات تلك الهوية.‏

* وتتلخص القضية الثانية في أن دولة الكيان الصهيوني- ومجتمعها الملفق أيضاً- هي دولة مأزومة البنيان، كما هي هذه المرحلة الرأسمالية من تطور الحضارة، وهي دولة محكومة بالرعب الداخلي الدائم من كونها ليست وليدة لتطور تاريخي اجتماعي حقيقي بل هي قد زرعت استيطانياً- لغايات غير إنسانية- في "وسطٍ" لا يمكن له بتاتاً أن يصفح عن جرائمها التي لا تحصى بحقه، أياً تكن صيغ المعاهدات والاتفاقات التي توقعها مع هذا الطرف الحاكم أو ذاك.‏

إن هذه الدولة الاستيطانية "تسلك سلوك المجرم المرعوب" الذي يأمل في أن يجد خلاصه وسلامه النفسي بالإبادة التامة لكل من هم شهود أو ضحايا لجريمته الأساسية.‏

وبإختصار، فإن أزمة الدولة الصهيونية ومجتمعها الملفق تتلخص في (الرعب العام) غير المعلن عنه من وجود الضحية التي لا تزال تقاوم ولو في أدنى حدّ للمقاومة، ومن ارتباط وجود (الدولة) بالوجود الإمبريالي الذي بدأ يتضح لكل ذي بصيرة مدى تفسخه ومشارفته على الانهيار انهياراً تبدو معه أزمة الثلاثينيات وكأنها "لعبة طفل" على حد تعبير أحد المعلقين الأميركيين. ولهذا وذاك تدفع الأزمة ورعبها غير المعلن بقيادة الكيان الاستيطاني، وبالإدارة الصهيونية العليا، إلى الاندماج في "الهرب إلى أمام" أي إلى شن مزيد من العدوانات الإرهابية المجرمة بمختلف الوسائل، وفي أي مكان يجدونه مناسباً من العالم. وبالطبع، تنصبّ العدوانات الأساسية على "الوسط" العربي: فعلاً وتهديداً. وهم يستخدمون في ذلك آلة الحرب التي أمدهم حلفاؤهم بها والتي تفرض عليهم -بدورها- نوعاً من التوق الغريب إلى وجوب تجريبها في محيطهم المعادي، وفي الوقت ذاته الذي يتظاهرون فيه بأنهم (دعاة سلام!).‏

* وتتلخص القضية الثالثة- وهي مستخلصة من سابقتَيْها- في أنّ ما تسميه الدولة الصهيونية (حدودها الآمنة) هو مفهوم مخاتل وغائم، إذا إنه -في واقع الحال- يقع حيث يمكن لآلة حربهم أن تضرب، في المدى العربي، وفي المدى الإسلامي.. وحتى في المدى العالمي أيضاً! فسيكولوجية المجرم المرعوب لا يمكن لها- بسبب من إجرامه ذاته- أن تسمح بتفكير جدي في أن هناك "حدوداً آمنة" في نهاية الأمر سوى حدود إرهابه للآخرين عبر محاولات إبادتهم.‏

وإذا كانت هذه القضية تعكس -في الجذر- نظرة (الشعب المختار!) إلى "الغوييم"، أي الأمم الأخرى التي أحل يهوه لليهود أموالهم وأعراضهم ودماءهم وفقاً للتوراة وللتلمود معاً، وتعكس بالتالي عقدة اليهودي المتصهين من وجود بشر آخرين سواه على الأرض.. فإنها -أي هذه القضية- تدل بوضوح كافٍ على أن الصهاينة لايمكنهم قبول أية صيغة للسلام مع غيرهم في المدى الاستراتيجي، حتى لو كانت صيغة استسلام!‏

إن (الحدود الآمنة)، وفقاً للجهاز المفاهيمي الصهيوني، هي -في نهاية التحليل الدقيق- حدود المقدرة على إبادة "الغوييم" إلا من يلزم منهم لزوماً ضرورياً لخدمة الوجود الصهيوني المهيمن ذاته.‏

* أما القضية الرابعة فترتبط بطبيعة هذا العصر التي سمحت وساهمت بقوة في إنشاء دولة الكيان الاستيطاني الصهيوني، أي بطبيعة البنيان الرأسمالي الإمبريالي واتجاهات حركته وتوازنات قواه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومته الاشتراكية. وإذا كنا قد ألمحنا إلى بعض من ذلك في إشاراتنا إلى بروز التناقض بجلاء بين أوربا وأميريكا، وإلى التحرك الروسي الجديد، والانهيارات "الشرق آسيوية" وبعض نتائجها المحتملة.. فإن علينا هنا أن نشدّد على وجوب تذكر المبدأ العام الذي يحكم بصورة جذرية وجود رأس المال وحركته ومصيره.‏

إن قدَر البنيان الرأسمالي العالمي الكلي هو أن يكون متنافساً، وأن يصل تنافسه الداخلي إلى درجة قصوى من التصارع الذي لا رحمة فيه، عاجلاً أم آجلاً، وذلك بحكم طبيعة عمله ذاتها، وبحكم عجزه عن أن يكون كوسموبوليتانياً بصورة مطلقة.. أي بحكم تمزقه التكويني بين نزوعه الكوسموبوليتاني وبين منشئه القومي وترابطاته القومية في الحاصل الأخير. وتتضمن هذه القضية العامة جملة من القضايا الفرعية نأمل من القارئ الكريم ملاحظتها جيداً في متن الكتاب.‏

ويشير هذا كله إلى حتمية حدوث استقطابات كبرى مضادة جميعها للنزوع الأميريكي /الصهيوني إلى التفرد بتقرير مصائر العالم. وكمثال، نجد أن ما فعلته دول "نادي باريس" قبل نحو من سنتين ونيف بخصوص /42/ مليار دولار مترتبة على روسيا من ديون الاتحاد السوفييتي السابق يحمل لمسة خاصة ودالة على بعض من مؤشرات تلك الاستقطابات.‏

على أن الأهم هنا بالنسبة لنا هو أن نتذكر أن إنشاء الدولة الاستيطانية الصهيونية إنما تمّ تحت تأثير رغبة الرأسمال الصهيوني القويّ في أن تكون له (أرض) خاصة ينطلق منها ويرتكز عليها، وأن يكون له (مجتمع قومي) يحمل تطلعاته، مع ملاحظة التناقض الحاد والفكه بين هذه الرغبة وبين الطبيعة الكوسموبوليتانية شبه المطلقة لذلك الرأسمال ذي التكون اللاتاريخي بالمعنى الاجتماعي /القومي. ويقودنا هذا مباشرة إلى استكناه جوهر عملية التحالف الفريدة بين الصهيونية وأميريكا حيث الوجود الدولتي لكلتيهما هو وجود استيطاني ولا تاريخاً اجتماعياً له إلا إذا اعتبرنا أنّ عمليات الإبادة الإجرامية العنصرية تشكل تاريخاً حاملاً لهوية وثقافة أساسها وغايتها (عبادة المال).‏

* تقودنا القضية السابقة، ومباشرة أيضاً، إلى قضية (العولمة) التي أخذت تُطرح- في إطار من الثورة في تكنولوجيا المعلوماتية ووسائل الاتصال- على أنها مستقبل البشرية الآخذ في التحقُّق، حيث تنتفي الهويات القومية وتهدر سيادات الدول وحدودها وثقافات شعوبها.. إلى آخره لصالح عمليات السوق المفتوحة بإطلاق، حيث ينعدم كل حافز أخلاقي للوجود البشري وكل قيمة- بإستثناء قيمة ربح المال - ويتم مسخ الكائنات نهائياً إلى كائنات مسطحة تقوم بالإنتاج والاستهلاك وتتجرد من كل عمق وذاكرة ومن كل إيمان بإستثناء الإيمان بالملذات الجسدية البهيمية.‏

والناظر في أطروحات صموئيل هنتنغتون حول "الصراع الأخير" بين الهويات العالمية الخمس الكبرى، بما هي "هويات دينية"، وبإعتبار أن حسم هذا الصراع غربياً ضرورة وشرط لتحقق العولمة، يجد أن (اليهودية) مستثناة في تلك الأطروحات ومُغفلة. ويشير هذا التنظير (لنهاية العالم)- وهذا عنوان كتاب لمنظر موازٍ هو فرنسيس فوكوياما- إلى المنشأ التلمودي لفكرة العولمة، وبالاستناد إلى الأسس الفلسفية لحضارة الغرب الإمبريالي الذي نرى أنه قد جرى تهويده ضمنياً منذ فتراته المسيحية المبكرة.‏

إن الأطروحة الصهيونية بخصوص دولتها الاستيطانية -كما تظهر في كتاب بيريز- تجعلها نوعاً من "الغيتو" الديني الرأسمالي الكتيم الذي يرتدي مسوحاً قومياً مصطنعاً. وعليه فإن ما يفترض أن تحققه (العولمة) يستثني كلياً ذلك "الغيتو" دون سواه، الأمر الذي يعني -في التحليل الصائب - أن تحقيق العولمة هو تحقيق للتصورات التلمودية عن "الإمبراطورية اليهودية" النهائية. لكن، وبما أن الاستقطابات الكبرى للقوى العالمية تكاد تكون ناجزة أو إنها قيد الإنجاز، تبدو الصهيونية مرغمة على التكيف مع حركة التاريخ، فتبادر إذاً إلى العمل على إقامة "استقطابها" الخاص مستفيدة من الظروف الانتقالية الراهنة، وتولد بالتالي مرحلة (الشرق الأوسط الجديد) التي هي امبراطورية اقتصادية/ ثقافية صهيونية مرحلية تندرج ضمن الاستقطابات الكبرى وتتميز عنها بأنها خطوة نحو الإمبراطورية الخرافية التلمودية التي يأمل الصهاينة أن يتمّ إنجازها تحت شعار (العولمة) الكاملة.‏

* إن آخر القضايا التي يمكن استخلاصها هنا هي ما يهمنا فعلياً: كوطن عربي، وكعالم إسلامي، وكمنطقة أو مجموع اقليمي. فما هو ملاحظ بما لا يقبل الشك هو انصباب الفعالية القصوى للحلف الصهيوني الأميريكي على الوطن العربي، وعلى عمقه الاستراتيجي الإسلامي، ومداه الإقليمي المتنوع.‏

والوطن العربي - صدقنا ذلك أم لم نصدقه- هو فعلاً "قلب العالم" :موقعاً وثروة وعراقة أصالةٍ تاريخية حضارية مؤسِّسةٍ ومؤصِّلة. وليست هناك قوة كبرى لا مصلحة لها فيه أساساً، بصرف النظر عما يقال من "إن العالم قد صار قرية كونية صغيرة".‏

إنه في النهاية ساحة التصارع الأساسية بين القوى العالمية: ماضياً وحاضراً، ومستقبلاً أيضاً. وهذا الوطن/ القلب قد دفع ولا يزال يدفع أكثر من سواه ضريبة النموّ والاستمرار الرأسماليين الامبرياليين. وشروط المرحلة الانتقالية الآن، في الأوضاع والتوازنات ومعادلات علاقات القوى العالمية، تبدو كأنما تضع العرب موضع الامتحان الصعب بخصوص البقاء الناجع أو الخروج الفعلي من التاريخ إلى هوامشه الميتة. وفيما تستسلم بعض القوى والأنظمة العربية لمسألة الخروج من التاريخ، وفيما يدير بعض آخر ظهره للامتحان المذكور إدارة سلبية، يقوم بعض ثالث بخوض معركة البقاء مستخدماً كل ما يمكنه استخدامه من إمكانات. ومن الإنصاف القول: إن سورية العربية هي قائدة هذا الاتجاه في هذه المعركة المصيرية مستعينة بعدد من القوى العربية والإسلامية والإقليمية ومحركةً بمهارة ظروف المعركة وممكناتها، ومستفيدة إلى أقصى مدى ممكن من الفرص المتاحة في مستجدات الأوضاع الدولية. وعلى هذه الأسس تم كسب "نقاط" مهمة -تكتيكية واستراتيجية- إبان الحوارات الصعبة التي تركزت في دمشق حول إقرار (ورقة التفاهم) المتعلقة بوقف إطلاق نار الصهاينة على المدنيين اللبنانيين كمثال.. وبتأثير التفاهم السوري/ المصري، ثم السعودي لاحقاً، وبدفع من قوة الفعل السياسي السوري أساساً، لم يحضر غالبية العرب "مؤتمر الدوحة" المنعقد برعاية أمريكية وحضور صهيوني في أواخر عام 1997.‏

وبالطبع، كسب الاتحاد الأوربي ويكسب مكاسب هامة في المنطقة: سواء عبر مؤتمر برشلونة ومشروع "السوق المتوسطية" -الذي يبدو بديلاً ملائماً للتفرد "بالشرق الأوسط الجديد"- أو حتى بدخول فرنسا إلى جانب أميريكا في اللجنة المعنية مباشرة بتطبيق بنود (ورقة التفاهم) سابقة الذكر.. غير أن في ذلك كله أيضاً مكاسب مباشرة وغير مباشرة للقوى العربية والإقليمية التي من مصلحتها كسر التفرد الأميريكي /الصهيوني في ترتيب أوضاع المنطقة.‏

على أن الدلالة الأهم في ما حققته هذه القوى هي أن توسيع قواعدها الشعبية على مستوى الوطن العربي والبلدان الإسلامية المختلفة- في إطار برنامج واضح لمقاومة هيمنة الحلف الصهيوني/ الأميريكي- إضافة إلى تحقيق حدّ أدنى من التضامن بين شعوب المنطقة ودولها التي لا مصلحة لها في الخضوع لتلك الهيمنة، كل ذلك يمكنه أن يوفر مقدمات هامة وفواعل إيجابية قوية في إعادة صياغة التوازنات الدولية والإقليمية صياغة تستجيب ولو للحدود الدنيا من المصالح المشتركة بين شعوب المنطقة.‏

***‏

إننا نرى -بعد هذا الذي قدمناه -أن أطروحات كتابنا هذا وتحليلاته واستنتاجاته الرئيسة لا تزال صحيحة، وسوف تظل صحيحة على مدى غير قصير، ما لم تحدث مفاجآت حادة وحاسمة في مركّب توازنات القوى العالمية.. هذه التوازنات التي نرى أن سمتها الأساسية الراهنة هي الفوضى، حيث يمكن للترسانة الأميريكية أن تتحرك (بحريّة السلبطة) كي ترمم ما يمكن ترميمه في البنيان الأميريكي: الاجتماعي /الاقتصادي/ الثقافي/ الأخلاقي، المأزوم أزمة عميقة ربما تكون طاحنة.. وحيث يمكن للصهيونية المتمترسة هناك أن تستفيد من تلك الفوضى كي تعجّل بإرساء المقدمات الضرورية لبناء ( الإمبراطورية التلمودية العالمية)، معمقة أزمات أميريكا كي تتمكن من ابتزازها إلى الحد الأقصى!‏

ما يبقى علينا أن نقوله في ختام هذا التنويه هو أننا جميعاً يجب ألا نكون (ضحايا أمل كاذب)، بل علينا- رغم كل شيء- أن نكون صُنّاع الأمل بمستقبل أكثر عدالة لنا وللبشرية جمعاء. فميّزة حركة التاريخ هي أنها -في جوهرها- لا تعرف الثبات، وأن الصراع فيها لا يمكن أن ينعدم ولا حتى أن يتوقف. وعراقة الحضارة لدى أمة كالأمة العربية يجب -بحكم منطق الأشياء، وبالإستناد إلى الدروس الكبرى في التاريخ -أن تكون كفيلةً بتحريضٍ لإجتراحِ معجزة الإنقاذ ولو بعد حين.‏

المؤلف -كانون الثاني 1998.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244