|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:50 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ثالثاً: مركز الشرق الآسيوي المتنوع قد يكون من الأفضل هنا أن ننظر في إجمالي الوضع التاريخي والراهن لهذا المركز كي نستطيع الدخول إلى ما يهمنا من تفصيلات، وإلى ماهو محتمل من انعكاسات ذلك على منطقتنا وما يجري فيها. ومبدئياً نشير إلى أن مجموع دول شرقي آسيا- غنيها وفقيرها، رأسماليها واشتراكيها- قد تكوّن ثقافياً باعتباره (العالم الصيني) بما في ذلك اليابان نفسها.. وهذه إحدى الحقائق الأولية ذات الأثر الهام جداً في التطورات المستقبلية لأوضاع هذا المركز التي تبدو الآن شديدة التنافر، بل إن لها طابعاً تناحرياً لم ينقصه الدم الكثير منذ أن دخلته أميريكا حتى الآن، ناهيك عن "تورثيات!" الإمبرياليين اليابانيين الذين هزموا في الحرب العالمية الثانية. على أن ثقافة هذا العالم الصيني، سواء كانت بوذية مطورة، أو كونفوشية، أو تاوية- وهذا المجموع هو الذي يشكل الأرضية الروحية الحية التي تتحرك عليها سائر البنيات التحتية هناك- هي ثقافة تنبني منظومتها القيمية المرجعية على ما هو، تماماً، عكس المنظومة القيمية الأوربية التي تجعل الإنسان ملكاً للثروة أو عبداً لها... حتى إنه ليصح القول نسبياً: إن الاشتراكية أو الرأسمالية في "العالم الصيني" أقرب إلى الوسيلة للحفاظ على البقاء في عالم صنعته الشايلوكية الأوربية، إذ يظل الإنسان عموماً في ثقافة ذلك المركز هو الأصل، وطموحه الروحي إلى تجاوز محدودية كينونته المادية الآنية هو السمة الغالبة على سائر أنماط الحياة وتفرعاتها في مختلف أنحاء دوله إجمالاً. وينبثق " نظام الطاعة" بمختلف صيغه هناك من تلك الحقائق الثقافية/ القيمية وجملة الاعتقادات المرتبطة بها خلال التاريخ. وهو لا يزال نظاماً راسخاً في إجمالي الحياة الشعبية إلى الآن.(* وإذا كان تاريخ ترسمل اليابان لا يمتد لأكثر من قرن واحد، فإن تاريخ اشتراكية الصين الخاصة بها يمتد نحواً من نصف قرن فقط، أما الدول الأخرى فقد عرفت الاستعمار الأوربي- كما قد عرفته الصين- وخبرت جرائمه وبشاعاته، مثلما عانت من مستجراته قبل أن يترسمل بعضها (الدول الغنية المسماة بالنمور الآسيويّة) اعتماداً على أنها سوق رخيصة لليد العاملة، مربحة للشركات الكوسموبوليتانية/ فوق القومية. وقد ساهم الرأسمال اليابانيّ بقوة في ذلك، لأسباب تتعلق بخلق (امتدادات قارية ضامنة): ضد الهيمنة الأميريكية من جهة، وضد "خطر" شيوعية الصين من جهة أخرى! ولايشير التاريخ العام " للعالم الصيني" إلى وجود صراعات متأصلة يمكن معها القول إن ثمة "مستحقات خطرة مؤجلة" لحركة التاريخ قد يتوجب دفعها بأي صورة من الصور الشبيهة لمثيلاتها في أوربا، وإنما هناك صراعات رأسمالية يابانية/ قارية قبل الحرب العالمية الثانية، وصراعات من فترة الحرب الباردة: رأسمالية/ شيوعية، وشيوعية/ شيوعية.. وإذا لم يكن قد تم تجاوز كثير من مستجراتها فإن الروحية الخاصة بهذا المركز والمنبثقة من ثقافة واحدة- على تنوع اتجاهات أنساقها- كفيل بأن يحقق ذلك دون إخلال بنيوي مبهظ، خصوصاً وأن الأوضاع العالمية المستجدة تنشئ لجميع شعوب هذا المركز احتياجات تضامن أعلى من أجل البقاء الناجع. وهذا التضامن ليس جوهره القيميُّ ذرائعية التكالب على امتلاك الثروة كما في "الوحدة الأوربية"، بل هو جوهر قيميّ يقع على الطرف النقيض لذلك تماما حسبما سبقت الإشارة(* قبلاً .. وسوف نعود لاحقاً إلى هذه المسألة. إن العالم الصيني ينقسم من الوجهة الاقتصادية إلى ثلاثة أقسام متمايزة: -اليابان، ومجموعة النمور الآسيوية المترسملة وهي سبعة : أبرزها(كوريا الجنوبية، وسنغافورة، وتايلاند وماليزيا، وهونغ كونغ..) ويصل الفائض الرأسمالي في أغلب هذه"النمور" إلى نحو من مائة مليار دولار. -الصين الشيوعية التي أخذت تتبنى مؤخراً نظام اقتصاد السوق متلافية بذلك حدوث "صدمة خطرة" فيها تؤدي إلى تفكك قومي أو تحلل بنيوي. -مجموعة الدول الصغيرة الفقيرة المنتمية إلى عالم الجنوب. وخلال"نظرنا" في أوضاع هذا المركز سوف نصب جهدنا على اليابان والصين مهملين الدول الفقيرة المنتمية إلى عالم الجنوب من جهة، وصارفين النظر عن "النمور" التي سنجازف بالقول: إنها تصير، بتواتر سريع، نوعاً من الاستطالات القارية الصناعية لليابان، بقدر ما تبدو مرغمة على محاباة الصين.. وربما على الدوران في فلكها قريباً! فلنبذأ إذاً من اليابان. قلنا إن تاريخ الترسمل الياباني لا يمتد إلى أكثر من قرن واحد.. وعليه، فهو عاجز بالتالي عن أن ينسف أسس الروحية اليابانية الخاصة المرتبطة تاريخياً- [وبقوة]- مع ثقافة ( العالم الصيني) ارتباطاً راسخاً. وبالتالي، فهو مضطر للتكيف أو لتكييف السمات العامة لرأس المال مع خصائص تلك الروحية السائدة في مجموع البنى التحتية الحاملة له. وإذا كان قد أخضع تلك الروحية بالقوة، قبل الحرب العالمية الثانية، لقيم الرأسمال عموماً فإن ذلك قد كان في ذروة هيمنة أوربا ونشاطها.. أما الآن- وبعد دروس صعبة منذ تلك الحرب- فهو مضطر لانتهاج ذلك التكييف الذاتي مع روحية بناه التحتية، خصوصاً وأن الخلل البنيوي العالمي لعصر الحضارة الرأسمالي قد بدأ ينشب بقوة، نتيجة فساد تلك القيم الذرائعية الوحشية والعلاقات المنبنية عليها، نشوباً له طابع الكارثة الحيوية الكلية المحتملة. وإذا كان أبرز ما في تاريخ الترسمل الياباني وما حققه من تقدم تقني، فتقدم تكنوالكتروني، هو اعتماده على نظام الطاعة التقليدي، وعلى استيراد "المعرفة" أولاً من أميريكا، فإنه أيضاً يقوم على قاعدة عميقة من القلق! فاليابان لا تملك موارد منجمية خاصة مهمة مثلما لا تملك الموارد الطاقية اللازمة.. وأكثر من ذلك، هي لاتملك زراعياً ما يوفرلها الحد المقبول من"الأمن الغذائي" الذاتي. ناهيك عن أن اليابانيين يعرفون جيداً أنه كان دائماً في رأس قائمة الخطط المحتملة، الموضوعة كخيارات استراتيجية نهائية لأميريكا، المجازفة باحتلال اليابان عسكرياً إذا ما اقتضت "الضرورة الأميريكية" ذلك! وكمانعلم، فالأميريكيون متعودون على "تهذيب!" اليابانيين ذرّياً!.. غير أن الأمر- في تقديري على الأقل- صار مختلفاً جداً بالنسبة للأميريكين، ربما بسبب الجوار الياباني/ الصيني- على خلاف مابين الطرفين- حيث تمتلك الصين قوة عسكرة متنامية تشكل رادعاً مقبولاً للإخلال بالأمن الإقليمي، وبمجموع توازناته، لصالح أميريكا..وربما أيضاً بسبب نمط التقدم والفعالية اليابانيين اللذين يبدو أن حسابهما قبلاً قد جرى بدقة مقبولة. ويزعم توفلر في نهايات كتابه(تحول السلطة) أن : اليابان لم تمتلك حتى عام 1990إلا واحداً من عناصر السلطة الثلاثة التي هي في نظره: (الامكانات العسكرية، والثروة، والمعرفة). فهي لا تمتلك إلا المال ثم المال!..ولذلك فهي تحاول أن تعيد توازن سلطتها وتتجه إلى اكتفاء عسكري ذاتي ملائم، حيث صارت ميزانيتها العسكرية تحتل المرتبة الثانية في العالم بعد الولايات المتحدة، وبعد انحلال الاتحاد السوفييتي السابق، بينما يكبح"مجمّعها الصناعي الحربي" رغبته الشديدة بإنتاج ترسانة رادعة قوية مع قدرته على إنجاز ذلك بسرعة. ولعل هذا التوجه، إضافة إلى التأزم الأميريكي المعروف جيداً لليابان، هو أفضل مايفسرلنا"التعنت الياباني!" في مواجهة المطالب التجارية وغير التجارية الأميريكية.. مثلما يجب تفسير مجمل "الموقف الآسيوي" من تلك المطالب بتوجهات اقليمية جديدة هناك نحو تعاون متبادل أوسع قد يتحول سريعاً إلى تكتل ضخم على غرار "الوحدة الأوربية"، خصوصاً وأن الوضع المأزوم في أميريكا يلزمها بمزيد من التراخي الفعلي.. إضافة إلى الحجوم الهائلة للرساميل اليابانية المستثمرة في القارة، مع التغيير الصيني الواسع والناجع باتجاه اقتصاد السوق، حيث يتم ذلك كله في الإطار العالمي من المشكلات والصراعات التي سبق توصيفها. وقد سبق القول أيضاً أن اليابان عملت على نقل اقتصادياتها- دون صدمات أوهام-نحو التكييف السريع لوسائل انتاجها مع مقتضيات الثورة التكنوإلكترونية منذ مستهل السبعينات. وإذا كانت ولاتزال تستورد " المعرفة" أو بعضاً من أهم "مفرداتها" فإنها الآن تنافس أميريكا في مجالات البرمجة المعلوماتية الذكية الراهنة- والخارقة الذكاء مستقبلاً- وربما تسبقها في بعض الجوانب المتعلقة بتحسين تلك النظم وتسريع تطورها. ولأن اليابان تكيفت بسرعة مع هذا المستوى التقنيّ الجديد،فإنها قد تجاوزت بالسرعة ذاتها حدود معطيات "خطوط الإنتاج الطويلة" في المصنع التكنولوجي الضخم القديم، واعتمدت دورة "خطوط الإنتاج القصيرة" ذات المردود الأكثر ملاءمة لمتطلبات أسواق الاستهلاك.. الأمر الذي وفر لها إمكانية اكتساح الأسواق الأميريكية حتى في داخل أميريكا، بل إن الرساميل اليابانية تمكنت من تملك أعداد من أهم الشركات الأميريكية تملكاً كاملاً أو جزئياً في ميادين مختلفة. ويمكن أن نعتبر هذا الاكتساح- إضافة إلى الاستثمارات الهائلة في القارة- شكلاً من أشكال الضمان ضد الاحتمالات الخطيرة، ربما كان مبرمجاً له بحصافة أن يكون كذلك.. مادام اليابانيون لديهم من أسباب القلق الجوهرية ما سبق أن ذكرناه، ونظراً لأنهم حتى بداية التسعينات مجردين من الآلة العسكرية المتناسبة مع نموهم الاقتصادي الضخم المعروف. غير أن اليابانيين يعرفون جيداً مقولة أن (الرأسمال لا وطن له)، وفي الوقت ذاته لايجهلون طبيعة المفارقة الحادة بين التوجه الوطني الطبيعي للناس، منتجي الثروات، وبين كوسموبوليتانية الكونسر سيومات فوق القومية مثلما يدركون بقوة معنى وثقل الانتماء إلى "المجموع الثقافي الواحد" في القارة، بل نجازف بالقول إنهم يحتاجون احتياجاً بالغاً إلى توطيد وتفعيل ذلك الانتماء في الشروط الراهنة..إن لم يكن منذ هزيمتهم في الحرب العالمية الثانية. وقد تكون النقطة الأخيرة هي أحد أهم الأسباب الدافعة، ما وراء الاقتصادية، لخلق"محيط حيوي صناعي" مرتبط بهم داخل القارة: هي تلك "النمور" التي صارت التوقعات الجادة توصلها إلى "دزينة كاملة" مع نهاية هذا القرن. وإذا كانت أميريكا- في البداية- غير بعيدة عن صناعة هذه النمور أصلاً فإن تطورات أوضاعها تكاد تحصر موجوديتها هناك في تواجد عسكري لعل أبرزه: تواجدها في كوريا الجنوبية. على أن هزيمتها المشهورة في فييتنام قد شكلت صدعاً عميقاً في طبيعة هذه الموجودية وفعاليتها، وفي مردوديتها الاقتصادية بالنتيجة.. وهذا ما يجب أن يؤخذ بكامل الاعتبار في الواقع!(* . ولايوازي الترابط بين اليابان وامتداداتها القارية ماكان من ترابط بين أوربا واستطالاتها: الأميريكية وغير الأميريكية في شيء. فالنمور الأسيوية ليست "مستوطنات" ذات مجتمعات هجينة، لاتجمع بين مكوّناتها غير روابط المنافع المادية!لا.. إن الوضع هنا مختلف كلياً، وبصورة جذرية! إن التاريخ الثقافي المتكامل لمجموع "العالم الصيني" والقرب الجغرافي الذي يهيئ لاستمرار التفاعل الحي بين خصوصيات الأنساق داخل ذلك المجموع، هما عاملان عميقا التأثير باتجاه أن يأخذ هذا المركز المتجانس سمة: المجموع المتكامل اقتصادياً. أما "نظام الطاعة" المتوارث فهو يشكل المحور الجامع والمولد لميكانيزمات النشاط الكلي في هذا المركز الآسيوي الفسيح، مثلما يساعد بقوة على رسم وبرمجة حدوده وآفاق تطوراته وتجليات فعاليته. ولأن هذا المجموع-باستثناء الصين- مازال لايمتلك"الآلة العسكرية" الحامية الرادعة امتلاكاً فعلياً في شروطِ منافسةٍ صراعيةٍ عالمية، مستعرة وضاربة في الأعماق، فإن كل ماهو متعلق بواقع الحال في ذلك المركز الآسيوي المليء يجعلنا نفكر مباشرة في "مرجعه التاريخي الأم": الصين. لقد أشرنا إلى أن الصين الشيوعية- والمعترف بها كدولة عظمى- تقوم الآن بحركة تحول محسوبة جيداً، على مايبدو، نحو اقتصاد السوق. وجغرافياً تشغل الصين مساحة تزيد عن قارة أوربا مجتمعة. أما بشرياً فهي تضم نحواً من مليار ومائتي مليون نسمة أي أكثر بقليل من خمس سكان العالم. وإذا كان هذا قد شكل لها مصدر قلق معاشي قبلاً، فإنه مع التحول نحو اقتصاد السوق يشكل مورداً هائلاً للقوة العاملة.. وليس أدل على صحة ذلك من أن وتائر النمو الاقتصادي في الصين تستقر منذ عدة سنوات- أي منذ التحول نحو نمط اقتصاد السوق- على حد 13إلى 14%. وقومياً لايشبه المشهد الصيني ذلك المشهد الفسيفسائي الذي رأيناه في أوربا أو أميريكا. إن المجموع القومي في الصين يتألف من عدد محدود نسبياً من القوميات.. وعموماً هو مجموع قوي التجانس ثقافياً وروحياً. وفيما كانت القوى الرأسمالية العالمية تأمل في انهيار صيني كارثي على الطريقة السوفييتية، فإن الصين قد خيبت تلك الآمال بوتائر النمو العالية المتحققة المشار إليها قبلاً، لدرجة أنها قد أثارت ارتباكاً مزعجاً مقلقاً لكل من أمريكا وأوروبا على حد سواء(* أما قوتها العسكرية فقد تكون في المرتبة الثالثة أو الرابعة عالمياً لكنها ربما كانت تتجهز للتتحول سريعاً إلى قوة ثانية أو حتى موازية للقوة العالمية الأولى خلال ربع القرن القادم.. فكل شيء لا يزال يدور خلف (أسوار الصين) بسرية وتكتم لا يمكن تجاهل دور (نظام الطاعة) فيهما. وفي إطار الأوضاع العالمية الراهنة فإن الصين- وهي شبه القارة المليئة، من سائر الوجوه- ربما كانت مرشحة لتعود (مركز استقطاب) لعالمها القديم بالشراكة مع اليابان.. وذلك استناداً إلى وحدة التاريخ الثقافي العام في آسيا الشرقية، واستناداً إلى حاجة اليابان القلقة أصلاً- والتي تفاقم المستجدات العالمية من قلقها- إلى مثل هذه الشراكة في الاستقطاب، حماية لمصالحها ولمصالح الجميع في هذا المركز الواسع ذي الثقل الذي لم يعد عادياً! ولعل أولى مقدمات هذا الاستقطاب -وهو قد يكون مازال بعيداً قليلاً بالطبع- قد ظهرت في طريقة التعامل الآسيوية التي بدت موحدة حيال أمريكا في مؤتمر التعاون بين دول "عبر المحيط الهادي". وإذ تحقق فعلياً هذا (الاستقطاب المتشارك) بين الطرفين الآسيويين العملاقيين وتوابعهما حيث ستجتمع بسرعة عناصر القوة الثلاثة: المال، والقوة العسكرية، والمعرفة.. إضافة إلى الثقل الحضاري التاريخي الراسخ، فإن السؤال الذي سيطرح نفسه بقوة هنا، على أوروبا من جهة... وعلى أمريكا خصوصاً من جهة أخرى، هو: أية تغييرات زلزالية الطابع ستشهدها معادلات التوازن الهشة في العلاقات الدولية الراهنة سواء منها ماهو مستمر أو مايعاد ترتيبه؟! بالطبع، لسنا قادرين على إجابة لسؤال بهذا الحجم.. خصوصاً وأنه يتناول موضوعاً مطروحاً كاحتمال مستقبلي، رغم أن عناصر الاستقطاب المذكور قبلاً تتوفر بمزيد من التواتر يوماً وراء يوم. غير أن ثمة ملاحظات نرى أنه لابد من الإلماح إليها هنا، مع أخذها بكامل الاعتبار، في مايخص مانحن بصدده في هذا الكتاب. - الملاحظة الأولى: هي أن لسائر القوى الآسيوية النشطة- والآن!- مصالح حيوية في منطقتنا العربية، والشرق أوسطية: سواء كسوق أوكمصدر للطاقة.. أو حتى كميدان رئيسي بالنسبة للصراعات المحتملة مع القوى الكبرى الأخرى. - الملاحظة الثانية: هي أنه رغم مانعرفه من سمات تقليدية مشتركة لحركة سائر الرساميل العالمية، فإن الرساميل الآسيوية لا تستند- في جوهر خصوصية عوامل إنتاجها قومياً- على منظومة القيم البراغماتية الغربية المتوارثة في أساس البنيان الثقافي التاريخي العام للغرب واستطالاته الاستيطانية. فلا البوذية ولا الكونفوشية ولا الطاوية -ومجموعها هو كما قلنا مجموع البنيان التاريخي الثقافي والروحي لآسيا الشرقية- تحمل في ذاتها، أو يمكن أن يعاد تحميلها الآن بمثل ذلك "الزخم القيمي" المشوه للبراغماتية الغربية، بما كان ومايمكن أن يكون له من مستجرات فظيعة على سائر البشرية. ولايعني هذا-طبعاً- أن حركة الرساميل الآسيوية خالصة مخلّصة من اعتبارات المصالح وراءها، لكننا نريد القول: إن فرق النظام القيمي العام ومستجراته في حركة رساميل مقودة ومنتجة ومسيّرة بأسس الروحية الآسيوية قد يكون فرقاً شاسعاً بالقياس إلى نظيره الغربي/ الشايلوكي كما عرفه العالم خلال القرون الخمسة الماضية. -الملاحظة الثالثة: هي أن عالم آسيا الشرقية (نظيف) تقريباً من الوجود اليهودي_ ونذكرّ هنا أن كلمة "نظيف" هذه هي من مبتكرات العقلية البيوريتانية الأنغليكانية، وليست لنا!- ومن الميول الشايلوكية الضارية. واستناداً إلى ما أوردناه في الملاحظة الثانية، فإننا نعرف أن العلاقات الآسيوية الشرقية بقضايا الصراع العربي الصهيوني كانت دائماً علاقات موضوعية رغم الضغوط القوية للذراع الرأسمالي الشايلوكي. وفي الظروف المحتملة مستقبلاً ربما صارت أكثر اتصافاً بمزيد من الموضوعية.(* وفي كل الأحوال فإنِ الترتيبات المستعجلة التي تلح أميريكا، بالتحالف مع الذراع الأخطبوطي الصهيوني على "إنجازها" بسرعة في المنطقة هي ترتيبات تضر بمصالح آسيا الشرقية استراتيجياً.. إذ إنها لاتهدف إلا إلى تطويع تلك المصالح -مثلها مثل غيرها من مصالح القوى الكبرى الأخرى- للهيمنة المشتركة التي يتقاسمها الذراعان المذكوران، "كل على قدّه!" في منطقتنا الهامة.. المستهدفة والمنكوبة! على أن ثمة تساؤلاً مهماً يجب أن يطرح نفسه بخصوص العلاقة بين المركزين: الأميريكي والأوروبي، وبين مركز الشرق الآسيوي، هو: هل يمكن لأميريكا وأوروبا-المتحالفتين حتى الآن،ولو تحالفاً شديد التراخي إلى درجة يكاد يكون معها مجرد تحالف شكلي- أن تقوما معاً، أو أن تقوم أميريكا وحدها، بمغامرة غير محسوبة في ذلك المركز قد تجر إلى حرب كبرى، وربما إلى كارثة نووية؟!(* لاشيء مستبعدٌ بالنسبة للعقل البراغماتي والسلوكات الوحشية المترتبة عليه! ونظراً لوجود أعداد من الثغرات الهامة التي لم يجر ردمها بعد، ولاشتداد التأزمات الداخلية الأميريكية، والأوربية أيضاً، فإن كل شيء متوقع من "الروحية الشايلوكية"، وأرضيتها الثقافية العرقية، مهما بدت تلك المغامرة بعيدة الاحتمال في ماهو منظور من آفاق التغيرات العالمية حتى الآن!. -4- هذه هي الخطوط الكبرى، بشكل إجمالي تقريبي لـ"صورة أوضاع العالم" التي يطرح فيها السيد بيريس "رؤاه!"وخططه المستقبلية الصهيونية " للشرق الأوسط الجديد" في سياق الأطروحة الأميريكية عن (نظام عالمي جديد)!! إنها صورة التوتر والقلق العميقين اللذين أخذا يسودان العالم منذ الثمانينيات على الأقل، واللذين نجما عن ابتداء سريان التحلل البنيوي الجذري في أهم شريانات النمط الحضاري الرأسمالي، بعد كل مااستجره من كوارث على البشرية خلال خمسة قرون كاملة من نشأته ونموه وتحولاته الذاتية. إن هذا النظام العالمي الجديد، الذي يجعجع به حكامٌ، وإعلامٌ لايزال متكامل الأداء في خداعه وتضليله لجملة الشعوب التي تكوّن "الكل البشري" إجمالاً، هو إذاً في نظر مطلقيه: مجرد يافطة خداعة لاستغلال الخلخلة العميقة الناشبة في توزانات العلاقات-حيث دفع بها انهيار الاتحاد السوفييتي إلى أقصى مدى من الطفوّ المفزع على السطح المنظور للجميع- بغية إعادة ترتيب أسس الهيمنة الأميريكية على العالم بشراكة صهيونية متناسبة مع حجم ذراعها الرأسمالي، وقبل أن تتمكن بقية القوى الكبرى من"إعلان خروجها!" على تلك الهيمنة، وبالتالي فرض المعادلات التي يمكن أن تخدم مصالحها مما يمكن أن يزيد من استعصاء التأزم النبيوي في الوضع الأمريكي نفسه. أما ترتيب أوضاع منطقة " الشرق الأوسط" فهو- في رأينا- المفتاح العام والجوهري لأفق أحلام الترتيب الأميريكي برمته. وبناء على ذلك، فليس لأحد أن يتوقع أن أية تنمية في المنطقة ستكون تنمية لخدمة شعوبها فعلاً (* ... فأية عمليات اقتصادية ستقوم فيها على أساس هذه الترتيبات سيكون محتماً منها أن تستجر مزيداً من الهيمنة الأميريكية/ الصهيونية الرأسمالية المشتركة، وأن تخدم بالتالي سعي أميريكا عالمياً لتفكيك أزماتها البنيوية وتصديرها... وفي إطار ذلك تأتي خدمة "الحلم الصهيوني" بإقامة " أمبراطورية" لرأس المال الشايلوكي اليهودي، حيث تكون حصة هذا الأخير من استنزاف موارد المنطقة متناسبة مع حدود مقدرته على أداء مهماته التحالفية لصالح الأغراض الاستراتيجية للأوليغارشية الأميركية التي يزداد تصهينها باضطراد.. أما المنطقة وشعوبها، وحتى رجال أعمالها ومن سيشرف على إدارة شؤون الترتيبات الأميريكية الجديدة في الإطار المذكور، فلكل هؤلاء حصة تبقي على وجودهم البيولوجي المحض كي يقوموا بما يتوجب عليهم من "خدمة" لنجاح تلك الترتيبات!.. أي "فتات المائدة" كما يقال، لاأكثر!! وما دام الأمر كذلك في جوهره فإن قيمة "رؤى" السيد بيريس وتنظيراته وتخطيطاته لن تتضح مالم نكمل صياغة ماعرضناه من سمات الصورة العامة لأوضاع العالم بنبذة سريعة عن أوضاعنا نحن العرب، تاركين مناقشة تفصيلات جوهرية كثيرة عن هذه الأوضاع، وأوضاع تصنيع (الدولة الأصولية) الأولى في التاريخ المعاصر-الدولة/ الغيتو للذراع الرأسمالي الصهيوني- إلى الفصول الخاصة بمناقشة تلك الرؤى والخطط البيريسية بكل مافيها من مغالطات، وما تحمله من تطلعات وما تكنه من أبعاد.. إلى غير ذلك مما يبشرنا به من (سعادة مشتركة!) هذا الصقر الصهيوني العتيق الذي تحول بسرعة إلى حمامة، بطريقة أقل مايقال فيها: إنها تثير الريبة. -5- إذا أخذنا بقولة توفلر: إن العناصر التي تصنع هيبة أمة ما- وصدقنا بالطبع أن اليهود أمة وليسوا مجرد أتباع دين، كانوا ومازالت أكثريتهم تنتمي إلى جنسيات قومية كثيرة!- هي ثلاثة: القوة العسكرية، والمال، والمعرفة... التي يعني بها توفلر مجرد المعرفة المادية التكنولوجية، فسنجد أن (الدولة الأصولية الصهيونية) تمتلك -باستنادها إلى الذراع الرأسمالي الصهيوني العالمي- هذه المقومات الثلاثة. أما العرب، الذين يصفهم بنرمان في تقريره الشهير بأنهم"أكبر مجموعة موحدة اللغة والاعتقادات والثقافة والعادات والتقاليد... في حوض المتوسط كله" فإنهم الآن لايمتلكون شيئاً من تلك المقومات الثلاثة التوفلرية، ولذلك فإن مستقبل علاقات "تعاونهم!" مع الدولة الأصولية الصهيونية: (اسرائيل، ولنلاحظ بهذه المناسبة عمق المعنى الأصولي لهذه التسمية!) هو مستقبل لايملك شيئاً من عناصر التوازن التي يجب أن تضبط علاقات " التعاون".. وهذا ماسيحول -ذاتياً- تلك الشراكة الاقتصادية المدعاة إلى ابتزاز مشروع، لأنه مغطى بما يجب من "نصوص الاتفاقيات" المشهود عليها امبريالياً..وهذه هي "أول قطرة" من الغيث القادم!! وفي المشهد الظاهري يبدو الوطن العربي برمته على أقصى درجة من التفكك العلائقي المتبادل، باستثناء المجاملات الرخيصة التي جمعت حكامه- تحت إلحاح الضغوط الأميريكية- كي يقولوا"نعم " للترتيبات الأميريكية/ الصهيونية، و"ينفتحوا" باستعجال قوي على (عدوّ البارحة)... إلا من رحم ربك!(* . طبعاً، في السياسة يفرض الأمر الواقع عالمياً نفسه بقوة على "المحلي" .. لكن هذا المحلي يجب عليه أن يلعب أوراقة كاملة كي يظفر ببعض من حقوقه ومن"ضمانات" المستقبل الذي يخبئ مالانعرف من احتمالات. لكن أكثرية حكام العرب لم تفعل شيئاً من ذلك ولم تراهن على أية "ورقة" عربية قد تكون مربحة نسبياً في سياق الترتيبات المفروضة بالقوة.. فهذه " الأكثرية المستعجلة" لاتريد أن ترى من كل مايجري غير مسألة بقائها على كراسي تسلطنها وحسب! وليس سراً، بالطبع، أن الوطن العربي قد تلقى خلال هذا القرن والقرن السابق أقسى الضغوطات الابتزازية العالمية من قبل الرأسماليين، الأمر الذي حول كل مشروع تحديثي تقدمي، وكل مشروع قومي، إلى نوع من (الصرخة في برية!).. ونتيجة لذلك كله فإن أبرز ما تمّ هو جملة من الهزائم المتوالية غير المعلنة، والمكابرة عليها-كرد فعل سيكولوجي تعويضي- بالتغني بأوهام أمجاد ماضوية ميتة، أو بشعارات مستقبلية دُفع ثمنها الكثير من الدم والآلام لأنها- رغم صدق النية وراءها- كانت مستحيلة التحقق تحت وطأة الابتزاز المنصبّ على هذا الوطن الغني بإرثة الحضاري، كما بموارده المطلوبة امبريالياً، بكل الثقل البراغماتي للوسائل المستخدمة في ذلك! وإذا كانت جملة من الصراعات المحلية الداخلية المحدودة في الوطن العربي قد جرى استخدامها وبرمجتها للإمعان في تمزيق هذا الوطن - حيث لن ننسى، ولايجب أن ننسى، تلك النظرة الأوربية التي تعتبر العرب وامتداداتهم الإسلامية"نموذجاً شرانياً للخلق"-فإن الاستقلالات العربية: من"أم القوين" حتى المملكة المغربية وموريتانيا، كلها كانت استسقلالات"ملغمة" أو مفبركة وفق ماينسجم مع تطور نمط الابتزاز في مرحلة الهيمنة الأميريكية بعد الحرب العالمية الثانيةّ.. وأياً كانت اتجاهات "الحاكم العربي" أو نواياه- جيدة أورديئة، حسنة أو سيئة- فإن "ورطته" تكمن في عجزه، وعجز أدواته وما يملكه من "عناصر قوة"، عن أن يستطيع دفع الابتزاز الامبريالي العالمي أو مدافعته ومقاومته بصورة ناجعة، وفي الوقت ذاته فإنه ما من بشري على الأرض يعتلي "كرسيَّ حكم" ثم يرغب أن يغادرها باختياره! طبعاً، هذا التشخيص للواقع العربي لايريد أن يتهم أحداً في ذاته، بل يريد أن يوصّف "آليات الحركة العامة" في الأقطار العربية، فيما هي- شعوباً وحكاماً- تعاني من ضغط ومصادرات وابتزازات النظام الامبريالي العالمي، وما يستجره بالقوة من "تشويهات" بنيوية وعلائقية لامفر من معاناتها لأنها من مستجرات حركة التاريخ العام، عالمياً ومحلياً ذاتياً. وما نريد أن نخلص إليه هو أن جملة التفاعلات غير المتكافئة بين المحلي/ الذاتي وبين العالمي/ الموضوعي قد قادت إلى نوع من القطيعة بين الحاكم وهرمه الإداري من جهة، وبين المجتمع الذي يخضع لإدارته من جهة أخرى. فالسياسي ملزم بأن "يلعب أوراقه" عالمياً ومحلياً وفق متطلبات الأمر الواقع- والمفروض هنا بقوة الفعل الرأسمالي الابتزازي النهاب والتدميري- بينما شرائح المجتمع تعترف فقط بضرورة إسقاط رغباتها على حركة التاريخ!.. وفي وقت يتعمم فيه انعكاس بدايات التحلل البنيوي للنمط الحضاري للعصر على سائر أنحاء العالم- الثالث أو النامي منه خصوصاً- فيتعمم اليأس والخراب في الحلقات الأكثر ضعفاً، ويضطر الناس بالتالي- حاكمين ومحكومين- إلى انتهاج السلوك البراغماتي كضامن للبقاء ذي أساس تعويضي سيكولوجي... فإن طبيعة عمل الدولة- وهذا القول مأخوذ من آخر مايقوله د.طيب تيزيني- تتحول من الحفاظ على "أمن الدولة" إلى إنشاء"دولة الأمن"، حيث الشرائح الوسطى، التي هي-باعتبار تيزيني ذاته- حامل ثقافي لمجموع عملية التطور الاجتماعي، تنحدر إلى ماتحت خط الفقر فتعجز عن أداء دورها الثقافي ذي الاتجاه المعلمن، مثلما تعجز عن التلاؤم مع أوضاعها المستجدة- هي التي كانت تنظر بطموح إلى الأعلى!- وعند ذلك، وفي إطار سقوط سائر المشروعات التحديثية، تجد(الأصولية المشوهة) مرتعاً خصباً لتحركها.. لكن هذه- والكلام حتى الآن على ذمة تحليلات الدكتور تيزيني- ممنوعة عالمياً من الوصول إلى السلطة كي لاتنكشف حقائقها، وكي تظل "بعبعاً" لابتزاز الحكومات وشعوبها المحكومة من قبل رأسماليي العالم الذين هم أصحاب المصلحة الحقيقية في تمديد مثل هذا "الواقع" إلى أطول أمد ممكن!! وسواء صح هذا التحليل للدكتور تيزيني أم لا، وسواء كانت صحته إلى هذه الدرجة أو تلك، فإن مايهمنا هنا هو أن الوطن العربي يمر الآن في أقسى مرحلة من تفكك علاقاته الذاتية وضعفه عن المبادرة، ومصادرة حق "مخلوقاته" في أن تقول رأيها كاملاً في مايخص مستقبلها، ناهيك عن أن تبادر إلى فعل شيء بهذا الخصوص! ومرة أخرى- ولأننا معنيّون بالتاريخي والإجمالي الاستراتيجي العالمي في ثقل وطأته على الذاتي/ المحلي العاجز أصلاً، والخارج من تشويهٍ انحطاطي، فاستعماري مباشر، إلى فضاء هيمنة غير مباشرة- فإننا نحيل الأسباب الجوهرية لأوضاع الوطن العربي إلى المصادرات الكلية للنمط الرأسمالي العالمي ومستجراته لكل محاولة تقدم تحديثي عربي في أي مستوى كان، وبالتالي : لتحويل الموجودية العربية إلى سلسلة من الهزائم المتواصلة. في هذا الجو المنهار عربياً، والمأزوم عالمياً، تتم الترتيبات الأميريكية/ الصهيونية المشتركة لأوضاع المنطقة!... لكن حدود الرهانات ضيقة جداً بسبب من هذا الجو ذاته، إذ إنه يحمل في صلبه حتمية دفع مستحقات التاريخ المؤجلة، سواء شاءت الأطراف المستفيدة ذلك أم أبته ورفضته، فحركة التاريخ لاتقيدها الأوامر كما قلنا ولاتلجمها الرغبات!.. وإذا كان السيد توفلر لايحفل، في تحليلاته، لابالميراث التاريخي أو ثقله في حضارة أمة من الأمم عند تقويمه لعناصر"هيبتها"، ولايحفل بالكمّ البشري ونوعية تطلعاته وقدراته غير المجسدة في عملة أو تكنولوجيا أو معرفة تقنية.. مثلما لايحفل بالنظم القيمية المعيارية وصلاحيتها لنجوع البقاء أم لا، تماماً كما لايعير أي اهتمام حتى لنظرية توينبي في "التحدي والاستجابة" على المستوى الحضاري الاجمالي.. فإننا من جهتنا نرى أن مراهنتنا العربية المستقبلية-داخل الترتيبات الأميريكية للمنطقة، أو حتى خارجها- هي بالضبط على تلك العناصرالتي يغفلها توفلر، قبل أي شيء آخر!. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |