رقصة الشيطان برنامج العمل الصهيوني لنصف القرن المقبل 1994-1995 - أحمد يوسف داود

دراســــــــة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1998

Updated: Monday, September 22, 2003 02:51 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثالث - مفترق الجحيم -

-1-‏

كقاعدة عامة، يشهر الجنرالات مسدساتهم عادةً حينما يريدون أن يبدؤوا بالتفكير!‏

ولأن السيد بيريس كان معنياً دائماً (بالقوة العسكرية لإسرائيل) (* -والتعبير له حرفياً- إذ تقلّب خلال عشرين عاماً في مناصب عديدة كأحد كبار جنرالات "جيش الدفاع!"، فإن من حقنا- بل من واجبنا تجاه أنفسنا - أن نمعن في البحث عن مسدسه المشهر وراء غابة أفكاره المعماة عن عمد، فيما هو يتحول قصداً نحو (كل هذا التفاني والإخلاص للعملية السلمية)، كما يقول!‏

تفانٍ وإخلاص للعملية السلمية؟!... من أجل ماذا ؟! بل لأية غاية، ولأي سبب، والجنرال متورط منذ يفاعته في (صيد الدببة) الذين سيسالمهم : صيداً بالجملة، وبسائر منجزات تكنولوجيا المفرقعات المدمرة، حسب التعاليم الهرتزلية؟!! فما الذي يجري إذاً ؟! وهل علينا أن نصدق أن هذا "القطب الصهيوني" قد استطاع أن يرمي ماضيه كله في عكس "اتجاهه الجديد" هكذا دفعة واحدة؟!‏

فلنتابع تعليلاته، هو نفسه، لذلك " التغيير المفاجئ"!‏

يقول السيد الجنرال:‏

( لم أكن أنا الذي عمل على تغيير المسار من التصور التقليدي للدفاع الوطني القائم على أنظمة الأسلحة إلى التصور الجديد القائم على الاتفاقيات السياسية، ويضم عناصر أخرى مثل الأمن الدولي، والاعتبارات الاقتصادية . فالواقع يؤكد بأن العالم هو الذي شهد تغيرات كاسحة، وعملية التغيير إنما تجبرنا على استبدال مفاهيمنا القديمة بمواقف أقرب إلى الحقائق الجديدة) . ص33‏

كلام يبدو في ظاهره جميلاً و" طاهراً!". و (تغيرات العالم الكاسحة) تغيِّر مفاهيم الرجل- هي ما غيرها !- عن (التصور التقليدي للدفاع الوطني!) إلى (مواقف أقرب إلى الحقائق الجديدة) .. ولكن ما معنى هذه العبارات التي وضعناها ضمن قوسين، أو إلى ماذا تشير من حقائق الواقع المعاش؟!‏

لقد سبق لنا في الفصل الأول من هذا الكتاب أن وصّفنا ماهية "التغيرات العالمية الكاسحة" وحدودها، حيث (عالم الرساميل)، الذي دمر الجنوب وعمم فيه كل ما استطاعه من خراب، يستعد الآن- بقواه المختلفة المقبلة على صراعات مريرة بحكم طبيعتِهِ ذاتها وما أصاب هذه القوى من أزمات بنيوية شاملة- لإعادة صياغة التوازنات والعلاقات بين هذه القوى المأزومة . وهنا تلعب الترسانات وحجوم " آلات الحرب" العاتية أدواراً رئيسية في الحفاظ على مصالح أصحابها، كل على حدة!.... وبانتظار التفجرات الحتمية المقبلة!!‏

إنه إذاً (النظام العالمي الجديد) كما صاغته إدارة الذراع الأخطبوطي الأميريكي وفقاً لمقتضيات مصالح هذا الذراع، و" بالتحالف الذي يأخذ طابع الاشراف " مع الذراع الشايلوكي . فتصور الدفاع عن المصالح، والقائم على أنظمة الأسلحة، لم يستبدل في " المدى الاستراتيجي"... وإنما يؤجل استعماله المباشر تأجيلاً مؤقتاً وحسب.‏

ولكن- وفي حدود المنظور العام لقيام الدولة الأصولية الصهيونية، وحدود أهدافها الاستراتيجية المعروفة- ما معنى عبارة: (الدفاع الوطني)؟! أو ليست الحقائق المتعلقة بإنشاء تلك الدولة- حقائق تاريخها وحقائق ممارستها- تفرض على كل من يملك ذرة عقل في رأسه أن يضع عبارة (الهجوم المصلحي الصهيوني) محل تلك العبارة؟!‏

بلى!... وبدون أدنى تردد أو شك!! فالواقع يظل هو الواقع مهما حاول المرء أن يزينه أو يزوقه بالأوصاف والطلاءات المفبركة المنمقة... ومهما حاول أن يصطنع، لإقناع الناس بنسيانه، من تبريرات وتمريرات!!‏

وعلى هذا الأساس، وباعتبار وطننا العربي قد تعرض - امبريالياً- لأقسى وأشنع عمليات التدمير والنهب والتخريب والتفكيك والتفتيت، ماذا تعني مصطلحات من نوع (الاتفاقيات السياسية .. والاعتبارات الاقتصادية) حين تستخدمها إدارة الدولة الأصولية الصهيونية- ومعها الإدارة الأميريكية وتوابعها أيضاً!- على لسان السيد الجنرال الذي كان حتى البارحة يحترف الحرب، بكل صنوف الأسلحة، على أية محاولة عربية للنهوض ولملمة الذات من أصناف الخراب الذي ألحقه بنا الرأسماليون طوال قرون هيمنتهم الملعونة؟!‏

إننا سنؤجل الإجابة على هذا التساؤل . فمناقشة ما تبقى من "أطروحات" السيد الجنرال الوزير هي وحدها الإجابة الكافية المطلوبة!‏

أما عبارته حول اعتماد المواقف (الأقرب إلى الحقائق الجديدة) فإن وضوحها كلياً يعتمد على مجرد تذكر دور الذراع الشايلوكي في التحالف الرأسمالي الأميريكي / الصهيوني كيما تفرض أميركا على " حلفاء الأمس / خصوم الغد" أن يعملوا فوراً - وقبل أن يتمكنوا من الوقوف على سيقانهم منفردين!- على تقديم كل المساعدات المطلوبة لها كي تستطيع تفكيك أزمتها البنيوية العاصفة... ولأن منطقتنا هي " قلب العالم" فعلاً بمختلف المقاييس فإن هجوم (النظام العالمي الأمريكي الجديد) على أولئك " الحلفاء/ الخصوم" قد بدأ منها... وينتهي فيها! وهذا هو جوهر الحقائق الجديدة التي يتبجج سعادة الجنرال الوزير بأنه قد " اعتمدها"، كأنما هو لا يريد إلا تقديم " خدمة لوجه الله!!" لمن يعتبرهم "جيرانه!" الذين لم يكونوا يوماً إلا ضحاياه، وضحايا تجربة جيله الأشكنازي التي يتباهى بأنها تجربة غير مسبوقة كما سمعناه يهرف قبل قليل.‏

منطقتنا إذاً، بموقعها ومواردها الحيوية الهائلة... ببشرها وإرثها الحضاري المختلف كله.. هي الآن- أكثر من أي وقت مضى- بؤرة التركيز في عملية الإعداد والاستعداد للصراعات القادمة بين مختلف الأذرع الرأسمالية الامبريالية . والجنرال هو " المبشر" الفاعل- وبأسلوب جديد مختلف ومهام مختلفة عن الأسلوب والمهامّ التبشيرية الأولى لجيله كما وصفها!- حول "واجبنا!" في الانخراط القسري مع الحلف الأميريكي / الصهيوني كضحايا للمحرقة القادمة التي لابد منها في طقوس عبادة " العجل الذهبي" العالمية!.... أفليس من حقنا إذاً أن نصرخ محتجين متوجعين: إنه مفترق الجحيم؟!‏

ولكن، ما قيمة الصراخ المتوجع في برية كل هذا الخراب، وخطط المزيد من نشر الخراب ؟! فلنؤجل ذلك إذاً، ولنتابع مع الجنرال المبشر، لنستكشف- من فمه- صورة هذا المفترق نحو ما يرسمونه لنا، وعبرنا، من جحيم!‏

-2-‏

هل ينبغي أن نتوقف عند تحليله لسقوط نظريات (المدرسة الدفاعية التقليدية) من وجهة نظر عسكرية، حيث يدير حديثاً يكاد لا يعنينا عن الصواريخ البالستية وتجاوزها لجغرافيا الدفاع وللاستحكامات وحشد القوات .. إلخ؟!‏

في الحقيقة يجب ألا يعنينا - نحن هنا- في شيء كل هذه الثرثرة التي لاعلاقة لها بصلب الموضوع إلا من حيث كونها تبريراً مزوراً لما يريد تمريره من ضرورة (عقد المعاهدات والاتفاقيات الثنائية والمتعددة) التي تحول دون استعمال الأسلحة غير التقليدية .. حتى يستنتج مايريد أن يستنتجه: (على البلدان، في أي منطقة، التعاون لمواجهة الخطر النووي والبيولوجي والكيميائي.. إن المفتاح للحفاظ على نظام إقليمي آمن وعادل يكمن في النواحي السياسية والاقتصادية أكثر منه في امتلاك القوة العسكرية . وفي عالمنا اليوم فإن تأمين مستوى معيشي عال يتطلب علاقات تجارية وحدوداً مفتوحة واعتماداً على العلوم والتكنولوجيا ) ص 35‏

إن ما نريد أن يكون واضحاً للقارئ دوماً هو أن هذا السيد الذي يغير بذة الجنرال بجبة المبشر الواعظ يجب أن يؤخذ حديثه المعمم عالمياً بمقصوديته الخصوصية - أي بكونه يحكي عن منطقة الشرق الأوسط أساساً- وعليه، فإن ما يجب أن نفعله هو أن ندقق في ما يشير إليه الفقرة السابقة دون أن تقوله. فحين يكون المرء موضوعاً على مفترق الجحيم فإن عليه أن يراقب كل حركة وكل إشارة أو لفظة من الخصم كي يستطيع تحديد النقطة التي سيدفعه منها إلى الهاوية المختارة، فلا يتركه ليأخذه في غفلة .. على الأقل!‏

مبدئياً يعرف الجنرال أن أسلحة العرب كلهم محدودة، وأن أسلحة (دولتِهِ الأصولية الصهيونية) هي الأقوى بترسانتها الخاصة والمفتوحة بلا قيد أو شرط على الترسانة الأميريكية العاتية. وإذا كان هنا لا يلوّح في وجوهنا باحتمال تكرار (الدرس العراقي) في مكان عربي آخر، بل يحرص على رش مزيد من (بهارات) الكلام والمصطلحات الخلابة على استنتاجه السابق، فإن هذا لا يعني أنه ضمنياً لايأخذ التلويح به في حسبانه، بل إنه سوف يذكر كلاً من ليبيا وإيران بالاسم في سياق كلام آخر حافل بالتهديد المبطن.. وضمناً : سورية، كما سيلمح لاحقاً في أكثر من مكان، وكما سيصرح هو وسواه في أكثر من مناسبة‍! والمطلوب حسب استنتاجه أعلاه هو تجريد المنطقة من السلاح النووي والبيولوجي والكيماوي. لكننا نسأل بدورنا : من المطلوب تجريده من هذه الأسلحة إن وجدت ؟!‏

إن الجواب البسيط هو: تجريد الجميع، ما عدا (إسرائيل) (* . فإسرائيل هذه تطالب فعلاً بذلك، ولا تعترف بتاتاً بأنها تملك سلاحاً نووياً رغم أن العالم كله بات يعرف ذلك. بل إنها لم توقع بتاتاً على معاهدة "حظر انتشار الأسلحة النووية" المعروفة. وهذا لا يعني سوء النية المبيتة وحسب، بل يعني أيضاً- وأساساً- أن ترسانة "الوطن القومي!" للذراع الرأسمالي الصهيوني يجب أن تبقى وتتعزز في إطار الهيمنة على المنطقة-ولو شراكة مع أميريكا- باعتبار المشروع كله مقدمة للوصول إلى الحلم الصهيوني الأعلى: الإمبراطورية العالمية.‏

وهكذا يكون وصف النظام الاقليمي المطلوب : (بالآمن والعادل) في تعبيرات الجنرال/ المبشر ما هو إلا "رش بهارات " كلامية. فهذا النظام الإقليمي مطلوب أن يكون " آمناً" بالنسبة للدولة الأصولية الصهيونية وحدها .. فيما هي تبدأ خطوات دورها الجديد هنا في إطار المتغيرات العالمية، وفي وسط مستجرات الخراب العربي التي كان وجودها الاستيطاني أحد أهم أسبابه المباشرة . أما كلمة (عادل) فهي للتصدير حصراً إلى العرب حيث يعتمد زجها في السياق على قابلية انخداعهم وتصديقهم بإمكانية حدوثها، نظراً للمستجرات السيكولوجية الصعبة للخراب الذي يعانون منه.. أما صهيونياً فالكلمة يمكن - أو إنه يجب- حذفها، ولن يكون هناك أي خلل . إذ منذا الذي يتوقع من آلية عمل رأسمالية كثيفة- حسبما في خطط الهيمنة الإجمالية المباشرة على المنطقة- أن يكون فيها أو وراءها أي عدل للمجتمعات التي ستتم الهيمنة عليها إن حدثت، ولم تورَّد لها آلية العمل تلك إلا لنهبها، وابتزاز مواردها في أعلى صيغة ممكنة، وضمن شروط الصراعات العالمية الكبرى القائمة؟!‏

وعليه، فإن الوعد " بحلوى" (تأمين المستوى المعيشي العالي) إنما هو مجرد إغراء من نوع تغطية السم بالعسل.. أما السم فهو تأمين المطلب الصهيوني / الأميريكي المشترك والمتمثل في (العلاقات التجارية التنافسية، والحدود المفتوحة والاعتماد على العلوم والتكنولوجيا) حسب كلام السيد الجنرال/ المبشر!.. وهذه المسألة بالذات تتطلب وقفة خاصة بالغة التأني، ومناقشتها استناداً إلى وضع كل من الطرفين المتعاملين وفق تلك العلاقات المحتملة المطلوبة!‏

أ- تقول عبارة (العلاقات التجارية التنافسية) أطروحة خطيرة على "المصير العربي" من حيث المبدأ . إنها في الجوهر تقوم بوظيفة مفهومية بالغة الدقة، ملخصها ليس نسيان ماضي القضية برمته وحسب، بل أيضاً تجاهل مستجراته التي لاتزال قائمة كمشكلات لكل منها طابع المعضلة المستعصية: من مشكلة ملايين اللاجئين إلى مشكلة الاستمرار في احتلال غالبية الأرض المحتلة بعد عام 1967 وما بينهما من قضايا متشابكة وخطيرة.‏

وإذا كان السيد رابين ذاته قد نفى بأن يكون هناك شيء اسمه القرار/ 425/ الذي اتخذته الأمم المتحدة بشأن الانسحاب من (الشريط الأمني!!) المحتل في جنوب لبنان، وذلك في معرض رده على مقترحات رئيس جمهورية لبنان الذي طلب تشكيل لجنة مشتركة لتنفيذ القرار المذكور في مستهل الشهر الحادي عشر من العام 1994... فإن وزير خارجيته السيد الجنرال المبشر قال في خطابه بمؤتمر الدار البيضاء:" لم تعد الأرض مهمة، بل المهم هو الإنسان(!!) والرفاه في ظل الأوضاع العالمية الجديدة(* هكذا .. أي نعم!!!‏

ما هي هذه (الأرض التي لم تعد مهمة) في نظر السيد بيريس إذا ما قرنّا كلامه هذا برد الجنرال الآخر رابين على اقتراح رئيس الجمهورية اللبنانية؟!... الجواب واضح ببساطة- مع ملاحظة أن كلام الجنرالين: رئيس الوزراء ووزير خارجيته، متواقت ومنسق- وهو: أرضنا العربية كلها، المحتلة بعد عام 1967 والتي لم يجر احتلالها كلها- من المغرب إلى المشرق- هي التي يجب أن نعتبرها غير مهمة!.. وهم يقولون لنا ببساطة أكبر:" ما أخذناه أخذناه، وصار ملكاً لنا بقوة الأمر الواقع، فتعالوا نتشارك على ما تبقى، ونعدكم بالرفاه.. وعلى أي حال فالمستجدات الدولية تفرض عليكم مشاركتنا في الأرض المتبقية شئتم ذلك أم أبيتموه"! هل هناك تفسير آخر إذا جمعنا أقوال الجنرالين والوقائع القائمة في الممارسات الصهيونية اليومية لحكومة "الدولة"؟! على أي حال فإن الجنرال سيشير صراحة في الفصول اللاحقة إلى بعض من ذلك!!‏

لكن الأرض ليست مجرد تراب وجغرافيا. الأرض هي وطن ميراثٍ حضاري عربي مختلف القيم جذرياً عن نظيره الغربي/ الصهيوني الرأسمالي، وما سبق الرأسمالي!... والأرض هي حامل بنى مجتمعية خاصة وشبكات علاقات وأحلام وآمال وطموحات مستقبلية ترتبط بتلك البنى- رغم كل ما أوقع بها من تخريب رأسمالي- ارتباطاً يتقاطع جذرياً مع طبيعة الفعالية الربويّة للرساميل، إذ الربا محرم نصاً في الشريعة التي تولدت منها هذه البنى في الحاصل الأخير‍.... وفوق ذلك وقبله فالأرض هي كنوز الموارد المطمورة التي تخص أصحابها في الأصل لاسواهم! هذه هي الأرض التي لم تعد مهمة في نظر الجنرالين، والتي يجب علينا مشاركتهما فيها، أي تدميرها تماماً، لصالح (الإنسان والرفاه) .. أما أي إنسان ؟‍ وأي رفاه؟‍...فذلك ما لن يبخل السيد الجنرال الوزير بالتعتيم عليه في سياق كتابه، وبعبارات نعترف لها بعمق الفهلوية فعلاً!‏

إذاً " الوظيفة" التي تنطوي عليها مفومياً عبارة (العلاقات التجارية التنافسية والحدود المفتوحة) هي وظيفة الإلغاء التاريخي للهوية الحضارية العربية عن طريق تدمير ما تبقى لها من "ظلال" ومرتكزات، ثم إعادة صياغة البشر المنتمين إليها وفق مقتضيات آلية السوق ‍‍!!‏

إنهم يقولون لنا بدهاء : لقد تمت مرحلة هزيمتكم بالسلاح والاحتلال الجغرافي والتخريب الديمغرافي، والآن ستبدؤون معنا -بالقوة- مرحلة السماح لنا بهزيمتكم حضارياً، وبصورة نهائية، عبر (مباراة سلمية!) وفقاً لقواعد فعاليتنا الرأسمالية!... وإن هذه لهي النقطة التي سيدفعون بنا منها إلى الهاوية من مفترق الجحيم، إن تمكنوا من تنفيذ مخططهم الجديد/ القديم في الواقع!‏

ب- دعونا نفترض أننا أخطأنا في حق " صاحبنا!" الجنرال، واصطنعنا " وظيفة" لم تخطر له إطلاقاً... وتعالوا نفكر معاً كيف يمكن أن تتم مثل هذه المباراة التجارية التنافسية المقترحة علينا.‏

لا يستطيع السيد الجنرال- ولا غيره- أن ينكر أن (دولة إسرائيل الحديثة!)، التي أنجزتها " تجربة جيله"، تستند كلياً إلى الرأسمال اليهودي العالمي الذي قلنا إنه يشكل أحد الأذرع القوية في البنيان الرأسمالي الإجمالي. والرأسمال اليهودي ذاك داخل في شبكة علاقات واسعة وصميمية مع بقية الرساميل الغربية والأميريكية منذ تكونها البدئي، الأمر الذي يعني خبرة قرون في آليات التجارة التنافسية المالية والسلعية وأساليبها وألاعيبها .. فأين هي الرساميل العربية الموازية - سواء في القوة أو في الخبرة- والتي ستخوض تلك المباراة المقترحة؟‏

إن الرساميل الوطنية العربية- بسائر أشكالها وتوضعاتها وعلاقاتها- هي رساميل ضعيفة، وتابعة بحكم آلية عمل السوق الرأسمالية العالمية، وهي بالتالي هامشية وذات منشأ متخلف بحكم فعالية النهب الخارجية المزمنة.. وبحكم أنها ليست حتى ذات " دورة قومية متكاملة".... وتكوناتها في الحقيقة أقرب إلى أن تكون- عموماً- طفيلية وعرضية. والسؤال هنا هو: أية مباراة هذه التي يمكن أن تقوم بين عملاق وقزم ؟! أم إن السيد الجنرال الوزير لا يريدنا إلا أن "نغمض أعيننا" أو نعميها عن رؤية سائر الحقائق؟!!‏

غير أنه يجب أن نتذكر أن كلمة" تنافس" في صلب بنيان الرأسمال وميكانيزمات فعاليته، إنما تعني جوهرياً "تصارع المصالح" إلى حد إعلان الحروب.. أو يستسلم الضعيف للقوي فيأكله وفقاً لقوانين "غابة السوق" وقاعدة : بقاء الأقوى!..‏

وهذا هو أحد (أطباق الوليمة الشهية!) التي " يتفضل " السيد الجنرال الوزير بدعوة ما يمثله من قوى رأسمالية عالمية إليها، بينما الرساميل الوطنية العربية هي التي عليها أن تقوم بالخدمة، وأن تسدد فاتورة الحساب أيضاً!‏

إذاً الرساميل الوطنية العربية- شأنها شأن الموارد والطاقات العربية، وشأن هويتنا الحضارية إجمالاً- مهددة كلياً بأن تبتلع وتدمَّر، وفق ما يبشِّر به الجنرال الوزير . لكن " إعداد الوليمة" ثم عملية تناولها لا تسير- ولا يمكن لها أن تسير- في "خط مستقيم" وباندفاعة السهم. إنها بدورها "عملية تاريخية" كبرى، وحلقة وسيطة باتجاه تحقيق الحلم الأمبراطوري العالمي الصهيوني / التلمودي انطلاقاً من عملية إنجاز الأمبراطورية الاقتصادية في الشرق الأوسط. وهذه " الحلقة الوسيطة"، بين إنشاء الدولة وتحقيق حلم الامبراطورية العالمية، تحتاج من أجل نجاح إنجازها إلى (أدوات ترويج عربية) .. أي : إلى شركاء صغار في التمويل، وسماسرة صغار في الحركة، مثلما تحتاج إلى الأيدي العاملة العربية الرخيصة، كي تأخذ "المظهر" الوطني / القومي الذي لا بد منه بدئياً .. إذ لا أحد ممن يخططون لتلك (العملية الكبرى )، أو ممن يشاركون في تنفيذها، قادر على تجاهل الصراع المضاد لها وقوى هذا الصراع : العربية والإسلامية- وربما العالمية، من يدري ؟!- فالصراع مستمر أصلاً، وسيستعر كلما تكشفت الأبعاد الأوسع للمخطط، وكلما جرى تقدمه خطوة إلى أمام رغم كل التفتت والخراب اللذين حاقا بالمنطقة، وعمقها الإسلامي، وميادين تحالفاتها الممكنة عالمياً.‏

وبالطبع، وكمستلزمات لابد منها في تحرك مخطط هذه " الحلقة الوسيطة" في الحلم الصهيوني نحو النجاح، لابد من أن تترك الرساميل الشايلوكية لشركائها وسماسرتها المحليين الصغار بعضاً من (فضلات الوليمة) مثلما لا بد من تخصيص فتاتها للإبقاء على حياة الأيدي العاملة العربية التي ستدير (آلات المطبخ) وتشرف - إجرائياً- على حركتها وتخديمها تخديماً ناجعاً. وهنا نضع أيدينا على سر ما يسميه بيريس: رفاه الإنسان!‏

إذاً، إن التخريب الذي مورس علينا خلال قرون : اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وقيمياً وسيكولوجياً، يوظَّف الآن في إطار " نقلة عملياتية " باتجاه الحلم الأمبراطوري الأعلى، حيث ستبدو كل (لقمة إضافية) تحصل عليها القوى العاملة العربية بمثابة المكسب العظيم!... وهكذا لا ينقرض العرب كأفراد، لكن بقاءهم البيولوجي المحض تتحول وظيفته: من أطر الفعل باتجاه التقدم عبر محاولات إحياء هويتهم الحضارية المبدعة، ومشاركتها الخلاقة في مسيرة الحياة البشرية الإجمالية، إلى أطر الخدمة " كعبيد للّقمة" في سياق المسيرة نحو الحلم الصهيوني الأعلى الذي لابد له من إلغاء تلك الهوية كشرط جوهري لتحققه الفعلي.‏

ذلك هو مفترق الجحيم الذي يبشرنا به السيد بيريس مزوّقاً غاية التزويق، وتلك هي نقطة الانزلاق إلى الهاوية كما ترسمها (الإدارة الصهيونية العليا) في المخطط الذي وضع اسم هذا الجنرال عليه للتضليل! ويلاحظ القارئ هنا أننا قد فصلنا- بالنسبة للحلم الصهيوني الأعلى- بين الصهيونية، وبين حليفها الأميريكي. فنحن نعتقد ببساطة أن (الإدارة العليا) للذراع الرأسمالي الصهيوني تعرف بدقة حجم الأزمة البنيويّة الأميريكية، مثلما تراقب بتحفز تزايد الميول الداخلية لدى" الخليط الاجتماعي الأميريكي" إلى انسحاب أميريكا وانكفائها الاكتفائي داخل حدودها الجغرافية.. أو على الأقل: داخل حدود مصالحها القارية... بل إن تلك الإدارة الصهيونية العليا ربما تراهن على حتمية حدوث ذلك الانسحاب الاكتفائي الأمريكي في وقت قريب؛ هذا إن لم نقل إنها ضالعة في التخطيط لذلك الانسحاب المرتقب... وحتى على تفتيت أميريكا ومحاولة الحلول محلها عالمياً حينما تسنح الفرصة لذلك!‏

وقد يؤخذ علينا هذا القول باعتباره من باب "شطح الخيال" أو الميل الواهم إلى تضخيم قوة الصهيونية العالمية. ولكن .. هل نجد العبرة في الدور اليهودي، وفي شبكة علاقاته السرية التي كان لها نصيب كبير مما حاق بالاتحاد السوفييتي من انهيار؟! أم هل علينا أن نجترّ ما صار معروفاً من تاريخ ذلك الدور، ومنذ الثورة البورجوازية على القيصرية في عام 1905؟!!‏

جـ- إن العلاقات التجارية التنافسية عبر الحدود المفتوحة- للرساميل والعمالة والبضائع، حسب البيان الختامي لمؤتمر الدار البيضاء_ وفقاً لتبشير السيد الجنرال بيريس، تشترط فعلاً ما أثبته من :( الاعتماد على العلوم والتكنولوجيا).‏

والسؤال الذي يطرح نفسه- تأسيساً على ما أوردناه في البند السابق رقم‏

ب- هو: من أين لمجموع العرب برمتهم تلك "القوة العلمية/ التكنولوجية" وخبراتها الموازية لقوة وخبرات الذراع الرأسمالي الصهيوني / الأميريكي المشترك، والذي ليست دولة (إسرائيل الحديثة!) إلا"محطة" ومنطلقاً لتمرير فعاليته في أطرها الجديدة المرسومة؟!‏

لا يحتاج السؤال إلى إجابة، فإجابته متضمنة فيه. وقد يقال : إننا سنكتسب تلك القوة والخبرات عبر "تعاملنا " في سياق العلاقات التنافسية المطروحة. وربما بدا هذا منطقياً جداً ما دامت المسألة مسألة صراع مفتوح دون أسلحة وحروب . ولكن، دعونا نتأمل جوهر هذه القضية في جذورها الواقعية: إن القوة والخبرة في مجال العلوم والتكنولوجيا تستلزم وجود بنيات اجتماعية/ اقتصادية/ قيمية حاملة لها، مثلما تستلزم وجود شبكة علاقات مع القوى الرأسمالية الفاعلة عالمياً.. وجوداً يوفر الحد الأدنى من التوازن بين الأطراف التي يجري بينها التنافس التجاري الحر المفتوح، في الصيغة التي يطرحها علينا السيد المبشر الصهيوني بيريس.‏

فإذا نظرنا في البنيات القاعدية الاجتماعية / الاقتصادية العربية- بعد تخريبها المزمن بضغط مختلف الأشكال التاريخية للفعالية الرأسمالية الابتزازية- فما الذي سنجده؟! إن استخراج النفط وبعض الصناعات التحويلية الخفيفة هي أرقى صيغة سُمح لنا بها- رأسمالياً- في مجال التكنولوجيا وقوة العلوم المؤسِّسة لها . وهذه القاعدة التصنيعية البسيطة ليست متخلفة وحسب عن نظائرها في مراكز الرساميل وحصونها، بل هي أيضاً تابعة - وحتى مغرَّبة بنسبة كبيرة- ناهيك عن أن حجم البنيات الاجتماعية المرتبطة بها هو حجم ضئيل قياساً إلى مجموع باقي البنيات الاجتماعية / الاقتصادية العربية، الرعوية والزراعية.. وكل هذه البنيات "متخلفة" في المنظور العالمي العام، مع تجاوزنا لكل ما حاق بها من تخريب، وما كان لهذا التخريب من مستجرات ومنعكسات منظورة وغير منظورة!‏

إن بنيات كهذه، في مواجهة بنيات مسيطرة علمياً وتكنولوجياً، لن تكون قادرة على خلق "معجزة!" التوازن المطلوب بين طرفي المنافسة المذكورة.. إطلاقاً ! فعن أية منافسة تجارية معتمدة على العلم المعاصر وتطبيقاته التكنولوجية المذهلة يحدثنا هذا السيد الجنرال ومن هم وراءه من دهاقين الصهيونية، ومن التحق به وبأطروحات "تبشيره" من العرب المؤتمرين في الدار البيضاء؟!‏

وإذا عدنا فتذكرنا المنظومة القيمية لفعالية الرساميل تاريخياً، حيث البراغماتية التي تستهدف الثروة والمزيد من تملكها على أساس الدورة الربوية لرأس المال، فكيف يمكن للرأسمال الوطني العربي أن يدخل في منافسة لا تستطيع إلا أن تعتمد تلك الدورة الربوية.. بينما هو- أي الرأسمال الوطني العربي- يستند إلى حامل اجتماعي يقع "تحريم الربا" والتعامل الربوي، نصياً، في أساس منظومة قيمه الحضارية التاريخية الموروثة؟!‏

قد يردّ أحد علينا بأن التجارة حلال، ومشجَّع عليها في أساس منظومة القيم العربية الإسلامية المذكورة . وسنقول من جانبنا : نعم، هذا صحيح . ولكن ثمة فرق جوهري وجذري بين التجارة وفق نمط الفعالية في السوق الرأسمالية عموماً، وبين "تجارتنا" المنحصرة في حدودها القطرية في سائر أرجاء الوطن العربي. إن التسمية الواحدة لا تعني، في النهاية، وحدة الأسلوب والفعل والغايات والعلاقات وقيم التعامل. وشتان ما بين أشكال التجارة العربية المحدودة- والبسيطة إلى درجة أن الإجمالي في سماتها العامة لا يزيد عن كونها تطوراً أولياً ساذجاً للتبادل السلعي، وأنها عموماً نوع من فعالية التوسط الطفيلي غير القادر على تركيم رأسمال مستقل وناجع الحركة- وما بين التجارة الرأسمالية الكبرى والمهيمنة في سوقها العالمية.‏

إن المنافسة المطروحة علينا من قبل السيد بيريس لهي عملية جرٍّ إلى متاهة ما هو مستحيل، ناهيك عن أنها تقتضي هدماً كلياً لمجموع النظام القيمي للحضارة العربية، وبالتالي لهويتنا المخصوصة كتركيب اجتماعي / ثقافي / قومي متمايز في إطار إيجابية إنسانية لماضيه ولطموحاته الراهنة والمستقبلية. إنها باختصار تقتضي هدم أسس موجوديتنا التي تشكلت في إطار انتفاع الإنسان بالثروة التي هي ملك الله: كوسيلة لاندراجه روحياً في جوهر كينونة الكون الكلية.. إنها تعيد- أو هي تطلب أن تعيد- تشكيل كل شيء فينا( كعبيد لثروة الآخرين) ووفقاً لما عرضنا له قبلاً من طموحات فعاليتهم الابتزازية البراغماتية.‏

ومرة أخرى، هو ذا " وجه العملة " الآخر من مفترق الجحيم الذي يرمي المشروع الصهيوني البيريسي إلى أن يقودنا - عبره - نحو هلاك تاريخي/ حضاري نهائي.‏

-3-‏

يقول أحد الأمثال العربية الشائعة : إذا كنت لا تستحي فأفعل أو قل ما تشاء.‏

ويقول مثل آخر: فلان يقتل القتيل ويمشي في جنازته.‏

والمثلان معاً ينطبقان بدقة على السيد بيريس في ما يهرف به- بعد أطروحته السابقة بخصوص المنافسة المفتوحة من أجل رفاه الإنسان!- حول تاريخ منطقتنا في هذا القرن، خصوصاً بعد (التجربة المعجزة!) له ولجيله في إقامة (إسرائيل الحديثة!!).. وحول الإسلام، حسبما يراه حضرته، وحول "خطورة !!" تسلح بعض الدول العربية والإسلامية، كيما يقودنا قوداً إلى حيث يريد.. الأمر الذي سنكشفه جيداً في فقرة لاحقة.‏

وإذا كان اليهودي النمطي مشهوراً عالمياً بتزويره للحقائق والوقائع وفق ما يناسبه، إضافة إلى كونه (شكاء بكاء) من ظلم الآخرين له حتى وهو يقتلهم أو يبتزهم، فإن السيد بيريس - وهو يُدبِّحُ صيغة المشروع الصهيوني الجديد بصورة تجعلها قابلة للتسويق- يبدو الممثل الحي لذلك اليهودي النمطي في أعلى نماذجه الخداعة الشكاءة! يقول الجنرال:‏

(مع اختفاء الاستعمار في النصف الثاني من القرن العشرين تعاظم التورط في أحداث الشرق الأوسط، ومحاولات السيطرة على المنطقة . وتوالت الحروب العربية الإسرائيلية لتتسبب في سباق مرهق للتسلُّح، مما استنزف موارد المنطقة في إقامة بنية عسكرية .. واستهلك القدرات الاقتصادية والاجتماعية للأقطار ذات الصلة . وهكذا توقف تقدم المنطقة .. وفي أجواء يسودها اليأس والإحباط وجد الكثير من الناس متنفساً لهم في الغيبيات..رافضين الدولة العصرية ومغرقين أنفسهم في الأصولية الدينية وهي من أبرز العوامل التي تهدد استقرار وأمن المنطقة .. خاصة وأن أكثر من مليار مسلم ينظرون إلى الشرق الأوسط كمصدر للحياة وأساس للإيمان) ص35-36.‏

ثم هو يعترف بوجود الحضارة العربية ويطريها- وثقافتها الإسلامية- بأقل من ثلاثة أسطر ليخلص إلى القول:(أما الآن، وفي ظل لجوء العديدين إلى الأصولية، نشهد حركة إسلامية تسعى إلى مناهضة الفتح والثقافة الغربية، وتعمل على التراجع عن التحديث والعصرنة، وتدعو إلى القوة لإقامة جمهورية إسلامية سلطوية قمعية على النمط الإيراني. لقد ازداد التهديد الأصولي خطورة في الفترة الأخيرة بامتلاك إيران القدرة النووية. والسؤال هو: هل يمكن للمتطرفين الذين يعتقدون بأنهم يحملون مفاتيح السماء أن يتصرفوا بتعقل إذا ما امتلكوا السلاح النووي؟) ص36-37، ثم يتطرق إلى محاولة العراق لامتلاك ذلك السلاح بعبارة واحدة، ويدمج ليبيا مع العراق وإيران ليحرض العالم كله على هذه الدول الثلاث باعتبارها جميعاً (متطرفة دينياً!!) ومهددة للسلام العالمي، لأن المتطرفين المذكورين يخلطون بين الأسلحة النووية وبين الأصولية الدينية!... وبعدها يعود إلى الربط بين التطرف والأوضاع الاجتماعية في البلدان العربية وبين قضية الديمقراطية على الطريقة الغربية. وهذه النقطة الأخيرة سوف نعالجها في الفقرة اللاحقة.‏

فلننظر الآن: كيف يفكر الجنرال؟ وكيف يزور الحقائق؟! وإلى ماذا يرمي في النتيجة من وراء أطروحاته؟!‏

لنلاحظ أولاً مسألة (تعاظم التورط الغربي في أحداث الشرق الأوسط، ومحاولة السيطرة على المنطقة ) بعد اختفاء الاستعمار- هنا سنسمح له بكذبة الاختفاء هذه!- ولنسأل : مع من تورط الغرب في أحداث الشرق الأوسط، حسب عبارته، مع العرب خصوم الكيان الاستيطاني أم مع دولة هذا الكيان؟‍‏

هل هذا السؤال بحاجة إلى إجابة؟‍!. بالتأكيد : لا، فالجواب أوضح من أن يحكى فيه. وهو نفسه يقول في فصله الأول إنه رسم برنامجاً للتعاون الاقتصادي (الشرق أوسطي ) بين حكومته وحلفاء دولته من الأوربيين حيث (حفز ذلك البرنامج مخيلاتهم!!).. أما أميريكا فهو يشيد بها كحليف أقوى على امتداد كتابه كله. ولكن الجنرال يريد من وراء هذه الأطروحة الدجالة أن يساوي بين (إسرائيلهِِ الحديثة!) وبين الدول العربية والإسلامية التي كانت - ولا تزال- موضوعاً للنهب والابتزاز من قبل الغرب بشراكة صهيونية كاملة.‏

نعم..إن الغرب صنع كل أحداث "الشرق الأوسط" - بصورة مباشرة أو غيرمباشرة- ولكنه لم يكن متورطاً حسب التعبير الماكر للسيد بيريس، بل كان يفعل ذلك ليؤمن هيمنته وابتزازه للمنطقة عن طريق "مخلوقِهِ" الذي وطّنه فيها (إسرائيل!)، بصورة أساسية حين يختل شيء من شروط الهيمنة والابتزاز المذكورين.‏

والتزوير السابق، الذي يسوقه الجنرال إلى عقولنا التي يفترضها- حضرته- قاصرة، يتضمن الشكاية الماكرة من "حلفائه"- لاحظوا ذلك جيداً-: إنهم يحاولون السيطرة على المنطقة .. وهو الآن قد "تنبه" إلى الأمر، فهب إلى إنقاذنا عبر مشروعه الشرق أوسطي . فيا للروعة التي يقدم لنا وسط ضجتها الاحتفالية كل هذه الجرعة من السم!‏

إن مثل هذا التزوير والخلط التناقضي ضروري له هنا، باعتباره "المفتاح" السحري الذي يوفر له الدخول عبر بوابة ما هو الأهم. وحلفاؤه لن يزعلوا بسبب كلمات لا تقدم ولا تؤخر. أليس متفقاً معهم جميعاً على برنامج للتعاون الاقتصادي في عموم الشرق الأوسط، أي : على إعادة اقتسام غنائم هذه المنطقة.. كل حصة حسب وزن صاحبها في معادلات المستجدات العالمية؟!‏

على أن الأهم بالنسبة للجنرال هنا يتجلى في أمرين اثنين:‏

1- توكيد أصالة وجود دولتهِ في المنطقة.‏

2- فتح النار على دول عربية وإسلامية ليعطي بذلك دروساً للدول العربية الأخرى التي قد تحاول مقاومة مشروعِهِ. والتهمة هي: الأصولية، وخطورة سلاحها النووي - هكذا!!- على السلام العالمي!....‏

وبالتالي تحضير العالم لتقبل عدوانات عسكرية صهيونية- نووية وغير نووية - محتملة في المنطقة،إذا ما ارتأت المصالح الصهيونية ذلك.‏

وربما من غير المفيد أن نتوقف عند عبارته :( توالت الحروب العربية الاسرائيلية لتسبب سباقاً مرهقاً في التسلح) فواقع الحال أنه كانت هناك حروب صهيونية / إمبريالية مشتركة على العرب منذ ابتداء الغزو، وعلى سائر المستويات، ثم لم تتوقف حتى الآن. والمستوطنون الصهاينة لم يرهقوا إلى الآن حتى بثمن طعامهم ناهيك عن أثمان أسلحتهم، أما العرب- بعضهم على الأقل!- فكانوا مجبرين على الدفاع عن النفس ودفعوا ثمن أسلحتهم التي لم تكن يوماً موازية لأسلحة (إسرائيل الحديثة!ٍ) من بقية مواردهم المنهوبة أصلاً فزادهم ذلك ضيقاً على ضيق.. لكنهم لجموا الاندفاعة الاستيطانية على الأقل بذلك الفعل الذي أجبرو عليه.‏

إن الجيل الاشكنازي الخزري الصهيوني، الذي خلق (الصراع المهلك) بدعم إمبريالي، مازال يدير الحروب على العرب. وسيظل كذلك إلى أن يُحسم الصراع.. لأن المشروع الصهيوني لا يستطيع أن يتوقف عند استيطان بضعة آلاف من الكيلومترات المربعة من أرض فلسطين بحكم طبيعته ومنطلقاته وغاياته ذاتها.‏

أما اليأس والإحباط المترتبين على ما استجره ذلك المشروع الصهيوني على المجتمعات العربية فليس مردهما إلى سباق التسلح، وإنما إلى فظاظة آليات النهب والتدمير في مرحلة الهيمنة الأميريكية/ الصهيونية المشتركة، مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. ولهذا لا يمكننا رؤية مشروع "الشرق الأوسط الجديد" إلا في أطر الوظائف المتعددة للكيان الاستيطاني، ومن منظور الآفاق الجديدة لحركة الأذرع الأخطبوطية الامبريالية انطلاقاً مما نعرفه من أساسيات الحلم الصهيوني التوراتي التلمودي الأعلى.‏

وبصرف النظر مؤقتاً عن حدود ما يقصده السيد بيريس من كلمات : كالحداثة والعصرنة والعلمنة، فإنه يمكننا التأكد من أن سياق الحركة العامة للعصر الإمبريالي، وخصوصاً منذ إقامة (إسرائيل الحديثة!)، هو الذي أعاق كل نزوع عربيي للتحديث... وعرقل كل محاولة للتقدم.. وأحبط كل مسعى للوحدة العربية التي من دونها لا يمكن أن يتم شيء من ذلك. (* . ومن قلب الخراب المعمم علينا بالقوة تم إنضاج "أصولية" مشوهة بديلة للحركة التنويرية العربية التي ابتدأت عقب الاصطدام العربي بالغزو الاستعماري الأوروبي، وانطلقت من مساءلة التراث العربي الإسلامي الضخم، ومن قاعدة تدينها المتوارث القائم والراسخ في صلب البنى الاجتماعية / الاقتصادية التحتية، وما كان لها إلا أن تفعل ذلك... شئنا هذا الأمر أم أبيناه!‏

إن تمرير فكرة " أصالة الدولة الاستيطانية " في المنطقة، وتمرير فكرة وجود "شعب يهودي" راسخ الوجود تاريخياً في الأرض العربية التي استوطنها، ثم تمرير فكرة "استقلال هذا الشعب" نتيجة "كفاحه!!" ضد المستعمرين الأوروبيين.. وأخيراً تمرير فكرة أنه كان دائماً " معتدى عليه من العرب"، كل ذلك بعض من نماذج الخداع والتزوير الصهيونيين لحقائق التاريخ... الأمر الذي ينسف أية مصداقية للسيد الجنرال بيريس في أية كلمة من كلماته في هذا الكتاب، وفي أي موقف من مواقفه العملية كمسؤول في إدارة دولة الاستيطان الصهيونية.‏

ولكن ما الذي يرمي إليه هذا المبشر الصهيوني الماكر من (تفصيل) مفهوم للأصولية على هواه؟ وما المغزى وراء قرع " أجراس الإنذار" حول خطورة هذه الأصولية- بأسلحتها النووية طبعاً ؟!!- على السلام العالمي الذي هو الآن سلام الإمبرياليين لا سلام الشعوب المغدورة؟!‏

قلنا إن الفعل الاستعماري العام حطَّم حركة التنوير العربية، وحرض على صياغة نسخة أصولية مشوهة بديلة. فلو افترضنا أن التحديات التي طرحت على العرب، وبقية المجتمعات الإسلامية، كانت مجرد تحديات ثقافية: فكرية / علمية/ تكنولوجية..أو لنقل مجرد تحديات "تحديثٍ حضاري" غير مقرون بالنهب والابتزاز والتدمير، لما أمكننا تخيل سياق مختلف عن السياق التالي من أجل ذلك التحديث غير المصادر بالقطع والتشويه الاستعماريين:‏

تدفع تحديات التحديث إلى نشوء حركة تطوير ذاتي للمجتمعات العربية والإسلامية على مختلف الصعد، وتبدأ حركة التطوير تلك من مساءلة الميراث العربي الإسلامي الباذخ ومجادلته في ضوء المناهج العلمية والفكرية الغربية الحديثة .. ويتم تمثل تلك المناهج داخل جهاز مفاهيمي مستولد من تفاعلات صحية بين الثقافة الغربية وبين كل ما هو إيجابي صحي وحيّ من التراث: من قيم ومبادئ وأنماط علاقات، ومفاهيم، وروحية إبداعية... مثلما يتمّ توظيف النتائج في تفعيل حياة البنى المجتمعية لغاية ارتقائها الذاتي وتفتحها وتنشيط مساهمتها الخلاقة في ارتقاء المجموع الحضاري البشري ونجوع حياته ووجوده نجوعاً أفضل.‏

إن أي تحديث بنيوي في أي مجتمع بشري لا يمكن إلا أن يتم على قاعدة من "تراثه المعصرن"، أي الذي أعيد امتلاكه بجهاز مفاهيمي مستولد حسبما سبق. فالقطع هنا هو تغير ارتقائي في السائد المتوارث يوصل إلى وضع نوعي جديد دون إلغاء الميراث بل بواسطته، وليس القطع مجرَّدَ إدارة ظهر لذلك الميراث باعتباره صدى لماضٍ ميت!!... أي إن الجهاز المفاهيمي الذي يوظف للارتقاء لا يمكن أن يكون مستورداً أو مفروضاً من خارج!!‏

وهكذا فإذا كانت كلمة أصولية تعني مساءلة الأصول ومجادلتها، ولا تعني المعنى الشائع المشوه الذي هو مجرد" دوغما" ماضوية ذات لبوس فقهي متعصب فإنه لمن المستغرب أن يلفلف السيد بيريس كل تيارات المساءلة وكل أشكال الدوغما في خرقة واحدة يكتب عليها اسم (الأصولية) ثم يرسم إشارة (الخطر النووي المستفحل!) تحت تلك الكلمة، ثم يوزع التهم بها على من يشاء حسبما يشاء.‏

لكن مرامي هذا الجنرال المبشر بقدوم ملكوت الهيمنة الصهيونية العالمية ليست مرامي مجهولة لأحد. ومع ذلك نرى هنا أنه لابد من كشفها ووضعها في سياقها الفعلي كيما نتبين الأبعاد الجديدة من عمل المشروع الصهيوني.‏

وعلينا قبل إجراء هذا الكشف أن نبين بوضوح أن في الواقع العربي "مشهداً " أصولياً بالغ التنوع، وليست هناك أية" أصولية نووية " حتى في إيران إلى هذه اللحظة.‏

وكمقدمة بين يدي الكشف المذكور، نحن مضطرون لإعادة تذكير السيد بيريس بأن (دولته!) التي يتباهى بأنها قامت كنتيجة لتجربة جيله الاشكنازي الخزري هي الدولة الأصولية الأشد تعصباً وشوفينية دينية/ عرقية في العالم، إذ إن جهازها المفاهيمي الأساسي- ولنقل جهازها المفاهيمي الصهيوني المتجلي في حركة وجودها الإجمالي - مأخوذ بدقة من أسوأ ما في التوراة والتلمود من تعاليم لا إنسانية، وكذلك منظومة قيمها التي أوضحنا قبلاً مدى ارتباطها البنيوي بمنظومة قيم عصر الرأسمال. أما اصطباغ مؤسساتها الإدارية والحقوقية بالصبغة الغربية فذلك أمر لا يغير شيئاً من طبيعتها بل هو يؤكد "وظيفتها " الإمبريالية العامة.. بما هي كذلك!‏

وهذه "الدولة!" الأصولية الصهيونية هي وحدها الدولة النووية في المنطقة، وهي وحدها التي لم توقع على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، ولم يفكر أحد من (الكبار) بإجبارها على ذلك. ولم يعد سراً أن السلاح النووي لهذه "الدولة" موجه على قواعده باتجاهات محسوبة، ناهيك عن أن حلفاءها قد جعلوها (دولة فضائية) تتجسس أقمارها الصناعية على المنطقة وعلى العالم.. وربما كانت لها مهمات عسكرية إضافية، من يدري؟!‏

ولعله يتعيَّنُ هنا طرح السؤال التالي:‏

على أي ( أمن لإسرائيل ) يتباكى السيد بيريس، أم إنه إذ ينذر ( بخطر!) الآخرين على السلام العالمي يثير زوبعة مدروسة للتعمية على ما أُمِدّتْ به "إسرائيلُهُ المسكينة!" من قوى تدميرية تجعلها هي المهددة الفعلية لأمن العالم؟!‏

حقاً إن المشروع الصهيوني(* يستكمل عدته لاجتياحات مقبلة تساعده على التحقق!‏

ولنعد الآن بعد هذه المقدمة لمتابعة عملية الكشف عن مرامي بيريس في حديثه عن الأصولية على طريقته، بعد أن نتذكر المثل العربي : (رمتني بدائها وانسلت). وسيكون علينا هنا أن نعود إلى ملامسة تاريخية لعملية إنتاج المشهدالأصولي الإسلامي الراهن.‏

إذا عدنا إلى مسألة إحباط حركة التنوير العربية وتفشيلها فلا بد أن نتذكر أن الغزو والاستعمار، باعتباره يهدف إلى النهب وافتتاح الأسواق والمناجم، يقوم أيضاً بتكييف البنى الاجتماعية/ الاقتصادية/ الثقافية المغزوّة وتطويعها - عبر محاولات تخريبها لإعادة صياغتها- كيما تستجيب لمتطلباته.‏

إن هذا يعادل واقعياً تخريب الهوية الحضارية المخصوصة المتمايزة، من خلال تشويه ثقافتها ونسف منظومتها القيمية واستبدالها بالقيم البراغماتية للغزاة.. الأمر الذي كشف عما وراءه من "روحية صليبية جديدة" تحمل معها "روحية تلمودية" إضافية تبرر الطابع الشايلوكي لآليات الغزو ومراميه. وبدوره، سيدفع هذا الأمر إلى مزيد من التمسك بالمرجعية الفقهية الإسلامية لدى قطاع واسع من النخبة المثقفة في البلدان العربية والإسلامية كنوع من رد الفعل الدفاعي الذي - أمام شراسة الغزو- لا يتيح لأصحابه ذلك التوقف المتأني من أجل المساءلة المتأنية لتلك المرجعية التراثية أو مجادلتها إيجابياً.‏

وقد أضاف هذا الوضع عدداً من الأنساق المتشددة في الاعتصام بالمرجعية الفقهية اعتصاماً دوغمائياً، يتراوح مستوى تشددها بين انغلاق بالغ التزمت على ماهو شكلي من (القشور التراثية) وبين قابلية المساءلة الحذرة لكثير من عناصر التراث، الفقهية وغير الفقهية، بمعايرتها على النص القرآني.. إنما دون أي محاولة لتمثل المناهج العلمية الحديثة بغية استخدامها في تلك المعايرة!.. إننا إذا جمعنا هذه الأنساق إلى أنساق الحركة التنويرية التي حاولت أن تتفهم (الآخر الغازي)، في النظر إليه وإلى منجزاته وفقاً لما تدركه من أصول مرجعيتها التراثية، مثلما حاولت أن تتفهم (الذات /الهوية) - بأبعادها التراثية- وفقاً لما حصلته من معرفة بذلك الآخر الغازي ومنجزاته، فإن ذلك الجمع سيعطينا صورة إجمالية عن أعداد الأنساق التي كونت أساس (المشهد الأصولي الإسلامي) الراهن: العربي منه وغير العربي!‏

لكن هذا ليس كل شيء . فآليات فعل الغزو الرامية إلى تطويع البنى الاقتصادية / الاجتماعية / الثقافية المغزوة : عبر نسف هويتها واستبدال منظومتها القيمية المتوارثة بالمنظومة البراغماتية الشايلوكية، تلك الآليات لا تمر دائماً عبر الآلة العسكريتارية للغزو وعبر المؤسسات التي تقيمها في الأقطار المغزوة.. بل إن العملية الرأسمالية الإجمالية تنتج "مؤسسات " ذات طابع ثقافي محض، لكنها تؤدي "وظائف" جذرية وذات أمداء استراتيجية واسعة في سياق إنجاز التطويع والتخريب المذكورين.‏

وإذا وضعنا جانباً تلك المؤسسات ذات المهمة الإعلامية والتعليمية التي كانت تتبع مباشرة لإدارة الغزو في كل قطر على حدة، فإن أبرز المؤسسات التي تواجهنا هنا هي " مؤسسة الاستشراق" بفروعها المختلفة: من فرع البحث الأثري، إلى فرع البحث التراثي، وفرع البحوث الاجتماعية .. والألسنية.. وما إلى ذلك مما يتعلق بواقع المغزوين ولغتهم وتاريخهم وحضارتهم!‏

ومؤسسة الاستشراق هذه لن يعثر عليها بتاتاً- حتى الآن- في صورة الهيئة المستقلة، لكنها تتوزع على مختلف الأكاديميات والجامعات الغربية في صيغة (مجموعات) للبحث في "العلوم الإنسانية" عموماً، وفي صيغة ( أفراد متخصصين): هواة ومحترفين، والجميع يصبون جهودهم في سياق ذي اتجاهين:‏

1- إنجاز البحوث المشكّلة في جوهر الثقافة والقيم والهوية الحضارية للمغزّوين، وهي بحوث حافلة بالتزوير والتمحل.. وما إلى ذلك.‏

2- تصدير "الجهاز المفاهيمي" لنظرية المركزية الأوروبية في الثقافة، ومعايرة سائر الثقافات العالمية على أسس تلك النظرية عبر الجهاز المفاهيمي المذكور.‏

وفيما بعد أضيف اتجاه ثالث متفرع عن الثاني وهو:‏

تصدير النظريات المعرفية الأوروبية، والفلسفات، والبناءات الفكرية المختلفة.. جاهزة إلى البلدان / موضوع النهب، مثلما تصدر السلع والبضائع حيث يجري استخدامها دون تغيير أو إعادة نظر.. وحيث ستعتبر أية خروجات على هذا الاستخدام مواقف مضادة للعلمنة والتحديث والعصرنة!!‏

فالعلمنة والتحديث والعصرنة في مفهوماتها الشائعة، وخصوصاً كما يستخدمها السيد الجنرال بيريس هنا في كتابه، هي الأخذ بالأساليب الغربية في سائر مجالات الحياة، وتبني قيمها البراغماتية القائمة في أساسها، دون أية مساءلة علمية أو مجادلة أو معايرة على الثقافات والقيم والهويات الحضارية الأخرى! فهذه كلها يجب أن تكون قد (تم إلغاؤها!)..ونهائياً، بالطبع!!‏

على أن تاريخ العملية الاستشراقية ليس شراً كله بطبيعة الحال. لكن هذا التاريخ- بما أنجزه فيه أفراد كثيرون، ومجموعات بحث عديدة من الأوربيين المنوط بهم تحقيق الأهداف الاستشراقية في سياق الفعالية الرأسمالية الإجمالية- يفسر لنا أسباب تعثر الحركة التنويرية النهضوية العربية.. بل هزيمتها الإجمالية حتى الآن، مثلما يفسر لنا سر إمعان المتشددين المتزمتين في تشددهم وتزمتهم لاحقاً، إلى درجة الإحلال الكامل للقشور محل الجوهر في مجموع الميراث العربي الضخم والمبهر أيضاً(* .‏

إن الجهاز المفاهيمي لنظرية المركزية الأوروبية، شأنه شأن منظومتها القيمية التي بينا أصولها في الفصل الأول، لا يصلح موضوعياً لتفهم الميراث العربي الإسلامي الذي ينص القرآن الكريم في أكثر من مكان على أنه امتداد وإكمال و(إعادة بناء) لما سبقه من ميراث حضاري في المركز العربي منذ تأسست الحضارة، وفي أطراف هذا المركز الملحقة به على امتداد التاريخ. فكيف إذاً سيكون الأمر، وفي اعتبار جميع المستشرقين أن تلك "الحفنة من العبرانيين" هي"أصل!" ذلك الميراث الهائل؟.. وأن "توراتها" المتداولة هي المرجع لكل تاريخ ذلك الميراث، رغم أنف الكشوف الأثرية ووثائقها المذهلة: في العراق، وسورية الطبيعية، ومصر؟!! وكيف سيكون الأمر إذا ما أحيلت كل أفعال وأعمال المستشرقين- إلا من رحم ربك!- لتوظيفها في سياق الغايات الرأسمالية/ الشايلوكية التي تأسس الاستشراق عموماً لدعمها على المستوى الايبستمولوجي، أي على مستوى تخريب وعينا التاريخي لهويتنا الحضارية الحقيقية في أسسه الجوهرية؟!‏

لقد امتدت آفاق التخريب ذاك إلى التشجيع المتواصل لأولئك المتزمتين الأصوليين إلى حد التعصب الأعمى لقشور الميراث بعد الذي تم- استشراقياً- من محاولات طمس لجوهره، وساعدت في ذلك سائر الجهات والأجهزة الإمبريالية المعنية، وبمختلف الأساليب والوسائل. وهكذا تحول صراع الأصوليين المتعصبين من صراع ضد الغزو الاستعماري، فالإمبريالي الصهيوني اللاحق، إلى صراع داخلي: ضد النخب المثقفة الباحثة عن تأصيل الحداثة عربياً.. وحتى ضد المتنورين داخل المشهد الأصولي العربي/ الإسلامي ذاته!‏

وبالطبع، فالسيد الجنرال الوزير بيريس ليس "خائفاً" من هؤلاء، بل هو خائف من تنظيمات معينة أدركت طبيعة الصراع بين العرب وعمقهم الإسلامي وبين الغزاة جميعاً- بما فيهم "دولته!" التي أنجزتها تجربة جيله الأشكنازي الخزري!- مثلما تحاول أن تتفهم جوهر الإسلام ذي الأساس العربي الصريح في المستوى الحضاري- وبصرف النظر عن كونه ديناً سماوياً، فنحن نتكلم في ما نعرفه من أمور الدنيا وحسب!- ولو أنها أعربت عن ذلك بتمسكها البدئي بما هو مظهري، فهي تمارس قاعدة أساسية من القواعد الإيمانية/ القيمية الإسلامية الصريحة: محاربة الشر بما تلك المحاربة جزء من "الأمانة الإلهية البدئية"!‏

وبالتأكيد، لسنا بحاجة هنا لتعريف الجنرال الوزير بأن "البهائية" مثلاً لا تمثل الإسلام لا في قليل ولا في كثير.. مثلما لسنا بحاجة إلى تذكيره بأن الوهابية ليست "كل الإسلام!" شأنها شأن ابنتها السنوسية التي أسقط معمر القذافي حكمها في ليبيا. لكننا نريد مساءلته: من الذي صنع "الأفغان"؟!.. وإذا كان (التدين الشعبي) في الجزائر هو السبيل الوحيد لنضال العروبيين الجزائريين ضد "الفرانكوفونية" أساساً، وضد التمزيق الذي عُمِل غربياً بدأب فظيع لإثارته عند القبائل الأمازيغية، وإذا كان نهب الجزائر- وغيرها أيضاً- قد تم بالصورة البشعة التي صارت معروفة للجميع، فلماذا يتصور الجنرال المبشر الصهيوني أن الناس ليس من حقها أن تدافع في النهاية عن حياتها وهويتها الحضارية؟! أو أن هذا الحق مقصور على اليهود؟!!‏

ومع أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية ليست بحاجة لمن يدافع عنها، إذ هي أكثر قدرة على ذلك، فإن السيد الجنرال يرغمنا - بطريقته الاستفزازية- على أن نسأله: وفق أي نهج، وأي جهاز مفاهيمي وقيمي، كان يمكن للمجتمع الإيراني أن يدافع عن حياته ضد ما أوقعه بها الشاه وطغمته من خراب وفقر وفساد؟!.. أبجهاز مفاهيمي مستورد من الغرب الإمبريالي الذي دفع الشاه وطغمته دفعاً إلى ذلك التخريب الكاسح في إيران، أم بالجهاز المفاهيمي الذي كان مطبقاً في شرق أوربا- والجنرال يمقته بشدة طبعاً!- وقد أثبتت الأيام بعد عقد واحد فقط أن تطبيقه قد شاخ وصار غير قابل للاستمرار ناهيك عن تعارضه مع الروحية الخاصة التي في عمق التركيبة الحضارية للمجتمع الإسلامي الإيراني؟!..‏

إن الجنرال بيريس لا يخفي طلبه من جميع من في المنطقة أن ينسلخوا من جلودهم، وأن يلغوا هوياتهم الحضارية، وأن يتبنوا ما يريده- هو ومن وراءه- من عصرنة وتحديث سوف نعود إلى مناقشتهما معه! وهو، بالمناسبة، لا يهمُهُ من العصرنة والتحديث غير أن يتلقى هو ودولته ومن وراءهما كل ما يريدونه من مساعدة.. أو على الأقل: من صمت عما يفعلونه، بدليل أنه لم يذكر دولاً عربية عديدة ودولاً إسلامية أيضاً لا بشفة ولا بلسان فيما هو يتشدق (بأفكاره ومواعظه التهديدية) عن تلك العصرنة وذلك التحديث المطلوبين على الطريقة الصهيونية/ الأميركية المشتركة. فكل تلك الدول- وهي تدعي حمل لواء الإسلام- تدير مياه سياساتها نحو طاحونته أو إنها، على الأقل، لا تُظهر أنها معْنيَّةٌ بكل ما كان ويكون بالقدر المطلوب!!‏

ولكن هل إيران دولة نووية فعلاً؟! سؤال إجابته معروفة للجميع. والجنرال يدرك أكثر من سواه أنها بعيدة جداً عن أن تحصل على هذه التكنولوجيا. ومع ذلك.. وما دامت إسرائيل دولة نووية وحيدة وغازية في كل هذه المنطقة، وما دام البرنامج الذي أنشئت على أساسه هو برنامجاً عدوانياً من ألفه إلى يائه ضد الجميع، أليس من حق إيران وسواها من دول المنطقة أن تبحث عما يحميها من هذا العدوان المحتمل.. أو لنقل عما يردعه باعتباره جزءاً من برنامج قيد التنفيذ؟!‏

إن الجنرال لم يكلف خاطره بالسؤال لماذا تبحث إيران عن التسلح. ولكن ما دام حضرته يبشر بضرورة فقداننا للذاكرة ونسيان كل ما ارتكبه الإمبرياليون- والشايلوكيون خصوصاً - بحق العرب وسواهم وفلابد لنا أن نعمد نحن إلى تذكيره.‏

إن حادثة الغزو الأميركي الصغير لإيران عقب سقوط الشاه- حادثة ضياع طياراتها في صحراء لوط- كان يمكن أن تتحول إلى غزو كبير ماحق لولا عاملان اثنان: الأول هو الذيول النفسية/ السياسية للتجربة الفيتنامية ومنعكساتها الداخلية على الشارع الأميركي. والثاني هو وجود الاتحاد السوفييتي آنذاك على حدود إيران الشمالية حيث كان يمكن لغزو أميركي واسع أن يجر إلى مجابهة عالمية كارثية.‏

ولكن أميركا لم تسكت. وبدلاً من الغزو الواسع المباشر دبرت لإيران حرباً بديلة طويلة قادها نظام صدام حسين في العراق لمدة ثماني سنوات متواصلة.‏

لقد أنهكت تلك الحرب إيران اقتصادياً، أي إنها دفعت غالياً ثمن (عدم امتلاكها) سلاحاً رادعاً للآخرين. وما إن انتهت تلك الحرب أي (حرب الخليج الأولى) حتى عادت أميركا ودبرت أسباب حرب الخليج الثانية عبر اجتياح صدام للكويت. وعندها جاء الأميريكان في ثوب المحررين وصارت منطقة الخليج ومياهه مرتعاً لآلة الحرب الأميركية، خصوصاً، ترودها متى شاءت!.. وتلك الشواطىء- وأظن أن السيد الجنرال ما زال يعرف ذلك- هي "التخوم الغربية" لإيران(* الأمر الذي يجعلها مهددة جدياً من قبل (الكاوبوي الأميركي!)، مثلما تجعلها احتمالات نجاح السيد جيرونوفسكي في انتخابات الرئاسة الروسية المقبلة مهددة من قبل روسيا. فأي خيار يتركه مثل هذا الوضع لأي بلد كان غير أن يحاول البحث عن وسائل للدفاع عن نفسه؟!‏

إن السيد الجنرال لم يكن لينقم على تسلح الجمهورية الإيرانية الإسلامية لو أن "إسلامها" نهجَ منهج دول مسلمة أخرى في التبعية للغرب، لكنه ناقم عليها وعلى حكامها بسبب إدراكهم للشرور الكارثية التي استجرها النظام الرأسمالي/ الشايلوكي على العالم عموماً، وعلى البلدان الإسلامية خصوصاً، مثلما وجدوا أنهم ملزمون- وفق الأسس الإيمانية لسائر المذاهب الإسلامية- بوجوب مكافحة هذا الشر المدمر الذي يعتبر الذراع الصهيوني ركناً من أركان صنعه: ركناً مهماً إن لم يكن هو الركن الأهم!.. وفي إطار ذلك الإدراك رأى أولئك الحكام- الذين عانوا مع شعبهم تلك التجربة الطويلة المريرة لحكم عائلة بهلوي ومرتزقتها- أن من واجبهم: الديني والإنساني، أن يعملوا على حماية المسلمين وديار الإسلام بكافة السبل المتاحة.. وهذا ما دفعهم، أولاً بأول لإعلان رفضهم وخصومتهم للدولة الأصولية الصهيونية التي يتكلم باسمها السيد الوزير بيريس!‏

ومن الغريب أن السيد الجنرال المبشر هذا يبيح لدولته الخزرية الاستيطانية أن تعلن حمايتها ورعايتها الشاملتين لكل يهودي في العالم، وأن تتصرف على أساس ذلك.. بينما لا يسمح منطقه لأي دولة إسلامية أن تعلن حمايتها ورعايتها لمصالح أكثر من مليار مسلم، حيث تم نهب هذا "المليار" الذي يعادل خمس سكان الكرة الأرضية.. وهدرت مصالحه.. وخربت بناه الاقتصادية/ الاجتماعية.. وهدمت منظومات قيمه.. وصارت هوياته الحضارية، المتمايزة قومياً داخل الإطار الإسلامي الأشمل، مهددة بالانقراض.. وكل ذلك تحت سمع وبصر "حكومات" تدعي العمل بروح الإسلام ظاهرياً، وتشتغل في الجوهر "كأجير" منفذ للمتطلبات الرأسمالية العالمية، على اختلاف القوى صاحبة تلك المتطلبات.. ومنها القوة الصهيونية العالمية!‏

منطق ظريف طريف يستخدمه هذا السيد الوزير المبشر الصهيوني الذي لا يريد- في الجوهر- أن يرى غير المشروع التلمودي للسيطرة على العالم!.. وهو بالطبع يتعذب كثيراً كي يجعل منطقه مُوقَّعاً بنبرة (هديل الحمام!) ويجهد، من أجل ذلك، كي يبرز ضحاياه في صورة (الذئب!) لكن الوقائع والحقائق تكذبه- كما هي راهنة، وكما يمكن أن تؤول إليه في المستقبل!- وهو إذ "يخرّج" هجمته على إيران وليبيا وسواهما من الرافضين لما سببه "النظام الرأسمالي" للعالم من شرور، فإنه لا يجد ما يقوله غير:‏

(هل يمكن للمتطرفين الذين يعتقدون بأنهم يحملون مفاتيح السماء أن يتصرفوا بتعقل إذا ما امتلكوا السلاح النووي؟؟!)‏

حسناً: المتطرفون هم إذاً من يناهضون (الفتح والثقافة الغربية ويعملون على التراجع عن التحديث والعصرنة)- والعبارة هنا هي لصاحبنا الجنرال حرفياً، كما سبق الذكر- وإذا كان "الفتح!" والثقافة الغربيان قد سببا للبشرية كل هذه الكوارث، فأي منطق سليم هو الذي يقول بعدم مناهضتهما؟!‏

إن معيار صحة نمط حضاري معين هو مدى نجوعه في خدمة بقاء البشرية وارتقائها، وليس في (مظاهر الرفاه) التي تتمتع بها النخب الأوليغارشية العالمية على حساب سائر المجتمعات البشرية واحتمال فنائها.. والعالم محتاجٌ الآن إلى حوار "إنساني" فعلاً بين مختلف الحضارات المتمايزة إلا إلى "السلطة!" القمعية لثقافة كثقافة الغرب التكنولوجية/ الشايلوكية!.. وأظن أن هذا ملخص درس يجب تعليمه بلا تحرج لهذا السيد الجنرال المبشر، مع "شمطة أذن!" أيضاً، كي يتعلم كيف يكون "إنساناً" فعلاً، لا ذئباً في قناع الإنسان!!‏

وإذا كان هؤلاء المناهضون (للفتح!!) الغربي، والصهيوني معاً، لا يمتلكون الأسلحة النووية، بينما يمتلكها الرأسماليون وحدهم، فمن هو إذاً بين الطرفين ذلك الخطر فعلاً على سلام العالم وأمنه: الفاتحون النوويون الاستيطانيون الشايلوكيون، أم من يرفضونهم؟!.. ومرة أخرى سنحيل الجنرال المبشر الصهيوني إلى منظومة القيم الإسلامية/ عربية الهوية والمنشأ، حيث تحيتنا هي (السلام عليكم)، أو ( السلام لكم) في أصلها المسيحي الإيتوري الآرامي/ العربي.. فربما تعلم شيئاً، مع ثقتنا بأنه: كشايلوكي/ خزريّ/رأسمالي/ مستوطن، لن يستطيع أبداً أن يتعلم مثل هذا الدرس الإنساني الأصيل!‏

على أن ظرافة الجنرال وطرافة منطقه يجعلانه يستخدم عبارة: (يعتقدون بأنهم يحملون مفاتيح السماء) في وصف مناهضي الفتح الغربي والثقافة الشايلوكية البراغماتية!‏

إن من المعروف تاريخياً- وراهنياً أيضاً- أن أحداً من المسلمين: عرباً أو غير عرب، لم يجرؤ على الادعاء بأنه أ كثر من "عبد" لله سبحانه، والله هو مالك السماوات والأرض وما لا يعلم من ملكه، وذلك مهما بلغت الجسارة بذلك الـ"عبد الله" أن يتنطع لمهمات دنيوية، صحيحة كانت أم غير صحيحة‍.. أما السيد الجنرال المبشر فهو يعلم جيداً أن الأسفار الأساسية في توراته المتداولة تحيل (الرب= يهوه) إلى "مجند" لخدمة الأهداف الدنيوية "للشعب اليهودي المختار!‍"- حيث ينص التلمود لاحقاً على أن سائر الأقوام الأخرى، "الغوييم"، هم بالنسبة لليهود كالبقر والحمير.. والكلاب أيضاً‍! وأن "الرب يهوه" قد أباح لليهود أموال الغوييم وأعراضهم.. ودماءهم، فوق ذلك!- ثم سينص التلمود على أن الرب (= يهوه) لا عمل له غير أن يطيع الحاخامات.. وعلى أن "طاعته!" هذه ستظهر يوم الدينونة على الأرض: بجعل "أورشليم" سيدة على العالم، حيث ستتحقق سيطرة (إسرائيل)على الشعوب جميعاً، وحيث تعمر هذه الـ"أورشليم" بحجارة الذهب والزمرد واللؤلؤ.. ويجلس يهوَة مع الحاخامات والمختارين من شعبه، فيدينون من يريدون من "الغوييم" ويصفحون عمن يريدون- طبعاً، كل الرأسماليين سيظفرون بهذه النعمة العظيمة‍‍!!- ثم تبدأ "الوليمة اليْهوِيّه!" حيث يأكل "المختارون" من لحم اللوياتان المحفوظ منذ أن صرعه يهوه، ثم يباع الباقي في أسواق أورشليم!!!‏

والآن نسأل السيد الجنرال: (من هو الذي يدعي فعلاً أنه يملك مفاتيح السماوات والأرض معاً: المسلمون- عرباً أو غير عرب- أم اليهود الاشكنازيم، الذين عمّموا "البرنامج الصهيوني" على جميع يهود العالم، مع ملاحظة أن ذلك البرنامج يلتزم التزاماً شيه حرفي بمنطوق التوراة وتفسيراتها التلمودية؟!!‏

الجنرال المبشر يعرف الإجابة أكثر مما نعرفها!.. وهو إذ يرتكب حماقة هذا التزوير (الظريف!!)، يرتكب أيضاً خطأ سياسياً آخر. هذا الخطأ السياسي يتمثل في إدراج ليبيا مع الدول (المتعصبة دينياً)!!‏

إن ليبيا إذا كانت تعارض وحشية النهب الإمبريالي ذات الطابع الشايلوكي فهي لم تدّعِ ما يسميه هو (التطرف الديني!). صحيح أن ليبيا هي في النهاية "دولة مجتمع مسلم"، أي إن الروحية الإسلامية والقيم الإسلامية قائمة في أعماق تكوينها البنيوي، لكن حكومة هذه الدولة العربية تعتمد منهجاً للتحديث لا يقوم على التزمت الديني، مثلما لا يقوم على التبعية (للفتح والثقافة الغربية) التي يلوم السيد الجنرال المبشر كل مناهضيها، ومناهضي "الفتح!" الذي تنتهجه، من مسلمين: عرب وغير عرب.. ويتهمهم بأنهم ضد (التحديث والعصرنة)! أما من يتطوعون لخدمة الأطماع الغربية الإمبريالية- بما فيها الصهيونية و"دولتها" التي جعلتها ثكنة قومية نووية بالفعل(* - من بقية حكام المسلمين، فهؤلاء يصمت الجنرال عنهم كلياً، رغم أن مجتمعات بعضهم لا تزال تعيش في أقسى ظلمات العصور الوسطى: من حيث العلاقات والتكوينات البنيوية ونوعية المعرفة وسويتها، والصيغ القانونية، والهيكلية المؤسساتية المعتمدة، وأوليات تحقيق "حقوق الإنسان" إلى آخره!‏

السيد الجنرال المبشر إذاً يريد عرباً ومسلمين تابعين كلياً- وبخنوع شامل- للفتح والثقافة الغربيين ومستجراتهما الشايلوكية الصليبية المشتركة!.. أي إنه يريد ملياراً من البشر الذين يقبلون التخلي طوعياً عن هوياتهم الحضارية القومية، المتمايزة داخل إطار وحدة المنظومة القيمية الإسلامية الجامعة، والتخلي بالتالي عن كل ما تتطلبه هذه المنظومة من مقاومة الشرور الكارثية التي ألحقها ويلحقها الرأسمال العالمي بالبشرية كلها!.. وكل ذلك مقابل وعود بأن يكون لهذا المليار ما يأكله من فتات المائدة الإمبريالية الكبرى في ترتيبها الصهيوني/ الأميركي الجديد!!‏

وهكذا نجد أنفسنا- ومن جديد- أمام توضيح أكبر لصيغة "مفترق الجحيم" التي تبشرنا بها مخططات السيد الجنرال الوزير، تحت كل هذه الأغطية من التزويرات والتلفيقات التاريخية وغير التاريخية، وعبر تأنيب مجتمعات تضم خمس سكان الكرة الأرضية على أنها لا تقبل (الفتح، والثقافة الغربية) من أجل "التحديث والعصرنة".. والديموقراطية أيضاً!‏

-4-‏

لاشك في أن كلمات مثل: التحديث، والعصرنة، والديمقراطية، هي كلمات تجعل "اللعاب يسيل" اشتهاءً لها في مجتمعات تعرضت، عبر هذه القرون من الفعالية الرأسمالية/ الإمبريالية، لكل هذا التخريب والتدمير والنهب والابتزاز ومصادرة حق الحياة المتفتحة وتطورها.. بمختلف الأساليب والأدوات التي وظفتها- ولا تزال توظفها- تلك الفعالية الشرانية المدوخة! ويميل الكثيرون داخل هذه المجتمعات، حتى ممن يعتبرون أنفسهم مفكرين كباراً وتقدميين جداً، إلى تحميل أسباب تلك المستجرات الكارثية لما هو ذاتي محض في تلك المجتمعات، خصوصاً حين يجعلون "ميراثاتها الحضارية" هي وحدها العائق في وجه التطور التكنولوجي و(اللحاق بالغرب)، بالتالي!‏

أما لماذا (اللحاق بالغرب)، أي الصيرورة "على مثاله صورته!" كما يقال؟!.. وهل فعلاً ينبغي إنسانياً- أو حتى يمكن راهنياً- أن يكون الأمر كذلك؟! فذلك ما لا أستطيع- لا أنا ولا غيري- سبر أسبابه الكاملة، بكل الدقة المطلوبة، في عقول أولئك المفكرين!‏

وأعتقد أنني قد أطلعت في حياتي على كم وفير وكافٍ من التنظيرات، والمشروعات الفكرية التنويرية، والكتابات ذات الطابع السلفي، وبرامج أحزاب من اتجاهات مختلفة، ومجادلات فكرية وعقائدية متنوعة الغايات.. الأمر الذي يؤهلني لأقول جازماً بأن أحداً من سائر المفكرين في النطاقيْنِ العربي والإسلامي لم يضع يده على لب القضية المطروحة أعلاه وجوهرها وأساسها:‏

النظام القيمي الغربي، مدروساً أو منظوراً إليه في سياق تكونه التاريخي، وما يستدعيه من نمط فعالية بالضرورة، حيث يجب أن يُرى النظام الرأسمالي/ الإمبريالي العالمي ومستجراته في إطار مقتضيات ذلك النظام القيمي الذي يصنع التكون التاريخي الاجتماعي/ الاقتصادي لأصحابه، وينظم سيرورته، بقدر ما يؤكد ذلك التكون والسيرورة مجموع النظام القيمي المعني وتفصيلاته.. ثم النظام القيمي العربي/ الإسلامي منظوراً إليه أيضاً في سياق تكونه التاريخي.. إلى آخر ما أوجزناه في الأسطر الثلاثة السابقة عن النظام القيمي الغربي.‏

وبالطبع، يجب خلال ذلك العمل الفكري المزدوج أن تجري المقارنة دائماً بين النظامين القيميين المذكورين وإظهار ما بينهما من تعارض، ودائماً: بالإرجاع إلى معايرة كل من النظامين مع مستجراته إلى "وظيفة"- أو وظائف- كل منهما في خدمة نجوع البقاء الحضاري للبشرية.. أو مصادرة هذا النجوع ونقضه!‏

إن كل بحث لا ينطلق من هذا الأساس الايبستومولوجي لكشف ما هو وظيفي في سياق تطور التاريخ الحضاري العام هو- في رأينا- بحث لا ينتهي إلا إلى "تيه" أو غلط قاتل. وقد يكون مفيداً هنا أن نضرب بعض الأمثلة الدالة، واعدين بأن تقتصر على ما يخدم مجادلتنا لأفكار السيد الجنرال المبشر، وحسب.‏

الكتابات ذات الطابع السلفي مثلاً لا تزال تحتفي فقط بالتركيز على "عظمة الإسلام" متباهية بما قدمناه للحضارة العالمية من منجزات روحية وعلمية.. دون أن تقول لنا بوضوح ماهية "القيم" التي انطلق منها عصر السيادة الحضارية العالمية للثقافة العربية الإسلامية، باعتبار تلك "القيم" منظومة ناظمة لسياق حركة التاريخ في ذلك العصر، وباعتبارها قبل كل شيء- وبصرف النظر عن طبيعة مصدرها: إلهياً كان أم بشرياً- موضوعة للاستعمال الدنيوي الإنساني.‏

وهكذا لا تكتفي الكتابات السلفية النمطية بتجاهل المستقبل الدنيوي، بل إنها أيضاً ترده إلى ماضٍ مفهومٍ بصورة انتقائية.. والكل مردود إلى (عالم الغيب الإلهي)، حيث العالم الدنيوي يكاد لا يساوي شيئاً أكثر من كونه "معبراً" يمارس فيه الأفراد تطهير ذواتهم شعائرياً كي يظفروا بنعيم عالم الغيب! ولا أعتقد أن جوهر الإسلام يدعو إطلاقاً إلى حصر العالم الدنيوي في مثل هذا الاعتبار الفقير!‏

على أنه من الطريف أن تكون واحدة من آخر المحاولات الفكرية لمصالحة أصل الإسلام (أي القرآن الكريم) مع العصر هي "عملية مركسة" مبتذلة للقرآن، بمنظوماته الدنيوية والأخروية معاً! ومن لا يصدق فليتمعن جيداً في كتاب (القرآن والكتاب) لمؤلفه الدكتور المهندس محمد شحرور، وليتبصر في ما توصل إليه من نتائج تدعو إلى الرثاء! وبالمقابل كانت الردود عليه أكثر إثارة للشفقة منه ذاته!!‏

ولن نعرض هنا للدوغمائية الماركسية العربية على اختلاف تياراتها خلال ما انصرم من هذا القرن، فهذه حديثها يطول.. لكننا سنشير إلى أن مفكراً مثل صادق جلال العظم يدعو في كتابه (ذهنية التحريم)- وفي معرض دفاعه عن سلمان رشدي- إلى ضرورة (إسقاط المقدس)، على طريقة ما فعله المفكرون والمثقفون الغربيون خلال عملية "نهضة أوربا!" كي نستطيع أن "نتقدم!" ونلحق بالغرب وننافسه، وعلى طريقته!!‏

أي مقدس يجب إسقاطه؟! وكيف؟! ولماذا؟! ذلك ما نستطيع المجادلة فيه.. ولكن في غير هذا المكان! ولنلاحظ أن أي مجتمع أو كائن فرد لا يمكنه الاستمرار المتوازن بدون (مقدسٍ ما). فإذا كان الغرب يقدس الثروة وتملكها، ويؤله المادة التي هي منشأ الثروة، ومدار التملك، وأساس استجرار الكوارث على البشرية.. فما هي مسوّغاتُ إعادة تكوين "صورتنا" الحضارية على مثال صورته؟؟‍‏

أما المثال الأخير الذي نعرض له هنا فهو مشروع الدكتور محمد عابد الجابري المتمثل في ثلاثة كتب من قائمة مؤلفاته الكثيرة: (تكوين العقل العربي- بنية العقل العربي- العقل السياسي العربي). فقد شكلت هذه الكتب الثلاثة محور مشروع تنويري مختلف عن المشروعات الأخرى الكثيرة إلى حد ما، والمتشابهة في أهدافها.. وإن اختلفت مجريات البحث في كل منها عن الآخر.‏

ولاشك في أن مشروع الجابري هذا ينم عن الإطلاع الواسع والموسوعي في ميدان الثقافة العربية: تاريخها، ومجريات حركتها، وتطور نظمها الداخلية.. إلى آخره. لكن هذا المفكر يرتكب بضعة أخطاء قاتلة، يدخل أهمها في صميم منهج البحث لديه. وأول هذه الأخطاء هي: فصله التعسفي ما بين الايبيستومولوجي (المعرفي المحض) وما بين الأيديولوجي- ونحن نقول: الوظيفي- عند بحثه في نظم الثقافة العربية التي أنجزها العقل العربي الإسلامي، مشرقاً ومغرباً، مثلما أعاد إنتاج ذاته عبر إنجازها ذاك. وإذا كان هذا "الفصل" قد أعدم أو كاد، وحدة سياق الصيرورة المعرفية على حركة حاملها الاجتماعي/ الاقتصادي، فإنه بذلك- أي بالفصل بين المعرفي ووظيفته- قد أهمل كلياً أن يلتفت أي التفات إلى المنظومة القيمية الأساسية المتضمنة في (النص القرآني الكريم).. وبذلك صب الجابري مجهوده الإجمالي في مشروعه هذا على البحث في كيفيات "القراءات" المعرفية للقرآن- عبر المجادلات والسجالات المذهبية ذات المرتكزات الاجتماعية/ الاقتصادية/ السياسية، في الأصل - وبدلالة اللغة العربية التي لم ير فيها هذا الباحث غير "بناء مقسور ومصنع" أنجزه صاحب معجم العين، وحدده "عالم البدوي النمطي" في صحرائه الفقيرة.. الأمر الذي ضيع أيضاً تاريخ اللغة ومواريثها العريقة، مثلما ضيع المعنى العام لكلمة الإسلام، حسب المنطوق القرآني ذاته، حيث كان يتم التأكيد مرة بعد مرة على أن ما جاء به النبي العربي(ص) إنما كان تجديداً وإكمالاً لكل ما هو إيجابي في مواريث منطقتنا العربية منذ تأسيسنا للحضارة حتى لحظة البعثة المحمدية. والآيات القرآنية الكريمة في هذا الباب كثيرة لمن شاء مراجعتها والتمعن فيها‍‍!‏

أما الخطأ القاتل الآخر، والبالغ الأهمية في مشروع الجابري، فهو اعتماده (النظام المعرفي الأرسطي) كمعيار "للعقل العلمي" في جميع العصور السابقة على نهضة أوربا- والجابري منحاز كلياً للعقل العلمي كما يقول-، وبالتالي كمعيار تقاس عليه صلاحية النظم الثقافية العربية الثلاثة: البياني، والعرفاني، والبرهاني! إن الخطأ القاتل هنا لا يتمثل فقط في أنه يأخذ على "الحضارة العربية الإسلامية" برمتها عدم إنجازها لما ستنجزه أوربا لاحقاً باعتمادها على الأرسطوية منقولة إليها عبر الرشدية.. وبالتالي: إن ذلك الخطأ لا يتمثل فحسب في تطلعه إلى أن "نلحق!" بأوربا المعاصرة تكنولوجياً واقتصادياً- وكأنما التكنولوجيا والاقتصاد لا يتأسسان على منظومة قيمية معينة تكمن في أساس حركتهما ونموهما!!- بل هو أساساً ينحاز للنظام المعرفي الأرسطي دون أن ينظر إلى السياق التاريخي الذي أُنجز فيه، وإلى منظومة قيم العصر العبودي الإغريقي حيث امتلاك الثروة الناجم عن الاحتفاء "بالمادة"- ولنجازف بالقول: المادة المؤلهة فعلياً!- هو "المناخ الناظم" لإنتاج الأرسطوية. والأرسطوية التي أنجزت في بلاط فيليب المكدوني وابنه الاسكندر كانت مجرد دحض ماديّ لسائر الفلسفات اليونانية السابقة التي أُنجزت في ظل الروحية المصرية/ السورية القديمة، وتحت ثقل تأثيرها، وهذا ما قد يفسر لنا سر عدم استرسال أرسطو- كما يقول الجابري- في البحث حول "المحرك الأول" للكون والذي هو غير متحرك، أو "العقل الفعال" المفارق للمادة والفاعل فيها باستمرار، أي (الله). لقد كان أرسطو يبحث في قضايا العالم المادي، وأوصلته مقتضيات تطبيق (جهازه المفاهيمي) إلى القول بوجوب وجود هذا (العقل الفعال المفارق)، دون أن يرتب على ذلك أية قيمة على مستوى العلاقات الدنيوية بين البشر.‏

ملخص القول: إننا لا نستطيع أن نوافق على وجود "معرفة من أجل المعرفة"- حسب قولة الجابري عن أرسطو- أي إننا لا نستطيع أن نوافق على وجود معرفة بلا وظيفة في المحصلة النهائية. ومشروع الجابري، الذي يُلخِّص بتوصيف ممتاز نظم الثقافة العربية الإسلامية في نشأتها وسيرورتها على المستوى الايبستيمولوجي المحض، إنما يريد أن يؤسس لنا "أرضاً معرفية" لتراثنا كيما يقول لنا: هذا هو طريق اللحاق بالغرب، تكنولوجياً واقتصادياً وسياسياً، فكأنما القيم واحدة هنا وهناك.. وبالتالي، كأنما هذا التراث قابل لتغيير إيقاعه في عمق الكينونة الاجتماعية العربية والإسلامية كي ينهج نهجاً أوربياً خالصاً، وسط كل الخراب الذي استجرته أصلاً هذه الغاية ومسبباتها الخارجية!‏

واستكمالاً للصورة الثقافية والفكرية العربية القائمة نشير بسرعة إلى أولئك (المستغربين) كأدونيس الذي يرى أن معرفتنا لهويتنا لابد أن تمر عبر معرفة (الآخر/ الغرب) في منجزاته الإبداعية وحسب.. أو إلى أولئك الذين يطالبون بضرورة إسراع العرب في إيجاد موقع لهم داخل النظام العالمي الجديد!! (* .. فهؤلاء جميعاً "يفكرون!" للشرق الذي خرجوا منه بمناهج غربية خالصة، ومن مواقع (الترف المعاشي) الذي أمُّن لهم كمشتغلين في العمل الأكاديمي أو ما يوازيه في عواصم ذلك الغرب المبهر!!‏

إن ما نريد أن نخلص إليه من هذا الاستطراد الموجز، ونحن نهم بمناقشة الجنرال الوزير بيريس في مسائل العصرنة، والتحديث، والديمقراطية، كما يراها هو ويريدها لنا، هو أن بانوراما الفكر العربي الراهن الذي كان يجب أن يتحقق فيه وعي الذات والهوية الحضاريين، هي بانوراما متشكلة من نمطين اثنين للتبعية المعرفية:‏

الأول : نمط التبعية السلفية ذات الطابع الانتقائي، حيث يجري اختيارٌ جُزافيٌّ لمجموعاتٍ من (معارف الماضي) وحيث تجري بذلك- ذهنياً- مصادرة المستقبل وإعادة تأسيسه على مثال صورة ذلك الماضي.‏

الثاني : نمط التبعية للغرب، بمناهجه وطموحاته وما هو شكلي في إنجازاته. وهنا يصاغ المستقبل العربي- ذهنياً- على مثال صورة الغرب الظاهرية، ودون النظر إلى خصوصية موجودية الشرق إلا في جوانب التخلف الاقتصادي والتقني وحسب.‏

وكنا قبلاً نضيف نمطاً ثالثاً من التبعية هو نمط التبعية الدوغمائي (لشرق الغرب) الاشتراكي السابق، حيث كان أتباع هذا النمط يرون حتمية إنشاء مستقبل العالم برمته- لا مستقبل العرب والمسلمين وحدهم- على مثال صورة ما تحقق في دول المنظومة الاشتراكية. لكن انهيار هذه المنظومة قلّص- بعمق وقوة- من بقاء هذا النمط وانتشاره.‏

وفي كل هذه الأحوال ينتفي النظر الموضوعي الناجع في حقيقة هويتنا الحضارية التي هي جوهر تركيبتنا التاريخية/ الاجتماعية/ الاقتصادية.. والتي تأسست واكتملت على قاعدة منظومتنا القيمية المعيارية الخاصة مثلما تعززت فيها وبها هذه المنظومة.‏

إن السيد الجنرال بيريس، وهو ينعى على العرب وبقية المليار من المسلمين أنهم (يعارضون!) التحديث والعصرنة مثلما ينعى عليهم أنهم غير قابلين للديمقراطية وفق منظوره، يدرك جيداً عمق الخراب البنيوي التحتي للشرق العربي والإسلامي بسبب الممارسات الإمبريالية عليهم.. مثلما يدرك جيداً أيضاً أوجه القصور المعرفي العام عندهم لحقيقة (الذات) بازاء (الآخر/ الغرب) بما فيه الصهيونية!‏

فما هو هذا التحديث والعصرنة والديمقراطية التي يريدها لنا؟! وكيف؟! ولماذا.؟!‏

واضح تماماً أن السيد الجنرال يعني بكلمة (التحديث): إعادة تشكيل البنى المجتمعية التحتية في البلدان العربية وبقية منطقة الشرق الأوسط ذات الصلة برؤاه ومخططاته- ودائماً يجب أن نتذكر أن هذه البنى متخربة: بفعل إنهاكاتٍ ذاتية من قرون الانحطاط، ثم بفعل الابتزاز الرأسمالي التدميري فيها لاحقاً- لكن ذلك التشكيل الذي يطلبه ينحصر في جعلها (نسخة طبق الأصل) عن البنى شبه الأوربية: من الناحيتين الهيكلية والمفهومية، كما من الناحية القيمية. ونقول: (شبه أوربية)- أو مغربة بالأحرى- لأن هذه البنى يجب أن تظل تابعة، ولكن بصورة تؤهلها للمساهمة في التجديد الناجع لدورة الرساميل عبرها! ففي منطقة الشرق الأوسط يوجد (60% من المصادر النفطية العالمية، كما إن الشرق الأوسط يمثل سوقاً هائلة محتملة، ونجاحه إنما يفتح فرصاً لا حدود لها في المنطقة) ص39-‏

إننا أمام قولة الجنرال هذه نكون قد وصلنا إلى بيت القصيد في كل أطروحاته التبشيرية حول شرق أوسطه الجديد.‏

إن الفرص التي لا حدود لها في المنطقة هي لمن يملك المقومات الثلاثة للقوة حسبما عدها توفلر: الآلة العسكرية والمعرفة العلمية التكنولوجية، والثروة الرأسمالية. وواضح أن من يمتلك هذه المقومات الثلاثة في المنطقة امتلاكاً متوازناً هو الذراع الرأسمالي الصهيوني، الفاعل عبر ثكنته: (دولة إسرائيل الحديثة!).‏

وعليه، فإن إعادة هيكلة البنى الاجتماعية الشرق أوسطية، في شروط الحدود المفتوحة والحركة الحرة للرساميل، حسبما يلح الجنرال باستمرار، إنما تعني وفق منطقه إعادة تأهيل لتلك البنى كي تخدم (فرص الرساميل التي لا حدود لها في المنطقة) علماً بأنها أولى المناطق الاستراتيجية في العالم، وبسائر المقاييس.‏

لكن التأهيل المطلوب في مستوى إعادة التشكيل لتلك البنى المخربة يتطلب نفياً عاماً لكل المفهومات الإيجابية المتبقية لديها من موروثات الماضي.. وهنا يظهر لنا بعد إجرائي جديد لما كان السيد بيريس قد نصحنا به قبلاً من ضرورة نسيان ما يرى هو أن علينا نسيانه من التاريخ.‏

لكن مسألة نفي موروثنا والانخراط في المشروع الصهيوني وفقاً لأسسه الشايلوكية/ التلمودية، تحتوي ضمناً وجوب تنكرنا لمنظومتنا القيمية العامة مع كل ما ارتبط بها من ثقافة وعلاقات واعتقادات خلال تاريخنا الحضاري الكلي، واستبدال ذلك كله بمنظومة القيم البراغماتية الشايلوكية مع ما يلحق بها من ثقافة وعلاقات.. أو ببساطة: قبول النفي الشامل لهويتنا الحضارية المخصوصة التي يقوم وجودنا عليها وعلى احتمالات تطورها الذاتي في سياق الحياة الإنسانية. ويبدو أن هذا هو ما يراه السيد بيريس شرطاً حتمياً لنجاح فرص الرساميل في الحركة الحرة عبر الحدود المفتوحة، أي داخل كل تكويناتنا الاجتماعية/ السياسية/ الثقافية الراهنة.‏

وكي يقنعنا السيد بيريس بهذا كله دون إحراج فهو يعلن لنا بنبرته الوادعة: (ما يصلح لبقية العالم يصلح لإسرائيل والعالم العربي) ص38- وبالطبع، كان الأجدر به أن يكون أكثر انسجاماً مع نفسه ومع منطق تبشيره فيقول: إن ما يصلح لكم كعرب مصادرٌ صهيونياً وإمبريالياً، وإن لم تقبلوا فإن كل عناصر القوة التي نملكها نحن وحلفاؤنا كفيلة بإرغامكم على القبول.‏

والواقع، إن (ما يصلح للعالم)، أو ما أرغمت غالبية شعوب العالم على القبول بأنه يصلح لها، إنما كان يأتيها في صيغة غزو من الخارج، أما نحن العرب فيأتينا ذلك الآن من الخارج، ومن الداخل بصورة أساسية.. فالمشروع الشرق أوسطي في صيغته البيريسية هو محاولة لتفكيكنا نهائياً من داخلنا كيما تتم استجابتنا لما هو خارجي دون أية معارضة، وهذه نقطة حاسمة أو نقطة اختلاف جوهرية لا مناص من وضعها في أساس المقارنة مع أي وضع مشابه في العالم!‏

إن للمستوطنين الغزاة في تاريخ المرحلة الرأسمالية كلها أسلوباً موحداً في التعامل مع ضحاياهم. فغزاه أميركا الأوائل كانوا يقدمون للهنود الحمر البسطاء كثيراً من الخرز الملون التافه كي ينعموا بكرم ضيافتهم الأصيل، وعندما تحين لهم الفرصة المناسبة يبيدونهم ذبحاً وتقتيلاً. والسيد بيريس، المتشبع بتعاليم صهيونيتِهِ (ومهامه التبشيرية الأولى) خلال تجربة جيله الاشكنازي سابقة الذكر، لا يستطيع أن يخرج عن أسلوب الغزاة الموصوف أعلاه. إنه هو الآخر يحاول أن يقدم لنا (خرزه التافه)- رغم علمه أننا لسنا الهنود الحمر‍- فيما هو يحاول أن يدوّخنا "برقصه الثعلبي" تحت شجر الكلام المخاتل عن رؤاه التحديثية.‍ فلنلخص كل ما عرضنا له حتى الآن من مقدمات تقديم ذلك "الخرز" لنا:‏

حسب الجنرال، الناس في منطقة الشرق الأوسط غرقوا في اليأس والإحباط لأنهم حاولوا الصراع ضد تجربة جيله الاشكنازي ونتائجها.. وهذا الصراع حمل الزعماء (على تجاهل قدرات بلادهم التنموية، كما تجاهلوا مستوى المعيشة ورخاء الشعوب) ص36- إن الأمر إذاً- حسب هذا المنطق- هو أمر "غباء شعوب، وأمر انتهازية زعماء مفسدين!" ولا صلة للنهب الإمبريالي التدميري بشيء من ذلك كله!.. والدليل هو أن الجيل الاشكنازي الخزري الفاتح "حارب الاستعمار!" هنا في هذا "العالم الجديد!!" وانتزع استقلاله من ذلك الاستعمار- أي نعم!!- وأقام (دولة إسرائيل الحديثة!) التي أكملت "قصة الأجداد وقضيتهم!" وجاء معها بالعلم والتكنولوجيا والرفاه.. إلى آخره، وذلك بعد مرحلة انقطاع سادتها الكوارث والزلازل والفيضانات وسفك الدماء، ليس غير!.. إلى آخر المعزوفة الصهيونية المعروفة. وهكذا، فإن بؤس الناس- أي العرب- ويأسهم المحبط هو محصلة "غبائهم" في التعامل مع (إسرائيل الطيبة والجيل الخزري الاشنكازيّ المختار!) ومحصلة فساد زعمائهم الذين لا يريدون إلا كراسيهم تحت ستار كثيف من الشعارات المضادة لهذه الـ(إسرائيل) العجيبة!‏

إن هذه المقدمة الفهلوية ترمي إلى إعدادنا لتقبل تبشيرات الجنرال بعصر رفاهه الصهيوني/ الإمبريالي المشترك في ما يسمى النظام العالمي الجديد. وهنا يتوجب علينا نسيان ما اصطنعته القوى الإمبريالية من "أدوات" حاكمة في كثير من أقطار الشرق الأوسط، باعتبارها الأدوات الخادمة/ الحاكمة في أمر تدبير مسيرة الحياة الذاتية العامة للمنطقة بما يخدم مصالح تلك القوى في نهاية المطاف.‏

وهذه الفهلوية في التبشير من قبل السيد بيريس- بكل ما فيها من تزوير ودجل معرفي وسياسي- يسوقها حضرته في خطاب طنان مطنطن لغاية تحريض الشعوب- والعرب خصوصاً- على رؤية ما يريد لها أن تراه.. ليس غير. وهو إذ يعلن برنامجه لاحقاً فإنما يكون بذاك الخطاب قد هيأها للتكاتف مع (دولته الطيبة جداً جداً!) من أجل استثمار ثروات المنطقة بإشرافها. وسنرى قريباً ما يعد به فعلاً هذه الشعوب (المصابة باليأس والإحباط!) بعد إعادة تأهيلها الموصوفة سابقاً للعمل في خدمة الوليمة الموعودة- أو المائدة- التي ترجوها الإمبريالية الصهيونية/ الأميركية وتوابعها من خطط الجنرال لاستثمار شرقنا العربي واعتصاره كلياً واستنزافه!‏

وإذا شئنا استباق الأمور قليلاً، لحاجة مجادلتنا مع الجنرال إلى ذلك، فإنه يمكن لنا القول:‏

إن العرب سيحصلون من فتات الوليمة على ما يكفي لسد رمقهم، ولجعلهم قادرين على الاستمرار في خدمة المائدة الإمبريالية الكبرى الموعودة. وبعد تمام استنزاف ثروات المنطقة يكون لكل حادث حديث، وفقاً لما سيكون من تغييرات وما سيحدث من مستجدات: محلية وإقليمية وعالمية!‏

وليكن الجميع حذرين!.. فمن يبارك ما هو مطلوب في برنامج استثمار الـ(60% من المصادر النفطية العالمية.. ومن يدخل كتابع في السوق الهائلة المحتملة.. ويساعد على تأمين فرص الرساميل التي لا حدود لها في المنطقة) فإنه سيظفر بالخرز الملون، وبشرف الخدمة حول المائدة الكبرى المرتقبة!.. أما أولئك المترددون، ومن يظهرون أقل الرفض للتعاون فإنهم "إرهابيون".. وخطرون على السلام العالمي.. والتتمة معروفة!‏

ذلك هو (التحديث)، وأولئك من هم معه ومن هم ضده حسب منطق الجنرال. فماذا إذاً تعني "العصرنة" تبعاً لذلك وتأسيساً عليه؟! ثم كيف ترتبط بها مسألة الديمقراطية انطلاقاً من كل ما سبق؟!‏

ببساطة، تتضمن العصرنة- حسب منطق بيريس- جانبين رئيسيين متعلقين جذرياً بصيغة التحديث التي سبق شرحها. وكل من هذين الجانبين يتكامل مع الآخر تكاملاً ديناميكياً لتكون محصلتهما نوعاً من الصيغة العملية الإجرائية لنفي واجتثاث أسس الهوية الحضارية العربية أولاً بأول، وبقية الهويات القومية لأعداد من الشعوب الإسلامية الأخرى لاحقاً.‏

ويتلخص الجانب الأول هنا بفكرة بيريس عن الدولة العصرية باعتبارها مجموع هرم مؤسساتي يتحرك وفقاً لمجموعٍ من القوانين الناظمة.. على أن يكون "الكل" مشروط الفعالية بوظائفه في خدمة حركة الرساميل الشايلوكية/ الأميركية خصوصاً عبر الحدود المفتوحة! أي " صورة مُغرَّبة " من صور الدولة الغربية مع تبعيةٍ كاملة مُعلنة! أما الجانب الثاني فيتلخص في إقامة (المشروعات التكنولوجية) والمؤسسات المالية والمصرفية الموازية.. في نطاق الاشتراطات الوظيفية السابقة ذاتها.‏

وعلى هذا وذاك تكون الديمقراطية المعنية في مشروع السيد بيريس هي (حرية!) الجميع في تقبل اغترابهم النهائي داخل تلك الاشتراطات الوظيفية ومستجراتها العامة التي تلخصها عبارة (الفتح والثقافة الغربية)! والسيد بيريس، إذ يخاطبنا بطريقته التمويهية الماكرة، يعرف جيداً أن المجموع الشعبي يجاهد فعلاً، منذ أكثر من قرن، من أجل التحديث والعصرنة والديمقراطية وسائر مستجراتها ومتطلباتها.. ولكن: على أسس أخرى متناقضة جذرياً مع أطروحات الصهيونية والإمبريالية وغاياتهما، أي مع أطروحات بيريس في برنامج صهيونيته حسبما قدم لنا صياغته!.‏

وإذا كنا لسنا في صدد تحديد تلك "الأسس الأخرى" وبسطها هنا، فإننا نستطيع الجزم بأن (أجواء اليأس والإحباط) التي يتحدث عنها الجنرال، إنما جرى ترتيبها بكثافة في هذه المنطقة، منذ أيام زميله الصهيوني المعروف كيسنجر في الخارجية الأميركية، كطريقة في الإعداد السيكولوجي لكل شعوب الشرق الأوسط كيما تتقبل- أو تصبح جاهزة لتقبل- كل ما يجرى الآن من خطوات على طريق تحقيق مشروع بيريس الذي سبق أن سميناه (الحلقة الوسطى) من برنامج الهيمنة الصهيونية على العالم: حلقة إنجاز الإمبراطورية العسكرية والاقتصادية الصهيونية في هذه المنطقة الذي سنظل ندعي أنها "قلب العالم" فعلاً.‏

أفليس كل شيء في أطروحات بيريس يريد أن يمسك بنا هادئين صامتين على مفترق الجحيم القادم، بعد أن استغرقت تهيئتنا الإجمالية لذلك أكثر من قرن؟!‏

إننا إذ نترك الجواب معلقاً، نظراً لشدة وضوحه عند القارىء، لا يسعنا إلا أن ننظر الآن في قضية قد تكون ذات أهمية بالغة لمن يهمه الأمر من سائر الحكومات والحكام العرب، وسواهم من حكام المسلمين أيضاً.‏

إن من المعروف، وفقاً لقوانين علمي الاجتماع والتاريخ، أن كل تجديد في هيكلةِ وتأهيل البنى التحتية الاجتماعية/ الاقتصادية/الثقافية- طبقاً لاشتراطاتٍ وظيفية جديدة- يستلزم بالضرورة تجديداً موازياً في مجموع مؤسسات البنية الفوقية التي سنلخصها هنا- تجاوزاً- بكلمة "الدولة".. ويستلزم بالتالي تغيير أدواتها: أفراداً ونظماً، بما ينسجم مع المقتضيات الوظيفية الاستراتيجية الجديدة، ومشروعات صانعيها.‏

والسؤال الذي يفرض علينا نفسه هنا بقوة قوية هو:‏

أليست مختلف الحكومات في المنطقة موضوعة هي الأخرى- مثلها مثل شعوبها- على مفترق الجحيم في إطار ما هو مطلوب صهيونياً وإمبريالياً.. وفي القريب العاجل؟!‏

سؤال يخص جوابه أهل الحكم في المنطقة بالطبع، ولهذا فإننا نقول ببساطة: إنه- أي الجواب- لا يعنينا بصورة مباشرة كمجادلين لتصورات خصم في غاية الدهاء.. جدالاً على المستوى المعرفي والإيديولوجي النظري، لا أكثر ولا أقل!‏

***

ثمة ملاحظة أخيرة قد لا تكون داخلة في صميم معالجتنا لكتاب السيد بيريس، ولكنها عميقة الدلالة في هذا السياق إذ هي تكشف عن حقيقة رغبات الصهاينة بما يسمونه (السلام!) مثلما تكشف عن مدى (حيادية!) أميركا في موقفها مما تسميه (أطراف النزاع في الشرق الأوسط). وهذه الملاحظة هي معلومات عن حجوم إمدادات السلاح "لإسرائيل" ونوعيته.. وما إلى ذلك. فقد أوردت مجلة الكفاح العربي البيروتية في العدد 851- تاريخ 21/11/1994 ما يلي: تبلغ الميزانية العسكرية الإسرائيلية للعام 1995 مبلغ (8.3) مليار دولار أي بزيادة /600/ مليون دولار من عام 1994، مثلما حصلت على أسلحة أميركية حديثة (50 طائرة F16و400 عربة نقل مدرعة وعدد من صواريخ باتريوت) بقيمه 3 مليار دولار كهدية! وفوق ذلك أوصت على 20 مقاتلة عالية الحداثة من طراز F15 ووُعدت بتزويدها بالسوبر كومبيوتر لمساعدتها في إنجاز برنامجها عن الصواريخ بعيدة المدى (1500كم).‏

ومن جهة أخرى نقلت إذاعة لندن بتاريخ 21/11/1994 عن السيدة ريم خلف وزيرة التجارة الأردنية أنها أنذرت المنتجين الأردنيين بحتمية الخسائر التي ستلحق بهم في شروط التنافس الجديدة (هكذا!!!) مع المنتجين الإسرائيليين الذين يصدرون منتجاتهم بمواصفات عالمية عالية(!!!).‏

فليقارن القارىء بما سبق أن أوردناه وليتأمل كم هو ضيق وصعب وقصير مفترق الجحيم هذا الذي يريد الصهاينة حشرنا فيه تحت شعارات مُضلِّلةٍ عن (سلام ورفاه) زائفين!!‏

(* أبرزنا دوره في تأسيس قوة " إسرائيل!" النووية وتطويرها كمثلٍ على ذلك، في ملاحظة سابقة.‏

(* سنرى لاحقاً صحة ما نقوله هنا، حيث الجنرال المبشر يتنكر تماماً لما يقوله هنا عن مفهوم (العمق الاستراتيجي)، فيعود إلى المطالبة ببقائه لدولته ممتداً من البحر حتى نهر الأردن.. حفاظاً على ما يسميه (أمن إسرائيل)!- انظر الفقرة الخاصة بمناقشة أفكاره عن (الكونفدرالية) في الفصل الأخير من كتابنا هذا.‏

(* نص العبارة كما وردت في خطابه في ذلك المؤتمر، وحسبما تناقلته أجهزة الإعلام: (في عصر العلم والتكنولوجيا يجب أن نعترف بأن الأرض لم تعد مهمة .. بل المهم هو كيف نحقق رفاه الإنسان).‏

(* مرة أخرى ننبه إلى أن بيريس لا يصادر وحسب على كل تفكير بالوحدة القومية العربية، بل سنراه يحوّل كل هوية قطرية عربية إلى هوية قومية منفصلة حيث لا يربط بين هذه الهويات إلا صدى انتمائها إلى( العرق العربي ) كما يسميه . وهكذا يقوم سعادته برسم مصائرنا على هواه!‏

(* ) حين نذكر هذه العبارة، مجردةً، فنحن نعني بها: مشروع السيطرة على العالم وفقاً للتصورات التلمودية - وبشأن هذه التصورات، راجع (الكلمة الصافية) لقاسم الشواف‏

(* هناك بين المستشرقين كثرة من (الباحثين اليهود) إضافة إلى البقية من الكاثوليك والبروتستانت والأنغليكان. والقلة القليلة من هؤلاء كانت منصفة إلى حد ما في تعاملها مع حضارة المنطقة، ومع العصر الحضاري العربي الإسلامي بوجه خاص. والندرة من هذه القلة المنصفة فهمت جيداً روح الإسلام وجوهره وتعاملت معه بدرجة مقبولة من الموضوعية!‏

(* ليكن واضحاً أننا ضد أية أطماع إيرانية- صغيرة أو كبيرة- في أية أرض عربية تحت أية ذريعة، غير أننا- بالمقابل- نميز جيداً بين موقفها العام المناهض لآليات الابتزاز الامبرياليم الصهيوني، وبين الخلافات الحدودية الجزئية مع بعض الأقطار العربية، وهي خلافات سهلة الحل في نهاية الأمر!‏

(* يوم كتابة هذه الكلمات 15/11/1994/ نقلت إذاعة مونت كارلو تقرير إحدى المجلات الانكليزية المعنية بالدراسات العسكرية والاستراتيجية حول التسلح النووي" لدولة اسرائيل" فأبرزت- اعتماداً على صور الأقمار الصناعية- أن لديها سبع منشآت نووية متكاملة نذكر منها: مفاعل ديمونة المشهور، ومركزاً شرقي حيفا لتخزين الأسلحة النووية التكتيكية، ومركزاً آخر تحت الأرض يضم خمسين قاعدة- أي مجموعة منصات- لإطلاق الرؤوس النووية ذات المدى الاستراتيجي، وجميعها محمل على صواريخ أريحا2، بعيدة المدى والغايات أيضاً!!‏

(* جاء ذلك في ندوة عقدت بباريس للبحث في قضية (العرب وموقعهم من النظام العالمي الجديد) شارك فيها عدد من كبار مثقفينا العرب المستغربين، وكان ذلك عام 1990. وقد نشرت الندوة كاملة في أحد أعداد مجلة الفكر العربي المعاصر آنذاك. ونعتذر من القارىء لعدم تحديد رقم العدد وتاريخه نظراً لفقدانه منا، وعدم توفره وقت كتابة هذا الكتاب.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244