|
||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 02:51 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثاني - مقاطع من "هديل" الذئاب- -1- السلام؟!.. حسناً. فلنقل : مبدئياً، نعم. ولكن، بالمقابل: كيف؟! ومتى ؟! ولمن؟! ولأية غاية أو وظيفة في سياق زمنه واشتراطاته؟!! إذا كان فصلنا السابق يدل على شيء ذي أهمية- عدا الاضطراب العميق والخلل الشديد في بنيان النمط الحضاري الرأسمالي السائد، ومعادلات التوازن الراهنة فيه- فإنه يدل أساساً على أن الوظائف الابتزازية التدميرية لهذا النمط إنما هي "حال" من العدوانية الفظيعة الدائمة لقواه وملحقاتها ضد سائر البشرية.. وأساساً: ضد مجموع الشعوب في ما يسمى عالم الجنوب، مع تركيز خاص لهذه العدوانية ضد منطقتنا العربية وعمقها الإسلامي، لأسباب كثيرة متراكبة سبقت الإشارة إليها بالقدر الكافي على ما نعتقد. وإذا عدنا فتذكرنا طبيعة الصلة بين الرساميل الشايلوكية الصهيونية وبين مجمل البنيان الحضاري الرأسمالي، ثم قرنّا ذلك إلى حقائق الاستيطان الصهيوني في فلسطين العربية وما استجره ذلك الاستيطان من نتائج وما قام عليه أصلاً من مخططات، فإننا إذاً سندرك عمق الفعالية العدوانية الرأسمالية ضد أمتنا العربية.. ومدى تعقُّد تلك الفعالية وشراستها وحدّتها وامتدادها المستقبلي شبه الحتمي في آنٍ معاً. من هذا المنظور، أي معنى يبقى- في حقيقة الأمر- لكلمة "سلام"؟!!... وبالتالي، ألا يحق لنا - نحن العرب - أن نعتبر أن أية "صيغة سلام" يمكن أن تعرض علينا من قبل القوى الرأسمالية لن تكون، ولا يمكن لها أن تكون، في الجوهر غير صيغة جديدة من صيغ العدوان.. أو إنها مدخل إلى مرحلة جديدة، أعلى، منه ؟! سؤال يحمل جوابه في منطوقِهِ. فلننظر إذاً إلى معنى (السلام) في مدلوله العام، أي في مدلوله الإطلاقي غير المقيد بشروط نوعية خاصة تتحكم فيه، وبمستجرات وأسس ومقتضيات استثنائية لحالة الحرب السابقة عليه مثل تلك التي بيننا وبين العدو الصهيوني ودولته المسماة (إسرائيل). إن السلام هو عموماً بديل الحرب في العلاقات البشرية. وفي الأساس: تتناقض المصالح بين أمتين راسختين على أرضيهما الوطنيتين / القوميتين.. فتختل العلاقات الطبيعية بينهما، ويصل الاختلال إلى درجة الحرب. ثم إن الحرب ذاتها تغيّر في أوضاع القوى المتحاربة، وتهز بقوة موازين العلاقات المتبادلة بينهما، والذاتية لكل منهما، ويأخذ الاهتزاز صيغة إنهاك عام: اقتصادي / اجتماعي/ سيكولوجي/ سياسي.. الخ، وعند ذلك يفرض السلام نفسه سواء بانهزام أحد الطرفين وتسليمه بمطالب الآخر، أو بالتفاهم على صيغ من التنازلات المتبادلة التي تعيد العلاقات بين الطرفين- ولو مؤقتاً- إلى ما يقارب أو يماثل أصل أوضاعها الطبيعية. إن هذه المقاربة للمدلول العام لكلمة "سلام" تفصح بوضوح عما بيننا وبين العدو الصهيوني- ممثلاً في كيانه الاستيطاني المسمى إسرائيل- من شذوذية وضعٍ فريد لا تنطبق عليه المعايير المألوفة في العلاقات الدولية، مثلما إن شذوذية هذا الوضع تفرض نفسها كأساس أولي للتعاطي مع كل ما يطرح علينا كعرب: باعتبار أنه (السلام مع إسرائيل!). فاليهودية دين وليست قومية. والأرض التي تحتلها الآن بضعة ملايين من أتباع هذا الدين- وفقاً لمخطط صهيوني مسبق معروف، وبحجة أنهم "أمة" لا بل" صفوة عرقية" مختارة!- ما هي إلا جزء من أرض الأمة العربية، حيث هذه الأمة مستقرة وراسخة في كامل أرضها منذ ابتدائها بتأسيس الحضارة (* .. والتلفيقة القومية الصهيونية، الفاعلة حتى الآن حسب مخططاتها المسبقة بتدبير وتنفيذ الأمبرياليين، هي تلفيقة أنشئت لتدمير الهوية القومية العربية: بشرياً وثقافياً . فالأمر إذاً ليس أمر لاجئين فلسطينيين وحسب، بل هو أمر إبادة الأمة العربية بمختلف الوسائل والسبل خوفاً من يقظة حضارية جديدة لها... أولاً بأول. بناء على كل ما تقدم فأي معنى هذا الذي يتبقى لكلمة " سلام" بين العرب وبين الكيان الاستيطاني الصهيوني؟! في الحقيقة، ربما كان أول ما يجب أن تفكر فيه الأمم المنهوبة الرازحة تحت وطأة العدوان الإمبريالي العالمي الدائم هو: إن الإمبرياليين يسعون الآن، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء ما كان يسمى مرحلة الحرب الباردة، إلى ضبط توازنات المؤتلف والمختلف فيما بينهم على حساب الأمم المنهوبة. وإن حدة الصراع، المخبوء قبلاً، بين أذرع الجسم الاخطبوطي الامبريالي العام قد بدأت تطفو متفاقمة على سطح حركة العلاقات الدولية .. وإن حلفاً أميريكياً صهيونياً خاصاً قد أخذ يبرز في هذا الإطار، مع ملاحظة أن زخم فعاليته ينصب على منطقتنا العربية لأسباب تعرضنا لها في الفصل السابق.. وإن هذا الحلف الذي يبدو مقوداً في حركته بالمصالح القومية الأمريكية تزداد سيطرة الرأسمال الشايلوكي الصهيوني عليه بقدر ما يزداد تضعضع الأوضاع الأميريكية الداخلية، إلى الحد الذي يصحّ معه القول : إن الصهيونية ستكون في وقت ما قادرة على المساهمة بقوة في تفكيك أميركا، بناءً على مقتضيات المصلحة المرتبطة بالحلم الصهيوني الأعلى في السيطرة على العالم. إن سلام الأمم المنهوبة إذاً- وعلى رأسها أمتنا العربية- يبدو للمتأمل جيداً في حقائق الوضع العالمي الراهن مجرد أكذوبة إمبريالية منمقة، أياً تكن الصيغة التي تقدم بها تلك الأكذوبة لهذه الأمة أو تلك. وعليه، فما هي فائدة مناقشة كتاب السيد بيريس : (الشرق الأوسط الجديد) وهو على ما هو عليه ظاهرياً من السخف والابتذال والتفكك في أطروحاته الأساسية؟! الواقع، إن السيد الجنرال بيريس لا يتعامل مع قارئه في أرض مكشوفة . إنه يدير " معركة مفاهيم" ذات طابع بالغ الحيوية بالنسبة لنا، انطلاقاً من أرضه الخاصة : أرض الأمر الواقع .. إضافة إلى أنه يقدم- في حقيقة الأمر- برنامج عمل الصهيونية خلال نصف القرن المقبل، ولكن بطريقة شديدة المخاتلة وبمكر ألفناه طويلاً من سائر الرأسماليين والشايلوكيين في العالم. ولهذا فإن قراءة السيد بيريس تهدف إلى: 1- كشف الحقيقة المخبوءة وراء أطروحاته. 2- جره إلى "أرض مفهوماتنا" لإدارة المعركة معه ومع صهيونيته بدل الانجرار إلى أرضه. 3- رفض "الأمر الواقع" الراهن باعتباره الحقيقة المؤبدة، وإظهار أحقية "الأمر الواقع / الممكن " باعتباره حصيلة منطق حركة التاريخ وصيغة مستحقاتها التي لابد أن تدفع. 4- معرفة البرنامج الصهيوني القائم- أو صيغته الجارية، قيد التنفيذ- كي لا نظلَّ الضحية السهلة في هذا الصراع الطويل المفتوح. ومن يقرأ كتاب بيريس بتمعن يدرك جيداً أن الأمر ليس أمر " رقصة ثعلب عجوز" لاقتناص دجاجة السلام، (* .وإنما هو في الحقيقة محاولة هديل- على يُقْدِمُ اليمام!- يقوم بها ذئب متمرس تجبره طبيعته الذئبية على التكشير عن أنيابه علانية، وعند ذلك يفسد بنفسه كل متعة الهديل المفتعل! ولقد اخترنا أن نناقش كتاب هذا الجنرال / الذئب الصهيوني فصلاًً فصلاً، بعد تنسيقها في مجموعات موحدة المضمون كيلا نسهو عن شيء من مغالطاته وأغاليطه. وقد يتوجب علينا هنا أن نعتذر من قارئنا عما قد يجده في كتابنا هذا من تكرار فرضه علينا هذا الاختيار لأسلوب المناقشة، إذ لو أردنا أن نلخص أطروحات السيد بيريس في كتابه المذكور لأمكننا ذلك بجملة واحدة:( أيها العرب استسلموا لما نريد، فلا أمل لكم)!... أما التفصيلات فهي ليست إلا بضعة أفكار تافهة مملة، لقيت - حتى في أوروبا- ما تستحقه من تسخيف عند صدور ذلك الكتاب. -2- في الفصل الأول الذي أعطاه بيريس عنوان "فجر السلام" نجده يبتدئ عامداً من لحظة تقع في أحد أطراف التفرعات الثانوية للقضية الكبرى : قضية غزو فلسطين واستيطانها وما ترتب، لاحقاً، على ذلك. إنها اللحظة التي يقدم فيها " أبو العلاء" ممثل ( منظمة التحرير!) العرفاتية على قبول الصيغة الصهيونية لاتفاقية أوسلو حيث تبدأ عمليات ( تكريس الأمر الواقع)، وفقاً لخطط الحلف الأميريكي الصهيوني من أجل المرحلة الراهنة، وحيث تبدأ أولى عمليات الخرق الواسعة في بقايا التماسك العربي الرسمي المفرط في هشاشته أصلاً حيال هذه القضية المصيرية. إن الجنرال الذئب يبدأ هديله الماكر بإعلان حبوره من قولةِ " أبو العلاء" له: ( الاتفاقية هي هديتنا لك في عيد ميلادك) (* وعلى ذمة الجنرال كان هذا الـ "أبو العلاء" يبتسم بجدارة، حسب تعبيره حرفياً!!.. وبالطبع، من مقتضيات التفكير العامّ بحق البشر في " ولائم دجاج السلام" ألا نعكر حبور السيد بيريس وأفراحه بتلك الهدية يوم ذكرى ميلاده، غير أننا لا نستطيع إلا أن نتوقف عند الفقرة التالية مباشرة لذلك الابتداء في الهديل. يقول الجنرال: (فجأة وجدت نفسي أرجع بذاكرتي إلى طفولتي . فأنا ابن جيل فقد عالمه في الخارج وجهد لبناء عالم آخر، حيث نجحنا في إقامة دولة إسرائيل الحديثة. ومع ذلك فإن العالم الجديد كان يعني بالنسبة لنا الحروب المخيفة والمعاناة والألم، ألماً ومعاناة على درجة من الفظاعة إلى حد أننا وجدنا أنفسنا- إسرائيليين وعرباً- نتصرف مغمضي الأعين، وكعاجزين عن أن نتمكن من تغيير الصورة المرسومة في أذهاننا بعضنا لبعض) ص8. السيد بيريس لا يستطيع إذاً إلا أن يذكرنا بذئبيته وهو يحاول الهديل كاليمام المفجوع!! إنه، وجيله "فقدوا" عالمهم في الخارج!... ولن نناقشه حول ما إذا كان ذلك الجيل " فقد " أم ترك بنفسه ذلك الذي يسميه "عالم الخارج" الذي هو أوروبا بالنسبة "لصنّاع إسرائيل" الاشكنازيين، مع أننا كنا نتمنى- طبعاً- أن يتذكر التخطيط الصهيوني / الإمبريالي المحكم بخصوص فتح (العالم الجديد!) وإقامة (دولة إسرائيل الحديثة!)، كما كنا نتمنى أيضاً أن يتذكر شيئاً مما قام به جيله القادم من أوروبا حيال عرب فلسطين، فربما صدقنا أن "شيئاً ما !" جديداً قد بدأ ينمو في الضمير الذئبي لذلك الجيل.... شيئاً إنسانياً قد ينسينا بعض بعض دمائنا على الأقل! لكن الجنرال المعتزّ بفتوحات جيله، قدر ماهو فخور باستخدام المصطلحات الخاصة باستيطان أميريكا وإبادة الهنود الحمر، لا يخطر له ذلك. إنه - بدلاً من هذا كله يقرن آلامنا التي سببوها هم بالآلام التي سببها غيرنا لهم . لا بل إنه لا يتورع عن أن يحمّلنا تبعة كل تلك الآلام، بتعمد ماكر، لا يجهل أي عربيّ إلى أين سيصل مثل هذا المنطق بصاحبه من قلب للحقائق وتزوير لها في نهاية المطاف. ولأن السيد الجنرال قد اختار أن يبدأ هديله من إحدى النهايات في تفرعات القضية، فإنه إذاً قد اختار تناسي أساسها كلياً، مثلما اختار أن يترك لقضية الملايين من المشردين اللاجئين تلك "الخانة" المهملة من "قوة اعتماد الأمر الواقع"، فأرجأ الحديث فيها إلى الفصلين الأخيرين من كتابه! إذاً خلط الحقائق وتزويرها يبدأ منذ الفقرات الأولى لكتاب السيد الجنرال. فالعالم الجديد- جداً!!- في فلسطين كان يعني للسادة الاشكنازيم"الحروب المخيفة.. والمعاناة والآلام الفظيعة !"... من أي شيء؟!...ممن؟!.... لماذا؟!.... كيف؟!..... لا أحد يعرف ! فخلط الأوراق يهدف إلى استبعاد مثل هذه الأسئلة (الغبية!) ويساوي الهندي الأحمر العربي بقاتله ومشرّدِهِ ومستوطن أرضه!.... وعليه، فالعرب كانوا عندما يحاولون الدفاع عن أنفسهم في فلسطين - وفي غيرها لاحقاً - يتصرفون كمغمضي الأعين، وكعاجزين عن تغيير صورة الغزاة في أذهانهم، وبالتالي: عن قبولهم بأن يكونوا أضحية لمحارق الرب" يهوه" الذي لا بد أنه قد تطوع- شخصياً!!- كقائد فصيل إرهابي في إحدى منظمات الغزو الشهيرة! موقف غير حضاري من عرب فلسطين، ومن سائر العرب!!.... يدافعون عن أنفسهم ضد الغزو الاستيطاني، ولا يقبلون أن يكونوا أضاحي (لرب الجنود) الذي لا يفسره جيداً سوى السيد هرتزل مجدِّد الصهيونية أو مؤسسها الثاني، أو "نبيّها!" كما يسمونه ؟!!... لا!... هذه "كبيرة"، وأمر مثير للمعاناة الفظيعة عند أولئك الغزاة / الذئاب !! فكيف إذاً لا نحس" بفداحة ذنوبنا!!" ونحن نستمع إلى هذا المقطع الابتدائي من "هديل" سعادة الجنرال؟! على أن سعادته لا يستطيع الاكتفاء بمثل هذه البداية من الخلط، فالسيمفونية الصهيونية المطولة تقتضي المزيد من نغمات هذا "الهديل" المتنافر القائم على الدجل في سائر المستويات . ولذلك فإنه يبادر إلى نصحنا بعد صفحة واحدة فقط بالقول: (يتوجب علينا دراسة التاريخ لنستفيد من دروسه المهمة، غير أنه يترتب علينا أن نعرف كذلك: كيف ومتى نتجاهل التاريخ)!... وإذا أردنا تفسيراً صحيحاً لهذه الأطروحة في ضوء " سياسة الاستفادة الصهيونية القصوى من الأمر الواقع" فإننا لا نستطيع الخروج إلا بما يلي:" أيها العرب استفيدوا من أنكم لم تجنوا من الوقوف في وجه مشاريعنا غير المذابح والهزائم . عليكم أن تتذكروا من التاريخ ما يناسبنا، كما إن عليكم أن تنسوا ما نحب أن تنسوه!". هل هناك تفسير آخر؟!... لا أعتقد! والجنرال إذ يطالبنا بهذا كله، يحسب أن بإمكان قوة الحلف الإمبريالي الصهيوني/ الأميريكي الذي يتكلم- هنا- من داخله أن تلغي منطق حركة التاريخ، وأن تحذف مقتضياتها وتشطب ما يجب دفعه من مستحقاتها المؤجلة والمعجلة. ولا تغرنا هذه الـ "نا" في قوله (يتوجب علينا....) فهي تخصّنا نحن العرب وحدنا. أما الصهاينة فالتاريخ لا بد أن يكون "ملكاً لهم" في النهاية إذا صدقنا الأطروحات التوراتية / التلمودية التي أعيدت صياغتها صهيونياً حول "الوعد الربي" لهم بالسيطرة على العالم، باعتبارهم "شعب الله المختار"!... وهكذا، فالسيد بيريس يقول قبل نصيحته السابقة مشخصاً تاريخ المنطقة العربية على النحو التالي: (لقد شهدت منطقتنا مراحل من التغيير المثير منذ أيام الأجداد. النبيّ إبراهيم، كذلك، عايش مراحل من الجوع والقحط، وتوالت على المنطقة عهود صعبة سادتها الزلازل والفيضانات، ناهيك عن الحروب وسفك الدماء . غير أن الزمن تغيّر، ففي عهد إبراهيم لم يكن الناس يملكون وسائل تحلية المياه وتوليد الطاقة وتغيير مجرى الريح والتنبؤات بالزلازل، ولم يسمع أجدادنا - بالتأكيد- بالكومبيوتر والصواريخ والرؤوس النووية) ص9. هل نقول أمام هذا الاجتراء الابتذالي على التاريخ إن سعادته يتصرف بهذا التاريخ، على مزاجه، كيما يسوقه سوقاً إلى فخاخ "هديله" الصهيوني.. ويسوقنا معه إلى مطبات مفاهيمه القاتلة اللاحقة؟! بالتأكيد، سنرى في ثنايا هذا الكتاب إلى أين سيصل الجنرال عبر هذه المقدمات . غير أنه يتعيّنُ علينا الآن أن ننظر ملياً في ما تقوله هذه الفقرة من هديل سعادته! إن منطقتنا، التي يبدو أنها " منطقتهُ وحده!"، تعرف ثلاث مراحل تاريخية في نظره ليس غير: 1- مرحلة الأجداد - أجداده هو، بناة الدولة العبرية التوراتية؟!- وعلى رأسهم أبرام أو أبهرام الذي يصير إبراهيم على يد "ملكي صادق " العربي الكنعاني، خادم " الإله العلي" في بيت إيل- أي بيت الله-. وأبهرام ونسله من العبرانيين / العييرو، حسب الوثائق/ يعيشون شظف العيش كي يتحقق " وعديهوه" بتمليكهم كل الأرض (من الفرات إلى النيل). ورغم أن شيئاً من هذا التمليك لا يحدث، حتى في مرويات التوراة المتدوالة، فالجنرال يعتبر أن ذلك قد حدث رغم أنف الوثائق والقرائن الأثرية ما دام برنامج صهيونيتهِ يتطلب هذا الاعتبار! 2- مرحلة العهود الصعبة التي تلت انقراض "الدويلة التوارتية المزعومة " حيث لا شيء إلا الكوارث الطبيعية من زلازل وفيضانات (؟؟!).. . وإلا الكوارث البشرية الوحشية من حروب وسفك دماء!!... أي نعم!! 3- المرحلة الجديدة التي (بنى!) فيها- هو وجيله- (دولة إسرائيل الحديثة!)، حيث لا شيء إلا .. العلم، والسلام، والرفاه العظيم : تحلية المياه، توليد الطاقة، تغيير مجرى الريح، والتنبؤ بالزلازل - وهذه كلها تقدم لنا، نحن الغوييم(* المطلوبة إبادتهم، باعتبارها إغراءات!-. وحيث الكومبيوتر والصواريخ .... إضافة - بالطبع- إلى الأسلحة النووية وأقمار التجسس الصناعية. والآتي أعظم وأدهى! أفليس هذا تعاملاً مدهشاً حقاً مع التاريخ، من قبل هذا الجنرال الذي يريد أن يهدل فترغمه طبيعته على إظهار أنيابه المضاعفة فيما هو يفتح فمه ليغرد؟! إنه لا يتذكر من كل تاريخ هذه المنطقة الذي يمتد نحواً من خمسة وخمسين قرناً حافلة بالإبداع الحضاري على سائر المستويات، إلا ما تحب له صهيونيته أن يتذكره: تاريخ الدويلة التوارتية التي إن كانت قد وجدت فعلاً -وليس هناك أي دليل أثري علي وجودها- لم تمتد على أكثر من ثلث مساحة فلسطين الحالية ولم تعش أكثر من قرنين من تلك القرون الخمسة والخمسين.. مع اعتبار الرواية التوراتية " تاريخاً " موثقاً إلى أقصى حدود التوثيق!..... ثم تاريخ الدولة الأصولية الصهيونية الحديثة التي مضى على إعلان قيامها رسمياً حتى الآن أقل من نصف قرن بقليل!.... أما ما بينهما" فغمرٌ وخراب وكوارث ودماء"- ولا نعرف من أين جاء هنا بفيضاناته !- وذلك هو كل تاريخ المنطقة من وجهة النظر الصهيونية، رغم أن ذلك التاريخ كان محور تاريخ العالم المتحضر حتى ابتداء "نهضة!" أوربا. أفرأيتم بماذا "يهدل" هذا الصهيوني العتيق المخضرم حين ينصحنا بالاستفادة من (دروس التاريخ المهمة) وبتجاوز ما يقترح علينا تجاوزه من التاريخ ؟! إنه، ببساطة (سلمية جداً، وحمائمية!) يطلب منا أن نشطب أنفسنا من التاريخ الماضي، مثلما تشطبنا الصهيونية من الوجود المعاصر كبشر!.... فياله من طلب بارع يصلح ليكون أول الأشعة في "فجر السلام" القادم حيث يعرف رجل من الغوييم مثل (أبو العلاء) كيف يبتسم بجدارة في ذلك اليوم من أيام أوسلو !! -2- تعكس الفقرة السابقة ضيق المسافة بين الجنرال المدجج بسائر صنوف الأسلحة الامبريالية، وبين الجد أبهرام- وتجاوزاً: النبي إبراهيم- الذي تصوره التوراة مدججاً بالوعد اليْهوِيّ حول توريث (الأرض!) له ولنسله من العبرانيين، حيث يظهر يهوه ذاته في الأسفار الأساسية مثل جندي مستميت لإدخال أولئك الذين يستبدلون عبادته بعبادة العجل الذهبي، إلى "أرض اللبن والعسل".... ولم يكلف السيد الجنرال خاطره ويتذكر أصله وأصل جيله الأشكنازي، ومدى صلته العرقية- باعتباره متخماً بالثقافة الصهيونية / الأوربية المشتركة- بذلك السيد المدعو سام بن نوح، جد الأجداد من البطاركة التوراتيين، وعلى رأسهم أبهرام الذي صيروه " إبراهيم" في وقت ما من كتابة التوراة.(* ولأن المشكلة تلك ليست بين السيد الجنرال والنبي إبراهيم، بل هي بيننا وبينه- كممثل لجيله من الاشكنازيم- بصورة مباشرة، فإن من واجبنا - معرفياً على الأقل- أن نذكره وجيله بأنهم من الخزر، ولم يعرف أحد من أجداده الحقيقيين هذه المنطقة حتى آدم! ولأننا لسنا- معرفياً- موضع ثقة السيد الجنرال، فإننا سنحيله إلى ما يعرفه: إلى كتاب أخيه الصهيوني آرثر كوستلر (إمبراطورية الخزر- القبيلة الثالثة عشرة)، حيث كشف بدقة موثقة عن أصول يهود أوربا وهجراتهم وتوزعاتهم .. وحيث لم يشفع له فصله الأخير عن (الواجب الأخلاقي للعالم في الحفاظ على دولة إسرائيل كأمر واقع)، فتم اغتياله في لندن وسط ضجة إعلامية مفتعلة بأنه انتحر! ولكن السيد الجنرال النووي، المغرد بصوت حمامة سلام، لا يكتفي بتجاهل حقائق التاريخ أو معارضتها بما تلقنه في التعاليم الصهيونية... بل إنه يناقض نفسه- حين يبدو على أتم انسجام معها!- ويناقض المبادئ الأولية لعلم التاريخ حين يخترع لنا- لا لغيرنا!- مبادئ مختلفة جذرياً، ويطلب منا أن نأخذ بها كمسلمات! إنه يقول في فقرة تسبق الفقرة المقبوسة قبلاً عن رؤيته لتاريخ المنطقة، يظهر فيها "تفلسفه" كمفكر لا يرضى بالاستناد إلى أقل من هيراقليطس : (مع أننا قد نستوعب دروس الماضي، إلا أنه من الصعب تصحيح أخطائنا . وكما يقول الفيلسوف الإغريقي هيراقليطس: " على أجساد أولئك الذين يسبحون في النهر تتدفق مياه مختلفة " فالأنهار دائمة التدفق ومياهها تعمل على خلق حقائق جديدة طوال الوقت . وإذا كانت المياه قادرة على إغراق من لا يستطيع السباحة فيها، فإنه ما من أحد قادر على عكس اتجاه التيار. ونفس الأمر ينطبق على التاريخ. فنحن لا نستطيع بناء المستقبل على أنقاض نظام قديم). ص9 طبعاً لسنا معنيين بمناقشة أسلوب التفلسف الخاص بالسيد الجنرال أو بمعايرة استنتاجاته القاطعة الآمرة- عل طريقته كعسكري محترف- مع منطلقها الهيراقليطي المنتزع من سياق مختلف، لتوظيفه في صياغة تلك الاستنتاجات.. لكننا معنيون، بالتأكيد، بعبارته الأخيرة: لانستطيع بناء المستقبل على أنقاض نظام قديم! فإذا كان السيد الجنرال يؤمن فعلاً بهذا الاستنتاج المتخم بالتفلسف، فكيف إذاً آمن طيلة حياته بأنه سوف يبني هو وجيله (دولة إسرائيل الحديثة!) على أنقاض الأساطير التوراتية التي - مهما بلغت درجة صحتها - قد بادت منذ سبعة وعشرين قرناً على الأقل؟! ألم يكن في "العمل الدموي" له ولجيله خلال الإعداد للدولة- وهو يعرف أفضل منا مدى دموية ذلك العمل!- معارضة التيار المتواصل في المنطقة، وعكساً لاحقاً لاتجاهاته؟! ثم أين هو المفكر في العالم كله من جميع المشتغلين بالتاريخ وعلمه، وتاريخ الحضارة وفلسفتها، ذلك الذي قال إنه يمكن بناء أي" نظام" جديد إلا على أنقاض النظام السابق له... وبمواد تلك الأنقاض ذاتها من: بشر، وعلاقات، وأدوات.. مع التغيير اللازم في الميكانيزمات، ومنظومات القيم، تغييراً يؤدي إلى مستوى جديد في عملية نمو الحضارة، وانقلاب علاقاتها السابقة، واستحداث أدوات جديدة تنسجم مع ذلك المستوى الجديد باعتباره : نتيجة لصيرورة وفّرت لها كل المقدمات الضرورية؟! أما إذا كان السيد الجنرال بيريس يقصد، من هديله المتفلسف هنا، بالنظام القديم: ما أجبر العرب على استحداثه من هيكليات بنيانيه ومفاهيمية متمحورة على الصراع الذي فرض عليهم صهيونياً وإمبريالياً....وإذا كان يقصد بالمستقبل : مستقبل (دولته / الغيتو الكبير)،كمركز لإدارة الهيمنة على " أمبراطوريتها" الشرق أوسطية المأمولة، فإن تفلسفه لن يوصل أحداً من المائتي مليون عربي إلى نزع فتيل انعدام الثقة بسائر أنواع الهديل الحمائمي الصهيوني مادامت رائحة دم الضحايا العرب،منذ 1929 حتى اليوم، تملأ هواء المنطقة.. مثلما ملأته روائح البارود والنار الصهيونية منذ قدوم أول اشكنازي ليقتفي طريق يشوع في "تحريم" أريحا!.... وتفلسفه، بالتالي، لن يغير شيئاً من منطق حركة التاريخ التي لا يمكنها أن تتوقف، مثلما لا يمكنها أن تكون إلا في إطار صراع النقائض وجدل عناصرها المتضادة.. وإلى الأبد! على أن تفلسف صاحبنا قد أتاح له أن يكشر عن أنياب التهديد مرة أخرى، إذ يقول بعد قليل مما سبق: (نحن لا نستطيع أن نسمح للماضي بصياغة تصورات راسخة يمكن أن تفشّل قدراتنا على بناء طرق جديدة في التفكير والتصرف... أما الشخص الذي يرى في الماضي صيغة لتسيير المستقبل فلن يجد نفسه سوى ضحية للإحباط والفشل) ص10 وبالطبع، ليس الماضي هنا هو (ماضيهم!) الذي بنوا كل صهيونيتهم على "صورته التوراتية".... بل إن الماضي المقصود هو ماضينا نحن العرب: الماضي القريب في علاقاتنا الصراعية مع جيله الاشكنازي الذي قدم لافتتاح (عالم جديد!) في بيوتنا، والماضي البعيد الذي يمتد متواصلاً موغلاً نحو البدء الحضاري الذي شيدناه في مصر وسورية وبلاد الرافدين بالاستناد إلى العمق الديموغرافي/ الاستراتيجي وقتذاك : شبه الجزيرة العربية... (* بما في ذلك عصر سيادة الحضارة العربية الاسلامية عالمياً!.. إن الجنرال يحرم علينا هنا تكوين تصورات - راسخة أو غير راسخة!- تعيق حركة الذراع الامبريالي الصهيوني، المتحالف مع نظيره الأميركي وبإشرافه، وتمنعه من حرية التصرف في المنطقة! وبعدها يخرج علينا بإحدى استنتاجاته اللوذعية معممةً كقانون فلسفي لحركة التاريخ : الماضي لا يحتوي أي عنصر أو صيغة يمكن أن يكون له أولها دور في تسيير المستقبل!! بالطبع، لن نكرر القول عن مدى تنافي هذه النتيجة المتفلسفة مع أبسط ما هو معروف وشائع من طبيعة حركة التاريخ وطبيعة القوانين الناظمة لها، مما صار معروفاً حتى لطلاب المرحلة الثانوية!... لكننا سنفسرها كإنذار لمن يفكر بمعارضة حرية حركة الرأسمال الشايكوكي باستثمار المنطقة : بشراً وموارد . وسنلخص الإنذار كما يلي: - نظفوا رؤوسكم جيداً أيها العرب من كل شيء عن ماضيكم الحضاري أو عن آمالكم المستقبلية، وغلُّوا أيادكم إلا عن العمل في خدمة الأمبراطورية الشايلوكية التي نخطط لها في أرضكم، وإلا...! ويمكن أن يوضع بعد هذه الـ (وإلا): من القتل علناً أو اغتيالاً بصورة إفرادية، حتى " إعادة التهذيب!" الجماعية بأحد الرؤوس النووية الاسرائيلية، على طريقة " تهذيب!" الأميريكيين لليابان في الحرب العالمية الثانية!! إنه أيضاً شعاع ثان مذهل من أشعة (فجر السلام) على الطريقة الصهيونية!... فماذا بعد أيضاً لدى الجنرال المغرد بمجد "سلامه" المهدِّد، وقوة رؤوسه النووية الرادعة وسائر ما دججت أميريكا "دولته" به وصولاً إلى تكنولوجيا الفضاء؟! -3- بالتأكيد، لا أحد يستطيع إدخال قافلة محملة إلى السوق من خرم إبرة . إن الأحمال، عندها، لابد أن تسقط وتتمزق وتتبعثر متلوثة بطين الأرض أو غبارها، رغم طنين الأجراس.. وهيصة "شهبندرات" التجار.. وأختام الصفقات المعقودة!... أما أهل المدينة الآخرين فلن يعنيهم ما يحدث إذ ليس لديهم ما يخسرونه في هذا الذي يجري، وصبرهم أوسع من خرم الإبرة، وما يريدونه أكبر من كل الأختام وأقوى من كل طنين! صورة من فولكلور الماضي عندنا، قد لا يرضي السيد الجنرال الوزير بأن نتذكرها وفقاً لنصائحه التهديدية السابقة، وتوعُّداته التي يرشّ عليها بهار كلمة السلام. لقد رضي السيد الجنرال - في عيد ميلادِهِ الميمون !- أن يُدخل "قافلة سلامهٍ" عبر حزم الإبرة العرفاتية المفتوح على اتساعه في أوسلو، بتشجيع من جدارة" أبو علاء" بالابتسام، وبتحريض من رسالة "المخلص جداً ! " بسام أبو شريف... حيث أمكن له في النهاية أن يقول وهو غارق في حبوره: (في أوسلو توصلت إسرائيل إلى أكثر من مجرد كلمات، فقد حصلنا على تنازلات لم نكن نستطيع بدونها توقيع أي اتفاقية.. تنازلات أمنية، وقضية إبقاء القدس خارج اتفاقية الحكم الذاتي والإبقاء على المستوطنات حيث هي ) ص29 وهكذا صار بإمكان السيد كريستوفر أن يقطع إجازته ليستقبل البشارة بتلك "التنازلات" من فم السيد الجنرال الوزير وفم وزير خارجية النروج، وأن يردد أيضاً- ربما بحبور أشد عصفاً من حبور نظيره الجنرال-: (مثل هذه التطورات تستحق أن يقطع المرء إجازته من أجلها) ص30- أما تلك التنازلات المصيرية فقد ولّدت الحكمة في رأس السيد الجنرال الوزير بعد أن لم يكن فيه غير صور الأجساد العربية الممزقة بالرصاص. وسائر أنواع المفرقعات : الكبرى منها والصغرى! لقد "تفضل!" حضرته- فقبل التنازلات العرفاتية التي تخص أصلاً نحو ستة ملايين من الفلسطينيين ومائتي مليون عربي دون تفريق!... وهكذا بورك عرفات بقبول رابين أن يصافحه (مصافحة تاريخية!!) في حديقة البيت الأبيض - من حيث اللون لا من حيث الأصل ولا الفصل ولا السمعة !- وهكذا اكتشف هو- في غمرة حبوره- أن (المنطقة لم يعد هناك مجال لتجاهلها)! وأن التفكير من " خرم الإبرة " هذا (بشرقه الأوسط الجديد) هو الواجب الذي تفوق متعتُهُ متعة الإحساس بالسعادة لما حدث!! طبعاً، لم يفكر السيد الجنرال بالتوقف لحظة ليسأل نفسه: من الذي تنازل له؟!ٍ وعن ماذا ؟! وهل يملك "المتنازل" فعلاً ما تنازل عنه، أم إنه مثله يبحث عن "خرم إبرته " ليدخل قافلته إلى السوق، ويضارب ؟!... إن السيد الجنرال يعرف الإجابة الصحيحة على هذه التساؤلات أكثر منا . وهذه الإجابة لا تسره بتاتاً حتى على المستوى التاريخي القريب ! ولو أعاد قراءة ما كتبه هو نفسه عن شخصية عرفات، وعن كيفية حصوله على اعترافهم هم والأميريكيين به، لوجد أنه يعترف بأن الرجل صار "مقبولاً" عندما صار نفوذه مهدداً،وصار بالتالي محتاجاً إلى أي شكل من أشكال إعادة الاعتبار ولو عن طريق الارتماء العلني في أحضان خصومه من الأميريكيين ومن الصهاينة - هذا إذا كانوا خصومه فعلاً في أي يوم من الأيام!- .وهكذا استبدل الشعب الفلسطيني برمته "بالرئيس جداً!" السيد عرفات وبحفنة من أتباعه من أمثال " أبو العلاء" الذي (يعرف كيف يبتسم بجدارة!) وأمثال (المخلص!) أبو شريف... وهكذا أيضاً قبل هؤلاء ومن معهم بأن يكونوا "نوعاً من الشرطة الصهيونية المعرّبة" في مخترة ومخفر- بصرف النظر عن سائر الشكليات والألقاب والبروبوغندا الإعلامية- كي يتولَّوا لاحقاً أمر مطاردة الخارجين على الطاعة لإسرائيل من الفلسطينيين، أي كي يتسلموا أمر "فلسطنة" الصراع، فيرتاح السيد الجنرال وبقية جيله من حكام الدولة الأصولية الصهيونية، حتى من دفع الثمن الإعلامي الغالي لتلك المطاردة،كما قال هو نفسه! فهل هذه الأمور كلها مجرد (تنازلات مفرحة) من قبل أحد طرفي صراع تاريخي بهذا الحجم للطرف الآخر، أم إنها عملية قبول رخيصة "لوظيفة " سافلة لا تزيد عن كونها لغماً مستقبلياً في قلب الطرف المسلوبة حقوقه.. لغماً جاهزاً للانفجار تحت قدم كل من تسول له نفسه أن يتحرك لتحصيل شيء من تلك الحقوق؟! لا شك في أن تردد السيد رابين في مصافحة (شرطيِّه!) الجديد، في احتفال البيت الأبيض يوم 13 أيلول من عام 1993، كان له ما يبرره من شعور الاحتقار الداخلي "لموظفه!" الصغير، رغم حجم خدماته المفرحة المأمولة ..(* ولاشك أيضاً في أن الحلف الرأسمالي الصهيوني / الأميريكي قد تمكن، بهذا السيناريو الغريب، من استبعاد جميع القوى الكبرى الأخرى- أوربا وروسيا.. وغيرهما!- من أن يكون لها أي دور في الترتيبات المقبلة في المنطقة، غير دور المتفرج المصفِّق.. وذلك ماسيطوي بفظاظة جملة ما يسمى (قرارات الشرعية الدولية) التي بدأت على أساسها المفاوضات في مدريد، حتى صارت (الشرعية الدولية) ذاتها - وهي ما يصر الأميريكان على الجعجعة بها كلما لزمتهم!- جزءاً من مزبلة ماض ينصحنا السيد الجنرال الوزير بنسيانه كلياً! وذلك هو الشعاع الثالث من أشعة (فجر السلام) الأميريكي / الصهيوني المشترك في منطقتنا .. أفلا يحق، بعد كل هذا، للسيد الجنرال بيريس أن يهدل كالحمام احتفاء بهذا الفجر العجيب؟! -4- تقول إحدى حكاياتنا الشعبية- ونحن سنستعمل موروث ماضينا رغم نصائح السيد الجنرال وتوعداته- أن الذئب قرر يوماً أن يتزهد، فلبس ثياب الدراويش وخرج يَعِظُ الخراف مظهراً استغراقه في روحية عميقة. وحين صدقه أحدها رافقه إلى النبع كي يشربا دون أن يلاحظ كيف أخفى جيداً أنيابه ومخالبه. وأخذ الذئب المتدروش يشرب من رأس النبع بينما قنع الخروف المريد أن يشرب من الجدول الذي يكوّنه النبع. وفجأة صرخ المتدروش بمريده: لماذا تعكر عليّ المياه أيها الشرير؟! وقبل أن يتيح له فرصة الشرح والتفسير أخذت الأنياب والمخالب تلعب في عنقه.. وبالطبع، من غير أن يفكر ذلك المتزهد المتدروش حتى بقراءة الفاتحة على روح مريده الغبي!! في الحقيقة، يحصل في كثير من الأحيان شيء مماثل لمختلف أنواع الذئاب البشرية . لكن المشكلة التي لم يجد لها حلاً هذا العصر الامبريالي الذئبي كله تتلخص في أن لدى الضحايا من (قلة الحياء؟!) ما يجعلها غير راغبة في الاستسلام بتاتاً، بل إنها لتطارد قاتلها وهو في عز تلذذه بدمائها، حتى إن ذعره من احتمالات المستقبل ليفوق نشوة تلذذه ذاك. ويبدو أنه قد حدثت للسيد بيريس تجربة مماثلة حين كان يمحقُ الشرعية الدولية، وحقوق عرب فلسطين، ويرتب في أوسلو إدخال "قافلة سلامه" إلى السوق من خرم الإبرة العرفاتي. غير أنه لا يورد حقيقة ما حدث له بل هو يوظف ذلك مفهومياً لخدمة مشروعه المستقبلي.... فلنقرأ ما يقوله بهذا الخصوص: (خلال مفاوضات أوسلو انشغلت، لبعض الوقت، في التفكير الروحي العميق- هكذا !!- فقد كنت على الدوام أميل إلى التفاؤل المفرط، في الوقت ذاته الذي تجذبني فيه بعض الأفكار القديمة مثل المهام التبشيرية الأولى. أعلم أن ما حصل لليهود كان تجربة غير مسبوقة . وخطر ببالي أن شيئاً مماثلاً قد يحصل للفلسطينيين، أي التجمع وتشكيل شعب لَهُ دور بين الشعوب . لقد كان واضحاً لي أنه في قلب الصراع المهلك تكمن القضية الفلسطينية. فبعد كل هذا لم ندخل الحرب مع مصر لنستولي على نصف سيناء، ولم ندخل في مواجهة مع سورية للحصول على الجولان، لكن فعلنا ذلك من أجل ضمان الأمن والاستقرار، ولم نكن يوماً بالشعب الذي يرغب في التحكم بالآخرين ) ص16-17 وللقارئ طبعاً أن يضحك من كل هذه المساخر، واحدة واحدة أو بالجملة. غير أن الجنرال لم يقصد إطلاقاً أن يسلينا بمثل هذا الدَّجَل المفضوح عن مساخره الروحية، فما الذي قصد إليه إذاً ؟! قد يبدو الجواب بسيطاً وهو أنه يريد أن يحقن رؤوسنا، التي عليها أن تنسى الماضي، بجرعة أولية من التزويرات التي تهيؤنا لتقبُّلِ ما سوف يمليه علينا من طلبات تخص الأدوار المرسومة للعرب في تنفيذ بنود مشروعه. وهذا الجواب حقيقي وصحيح. ولكن، ماهي التفصيلات التي يضمرها أصلاً؟ هل حقاً إن السيد بيريس قد فوجئ بما قدمه له أبو العلاء وبقية "شلته" العرفاتية من تنازلات تشبه طلبات التوظيف عنده وعند من يمثلهم من الشايلوكيين أكثر مما هي موافقة على "معاهدة"؟! الحقيقة أن عرفات كان منذ عشر سنوات يقدم التنازلات بالجملة للدولة الصهيونية . وفي عز الانتفاضة قدم السيد بسام أبو شريف- وكان وقتها مستشاراً لعرفات-"وثيقة المشهورة"(* ... وبذلك كله صار عرفات عند السيد بيريس رجلاً (لا بديل له. فقد.. أضحى رمزاً وطنياً وأسطورة في أعين الفلسطينيين.وفي العادة عندما تبدأ الأساطير تنتهي التساؤلات)، لكن الجنرال لم يكن يفوته أن هذا الرجل الذي (لا بديل له) عنده وعند صهيونيتِهِ كان يعرف أن " الرمز والأسطورة" قد سقطا تماماً منذ عام 1982 في أعين غالبية الفلسطينيين والقوى الشعبية العربية. وكان يعرف أكثر: إنه عندما تسقط الأسطورة تكون التساؤلات والشكوك قد وصلت غايتها، وابتدأت صياغة البدائل! وإذاً فالتفاؤل المفرط لدى السيد بيريس لم يكن يحصله في أوسلو من (الوفد العرفاتي) في غفلة من العرب، بل في ما كان يراه من تفتت الأوضاع العربية وتفككها إلى الدرجة التي ستسمح (للآخرين) من "عرب المشروع الصهيوني" بأن يمارسوا أدوارهم علانية في تدشين مشروع الأمبراطورية الشايلوكية الشرق أوسطية، بذريعة (عرفات / الرمز!!) ذاته! وهذا بطبيعة الحال يستجر تذكر المفاهيم التبشيرية الأولى حيث نصت الأسفار مراراً كما سبق أن قلنا على أن الغوييم (تحرمهم . لا تقطع عهداًً ولا تشفق عليهم)، وحيث نص هرتزل في تعاليمه حول إنشاء الدولة: (إننا سنقوم بحملة جماعية لصيد الدببة. لن نقتلها فرادى، بل سنقتلها بالجملة ونرمي في وسطها قنابل شديدة الانفجار). وهنا نعثر على سر (المكابدة الروحية!!) للجنرال . إنه يتمثل في المفارقة بين مخالفة النصوص بشأن" قطع عهد" للغوييم وبين مقتضيات الواقع والحركة اللازمة فيه لإنجاح المشروع . فيالها من مكابدة!! ويا للتعمية الخطيرة التي يقوم بها هذا الذئب الصهيوني المتدروش!! لكن صاحبنا لما ينتهِ بعد. إننا نستطيع التخمين بأن وراء المكابدة التهريجية المعلنة مكابدة فعلية مختلفة . أما جوهر الذعر الذي هو طابع هذه المكابدة فينبع من وضع عرفات- وسائر المتهافتين من رسميّي العرب- في أعين القوى الشعبية العربية: فلسطينية وغير فلسطينية... ويرتبط بالتالي بحقيقة أن أية صيغة رسمية لإقرار ما هو نشاز في حركة تاريخ منطقة كمنطقتنا العربية لن توقف حركة التاريخ تلك، ولن تجبرها على تحويل مساراتها أو التقصير في استيفاء مستحقاتها المؤجلة التي قد تبدو- في لحظة ما- كأنما هي غير موجودة أو غير ملزمة بالفعل!... ولقد أفصح الجنرال عن ذلك بقوله الموارب (خطر ببالي أن شيئاً مماثلاً قد يحدث للفلسطينيين، أي التجمع وتشكيل شعب له دور بين الشعوب). إن من لا يتمعن جيداً في مجموع الفقرة الكاملة المقبوسة قبلاً، قد يتوهم أن بيريس يتمنى ذلك التجمع للفلسطينيين وتأسيس دولة انطلاقاً من "المخترة" العرفاتية. لكن تحليل المنطويات الحقيقية لتلك الفقرة، واستناداً إلى أطروحات الكتاب كله وإلى ما نعرفه عن الصهيونية وأصولها، يشير بقوة إلى طبيعة الكابوس الجاثم فعلاً على صدر الدولة الخزرية الشايلوكية، والمتمثل في أن الشعب العربي الفلسطيني موجود ومتمرس بسائر أشكال الدفاع عن حقه في وطنه التاريخي. لكن الجنرال - كما سيتبين لنا لاحقاً- يضمر أيضاً تأسيساً مفهومياً جديداً وهو: فكرة " الأمة الفلسسطينية" المنبثقة من (العرقية العربية) كما سيسميها . فهو إذاً يؤسس لنسف الهوية القومية العربية عن طريق تعزيز استبدالها بقوميات قطرية منفصل كلٌّ منها عن الآخر. إن ثقل الوجود الفلسطيني، ونوعيات ممارساته النضالية التي يسميها الصهاينة والأميركان إرهاباً، لهو ثقل حاضر بضغطه الكابوسي على قلب الجنرال المفعم بالحبور وهو يتلقى "هدية!" أبو العلاء . (* . ولأن الانتفاضة هي- باعترافه لاحقاً- نوع من السخرية اللاذعة من (جيش الدفاع!) سمعتِهِ وترسانته فإن من حق الجنرال أن يظل مذعوراً من الاحتمالات التي تطرحها حركة التاريخ التي لا تنصاع للأوامر، أو تشلها التهديدات. وهكذا فإن السيد الجنرال، الخزري الاشكنازي، دعيّ (الوراثة العرقية؟!) المباشرة للنبي إبراهيم، والذي إن عصرته قليلاً سالت منه بقايا الدم الفلسطيني كالمزارب، مرغم سيكولوجياً على التصريح لنا بأحواله الكابوسية وبأسبابها.. فيما يظن الجميع أنه في ذروة انتصاره وذروة نجاحات (تجربة جيله!). وعليه، فإنه يعترف- ربما للمرة الأولى في تاريخ الدولة الصهيونية- أنه (في قلب الصراع المهلك الطويل تكمن القضية الفلسطينية)، ونحن هنا نوافقه بلا تحفظ مع إضافة صغيرة: القضية الفلسطينية وجملة الوظائف الامبريالية التي وراء تصنيعها تاريخياً دون أية مسوغات أخرى. والسيد بيريس، إذ يدرك كل هذه الحقائق الكابوسية مجتمعة، وإذ يرى كما يقول في مكان آخر (أنه من الصعب علينا - يقصد عليهم هم !- تصحيح أخطائنا) أي أخطائهم هم، لايجد وسيلة للوقاية من الذعر التاريخي إلا بارتداء جبة الواعظ فوق جلده الذئبي وأنيابه ومخالبه!... إنه يكمل: ( لم ندخل الحرب مع مصر لنستولي على نصف سيناء، ولم ندخل في مواجهة مع سورية للحصول على الجولان. لكن فعلنا ذلك من أجل ضمان الأمن والاستقرار). وهكذا تظل الصفاقة هي الصفاقة مهما حاول صاحبها أن يصطنع لعباراتها من مؤثرات!... إن تجربة جيل الجنرال بنيت على شعار غير قابل للتغيير: (إسرائيل من الفرات إلى النيل)، فمن هو إذاً ذلك الذي أقدم على (جناية!!) تغيير ذلك الشعار الهرتزلي في غفلة من الصهيونية برمتها ؟! وإذا تجاوزنا ذلك، فأي أمن واستقرار يطلبها غزاة يحتلون أرض غيرهم بقوة السلاح الامبريالي ؟! بل لماذا يرفض هو وحكومته - حتى لحظة كتابة هذا التساؤل- إعادة الجولان لسورية رغم أن سورية وعدت بالسلام الشامل مقابل الانسحاب الكامل؟! لكن، هل يشكل المشروع الصهيوني- في سويّته الشرق أوسطية البيريسية المطروحة هنا- نوعاً من الهروب إلى أمام إزاء تقويم الاحتمالات التاريخية المفتوحة بشأن هذا (الصراع المهلك الطويل)؟! إننا نترك هذا السؤال معلقاً لنعود إلى هذه الجملة المضحكة رغم ما فيها من إثارة للاشمئزاز والغيظ من الدجل المفضوح : (لم نكن يوماً بالشعب الذي يرغب في التحكم بالآخرين). حقاً إن ظرافة بعض الصفاقات لا حدود لها!! والصفاقة والدجل هما رابع الأشعة التي يحاول السيد الجنرال أن يحبك بها ومنها "فجر السلام" الصهيوني / الأمريكي المشترك في المنطقة!... أفليس "ظريفاً" حقاً هذا الاشكنازي الإرهابي القديم المتجدد، وهو يحاول أن يوهم قارئه بكل هذه الخدع اللفظية أنه ليس بينه وبين النبي إبراهيم إلا (محطّ إصبعين) من شجرة العائلة التوراتية؟! ومع ذلك فنحن لا نزال مع الافتتاحيات البسيطة لما في جعبة الجنرال المتدروش من غرائب " وألعاب خفة!" ومكر وتزوير للتاريخ واستهتار بالحقائق والبديهيات. وأول ذلك استهتاره بوجودنا ذاته. فلنتابع إذاً. (* ص8 من الترجمة العربية . ودائماً أرقام الصفحات تحيل إلى هذه الترجمة التي سبقت الإشارة إليها. (* مرة أخرى: راجع كتابنا "الميراث العظيم" - سبقت الإشارة إليه. (* ملاحظة: لم نراعِ هنا في اسم "أبو العلاء " مسألة الإعراب، فعذراً من القارئ. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |