رقصة الشيطان برنامج العمل الصهيوني لنصف القرن المقبل 1994-1995 - أحمد يوسف داود

دراســــــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:51 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الأول عن مسرح رقص الشيطان

-1-‏

مبدئياً، يجب الاعتراف بأن حركة التاريخ في بلدٍ ما، أو منطقة ما، أصبحت- رغم خصوصيتها وتمايزها العميقين- وثيقة الارتباط بالحركة الإجمالية للمجموع الحضاري العالمي الذي تنتظمه اليوم سيرورة تطور شبه كلية.‏

وبعبارة أخرى فإن كل وضع تاريخي محدد بالنسبة لأي مجتمع على هذا الكوكب اليوم لا يتركب من محصلة التناقضات بين العناصر والقوى الداخلية في ذلك المجتمع وحسب، بل إنه يتركب أصلاً من محصلات التفاعل العميق بين عناصر كينونة ذلك المجتمع وبين جملة واسعة من الأوضاع المجتمعية الأخرى في العالم، من حيث هي متعاصرة ومتفاعلة فيما بينها بتأثير فواعل تاريخية منظورة وغير منظورة.. الأمر الذي يسفر، ضرورة، عن جملة توازنات أقلّ ما يقال فيها إنها ملغومة بالتناحرات التي يشكل امتداد ماضيها واحتمالات مستقبلها ما يسمى- إجمالياً وعالمياً- "حركة التاريخ". إن "التاريخ" إذاً هو محصلة حيوات البشر عموماً. وعليه فإن حركة هذا التاريخ غير قابلة لأن تصنّع تصنيعاً "بالإرداة الواعية" لمختلف صنوف النّخب المؤثرة على مسارات تلك الحيوات: تأثيراً راهنياً محدوداً، أو تأثيراً على شيء من الديمومة المرحلية.. سواء كانت محاولة التصنيع تلك تستخدم أهم معطيات التكنولوجيا وتجهيزاتها وأدواتها، أو أعتى وسائل العسكرة وقواها القامعة في سائر أنماط عملها وترتيباتها.. ذلك أن حركة عدة مليارات من البشر -بكل ما يملأ عقولهم ووجداناتهم من تنوعات المواريث والمكونات ومستجراتها، فيما هم يتطلعون إلى آفاق تفتحاتهم المستقبلية ويعملون من أجل ذلك -لهي حركة لا تشبه في شيء أمر "ميزانية عائلية" ولا تقترب الحسابات بخصوصها أيما اقتراب من حسابات المبيعات في "دكان الضيعة"!‏

إنه يجب حتى على التاجر الصغير في دكان الضيعة أن يجري حساباته على أساس من تراكمات الديون القديمة وعلاقاتها "برأسماله" الموضوع قيد التداول، وفي الوقت ذاته: باحتمالات الربح والخسارة على ضوء ذلك كله.. فكيف هي الحال إذاً، والأمر يتعلق بأكثر من خمسة مليارات من البشر يجرّون وراءهم أكثر من خمسة آلاف عام من التفاعل الحضاري المتسع باضطراد، بكل ما لهذا التفاعل وما عليه؟!‏

أياً كان الأمر، فإنه يمكن وصف "حركة التاريخ" بأنها سلسلة مترابطة من الأوضاع التاريخية ذات التنوع الغني- سلباً وإيجاباً- وكل وضع تاريخي، خاص أو عام، إنما هو محصلة لما لا يمكن إحصاؤه وحصره من صراع الإرادات، على حد أحد التعبيرات المشهورة لفريدريك أنجلز. غير أن معنى "الإرادة" ليس مجرد الرغبة الدافعة إلى "الفعل الواعي" من قبل هذه النخبة الحاكمة المسيطرة أو تلك، بل هو يتضمن أبعاداً سيكولوجية أشد عمقاً واتساعاً وتنوعاً وقوة بما لا يقاس.. أبعاداً فردية وجمعية، متحركة ومحركة، داخل أطرها المتمايزة، المتفاعلة (من وراء ظهر النخب المسيطرة ورغباتها المصوغة في عدد وفير من أشكال الصياغات الفوقية)... وهو ما يكوّن الفواعل العميقة الحقيقية وغير المنظورة لحركة التاريخ، وبالتالي لمختلف الظروف التاريخية المحددة، في هذا المجتمع أو ذاك، والتي -بتفاعلها المشروط- تنضج وتنتج سويات جديدة للتطور البشري العام: سوياتٍ يمكن القول، كمصطلح هنا، إنها هي ما يسمى "الظاهرات التاريخية".‏

في سياق هذا الكتاب إذاً، سنستخدم مصطلح "الظاهرة التاريخية" للدلالة على ما يشكل وضعاً مفصلياً في سيرورة التطور العام للحضارة الإنسانية، بينما سنستخدم مصطلح "الظرف التاريخي المحدد" من أجل الدلالة على وضع معاين لمجموعة بشرية متمايزة قومياً أو اجتماعياً، وعليه فإن "الظاهرة" تعني محصلة تفاعلِ مجموعٍ متعاصرٍ من الظروف التاريخية العالمية، وهذا بالنسبة لاصطلاحاتنا هنا.. ليس أكثر.‏

وإذا كنا قد نقلنا قبل قليل عن أنجلز علاقة نضوج ظرف تاريخي ما -وبالتالي ظاهرة تاريخية ما- بصراعِ ما لا يمكن حصرُهُ من الإرادات، وبينّا أن الإرادة ليست مجرد الفعل الواعي أو الرغبة الواعية في الفعل، وأن الامتداد اللاشعوري في عمق كل شخصية بشرية لهذا الفعل، أو تلك الرغبة الشعورية الواعية في الفعل، هو امتداد شديد التعقيد وشديد القوة والتأثير على الوعي برمته- حسبما يقرر علم النفس المعاصر بمختلف مدارسه واتجاهاته-.. فإن مؤدَّى هذا القول كله هو أن "السيكولوجيا" الفردية والجمعية لأية مجموعة مجتمعية محدّدة هي، في النهاية، صاحبة الدور الحاسم في تغيير الشروط التي ينبني عليها ظرف تاريخي ما، وبالتالي: ظاهرة تاريخية إجمالية.‏

والسيكولوجيا، الفردية /الجمعية، مترابطة بقوة راسخة مع الثقافة القومية الخاصة. وهذه الثقافة- كل ثقافة قومية في العالم- هي "حامل" لنظام من القيم يحدّد ويصوغ بدوره نظاماً للعلاقات الداخلية والخارجية، وعلى أساس من أن كل نسق ثقافي إنما هو ببساطة مجرد "صياغة هيكلية" لفهم أصحابه لكينونتهم، ولرؤيتهم الخاصة لطبيعة وجودهم في العالم.. وهنا يكون الاقتصاد وعملياته نوعاً من "التعبير الإجرائي" الهادف إلى استمرار الموجودية وفقاً لتلك الرؤية الخاصة ولما ترسمه أصلاً من مصائر للكينونة في ما وراء هذا العالم أيضاً.‏

لكن السيكولوجيا، الفردية/ الجمعية، مع سائر ما تترابط معه وتُشكّل توازناتها الحيوية فيه، وإنما تتأسس وتستقر وتستمر في "الجغرافيا".. أي في المجال البيئي الحيوي الذي نشأت فيه الجماعة المجتمعية واستقرت وتطورت خلال تاريخها الخاص، الذي هو جزء من التاريخ البشري العام. وهذا المجال البيئي الحيوي - ولنقل هنا: إنه الوطن بكل ما يحمله هذا المفهوم من "مفرداتٍ" مكونة له -يكتسب قداسته المطلقة من حيث هو محط العواطف والمشاعر والانفعالات المختلفة، وباعتباره ضامناً موضوعياً لتوازن ما هو متأسس منها على طموحات خلود الكينونة مع ما هو متأسس منها على القلق والخوف الوجوديين اللذين هما في أساس مكونات تلك الكينونة.‏

وعليه، فإن كلمة "وطن" تعني ما هو أكبر بما لا يقاس من مجرد الدلالة على حيز جغرافي معين، إنه -إذا كان لا بد من مقاربة لتعريفه هنا - هو ذلك "الأفق الموضوعي" لتطور السيكولوجيا، مع سائر مترابطاتها ومستجراتها المفصلة قبلاً، حيث كينونة الكائن ورثت وورّثت كل ما ترتب على الصراعات البشرية التي ملأت التاريخ العام، وما يترتب الآن من صراعات قائمة ومستجدة.. فدخلت وتدخل ترسباتُ وانعكاساتُ ذلك كله في سياق السيرورات السيكولوجية، الفردية والجمعية، لتصير بذلك عناصر مهمة - سلباً أو إيجاباً- في الفواعل غير المنظورة لإعادة التوازن المفقود أو المفتقد في حركة تاريخ هذا "الأفق الموضوعي" الذي هو مدارْ لتفتحُ كينونة من هم مرتبطون به، وفق ثقافتهم ونظامهم القيمي المعياري، وباعتبارهم جزءاً من "بنيان إنساني" كلي.‏

وإذا تذكرنا أن كل ما في الطبيعة والحياة البشرية هو محصلة لمركبات توازن بين عناصر ومجموعات لا نهائية من المكونات والقوى المتعارضة المتناقضة، والتي -بتعارضها وتناقضها- تستمر الحركة المتدفقة لكينونة الكون ولكينونات البشر، فإن ما ينبغي استنباطه هنا -كضرورة حيوية- هو أن معيار صلاحية نمط حضاري ما إنما هو مدى نجوعه في الحفاظ على مختلف كينونات البشر، فردية كانت أم جمعية، ودفعها باتجاه تفتحها الحر نحو صيغ أرقى فأرقى.. وداخل "آفاقها الموضوعية" الخاصة أو "أوطانها"، ريثما يتمكن الجميع من التطور المتوازن -والحر أيضاً- نحو اعتبار هذا الكوكب كله "بيتاً" فعلياً لهم مع افتتاح ما يكفي من "نوافذ" بين مختلف الحجرات المتمايزة لمختلف الجماعات والمجتمعات.‏

أما اعتبار الاقتصاد- وما يتضمنه من صراعاتٍ مفتوحةٍ لغايةِ المزيد من تملك الثروة -معياراً وحيداً وبديلاً لما سبق ذكره، فهو اعتبار أقل ما يقال فيه: إنه أحاديّ ومشوّه وكارثيّ، أياً تكن المنجزات العلمية والتقنية التي يحققها. إنه في الأساس، مجرد صفقة "فاوستية" مع الشيطان كما عبر (غوته) بدقة.‏

على أن حركة التاريخ البشري العام لا تستطيع أن تستجيب إلى ما لا نهاية له من الزمن لمثل هذا المعيار المشوه الذي يديره الشيطان، ولأن التوازن شرط لاستمرار الحركة، بفعل القوى المتناقضة المتصارعة جدلياً كدافعٍ ومولّدٍ لها، فإن ما يمكن قوله هنا هو: إن أية "فاتورة" غير مسددة لا يمكن لأية برمجه - من فوق- أن تُسقطها من حسابات حركة التاريخ هذه. وبالتالي فإن ما يبدو لنا- بعد كل ما قلناه حتى الآن- هو أن للتاريخ مستحقاتٍ مؤجلة لا بد أن تستوفيها حركته بحكم طبيعتها ذاتها!.. وقد يخيل لأحد أن هذا الاستنتاج، الذي سيكون هاماً جداً في سياق كتابنا هذا، هو نتيجة منطقٍ تأمليّ تحكمه الرغبة المسقطة إسقاطاً على حركة التاريخ... لكن الحقيقة هي أن هذا الاستنتاج له طبيعة المسلمة الهندسية التي لا تحتاج إلى برهان، لدى كل من له إلمام موضوعي بتاريخ الحضارة الإنسانية منذ نشوئها. وعليه فإننا سوف نعتمده كأساس منهجي أولي لمناقشة ما نحن بصدد مناقشته في هذا الكتاب.‏

***

ما نحن بصدد مناقشته في هذا الكتاب هو أفكار وتصوراتُ- ولنقل: رؤى!- السيد شمعون بيريس في كتابه الشرق الأوسط (الجديد(* ) حول مستقبل هذه المنطقة، العربية وغير العربية، من وجهة نظره.‏

وإذا شئنا الدقة، فإن كتاب السيد بيريس هو نوع من "البرنامج الاقتصادي" لسياسي" المصمم عمداً بصورة غائمة، وعلى أساس المستجدات العالمية التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي السابق وكتلته الشرقية قبلاً.. وبالتالي على أساس ما يدعى الآن -إعلامياً- باسم "النظام العالمي الجديد". وعليه فإن أية مناقشة موضوعية لأطروحات السيد بيريس في "كتابه/ البرنامج" الذي يظهر ما يظهر ويخفي ما يخفي، هي مناقشة لا بد أن تبدأ من رسم صورة إجمالية وعامة لحقائق المرحلة التاريخية الراهنة، بما هي نتاج مسيرة كلية للتاريخ العالمي المعاصر- وإن شئتم: التاريخ العالمي الحديث- وبما لهذه المسيرة وما عليها.‏

إن رسم هذه الصورة- ولو إجمالياً- هو عمل ضروري لنا كيَمْا نرى الأفق الحقيقي الذي يتحرك فيه برنامج السيد بيريس: بأشباح وعوده الخلابة، وبشياطين توعُّداتِهِ التي أخذت تتموه فجأة بأقنعة ملائكية!‏

وربما، كي نبدأ، علينا أن ننظر أولاً في هذا المصطلح الذي كثر فيه اللغط واللغو الإعلامي الغربي: مصطلح "النظام العالمي الجديد"، فما الذي يعنيه هذا المصطلح على وجه التحديد؟!‏

لقد أطلق السيد جورج بوش، الرئيس الأميريكي السابق، هذا المصطلح أثناء فترة الاستعداد لحرب الخليج الثانية، وفيما كان الاتحاد السوفييتي ومنظومته الاشتراكية آخذين في الانهيار ثم في التفكك النهائي الكامل، ولكل هذا دلالته بالطبع!‏

إن المصطلح في صيغته السابقة أعلاه، يتضمن- على المستوى المعرفي المحض- بعداً حضارياً كلياً.. بمعنى أنه يشير إلى تغيير جذري في البنيات الحضارية العالمية الراهنة، وفي وظائفها الإجمالية. ولكن هل الأمر كذلك فعلاً أم إن السيد بوش لم يكن يعني من مصطلحه هذا، وقت إطلاقه، غير إعادة ترتيب العلاقات الدولية داخل النظام الرأسمالي/ الإمبريالي القائم، ومن وجهة نظر المصالح الإمبريالية الأميريكية أولاً بأول، ومن حيث هي مصالح مترابطة صميمياً مع مصالح رأس المال الصهيوني؟!!‏

أعتقد أن هذا التساؤل يحمل إجابته في الشق الثاني منه، رغم كل مستجدات الوضع العالمي بما فيها الدخول في مرحلة الثورة التكنوإلكترونية -ثورة المعلوماتية- وما يبشّرُ به عنها من "عطاءات" حتى على المستويات البنيوية الحضارية: الباحث الأميريكي المستقبلي المشهور (أُلفين توفلر) في كتبه: "صدمة المستقبل" و"خرائط المستقبل" و"الموجة الثالثة" و"تحول السلطة"... والثلاثة الأخيرة منها مترجمة إلى العربية لمن شاء الاطلاع عليها.‏

وأعتقد أيضاً أن سلامة البحث في ما هو إجمالي عن طبيعة المرحلة التاريخية الراهنة تقتضي التذكير بحقائق العصر الرأسمالي -الإمبريالي الراهن، وتطوراته، ومستجراته: الخاصة/ الأوربية، والعامة/ العالمية، مثلما تقتضي النظر في جوهر قِيمِهِ، وفي نظام العلاقات المتأسس على تلك القيم.. ذلك النظام الذي أعاد إنتاج ثقافة أوربا بمجملها وفقاً لمقتضياته، وحمّل سيكولوجية "الأوربي" بمزيد من المكوّنات الدافعة إلى شوفينية عرقية عنصرية بغيضة، مثلما حدد بدقة حدود وكيفيّات علاقات أوربا ببقية العالم خلال خمسة قرون متواصلة.‏

إن البحث التاريخي الجادّ يُظهر بوضوح أن أوربا هي منتجة أول عصر عبودي عالمي، بالمعنى الدقيق للمصطلح، انطلاقاً من الإغريق- أثينا واسبرطة خصوصاً- ثم الرومان لاحقاً. وفي نهايات هذا العصر تبنت أوربا نوعاً من "مسيحية" مُهوّدةٍ ومُهَلْيَنةٍ في وقت واحد، وبعد إبادة الاتجاه الآريوسي العربي -نسبة إلى البطريرك المصري آريوس الذي كان بطريرك الاسكندرية ورفض القول بأي شكل من أشكال لاهوتية السيد "المسيح(* "-... وعليه، فقد تداخلت العناصر الوثنية، واليهْوِيّة- نسبة إلى يهوه- والسفسطة الهيلنستية المتأخرة في صياغة "مسيحية" أوربا، الأمر الذي سيجعل حتى من الأطروحات القيمية في الأناجيل المتداولة "مجرد أقوال" تُردّد في الصلوات وأثناء ممارسة الطقوس، دون أن يكون لها أي أثر حي وحقيقي في الأفعال والممارسات.‏

واستقراء التاريخ الإغريقي يشير إلى أن نهضة الهيلينيين تبدأ نحو 700ق.م عبر مسارين اجماليين اثنين:‏

الأول : هو التجارة المعتمدة على الرق كنظام عام لسائر دويلاتهم في شبه جزيرة إيتيكا الصغيرة وجوارها.‏

والثاني : هو العمل في الارتزاق العسكري لدى أواخر فراعنة مصر الراغبين في مقاومة الفرس. ومن هذا الارتزاق ستتولد أسس النزعة الارستقراطية العسكريتارية ومتطلباتها.. وهذه النزعة ستصير- بدورها- إضافة إلى الاسترقاق، الأساس الإجمالي للسيطرة الرومانية اللاحقة على مجموع مناطق حوض البحر المتوسط.‏

وبصرف النظر عن النتاج الفكري- الفلسفي والعلمي- لكبار مشاهير المفكرين الإغريق، فإن جوهر نظام القيم التي حكمت مجمل علاقات الناس، في إطار "الاسترقاق" المعمم بالقوة العسكريتارية، إنما يتمحور جذرياً على فكرة "امتلاك الثروة" دون النظر إلى الأسلوب الذي يتحصل به هذا الامتلاك. وبالطبع ذهبت روما بعيداً في هذا الاتجاه الذي يتحول فيه الإنسان إلى أداة للثروة بدل أن تكون هي أداة لتفتح روحه نحو ما هو أكثر إنسانية وأكثر نجوعاً للبقاء الحضاري العام، القائم على الاعتراف المتبادل بالحقوق والمصالح والمنافع لكل الأفراد والمجموعات الداخلة في نسج ذلك الكل الحضاري الواسع والسائد آنذاك.‏

إن الإنسان -هكذا- يصبح عبداً لثروته، حيث وجودها وكبرها يحددان درجة ترتيبه في الهرم الأوليغارشي الأرستوقراطي المهيمن.. بينما انعدامها يلغي الاعتراف بإنسانيته، وينزله إلى درجة "الرقيق"، والقابل - بالتالي- لأن يكون، في ذاته، سلعةً ليس أكثر!‏

وإذا أضفنا إلى هذه النتيجة محصلة ما يستقرئه المرء أيضاً من الأسفار الأساسية في التوراة التي ستصير (العهد القديم!)- وهي محصلة ترفد تلك النتيجة وتعززها قدر ما تتعزز بها- فإنه سوف يتأكد من نوعية "الروحية" التي أخضعت لها مسيحية السيد المسيح، حيث هي لم تزد عن أن تصير مجرد قناع لنزوع الامتلاك البراغماتي!.. إن (ثلاثين الفضة) التي قبضها يهوذا لتسليم يسوع، حسب رواية الأناجيل المتداولة، ستكون هي الأهم والأوفر حظاً من التقدير، والأجدر بالتقديم على سائر ما يتبقى في تلك الأناجيل.. تماماً مثلما كان (العجل الذهبي) وقت غياب موسى "لمقابلة رب الجنود" هو المعبود الفعلي لبني إسرائيل- وحسب التوراة!- رغم وجود هارون!‏

إن عصر "النهضة!" في أوربا لم يكن الإعلان عن انتمائه إلى (الأجداد!) الإغريق والرومان محض مصادفة، أو محض تعلّقٍ بآداب وفلسفات وثقافة مجردة.. وإنما كان، وفي الصميم، إعلاناً عن الانتماء إلى "الروحية" التي أنجزت عصر الرق ثم تكاملت بدورها فيه، وإعلاناً عن الانتماء إلى أساس نظام القيم في ذلك العصر: "امتلاك الثروة" وفق المبدأ الميكيافيلي المشهور (الغاية تبرر الوسيلة) وعليه، فإن السيد ميكيافيلي لم يكن -هكذا- أكثر من "نبّاش قبور" ولم يكن مبتكراً لشيء من "عنديّاته" على الإطلاق!‏

وفي إطار هذا كله، فإن ضوضاء "عصر الأنوار" الثقافية، وشعارات العدالة والإخاء والمساواة، ستموت بسرعة مذهلة.. وستتحول- بالسرعة ذاتها- إلى نوع من الغطاء الديماغوجي لفعالية "الروحية الحقيقية" التي تشتغل في عمق حياة الناس وهم "ينهضون!" في أوربا إلى امتلاك ثروات العالم بكل الوسائل المناسبة، وفقاً لقيمة فضة يهوذا الاسخريوطي، وعجل إسرائيل الذهبي، لا وفقاً "لمحبة" يسوع ولا "لمثُلِ" أفلاطون!!‏

وفي إطار التحول: من "استنقاع" مرحلة الاقطاعية الأوربية، التي هزتها مستجرات الحروب الصليبية الفاشلة من الجذور، إلى "النهضة" نحو امتلاك ثروات العالم.. في ذلك الإطار سَنَحت الفرصة الكبرى "لعجل الذهب" اليهودي، المعبود في أحلك لحظات التيه، كي يضع نفسه في أساس العملية الهائلة المقبلة.. مثلما وجد أصحابه- من قبل- فرصتهم المواتية كي يجعلوا من أسفار "عهدهم القديم" أصلاً ومرجعاً للأناجيل، رغم كل ما بين هذه وتلك من اختلاف وتعارض وتناقضات وفجوات لا يمكن ردمها أو إقامة أية جسور فوقها بتاتاً!‏

وكاستطراد -وفيما نحن نسوق المقدمات للوصول إلى الإجمالي الذي يسم عصرنا الحضاري الراهن- فإن بعض التفصيلات كاضطهاد بعض اليهود في أوربا بين فترة وأخرى، لا تغير شيئاً من طبيعة السياق العام لإيقاع العصر، ولا من طبيعة العناصر المكونة لحركة التاريخ فيه... تماماً، كما لا يغيرها نمو العلم الغربي، أو وجود نزوع إنساني رفيع لدى كثير من مفكري هذا الغرب، مثلما لم تغير فلسفات أفلاطون وأرسطو وشراحهما شيئاً من إيقاع عصر الرق الإغريقي الروماني أو من علاقاته وطبيعة حركة التاريخ فيه.‏

وإذا كانت أوربا قد دفعت أثماناً باهظة لقاء الصراع المستمر بين دولها على الثروات ومصادرها فإن ما دفعته، وتدفعه حتى الآن، بقية العالم بمختلف شعوبه: من أطفال التحضر البدائيين.. إلى أصحاب الحضارات الباذخة الراسخة، لهي أثمانٌ تفوق كل تخيل وكل وصف. ودائماً يجد المتأمِّلُ في ذلك كله أن وراء كل ما جرى ويجري توجد فضة يهوذا وعجل الذهب المعبود: مطلوبَيْنِ وفق مبدأ ميكيافيلي الذي وجد صياغته المثلى في براغماتية السيد وليم جيمس وتابعيه.. ودائماً هناك مخالب الشيطان صاحب الصفقات الفاوستيّة، والذي غالباً ما يرتدي قناع قديس فيما هو يدير ترسانات التدمير كيما يقنع الضحايا -إلى الأبد- بطهارته الملائكية!.. وكيف لا، وهو يتكئ دائماً على الأصل المزعوم للأناجيل (=العهد القديم) حيث تتكرر بكثرة مثيلات هذه "العبارة/ الوصية" (متى أتى بك الرب إلهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها، وطرد شعوباً كثيرة من أمامك.. فإنك تحرّمهم- أي تبيد كل حياة فيهم!- لا تقطع لهم عهداً ولا تشفق عليهم)؟! سفر التثنية 7/1-2‏

حقاً، إن الزواج القسري المنكود بين "مسيحية" سيئة الحظّ وبين السفسطة الهيلنستية من جهة، والشوفينية التوراتية الحاقدة من جهة أخرى، وعلى قاعدة القيم الوحشية لعصر الرق.. ذلك الزواج قد أعيدت "يقظةُ!" محصلاته كيما يصير (الربّ العمليّ الحقيقيّ) لعصرنا هو المالَ/ رمزَ تملك الثورة الفوارة بالدم الإنساني المغدور!.. فهل سيكفي هذا لنجوع البقاء الحضاري للبشرية؟!‏

ولكن ما لنا نستعجل الأسئلة الفاصلة بصورة مسبقة، أو بلا ما يجعلها لازمة عبر سياق البحث ذاته؟!.. فلنعد إذاً إلى ما كنا فيه.‏

إذا كان القرن السادس عشر قد دشّن- أوربياً- قصّ الشريط الحريري لمرحلة الإبادة شبه الكاملة لهنود أميريكا، وللسكان الأصليين في استراليا وجنوب إفريقيا.. وسواها، بغية الاستيطان محل أولئك البشر، وبغية التمتع بثرواتهم التي بدت مذهلة للمستكشفين الأوائل ومن لحقهم من المغامرين والرعاع والهاربين من (التصفيات الدينية المقدسة!)، فإن القرن السابع عشر قد قدم التسويغ البراغماتي- وعلى مستوى أحد أرقى فنون الأجداد!- لما كان يدور من افتتاحيات مرعبة للعصر النهضوي الذي ستتسلم "البيوريتانية(* " قيادته بعد فشل أولئك (السذّج!!) من الفرنسيين الذين صدقوا حكاية (العدالة -الإخاء- المساواة)!‏

أما التقديم الفني لتسويغ البراغماتية فقد كان على يد شكسبير -العظيم جداً- وفق العقلية والقيم البيورتيانية التي ستعمم لاحقاً، وبمختلف أشكال القوة، على اعتبار أنها الصياغة الأرقى لقيم الأجداد الأغارقة والرومان.. وذلك على ذمة ليف تولستوي، العظيم بالفعل، والذي قام بتشريح وليم شكسبير من داخله، ومن منظور إنساني وموقف نقدي في كتابه الصغير الهام: "شكسبير والدراما(** " ونحن نأخذ هنا باستنتاجات تولستوي خلافاً لكل ما بنته الثقافة الغربية المهيمنة حول شكسبير.‏

وفيما كان السيد شكسبير ينتج (تاجر البندقية) مسرحيته الشهيرة التي يصب فيها نقمته العارمة على النهج الشايلوكي اليهودي في التعامل(* كان العقل السياسي الانكليزي يتهيأ لفترة كرومويل حيث ستُختَرعُ (الصهيونية) كتنظيم للأصولية اليهودية، وفي وقت كانت فيه انكلترا (نظيفة تماماً- والتعبير لهم هم الانكليز) من وجود أي يهودي فيها! وكان ذلك التنظيم هو الأساس الذي سيعيد هرتزل البناء عليه لاحقاً.‏

ويبدو في الأمر مفارقة شديدة الغرابة: شكسبير الغارق في الإنعامات الملكية، وإنعامات صناع السياسة الانكليزية التي كانت البيوريتانية سمتها وجوهرها الأساسيين، مثلما هو غارق في نهج تفكيرهم البراغماتي وصراعاتهم الدينية والدنيوية في حينها، يصور اليهوديَّ النمطيّ وحشاً من أكلة اللحم البشري.. بينما صناع السياسة اللاحقون لمرحلته -خصوم البيوريتان، ومرسِّخو البراغماتية- يسعون بدأب مسعور لاستقطاب اليهود في الأطر البرنامجية الصهيونية التي ستصوغ لهم مستقبلهم الخاص المميّز!.. فما هو إذاً سر هذه المفارقة؟!‏

إن اجتزاء أية واقعة من سياقها العام، أو تجريد أي تعبير فكري/ فني من وظيفته الأيديولوجية داخل مثل ذلك السياق، لهما أمران ينمان: إما عن الجهل وإما عن "زعبرة" معرفية متعمدة.‏

إن طبيعة الصراعات التي كانت تدور آنذاك في مجموع "القارة الناهضة!"، ومنها انكلترا، حيث كان اليهود يشتغلون بتجارة المال الربوية- كاستجابة لظروفهم الخاصة- فيمولون مختلف الأطراف المتصارعة، ويقفون أخيراً إلى جانب المنتصر عبر توظيف أموالهم في خدمة سلطته.. كل ذلك هو ما يجب أن يكشف لنا عن سر المفارقة المذكورة.‏

فانكلترا المعزولة، والمنهكة بصراعاتها الدينية وغير الدينية لم يكن ينقص سياسييها ذلك الطموح إلى أخذ الدور القيادي للقارة في خضمّ الصراعات المفتوحة. وهذه القيادة كانت قد استقرت نسبياً في اسبانيا والبرتغال، وإلى حدّ ما: في هولاندا.‏

ونحن هنا لا نريد التحدث عن الصراعات الدينية داخل القارة، رغم أنها لا تخرج عن كونها امتداداً أو مظهراً لصراعات تملّك الثروة ومصادرها -ولنتذكر جيداً أنها إنما نشبت بعيد انتهاء الحروب الصليبية- بل نحن نتحدث فقط عن الصراع على "الثروات- الحلم" ومصادرها في "العوالم الجديدة". ولقد كانت انكلترا آنذاك مستنزفة بشدة، وتفتقر بحدة إلى التمويل كي تخرج من عزلتها نحو تحقيق طموحها في اصطياد تلك الثروات/ الحلم، واقتناص الدور القيادي من مراكزه القارية المذكورة. وكان "الشايلوكيون" هم وحدهم من يستطيعون تقديم التمويل المطلوب.‏

وهكذا، فيما كان السياسيون يشتغلون باستجلاب أولئك الشايلوكيين عن طريق اختراع (المنظمة الصهيونية) كان الفن الشكسبيري قد أخذ على عاتقه تنفير "زبائنهم" القاريين منهم عبر المبالغة في بشاعة ما ارتكبوه في المراكز القارية، أو ما يمكن أن يرتكبوه قياساً على وقائع (تاجر البندقية).. وباختصار، كان الفن الشكسبيري يؤدي وظيفته بتقديم الوجه الآخر الضروري "للعملة السياسية".وبالطبع، فإن الروحية البراغماتية لا تجد في مثل هذه اللعبة "النافعة" أي إخلال أو غرابة!‏

وكاستطراد، نراه ضرورياً جداً، فإن "لعبة" شكسبير السابقة يجب ألا ينظر إليها إلا في إطار يضم أيضاً صورة "عطيل" المغربي/ العربي: ذي اللون المرفوض عرقياً، وذي الطبيعة الانفعالية الغبية التي توحي بأن الانتصار على صاحبها- أو أصحابها بالأحرى- هو أمر ممكن وبسهولة تامة! فهذه الشخصية النمطية-عطيل- مهما تكن بطولاتها وحنكتها الحربية، فإنها لا ترى من العالم إلا "المرأة" أولاً وأخيراً! وعليه، فإنها ليست مصادفة ألاّ يجعل شكسبير هذه الشخصية إلا عربية!.. إن الفن الشكسبيري يخدم أيديولوجياً بقوة مؤثرة، وفي عمق الطموحات السياسية الإنكليزية وجذر خططها! أوليس المجال الذي سيكون (المجال الحيوي) للفعل الصهيوني المرتقب هو أرض العرب الذين ليس لهم إلا هذه "المواصفات العطيلية؟!(* .‏

إن هذه المسرحية: "عطيل" هي حبة الحلوى المعسّلة التي قدمت آنذاك، وعقب انتهاء الحروب الصليبية، للأصوليين الشايلوكيين كإغراء للمبادرة إلى المشاركة في مشروعات الطموح الانكليزي! فإذا عرفنا شيئاً مما كان يعانيه اليهود في "غيتواتهم" داخل القارة من إزدراء واضطهاد- كانت انكلترا برئية منه لأنها كانت نظيفة منهم!!- أدركنا قوة الإغراء الذي كان يقدمه برنامج الصهيونية لليهود- وللشايلوكيين منهم خصوصاً- كي ينخرطوا بقوة، وبدفع من المخاوف والإحباطات داخل القارة المضطربة، في مجموع العمليات المترتبة على مجمل الطموحات الانكليزية.‏

إن ما نريد أن نخلص إليه من وراء ما قلناه في هذا الصدد هو أن الدور اليهودي- الدور الأصولي والربوي الشايلوكي على وجه الدقة- كان دوراً جوهرياً في إرساء أسس العصر الذي سيصير رأسمالياً/ امبريالياً مقوداً بالمكر والحقد البيوريتانيين، مثلما سيستمر دوراً رئيسياً في مجموع التطورات اللاحقة عبر نمو هذا العصر. وهذه، بالطبع، ليست "أكذوبة ماركسية!" على الإطلاق.. ولا دعاية مضادة أو "موقفاً لا سامياً!" متبقييْن من رواسب الحرب الباردة وما قبلها في عقولنا العطيلية!!‏

ولن نستطرد في الجري وراء تفصيلات هذا الدور اليهودي الشايلوكي في صياغة عصر الرأسمال الربويّ، ولا في مستجرات ذلك على عامة اليهود. فالشايلوكيون "لعبوا" بزخم خفي بين القوى المتناحرة، فكسبت أكثرية هؤلاء بينما حصدت غالبية اليهود إذلالات انتهت بمذابح في كثير من الأحيان. وهذه محصلة طبيعية للدخول في "سوق مضاربات المصالح" التي كان حصاد الشعوب الأوربية منها أسوأ بكثير من حصاد اليهود. أما لماذا جعل قتل أيِّ يهودي في مذبحة -رغم أنه ليس أكثر من قربان للعجل الذهبي الشايلوكي- قضية تحفل بكل الجعجعات والطنطنات المعروفة المألوفة فذلك أمر يحتاج إلى تفصيل لسنا في صدده هنا. فللصهيونية وحلفائها أساليب غرائبية في تحصيل ما لها من "مستحقات التاريخ" /تاريخ " لعبها" هي بين القوى المتناحرة... وذلك في الوقت ذاته الذي يتعامى فيه قادتها أو ممثلوهم -كالسيد بيريس -عن أنهم بدورهم كانوا، وسيكونون، مدعوّين بقسوة لأداء ما عليهم من تلك المستحقات!‏

والأهم بالنسبة لنا هو أن عدداً من كبار الحاخامات في أوربا ظلوا نحواً من قرن يستخفون بالصهيونية وأطروحاتها الدنيوية البيوريتانية. ولكن، حين تعزز الدور الشايلوكي، وبدا واضحاً ما لليهود من منفعة في تحول المال إلى "رب عملي" لملكوت السوق، فإنه سرعان ما طردت من ذهنية اليهود بقايا الفكرة المقبوسة من ثقافة القرون الوسطى والقائلة: إن جبل صهيون هو رمز روحي، وأنّ "مملكة الرب" في أورشليم هي مملكة روحية أيضاً - حيث أصداء تأثيرات الثقافة العربية الإسلامية في عصر سيادتها العالمية شديدة الوضوح هنا-.. وصار يجب، بالتالي، أن يستقر العجل الذهبي في هيكل سليمان المزعوم الذي لم يجد له أيّ باحث أيّ أثر رغم كل زخم الرغبة وكثرة التنقيب.. وذلك بدلاً من أن يبقى الرب الإله الحقيقي مستقراً في هيكل القلب والروح الإنسانيين كما لدى سائر المؤمنين بالإله الحقيقي، فلا يصغِّرون ملكوته إلى مجرد كبسولة كوكبية في مجموعة شمسية على ذراع مجرة، تكاد لا تساوي شيئاً إذا ما قيست بمجرات هذا الكون المعجز الفسيح!‏

إن دخول المال الشايلوكي في صلب البنيات والعمليات البنيوية الرأسمالية المتنامية، قد أعاد إحياء أسوأ ما في أسفار "العهد القديم" من نزعات، وأحقاد وطموحات، وشوفينية عرقية.. ونزع عنها كل قناع رمزي محتمل، وصبها جميعاً في صيغة "مشروع استيطاني" في ما عرف باسم (الوطن القومي لليهود) وكل ذلك بإشراف ومشاركة بيوريتانيين كاملين!‏

إن القرن الثامن عشر سيسجل لنا إسقاط كل ما هو إنساني الطابع في أفكار عصر الأنوار داخل فرنسا ذاتها، وذلك تحت وطأة البراغماتية التي صار يمكننا وصفها أيضاً بأنها (شايلوكية بيوريتانية مشتركة)! وإلى الشرق من فرنسا تماماً، أي في ألمانيا، كان يسجل لنا أيضاً بدايات التفاقم المتأزم للاتجاه العرقي تحت الوطأة السابقة ذاتها.. أما القرن التاسع عشر فسيكون (قرن الإنضاج الكبير): ليس للصراعات الاستعمارية المباشرة وحسب، بل أيضاً لكل طاقات الفكر العرقيّ وممارساته النخاسية ذات الفرادة المذهلة في وحشيتها، إذ لأول مرة في التاريخ يجري تقتيل وإختطاف كثرة واسعة من سكان قارة برمتها كي يباع الأحياء منهم عبيداً لإعمار المستوطنة الكبرى التي ستسمى (الولايات المتحدة الأميريكية).. والتتمة معروفة!..‏

وفي الوقت ذاته صار هذا القرن المذكور قرن إنجاز العسكرة الكاملة للقارة الناهضة نحو أوسع عمليات النهب المنظم والابتزاز التدميري العالمي خلال تاريخ البشرية كله! وبالطبع، كان لا بد لهذه العمليات الواسعة - وهي تأخذ هذا الحد من الشمولية العالمية- أن تستجر تنامياً موازياً في تطور الصناعة والبحوث المتعلقة بها، وفي دورة الرساميل وتحولات عملياتها والصراعات المتولدة عنها.. إلى آخره، وأن يمتد ذلك كله إلى قرننا الراهن ويستغرقه حتى هذه اللحظة، حسب ما هو معروف من وقائع وتحليلات كتب عنها وفيها ما لا يمكن لأمثالنا حصره أو إحصاؤه من أبحاث وتقارير ودراسات ومؤلفات.‏

وما يهمنا بعد هذا العرض للنبذِ التي أوردناها عن إيقاعات حركة هذا "العصر الحديث" أن نشدد الملاحظة على بعض الأوليات والمسارات الأساسية لعمليات النهب الإبتزازي المشار إليها قبل قليل، أو أن نذكر بها -بالأحرى- باعتبار ذلك ضرورياً جداً للوقوف على أرض موضوعية فيما نحن نناقش مخطط السيد بيريس الذي يبدو أنه لا يريد أن نرى إلا ما يقدمه هو لنا باعتبارِهِ "أمراً واقعاً" لا مناص من التسليم به!‏

أولاً : إن ابتداء هذه المسارات التي نما النظام الرأسمالي العالي عبرها وبها، إنما انطلق تاريخياً من حقيقة الاصطدام الأوربي -عسكرياً وقيمياً- بالنطاق العربي المواجه جغرافياً لأوربا في جنوب وشرق البحر المتوسط. ومن وراء هذا النطاق عمقه الإسلامي وثقافته السائدة عالمياً آنذاك، مع صرف النظر عن المراكز الحضارية الكبرى المعزولة ولو جزئياً عن التفاعل الكافي مع هذا "الكل" السائد: أعني الهند والصين.‏

لقد استقرت القبائل الآسيوية في أوربا عقب تصفية الإمبراطورية الرومانية الغربية، ولم تكن هذه القارة وقتذاك تستجيب لاحتياجاتها وأطماعها: لا كمصادر إنتاج ولا كمناخ. ولذلك بدا النطاق العربي وعمقه الإسلامي لتلك القبائل أشبه بسد منيع يحجر عليها حيث استقرت، فيما كانت ثرواته والمظاهر الثقافية /الاجتماعية/ الاقتصادية لحضارته تستثير أطماعها، وتُسيل لعابها رغبةً بامتلاك ذلك كله. وهكذا تفاقمت النظرة الأوربية إلى العرب، وامتدادهم الإسلامي، على أنهم "النموذج الشراني للخلق"... حيث يجب استئصاله، ولغرض امتلاك ثرواته ليس غير!! وليس أدل على صحة هذا الذي نذهب إليه من الموقع الذي أعطاه دانتي في "كوميدياه الإلهية" للنبيّ العربيّ محمد(ص).‏

إن الطابع النوعي لهذه النزعة المضادة للعرب وعمقهم الإسلامي، مع ترافُق تلك النزعة ومستجراتها بالإحباطات المزمنة التي تؤسس نمطاً من السيكولوجيا الجمعية المرضية ذات الطابع الطفالي العدواني، قد عُمم عالمياً مع "النهضة الأوربية!"... فانفتحت الفعالية المرضية إلى مداها الأقصى: إبادة شعوب.. نهب لاحدود له.. تمركز مريض على الذات جسدته "نظرية المركزية الأوربية في الثقافة" ....إلى آخره، إلى آخره!‏

ثانياً : إذا كان الانطلاق الأوربي لامتلاك العالم عن طريق تدميره محكوماً بدئياً بالنظرة المريضة إلى العرب ونمط عصرهم الحضاري، فإن ذلك الانطلاق قد استند على قيم الميراث الهجين الذي قلنا إنه تولد من إخضاع "مسيحية" منكودة الحظ للسفسطة الهيلينستية وأصولها الوثنية قديماً وللمفاهيم اليْهوِيّة الطاغية على أسفار العهد القديم لاحقاً.‏

أما تمويل ذلك الانطلاق فقد اعتمد -بدئياً- على المال الشايلوكي وقيَمِهِ التعاملية، حيث هو لا يعترف إلا بذاته، ولا يهدف إلا إلى تنمية ذاته ربوياً.. مع الاحتفاظ هنا للبراغماتية بأقصى حدود قوتها وحضورها كفلسفة تبريرية لِتأْليهِ هذا المال/ رمز الثروة التي تلغي الإنسان وتحيله إلى أداة لها كما سبق لنا أن قلنا.‏

ثالثاً : إن الآلة العسكريتارية التي هي وسيلة التغلب على الآخرين وابتزازهم، وبالتالي وسيلة الحماية لعمل الرساميل وفق قيمها الخاصة، تجد نفسها ملزمة باستمرار أن تستحداث المزيد من الابتكارات التقنية التدميرية والتسلّح بها، كيما تتمكن من أداء وظائفها المنوطة بها بكفاءة! وهذه الحقيقة هي ما ستجعل من كل مجمّع صناعي حربي، في كل بلد رأسمالي، أحد أهم المؤسسات الصناعية والعلمية فيه وأقواها.‏

وفي مرحلة معينة من مراحل النمو الرأسمالي يتعزز دور العسكرة الكثيفة: ليس كمجرد حامية لنظام النهب الابتزازي وحسب، بل أيضاً كأحد أفضل مجالات الاستثمار بالنسبة للرساميل.‏

ولأن المنتجات الحربية تشترط استهلاكها، كأية سلعة أخرى، فإن مستجرات العسكرة على العالم كان أقلها خلق الشروط السياسية والديموغرافية، وحتى الثقافية، لدى مختلف المجتمعات البشرية على الصورة التي تتطلب ذلك الاستهلاك الواسع.. وهذا أمر "لغّم" الحياة الإنسانية عموماً بالحروب، وباحتمالات الحروب من كل صنف ولون.. ولا يزال "الحبل على الجرار" كما يقال في المثل الشائع!‏

على أنه يجب أن نشير إلى أن كل مؤسسة عسكريتارية سيظل "مجمّعها الصناعي الحربي" قومّي الطابع: لجهة الإنتاج كما لجهة التصريف. وهذا هو ما سيجعلها أحد الأطراف المهمة في المفارقة التي ستبرز بين ما هو قومي، وما هو كوسموبوليتاني/ فوق قومي، في التطورات البنيوية الأخيرة للرساميل وحركتها العالمية.‏

رابعاً : إن النمو الصناعي الهائل للمنتجات غير الحربية- مع ما تبع ذلك من نشوء وارتقاء علوم جديدة، وكشوف نظرية، وابتكارات تقنية تطبيقية- كان بدوره الشرط الأساس لإنجاز الدورة الرأسمالية الربوية الناجعة. فالمال ما كان له، في البداية، أن يدور بذاته تلك الدورة العالمية الواسعة.. أي ما كان له أن يعيد إنتاج ذاته ربوياً، إلا من خلال تجسده في "السلعة" أولاً. فالدوران الذاتي لرأس المال المالي يتطلب سوية معينة من نمو نظام النهب وأدواته وتوابعه.. الأمر الذي لن يبدأ تحققه الفعلي إلا في نهاية القرن الماضي، ولن يشهد اكتمال وتكامل عملياته إلا خلال هذا القرن، وخصوصاً في نصفه الأخير. وهذا ما سنعرض له بعد قليل.‏

وتتناسب دورة المال بذاته مع الوضع التاريخي الغيتويّ الخاص باليهود. لكن أولى خطوات البناء الرأسمالي بدأت "قومية"، أي إن الفعالية الرأسمالية الأولية في الأقطار الأوربية المختلفة مالت إلى توحيد "السوق القومية" باعتبارها منطلقاً إلى العالمية.‏

ولأن المال الشايلوكي تداخل -باعتباره ممولاً- في العمليات الرأسمالية الأولية في عدد من البلدان الناشطة، فإنه سوف يظل مشاركاً هاماً في جملة القوى المتنامية لمؤسسات النهب الرٍأسمالية الصناعية وغير الصناعية... وسيصير في المحصلة النهائية ركناً قوياً من أركان المنظوٍمة الرأسمالية العالمية.‏

وينطوي المبدأ العام لدورات الرساميل: (دعه يعمل، دعه يمر) على مفارقة حادة وجوهرية، تنعكس فيها، بوضوح أكبر، أزمة الشايلوكيين والمال الشايلوكي.‏

إن النزوع القومي لرأسمال البلد الواحد يستجر -خلال فعاليته لتوحيد سوقه القومية- جملة من المترتبات الثقافية، والاجتماعية، والسياسية، والسيكولوجية، التي تُعنى جميعاً بما يشبه أن يكون انغلاقاً في الأفق القومي.. وهذا يتعارض جذرياً مع الطبيعة العليا لعمل رأس المال الربوي، أعني طبيعته الكوسموبوليتانية، فوق القومية.‏

وهذه المفارقة ستظل مستجراتها ناشبة، في شكل أزمات دورية، وحروب تجارية أو عسكرية، داخل البنيان الرأسمالي العالمي الكلي.. الأمر الذي يفسر حقائق الصراعات الرأسمالية/ الرأسمالية، والأمر الذي ربما لن يجد الحل- بتقديرنا- إلا مع السقوط التاريخي الشامل للنظام الرأسمالي العام، كنظام لعصرنا الحضاري الراهن برمته.‏

والرأسمال الشايلوكي، المفتقر أصلاً إلى (وطن فعلي) ينجز فيه سوقه القومية كمرتكز ومنطلق إلى العالمية، وجد نفسه بدايةً يتحرك في الأفق الكوسموبوليتاني، لكن أيّ أفق كوسموبوليتاني لا بد له من نقيضه- أي الوطن القومي- كي يتحقق فعلياً كأفق للفعالية.. في ضوء مختلف الشروط العامة والخاصة، لطبيعة العصر.‏

وهنا يبرز دور (الصهيونية) وما آل إليه أمرها ومصائرها داخل الشروط المذكورة.‏

خامساً : لقد قلنا إن الصهيونية كانت من نتاج العقلية الانكليزية البيوريتانية لأسباب ذكرناها في حينها. وفيما كانت "القوميات" الأوربية آخذة في تجميع "قطعها المبعثرة"، على أساس من الفعالية الرأسمالية الناشطة، وعلى قاعدة من فلسفة عصر الأنوار المادية، وقيم الامتلاك البراغماتية.. كان اليهود مستمرين في الانعزال الاجتماعي/ الديني داخل غيتواتهم، في سائر المدن والبلدان التي تواجدوا فيها، وكان هذا الانعزال يشكل تحدياً يمكن وصفه بأنه قومي بالنسبة للأوربيين، وينضاف إلى جملة موروثات التحديات العدائية الدينية القروسطية المتبادلة بين الطرفين.‏

وفيما كانت الصناعة الرأسمالية تتحول من المانيفاكتورة إلى "المصنع الضخم" ذي الإنتاج النمطي الكثيف، والقومي أساساً، كان رأس المال الشايلوكي يتلمس آفاقه الكوسموبوليتانية تلمساً يائساً، فيما هو مساهم رئيسي في بنيانات "الآخرين"! ومن وجهة نظر الشايلوكيين الذين يحملون في داخلهم كل عناصر التناقض السيكولوجي الغيتوي وإحباطاته المزمنة، فإن النزوع القومي الأوربي المتأسس على الشايلوكية ذاتها قد كشف لهم مدى تزعزع أوضاعهم بتعارضه المباشر مع المبدأ الكوسموبوليتاني لحرية الحركة الرأسمالية... وفي الوقت ذاته أخذ يستثير لديهم "نزوعاً قومياً" وجد أسسه المبدئية في أوهام الميراث الديني التوراتي التلمودي، وبالتالي أصبحت الصهيونية كمنظمة قادرة تماماً على الامتلاء!‏

وبقدر ما كانت الصراعات تحتد وتحتدم بين "القوميات الرأسمالية الأوربية" كي تتكيف جميعاً داخل نظام الفعالية الكوسموبوليتاني لرأس المال، كان اليهود عموماً يحصدون الاضطهادات التي كثيراً ما تحولت إلى مجازر في نطاقات استقرارهم الغيتوي.‏

وبالطبع، نحن لا نريد إغفال سائر الجوانب الأخرى التي ساهمت في جعل أوربا برمتها تقوم حيال اليهود بمثل تلك التصرفات، سواء منها العناصر الثقافية أو السياسية وكلها مستند على أسس السيكولوجيا الفردية والجمعية، والتي تجد تعبيرها الظاهر في: الفعل ورد الفعل.. لا، لسنا نريد إغفال تلك العناصر، ولكننا نريد هنا أن نركز على العام الأهم وعلى محصلاته.‏

إن أوربا- وانطلاقاً من الروحية البيوريتانية ذاتها- قد وجدت أن حل مفارقة اضطهاد اليهود، في الوقت الذي تمثل فيه رساميلهم الشايلوكية ركناً من أقوى أركان البنيان الرأسمالي العالمي العام، إنما هو حل يتمثل في إقامة "دولة قومية دينية" لليهود، أو "وطن قومي" لهم حسب تعبيرات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.‏

ولأن العقل السياسي الانكليزي البيوريتاني، بعد مجازفاته ونجاحاته في السيطرة على الهند وامتلاك طريقها الأقرب، قد تعزز فيه عداؤه وعداء أوربا التاريخي للعرب حسبما ذكرنا قبلاً، فإن الاختيار قد وقع أخيراً- وبتأثير الميراث التوراتي ذاته- على فلسطين!!‏

وهذا الاختيار جسده تقرير كامبل بنرمان الشهير عام 1907، أي إنه أعطاه صيغته السياسية النهائية في سلوك (الإمبراطورية التي صارت لا تغيب عنها الشمس)!... وبالطبع، ما كان لهذه الصيغة الرسمية أن تولد فجأة. لقد جاءت محصلة قرون من نمو النشاط الرأسمالي الشايلوكي، ومحصلة عصور من العداء التاريخي للعرب كما بينّا.‏

وهكذا صار التخطيط لتجميع اليهود في (غيتو واحد كبير) هو الحل البيوريتاني الأمثل لإشكالية علاقة أوربا باليهود، بقدر ما هو تعبير عن الرغبة التاريخية الجامحة لأوربا بإبادة العرب، باعتبارهم -مع عمقهم الإسلامي- نموذج الشر المطلق: إذ إن محمداً (ص) قد أسقط عصر الرق الأول، ثم وقفت الحضارة التي أنشئت على أساس رسالته سداً في وجه الحنين الأوربي لإعادة استرقاق العالم ونهب ثرواته على الطريقة الإغريقية/ الرومانية القديمة، حتى تم ذلك لأوربا أخيراً، ولكن في صورة معصرنة.‏

واختصاراً، فإن العقل الإنكليزي البيوريتاني الذي أنتج (المنظمة الصهيونية) كجاذب لتمويل طموحاته بدئياً، قد حولها- وفق مقتضيات تطور العصر الذي صار برمته شايلوكياً- إلى وسيلة لإنتاج "أول دولة أصولية" في هذا العصر.. دولة شايلوكية النهج والقيم، وعلى مثال صورة النمط الحضاري الذي أنتجها كجزء أساسي من بنيانه.‏

بعد هذه الملاحظات لا بد لنا من بعض التأمل في الخطوط العامة لمصائر العالم في الفترة الراهنة، وعقب خمسة قرون من هذا الذي يسمونه (نهضة أوربا!)، كيما نستطيع أن نرى أو نتلمس شيئاً من الحقائق المحيطة بهذه " الدولة الأصولية الشايلوكية": عالمياً وعربياً.. ثم نزن "طموحاتها" وفقاً لعلاقاتها بتلك الحقائق، وانطلاقاً مما يقدمه لنا مخطط السيد بيريس لصناعة( شرق أوسط جديد) يستجيب لتطلعات رأس المال اليهودي في حل مفارقة العلاقة بين حركته الكوسموبوليتانية وحاجته إلى "أرض" ينطلق منها: أرض صالحة لحمل الحلم التوراتي بأمبراطورية عالمية، ترث هي أيضاً ما لا يجب أن تغيب عنه الشمس!!‏

-3-‏

لن نفصّل، ونحن نتلمس السمات الإجمالية للوضع العالمي، في تاريخ إنجازات الصناعة الضخمة الممركزة -أو مرحلة المصنع الضخم ذي الإنتاج النمطي الكثيف، على حد تعبير توفلر- ولن نغوص وراء الذي اقتضته هذه المرحلة من نهب واسع للموارد الأولية ولمصادر الطاقة خارج أوربا واستطالاتها الاستيطانية المصنّعة .. مثلما لن نتحدث عن السوق المتسعة والتي صارت الآن تشمل الكوكب كله.. ولن نفصّل في ما استجره ذلك من برمجة لزمن الإنسان بما ينسجم مع شروط ميكانيكية ذلك الانتاج الكثيف، أو برمجة لسيكولوجيته الفردية ولعلاقاته المجتمعية وقيمه التعاملية التي أعادت صياغتها حركة السوق وغايات الربح الشايلوكي.. الخ.‏

وبالمقابل أيضاً لن نتفاءل بما يبشر به توفلر عن التغيرات التي ستدخلها الثورة التكنوإلكترونية مستقبلاً على ذلك كله. فما يهمنا هنا هو: صورة الوضع العالمي الراهن التي أطلق السيد بوش على خطط أميريكا لإعادة صوغ معادلاتها المتغيرة وتوازناتها الهشة اسم: "النظام العالمي الجديد".. مع إسناد تلك الصورة دائماً إلى خلفياتها التاريخية دون أن نذكر من ذلك إلا ما يعيننا على إقرار ما نحن في صدده وحسب.‏

وكأساس لا بد من البدء منه، فإن علينا أن ننظر في ما حدث خلال العقود الخمسة الماضية، ولكن بطريقة مكثفة ومحسوبة.‏

لقد تمكنت الولايات المتحدة (ولاحقاً سندعوها "أميريكا" وحسب) من أن تعيد بناء النظام الرأسمالي العالمي المنهار عقب الحرب العالمية الثانية، وأن تقوده وفق مقتضيات جديدة من تطور الفعالية ذاتها -وعلى الطريقة الأميريكية- تحت شعار: (مواجهة الخطر الشيوعي) ممثلاً في الاتحاد السوفييتي السابق ومجموعة الدول التي صارت متحالفة معه وتدور في فلكه. وقد عرفت هذه المرحلة بمرحلة الحرب الباردة. ومن المهم هنا أن نذكر القارئ بأن أهم حدث دولي تُفتَتَح به هذه المرحلة هو بالنسبة لنا "الإنجاز الرسمي" للدولة الأصولية الأولى الشايلوكية: أي الكيان المسمى رسمياً "دولة إسرائيل"!‏

ولن يفوتنا هنا أن القيادة الأميريكية هي نخبة الأوليغارشية البيوريتانية: عقلاً ومنشأً. فهي إذاً بدورها في ذلك الحدث لم تزد على أن أكملت الخط التاريخي البيوريتاني الأصلي في دفع الصهيونية، التي صارت منظمة للذراع الرأسمالي الشايلوكي، إلى أن تُوجِد "ثكنة" لتمركزها في قلب الوطن العربي، مع دمغ هذه الثكنة باسم "الدولة القومية اليهودية" كبداية حل للمفارقة التي يعاني منها الرأسمال الشايلوكي، حسبما ذكرنا في الفقرة السابقة.‏

ولكن، لنؤجل الحديث في هذا الأمر مؤقتاً، ولنعد إلى "قصة" الحرب الباردة.‏

إن الشيوعية إذا كانت قد نبتت -كمنهج معرفي وكفلسفة ونهج ممارسة ضد الرأسمالية- في أواسط القرن الماضي، فهي إنما نبتتْ في "رحم" تلك الرأسمالية: أي في أوربا، وداخل نظامها القيمي المادي، مع الاختلاف الجذري بشأن توزيع الثروة ونظام التملك.. وما إلى ذلك مما لا يخرج في جوهره عن أسس النظام القيمي المذكور.‏

وإذا شئنا تلخيص ذلك كله قلنا: إن الشيوعية ولدت من رحم نظرية المركزية الأوربية في الثقافة، ونمت وشبت ونضجت في أحضانها بحيث لم تتمكن من رؤية أي بنىً مجتمعية/ حضارية خارج أوربا إلا على أساس معايرتها بما هو أوربي وقياساً عليه.‏

وهكذا، فإن النظم السياسية الشيوعية المتأسسة -نظرياً- على المنهج الماركسي، والمعتمدة على تطويراته اللينينية المنبثقة من واقع روسي مخصوص، إنما هي محصلة "ظاهرة فرعية" نقيضة للنظام الحضاري الكلي: نظام الرأسمالية الشايلوكية. وعليه، فإن انهيار الاتحاد السوفييتي وتفككه وتحلل النظام السياسي /الاقتصادي العام له وللدول التي كانت تابعة له، إنما يساوي -في الحقيقة- انتصاراً للنمط الحضاري العام، أي الرأسمالي ثم الإمبريالي، على إحدى النقائض الكبرى المتولدة عن حركته ذاتها في السياق الإجمالي لحركة التاريخ.‏

وبناء على ذلك فإن التفكير بأي بعدٍ حضاري مختلف في ما يعنيه مصطلح (النظام العالمي الجديد) إنما هو مجرد جهل أو كذب على الذات، لا أكثر ولا أقل.‏

وفي مرحلة الحرب الباردة مورست- بعمد أو بغير عمد- إحدى أكبر الكذبات المعرفية في التاريخ الحديث. فقد صار العالم ينقسم رسمياً، ومن قبل الجميع، إلى: عالم رأسمالي، وعالم اشتراكي موازٍ، وعالم ثالث أو مجموعة الدول النامية حسب التعبير "رفيع التهذيب!" للإعلام العالمي، وحتى لكبار السياسيين والمفكرين والكتاب.. إلى آخره.‏

وما دمنا نعرف الآن ما هو "العالم الرأسمالي"، وصار "العالم الاشتراكي الموازي" شيئاً في ذمة التاريخ، فما هو بالفعل ذاك "العالم الثالث" أو الدول النامية، أو ما شئتم من المصطلحات المرادفة؟!‏

في حقيقة الأمر لم يكن "العالم الثالث" إلا مجموعة الأقطار التي كانت "موضوع" الاستعمار العسكري المباشر قبل الحرب العالمية الثانية، ثم "استقلت" بعدها.. مع تحفظنا الواسع على المدلول الشائع لكلمة "الاستقلال" هنا.‏

لقد قلنا قبلاً إن "تلغيم" العالم بأسباب الحروب وفقاً لمتطلبات "المجمع الصناعي الحربي العالمي" ذي المكانة والفعالية المتزايدة بتواتر بالغ الاضطراد، كان ولا يزال أحد أهم أساليب الابتزاز الرأسمالي العالمي للأقطار المستقلة بعد الحرب العالمية الثانية.‏

إن التطور في أساليب وميكانيزمات النشاط الرأسمالي/ الإمبريالي هو الذي قاد -إضافة لما خلفته الحرب من أعباء على أوربا- إلى انسحاب الجيوش المستعمرة من المستعمرات، تاركة وراءها "حكومات" تملك أعلاماً وأناشيد وطنية، وحدوداً غالباً ما تفتقر إلى تطابقها مع الحقائق الجغرافية والديموغرافية /الاجتماعية: حدوداً يعج ما هو داخلها بالمشكلات المتخلفة عن النهب الإبتزازي المزمن وآلياته، وكثيراً ما هي حدود وهمية رسمت حول مجموعة من آبار النفط أو حول منجم يورانيوم أو نحاس أو أي مورد منجمي آخر.. فهي بالتالي حدود ملغومة إلى الحد الأقصى باحتمالات الحروب المحلية بين "الجيران"! وهكذا، كان شعار الدفاع عن الأوطان يستجر استهلاك المزيد والمزيد من منتجات المجمعات الصناعية الحربية بقروض تسدد من الموارد المحلية التي تتحكم بأسعارها مصالح الكونسرسيومات النهابة.. وهي في كل الأحوال موارد مستنزفة قبلاً، وأحادية، ومصدّرة في شكلها الأولي الخام.. إلى آخره.‏

ومن جهة أخرى تم جر "الدول حديثة الاستقلال" وراء فكرة للتنمية بما لا يراعي مواردها وقواها وحاجاتها الحقيقية، وزرعت فكرة "المكننة المتقدمة" كأساس لعملية التنمية. وهكذا جُرَّت هذه الدول الجديدة إلى "سباق صناعي" أقل ما يقال فيه إنه كاذب. وصار عليها أن تستورد (المصنع الضخم) دون توفر الذهنية المتطورة لتشغيله، ناهيك عن توفر حاجاته من الموارد الأولية، أو توفر السوق التي يجب عليه أن ينافس فيها!.. وفوق ذلك كله، فإن ذاك "المصنع الضخم" ما كان يتم تصديره إلا إذا كان منسقاً من الخدمة في بلد المنشأ، وفي أحسن الأحوال لا يُصدّر ما لم يبق مربوطاً ببلد المنشأ أثناء تشغيله، مع تناسينا لإرتباطه الحتمي بمصادر قطع التبديل وما إلى ذلك!‏

وبالطبع، ما كان لهذه التنمية- المستحيلة، في الحاصل النهائي- أن تبدأ إلا بقروض استثمارية أو خدمية ذات فوائد عالية.. وكانت النتيجة - باعتبار العملية برمتها وسيلة جديدة لمزيد من النهب- أن فشلت هذه التنمية في غالبية بلدان العالم الثالث الذي تجدد استنزاف موارده إلى درجة الخراب الشامل على مستوى البنى التحتية. أما المديونية المترتبة على " العسكرة الدفاعية"، وعلى هذه التنمية المستحيلة، فقد وصلت أرقامها إلى ما يشبه الأرقام الفلكية: نحو من /3500/ مليار دولار في بداية التسعينيات، وتزيد خدمة هذه الديون- ناهيك عن دفع أقساطها- عن مجموعة فوائض الانتاج القومي في عديد من البلدان!.. وبينما يولد كل فرد في العالم الثالث مديناً بنحو من ألف دولار للمؤسسات الرأسمالية العالمية، فإن تقديرات ربح تلك المؤسسات عن كل دولار جرى "توظيفه" في الدول النامية يقارب أربع دولارات أو أكثر. وهكذا وجد هذا "العالم الثالث" نفسه يعوم في المجاعات والخراب غالباً، أو يقف على حافتهما في نماذج قليلة، هذا عدا ما استجره ذلك كله من كوارث حربية وبيئية لا نظير لها في التاريخ. وعليه، فإن العالم قد انقسم فجأة -عقب تحلل الاتحاد السوفييتي وتوابعه- إلى:‏

-شمال غني مصنع ومتخم.‏

-وجنوب فقير مدين، أو بالأحرى جنوب يعوم في لجة الكارثة!‏

غير أنه -ووفقاً لمسلمتنا القائلة بأن مستحقات التاريخ لا بد أن تدفع عاجلاً أو آجلاً- يجب أن نلاحظ أن أول ما يترتب على هذا الوضع هو (انكسار الدورة الرأسمالية) بسبب من عجز هذا (العالم النامي المنهوب/ أو الجنوب المفقر المدين) عن الاستجابة لمتطلبات حركة السوق، اللازمة بدورها لسلامة دورة رأس المال الربوية ونجوعها... وهذا ما يفسر لنا -بدوره- سر الأزمة العاصفة التي تجتاح الحصون الإمبريالية التقليدية، وعلى رأسها (أميريكا القائدة!)، ويفسر بالتالي حدود المعنى الذي يتضمنه مصطلح (النظام العالمي الجديد) يوم أطلقه المستر بوش وهو على أبواب الحرب الثانية في الخليج.‏

***‏

إذاً، الجنوب المدمّر بالشراسة الموصوفة أعلاه أصبح عاجزاً تماماً عن القيام (بدوره!) كموضوع لفعالية الدورة الربوية للرساميل. ورأس المال -المالي منه والصناعي- نضج الآن شرط إظهار طابعه الكوسموبوليتاني، فاتّحدتْ كثير من مؤسساته في كونسرسيومات فوق قومية، بينما لا تزال المجمّعات الصناعية الحربية قومية الطابع والبنية بصورة إجمالية، بل تكاد تكون مبالغاً فيها! وهذا يعني أن التعاون الصناعي الحربي بين مختلف الحلفاء الرأسماليين تعاون جدُّ محدود، وكذلك جملة الآلة العسكريتارية الخاصة بكل دولة، والمكلفة بحماية "مصالحها" القومية في نهاية الأمر!..‏

وكلما اشتدت أزمات الكساد والبطالة في دول الشمال الغني، بسبب الصدع الهائل الذي يسببه وضع الجنوب لدورةِ الرساميل، فإن المجموعات المجتمعية، في كل دولة، يزداد انغلاقها القومي فعلياً.. بل إنه يأخذ شكل تعصب يصل في بعضها إلى حد النزوع الفاشي المعلن.‏

إن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: ما الذي يخبئه فعلاً إجماليُّ وضع العالم، بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وملحقاته، وبعد أن صار "الجنوب" إلى ما شخّصناه فيه في الفقرة السابقة؟!‏

ويمكن أن يطرح مضمون هذا السؤال بصيغة أخرى هي: هل يمكن لأية "إعادة ترتيب تجميلية" لصورة الوضع العالمي - ولو بأعتى آلة حرب كالآلة الأميريكية - أن تصادر الفواعل غير المنظورة في سياق حركة التاريخ والتطور التاريخي، وأن تمنع بالتالي دفع المستحقات المؤجلة لهذه الحركة منعاً نهائياً؟!‏

دعونا أولاً نتملس بعض تفصيلات صورة العالم في مختلف أجزائه - بما في ذلك الجنوب المدمر- كيما نضع أيدينا على شيء من حسابات الاحتمالات المفتوحة، متذكرين دائماً أن "صورة اليوم" إنما هي محصلة للأمس وما قبله.. وأن الغد مرهون بذلك كله، وفي عمق مجريات حركة الحياة البشرية، لا في تصريحات السياسيين ولا في خطط الجنرالات أو مشروعات ملوك المال!‏

أ-إذا كان الانهيار المفاجئ للاتحاد السوفييتي قد كشف -في الحقيقة- ليس فقط عن تحلل لآلة الدولة هناك وحسب، بل أيضاً عن تحلل بنيوي -كان مخبوءاً ومسكوتاً عنه تحت ستار الإجترار الطويل للشعارات الدوغمائية - شمل سائر البنى التحتية: الاقتصادية/ الاجتماعية/ الثقافية/ المؤسساتية التي عاشت نحواً من ثلاثة أرباع القرن.. فإن قراءة متعمقة لأوضاع مجتمعات الجنوب المنهوب تشير بدورها- وبدليل الظواهر الطافية على سطح الحياة فيه- إلى تحلل بنيوي أيضاً، تحلل له طابع الشمول لسائر ميادين الحياة: الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والقانونية.. ولكن، بتفاوتات تختلف شكلاً وشدة حسب ظروف هذا المجتمع أو ذاك.‏

ويبدو الأمر، في المحصلة الأخيرة، كما لو أن الكتل الاجتماعية قد تبعثرت إلى "ذراتها" الصغيرة التي أصبحت شاردة، وتبحث في الوقت ذاته عن "قوانين تجميع" جديدة مختلفة جذرياً عن تلك التي اعتمدتها بعد "الاستقلالات"!‏

وإذا كان نهب هذا الجنوب قد أوصله إلى أن يكون - دون أن يريد- سبب انكسار الدورة الرأسمالية العالمية العامة، فإن الصراع السوفييتي /الإمبريالي خلال ثلاثة أرباع القرن، وبصرف النظر عن تفصيلاته ونتائجه بالنسبة للظاهرة الاشتراكية، قد سبب بدوره إنهاكاً بالغ الشدة للقوى الإمبريالية.‏

إن ذلك الصراع، الذي يبدو -ولو ظاهرياً- كأنما استغرق حركة التاريخ خلال تلك الأعوام الخمسة والسبعين، يشبه وضع ملاكمين عملاقين على حلبة. وفيما يسقط أحدهما أخيراً بالضربة القاضية أو يهزم بالنقاط، فإن الآخر المنتصر يحتاج إلى النقل الفوري إلى غرف الإنعاش أو العناية المشددة!‏

وبالطبع سنعود لاحقاً إلى النظر في احتمالات الوضع المستقبلي لروسيا/ أكبر أجزاء الاتحاد السوفييتي السابق.. لكننا الآن سنتابع سياق معالجتنا لما هو قائم من تفصيلات الصورة العالمية التي نحن بصدد مقاربتها أساساً.‏

ب-وفقاً لمبدأ (التناقس الحر) في العمل الرأسمالي، والذي يتضمن في براغماتيته وشايلوكية قيمهِ أنّ الأقوى يلتهم الأضعف، فإن "العناية المشددة" أو "الإنعاش" للملاكم العملاق الذي يبدو منتصراً على الحلبة سابقة الذكر، لا يمكن أن يتما - بحساب أوضاع الجنوب المدمر- إلا بالالتهام المتبادل داخل البنيان الرأسمالي العالمي، وبين أطرافه ذاتها.‏

وهنا نعود مجدداً إلى مفارقة سبق ذكرها ولا بد من التوقف عندها ثانية، مع إحدى نتائجها الأكثر احتداماً:‏

-أما المفارقة فهي ما قلناه عن الاختلاف التناقضي الجوهري بين الطابع الكوسموبوليتاني فوق القومي للكونسرسيومات المالية/ الصناعية الكبرى في العالم، وبين الطابع القومي الحاد لاحتياجات الانعاش سابق الذكر. وفي هذا الإطار يبرز دور "آلات الحرب القومية" وفعالية حجم التفاوت بين ترساناتها، الأمر الذي تشكل ضغوطه عنصراً جوهرياً في تعديل المعادلات السياسية/ الاقتصادية، وإعادة "ضبط" ميزان المصالح حسب ثقل كل آلة حرب على حدة. وسنعود إلى بعض التفصيل في هذا كله بعد قليل.‏

-إن النتيجة التي تنبني على المفارقة السابقة، وانطلاقاً من مبدأ وقيم الرأسمال وعلاقاته، هي مسألة البورصة. إن البورصة هي (المجال السلمي) الذي تتحارب فيه الرساميل (حرباً ودية!) لا رحمة فيها إذ يسقط من يسقط ويسمن من يسمن في لحظات، نتيجة للأحابيل التي تنصبها الأطراف الرأسمالية كلٌّ منها للآخر! فالمضاربة اليومية بالمال والسندات وأسهم الشركات.. الخ هي في النهاية حرب مستمرة. وهي تزداد ضخامة وشراسة كلما استشرى الكساد وتضاءلت فرص الاستثمار الابتزازي في بقايا الجنوب!‏

لقد ارتفع حجم الرساميل الملعوب بها في البورصات، أي تلك التي يربح بعضها على حساب بعض دون أن تدخل في حساب المبادلات التجارية العالمية الفعلية، ارتفاعاً مذهلاً بل خيالياً. ففي نهاية الثمانينيات قدر توفلر حجم الرساميل المضارَب بها يومياً بمائتي مليار دولار، أي ما يساوي ألفاً ومائتي مليار دولار في الأسبوع الواحد.. مع احتساب يوم العطلة، ولا بد أنها الآن أكبر من ذلك بكثير.‏

ومن لديه بعض الإطلاع على علاقات البورصات بالسياسات التجارية وغير التجاربة، أي بمجموع المصالح الحيوية لهذه الدولة أو تلك، فإن بإمكانه أن يتخيل مدى الخلل والإنهاك اللذين تعاني منهما التجارات الدولية الرأسمالية.. وبالتالي عمق أزمات الكساد ومعناها.‏

حـ-قلنا أن أميريكا تصدت لقيادة النظام الرأسمالي العالمي، بعد الحرب العالمية الثانية، وفق "أفق جديد" للعمل، وتحت شعار درء الخطر الشيوعي، وإنها لذلك قد أعادت بناء المؤسسات الرأسمالية في كل من أوربا واليابان مع إبقائهما شبه مستعمرتين لها: ولكن، مستعمرتين من نوع خاص!‏

وفيما كانت أميريكا تأخذ على عاتقها "تنمية آلة الحرب" الرادعة للشيوعية، واثقة من دور هذه الآلة في استجلاب كل الأنهار إلى بحر المصالح الأميريكية، كان المركزان: الأوربي والياباني، ينموان صناعياً ومالياً نمواً ربما فاق كل التوقعات الأميريكية، بل ربما تجاوز حساباتها القومية أيضاً.‏

على أن "الشراكة العامة" ظلت قائمة بين الجميع بصورة مرضية عموماً طيلة فترة الحرب الباردة.. أي طيلة وجود "الخصم الأقوى" الذي يشكل حافزاً فعلياً للحفاظ على تلك الشراكة.‏

وربما للمرة الأولى في التاريخ الرأسمالي بدا رأس المال العالمي -خلال نصف القرن المنصرم- يعمل مثل جسد أخطبوطي واحد بأذرع وحشية ماصة متعددة.‏

غير إنه ما إن زال "الخصم المحفّز" حتى أخذ يتكشَّفُ لأبسط المراقبين أن وراء "الوحدة الأخطبوطية" الظاهرية حقائق مختلفة جداً: حقائق تتعلق بالانحيازات للمصالح القومية، مع كثير من التشدد أيضاً! إن الأذرع الأخطبوطية تحاول تكوين أجساد جديدة خاصة بها، مع الإبقاء -راهنياً- على أقنية اتصال كافية مفتوحة بين كل منها من جهة، وبينها وبين "الجسد الأميريكي الأم" من جهة أخرى.‏

وإذا عدنا فتذكرنا ما سبق قوله عن دور المال اليهودي الشايلوكي في تمويل ونمو العصر الرأسمالي برمته، ونمو الرأسمال اليهودي كركن من أركان البنيان الرأسمالي العالمي العام، فإن علينا أن نعيد استنتاج أن الذراع الأخطبوطية للرأسمال اليهودي /الصهيوني على وجه الدقة/ هي ذراع قوية داخل الكل، وهي قد استفادت بقوة من التوجه الكوسموبوليتاني لفعالية الأخطبوط الإجمالية خلال مرحلة الحرب الباردة.‏

ولأسباب كثيرة تتعلق بأوضاع أوربا ذاتها خلال النصف الأول من هذا القرن على الخصوص، كان مركز قيادة العمل الرأسمالي الصهيوني قد انتقل إلى أميريكا وأشبك خيوط موجوديته إشباكاً محكماً في نسيج "الجسد الأخطبوطي الأم"- مستفيداً بذلك من سائر الأذرع، ومحتفظاً في الوقت ذاته بكل جاهزيته للاستقلال عند الضرورة!- ما دام الحيز الجغرافي الذي أنشئت فيه (دولته الأصولية التلمودية) لم يصر صالحاً بعد ليكون (الوطن القومي الملائم!) لفعالية رساميل تلك الذراع بصورة شبه مستقلة.‏

ولنضع هنا في حسابنا أن هذه المسألة هي إحدى أطروحاتنا الأشد أهمية في النقاش الذي سنديره مع أحلام ومخططات السيد بيريس حول (شرقِهِ الأوسط الجديد) حسبما يتخيله ويرغبه!‏

د-ولكن لننظر الآن في الأوضاع الخاصة لكل من المراكز الرأسمالية الكبرى الثلاثة: أميريكا وأوربا واليابان مع التفاتة خاصة إلى كل من روسيا والصين، كي نرى شيئاً من الآفاق الحقيقية التي تتحرك عليها (رؤى!) الصقر الصهيوني القديم بيريس بعد أن أخفى مخالبه جيداً، وأخذ "يحاول الهديل!" راخياً جناحيه قليلاً كي يبدو شبيهاً بحمامة!‏

أولاً: أميريكا‏

ما لا جدال عليه هو أن الولايات المتحدة أقوى وأكبر استطالة استيطانية أوربية في سائر أنحاء هذا الكوكب.‏

ويكشف تاريخ استيطانها عن أساسها الثقافي/ الاجتماعي المتهافت. فقد تشكل مستوطنوها الأوائل من المنفيين المحكومين في بلدانهم، ومن المغامرين المرتزقة الباحثين عن الثروة بالنار والبارود.. وما إن استقر هؤلاء بعد مذابح إبادات الهنود الحمر حتى نشطت فيها، وإليها، عمليات النخاسة الواسعة التي قامت على استرقاق الأفارقة المخطوفين بكثرة من قارتهم، واستخدامهم في عمليات الإنتاج الزراعي وملحقاته كعبيد محرومين من كل حقوق.. وبقية القصة معروفة!‏

على أن "الصفوة البيوريتانية الأنغليكانية " التي جعلت من ثلاثة عشرة ولاية أميريكية "مستعمرة انكليزية" في البدء، عادت فقادت حرب استقلال ضد انكلترا.. وبعد النجاح في ذلك -أو خلاله- تم ضمّ الولايات الناطقة باللغة الأسبانية في الجنوب الغربي، ثم نشبت الحرب بين الشمال المصنع والجنوب الزراعي "لتحرير" القوى العاملة من العبيد وإلحاقهم "بالإسترقاق الصناعي" الجديد ومتطلباته.. وبقية هذه القصة معروفة أيضاً!‏

وقد وفدت إلى هذه الـ "أميريكا" بعد الاستقلال، ثم بعد حرب الشمال والجنوب "موجات هجرة" من سائر قوميات الدنيا من الباحثين عن لقمة العيش، أو الطامعين في الثراء.. وما إلى ذلك. ومن هذا الخليط المتنافر كله يتشكل ما يسمى "المجتمع الأميريكي" الآن.‏

وبصرف النظر عما هو معروف من حتمية احتفاظ كل جالية بأصول ثقافتها وقيمها التي لقنتها في وطنها الأم، وعلى مدى قد يطول كثيراً قبل أن تندمج كلياً في الوسط الجديد الذي تعيش فيه... فإن قيم النخبة السائدة تتعمم، وتحدِّدُ -ولو ظاهرياً- حدود العلاقات العامة المتبادلة بين مجموعة الجاليات المختلفة والتي تشكل هذا الخليط الاجتماعي.‏

وعليه، فإن قيم "الكاوبوي" الباحث عن الثروة عبر فوهة مسدسه هي في الواقع سمة النظام العلائقي المعياري الذي يحكم ويوجه التعامل الأميريكي: داخلياً وخارجياً. وتتضمن تلك القيم نزعة العرقية والعنصرية لدى غالبية الأوربيين "البيض" تجاه من عداهم.. وفي مجموعة هذه الأطر، وعلى أسسها، يتم تشكل "ثقافة" أميريكا، في الوقت ذاته الذي تتشكل فيه سيكولوجيا الأفراد، وتتهجن سيكولوجيات المجموعات الوافدة من أصول غير أوربية! ومن هذا كله نشأت "ذرائعية" وليم جيمس وتابعيه باعتبارها فلسفة متكاملة لهذا الخليط المقود بأوليغارشية بيوريتانية، حسبما أشرنا قبلاً.. ومنه أيضاً نجحت التكونات المافيوية التي تعممت بسرعة مدهشة وأدخلت كتنظيم خفي في ممالك المال والأعمال، مثلما في البنية الإدارية للدولة على تنوع ترتيباتها.. وإلى درجة ملفتة للنظر إن لم نقل: مثيرة!‏

وانطلاقاً من إجماليّ هذا الوضع الاجتماعي الخاص، وتكوينه شبه الشاذ، كان امتلاك التفوق في تكنولوجيا القوة -ممثلة في أعتى آلة حربية في التاريخ حتى الآن- يشكل هدفاً أعلى للأوليغارشية الأنغليكانية الكاوبوية القائدة. ولقد تم لأميريكا هذا، وتعزز بقوة، بعد عملية واسعة "لسرقة" العقول والتقنيات الأوربية خلال الحرب العالمية الثانية وقبيلها وبعدها.. وهي تقنيات دفعت أوربا أثمانها باهظة خلال قرون من نموها الرأسمالي، الأمر الذي سنرى أنها لن تقدر على "غفرانه" لأميريكا إطلاقاً.‏

ولكن، ما هي الصورة التي آلت إليها الأوضاع العامة في (أميريكا) هذه.. وبعد حساب مستجرات الصراع ضد "الخطر الشيوعي" في مرحلة الحرب الباردة السابقة؟!‏

إذا كانت الذرائعية هي أساس نظام القيم في ثقافة هذه (الأميريكا) التي لا تاريخ لها سوى تاريخ الإبادات والاسترقاق، ثم تنمية الثروة على أساس من التطور المتفوق تكنولوجياً وبدعم من آلة الحرب العملاقة.. فإن النزعة المافيوية قد تمكنت- فوق ما ذكرناه عنها قبلاً- من الترسُّخ كأحد أبرز الاتجاهات لحماية "الذات" من الآخرين على مستوى علاقات البنى التحتية، حيث لا يُفهم "الآخر" هنا إلا بما هو خصم منافس على تصيّدِ كل ما يمكن امتلاكه. وهذا الأمر جعل مختلف الجاليات المنضمّة لاحقاً للخليط الاجتماعي تنكفئ داخل تركيبه الهش في ما يشبه (الغيتوات) الثقافية الخاصة بكل مجموعة قومية غير أوربية.. وما نعلمه من القراءات هو أن كل مدينة أميريكية تحتوي على أحياء شبه مغلقة -بالمعنى الثقافي والسلوكي- لعديد من تلك الجاليات. أما ما يربط الجميع، بعضهم بالآخر، فهو "المصلحة" أو المنافع التي يلخصها الدولار باعتباره رمزاً لها، ووسيلة لتبادلها تجارياً في نهاية المطاف.. أي إن الدولار هو باختصار "قيمة القيم" التي تتركز حولها عمليات الوجود الاجتماعي تركزاً كلياً.‏

وفي فترة الحرب الباردة ظلت هذه المنافع محمية بقوةٍ في ظلال هيبة "الدولة القائدة"، والتفوق التكنولوجي وآلة الحرب الهائلة. لكن صدوعاً عميقة أخذت تبرز في ذلك كله مؤخراً، رغم أن نبرة الإعلام العالمي حول سطوة أميريكا لم تتغير. لا بل إنها في الفورة التي تسبق اندلاق ما في القِدْر!‏

ومن الخطأ الاعتقاد بأن ولايات أميريكا الخمسين تجري كلها في مستوى واحد، أو حتى متقارب، من التقدم التكنولوجي، وبالتالي: من الفعالية التجارية، المالية منها والبضاعية. ففيما تتميز كاليفورنيا مثلاً بالتصنيع التكنوإلكتروني العالمي، نجد ولايات أخرى لا تزال تعتمد على الزراعة.. وبينما تحتصُّ الشرق الأميريكي بنشاط المال والأعمال تعتمد ولايات أخرى في الغرب على السياحة والقمار وتجارة الجنس... إلى آخره. وبالطبع هذا مجرد تقسيم تبسيطي لإيضاح ظاهرة التنوع المتفارق في عملية النمو الحقيقية.‏

وفي سياق مختلف عن السياق الأميريكي، المحكوم بثقافة بالغة الفقر وبقيم براغماتية فاضحة، قد يبدو هذا التنوع تعبيراً عن غنى التركيب بتماسكه المحكم.. لكن الأمر هنا بعكس ذلك تماماً. وهذا ما سيظهر بوضوح في مايلي من تتمات إجابتنا على التساؤل السابق.‏

إن التاريخ الأميريكي الذي لا يمتد لأكثر من ثلاثة قرون تقريباً يحتفظ لأميريكا الآن بمستحقاته المؤجلة والتي صارت بعض ظواهر استحقاقات دفعها تطفو بوضوح على سطح الحياة العامة هناك.‏

وآلة الدولة- اتحادية كانت أو دولة ولاية- لا تستطيع أن تغير الشيء الكثير في مسارات إلحاح حركة التاريخ على الدفع المعجل لأسباب أهمها: كون مفاصلها القيادية نخبوية أنغليكانية إجمالاً. أي إنها مترفعة، بشوفينية مبطنة، على النسيج التحتي الذي تقوده من جهة.. وهي- فوق ذلك - مافيوية الأساليب/ براغماتية التوجه السلوكي من جهة أخرى.. ثم إنها تعوم على نسيج اجتماعي متفكك الثقافة بإستثناء ثقافة الامتلاك والاستهلاك المتمحورة على الدولار وحركته من جهة ثالثة. وباختصار فإن الآلة الدولتية بكل مؤسساتها غير محمولة في النهاية على وجود مجتمعي صلب وراسخ، بل هي محمولة على خليط عارض من التجمعات، أبرز ما في سيكولوجيتها هو تلك العدوانية العصابية- وذات السمة الانتحارية إن جاز التعبير- والتي إن لم تجد تصريف "مخزونها المتوارث" في الخارج صبته حتماً في الداخل! وما ارتفاع وتائر الجريمة، واستهلاك المخدرات، ونسب امتلاك السلاح الفردي ونوعيته، وانحلال العلاقات الأسرية، والانحلال الجنسي الفظ حيث يصير الجنس بمختلف أشكاله -السوية أو الشاذة- مجرد سلعة في السوق.. نقول: ليس ذلك كله، مع مجموعة المستجرات المترتبة عليه، إلا مؤشرات على "سواد الصورة" لما في عمق الحياة الأميريكية التي تقدم إعلامياً على أنها صورة لممارسة "الحرية!" بالغة الإشراق!!‏

وفي الواقع، فإن شيئاً لم يمت من رواسب التاريخ الوحشي "لإنجاز هذه الأميريكا": بدءاً من مشكلات إبادة الهنود الحمر، مروراً بالحرب مع المكسيك وضم الولايات الناطقة بالأسبانية.. وانتهاءً بقضية الزنوج والممارسات العنصرية ضدهم، ثم حرب الشمال والجنوب ومخلفاتها.. ناهيك عن السلوك الأميريكي ومستجراته في سائر أنحاء العالم! إن التاريخ لا يسقط شيئاً من "فواتيره". ولدينا شاهد قريب يمكن الاستئناس به كدليل على صحة ما نذهب إليه: حوادث لوس أنجلوس قبل نحو من عام ونيف!‏

ونحن لا نحاول الرجم بالغيب، ولا إسقاط رغباتنا على التاريخ. ففي كتابه: (الموجة الثالثة) يرجح توفلر -الباحث الأميريكي المستقبلي المرموق لا سواه!- أن أميريكا جاهزة للتفكك إلى خمس دول على الأقل، قد تكون أهمها دولة (كاليفورنيا، نيومكسيكو) ذات التصنيع التكنوإلكتروني بالغ التطور(* ... وتقابل هذه الدولة في الأهمية دولة المال والأعمال في الشرق والشمال الشرقي.. إلى آخره.‏

وبالمناسبة فإن توفلر كان قد أصدر كتابه هذا عام 1980 وتنبأ فيه بتفكُّيك الاتحاد السوفييتي، وبما يقارب دقة النبوءة المذهلة. فكيف إذاً وهو يتكلم من "داخل البيت"؟!.. بل يتكلم كأميريكي حريص أولاً وأخيراً؟!‏

إن خلاصة ما نريد قوله هو: إن "قراءة" واقع المكونات التحتية للمجتمع الأميريكي، وملاحظة ظواهر تعبيرها الطافية على السطح، تشير إلى تحلل عام في النسيج البنيوي الاجتماعي. لكن ما لا يزال يضبط هذا التحلل ويمنعه من الانفلاش حتى الآن، هو بقايا الثروة المتراكمة المنهوبة، وما يعلق على السباق التكنوالكتروني من آمال بتقديم الحلول للأزمات المعلنة وغير المعلنة، وما تفرضه وتفترضه الآلة العسكريتارية المرعبة من حماية للمصالح والمنافع التي يتمحور حولها الوجود الأميريكي.. والتي "يجب!!" أن يقدم العالم - والشركاء الرأسماليون فيه خصوصاً- حلاًّ لمشكلاتها التي سنجازف بالقول إنها تصير معضلات مستعصية يوماً وراء يوم، وبسرعة غير عادية!‏

ودفعاً للشبهة حول مصداقية هذا التشخيص والتوصيف، إليكم بعض الأرقام ذات الدلائل الواضحة، وكلها مأخوذة من مصادر موثقة:‏

في عقد الثمانينيات انخفضت وتائر النمو الاقتصادي الأميريكي بحدة إلى ما بين 2و3% لكن هذه الوتائر أخذت في السنوات الثلاث الأخيرة تراوح حول 0.5% وفي العام 1993 اعتبر تجاوز هذا الـ 0.5% نحو "الواحد" لعدة أشهر نوعاً من الفأل الكبير بتحسن سريع، لكن الآمال التي عقدت على ذلك ما لبثت أن تراجعت وخبت .أما الكساد فقد بلغ حداً مُهيناً ومثبطاً، فيما بلغت نسبة البطالة المعلنة رسمياً نحو 9% وهذا الرقم مخيف بالنسبة لبلد كأميريكا يريد أن يعمم نمط حياته ونظامه الليبرالي على العالم، ومن موقع التفرد بقيادته له!‏

ومما يجب ذكره هنا أيضاً هو انهيار وذوبان واختفاء شركات كانت عملاقة في مجالات عدة: الصناعة- النقل- السينما- البيوتات المالية، خلال العام 1993، مع ملاحظة أن أوربا شهدت مثل ذلك أيضاً. وفي مجال أوضاع الإدارة العليا للدولة الاتحادية نجد أن حجم عجوزاتها ومديونيتها يصل هذا العام 1994 رقماً فلكياً مدوخاً: أربعة آلاف وخمسمائة مليار دولار، ليس غير.. هذا عدا عجوزات ومديونية ميزانيات الولايات، كل على حدة! وهذا الوضع قد أدى داخلياً إلى استنزاف ما في صناديق الضمان الصحي، والاجتماعي، والتقاعدي، وصناديق التأمين، والإدخار.. وأشباهها من صناديق الخدمات الرسمية الاجتماعية، الأمر الذي يخفي -على حد تعبير توفلر ذاته- مأساة حقيقية داخلية.(* .‏

وقد يقال إن أميريكا تستطيع الآن خفض نفقات التسلح بعد تحلل الاتحاد السوفييتي ومنظومته الاشتراكية، وبعد ابتعاد شبح الحرب الباردة، خفضاً ضخماً يساعد على تجاوز ذلك الوضع بسرعة. لكن الواقع هو أن أميريكا قد زادت من النفقات العسكرية في ميزانيتها لعام 1994 بنحو /300/ مليار دولار على ذمة إحدى المجلات الجادة، فلماذا؟! وما السر وراء ذلك؟!‏

إننا إذا وضعنا جانباً ما هو معروف من الغزو الاقتصادي الياباني الكاسح للأسواق الأميريكية الداخلية ذاتها، وصرفنا النظر مؤقتاً عن وتائر النمو الاقتصادي العالية في آسيا الشرقية -أو بعضها - خصوصاً في الصين التي وصلت وتائر نموها إلى 13-14% سنوياً، وهو أمر يثير قلقاً أميريكياً حاداً.. إذا فعلنا ذلك، وتذكرنا فقط سعي أوربا الحثيث إلى الوحدة الاقتصادية، وربما العسكرية قريباً، مع ما يشكله ذلك من تحدّ للقيادة الأميريكية للعالم، ثم أضفنا إلى هذا كله دمار "الجنوب" ومديونياته غير القابلة للتسديد، وأخذنا بالحسبان ما كنا ذكرناه مراراً من المفارقة بين الطابع الكوسموبوليتاني للشركات عابرة القومية- وهي نمط الفعالية الرأسمالية الذي أنجز في مرحلة هيمنة أميريكا خلال الحرب الباردة -وبين ما هو قومي في حسابات جملة القوى الرأسمالية وحركتها باتجاه مصالحها الخاصة، ثم أسند ذلك كله إلى مبدئية أسلوب (التنافس الحر) وما ينطوي عليه من مستجرات صراع مستميت.. إننا إذا ما فعلنا ذلك كله فسنرى بوضوح، وكاستنتاج أولي، أن "أميريكا في خطر": خطر أوربي من جهة، وخطر ياباني /صيني/ آسيوي شرقي من جهة أخرى.‏

وعليه، فإن (الضامن الأخير) للهيمنة الأميريكية- أعني آلة الحرب- يجب أن تعزز بمزيد من القوة كيما يُرمى بثقل "ظلها" على المفاوضات التجارية!‏

إن المفاوضات بشأن اتفاقية (الغات) أخذت شكل "حرب مصالح" أثناء المباحثات بشأنها مع أوربا. وفي الوقت ذاته الذي نسمع فيه عن "حوارات التعاون" بين "دول عبر المحيط الهادي"/ أي أميريكا ومختلف الدول المهمة شرقي آسيا بما فيها الصين/ تكرر أميريكا تهديداتها المستمرة بإعلان الحرب التجارية على اليابان! ولأن أميريكا تعرف جيداً أن الحوارات حول برمجة عمليات التجارة العالمية لصالحها، ومن موقع الضعف الاقتصادي، هي حوارات غير كبيرة الجدوى، فإن اللجوء إلى "ظلال" الآلة العسكريتارية هو أمر ضروري!... وهنا يكمن السر في زيادة النفقات التي تحدثنا عنها، على هذه الآلة، قبل قليل!!‏

لكن مشكلة الآلة العسكريتارية هي مشكلة مبهظة بدورها: داخلياً وخارجياً، خصوصاً وأن الادعاء المعلن بافتقاد "كل خصم!" بعد انهيار الاتحاد السوفييتي يجعل الأميريكي العادي- دافع الضرائب- غير مقتنع بضرورتها بعد.‏

لكننا رأينا أسباب تعزيز قوة هذه الآلة، وهي فعلاً أسباب وجيهة.‏

غير أن هذه الآلة يجب أن تظل متحركة لأسباب كثيرة: منها حاجتها الذاتية للحركة بحكم طبيعتها الخاصة وإلا صدئت وتآكلت تلقائياً.. ومنها "تجريب" وتسويق المنتجات الجديدة لمجمّعها الصناعي الحربي الذي سبق القول إنه - بحكم الضرورة- يصير أحد أهم المؤسسات الرأسمالية القومية.. لكن كل حركة كبيرة للآلة العسكريتارية تكلف عبئاً جديداً ينضاف إلى عجز الميزانية الاتحادية، ويفاقم- بالتالي- من حدة الأزمات الداخلية مفاقمة مثيرة! إنها حلقة مفرغة تأخذ طابع المفارقة الغريبة، فعلاً!!‏

وفي إطار كل ما تقدم عن أوضاع أميريكا يجب- حسب تقديرنا- فهم ما وراء مصطلح (النظام العالمي الجديد ) من معان ومقتضيات أرادها المستر بوش حين أطلقه.‏

إن أميريكا تريد جر العالم الرأسمالي: عبر الغات، وعبر الحوار مع آسيا الشرقية، وعبر تهديد اليابان، وعبر إثارة التفجرات في (العالم الثالث) المنهار ثم "تبريدها" أميريكياً وباستخدام قناع الأمم المتحدة.. تريد جر ذلك العالم إلى المساهمة- وعلى حسابه- في خلق الظروف الملائمة لتعديل آليات الربح، وحركة الرساميل، بما يوافق تفكيك الأزمة البنيوية الأميركية، وبما يعدل ميزان مدفوعاتها ويضبط وتائرالنمو الرأسمالي بشكل يحقق لها وتيرة نمو أولى ومستقرة!‏

لكن، يبدو أنه لا أوربا ولا اليابان وآسيا الشرقية راغبة في ذلك فعلاً. وبالمقابل، فإن الآلة الحربية الأميريكية لا تريد بتاتاً أن تتوقف ثم تتآكل من داخلها بينما يقف دهاقينها متفرجين. وهنا يجدر التذكير بأن السمات الجوهرية لقيم هذه الآلة ولوظائفها هي سمات مختلفة جذرياً عن مثيلتها التي للآلة العسكرية السوفيتيية إبان انحلال الاتحاد السوفييتي وقبله، ولذلك لامجال للتفكير بتشابه الموقفين أو تماثلهما في حال وصول الأزمة الأميريكية إلى طور التحلل العام!‏

ولنأخذ بعض الوقائع الدالة على وظيفة الآلة العسكريتارية الأميريكية ومجمعها الصناعي الحربي:‏

في حرب الخليج الثانية جربت أميريكا أعداداً هامة من (المنجزات التدميرية!) لذلك المجمّع على الشعب العراقي، دون المساس بنظامه بتاتاً.‏

وعلى ذمة إريك لوران الذي ألف كتاباً بجزئين عن هذه الحرب التي سميت اصطلاحاً (عاصفة الصحراء) أن الراغبين في شراء الأسلحة الجديدة تزاحموا- بصورة طيبة!- ولوقت ما، على أبواب شركات السلاح الأميريكية. لكن ذلك كما يبدو لم يقدّم خدمة ذات شأن للاقتصاد الأميريكي الراكد!.. فلنتجاوز هذا إلى ما هو أهم من جوانب تلك الحرب.‏

إن (الترسانة العراقية) بلغت تقديرات كلفتها نحواً من مائة وخمسين مليار دولار، عدا النفقات الجانبيّة. وقد باعتها مائتان من الشركات الرأسمالية المعينّة.. ثم دمرت هذه الترسانة ( في أرضها- كما يقال)، وهذا بالطبع مكسب امبريالي كبير من الناحية المالية ينضاف إلى المكاسب المتحققة من بيع(ستوكات) الأسلحة التقليدية في حرب الخليج الأولى بين إيران والعراق.. وبتمويل خليجي/ سعودي جزئي للعراق خلال أعوام تلك الحرب الثمانية!‏

وثمة سؤال يطرح نفسه تلقائياً هنا، هو:‏

- هل كانت أميريكا معنية فعلاً( بتحرير الكويت) استجابة لقيم (النظام العالمي الجديد)، أم إن لها أهدافاً أخرى أهم بكثير؟!.‏

مع افتراضنا أن أميريكا كانت معنية وراغبة فعلاً بذلك ( التحرير) قدر رغبتها بتدمير ترسانة العراق وبناه الاجتماعية/ الاقتصادية التحتية، فإننا نعتقد أن لدى أميريكا أسباباً أشد أهمية، من وراء ( عاصفة الصحراء) تلك.‏

يذكر بيريس في كتابه، موضوع بحثنا هنا، أن كلفة تلك الحرب قد بلغتْ نحو 676 مليار دولار، وهذا التقدير أميريكي بالطبع. وإذا كنا لا نعرف كلفتها الفعلية ولا ما وجب على السعودية والكويت وبقية دول الخليج دفعه من تلك الكلفة التقديرية، فإننا نعرف مثلاً أن السعودية التي كانت تملك فائضاً نقدياً جيداً قد أصبحت مدينة- عقب الحرب- بمايقارب/70/ مليار دولار، أما الكويت فإنها ربما دفعت أضعافاً مضاعفة عما دفعته السعودية، ويوم كتابة هذه السطور كانت إحدى الجرائد العربية الواسعة الانتشار تكتب في أحد (مانشيتاتها) الرئيسية: الكويت لاتزال تسدد(الإتاوة) لأميركا (*‏

وينضاف إلى هذا كله ما دفعه بقية الخليجيّين جميعاً أيضاَ!.. وحتى اليابان وألمانيا أجبرتا على دفع نحو من اثنين وعشرين مليار دولار، وسط اشمئزازهما الشديد من أساليب الابتزاز الأميريكية، وإعلانهما أن تقديرات كلفة الحرب الحقيقية هي أقل بكثير جداً مما أعلنته أميريكا!! والخلاصة أنه يمكن تقدير الربح الأميريكي الصافي من الجباية عن (عاصفة الصحراء) بنحو أربعمائة إلى خمسمائة مليار دولار، استناداً إلى مختلف التخمينات التي نعترف بأنها غير موثقة .. ناهيك عن الاستجابة لضرورة الحركة بالنسبة للآلة العسكريتارية، ولتجريب منتجات مجمّعها الصناعي هناك، ولما في العملية برمتها من إظهار إعلامي براق لهيبة الولايات المتحدة (القائدة)، إضافة إلى كثير من الأمور التي لامكان للخوض فيها هنا!‏

على أن ما هو أشد أهمية من ذلك كله هو تحقيق التواجد العسكري المباشر لأميريكا في منطقة (مصدر الطاقة) الأكبر في العالم، وما وراء هذا التواجد من تقديرات واعتبارات استراتيجية آنية ومستقبلية، تخص (الحلفاء!) أصلاً، وتتخذ صيغة إنذار عملي وعملياتي بالكيفية التي سوف تعالج بها ( الدولة القائدة!) أي تغير أو تغيير دولي تعتبره ( ضاراً بمصالحها)، خصوصاً في تلك المناطق التي تعتبرها حساسة جداً بالنسبة لتلك المصالح!‏

وحين نفكر بمقارنة ( عاصفة الصحراء) مع الحملة الأميريكية في الصومال ونتائجها - علماً بأن إريك لوران يؤكد في الجزء الأول من كتابه المذكور قبلاً على أن خريطة الخطط الاستراتيجية الأميريكية، إبان الحرب الباردة، تضع القرن الإفريقي مقروناً بالشرق الآسيوي في رأس قائمة المواقع ذات الأهمية العليا- فإنه ستتكشف لنا بعض الحقائق المهمة منها:‏

- إن لأميركيا طريقة مختلفة في معالجة ( الاضطرابات العالمية) بين منطقة وأخرى فيما بعد الحرب الباردة, فإذا كان جيران الكويت والكويت مثلاً قادرين على دفع إتاوات التدخل دفعاً مريحاً فالتدخل واجب، أما الشعب الصومالي ومن حوله فما الذي ترك لهم ليدفعوه؟!. وبالتالي، لماذا استمرار (عراضة) التدخل تحت شعارات أخلاقية مخالفة للبراغمايتة الراسخة، مادامت هذه (العراضة) مكلفة دون مردود؟!.‏

-إن المشرق العربي الذي هو قلب العالم فعلاً من وجهة النظر الاستراتيجية العسكرية، وبوابة للتبادل والتفاعل العالميين بين سائر أرجاء العالم القديم الذي يضم أكثر من خمسة أسداس من سكان الكرة الأرضية، هو أيضاً مركز الإمداد الأول للحضارة الراهنة بالطاقة- وبما لا نعرفه أيضاً مما هو مخبوء من الخامات الهامة- (* ولذلك فإن الهيمنة عليه لايزال شرطاً أساسياً للهيمنة الفعلية على العالم.‏

وهذا هو مايفسر- بالنسبة لنا- تنوع المبادرات الأميريكية في المنطقة ولهفتها السريعة بصورة غير عادية.. مع العلم بأننا نضع تصورنا عن أوضاعها المأزومة، واحتمالات صراعاتها المتفجرة قريباً مع حلفائها السابقين، في أساس ذلك التفسير(** )!‏

ولكن يبقى أمامنا هنا أن ننظر في مسألة حدود التوافق وكيفياته بين التطلعات الأميريكية ونظيرتها الصهيونية للهيمنة على المنطقة، وما إذا كانت (الدولة الأصولية التلمودية) ستشتغل-في هذا الإطار- كثكنة لأميريكا القائدة أم لا!!‏

إننا، إذا عدنا من جديد للتركيز على المعادلات الدولية التي يعاد تشكيلها راهنياً في إطار الافتراق والتقاطع المتناقض بين المتطلبات القومية لحركة القوى الرأسمالية وبين الطابع الكوسمو بوليتاني لجوهر الدورة الرأسمالية العالمية الكلية، نجد أنفسنا معنيين- بل ملزمين- بالبحث عن حدود العلاقة القائمة والمحتملة بين الذراع الرأسمالية الأخطبوطية الصهيونية، وبين الذراع الأميريكية التي لايزال (مركزها) يُشكِّل(جسداً جامعاً) وقائداً للكل الأخطبوطي، وإن يكن الآن مهدداً بالنخر الذاتي وبالتمزق نتيجة لافتراق المصالح بينه وبين مكوناته.. وفي ما يخص شرقنا، الذي صار(أوسطاً)، على وجه الحصر!‏

ولنعد طرح الأمر في صيغة التساؤل:‏

- في الحدود المقدرة لقوة الذراع الصهيوني داخل البنيان الأخطبوطي الكلي، وفي شروط ترغم فيها الأذرع على أن يلتف كل منها على الجسد بغية استنزافه لصالحه بتصارع متبادل، إلى أي مدى يحتاج الوضع الأميريكي لإسناد هذا الذراع الصهيوني!؟.‏

-وبعبارة أخرى: كيف تجري آلية تبادل المنافع بين الطرفين، مع ملاحظة أن الجزة الأكبر من الكمّ البشري اليهودي - القليل جداً في العالم- والكم الأكبر من الرأسمال الشايلوكي، متمركزان في أميريكا!؟.‏

إن النمو في الرساميل الشايلوكية- ولأسباب كثير: تاريخية، وعقائدية، وسيكولوجية- تطلّب قبلاً إنشاء (نقطة استناد قومية!) وصار يتطلب الآن تعزيزاً وتوسيعاً لنقطة الاستناد هذه، حيث بات لايرى( ضمان مستقبله!) وبقائه إلا ببناء إمبراطوريته الموازية لإمبراطوريات نظائره، أمام أوضاع عالمية صارت بالغة الاضطراب، ومليئة بالاحتمالات العاصفة. وبالطبع إن مجال ( التوسع الإمبراطوري) لنقطة الاستناد الصهيونية هو (الشرق الأوسط الجديد) حسبما (رآه!) السيد بيريس يلوح أمامه كما لو أنه حقيقة.. مع ملاحظة أن هذا (الشرق الأوسط!) لايمكن لأميريكا- كما هي الآن على الأقل!- أن تتخلى عن الهيمنة المتفردة المطلقة عليه!!‏

ترى هل ستأتي لحظة البدء الصهيونية بسحب الإسناد الرأسمالي لأميريكا متواقتاً مع العمل الزاخم على تفجير أزماتها الداخلية وبنيانها الاجتماعي الهش، وبالتالي تفكيكها، على طريقة تفكيك الاتحاد السوفييتي. أو ما يشبه ذلك؟!‏

ليست الإجابة سهلة- مع العلم بأن هذه التساؤل ذاته سيبدو مضحكاً لكثيرين من السذج- وهي ليست ممكنة بصورة مقبولة مالم نلمَّ بعموميات ما يجري في المركيزين الكبيرين الآخرين: أوربا، وآسيا الشرقية.. وبالتالي: مالم نستقرئ خطوط نزاعاتهما، الداخلية منها والمتبادلة، وخطوط نزاعهما مع المركز الأميريكي القائد، دون أن ننسى حساب العلاقات التاريخية الخاصة لكل منها باليهود عموماً.‏

وبالطبع، ستنضاف إلى ذلك ملامح الانهيارات الإجمالية للوضع العربي وعمقه الإسلامي.. لكن الإجابة - بعد كل هذا- لن تكون مفردة في سطور أو صفحات مخصصة لها بصورة مستقلة في هذا الكتاب، وإنما سيجدها القارئ مبثوثة في ثنايا البحث كله.. خصوصاً بعد ابتداء مناقشتنا التفصيلية (لرؤى!) وأفكار السيد بيريس، أو بالأحرى لمخططة الذي نخمن أنه كتب بإشراف صهيوني أعلى .‏

ثانياً: أوربا‏

من المعروف أن أوربا المتصارعة داخلياً طيلة تاريخها قد أنجزت مؤخراً- وبشيء من العسر البالغ- نوعاً من الوحدة الاقتصادية الأولية في إطار طموحاتها لبناء (البيت الأوربي الواحد)، الموحد على مختلف الصعد، وفي سائر المجالات.‏

وظاهرياً تبدو الصورة مبشرة بإشراق مبهر، أما ما تحت هذه ( البشارة المشرقة) فهو ماسيكون موضع التمحيص.. ولو بعمومية. ولكن، ما هي الغاية الاستراتيجية من هذا التوجه الأوربي الجديد.؟! أي لماذا يلح سياسيو أوربا- بمبادرة قيادية فرنسية واضحة- على هذه (الوحدة) التي تحولها إلى كتلة اقتصادية/ عسكرية متمايزة، في لحظة انتصار( النمط الرأسمالي ونظامه العام) على (بعبع!) الخطر الشيوعي السابق في شرق القارة؟!.‏

سنهمل الإجابة مؤقتاً ونعود إلى التذكير بأسس الهيكلية العامة للوجود الأوربي تاريخياً.. وهي هيكلية تبرز فيها محصلات كل الصراعات : الدينية والقومية والعرقية، الحربية منها والسلمية، وباعتبار هذه المحصلات موضوع تجلًّ لسائر عناصر التنوع: المتناقض منها والمتصالح، داخل الوحدة الإجمالية- الكائنة أو المطلوبة- للقارة.... وباعتبارها أيضاً حاملة لمستحقات التاريخ المؤجلة حملاً إجبارياً، وفق مسلمتنا التي توصلنا إليها في البداية.‏

قلنا قبلاً إن أوربا بدأت "نهضتها!" على أسس مواريث عصر الرق الأول فكرياً وقيمياً، وأشرنا تلميحاً إلى مستجرات الحروب الصليبية الفاشلة في الشرق، وإلى مستجرات تصفية المركز الحضاري العربي في الأندلس، من انشقاقات وصراعات دينية كانت- في مجملها- تخبئ صراعات المصالح في أطرها القبلية/ العرقية.‏

إن المجموعات القبلية الغازية التي ستعرف لاحقاً باسم (اللاتينية) ستبقى على مذهب الكثلكة، أما المجموعات الجرمانية فإنها بعد حركة مارتن لوثر ستترك الكثلكة إلى مذهبها الجديد (البروتستانتي)، فيما سيطور الأنغلو ساكسون صيغة أخرى من هذا المذهب ويسموته باسمهم: (المذهب الأنغليكاني)، بينما استقر السلافيون في الشرق على المذهب الأرثوذكسي متأثرين ببيزنطة ومذهبها الرسمي.. وفي وسط هؤلاء وأولئك انحشرت المجموعات الخزرية الصغيرة المتهوّدة التي شكلت أصل يهود العالم جميعاً باستثناء القلة الضئيلة من يهود الشرق العربي/ الإسلامي. وسنعود إلى هذه المسألة في سياق مناقشتنا لرؤى السيد بيريس.‏

أما سكان أوربا الأصليون فهم مازالوا متوزعين في مناطق كثيرة من دول القارة. ورغم مرور نحو من خمسة عشر قرناً على تلك العملية الواسعة من الاستيطان والتطورات اللاحقة عليها، فإنهم مازالوا يميزون أنفسهم عن القبائل الغازية التي صارت قوميات متمايزة تحتويهم دون أن (تتمثلهم) على ما يبدو. إذ، على ذمة توفلر في (الموجة الثالثة)، تنشط الرغبات والممارسات الاستقلالية لبقايا أولئك السكان الأصليين بصورة أقوى وأعمق بكثير مما نتوقع نحن أو نخمن!.‏

ولكن، لنغادر الآن مانراه"مجموعاً واسعاً من الألغام الفعلية " لمستحقات التاريخ المؤجلة، ولنعد إلى النظرفي موضوعنا الخاص هنا: موضوع وحدة أوربا بما لها وما عليها.. ولنحاول أن نتبين مدى تماسك هذه الوحدة، بل حتى مدى تماسك دولها منفردة، كيما نتمكن من استخلاص شيء ما مما هو محتمل في جملة علاقاتها الراهنية والمستقبلية.. ودائماً: في ضوء أوضاع الجنوب المنهوب المدمر ذاته!‏

قلنا إن أميريكا التي استقطبت اليهود ورساميلهم قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية قد أعادت بناء أوربا بعد تلك الحرب عسكرياً ورأسمالياً- عبر مشروع مارشال الشهير- بناءً يربطها عموماً بالمصالح الأميريكية ومقتضياتها، إنما: كشريك صغير إذا جاز التعبير!‏

وإذا كانت أميريكا لا تستند في تكوينها العام إلى ميراث ثقافي خاص ذي قيمة، بينما تستند أوربا / الأم إلى ميراث ضخم وغني التطور-بصرف النظر عن صحة أسسه أو نوعية وظيفته وقيمه- فإن لنا هنا أن نتخيل نوعية رد الفعل السيكولوجي، الفردي والجمعي، الذي سيتولد أوربياً عن هذه التبعية ويتطور انطلاقاً منها! وإذا قرنّا ذلك برد الفعل المترتب على (السرقة الأميريكية) للتقنيات وللعقول الأوربية المدفوع ثمن إنتاجها بما لايحصر من الآلام ودماء الحروب، فإنه يمكننا استنتاج طبيعة النفور والمقت الأوربيين المضمرين لأميريكا، مثلما يمكننا تلمس مفتاح التفسير للرغبات الأوربية العميقة في سرعة التخلص من التبعية لتلك (الاستطالة الاستيطانية)، المشوهة في تركيبها الاجتماعي العام على الأقل!‏

وفي هذا السياق كانت تعليقات الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران على حوادث لوس أنجلوس العرقية ذات دلالة هامة، حيث إنها صيغت بتهكم واتهام قويين .. الأمر الذي جعل الإعلام الأميريكي يرد سريعاً بنبرة شبيهة، متوعداً بقرب انفلاشٍ مشابه في البنية القومية للمجتمع الفرنسي، ومذكراً أيضاً بتاريخ العنصرية العرقية في أوربا كلها! ولايعنينا أمر الاستطراد في التحديات الفرنسية لأميريكا وأساليبها منذ ديغول وحتى آخر تصريح لوزير خارجية الرئيس ميتران(* ، رغم ما لذلك من دلالات عميقة على ما نذهب إليه، مما لا يخفى على القارئ، خصوصاً وأن فرنسا هي التي تتنطع لقيادة أوربا نحو وحدتها المأمولة كما سبق أن أشرنا.‏

والمهم في الأمر أن أوربا تمكنت، بعد نحوٍ من خمسة وثلاثين عاماً تالية للحرب، أن تبدأ في عملية إنهاء تبعيتها لأميريكا شيئاً فشيئاً، وأن تحاول استعادة بعض من دورها القيادي التاريخي للنظام الرأسمالي العالمي. وفي ضوء هذا يمكننا أن نرى موضوعة (الوحدة الأوربية) ، وفي أكثر جوانبها جذرية، على أنها: محاولة كبرى- على مافيها من تناقضات داخلية حادة- للتخلص نهائياً من تلك التبعية، ولاستثمار أزمات أميريكا بغية تحجيمها.. وذلك بإقامة سوق موحدة واسعة للإنتاج والاستهلاك وتحرك الرساميل. وبالتالي: خلق ( كتلة اقتصادية ضخمة) توازي الكتلتين الأخريين: كتلة أميريكا الشمالية بما فيها كندا والمكسيك.. وكتلة آسيا الشرقية التي تشمل اليابان وامتداداتها الآسيوية، والصين أيضاً.‏

ويبدو أن أوربا تعوّل كثيراً على الثقل التاريخي لفعاليتها كمركز منتج لعصر الرأسمالية أساساً، فيما هي تسعى الآن لاستعادة ذلك الدور، مثلما تعوّل أيضاً على أن تضم إليها- وبشروطها هي_ شظايا الاتحاد السوفييتي الأوربية، وروسيا على وجه الخصوص، وبذلك تحقق اتساعاً جغرافياً وديموغرافياً يمنحها مزايا استراتيجية إضافية عالية الأهمية: إذهي تصبح مطلة بصورة مباشرة على آسيا برمتها.. مثلما سوف تصبح- في حال تحقق ذلك -شبه مطلة على أميريكا الشمالية.. والأهم أنه سينضاف إلى أسواقها الداخلية تلك السوق الروسية الفسيحة، الغنية بالمتطلبات الاستهلاكية قدر ما هي شديدة الغنى باحتياطي الخامات ومصادر الطاقة..‏

غير أن ذلك كلّه يبدو مخترقاً من نواحٍ عدة.‏

فبالنسبة (للثقل التاريخي لفعالية المركز) يمكن القول إن الديناميات الداخلية المحركة للمبادرات المبدعة في سياق الإنتاج الحضاري الرأسمالي هي ديناميات تظهر كأنما قد أصيبت بالترهل، وما يشبه الشيخوخة الدافعة إلى العطالة من الوجهة التقنية، قياساً إلى ماحدث في أميريكا، وإلى ما يستجد الآن في اليابان وآسيا الشرقية عموماً.‏

فبينما يتنافس اليابانيون والأميريكيون في مجالات إنتاج الكومبيوترات الذكية ويتسابقون بسرعة حادة نحو إنتاج النظم المعلوماتية خارقة الذكاء، مع كل ما يترتب على هذا الإنتاج من تغييرات متسقبلية ومن امتلاك عناصر تفوق جديدة- ونسجل هنا أن أميريكا لاتزال متفوقة في ذلك تفوقاً مؤقتاً ونسبياً، على الأقل!- وبينما عمل اليابانيون بدأب على نقل أساليب أدائهم الصناعي، بكل المعاني المادية والعملية والعقلية للكلمة، إلى المستويات التي تقتضيها الثورة التكنوإلكترونية دون إحداث أية صدمة في نطاق بنيتهم الصناعية/ التجارية/ المالية- والكلام هنا مقبوس من توفلر ذاته- فإن أوربا لاتزال غارقة في مفاهيم وآليات وقيم ( عصر المصنع الضخم ذي الإنتاج النمطي الكثيف الممركز) .. وهذا المستوى من الأداء التكنولوجي ما عاد يجد الأفق العالمي الملائم لنجوع فعاليته باعتباره (المستوى القيادي) للأداء الرأسمالي العالمي. إنه، بمزيد من الاختصار، يصبح متخلفاً إزاء نظم الأداء التكنو إلكترونية، الذكية والخارقة الذكاء. وأوربا لم تستطع حتى الآن أن تبدأ في الخروج عالمياً إلى المنافسة العالمية على مستوى نظام الأداء المستقبلي المذكور.‏

على أن الأهم، في هذا السياق ذاته-سياق شيخوخة الديناميات للمركز/ الأم- هو ذلك الإرث المبهط من الارتكاسات السيكولوجية، الفردية والجمعية، لقرون الاستغلال الرأسمالي على القارة. ولحروب التنافس الرأسمالي على الأسواق والمستعمرات.. ولنظام (قيم امتلاك الثروة) ذاته، على القطاعات الواسعة الوسطى والدنيا من شعوب أوربا.. إضافة إلى انعكاسات خطر التلوث البيئي وعشرات المشاكل الكبرى المشابهة.. إن ذلك كله قد شكل أساساً معمماً لفقدان الثقة بالحضارة، مثلما شكل إحباطاً عميقاً لدى مجموعات واسعة من النخب المثقفة التي- بدورها- تصنع(الوعي التاريخي) لدى المجموع الشعبي إجمالاً. وهذا، بدوره، أسّس لتثبيط المبادرات المبدعة اللازمة من أجل التنافس الكفء في السباق العالمي الجديد المحموم.‏

إن التشاؤم العام المتعلق بمستقبل القارة لم يظهر قبلاً- ولايمكن أن يظهر الآن- في تصريحات السياسيين أو أفعالهم. إنه مسألة خطيرة وعميقة الجذورفي (الوجدانات) الشعبية. ومن أظهرها هم الكتاب والمفكرون والفلاسفة والفنانون!.. فذلك التشاؤم صيغ في نظريات متكاملة حول (فلسفة الحضارة) كما في أعمال كل من شبنغلروتويبني..وصيغ في نظريات فلسفية عامة وأعمال أدبية وفنية مشهورة مثلما في الفلسفات الوجودية و(العبث) و(اللامعقول) وأفلام الرعب، وغيرها..وفوق ذلك فقد كشف أبعاد ذلك التشاؤم وحدوده المرضية أعلام علم النفس المرضى: مثل فرويد ويونغ وفروم وسواهم، من مختلف مدارس ذلك العلم واتجاهاته..وكل هذا هو بعض من الأدلة حول صحة ما نذهب إليه من الاختراق القائم في عمق محاولات السياسيين الأوربيين لتوحيد أوربا، ولاستعادة دورها القائد باعتبارها المركز الرأسمالي الأم!‏

وحتى على مستوى الأدوات السياسية ذاتها لا تبدو آلة الحرب الأوربية مجتمعة- والتي يفترض، كما سبق القول، أنها الاحتياطي الأهم لحماية المصالح ولترجيح كفة أصحابها في موازين المعادلات الدولية- على أنها توازي حتى آلة الحرب الروسية المتبقية، ناهيك عن آلة الحرب الأميريكية!..‏

وهذه القضية- متداخلة ومركبة مع قضايا ذاتية وعالمية أخرى كثيرة- تجعل حضور أوربا في المشاكل الدولية التي تتطلب الحلول العاجلة حضوراً باهتاً، بل هامشياً وتابعاً لأميريكا حتى هذا التاريخ.‏

ولا تبدو أميريكا كبيرة الرضا أو الارتياح تجاه الوحدة الأوربية، ولعلها في وقتٍ ما قد عملت حتى على عرقلة خطواتها التأسيسية.. انطلاقاً من تحالف ديني يخفي وراءه المكر البيوريتاني وصراع المصالح!..‏

ففرنسا الكاثوليكية التي تطرح نفسها قائدة لوحدة أوربا جوبهت باستمرار بنوع من الاستقطاب الانغليكاني في القارة تقوده انكلترا بتشجيع أميريكي!.. إنها لم تكن مصادفة، ولا قضية شخصية، تلك الميول القوية المبكرة التي أظهرها الجنرال ديغول للتخلص من عبء التبعية لأميريكا حين رفض ربط آلة الحرب الفرنسية بحلف الناتو، وقال عنه: ( ليرحم الله جميع الموتى). لقد كان هذا الرجل يمقت بقوة حلفاءه الانكليز ومكرهم البيوريتاني اللئيم الذي هو خلاصة (النهج الصافي) لعمل النخبة الأميريكية القائدة. وهو قد ذهب سريعاً من (الإيليزيه) بعد انتهاء رئاسته الأولى، لكن الديغولية كنهج لاتزال تلقي ظلالها بقوة على مجمل الحياة السياسية الفرنسية.. في الوقت الذي لاتزال ألمانيا فيه تغرق في مشاكل وحدتها المتجددة مثلما كانت قبلها غارقة في (تبييض) تاريخها المعاصر من مشاكل مخلفات النازية!!‏

وخلاصة القول إن وحدة أوربا مخترقة من داخلها بمختلف ماحان دفعه من مستحقات التاريخ المؤجلة.. أما تسميتها بـ "القارة العجوز" فليست تسمية من باب التدليل أو التفكه بتاتاً، وإنما هي تسمية تطرق أشد أبواب حقيقتها خفاءً!‏

ولننظر الآن في الاختراقات على جبهة ضم شظايا الاتحاد السوفييتي إلى " البيت الأوربي الواحد" حسب ذلك التعبير الغورباتشوفي المشهور.‏

من المعروف أن ضم عدد من دول أوربا الشرقية: بدءاً بدول البلطيق الثلاث، مروراً ببولونيا ورومانيا..، وانتهاء بجمهوريتي التشيك والسلوفاك، إنما يعامل أوروبياً على أنه نوع من استجرار أعباء إضافية على أوربا الغربية. أما الطمع الحقيقي فهو: في روسيا!‏

لكن روسيا لاتزال تفور بما لايمكن حصره أو حسابه من الاحتمالات الخطرة حسب المقاييس الأوربية. وفوق ذلك فقد انصبت الفعالية الأميريكية بنوع من القوة نحو هذا البلد، حيث توجد قوى يهودية مترسملة هامة، وتعيد خلق شبكة فعالة لترابطاتها مع "مركزها" الشايلوكي في الولايات المتحدة. وهذا كله يشكل عوائق قوية- رغم تنافرها- في وجه احتواء روسيا أوروبياً كما هو مأمول.‏

إن التنامي الجديد لاتجاهين قويين متعاكسين في روسيا: الاتجاه الشيوعي الجديد، والاتجاه القومي الروسي المتعصب، لا يعيق فقط حركة السياسيين الروس الميالين إلى الاندماج في "البيت الأوربي الواحد"، بل هو فوق ذلك يعيد إلى الذهن الأوربي- الفرنسي والألماني خصوصاً- وفي أعمق مناطقه السيكولوجية المخبوءة، حقيقة أن روسيا هي "البلد الغامض الخطر" الذي لا يؤمن جانب المجازفة فيه أو معه!.. وهكذا فإن دعاة الوحدة الأوربية لن يحصلوا قريباً على ذلك "الامتداد الروسي المفتوح" من الأسواق والثروات، ولن يجدوه معهم، أو في جيوبهم، كي يحل لهم أزماتهم الخاصة في المستوى الاجتماعي/ الاقتصادي الذي هو "منصة الإقلاع" نحو فضاء الدور القيادي العالمي المطلوب! ولكن ماهي المظاهر التي تتبدى فيها تلك الأزمات الأوربية الخاصة على المستوى المذكور؟‏

ابتداءً، يمكن القول إنه- كما في أميركا- تنعكس تأثيرات أوضاع الجنوب المنهار على أوربا في صيغة أزمة كساد وأزمة بطالة حادتين بالفعل . وتنضاف إلى ذلك أزمة المهاجرين من المستعمرات السابقة الأمر الذي يستثير- في إطار التشاؤم الحضاري والخوف المترافق معه- إحياءً قوياً للنزعة العرقية المتأصلة في أوربا، ليس على المستويات الشعبية وحسب بل أيضاً على مستوى الإجراءات السياسية التي تتخذها أهم بلدان القارة للحد من الهجرة.. وذلك رغم كل الادعاءات الإعلامية بالترفع عن تلك النزعة وإدانتها ظاهرياً!‏

إن ذلك كله يؤشر، في نهاية الأمر، على أوضاع عامة متخبطة وإن تكن غير منظورة، لأن التخبط- حسب تقديرنا- قائم في الأساس البنيوي الذي لم ينفلش بعد!‏

وإذا كنا لانملك أرقاماً عن العجوزات المختلفة لموازين المدفوعات الخاصة بأهم حكومات القارة، فإننا نعرف أن البلدان الأقوى في القارة: فرنسا، ألمانيا، إيطاليا.. قد عرفت وتائر نمو جيدة خلال الثمانينيات تراوحت بين 10و8%، لكن هذه الوتائر قد أخذت بالتراجع في السنوات القليلة الماضية تراجعاً حاداً إلى نحو 5%. وهذا بدوره مؤشر آخر على التفاقم في أهم الأزمات التي تواجهها القارة. أما انكلترا التي لم تعرف مثل هذا النمو العالي فإنها قد أخذت تعرف انخفاض وتائره نحو رقم أدنى من الرقم المنخفض لنمو الدول الأخرى سابقة الذكر.‏

ولعل نوعية الخلافات التي دارت بين أوربا وأميريكا قبل توقيع اتفاقية التجارة العالمية (الغات) لهي المؤشر الأبلغ في الدلالة على عمق الأزمات التي تطال المستوى الاقتصادي/ الاجتماعي لعموم أوربا.‏

وبالطبع، إن تركيب الوضع الأوربي الراهن هو تركيب خاص مختلف جذرياً عن تركيب نظيره الأميريكي الذي سبق عرضنا لأهم ملامحه. ومن الأفضل لبحثنا هنا أن نعيد تلخيص مجمل جوانب صورته- مع الاعتذار من القارئ عن بعض التكرار الذي قد يحدث- وذلك كيما نرى تلك الصورة بأكثر ما يمكننا من الوضوح والجلاء... وكيما نرى فيها احتمالات المصائر أيضاً!‏

أ- لقد قلنا إن أوربا، منتجة عصر الاسترقاق الرأسمالي العالمي، قد بدأت تشيخ حضارياً. أي إن :"طاقة الدفع الذاتي" لمجتمعاتها- التي كانت "حاملاً" لفعالية القرون الخمسة الماضية والمبهظة بسائر المعايير- أصبحت عاجزة بنيوياً عن إعادة التشغيل الناجع لميكانيزمات هذا النمط الحضاري في شروط السباقات العالمية الراهنة، واشتراطات المشاكل التي تصوغ إشكالية هذه السباقات أو تولدها.‏

ب- أصبحت قارة أوربا ملوثة بيئياً إلى درجة خطيرة. وهذا يستثير فعالية مضادة لأسس العمل الرأسمالي في المستويين التكنولوجي والعسكريتاري، الأمر الذي تجسده (منظمات الخضر) التي أخذت تنتشر بقوة مقبولة في سائر أنحاء القارة. وهذا كله، مع عناصر انعدام الثقة بالنمط الحضاري، والخوف المترتب على احتمالات تجدد الحروب المرعبة، وبروز تفاهة نظام القيم المتأسس على امتلاك الثروة للإنسان.. كل ذلك يشير إلى نزوع عميق في صلب البنى التحتية إلى تغيير "الوظيفية الرأسمالية" للقارة، وهو ما يتطلب بدوره تغييراً بنيوياً جذرياً لمجموع التركيب الشعبي الأوربي! ونحن نجد الدليل على هذا الافتراض في أساليب الحياة العبثية لقطاعات واسعة من الشباب الأوربي منذ حركة 1968 الطلابية في فرنسا، دخولاً إلى انتشار "الهيبية"، ثم أسلوب "الأوتو ستوب"... وانتهاء بالانحلال الجنسي ومستجراته المختلفة.‏

على أن تغيير "الوظيفية" المذكور، كميل معبر عنه اجتماعياً في المظاهر التي ذكرناها، هو تغيير متناقض بحدة مع الهيكلية العامة المتأسسة على قيم استعباد التملك للإنسان، ومع نظرية المركزية الأوربية في الثقافة، ومستجراتها التي تشكل- في المحصلة النهائية- إطاراً وأرضية إجماليين لمجموع تلك التناقضات المتفاقمة. وهذا مانرى من جهتنا أنه يستجر تحللاً بنيوياً عاماً لن تستطيع "آلة الدولة" كبحه أو إعاقته لوقت طويل.‏

حـ- إن أوربا لم تعد لديها موارد منجمية ذات شأن، مثلما إنه ليست لديها موارد طاقيه ذات أهمية تذكر.. ولاتشير أبحاث "البدائل" إلى أنها ستكون ناجعة، في مدى قريب مقبول.‏

وفي سياقات التصارع العالمي على الموارد المذكورة وعلى السوق، المنكسرة عالمياً في الأصل، ستجد أوربا نفسها في وضع دافع إلى مزيد من تفاقم أزماتها الإجمالية.. بل إن بداية هذا التفاقم قد أخذت تحتد وتحتدم، وهذا ماسنتبينه في الفقرتين التاليتين الأخيرتين.‏

د- إذا أخذنا الأعمدة الثلاثة الرئيسية للوحدة الأوربية: (المانيا- إيطاليا- فرنسا) فسنجد أنها- كما سبقت الإشارة إلى ذلك- قد عرفت انخفاضاً حاداً في وتائر النمو ومنذراً بالخطر. وفي ألمانيا تحولت الوحدة المفاجئة بين جزئيها إلى نوع من العبء السياسي/ الاقتصادي/ الاجتماعي المفزع، فقد تكشف (الحلم الفردوسي!) الغربي للشرقيين عن نوع من "جحيم" يهدد عناصر استقرارهم السابق بخلخلة، فردية ومجموعاتية، تنسف أنساق ترتيب موجوديتهم دون تقديم أية بدائل ناجعة.. بينما وجد الغربيون أن أحلامهم باستثمار الموارد الشرقية تنكسر على صخرة مقاومة الشرقيين الذي رأوا تلك الوحدة تضعهم في الوضع الدوني الذي يهدد الأسس البنيوية لحياتهم، حسبما ذكرنا أعلاه.‏

ومجمل مستجرات الوحدة، في إطار الكساد والأزمة الاقتصادية العالمية المفتوحة، قاد إلى اتساع نشاط النازية الجديدة- في غرب ألمانيا بالطبع- كرد فعل خطر ضد مجمل الوضع الألماني وترتيباته.. إلى آخره مما لم تدرس بعد أبعاده ونتائجه المحتملة دراسة مقبولة! ولكن ذلك كله مؤشر على صحة ما ذهبنا إليه في الفقرة السابقة.‏

أما إيطاليا فقد دخلت الآن- وقت كتابة هذا البحث- في أزمة اجتماعية معلنة وخطرة، بعدما تكشفت أوضاعها عن التحكم المافيوي في أهم المفاصل الإدارية والسياسية التي تتولى تسيير شؤون الحياة العامة في هذا البلد. ومجمل الفضائح التي أبرزت في دائرة الضوء- ناهيك عن التغيير المتواتر المأزوم للحكومات هناك- تشير ليس إلى عمق الأزمة البنيوية للبنية الفوقية لإيطاليا وحسب، بل أيضاً إلى منعكساتها في (حاملها) الاجتماعي/ الاقتصادي التحتي حيث يقتضي ذلك استجرار هشاشة بنيوية لذلك الحامل، إن لم نقل بداية تحلل بنيوي إجمالي.‏

وربما تبدو فرنسا في وضع أفضل، لكن نجاح اليمين المتطرف، والإجراءات الأخيرة المتعلقة بموضوع الهجرة والجنسية- وهي إجراءات تنبع من وضع ثقافي عرقي يفترض أنه قد تغير!- تنم، في حواشيها وتبريراتها، عن تأزمات قيد الانكشاف.‏

على أن النمو العسكريتاري لألمانيا الموحدة، والذي قلب الموازين بينها وبين فرنسا في هذا الميدان، قد أثار هواجس السياسة الفرنسية- كما يقول توفلر- الأمر الذي دفع السيد ديستان الرئيس الفرنسي الأسبق إلى أن يصرح قائلاً: (على القوات الفرنسية أن تكون معادلة في حجمها للقوى الأخرى في القارة، أي للجيش الألماني)(* .. ويعكس هذا الأمر بذاته مدى (قلة الثقة) بين أهم القوى في (الوحدة الأوربية)، ويدلنا بالتالي على الخوف المتبادل بين دول تلك الوحدة رغم كل ما يعلن عنه أو يصرح به.‏

هـ-ثمة سؤال يطرح نفسه هنا، ونحن نتذكر التمزقات القومية ذات الأبعاد العرقية لدول شرق أوربا، هو: هل أوروبا الغربية مرشحة للإصابة بعدوى هذه التمزقات أم لا؟!‏

إن إجابتنا على هذا السؤال ستكون على ذمة صاحبنا توفلر ذاته، وسننقل عنه فقرة نعتذر عن أنها مطولة. يقول توفلر في كتابه "الموجة الثالثة" وفي فصل "انحلال الأمة":‏

(الوقت هو آب/ أغسطس/ 1977. ثلاثة رجال يرتدون القبعات جلسوا إلى طاولة بسيطة، في أحد أطرافها مشكاة وشمعة متوهج لهبها، وفي طرفها الآخر علم مجعد، وعلى الراية وجه غاضب لرجل على رأسه عصابة تشبه دوامة عليها الأحرف اللاتينية FLNC. قال هؤلاء الرجال الملثمون لرجال الصحافة الذي جلبوا معصوبي الأعين إلى مكان اللقاء أنهم مسؤولون عن تفجير محطة البث في سيرادي بنغو- وهي المحطة الكورسيكية الوحيدة لاستقبال بث التلفزيون الفرنسي- إنهم يريدون لكورسيكا أن تنفصل عن فرنسا، فباريس تنظر لأهل الجزيرة بازدراء تقليدي، والحكومات الفرنسية لم تفعل شيئاً يذكر لتطوير اقتصاد الجزيرة.... واليوم تعاني فرنسا من تخمر ضيق النطاق- كالمشكلة الإيرلندية- في جزيرتها المتوسطية. وفي الطرف الآخر من البلاد تتفاعل عواطف الانفصاليين منذ مدة طويلة، وكانت ذروتها السنوات الأخيرة. إذ تلقى حركة الانفصاليين في "بريتاني"، حيث فيها أعلى نسبة بطالة وأدنى الأجور في فرنسا، دعماً واسعاً، وتنقسم إلى فرق متنافسة ولها جيش إرهابي اعتقل بعض أعضائه بتهمة القيام بتفجير بعض المباني الرسمية بمافيها قصر فرساي. وفي هذه الأثناء تقلق فرنسا مطالب الاستقلال الثقافي والإقليمي لمقاطعتي الألزاس واللورين، وأجزاء من لانغيدون وغيرها.‏

وعبر القنال الانكليزي تواجه بريطانيا ضغوطاً مشابهة، لكنها أقل عنفاً، من الاسكتلنديين. ومنذ بداية السبعينات كان الحديث عن القومية الاسكتلندية يعتبر (نكتة) في شوارع لندن، لكن هذه القضية لم تعد مضحكة على الإطلاق حالياً، وخاصة بعد الأخذ بعين الاعتبار أن يساهم نفط بحر الشمال في تطوير الاقتصاد الاسكتلندي في المستقبل. وعندما فشلت حركة لتكوين مجلس اسكتلندي منفصل عام 1969 ازدادت الضغوط المطالبة بالاستقلال الذاتي وبصورة أكثر عمقاً من ذي قبل. فدعاة القومية الاسكتلندية، الذين ضايقتهم سياسات الحكومات التي تحابي التطوير الاقتصادي للجنوب، يتهمون الاقتصاد البريطاني البطيء أنه يجرهم نحو الأسفل، في حين أن اقتصادهم منطلق للأعلى، ويطالبون بسيطرة أكبر على نفطهم. ويسعون أيضاً إلى استبدال صناعات الفولاذ والسفن الكاسدة بصناعة جديدة متقدمة على أساس الكتروني. وفعلاً بينما يمزق بريطانيا جدل حول دعم حكومي لصناعة أشباه الموصّلات أم لا فإن اسكتلندة هي ثالث أكبر مجمع للدارات المدمجة في العالم بعد كاليفورنيا وماساتشوسيتس. وفي مكان آخر ببريطانيا تبدو ضغوط الانفصاليين واضحة في ويلز. وتظهر على السطح أيضاً حركات استقلالية صغيرة في (كورنوول) و (ويسيكس).. إن أوربا كلها تشعر باستفحال الضغوط النابذة: في بلجيكا يتصاعد التوتر بين الغالون والغليميش والبروكسيليين. وفي سويسرا أحرزت جماعة انفصالية مؤخراً نصراً في مطالبهم لمقاطعتهم في الجورا. وفي ألمانيا يطالب الألمان السوديتيون بحقوقهم في العودة إلى أراضيهم في تشيكو سلوفاكيا. وهناك ضغوط مماثلة في (تسيرو ليز) الجنوبية في إيطاليا والسلوفين في النمسا والباسك والكاتالونيين في اسبانيا.. بالإضافة إلى عشرات الجماعات الأخرى المغمورة)(* .‏

إن ما نريد أن نخلص إليه من كل هذا الذي قدمناه عن "القارة العجوز" هو أن وحدتها التي تبدو سائرة بخطا متوازنة في إطار معادلات تصدع عالمي عميق، وسباقات مضنية ومتأرجحة على تملك الثروة، لهي وحدة تشاد على "حقل من ألغام مستحقات التاريخ" وكلها جاهزة للتفجر!.. ونحن لانوافق السيد توفلر، رغم اعترافنا بحصافته وضخامة مجهوده، أن كل شيء يمكن تفسيره بالعامل الاقتصادي وحده.. وإن بدا، في هذه التركيبة الرأسمالية القائمة على هذا التوجه الوحشي، مرتدياً هذا القناع!‏

وبالطبع، ليست أوربا ولا أميريكا قيد الانهيار المباشر. لكن تحللاتها البنيوية التحتية تجعل من ثقل ضغط الواقع العالمي على مجموع حركة البنيان الرأسمالي العام عنصراً دافعاً بسرعة وقوة- على المستوى التاريخي- لذلك الانهيار. وقياساً على ما آلت إليه الأمور في (العالم الاشتراكي!) فإن أحداً لا يمكنه أن يحدد من أين قد تأتي الشرارة التي يبدأ منها حريق الغابة الرأسمالية، ولا كيف.. أو متى. لكن تقديرنا الخاص لايعطى حدوث ذلك مدى فسيحاً من الوقت، رغم كل المظاهر التي يحيط البنيان الرأسمالي نفسه بها.‏

إن فواعل حركة التاريخ غير المنظورة لايمكن كبحها إلى مالا نهاية له من الزمن، لا بواسطة آلات الحرب ولا بالسلطة الدولتية ومؤسساتها، لأنها فواعل لاتقيدها الأوامر ولا توقفها الرغبات.‏

ولأن العالم قد توحد- في إطار الفعالية الرأسمالية- باعتباره "سوقاً" على وجه الدقة، فإن علينا أن نتوقع أن كل اهتزاز بنيوي في أحد مكونات هذا "العالم/ السوق" سيترك آثاره بقوة في بنيانات المكونات الأخرى. فكيف إذاً هو الأمر إذا كان الاهتزاز في ثلاثة أخماس هذا العالم له طبيعة الزلزال؟!‏

وإذا كان لنا أن نخمن أن أميريكا- وهي قد استنزفت بنهم وحشي موارد"حظيرتها الخلفية": أميريكا الجنوبية والوسطى-لابد أن تسعى، في جملة مساعيها المبذولة لحل أزماتها الخطرة، إلى نوع من الاحتلال الدائم لمصادر الطاقة الغنية شرقي المتوسط والبحر الأحمر، حيث بذلك تكون قادرة على "الإرغام السلمي!" لحلفائها / الأعداء في آسيا وأوربا كي يخضعا لمتطلبات مصالحها.. فإن أوربا تكتفي الآن- كما يبدو- باستعادة ثقل حضورها في ما تعتبره" حظيرتها الخلفية" الخاصة: قارة افريقيا التي لا تزال غنية إلى درجة كبيرة بمصادر الطاقة كما بالموارد المنجمية النادرة وغير النادرة!‏

غير أن أميريكا ذات "مبادرات!" هامة وفعالة في "قطع الطريق" على أوربا بهذا الاتجاه. ويمكن لنا هنا أن نحلل مسألة (طيارة لوكربي) في ضوء ذلك.‏

لقد جرى افتعال اتهام ليبيا بتفجير تلك الطائرة بعد "تذبذب اختباري" أميريكي بين إسناد الحادثة إلى إيران أو سورية. فما هو السياق الذي تم فيه إسناد التهمة إلى ليبيا بصورة نهائية؟!‏

لقد تم الأمر عقب الحرب الليبية/ التشادية حيث رمت فرنسا بثقلها ضد ليبيا، وصار لها وجود عسكري في التشاد وقتذاك، وعندها استحدثت أميريكا ذرائع خاصة بها كي تهدد ليبيا بدورها ثم تقصفها بوحشية، ومن موقع الرغبة بتطويع هذا البلد الغني- بل حتى احتلاله إن أمكن- كي يستجيب لمقتضيات مصالحها. ولم يكن الأمر في الحقيقة مناصرة لفرنسا أو أوربا "الحليفة!" وإنما كان نوعاً من الإنذار والمصادرة غير المعلنة لحرية حركة أوربا في القارة السوداء. وتلك هي الطريقة البراغماتية الإمبريالية لتبادل " الإنذارات!" إذ يجيء الأمر دائماً في سياق ابتزاز الشعوب في العالم الثالث!‏

ولأن الرغبات الأميريكية المتحركة بضغط الأزمات والمصالح لا يمكنها التوقف، فإن افتعال تهمة ليبيا بأنها هي التي فجرت طائرة الـ"بان أميريكان" فوق بلدة لوكربي إنما جاء استمراراً للرغبة الأميريكية في السيطرة المباشرة على أحد أهم مفاتيح القارة السوداء وأغناها، وبالتالي: في ضرب نوع من الحصار حول "الشريك/ الخصم" الأوربي، إذ إن ليبيا هي في النهاية أقرب وأهم مصدر للنفط إلى أوربا.. هذا عدا الأبعاد الأخرى وراء التهمة، والمتعلقة بإجمالي الأوضاع العربية، وبالمطلوب أميريكياً منها!‏

لكن أوربا، ممثلة في فرنسا المتنطعة للعب الدور القيادي هناك، سارعت بدورها إلى إنذار أميريكا بعدم التحرش المباشر بما تعتبره "حظيرتها الخلفية" إذ سرعان ما بادرت إلى "تذكر!" طائرة لها كانت قد أسقطت فوق تشاد... وبذلك توقفت قضية لوكربي عند الحدود المعروفة في ما يخص الهجوم على ليبيا: أميريكياً أو أوربياً، ولو إلى حين!‏

إن أهم ما يلاحظ في الصراعات الإمبريالية المتبادلة هو ذلك التركيز الخاص على وطننا العربي وباقي منطقة (الشرق الأوسط) والتي هي- كما سبق القول- قلب العالم من حيث موقعها الذي تتوضع على أطرافه مواقع القوى الكبرى في "العالم القديم"، ومن حيث هي أهم وأغنى مصادر الطاقة التي يرتبط بها بقاء العصر الحضاري الرأسمالي برمته.‏

وأوربا التي أخرجت من المنطقة، كما هو معلوم، عقب الحرب العالمية الثانية، حيث جرى (ملء الفراغ!) وفقاً لأفق العمل الإمبريالي الأميريكي الجديد.. أوروبا هذه تبحث الآن عن "موطئ قدم" لها فيها ولكن من دون نجاح. فقوة الحضور العسكري الأميريكي، والتعاون النشط بين الذراعين الأخطبوطيين: الأميريكي المأزوم والصهيوني الباحث عن " إمبراطورية مرحلية" على قدّ الحال في هذه المنطقة- وبإشراف أميريكي بالطبع- هما أمران يحولان دون أن يكون لأوربا- مرحلياً على الأقل- أي دور ذي قيمة فيها!‏

وهذه النتيجة التي تتعلق بحدود العلاقة الممكنة والمحتملة راهنياً بين أوربا وبين ( الدولة الأصولية الصهيونية) خارج التفرج على ما ترتبه أميريكا- إضافة إلى استنتاجات أخرى مهمة نذكرها في حينها- هي أحد أبرز أهدافنا من كل هذا العرض العام الذي قد يبدو مطولاً في سياق مانحن بصدده.‏

وقبل الانتقال إلى النظر في أوضاع المركز الآسيوي الغنيّ- على تنوع اتجاهاته الآن- داخل أطر الصراعات الإجمالية للرساميل والكتل الرأسمالية العالمية، وقبل النظر في انعكاسات تلك الأوضاع على ما يجري في منطقتنا، وعلى ماهو مخطط له أن يجري، لابد من عودة سريعة إلى روسيا التي ورثت أقوى آلة حرب تكاد تكون موازية لآلة الحرب الأميريكية إن لم تكن متفوقة عليها في أكثر من جانب.‏

لقد خلف تفكك الاتحاد السوفييتي وتحلل مؤسساته السابقة نوعاً من الانهيار الاقتصادي العاصف بمجموع عناصر التوازن في موجودية البنى التحتية الروسية، الأمر الذي دفع- مع جملة من العوامل الأخرى- إلى صعود غير عادي للنزعة القومية الروسية المتعصبة، وهو ما عبر عنه ذلك الفوز الكبير في انتخابات مجلس الدوما الروسي للسيد جيرونوفسكي وأتباعه.‏

وتحمل "الأحلام الجيرونوفسكية" حول ما يسميه هو ( المجال الحيوي القومي التاريخي لروسيا) واحداً من أهم احتمالات صراع الهيمنة بين القوى الكبرى- ومنها روسيا بالطبع- على منطقتنا في شرقي المتوسط، بما في ذلك تركيا وإيران. فالسيد جيرونوفسكي لم يخف بتاتاً طموحاته التوسعية هنا، في حال وصوله إلى قيادة الدولة في انتخابات الرئاسة الروسية القريبة.‏

وأميريكا- رغم كل مجهوداتها المنصبة باتجاه مِزَقِ الاتحاد السوفييتي السابق لغايات مختلفة- لم تستطع إلا أن تأخذ كتابات جيرونوفسكي وتصريحاته حول هذه المسألة مأخذ الجد البالغ.. تماماً مثلما أخذتها أوربا برد فعل قلق وانفعالي، وهي ترى "حلمها" باحتواء روسيا كطرف تابع في "وحدتها" قيد الانهيار. ورغم كل ما حدث فإن روسيا قادرة -بسرعة نسبية على الأقل- على تجاوز أزماتها الاقتصادية الاجتماعية خارج حدود سياسة مائعة لرجل مثل يلتسين، ولاسيما في ظل إدارة قومية متعصبة كإدارة جيرونوفسكي المحتملة، ومع وجود آلة الحرب الرادعة وغنى احتياطي الثروات، أو في ظل عودة الشيوعيين إلى الحكم.‏

وفي حال حدوث ذلك، فما الذي يمكن أن يحدث من اختلالات جديدة في معادلات التوازن العالمية الهشة؟‏

إنه تساؤل يحمل في ذاته مبررات طرحه حملاً قوياً. ولعل حظوظ جيرونوفسكي في النجاح كرئيس لروسيا هو ما يفسر أسباب تردد كل من أميريكا وأوربا عن تقديم المساندة السريعة والناجعة للسيد يلتسين وإدارته.(*‏

وبصرف النظر عن كل ما تردد حول "الأصل اليهودي" لجيرونوفسكي- وهو قد نفى ذلك بقوة وبنبرة لاذعة متهكمة- فإن المزاج الروسي العام يميل الآن إلى أن يرى جيداً كيف كان اليهود وراء كل المشاكل التي تعاني منها "روسيا يلتسين" وسلفهِ غورباتشوف. وقد عبر السيد روتسكي، أحد أقطاب التمرد البرلماني المشهور ضد يلتسن، عن ذلك بوضوح إذ قال عن يهود روسيا : إنهم قد نهبوا منها كل ماخف حمله وغلا ثمنُهُ!‏

واحتمالات نجاح جيرونوفسكي في انتخابات الرئاسة الروسية المقبلة- ما لم تستجد أمور أخرى- ربما تكون واحداً من الأسباب الجوهرية لتسريع الترتيبات الشرق أو سطية، حسبما جرت عليه حتى الآن.. إذ بادرت أطراف عربية حاكمة كثيرة إلى فتح أوسع الأفاق الممكنة راهنياً للتعامل مع الدولة الأصولية الصهيونية، وبالطبع: تحت ضغوط أميريكية قوية وملحة. ويبدو أن تحالف الذراعين الأخطبوطيين: الأميريكي والصهيوني، يعمل على أن يواجه كل الاحتمالات الممكنة: أوربياً وروسياً وآسيوياً، بما هو " أمر واقع!".‏

ولكن، في أفق من التفجُّرات العالمية الكثيفة للتوازنات القائمة، أو المهددة لتلك التي يجري "إخراجها"، ما الذي يمكن المراهنة عليه، مادام الجنوب المنهار غير قادر على امتصاص أية أزمة رأسمالية مهما تكن صغيرة؟‍.‏

ولعل هذا هو أول سؤال يخص"رؤى!" السيد بيريس قبل الدخول في المناقشة حول تنظيراته المستقبلية عن "شرق أوسطه الجديد"!!‏

(* ترجمهُ إلى العربية: محمد حلمي عبد الحافظ- منشورات "الأهلية للنشر والتوزيع" -الأردن/ عمان طبعة أولى 1994.‏

(* تفضل أحد الزملاء القراء فنبهنا إلى الأصل الليبي لآريوس. لكن ليبيا كانت طيلة العصور المصرية القديمة امتداداً جيوسياسياً وثقافياً لمصر. وعزلها هنا، تبعاً لتصنيفات الغربيين، أو حتى لسياسات روما زمن سيادتها، كي ننسب آريوس إليها لا يغير شيئاً من حقيقة وضعه. فنسبته إلى مصر منطقية ومقبولة ولو كان ليبيَّ المولد. وما الفرق ما دمنا هنا نهتم بكونه عربياً؟! ثم ألم يكن بطريرك الاسكندرية مركز المسيحية آنذاك فيستحق النسبة إلى مصر صانعة ثقافته ومفهوماته؟!‏

(* كلمة بيوريتاني تعني: "طهراني" في الأصل، لكنها هنا مصطلح يدل على اللؤم الحاقد والدهاء الماكر اللذين يحركان طهرانية التشدد في التزام التعاليم الأساسية الإبادية عند التعامل مع من يعُتبرون خصوماً- راجع المقبوس السابق من سفر التثبنية-‏

(** ترجم إلى العربية ونشر قبل نحو عامين عن دار الحصار بدمشق. واستخفاف غوته أيضاً بشكسبير معروف جيداً للمهتمين.‏

(* الشايلوكي: نسبة إلى شايلوك، شخصية المرابي اليهودي في المسرحية المذكورة. وقد عاش شكسبير بين عامي 1564و1616 وعاش كرومويل بين عامي 1599-1658.‏

(* أياً يكن التقدير النقدي لمسرحية "عطيل" فإن ما يعنينا منها هنا إنما هو الصورة الإجمالية لشخصية العربي في العقل الانكليزي بعد فشل الحروب الصليبية.‏

(* ويرجح أيضاً أن تنضم المكسيك الغنية بمصادر الطاقة والموحدة لغوياً- وثقافياً- مع الولايتين المذكورتين إلى الدولة المنفصلة التي يتنبأ بإنفصالها بحدود بداية القرن القادم.‏

(* مؤخراً نشر في إحدى المجلات العربية تقرير صحفي من واشنطن مؤداه أن الخزنية الاتحادية تتغذى من (مطبعة النقود). فبما أن الدولار هو الذي يكفل العملات العالمية الأخرى بموجب المعاهدة المعقودة بعد الحرب العالمية الثانية بخصوص النظام النقدي الدولي، فإن الخزينة الاتحادية تطبع كتلاً نقدية ضخمة من (الدولار)، وترمي بها في السوق حسب احتياجاتها وأوضاعها، الأمر الذي يجعل نسب النمو المعلنة نسباً وهمية ويجعل الدولار عملة غير موثوق بها في حال إسقاط قانونية مرجعيته في المعاهدة المذكورة.. إلى آخر ما يترتب على ذلك من نتائج!!‏

(* لم تعد ترديات الأوضاع المالية/ الاقتصادية في كل من الكويت والسعودية بعد تلك الحرب سراً على أحد. وهذا مايجعل استنزاف الموارد النفطية كبيراً في البلدين، الأمر الذي يؤدي إلى خفض أسعار البترول الخام عالمياً ويحدث البلبلة في علاقات دول الأوبك، ويؤخر رفع الحصار عن العراق كي لايصدر حصته النفطية المقررة له.. ويعيق المصالحة العربية التي صارت ضرورية في نهاية الأمر!‏

(* في صيف عام 1991 نشرت بعض الصحف الجزائرية مايشبه (التقرير العلمي) عن الخامات النادرة وغير النادرة، التي كشفت الأقمار الصناعية الأميريكية وجودها- بكمّ وتنوع مذهلين- تحت صحارى وبوادي شبه الجزير العربية ثم طوي الموضوع بقوة، وعاد (الخبر) إلى دائرة الظلمة الكثيفة والصمت المطبق.‏

(** لاندري هل احتمال الصراع المفتوح الآن/ شباط 1995/ بين السعودية واليمن هو السيناريو الأميريكي الذي سيوفر البديل النافع عن عراضة الصومال؟!.‏

(* كان ذلك أثناء زيارتة للخليج والسعودية في الشهر العاشر من العام / 1994وكان ذلك التصريح يتضمن نوعاً من الإنذار والتحذير المبطنين بحذر بالغ إلى أميريكا (بحق!!) المصالح الفرنسية والأوربية في أن يحسب حسابها في أطر العلاقة الأميريكية /الصهيونية مع منطقتنا العربية شرقي المتوسط!!.‏

(* كتاب"تحول السلطة"- الجزء الثاني- ص780 - منشورات اتحاد الكتاب العرب بدمشق 1991 ترجمة حافظ الجمالي وأسعد صقر.‏

(* ص 343-345، والكتاب من منشورات الدار الجماهيرية للنشر-ليبيا 1990 وترجمة عصام الشيخ قاسم. وفي الصفحتين 347-348 تنبؤات مكثفة وموثقة حول تمزق الولايات المتحدة لمن شاء مراجعة ذلك.‏

(* كما هو معروف، لم ينجح جيرونوفسكي في تلك الانتخابات، لكن هذا الاحتمال ليس غيروارد مستقبلاً على الإطلاق. أما التردد في مساعدة أوروبا وأميريكا للسيد يلتسين فقد انتهى لاحقاً، لكن ثمن المساعدات كان مبهظاً لروسيا إبهاظاً فظيعاً.. وقد بدأ نجم الشيوعية يأخذ باللمعان من جديد ولكن في أفق مختلف عما مضى مع تطعيم قوى بالروح القومية الروسية% ( ملاحظة متأخرة)‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244