|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:50 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
مدخل -1- يقول أحد التعريفات الشائعة للسياسة: إنها فن الممكن. ويعني هذا التعريف ببساطة أن السياسي محكوم، في حركته داخل أطر العلاقات الدولية القائمة في زمنه، بحجم وعدد "أوراق القوة" التي يملكها بلده، سواء كانت أوراق القوة هذه نابعة من حقائق واقعية داخلية أو مستمدة من عناصر الضعف الخاصة بالخصم. فممارسة السياسة هي -في نهاية المطاف- عملية صراع مستمرة بصيغ قد تكون بالغة التنوع، تخوضها "بنية فوقية معينة"، في دولة مجتمع معين، لغاية تحقيق ما يفترض أنه المصالح العليا لهذا المجتمع. والصراع هنا هو كما المصالح: مشروط- ومشروطة- بمستويات النمو في ذلك المجتمع، مثلما بالأفق الحضاري العالمي القائم، وأشكال تجلياته المختلفة. فالكل مترابط تركيبياً وبصورة ديالكتيكية مستمرة الحركة، شئنا ذلك أم أبيناه. وإذا حاولنا نقل التفسير السابق إلى مجال أوضاعنا العربية الراهنة فإنه يمكننا أن نرى ما يلي وبإيجاز شديد: * هناك سياسات عربية لا سياسة واحدة، لأن هناك دولاً عربية تتقاسم "مشهد موجودية الأمة" وإدارة مصالحها: ليس بأشكال وصيغ مشتتة وحسب، بل بتعارض متناقض إلى حد التحارب العسكري وغير العسكري في أحيان كثيرة، وإن لم نقل: غالبة! * إن الأفق الحضاري العالمي الراهن هو أفق الهيمنة الإمبريالية الإبتزازية النهّابة. حيث تتمركز، منذ قرون، عناصر القوة المباشرة التي تصنع (هيبة الدولة) وهي: (القوة العسكرية- قوة المال- قوة المعرفة العلمية والتكنولوجية) وذلك وفقاً لقواعد حضارة هذا العصر ذاتها. *إذا كان الثقل الضاغط للهيمنة المذكورة قد طال العالم برمته فإن وطأته الأشد لا تزال منصبة على المنطقة العربية لأسباب كثيرة: استراتيجية واقتصادية وثقافية.. وفي جملة الظواهر التي تكونت من نتائج وطأة الهيمنة هنا: إنشاء الكيان الاستيطاني الصهيوني. وقد استلزم إنشاء هذا الكيان والإبقاءُ عليه تكريس الوجود المجزأ للأمة العربية، إضافة إلى ما يقدمه هذا التكريس من شروط مساعدة على استمرار الهيمنة الإمبريالية المذكورة. *خلال نصف القرن المنصرم ارتبطت المصالح العربية العليا بضرورات مكافحة العدوان الاستيطاني ومستجراته، مثلما ارتبطت - أو لنقل ترابطت جدلياً- بأشكال الابتزاز الامبريالي الذي صار الكيان الاستيطاني الصهيوني نوعاً من "رأس جسر" مباشرٍ له. وفي ذلك تباينت اتجاهات السياسات العربية، وتناقضت إلى درجة حدّيّةٍ في مرات وأحوال غير قليلة. *يمكن القول -عموماً- إن محصلة الصراع العربي ضد الإمبريالية والصهيونية، أي ضد الاستيطان والنهب، هي "الهزيمة".. حتى الآن، وبصورة إجمالية! وهي ليست هزيمة استراتيجية نهائية. ومع ذلك فإن مجمل الأوضاع المتحصلة فيها تبيح للكثيرين أن يفسروا مسألة (فن الممكن)- بما هذه العبارة تعريف للسياسة، حسبما سبق لنا القول بأنه ما عاد يتجاوز، في الشروط المحلية والعالمية الراهنة، إمكانية التخلي عن خصومة ومقاومة "ثبت" أنه لا جدوى منهما!.. وعن أهداف ومشروعات نهضوية وقومية وتحررية "ثبت" أنه لم يعد هناك مجال لتحقيقها!!.. وفي هذا الإطار تدور اتجاهات غالبية السياسات لغالبية الدول العربية حسبما صار معروفاً بصورة لا تقبل الجدال. *في هذه الشروط جميعاً جرى (إخراج "عرض" السلام) على العرب: دولاً وتنظيمات معنيةً مباشرة بأمر الصراع أو غير معنية.. وتم سريعاً نقل "مسرح العرض" من (خشبة الشرعية الدولية) إلى خشبة الصفقات السرية، فغرق من غرق كما هو معلوم.. وقاوم الغرق من قاوم كما هو معلوم أيضاً! والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: -هل حقاً إن ممارسة "فن الممكن"، في ماهو راهن عربياً، لا تتضمن إلا عدداً محدوداً من الخيارات.. أم إنه- ضمن الحدين الأدنى والأعلى للذاتي والموضوعي في سياق علاقاتهما المتبادلة واشتراطات كل منهما- يمكن سياسياً استيلاد المزيد من الخيارات الأفضل مما هو مطروح كإلزام؟! -2- هل ما يطرح على العرب -بنوع من الإلزام- هو "سلام" بالفعل، أم إنه شكل جديد من أشكال الحرب، ومستوى جديد من العدوان؟! هذا التساؤل هو ما يحاول كتابنا هذا أن يجيب عليه من خلال "عملية التشريح" التي قمنا بها للمشروع -أو برنامج العمل - الصهيوني المقبل في منطقتنا، والمنشور في كتاب بعنوان: (الشرق الأوسط الجديد) يحمل اسم الجنرال شمعون بيريس على أنه مؤلف له. وقد عمدنا في "عملية التشريح" هذه إلى الابتداء برسم صورة عامة للمسرح الدولي، بمختلف قواه، وكما هو الآن: بتوتراته، وقلق توازناته، واضطراب حركته، والأزمات البنيوية الشاملة التي تجتاحه.. ثم بالاحتمالات الممكنة للتطورات المستقبلية التي ينطوي عليها ذلك كله. وبعد ذلك، قمنا بتحليل ومراجعة أهم أطروحات المشروع /البرنامج الصهيوني: فصلاً فصلاً، مستندين إلى جملة من الثوابت الناظمة لحركة التاريخ العام كي نبرهن على أن سيرورة هذه الحركة في منطقتنا -كما في العالم كله- لا يمكن أن تبرمج بالقوة، مثلما لا يمكن إخضاعها لرغبات الأقوياء الذين يريدون لها هذه البرمجة. وفي إطار ذلك قمنا بمعايرة أطروحات المشروع/ البرناج المذكور على الوقائع التاريخية الثابتة، واستدللنا- في كثير من الأحيان- على صحة تلك المعايرة بالوقائع المستجدة يومياً.. وكل هذا لإبراز ما يمكن أن نسميه "الفضائح المفهومية"، وإبراز عمق التزوير والدجل اللذين قام عليهما المشروع /البرنامج، وإيضاح غاياته الحقيقية ومرجعيته الثابتة في التعاليم الصهيونية. وقد بينا في الفصل الأخير من كتابنا هذا مدى التطابق الكلي بين أطروحات الجنرال بيريس وبين أساسيات (الجهاز المفاهيمي الصهيوني) الذي كان إنشاء دولة الكيان الاستيطاني الثمرة العدوانية الكبرى له على الأمة العربية، مثلما هذه الدولة -وحسب الجهاز المفاهيمي المذكور- هي الثكنة/ المنطلق لإنجاز وإكمال بقية الخطط والأهداف العدوانية على العرب!.. ودائماً كان الترابط الصميمي بين الإمبريالية والصهيونية موضوعاً في حسابنا كأساس لذلك كله. وقد عمدنا في "الكلمة الختامية" إلى مراجعة أهم الأطروحات الشائعة الآن عالمياً -أو المشيعة عمداً- حول قضية: انحسار مفهوم الدولة/ الأمة لصالح ما يسمى (العولمة)، وما سميناه نحن "الإدارة العالمية الكوسموبوليتانية العليا" لعمل الكتل الاقتصادية الإمبريالية. وإذا كنا قد أوضحنا بشيء من الاختصار، تهافت تلك الأطروحة على المستويين: التاريخي، والواقعي الإجرائي، رغم ما يطفو الآن من ظواهر على سطح حركة القوى الإمبريالية التقليدية المأزومة، فإنه ليؤسفنا أن نكتشف أن أعداداً من مشاهير المفكرين والمثقفين العرب غارقون -معتمدين أو بحسن نية- في التبعية الثقافية للغرب الإمبريالي إلى درجة يصح معها أن نقول: إن مؤسسة استغراب حقيقية -من حيث مستوى فعاليتها في الوعي العام، ومن حيث مردوداتها السلبية- قد حلت بقوة محل مؤسسة الاستشراق القديمة.. بوسائل مختلفة ولغايات ليست خافية. وقد أشرنا إلى ذلك في موضعه من فصول هذا الكتاب. -3- في الفقرتين السابقتين وضعنا ما هو سياسي إجرائي عربي أمام ما هو "مفهومي/ برنامجي" في العمل الصهيوني/الإمبريالي الذي يتموّهُ بيافطة (السلام!).. وإن يكن ذلك بمنتهى الإيجاز. والسؤال الذي أنهينا به الفقرة الأولى - وهو أساساً موجه إلى "رجل السياسة" العربي- يمكن أن نكمله بما يلي: -قد يجد رجل السياسة العربي نفسه مجبراً، في الشروط العربية والدولية الراهنة، على توقيع اتفاقيات لن تتضمن حتماً إلغاء العدوان الذي تم على الأمة حتى الآن، مثلما توجب إيقاف مقاومة هذا العدوان ولو مؤقتاً /ولنلاحظ أننا لا نتكلم عن جماعة الصفقات ومتابعيهم/ والسؤال الإكمالي هنا هو: إلى أي مدى يمكن ويجب إستيلاد الخيارات الملزمة بحفظ روح المقاومة الشعبية العربية للعدوان مستقبلياً.. وكيف يمكن حمايتها وإعادة ترتيبها، وعياً وروحيةً، في سياق آليات الممارسة الإدارية الداخلية؟ لقد قال الرئيس حافظ الأسد في إحدى خطبه المشهورة قبل عدة أعوام: (لماذا يجب أن نورث أجيالنا المقبلة هزائم ممهورة بالصكوك)؟! ولعله من حقنا وواجبنا ونحن نختتم هذا المدخل، أن نكرر تلك القولة الهامة، ولو بشيء من التعديل، الآن: -بلى!.. ومن أجل ماذا يجب توريث تلك الأجيال المقبلة هزائم ممهورة بالصكوك؟! -المؤلف- نهاية شباط/ فبراير 1995. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |